← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أَنَّ الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ أَمَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَجْزَاءِ وَالشُّرُوطِ فِيهِ كَافِيَةٌ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ، وَتَرْجِيحُ الصِّحَّةِ بِصِحَّةِ الْأَجْزَاءِ أَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِ الْبُطْلَانِ بِالْوَصْفِ الْخَارِجِيِّ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً هُنَا يَجْرِي النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَوْجُودًا شَرْعًا أَيْ صَحِيحًا. (وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، وَالرِّبَا، وَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ، وَصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ) هَذِهِ أَمْثِلَةُ الصَّحِيحِ بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ الَّذِي نُسَمِّيهِ فَاسِدًا. (لَكِنْ صَحَّ النَّذْرُ بِهِ) أَيْ مَعَ أَنَّ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَاسِدٌ يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ. (لِأَنَّهُ طَاعَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهِ ذِكْرًا بَلْ فِعْلًا) ، وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا فِي ذِكْرِهِ وَالتَّلَفُّظِ بِهِ فَلَا مَعْصِيَةَ فَصَحَّ النَّذْرُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ذِكْرُهُ لَا فِعْلُهُ. (فَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ) ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِعْلٌ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ. (وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ فَقَدْ نُهِيَتْ لِفَسَادٍ فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ سَبَبُهَا، وَظَرْفُهَا فَأَوْجَبَ نُقْصَانًا فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ لَا مِعْيَارُهَا فَلَمْ يُوجِبْ فَسَادًا فَيَضْمَنُ بِالشُّرُوعِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ) اعْلَمْ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ، وَظَرْفٌ لَهَا، فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ يَجِبُ الْمُلَاءَمَةُ بَيْنَهُمَا فَإِذَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا كَمَا فِي الْفَجْرِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ، وَإِنْ وَجَبَ نَاقِصًا يَتَأَدَّى نَاقِصًا كَمَا فِي أَدَاءِ الْعَصْرِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ظَرْفٌ لَا مِعْيَارٌ يَكُونُ تَعَلُّقُهُ بِالصَّلَاةِ تَعَلُّقَ الْمُجَاوَرَةِ لَا تَعَلُّقَ ــ [التلويح] يَتَقَدَّرُ بِهِ، وَيُعْرَفُ بِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ لَازِمٍ خَارِجٍ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ وَصْفٌ لَازِمٌ لِلصَّوْمِ خَارِجٌ عَنْهُ أَيْ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْإِجَابَةِ مُغَايِرٌ لِلصَّوْمِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ كَتَرْكِ السُّكُونِ، فَإِنَّهُ عَيْنُ التَّحَرُّكِ وَبِالْعَكْسِ وَفِي الطَّرِيقَةِ الْمَعْنِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الصَّوْمِ فَصَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ عُدُولٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ يَقْتَضِي عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قُبْحَهُ لِغَيْرِهِ إذْ لَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ لَمَا كَانَ مَشْرُوعًا، وَأَيْضًا فَوَائِدُ الصَّوْمِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الصَّوْمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تَرْكٌ لِلْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ، وَالْإِجَابَةُ فَمِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُفْطِرَاتِ يَكُونُ عِبَادَةً مُسْتَحْسَنَةً وَمِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى إجَابَةِ الدَّعْوَى يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَالضِّدُّ الْأَصْلِيُّ لِلصَّوْمِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ فَالصَّوْمُ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى الْأَضْدَادِ الَّتِي هِيَ الْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِمَاعُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ، وَبِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى الْإِجَابَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ فَتَرْكُ الْإِجَابَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ، وَتَرْكُ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ فَبَقِيَ الصَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ فَكَانَ فَاسِدًا لَا بَاطِلًا. (قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّ النَّذْرُ بِهِ) أَيْ بِالصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ نَفْسَهُ طَاعَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ هِيَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ

стр. 422

الْوَصْفِيَّةِ فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ بَلْ يُوجِبُ النُّقْصَانَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْوَقْتَ مِعْيَارُهُ فَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِالْوَقْتِ فَيَكُونُ كَالْوَصْفِ لَهُ فَفَسَادُهُ يُوجِبُ فَسَادَ الصَّوْمِ، وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي النَّفْلِ حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا، وَلَوْ أَفْسَدَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا أَمَّا إنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ بَلْ يَجِبُ رَفْضُهُ، فَإِنْ رَفَضَهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ. (وَإِنْ كَانَ مُجَاوِرًا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ) هَذَا الْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ وَصْفًا لَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لِمَا مَرَّ أَنَّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يُوجِبُ الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ يَكُونُ دَالًّا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ أَمْرٍ مُجَاوِرٍ. (كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ) أَوْرَدْت هُنَا مِثَالَيْنِ أَحَدُهُمَا ــ [التلويح] تَعَالَى وَهِيَ فِي فِعْلِ الصَّوْمِ لَا فِي ذِكْرِ اسْمِهِ وَإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلصَّوْمِ جِهَةَ طَاعَةٍ وَجِهَةَ مَعْصِيَةٍ، وَانْعِقَادُ النَّذْرِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى حَتَّى قَالُوا لَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا لَوْ قَالَتْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِي بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ غَدًا، وَكَانَ الْغَدُ يَوْمَ نَحْرٍ أَوْ حَيْضٍ، وَأَمَّا ضَرْبُ أَبِيهِ وَشَتْمُ أُمِّهِ فَلَا جِهَةَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ أَصْلًا، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ إيجَابٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَوْلِ، وَبِالْقَوْلِ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَشْرُوعِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْمَشْرُوعُ إيجَابٌ بِالْفِعْلِ، وَفِي الْفِعْلِ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ، وَهَذَا كَمَا جَوَّزُوا بَيْعَ السَّمْنِ الذَّائِبِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ لِإِمْكَانِ إيرَادِ الْبَيْعِ عَلَى السَّمْنِ دُونَ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِاسْتِحَالَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ) يُشِيرُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ حَيْثُ يَفْسُدُ الصَّوْمُ دُونَ الصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ الصَّلَاةُ دُونَ الصَّوْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلصَّوْمِ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ لِكَوْنِهِ مِعْيَارًا لَهُ وَلِلصَّلَاةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُجَاوِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا لَهَا، وَفِي الطَّرِيقَةِ الْمَعْنِيَّةِ أَنَّ الْمُرَكَّبَ قَدْ يَكُونُ جُزْؤُهُ كَالْكُلِّ فِي الِاسْمِ كَالْمَاءِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالْحَيَوَانِ، وَالصَّوْمُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ إمْسَاكَاتٍ مُتَّفِقَةِ الْحَقِيقَةِ كُلٌّ مِنْهَا صَوْمٌ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ حَنِثَ بِصَوْمِ سَاعَةٍ، فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا مَنْهِيًّا عَنْهُ لِكَوْنِهِ صَوْمًا فَكَانَ مَا انْعَقَدَ مِنْهُ انْعَقَدَ مَشْرُوعًا مَحْظُورًا، وَالْمُضِيُّ إنَّمَا يَلْزَمُ لِإِبْقَاءِ مَا انْعَقَدَ فَلَا يَلْزَمُ هَاهُنَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ وَاجِبُ التَّرْكِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ تَقْرِيرُ مَا انْعَقَدَ مَشْرُوعًا وَاجِبًا لَكِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ، بِخِلَافِ وُجُوبِ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ التَّرْكِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إبْعَاضَهَا مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يُسَمَّى صَلَاةً مَا لَمْ يَجْتَمِعْ، وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِالسَّجْدَةِ فَمَا انْعَقَدَ

стр. 423

لِلْعِبَادَاتِ، وَالْآخَرُ لِلْمُعَامَلَاتِ. (وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِعَيْنِهِ) أَيْ لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ (يَبْطُلُ اتِّفَاقًا) هَذَا الْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِغَيْرِهِ (كَالْمَلَاقِيحِ، وَالْمَضَامِينِ، فَإِنَّ الرُّكْنَ مَعْدُومٌ فَدَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ النَّسْخِ فَيَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ) قَوْلُهُ فَيَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ تَعْقِيبٌ لِقَوْلِهِ، فَإِنَّ الرُّكْنَ مَعْدُومٌ فَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِهِ قُبْحُهُ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ الْمَلَاقِيحُ جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ، وَهِيَ مَا فِي الْبَطْنِ مِنْ الْجَنِينِ، وَالْمَضَامِينُ جَمْعُ مَضْمُونٍ، وَهُوَ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ مِنْ الْمَاءِ وَفِي الْحَدِيثِ «نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ» فَلَمَّا كَانَ رُكْنُ الْبَيْعِ وَهُوَ الْمَبِيعُ مَعْدُومًا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْبَيْعِ فَلَا يُرَادُ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُسْتَحِيلِ عَبَثٌ فَيَكُونُ النَّهْيُ مَجَازًا عَنْ النَّسْخِ، فَإِنَّ النَّسْخَ لِإِعْدَامِ الصِّحَّةِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ رُوعِيَّةِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ بِالنَّسْخِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ بِالنَّهْيِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مُشْكِلَاتِ هَذَا الْفَصْلِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْوَصْفِ وَالْمُجَاوِرِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إمَّا أَنْ يَصْدُقَ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَصْدُقْ فَالْجُزْءُ إمَّا صَادِقٌ عَلَى الْكُلِّ، وَهُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَى الشَّيْءِ، وَيَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى تَصَوُّرِهِ كَالْعِبَادَةِ لِلصَّلَاةِ، وَإِمَّا غَيْرُ صَادِقٍ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَالْمَبِيعِ لِلْبَيْعِ، وَأَمَّا الْوَصْفُ فَالْمُرَادُ بِهِ اللَّازِمُ الْخَارِجِيُّ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الْمَلْزُومِ نَحْوُ: الْجِهَادُ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَصَوْمُ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ لَا يَصْدُقَ كَالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا يُوجَدُ الْبَيْعُ يُوجَدُ الثَّمَنُ لَكِنَّ الثَّمَنَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَيْسَ رُكْنَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَبِيعِ لَا مَقْصُودٌ أَصْلِيٌّ فَجَرَى مَجْرَى آلَاتِ الصِّنَاعَةِ كَالْقَدُومِ، وَأَمَّا الْمُجَاوِرُ فَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَصْحَبُهُ وَيُفَارِقُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ إمَّا صَادِقٌ عَلَى الشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ اشْتِغَالٌ عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ ــ [التلويح] قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ عِبَادَةً مَحْضَةً يَجِبُ صِيَانَتُهَا، وَالْمُضِيُّ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الْمُضِيُّ فِي حَقِّ مَا مَضَى امْتِنَاعًا عَنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِي حَقِّ مَا يُسْتَقْبَلُ تَحْصِيلُ الطَّاعَةِ وَتَحْصِيلُ الْمَعْصِيَةِ فَكَانَ الْمُضِيُّ طَاعَةً وَمَعْصِيَةً وَامْتِنَاعًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ أَعْنِي إبْطَالَ الْعِبَادَةِ وَتَرْكَ الْمُضِيِّ امْتِنَاعًا عَنْ مَعْصِيَةٍ وَطَاعَةٍ وَارْتِكَابًا لِمَعْصِيَةٍ هِيَ إبْطَالُ عِبَادَةٍ فَتَرَجَّحَتْ فِيهَا جِهَةُ الْمُضِيِّ، فَإِذَا أَفْسَدَهَا فَقَدْ أَفْسَدَ عِبَادَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهَا فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ. (قَوْلُهُ وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي النَّفْلِ) إذْ لَا فَرْضَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا مِثْلُ الْقَضَاءِ وَالْمَنْذُورَاتِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا يَتَأَتَّى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَاةً كَانَتْ أَوْ صِيَامًا لِوُجُوبِهَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ. (قَوْلُهُ الْمَلَاقِيحُ جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ) مُوَافِقٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ، وَذَكَرَ فِي الْفَائِقِ أَنَّهَا جَمْعُ مَلْقُوحٍ يُقَالُ لَقِحَتْ النَّاقَةُ وَوَلَدُهَا مَلْقُوحٌ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ بِحَذْفِ الْجَارِّ. (قَوْلُهُ وَلَيْسَ) أَيْ الثَّمَنُ رُكْنَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَبِيعِ لِقَائِلٍ

стр. 424

الِاشْتِغَالُ عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ بِدُونِ الْبَيْعِ، وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ إذَا جَرَى الْبَيْعُ فِي حَالَةِ السَّعْيِ، وَإِمَّا غَيْرُ صَادِقٍ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ لَا يَصْدُقُ عَلَى السَّفَرِ بَلْ السَّفَرُ الْمُوصِلُ إلَى الْقَطْعِ فَالْقَطْعُ يُوجَدُ بِدُونِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا إذَا قَطَعَ بِدُونِ السَّفَرِ أَوْ سَافَرَ لِلْحَجِّ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ، وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ بِأَنْ سَافَرَ بِدُونِ نِيَّةِ الْقَطْعِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَطْعُ أَوْ سَافَرَ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ الْقَطْعُ إذَا ثَبَتَ هَذَا جِئْنَا إلَى تَطْبِيقِ هَذِهِ الْأُصُولِ عَلَى الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمَّا الرِّبَا، فَإِنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَمَّا كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ كَانَ لَازِمًا لِلْعَقْدِ، ثُمَّ هُوَ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا إلَّا لِمِثْلِهِ، فَإِنَّ الْمُعَادَلَةَ بَيْنَ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ عُدُولٌ عَنْ قَضِيَّةِ الْعَدْلِ فَلَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ فِي الزَّائِدِ لَكِنَّ الزَّائِدَ هُوَ فَرْعٌ عَلَى الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَكَانَ كَالْوَصْفِ أَوْ نَقُولُ رُكْنُ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَقَدْ وُجِدَ لَكِنْ لَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ التَّامَّةُ فَأَصْلُ الْمُبَادَلَةِ حَاصِلٌ لَا وَصْفُهَا، وَهُوَ كَوْنُهَا تَامَّةٌ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ فَكَالرِّبَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَمْرٌ زَائِدٌ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالْخَمْرِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فَجَعَلَهَا ثَمَنًا لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ تَابِعٌ وَوَسِيلَةٌ فَيَجْرِيَ مَجْرَى الْأَوْصَافِ التَّابِعَةِ، وَلِأَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ مُتَحَقِّقٌ لَكِنَّ الْمُبَادَلَةَ التَّامَّةَ لَمْ تُوجَدْ لِعَدَمِ الْمَالِ الْمُتَقَوِّمِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمَّا صَوْمُ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَقْتَ كَالْوَصْفِ، وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ ــ [التلويح] أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ رُكْنَيْ الشَّيْءِ وَسِيلَةً إلَى الْآخَرِ، وَالْآخَرُ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا بَلْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ هُوَ أَنَّ الْبَيْعَ يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الثَّمَنِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْمَبِيعِ نَعَمْ تَصَوُّرُ مَفْهُومِ الْبَيْعِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى التَّرَاضِي، وَالتَّلَفُّظُ بِصِيغَةِ الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ شَرْعًا بِدُونِ ذِكْرِ الثَّمَنِ كَالْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُصَّ الْمَبِيعُ بِأَنَّ الْبِيَعَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ وُجُودِهِ فَجَعَلُوهُ رُكْنًا، بِخِلَافِ الثَّمَنِ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْبُيُوعُ الْفَاسِدَةُ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ مِثْلُ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ فِي الْبُطْلَانِ لَا فِي أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِذَاتِهِ إذْ لَا نَهْيَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِالشُّهُودِ» نَفْيٌ لِتَحَقُّقِ النِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ بِدُونِ الشُّهُودِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْضُ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فِيهِ مِنْ سُقُوطِ الْحَدِّ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ، وَهِيَ وُجُودُ صُورَتِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَلَمَّا كَانَ هُنَا مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا النَّفْيَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَأَيْضًا قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ النِّكَاحِ مَعَ بُطْلَانِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] أَشَارَ إلَى جَوَابٍ أَعَمَّ وَأَتَمَّ وَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا شُرِّعَ لِلْحِلِّ ضَرُورَةَ

стр. 425

الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّ شُغْلَ مَكَانِ الْغَيْرِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُصَلِّي فَإِنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَمَكِّنٍ فَوَقَعَ بَيْنَ شُغْلِ مَكَانِ الْغَيْرِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ مُلَازَمَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَأَمَّا الْبِيَعُ الْفَاسِدَةُ، فَإِنَّهَا أَوْجَبْت تِلْكَ الْمَفَاسِدَ أَيْ الْمَفَاسِدَ الْمَذْكُورَةَ كَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، وَالرِّبَا فَتَكُونُ قَبِيحَةً بِوَصْفِهَا، وَأَمَّا الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاشْتِغَالِ عَنْ السَّعْيِ مُلَازَمَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ. (وَكَذَا النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ؛ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» ) أَيْ يَكُونُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ لَا مَنْهِيٌّ، وَكَلَامُنَا فِي الْمَنْهِيِّ فَيَرِدُ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَاطِلًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُثْبِتَ النَّسَبَ، وَلَا يُسْقِطَ الْحَدَّ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا النَّسَبُ وَسُقُوطُ الْحَدِّ لِلشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّهُ) عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ. (وُضِعَ لِلْحِلِّ فَلَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَالْبَيْعُ وُضِعَ لِلْمِلْكِ، وَالْحِلُّ تَابِعٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْرَعُ فِي مَوْضِعِ الْحُرْمَةِ، وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْحِلَّ أَصْلًا كَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْعَبْدِ) أَيْ وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ النِّكَاحَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنَّ نَهْيَهُ يُوجِبُ الْبُطْلَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّهْيَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ، وَالنِّكَاحَ عَقْدٌ مَوْضُوعٌ لِلْحِلِّ فَلَمَّا انْفَصَلَ عَنْهُ مَا وُضِعَ لَهُ، وَهُوَ الْحِلُّ يَكُونُ بَاطِلًا بِخِلَافِ ــ [التلويح] بَقَاءِ التَّنَاسُلِ، وَبِالنَّهْيِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَيَنْتَفِي الْحِلُّ إجْمَاعًا فَيَنْتَفِي مَشْرُوعِيَّتُهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تُرَادُ لِأَحْكَامِهَا لَا لِذَوَاتِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ شُرِّعَ لِلْمِلْكِ فَانْتِفَاءُ حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ لَا يُنَافِيهِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَيْضِ، فَإِنَّمَا لَمْ يَبْطُلْ لِظُهُورِ أَثَرِهِ فِي الْمَآلِ أَعْنِي بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ لَا يُقَالُ الْبَيْعُ مَشْرُوعٌ لِلْمِلْكِ وَلِحِلِّ الِانْتِفَاعِ، وَالصَّوْمُ لِلطَّاعَةِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُهُمَا بِالنَّهْيِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ حَرَامٌ وَمَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْبَيْعُ مَشْرُوعٌ لِلْمِلْكِ، وَحِلُّ الِانْتِفَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وَنَفْسُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً إلَّا إذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ لِذَاتِهِ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ) ظَاهِرُ السُّؤَالِ نَقْضٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ يَقْتَضِي قُبْحَهُ لِعَيْنِهِ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْقَبِيحَ لِعَيْنِهِ لَا يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزِّنَا وَالْغَصْبِ وَاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالزِّنَا حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَبِالْغَصْبِ وَالِاسْتِيلَاءِ الْمِلْكُ وَبِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ رُخْصَةُ الْإِفْطَارِ، وَقَصْرُ الصَّلَاةُ وَالْمَسْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى هَذَا لَا يُتَوَجَّهُ الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الْمُنَاقِضِ بُطْلَانُ الْقَاعِدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ السُّؤَالُ ابْتِدَاءَ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وَكُلُّ مَا هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ بِمُفِيدٍ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْمَذْكُورَةُ مُفِيدَةً لِلْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ مَنْعًا لِلنَّتِيجَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقَدْحِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا اجْتِمَاعِيَّتَانِ، ثُمَّ اسْتِنَادُ الْمَنْعِ بِالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ لَيْسَ

стр. 426

الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ لِلْمِلْكِ لَا لِلْحِلِّ بِدَلِيلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي مَوْضِعِ الْحُرْمَةِ كَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ، وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْحِلَّ أَصْلًا كَالْعَبْدِ فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهُ الْحِلُّ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ. (فَإِنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنْ الْحِسِّيَّاتِ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ، وَالْقُبْحُ لِعَيْنِهِ لَا يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا إجْمَاعًا فَلَا يُثْبِتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا وَالْمِلْكَ بِالْغَصْبِ وَاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ، وَالرُّخْصَةُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لَا تُوجِبُ النِّعْمَةَ) ثُمَّ وَرَدَ عَلَى هَذَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْحِسِّيَّاتِ لَا يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالظِّهَارَ يُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ ــ [التلويح] بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ شَرْعِيَّانِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ اُعْتُبِرَ لَهُمَا فِي الشَّرْعِ شَرَائِطُ وَخُصُوصِيَّاتٌ لَا حِسِّيَّانِ بِمَنْزِلَةِ الشُّرْبِ وَالزِّنَا، وَلَيْتَهُ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ كَوْنَ كُلٍّ مِنْ الشُّرْبِ وَالزِّنَا مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اسْتِقَامَةِ مَا ذَكَرَ فَالْجَوَابُ عَنْ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ كَلَامٌ عَلَى السَّنَدِ، وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَنَبَّهَ عَلَى فَسَادِ مَا تُوُهِّمَ مِنْ كَوْنِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ وَكَوْنِ الْكَفَّارَةِ مِنْ أَحْكَامِ الظِّهَارِ وَالْآثَارِ الْمَطْلُوبَةِ بِهِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِحَلِّ الْإِشْكَالِ وَدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ نَقْضًا لِلْقَاعِدَةِ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُوجِبُ النِّعْمَةَ) تَأْكِيدٌ، وَزِيَادَةُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْمَنْهِيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُوجِبَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ لِكَوْنِهَا نِعَمًا أَمَّا الْمِلْكُ وَالرُّخْصَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ فَلِمَا فِيهَا مِنْ ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. (قَوْلُهُ وَالْأَسْبَابُ) مَعْنَاهُ، ثُمَّ تَتَعَدَّى الْحُرْمَةُ إلَى الْأَطْرَافِ، وَإِيجَابُ الْحُرْمَةِ إلَى الْأَسْبَابِ، ثُمَّ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي السَّبَبِ كَالْوَطْءِ مَثَلًا كَوْنُهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ خَلَفٌ عَنْ الْوَلَدِ، وَهُوَ عَيْنٌ لَا يَتَّصِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ حَرَامٌ زَادَهُ أَنَّهُ لَيْسَ وَلَدٌ مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ لَا يُقَالُ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءَيْنِ امْتَزَجَا امْتِزَاجًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِفِعْلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَلِهَذَا قَالَ ﵊ «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» وَلَا قَرِينَةَ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِمَوْلُودٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مَعْنَى لِاتِّصَافِ امْتِزَاجِ الْمَاءَيْنِ وَانْخِلَاقِ الْوَلَدِ بِكَوْنِهِ حَرَامًا وَبَاطِلًا وَغَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَقَدْ نُشَاهِدُ وَلَدَ الزِّنَا أَصْلَحَ مِنْ وَلَدِ الرَّشْدَةِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ وَلَدُ الزِّنَا جَمِيعَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا وَلَدُ الرَّشْدَةِ مِنْ قَبُولِ عِبَادَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَصِحَّةِ قَضَائِهِ وَإِمَامَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْجُزْءِ لَا يَجُوزُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وَقَوْلُهُ ﵊ «نَاكِحُ الْيَدِ مَلْعُونٌ» . (قَوْلُهُ ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَلَدِ الْحُرْمَةِ إلَى أَطْرَافِهِ أَيْ فُرُوعِهِ مِنْ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ وَأُصُولِهِ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ فِي حَقِّ

стр. 427

فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ. (وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ يُوجِبُ حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ قَبِيحٌ لِغَيْرِهِ وَلَا الظِّهَارَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حُكْمٍ مَطْلُوبٍ عَنْ سَبَبٍ لَا فِي حُكْمٍ زَاجِرٍ، فَإِنَّ هَذَا يَعْتَمِدُ حُرْمَةَ سَبَبِهِ) فَحَاصِلُ الْجَوَابِ فِي الطَّلَاقِ إنْ بَحَثْنَا فِي النَّهْيِ عَنْ الْحِسِّيَّاتِ إذَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لِقُبْحِ الْمُجَاوِرِ، وَفِي الطَّلَاقِ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ، وَأَمَّا فِي الظِّهَارِ فَبَحَثْنَا فِي أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَا يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا هُوَ مَطْلُوبٌ عَنْ السَّبَبِ، وَالظِّهَارُ لَا يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَذَلِكَ بَلْ أَفَادَ حُكْمًا شَرْعِيًّا هُوَ زَاجِرٌ. (قُلْنَا الزِّنَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ، ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْأَطْرَافِ وَالْأَسْبَابِ كَالْوَطْءِ) تَقْرِيرُهُ أَنَّ الزِّنَا بِذَاتِهِ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ حَتَّى يَرِدَ الْإِشْكَالُ بَلْ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْجُزْءِ ــ [التلويح] النِّسَاءِ ضَرُورَةَ إقَامَةِ النَّسْلِ كَمَا سَقَطَتْ حَقِيقَةُ الْبَعْضِيَّةِ فِي حَقِّ آدَمَ ﵊ فَلِهَذَا صَرَّحَ بِذِكْرِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَفَسَّرَ صَاحِبُ الْكَشْفِ الْأَطْرَافَ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ وَمَنَعَ تَفْسِيرَهَا بِالْأَبِ وَالْأَجْدَادِ وَالْأُمِّ وَالْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ أُمَّهَاتِ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتِهَا لَا يَتَعَدَّى إلَّا إلَى الْأَبِ، وَكَذَا حُرْمَةُ آبَاءِ الْوَاطِئِ وَأَبْنَائِهِ لَا تَتَعَدَّى إلَّا إلَى الْأُمِّ حَتَّى لَا يُحَرِّمَ أُمَّ الزَّوْجَةِ أَوْ جَدَّتَهَا عَلَى أَبِ الزَّوْجِ أَوْ جَدِّهِ، فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ حُرْمَةَ الْوَلَدِ تَتَعَدَّى إلَى فُرُوعِهِ لِوُجُودِ الْبَعْضِيَّةِ فَمَا وَجْهُ تَعَدِّيهَا إلَى الْأُصُولِ.؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ يَخْتَلِطُ فِي الرَّحِمِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ، وَيَصِيرُ شَيْئًا وَاحِدًا وَيَثْبُتُ لِهَذَا الْمَاءِ بَعْضِيَّةٌ مِنْ الْوَاطِئِ وَأُصُولِهِ وَبَعْضِيَّةٌ مِنْ الْمَوْطُوءَةِ وَأُصُولِهَا، فَإِذَا صَارَ الْمَاءُ إنْسَانًا تُعَدَّى الْبَعْضِيَّةُ مِنْهُ إلَى الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ جُزْءًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ صَارَ جُزْءًا مِنْ الْآخَرِ إذْ الْوَلَدُ بِكَمَالِهِ يُضَافُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْضًا مِنْ الْآخَرِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ فِي حَقِّ الْمَوْطُوءَةِ خَاصَّةً لِضَرُورَةِ التَّنَاسُلِ، وَفِي حَقِّ مَا بَيْنَ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ ضَعِيفٌ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْأَبَاعِدِ. (قَوْلُهُ وَالْمِلْكُ بِالْغَصْبِ) فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَغْصُوبِ بِنَاءً عَلَى صَيْرُورَةِ الضَّمَانِ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمَّا ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَهُ فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُ الْغَاصِبِ، وَلَمْ يُسَلَّمُ الْكَسْبُ لَهُ قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُوَ مِلْكُ الضَّمَانِ أَوْ تَقَرَّرَ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بَلْ السَّبَبُ هُوَ الْغَصْبُ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَقْصُودًا مِنْ الْغَصْبِ بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى خُرُوجِ الْمَغْصُوبِ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لِيَكُونَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ جَبْرًا لِمَا فَاتَ إذْ لَا جَبْرَ بِدُونِ الْفَوَاتِ، وَمَا ثَبَّتَ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَكُونُ حَسَنًا بِحُسْنِهِ، وَإِنْ قَبُحَ فِي نَفْسِهِ، وَيُعْتَبَرُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْرُوطِ، فَزَوَالُ مِلْكِ الْأَصْلِ مُقْتَضًى، وَمِلْكُ الْبَدَلِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ ضَرُورِيًّا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ الَّتِي لَا تَبَعِيَّةَ لَهَا

стр. 428

لَا يَجُوزُ، ثُمَّ تَتَعَدَّى مِنْهُ الْحُرْمَةُ إلَى أَطْرَافِهِ أَيْ فُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ كَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَتَتَعَدَّى إلَى الْأَسْبَابِ أَيْ الْوَلَدِ هُوَ مُوجِبٌ لِحُرْمَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ فَأُقِيمَ مَا هُوَ سَبَبُ الْوَلَدِ مَقَامَ الْوَلَدِ فِي إيجَابِ حُرْمَتِهِنَّ كَمَا أَقَمْنَا السَّفَرَ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ فِي إثْبَاتِ الرُّخْصَةِ، وَسَبَبُ الْوَلَدِ هُوَ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ فَجَعَلْنَاهَا مُوجِبَةً لِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ لَا ذَاتًا بَلْ بِتَبَعِيَّةِ الْوَلَدِ. (وَمَا يَعْمَلُ بِالْخَلَفِيَّةِ يُعْتَبَرُ فِي عَمَلِهِ صِفَةً لِأَصْلٍ، وَالْأَصْلُ وَهُوَ الْوَلَدُ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ) أَيْ لَمَّا جُعِلَ الْوَطْءُ مُوجِبًا لِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ لِكَوْنِهِ خَلَفًا عَنْ الْوَلَدِ لَا تُعْتَبَرُ حُرْمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْخَلَفِ صِفَاتُ الْأَصْلِيِّ لَا صِفَاتُ الْخَلَفِ كَالتُّرَابِ جُعِلَ خَلَفًا عَنْ الْمَاءِ لَا تُعْتَبَرُ صِفَاتُ التُّرَابِ بَلْ تُعْتَبَرُ صِفَاتُ الْمَاءِ مِنْ الطَّهُورِيَّةِ وَنَحْوِهَا فَهُنَا لَا يُعْتَبَرُ صِفَاتُ الْوَطْءِ، وَهِيَ الْحُرْمَةُ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْوَلَدُ، وَهُوَ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ. ــ [التلويح] كَالْوَلَدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ، وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقِيمَةِ فَلَيْسَ يَتْبَعُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْمِلْكُ، بِخِلَافِ الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْكَسْبِ، فَإِنَّهُ تَبَعٌ مَحْضٌ يَثْبُتُ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا بَدَلُ خِلَافَةٍ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ لَا بَدَلُ مُقَابَلَةٍ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا إذَا عَادَ الْعَبْدُ الْآبِقُ قُلْنَا: نَعَمْ إلَّا أَنَّا نَحْتَاجُ إلَى إزَالَةِ مِلْكِ الْأَصْلِ عِنْدَ الْقَضَاءِ لِثُبُوتِ مِلْكِ الْبَدَلِ احْتِرَازًا عَنْ اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَعِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ لَا عِبْرَةَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِهِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ. (قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ) يَعْنِي أَنَّ مِلْكَ الْمُدَبَّرِ يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الِانْتِقَالَ فَهَاهُنَا قَدْ زَالَ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ كَالْوَقْفِ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إذْ بِهِ تَنْدَفِعُ الضَّرُورَةُ أَعْنِي امْتِنَاعَ اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَا حَاجَةَ إلَى دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ قُلْنَا: هَذَا خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْغُرْمَ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ. (قَوْلُهُ أَوْ هُوَ) أَيْ ضَمَانُ الْمُدَبَّرِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْيَدِ يَعْنِي أَنَّ الضَّمَانَ فِي الْغَصْبِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْمَضْمُونُ الْأَصْلِيُّ الْوَاجِبُ الرَّدُّ وَالْمُتَقَوِّمُ إلَّا أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُدَبَّرِ لِتَعَذُّرِ انْعِدَامِ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ فَجُعِلَ بَدَلًا عَنْ النُّقْصَانِ الَّذِي حَلَّ بِيَدِهِ كَضَمَانِ الْعِتْقِ يُجْعَلُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ عِنْدَ احْتِمَالِ إيجَادِ شَرْطِهِ أَعْنِي تَمْلِيكَ الْعَيْنِ كَمَا فِي الْقِنِّ، وَلَا يُجْعَلُ بَدَلًا عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الِاسْتِيلَاءُ) يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِيلَاءِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَالِ الْمُبَاحِ، وَعَلَى الصَّيْدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ عِصْمَةُ الْمَحَلِّ أَعْنِي كَوْنَ الشَّيْءِ مُحَرَّمَ التَّعَرُّضِ مَحْضًا لِحَقِّ الشَّرْعِ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ، وَعِصْمَةُ أَمْوَالِنَا غَيْرُ

стр. 429

(وَالْمِلْكُ بِالْغَصْبِ لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا بَلْ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ الضَّمَانُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْغَصْبِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْغَصْبَ لَا يُفِيدُ مِلْكًا مَقْصُودًا بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْمَغْصُوبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ صَارَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الْمَغْصُوبُ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ لَاجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ هَذَا لَا يَجُوزُ، ثُمَّ وَرَدَ عَلَى هَذَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اجْتِمَاعَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ مَعَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ مِلْكِهِ فَأَجَابَ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ. (وَالْمُدَبَّرُ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْمَوْلَى تَحْقِيقًا لِلضَّمَانِ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ ضَرُورَةً لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّهُ) أَيْ الْمُدَبَّرُ يَخْرُجُ ــ [التلويح] ثَابِتَةٍ فِي زَعْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ إبَاحَتَهَا وَتَمَلُّكَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فَكَانُوا فِي حَقِّ الْخِطَابِ بِثُبُوتِ عِصْمَةِ أَمْوَالِنَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخِطَابُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵊ فَيَكُونُ اسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَيْهَا كَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى الصَّيْدِ، وَلَمَّا كَانَ هُنَا مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِصْمَةَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي زَعْمِهِمْ بَلْ هُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجْحَدُونَ عِنَادًا أَشَارَ إلَى جَوَابٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ مَا دَامَ الْمَالُ مُحَرَّزًا بِالْيَدِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ بِالدَّارِ، وَبَعْدَ اسْتِيلَائِهِمْ وَإِحْرَازِهِمْ إيَّاهُ بِدَارِ الْحَرْبِ قَدْ زَالَ الْإِحْرَازُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعِصْمَةِ فَسَقَطَتْ الْعِصْمَةُ فَلَمْ يَبْقَ الِاسْتِيلَاءُ مَحْظُورًا، وَالِاسْتِيلَاءُ فِعْلٌ مُمْتَدٌّ لَهُ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فَصَارَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى مَالٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ ابْتِدَاءً فَيَمْلِكُهُ كَالْمُسْلِمِ لِلصَّيْدِ. (قَوْلُهُ وَسَفَرُ الْمَعْصِيَةِ) لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ لِذَاتِهِ وَلَا لِجُزْئِهِ بَلْ لِمُجَاوِرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ. [فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هَلْ لَهُمَا حُكْمٌ فِي الضِّدِّ أَمْ لَا] (قَوْلُهُ فَصْلٌ اخْتَلَفُوا) فِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَبِالْعَكْسِ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي الْمَفْهُومَيْنِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا فِي اللَّفْظَيْنِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ افْعَلْ وَصِيغَةَ النَّهْيِ لَا تَفْعَلْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ إذَا أُمِرَ بِهِ فَهَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ الشَّيْءِ الْمُضَادِّ لَهُ فَقِيلَ إنَّهُ لَيْسَ نَفْسَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ عَقْلًا، وَقِيلَ نَفْسُهُ وَقِيلَ يَتَضَمَّنُهُ، ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ عَلَى هَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ إنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ نَفْسُ الْأَمْرِ بِضِدِّهِ، وَقِيلَ يَتَضَمَّنُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَ الْقَوْلَ فِي أَمْرِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فَجَعَلَهُمَا نَهْيًا عَنْ الضِّدِّ تَحْرِيمًا وَتَنْزِيهًا، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ أَمْرَ الْوُجُوبِ فَجَعَلَهُ نَهْيًا عَنْ الضِّدِّ تَحْرِيمًا دُونَ النَّدْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ الْحُكْمَ بِمَا إذَا اتَّحَدَ الضِّدُّ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقَاوِيلِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ وَالْمُخْتَارِ، عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ضِدَّ الْمَأْمُورِ بِهِ إنْ كَانَ مُفَوِّتًا

стр. 430

عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذْ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَدْخُلُ الضَّمَانُ فِي مِلْكِهِ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَاصِبِ إذْ لَوْ دَخَلَ لَبَطَلَ حَقُّ الْمُدَبَّرِ، وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْحُرِّيَّةِ، ثُمَّ أَجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ (أَوْ هُوَ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْيَدِ) فَلَمَّا كَانَ ضَمَانُ الْمُدَبَّرِ فِي مُقَابَلَةِ إزَالَةِ مِلْكِ الْيَدِ فَلَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ. (وَأَمَّا الِاسْتِيلَاءُ فَإِنَّمَا نُهِيَ لِعِصْمَةِ أَمْوَالِنَا، وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي زَعْمِهِمْ أَوْ هِيَ ثَابِتَةٌ مَا دَامَ مُحَرَّزًا، وَقَدْ زَالَ فَسَقَطَ النَّهْيُ فِي حَقِّ الدُّنْيَا) أَمَّا فِي حَقِّ الْآخِرَةِ فَلَا حَتَّى يَكُونَ آثِمًا مُؤَاخَذًا بِهِ، وَأَجَابَ عَنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ (وَسَفَرُ الْمَعْصِيَةِ قَبِيحٌ لِمُجَاوِرِهِ) عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ. (فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هَلْ لَهُمَا حُكْمٌ فِي الضِّدِّ أَمْ لَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ فَوَّتَ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ يَحْرُمُ، وَإِنْ فَوَّتَ عَدَمُهُ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ يَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ فَالْأَمْرُ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَالنَّهْيُ كَوْنَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً) يَعْنِي ــ [التلويح] لِلْمَقْصُودِ يَكُونُ حَرَامًا، وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا، وَكَذَا عَدَمُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَثَلًا إذَا تَعَيَّنَ زَمَانُ وُجُوبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالضِّدُّ الْمُفَوِّتُ لَهُ يَكُونُ حَرَامًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ سَاءَ اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ حَتَّى لَوْ أُمِرَ بِالْخُرُوجِ عَنْ الدَّارِ فَبِأَيِّ ضِدٍّ يَشْتَغِلُ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ فِي الدَّارِ يَكُونُ حَرَامًا لِفَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ حُرْمَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا إنَّمَا تَكُونُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ السُّكُونُ فِي الدَّارِ كَالْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ يُوجِبُ حُرْمَةَ النِّفَاقِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة لِكَوْنِهَا مِنْ أَفْرَادِ الْكُفْرِ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ لَا يَجِبُ إلَّا ضِدٌّ وَاحِدٌ إذْ تَرْكُ الْقِيَامِ مَثَلًا يَحْصُلُ بِكُلٍّ مِنْ الْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ، وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ تَرْكِهِ وَحُرْمَةَ الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ نِزَاعٌ. (قَوْلُهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ حِلِّ الْكِتْمَانِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْمَعْنَى نَهْيٌ عَنْ الْكِتْمَانِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِظْهَارِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَدَمَ الْكِتْمَانِ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فِي مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ لِيَتَرَبَّصْنَ أَيْ يَكْفُفْنَ، وَيَحْبِسْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَنْ نِكَاحٍ آخَرَ وَوَطْءٍ آخَرَ فَيَقْتَضِي حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ لِكَوْنِهِ مُفَوِّتًا لِلتَّرَبُّصِ، وَالنَّهْيُ عَنْ عَزْمِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْكَفِّ عَنْ التَّزَوُّجِ، وَهَذَا أَيْضًا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ ضِدِّهِ الْمُفَوِّتِ لَهُ كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ فِيهِ بَحْثًا، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَوَطِئَهَا وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ أُخْرَى وَتَحْتَسِبُ مَا تَرَى مِنْ الْإِقْرَاءِ مِنْ الْعِدَّتَيْنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ عَلَيْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالْكَفِّ، وَذِكْرُ الْمُدَّةِ تَقْدِيرٌ لِلرُّكْنِ الَّذِي هُوَ الْكَفُّ كَتَقْدِيرِ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ كَفَّانِ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ كَأَدَاءِ صَوْمَيْنِ

стр. 431

إذَا أُمِرَ بِالشَّيْءِ فَضِدُّ ذَلِكَ الشَّيْءِ إنْ فَوَّتَ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ فَفِعْلُ الضِّدِّ يَكُونُ حَرَامًا، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْهُ يَكُونُ فِعْلُهُ مَكْرُوهًا، وَإِذَا نُهِيَ عَنْ الشَّيْءِ فَعَدَمُ ضِدِّهِ إنْ فَوَّتَ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ فَفِعْلُ الضِّدِّ يَكُونُ وَاجِبًا، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْهُ فَفِعْلُهُ يَكُونُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ شَرَائِطُ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَوُجُوبُ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْآخَرِ، وَحُرْمَةُ أَحَدِهِمَا تُوجِبُ وُجُوبَ الْآخَرِ (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْصِدْ الضِّدَّ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مِنْ حَيْثُ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ فَيَكُونُ هَذَا الْقَدْرُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِذَا لَمْ يُفَوِّتْ الْمَقْصُودَ نَقُولُ بِكَرَاهَتِهِ وَكَوْنِهِ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً مُلَاحَظَةً لِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ) ، فَإِنَّ مُشَابَهَةَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ تُوجِبُ الْكَرَاهَةَ، وَمُشَابَهَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ تُوجِبُ النَّدْبَ ــ [التلويح] فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ بِالْعِدَّةِ لَيْسَ هُوَ الْكَفُّ بَلْ هُوَ الْمُحَرَّمَاتُ مِنْ النِّكَاحِ وَالْخُرُوجِ وَالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً حَالَ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقُ شُرِّعَ لِإِزَالَتِهَا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَخَّرَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذْ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْكَفُّ لَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ أَوْ النِّكَاحُ حَرَامًا فِي نَفْسِهِ فَلَوْ تَحَقَّقَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْثَمَ إلَّا إثْمَ تَرْكِ الْكَفِّ لَا إثْمَ الْخُرُوجِ وَالْجِمَاعِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحُرُمَاتُ وَالتُّرُوكُ تَدَاخَلَتْ الْعِدَّتَانِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي اجْتِمَاعِ الْحُرُمَاتِ فَيَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ حُرْمَةُ الْخُرُوجِ وَالتَّزَوُّجِ مُؤَجَّلَةً إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِقْرَاءِ، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْعِدَّةَ أَجَلًا، وَالْآجَالُ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ لِوَاحِدٍ انْقَضَتْ مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الدُّيُونِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْكَفَّ رُكْنُهُ الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اتِّصَافُ الشَّيْءِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بِفِعْلَيْنِ مُتَجَانِسَيْنِ كَجُلُوسَيْنِ. (قَوْلُهُ وَالْمَأْمُورُ بِالْقِيَامِ) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ ضِدَّ الْمَأْمُورِ بِهِ إذَا لَمْ يُفَوِّتْهُ كَانَ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا، فَإِنَّ قُعُودَ الْمُصَلِّي لَا يُفَوِّتُ الْقِيَامَ الْمَأْمُورَ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الزَّمَانِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقِيَامُ مَأْمُورًا بِهِ فِي زَمَانٍ بِعَيْنِهِ حُرِّمَ الْقُعُودُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ لَا يَبْطُلُ مَعْنَاهُ لَا يَفْسُدُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْبُطْلَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَلَا يُبْطِلُهَا. (قَوْلُهُ وَالْمُحْرِمُ) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إذَا لَمْ يُفَوِّتْهُ كَانَ مَنْدُوبًا لَا وَاجِبًا، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ مُدَّةَ إحْرَامِهِ، وَعَدَمُ ضِدِّهِ أَعْنِي عَدَمَ لُبْسِ الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ لَيْسَ بِمُفَوِّتٍ لِلْمَقْصُودِ بِالنَّهْيِ أَعْنِي تَرْكَ لُبْسِ الْمَخِيطِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَلْبَسَ الْمَخِيطَ وَلَا شَيْئًا مِنْ الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ فَيَكُونُ لُبْسُ الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ سُنَّةً لَا وَاجِبًا لَا يُقَالُ ضِدُّ لُبْسِ الْمَخِيطِ تَرْكُهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَلْبَسَ شَيْئًا آخَرَ، أَوْ لَا عَدَمُ التَّرْكِ مُفَوِّتٌ لِلْمَقْصُودِ بِالنَّهْيِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارَاتِهِمْ مِنْ أَنَّ ضِدَّ الْقِيَامِ هُوَ الْقُعُودُ وَالِاضْطِجَاعُ وَنَحْوُهُمَا لَا تَرْكُ الْقِيَامِ فَضِدُّ لُبْسِ الْمَخِيطِ، هُوَ لُبْسِ غَيْرِ الْمَخِيطِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِإِصْلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَنَّ الضِّدَّ يَكُونُ وُجُودِيًّا. (قَوْلُهُ وَالسُّجُودُ) تَفْرِيعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ مِمَّا سَبَقَ، وَذَلِكَ

стр. 432

وَكَوْنَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً. (فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِظْهَارِ، وَالْأَمْرُ بِالتَّرَبُّصِ يَقْتَضِي حُرْمَةَ التَّزَوُّجِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْكَفِّ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَيَجْرِي التَّدَاخُلُ فِي الْعِدَّةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْكَفَّ رُكْنُهُ، وَهُوَ مَقْصُودٌ. (وَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ إذَا قَعَدَ ثُمَّ قَامَ لَا يُبْطِلُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَالْمُحْرِمُ لَمَّا نُهِيَ عَنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ كَانَ لُبْسُ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ سُنَّةً، وَالسُّجُودُ عَلَى النَّجِسِ لَا يُفْسِدُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ حَتَّى إذَا أَعَادَهُ عَلَى الطَّاهِرِ يَجُوزُ وَعِنْدَهُمَا يُفْسِدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجِسِ فِي عَمَلٍ هُوَ فَرْضٌ، وَالتَّطْهِيرُ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الْأَرْكَانِ فَرْضٌ دَائِمٌ فَيَصِيرُ ضِدُّهُ مُفَوِّتًا) فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تَفْرِيعَاتٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَصْلِ، وَبَعْدَ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْأَصْلِ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْفُرُوعِ تَكُونُ سَهْلَةً إنَّهُ الْمُسَهِّلُ لِكُلِّ عَسِيرٍ. ــ [التلويح] أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الطَّاهِرِ مَأْمُورٌ بِهِ فَإِذَا سَجَدَ عَلَى النَّجِسِ لَا يَكُونُ مُفَوِّتًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الطَّاهِرِ فَتَجُوزُ، وَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا تَفْسُدُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ بِدَوَامِ التَّطْهِيرِ فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ، فَاسْتِعْمَالُ النَّجِسِ فِي عَمَلٍ هُوَ فَرْضٌ فِي وَقْتٍ مَا يَكُونُ مُفَوِّتًا لِلْمَقْصُودِ بِالْأَمْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي عَمَلٍ هُوَ فَرْضٌ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَضْعَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَيَكُونُ وَضْعُهُمَا عَلَى النَّجِسِ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْوَضْعِ وَهُوَ لَا يُفْسِدُ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجِسِ إذَا كَانَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ تَحْقِيقًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا إذَا كَانَ فِي مَكَانِ وَضْعِ الْوَجْهِ نَجَسٌ، فَإِنَّ النَّجَاسَةَ تَصِيرُ وَصْفًا لِلْوَجْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اتِّصَالَهُ بِالْأَرْضِ وَلُصُوقَهُ بِهَا فَرْضٌ لَازِمٌ فَيَصِيرُ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلْأَرْضِ صِفَةً لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَا لَمْ يَكُنْ اللُّصُوقُ لَازِمًا فَإِنَّهُ لَا يَقْوَى هَذِهِ الْقُوَّةَ، ثُمَّ لَا يَخْفَى لُطْفُ الْإِيهَامِ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ الْمُسَهِّلُ لِكُلِّ عَسِيرٍ.

стр. 433

(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ وَعَلَى فِعْلِهِ، وَالْحَدِيثُ مُخْتَصٌّ بِقَوْلِهِ: وَالْأَقْسَامُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كِتَابٍ) كَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ إلَى آخِرِهَا وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثَابِتَةٌ هَهُنَا أَيْضًا فَلَا نَشْتَغِلُ بِهَا، وَإِنَّمَا بَحْثُنَا فِي بَيَانِ الِاتِّصَالِ بِالرَّسُولِ ﵇ فَنَبْحَثُ فِي أُمُورٍ: فِي كَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ، وَفِي الِانْقِطَاعِ، وَفِي مَحَلِّ الْخَبَرِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ، وَفِي الطَّعْنِ. (فَصْلٌ) فِي الِاتِّصَالِ الْخَبَرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ رُوَاتُهُ فِي كُلِّ ــ [التلويح] [الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ] [فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [ التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ] قَوْلُهُ: (الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ وَهِيَ) فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ فِي الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةِ وَفِي الْأَدِلَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا مَا صَدَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ غَيْرُ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ وَيُسَمَّى الْحَدِيثَ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالْبَحْثِ هَاهُنَا بَيَانُ اتِّصَالِ السُّنَّةِ بِالنَّبِيِّ ﵇؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ بِأَنَّهُ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ أَوْ غَيْرِهِ وَعَنْ حَالِ الرَّاوِي، وَعَنْ شَرَائِطِهِ وَعَنْ ضِدِّ الِاتِّصَالِ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ، وَعَنْ مُتَعَلَّقِهِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْخَبَرِ، وَعَنْ وُصُولِهِ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى فِي الْمَبْدَأِ وَهُوَ السَّمَاعُ، أَوْ الْمُنْتَهَى، وَهُوَ التَّبْلِيغُ، أَوْ الْوَسَطِ، وَهُوَ الضَّبْطُ عَنْ قَدْحِ الْقَادِحِ فِيهِ، وَهُوَ الطَّعْنُ وَعَمَّا يَخُصُّ نَوْعًا خَاصًّا مِنْ السُّنَّةِ، وَهُوَ الْفِعْلُ وَعَنْ مَبْدَأِ السُّنَّةِ، وَهُوَ الْوَحْيُ، وَعَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَعَلُّقَ السَّوَابِقِ كَشَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا أَوْ تَعَلُّقَ اللَّوَاحِقِ كَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَأَوْرَدَ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ فِي أَحَدَ عَشَرَ فَصْلًا. قَوْلُهُ: (فَصْلٌ فِي الِاتِّصَالِ) فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ جَعَلَ مَوْرِدَ الْقِسْمَةِ الْخَبَرَ، وَفِي السُّنَّةِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بَلْ الْفِعْلُ أَيْضًا يُنْقَلُ بِالطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ حَقِيقَةً بِالتَّوَاتُرِ وَغَيْرِهِ هُوَ الْخَبَرُ وَمَعْنَى اتِّصَافِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِكَوْنِهِ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ مُتَوَاتِرٌ وَمَعْنَى الْمُتَوَاتِرِ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ مَا يَكُونُ رُوَاتُهُ فِي كُلِّ عَهْدٍ قَوْمًا لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَعَدَالَتِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ فَقَوْلُهُ: فِي كُلِّ عَهْدٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَشْهُورِ وَقَوْلُهُ: لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ خَبَرِ قَوْمٍ مَحْصُورٍ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّوَاتُرِ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ اشْتِرَاطِ خَمْسَةٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ

стр. 434

عَهْدٍ قَوْمًا لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ لِكَثْرَتِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ وَتَبَايُنِ أَمَاكِنِهِمْ أَوْ تَصِيرُ كَذَلِكَ بَعْدَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا تَصِيرُ كَذَلِكَ بَلْ رُوَاتُهُ آحَادٌ. وَالْأَوَّلُ مُتَوَاتِرٌ وَالثَّانِي مَشْهُورٌ وَالثَّالِثُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ إذَا لَمْ يَصِلْ حَدَّ التَّوَاتُرِ. وَالْأَوَّلُ: يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى شَيْءٍ مُخْتَرَعٍ مَعَ تَبَايُنِ هُمُومِهِمْ وَطَبَائِعِهِمْ وَأَمَاكِنِهِمْ مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا. وَالثَّانِي يُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ وَهُوَ عِلْمٌ تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ، وَتَظُنُّهُ يَقِينًا لَكِنْ لَوْ تَأَمَّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ كَمَا إذَا رَأَى قَوْمًا جَلَسُوا لِلْمَأْتَمِ يَقَعُ لَهُ عِلْمٌ عَنْ غَفْلَةٍ ــ [التلويح] أَوْ خَمْسِينَ قَوْلًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ أَيْ: تَوَافُقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ تَفْسِيرٌ لِلْكَثْرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ بُلُوغُهُمْ حَدًّا يَمْتَنِعُ عِنْدَ الْعَقْلِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ جَمْعٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ بِمَا يَجُوزُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا وَأَمَّا ذِكْرُ الْعَدَالَةِ وَتَبَايُنُ الْأَمَاكِنِ فَتَأْكِيدٌ لِعَدَمِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّوَاتُرِ حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ جَمْعٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ بِمَا يَجُوزُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ لِغَرَضٍ مِنْ الْأَغْرَاضِ لَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا وَأَمَّا ذِكْرُ الْعِدَالَةِ وَتَبَايُنُ الْأَمَاكِنِ فَتَأْكِيدٌ لِعَدَمِ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّوَاتُرِ، حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ جَمْعٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ مِنْ كُفَّارِ بَلْدَةٍ بِمَوْتِ مَلِكِهِمْ حَصَلَ لَنَا الْيَقِينُ وَأَمَّا مِثْلُ خَبَرِ الْيَهُودِ بِقَتْلِ عِيسَى ﵇ وَتَأْبِيدِ دِينِ مُوسَى ﵇ فَلَا نُسَلِّمُ تَوَاتُرَهُ وَحُصُولَ شَرَائِطِهِ فِي كُلِّ عَهْدٍ ثُمَّ الْمُتَوَاتِرُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إلَى الْحِسِّ سَمْعًا أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ إقْلِيمٍ عَلَى مَسْأَلَةٍ عَقْلِيَّةٍ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا الْيَقِينُ حَتَّى يَقُومَ الْبُرْهَانُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ) أَيْ: الْمُتَوَاتِرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْجَمْعِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ عَلَى شَيْءٍ مُخْتَرَعٍ لَا ثُبُوتَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ تَبَايُنِ آرَائِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ حُكْمًا قَطْعِيًّا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَأَنَّ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلنَّقِيضِ لَا بِمَعْنَى سَلْبِ الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ عَلَى تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ كَمَكَّةَ وَبَغْدَادَ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ﵈ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضُ أَصْلًا وَمَا ذَاكَ إلَّا بِالْأَخْبَارِ ثُمَّ حُصُولُ الْعِلْمِ مِنْ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَرْكِيبِ الْحُجَّةِ حَتَّى إنَّهُ يَحْصُلُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَالصِّبْيَانِ وَجَوَازُ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا فِي بَعْضِ الضَّرُورِيَّاتِ فَإِنْ قِيلَ جَوَازُ كَذِبِ كُلِّ وَاحِدٍ يُوجِبُ جَوَازَ كَذِبِ الْآخَرِينَ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ مَعَ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لَيْسَ إلَّا نَفْسَ الْآحَادِ فَجَوَازُ كَذِبِ كُلِّ وَاحِدٍ يُوجِبُ جَوَازَ كَذِبِ الْمَجْمُوعِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ عِنْدَ تَوَاتُرِهِمَا، وَأَيْضًا إذَا عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وُجُودَ إسْكَنْدَرَ وَكَوْنَ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ نَجِدُ الثَّانِيَ أَقْوَى بِالضَّرُورَةِ فَلَوْ كَانَا ضَرُورِيَّيْنِ لَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَأَيْضًا الضَّرُورِيُّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُتَوَاتِرِ لِمُخَالَفَةِ السُّمَنِيَّةِ وَالْبَرَاهِمَةِ.

стр. 435

عَنْ التَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْمُوَاضَعَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ آحَادُ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ أَيْ: الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ (ذَلِكَ) أَيْ: عِلْمَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ خَبَرُ وَاحِدٍ، لَكِنَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ ﵇ تَنَزَّهُوا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ فَأَوْجَبَ مَا ذَكَرْنَا، وَالثَّالِثُ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا اجْتَمَعَ الشَّرَائِطُ الَّتِي نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ كَافِيَةٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَلَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُوجِبُ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ فَأَمَّا إيجَابُهُ الْعَمَلَ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] الطَّائِفَةُ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَصَاعِدًا وَالرَّسُولُ ﵇ قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ وَسَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَأَرْسَلَ الْأَفْرَادَ إلَى الْآفَاقِ وَالْأَخْبَارُ فِي أَحْكَامِ ــ [التلويح] وَأُجِيبَ إجْمَالًا بِأَنَّهُ تَشْكِيكٌ فِي الضَّرُورِيِّ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ كَشُبَهِ السُّوفُسْطائيَّةِ وَتَفْصِيلًا بِأَنَّ حُكْمَ الْجُمْلَةِ قَدْ يُخَالِفُ حُكْمَ الْآحَادِ كَالْعَسْكَرِ الَّذِي يَفْتَحُ الْبِلَادَ، وَتَوَاتُرُ النَّقِيضَيْنِ مُحَالٌ عَادَةً، وَلَا امْتِنَاعَ فِي اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الضَّرُورِيِّ بِحَسْبِ السُّرْعَةِ وَالْوُضُوحِ بِوَاسِطَةِ الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَكَثْرَةِ الْمُمَارَسَةِ وَالْأَخْطَارِ بِالْبَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي عَدَمِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ، وَالضَّرُورِيُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ لِجَوَازِ الْمُكَابَرَةِ وَالْعِنَادِ كَمَا لِلسُّوفِسْطَائِيَّةِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي) أَيْ: الْمَشْهُورُ يُفِيدُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ، وَالطُّمَأْنِينَةُ زِيَادَةُ تَوْطِينٍ وَتَسْكِينٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ عَلَى مَا أَدْرَكَتْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ يَقِينِيًّا فَاطْمِئْنَانُهَا زِيَادَةُ الْيَقِينِ وَكَمَالُهُ كَمَا يَحْصُلُ لِلْمُتَيَقِّنِ بِوُجُودِ مَكَّةَ بَعْدَ مَا يُشَاهِدُهَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَاطْمِئْنَانُهَا رُجْحَانُ جَانِبِ الظَّنِّ بِحَيْثُ يَكَادُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْيَقِينِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا وَحَاصِلُهُ سُكُونُ النَّفْسِ عَنْ الِاضْطِرَابِ بِشُبْهَةٍ إلَّا عَنْهُ مُلَاحَظَةُ كَوْنِهِ آحَادَ الْأَصْلِ، فَالْمُتَوَاتِرُ لَا شُبْهَةَ فِي اتِّصَالِهِ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي اتِّصَالِهِ شُبْهَةُ صُورَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَعْنًى حَيْثُ لَا تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَالْمَشْهُورُ فِي اتِّصَالِهِ شُبْهَةُ صُورَةٍ لِكَوْنِهِ آحَادَ الْأَصْلِ لَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ فَأَفَادَ حُكْمًا دُونَ الْيَقِينِ وَفَوْقَ أَصْلِ الظَّنِّ فَإِنْ قِيلَ هُوَ فِي الْأَصْلِ خَبَرُ وَاحِدٍ وَلَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى الظَّنِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قُلْنَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ تَنَزَّهُوا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ أَيْ: الْغَالِبُ الرَّاجِحُ مِنْ حَالِهِمْ الصِّدْقُ فَيَحْصُلُ الظَّنُّ بِمُجَرَّدِ أَصْلِ النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَحْصُلُ زِيَادَةُ رُجْحَانٍ بِدُخُولِهِ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ وَتَلَقِّيهِ مِنْ الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ فَيُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ أَنَّ نَقْلَهُمْ صَادِقٌ قَطْعًا بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمَشْهُورُ مُوجِبًا عِلْمَ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَزَّهَا عَنْ الْكَذِبِ إلَّا أَنَّهُ دَخَلَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ.

стр. 436

الْآخِرَةِ لَا تُوجِبُ إلَّا الِاعْتِقَادَ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ يَتَرَجَّحُ الصِّدْقُ، وَلَنَا هَذِهِ الدَّلَائِلُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا عَمَلَ إلَّا عَنْ عِلْمٍ قَطْعِيٍّ، وَالْعَقْلُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ. وَالْأَحَادِيثُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ مَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّهَا تُوجِبُ عَقْدَ الْقَلْبِ، وَهُوَ عَمَلٌ فَيَكْفِي لَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَفِي هَذَا ــ [التلويح] وَأَمَّا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَأَكْثَرُ أَخْبَارِ الْآحَادِ نُقِلَتْ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْأَحَادِيثِ وَتَدْوِينِهَا فِي الْكُتُبِ، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَكُنْ رَاوِيهِ الْأَوَّلُ مُتَنَزِّهًا عَنْ وَصْمَةِ الْكَذِبِ لَا يُفِيدُ عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَدِّ التَّوَاتُرِ كَمَا يَشْتَهِرُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ فِي الْبِلَادِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثُ، وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ) يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَقِيلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَقِيلَ يُوجِبُهُمَا جَمِيعًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ وَقَدْ دَلَّ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] عَلَى اسْتِلْزَامِ الْعَمَلِ الْعِلْمَ فَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ أَيْضًا احْتِجَاجًا بِنَفْيِ اللَّازِمِ، وَهُوَ عِلْمٌ عَلَى نَفْيِ الْمَلْزُومِ وَطَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ أَيْضًا احْتِجَاجًا بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنَعَ اللُّزُومَ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِدَفْعِ الدَّلِيلِ وَظَاهِرُهُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ إلَّا أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ظُهُورِهِ. وَهُوَ أَنَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ قَدْ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ، وَلَا عُمُومَ لِلْآيَتَيْنِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِدْرَاكِ جَازِمًا مَا كَانَ أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَالظَّنُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْوَهْمِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ لَوْلَا هَهُنَا لِلطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ لِامْتِنَاعِ التَّرَجِّي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالطَّائِفَةُ بَعْضٌ مِنْ الْفِرْقَةِ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ إذْ الْفِرْقَةُ هِيَ الثَّلَاثَةُ فَصَاعِدًا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْآحَادِ يُوجِبُ الْحَذَرَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْوَى فِي الْفُرُوعِ بِقَرِينَةِ التَّفَقُّهِ وَيَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْقَوْمِ بِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْزَمُهُ وُجُوبُ الْحَذَرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَلِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَمَحَالٌّ؛ عَلَى أَنَّ كَوْنَ لَوْلَا لِلْإِيجَابِ وَالطَّلَبِ مَحَلُّ نَظَرٍ ثُمَّ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ ثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلِأَنَّهُ ﵊ قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ فِي الْهَدَايَا وَخَبَرَ سَلْمَانَ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ حِينَ أُتِيَ بِطَبَقِ رُطَبٍ فَقَالَ هَذَا صَدَقَةٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقِ رُطَبٍ وَقَالَ هَذَا هَدِيَّةٌ فَأَكَلَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْأَكْلِ وَلِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُرْسِلُ الْأَفْرَادَ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَى الْآفَاقِ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ، وَإِيجَابِ قَبُولِهَا عَلَى الْأَنَامِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عِلْمٌ بِصِدْقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ دُونَ الْوُجُوبِ. فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ

стр. 437

نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ هَذَا بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ بَلْ يَكُونُ كُلُّ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَذَلِكَ. [فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ أَيْ: لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِحَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، وَالْمَعْرُوفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْعَبَادِلَةِ (أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) وَزَيْدٍ، وَمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَائِشَةَ وَنَحْوِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَحَدِيثُهُ يُقْبَلُ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ــ [التلويح] أَخْبَارُ آحَادٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً، وَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ؟ قُلْنَا: تَفَاصِيلُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا إلَّا أَنَّ جُمْلَتَهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَجُودِ حَاتِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ التَّوَاتُرُ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الشُّهْرَةِ وَرُبَّمَا يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنَّهُ نُقِلَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ الِاسْتِدْلَال بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعَمَلُهُمْ بِهِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُحْصَى، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ وَشَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعِلْمَ عَادَةً بِإِجْمَاعِهِمْ كَالْقَوْلِ الصَّرِيحِ، وَقَدْ دَلَّ سِيَاقُ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ كَانَ بِنَفْسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَمَا نُقِلَ مِنْ إنْكَارِهِمْ بَعْضَ أَخْبَارِ الْآحَادِ إنَّمَا كَانَ عِنْدَ قُصُورٍ فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَوُقُوعِ رِيبَةٍ فِي الصِّدْقِ. (قَوْلُهُ: وَالْإِخْبَارُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ) دَلِيلَانِ مُسْتَقِلَّانِ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ تَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَتَفَاصِيلِ الْحَشْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْحِسَابِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الِاعْتِقَادَ إذْ لَا يَثْبُتُ بِهِ عَمَلٌ مِنْ الْفُرُوعِ. وَتَقْرِيرُ الثَّانِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ تَرَجَّحَ جَانِبُ الصِّدْقِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْكَذِبِ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِلْمِ وَجَوَابِهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَرَجُّحَ جَانِبِ الصِّدْقِ إلَى حَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ الْكَذِبُ أَصْلًا بَلْ الْعَقْلُ شَاهِدٌ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ، وَأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ قَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا وَإِلَّا لَزِمَ الْقَطْعُ بِالنَّقِيضَيْنِ عِنْدَ إخْبَارِ الْعَدْلَيْنِ بِهِمَا. وَجَوَابُ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي بَابِ الْآخِرَةِ مِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ فَيُوجِبُ عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَيُفِيدُ الظَّنَّ وَذَلِكَ فِي التَّفَاصِيلِ وَالْفُرُوعِ، وَمِنْهَا مَا تَوَاتَرَ وَاعْتُضِدَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ فِي الْجُمَلِ وَالْأُصُولِ فَيُفِيدُ الْقَطْعَ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عَقْدُ الْقَلْبِ، وَهُوَ عَمَلٌ فَيَكْفِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَقْدُ الْقَلْبِ فِي غَيْرِ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَعْنَى الْعِلْمِ، وَقَدْ بُيِّنَ فَسَادُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ إنَّمَا وَرَدَتْ لِعَقْدِ الْقَلْبِ وَالْجَزْمِ بِالْحُكْمِ، وَفِي غَيْرِهَا لِلْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ فَوَجَبَ الْإِتْيَانُ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا [فَصْلٌ الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) حَاصِلُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ أَوْ مَجْهُولٌ أَمَّا الْمَعْرُوفُ فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ يُقْبَلُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ لَا، وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ قِيَاسًا مَا فَيُقْبَلُ أَوْ لَا فَيُرَدُّ، وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَإِمَّا أَنْ يَظْهَرَ حَدِيثُهُ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ

стр. 438

أَنَّ الْقِيَاسَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي نَقْلِهِ، وَفِي الْقِيَاسِ الْعِلَّةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَأَيْضًا إذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ قَطْعًا لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْعِ مَانِعٌ أَوْ لِخُصُوصِيَّةِ الْأَصْلِ أَثَرٌ، أَوْ بِالرِّوَايَةِ فَقَطْ كَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ قُبِلَ، وَكَذَا إنْ خَالَفَ قِيَاسًا وَوَافَقَ قِيَاسًا آخَرَ لَكِنَّهُ إنْ خَالَفَ جَمِيعَ الْأَقْيِسَةِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ السَّدَادِ بَابِ الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى كَانَ مُسْتَفِيضًا ــ [التلويح] يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ لَا بَعْدَهُ وَإِنْ ظَهَرَ فَإِمَّا أَنْ يَشْهَدَ السَّلَفُ لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فَيُقْبَلُ أَوْ بِرَدِّهِ فَلَا يُقْبَلَ أَوْ يَسْكُتُوا عَنْهُ فَيُقْبَلَ أَوْ يَقْبَلَ الْبَعْضُ وَيَرُدَّ الْبَعْضُ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فَإِنْ وَافَقَ قِيَاسًا، وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَحَدِيثُهُ يُقْبَلُ) أَيْ: يُعْمَلُ بِحَدِيثِ الرَّاوِي الْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ وَالْفِقْهِ سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهِ لَا بِالْقِيَاسِ أَوْ خَالَفَهُ حَتَّى يَثْبُتَ مُوجَبُهُ لَا مُوجِبُ الْقِيَاسِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ ثَبَتَتْ بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ فِي الدَّلَالَةِ فَإِنْ كَانَ وُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعِيًّا فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ رَاجِحٌ عَلَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَالتَّوَقُّفُ، وَإِنْ ثَبَتَتْ لَا بِنَصٍّ رَاجِحٍ فَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ، وَعَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَقَدُّمِ الْقِيَاسِ إنْ ثَبَتَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ، وَفِي تَقَدُّمِ الْخَبَرِ إنْ ثَبَتَتْ بِنَصٍّ ظَنِّيٍّ أَوْ اُسْتُنْبِطَتْ مِنْ أَصْلٍ ظَنِّيٍّ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا اُسْتُنْبِطَتْ مِنْ أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى تَقَدُّمِ الْخَبَرِ بِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْخَبَرَ يَقِينٌ بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ ﵊ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي عَارِضِ النَّقْلِ حَيْثُ يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ وَالْكَذِبَ، وَالْقِيَاسُ مُحْتَمِلٌ بِأَصْلِهِ أَيْ: عِلَّتِهِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ يَقِينًا إلَّا بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَهُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُتَيَقَّنَ الْأَصْلِ رَاجِحٌ عَلَى مُحْتَمَلِهِ. الثَّانِي أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ قَطْعًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُصُوصِيَّةُ الْأَصْلِ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ أَوْ خُصُوصِيَّةُ الْفَرْعِ مَانِعًا عَنْهُ فَيَكُونُ تَطَرُّقُ الِاحْتِمَالِ إلَى الْقِيَاسِ أَكْثَرَ فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْخَبَرِ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ الِاحْتِمَالُ إلَّا فِي طَرِيقِ نَقْلِهِ هُوَ عَارِضٌ ثُمَّ تَرَكَ الصَّحَابَةُ الْقِيَاسَ بِالْخَبَرِ مُتَوَاتِرِ الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهُ غَيْرَ مُتَوَاتِرَةٍ فَيَكُونُ إجْمَاعًا. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ) أَيْ: خَبَرَ الرَّاوِي الْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ دُونَ الْفِقْهِ إنْ خَالَفَ جَمِيعَ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ ثُبُوتُ أُصُولِهَا بِخَبَرِ رَاوٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ بِالْفِقْهِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَفِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا؛ فَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ فِي أُمُورٍ سِتَّةٍ حُكْمُ الْأَصْلِ وَتَعْلِيلُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَعَيُّنُ الْوَصْفِ الَّذِي بِهِ التَّعْلِيلُ، وَوُجُودُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْفُرُوعِ، وَنَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الْأَصْلِ وَنَفْيُهُ فِي الْفَرْعِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ عُدُولِ الصَّحَابَةِ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ وَلِهَذَا نَجِدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ شَكَّ الرَّاوِي

стр. 439

فِيهِمْ فَإِذَا قَصُرَ فِقْهُ الرَّاوِي لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ شَيْءٌ مِنْ مَعَانِيهِ فَتَدْخُلُهُ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ يَخْلُو عَنْهَا الْقِيَاسُ. وَذَلِكَ كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «مَنْ اشْتَرَى شَاةً فَوَجَدَهَا مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ» . وَالْمُحَفَّلَةُ شَاةٌ جُمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا بِتَرْكِ حَلْبِهَا لِيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِي سَمِينَةً فَيَغْتَرَّ. فَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ ــ [التلويح] وَإِنَّمَا اسْتَفَاضَ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِتَقْرِيرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِالرِّوَايَةِ، وَالتَّدْوِينِ. وَأَمَّا ثَالِثًا؛ فَلِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْغَيْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِقْهِ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْكَشْفِ مَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ مُسْتَحْدَثٌ، وَأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَمَا رُوِيَ مِنْ اسْتِبْعَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ لَيْسَ تَقْدِيمًا لِلْقِيَاسِ بَلْ اسْتِبْعَادًا لِلْخَبَرِ لِظُهُورِ خِلَافِهِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّ الْكِتَابَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْكِتَابِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي الْآيَةِ حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ قِيَاسٌ يُعَارِضُهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلَوْ سُلِّمَ فَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْقِيَاسُ الَّذِي يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيًّا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِالْخَبَرِ، وَالْقِيَاسِ. (قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ) مِنْ صَرَيْتُهُ إذَا جَمَعْتُهُ، وَالْمُرَادُ الشَّاةُ الَّتِي جُمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا بِالشَّدِّ، وَتَرْكِ الْحَلْبِ مُدَّةً لِيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِي كَثِيرَةَ اللَّبَنِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِيَظُنَّهَا الْمُشْتَرِي سَمِينَةً فِيهِ نَظَرٌ وَكَذَا الْمُحَفَّلَةُ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ، وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» وَيُرْوَى «بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ» وَيُرْوَى «مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ أَنَّ تَقْدِيرَ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَتَقْدِيرُهُ بِالْقِيمَةِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا» ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعَيْنِ فَإِنْ قِيلَ فَيَكُونُ رَدُّ هَذَا الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ مِنْ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ صَرِيحًا لَكِنَّهُ بَعْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ ظَهَرَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ لِحَلْبِ الشَّاةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ فِيهَا الضَّمَانُ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ قِيَاسًا عَلَى صُورَةِ الْعُدْوَانِ الصَّرِيحِ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ

стр. 440

بِالْمِثْلِ أَوْ بِالْقِيمَةٍ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْمَجْهُولُ فَإِنْ رَوَى عَنْهُ السَّلَفِ وَشَهِدُوا لَهُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ صَارَ مِثْلَ الْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الطَّعْنِ بَعْدَ النَّقْلِ فَكَذَا؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ، وَإِنْ قَبِلَ الْبَعْضُ وَرَدَّ الْبَعْضُ مَعَ نَقْلِ الثِّقَاتِ عَنْهُ يُقْبَلُ إنْ وَافَقَ قِيَاسًا «كَحَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ فِي بِرْوَعَ مَاتَ عَنْهَا هِلَالُ بْنُ مُرَّةَ، وَمَا سَمَّى لَهَا مَهْرًا، وَمَا دَخَلَ بِهَا (فَقَضَى ﵇ لَهَا بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا» فَقَبِلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَرَدَّهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) وَقَالَ مَا نَصْنَعُ بِقَوْلِ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى عَقِبَيْهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ إنَّ مِنْ عَادَةِ الْأَعْرَابِيِّ الْجُلُوسَ مُحْتَبِيًا فَإِذَا بَالَ يَقَعُ الْبَوْلُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَهَذَا لِبَيَانِ قِلَّةِ احْتِيَاطِ الْأَعْرَابِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ، وَهَذَا طَعْنٌ مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الثِّقَاتُ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ فَعَمِلْنَا بِهِ لَمَّا وَافَقَ الْقِيَاسَ عِنْدَنَا فَإِنَّ الْمَوْتَ كَالدُّخُولِ) بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الْمَوْتِ (وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) لَمَّا خَالَفَ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ. (وَإِنْ رَدَّهُ ــ [التلويح] ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَظَاهِرُ كَلَامِ، فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ نَاسِخٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمُعَارِضٌ لِلْإِجْمَاعِ فِي ضَمَانِ الْعُدْوَانِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَصْلِ الِانْقِطَاعِ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَجْهُولُ) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَجْهُولَ الْعَدَالَةِ، وَالضَّبْطِ إذْ مَعْلُومُ الْعَدَالَةِ، وَالضَّبْطِ لَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مُنْفَرِدًا بِحَدِيثٍ أَوْ حَدِيثَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ عَدَالَةُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ ثَابِتَةٌ بِالْآيَاتِ، وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضَائِلِهِمْ قُلْنَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّحَابِيَّ اسْمٌ لِمَنْ اُشْتُهِرَ بِطُولِ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﵊ عَلَى طَرِيقِ التَّتَبُّعِ لَهُ، وَالْأَخْذِ مِنْهُ وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ اسْمٌ لِمُؤْمِنٍ رَأَى النَّبِيَّ ﵇ سَوَاءٌ طَالَتْ صُحْبَتُهُ أَمْ لَا إلَّا أَنَّ الْجَزْمَ بِالْعَدَالَةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ اُشْتُهِرَ بِذَلِكَ، وَالْبَاقُونَ كَسَائِرِ النَّاسِ فِيهِمْ عُدُولٌ وَغَيْرُ عُدُولٍ. (قَوْلُهُ: فِي بِرْوَعَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَكْسِرُونَهَا. (قَوْلُهُ: لَمَّا خَالَفَ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْفَرْضِ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا عَادَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ إلَيْهَا سَالِمًا لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِمُقَابَلَتِهِ عِوَضًا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَكَهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. (قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هُوَ مِمَّا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ بِهِ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَأَحْمَدُ فَكَيْفَ يَكُونُ مِمَّا رَدَّهُ الْكُلُّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ مَعَ كَوْنِهِ

стр. 441

الْكُلُّ فَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ «كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَا سُكْنَى، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا» فَرَدَّهُ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ) وَقَالَ عُمَرُ لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ قَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِيهِ: أَرَادَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِهِمَا حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] وَحَدِيثُ مُعَاذٍ فِي الْقِيَاسِ مَشْهُورٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وَأَرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا قَالَ عُمَرُ سَمِعْتُ «النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» . (وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَدِيثُهُ فِي السَّلَفِ كَانَ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ غَالِبٌ قَالَ ﵇ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِينَ أَنَا فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» فَالْقَرْنُ الْأَوَّلُ الصَّحَابَةُ وَالثَّانِي التَّابِعُونَ وَالثَّالِثُ تَبَعُ التَّابِعِينَ) أَمَّا بَعْدَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ فَلَا لِغَلَبَةِ الْكَذِبِ فَلِهَذَا صَحَّ عِنْدَهُ الْقَضَاءُ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا فَهَذَا لِاخْتِلَافِ الْعَهْدِ. (فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَالضَّبْطُ وَالْعَدَالَةُ وَالْإِسْلَامُ) أَمَّا الْعَقْلُ فَيُعْتَبَرُ هُنَا كَمَالُهُ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالْبُلُوغِ عَلَى مَا يَأْتِي فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ. وَأَمَّا الضَّبْطُ فَهُوَ سَمَاعُ الْكَلَامِ كَمَا يَحِقُّ سَمَاعُهُ ثُمَّ فَهْمُ مَعْنَاهُ ثُمَّ حِفْظُ لَفْظِهِ ثُمَّ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ إلَى حِينِ الْأَدَاءِ، وَكَمَالُهُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى هَذَا الْوُقُوفُ عَلَى مَعَانِيهِ ــ [التلويح] مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ. (قَوْلُهُ: قَالَ ﵇ «خَيْرُ الْقُرُونِ» الْحَدِيثَ) فَإِنْ قِيلَ، وَقَدْ قَالَ ﵇ «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ قُلْنَا الْخَيْرِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَاتِ، وَالِاعْتِبَارَاتِ فَالْقُرُونُ السَّابِقَةُ خَيْرٌ بِنَيْلِ شَرَفِ قُرْبِ الْعَهْدِ بِالنَّبِيِّ ﵇ وَلُزُومِ سِيرَةِ الْعَدْلِ، وَالصِّدْقِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ «قَوْلُهُ: ﵇ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الصَّوَابِ وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ فَلَا يُدْرَى إنَّ الْأَوَّلَ خَيْرٌ لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ، وَقِلَّةِ مَعْصِيَتِهِ أَمْ الْآخِرُ لِإِيمَانِهِ بِالْغَيْبِ طَوْعًا وَرَغْبَةً مَعَ انْقِضَاءِ زَمَنِ مُشَاهَدَةِ آثَارِ الْوَحْيِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ بِالْتِزَامِهِ طَرِيقَ السُّنَّةِ مَعَ فَسَادِ الزَّمَانِ [فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي) لَمْ يَكْتَفِ بِذِكْرِ الضَّبْطِ، وَالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ الْكَامِلَ التَّمْيِيزِ رُبَّمَا يَكُونُ ضَابِطًا لَكِنْ لَا يَجْتَنِبُ الْكَذِبَ لِعِلْمِهِ بِأَنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ رُبَّمَا يَكُونُ مُسْتَقِيمًا عَلَى مُعْتَقَدِهِ وَلِهَذَا يَسْأَلُ الْقَاضِي عَنْ عَدَالَةِ الْكَافِرِ إذَا شَهِدَ عَلَى الْكَافِرِ عِنْدَ طَعْنِ الْخَصْمِ نَعَمْ لَوْ فَسَّرَ الْعَدَالَةَ بِمُحَافَظَةِ دِينِهِ يُحْمَلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى، وَالْمُرُوءَةِ مِنْ غَيْرِ بِدْعَةٍ وَجَعَلَ عَلَامَتَهَا اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ، وَتَرْكَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَتَرْكَ بَعْضِ الصَّغَائِرِ وَالْمُبَاحَاتِ الَّتِي مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ، وَالتَّطْفِيفِ فِي.

стр. 442

الشَّرْعِيَّةِ. وَشَرَطْنَا حَقَّ السَّمَاعِ احْتِرَازًا عَنْ أَنْ يَحْضُرَ رَجُلٌ مَجْلِسًا، وَقَدْ مَضَى صَدْرٌ مِنْ الْكَلَامِ وَيَخْفَى عَلَى الْمُتَكَلِّمِ هُجُومُهُ لِيُعِيدَهُ، وَهُوَ يَزْدَرِي نَفْسَهُ فَلَا يَسْتَعِيدُهُ. (وَفَهْمَ الْمَعْنَى) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى حَقِّ السَّمَاعِ فِي قَوْلِهِ: وَشَرَطْنَا حَقَّ السَّمَاعِ (هُنَا لَا فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي نَقْلِهِ نَظْمُهُ فَلِهَذَا يُبَالَغُ فِي حِفْظِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنْقَلُ بِالْمَعْنَى حَتَّى وَلَوْ بُولِغَ فِي حِفْظِهِ كَانَتْ كَافِيَةً؛ وَلِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . وَالْمُرَاقَبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ (احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِلتَّبْلِيغِ فَيُقَصِّرُ فِي مُرَاقَبَةِ بَعْضِ مَا أُلْقِيَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَهِيَ الِاسْتِقَامَةُ، وَهِيَ الِانْزِجَارُ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ، وَأَقْصَاهَا أَنْ يَسْتَقِيمَ كَمَا أُمِرَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا النَّبِيَّ ﵇ فَاعْتُبِرَ مَا لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ، وَهُوَ رُجْحَانُ جِهَةِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ عَلَى دَاعِي الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ فَقِيلَ إنَّ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ، وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ فَكَذَا. أَمَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ فَتَامُّ الْعَدَالَةِ فَشَهَادَةُ الْمَسْتُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْدُودَةً لَكِنَّ خَبَرَ الْمَجْهُولِ يُقْبَلُ عِنْدَنَا لِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﵊ عَلَى ذَلِكَ الْقَرْنِ بِالْعَدَالَةِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنَّمَا شَرَطْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ ــ [التلويح] الْوَزْنِ بِحَبَّةٍ، وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْأَرْذَالِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ، فَلَا خَفَاءَ فِي شُمُولِهَا الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الْعَدَالَةِ الْكَافِرُ كَمَا يَخْرُجُ الْمُبْتَدِعُ، وَالْفَاسِقُ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الضَّبْطُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الضَّبْطَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْبَلُونَ أَخْبَارَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الِاتِّصَافُ بِذَلِكَ وَشَاعَ وَذَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ إلَّا أَنَّ هَذَا يُفِيدُ الرُّجْحَانَ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي سَائِرِ كُتُبِ الْأُصُولِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا فِي التَّرْجِيحِ [فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الِانْقِطَاعِ) وَهُوَ قِسْمَانِ ظَاهِرٌ كَالْإِرْسَالِ وَبَاطِنٌ وَذَلِكَ إمَّا؛ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ أَوْ لِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ أَوْ بِكَوْنِهِ شَاذًّا فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَإِمَّا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ النَّاقِلِ كَنُقْصَانٍ فِي الْعَقْلِ كَخَبَرِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ أَوْ فِي الضَّبْطِ كَخَبَرِ الْمُغَفَّلِ أَوْ فِي الْعَدَالَةِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ، وَالْمَسْتُورِ أَوْ فِي الْإِسْلَامِ كَخَبَرِ الْمُبْتَدِعِ، وَإِمَّا لِأَمْرٍ غَيْرِ ذَلِكَ كَإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ إنْ ذَكَرَ الرَّاوِي الَّذِي لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ جَمِيعَ الْوَسَائِطِ فَالْخَبَرُ مُسْنَدٌ، وَإِنْ تَرَكَ وَاسِطَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ فَمُنْقَطِعٌ، وَإِنْ تَرَكَ وَاسِطَةً فَوْقَ الْوَاحِدِ فَمُعْضَلٌ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَاسِطَةَ أَصْلًا فَمُرْسَلٌ. (قَوْلُهُ: وَمُرْسَلُ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ أَنْ يُسْنِدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَنْ يُرْسِلَهُ آخَرُ، وَعُلِمَ أَنَّ شُيُوخَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ أَنْ يَعْضُدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ أَنْ يَعْضُدَهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

стр. 443

الْكَذِبُ حَرَامًا فِي كُلِّ دِينٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَسْعَى فِي هَدْمِ دِينِ الْإِسْلَامِ تَعَصُّبًا فَيَرُدُّ قَوْلَهُ، فِي أُمُورِهِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَهُوَ نَوْعَانِ ظَاهِرٌ بِنُشُوئِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَثَابِتٌ بِالْبَيَانِ بِأَنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا هُوَ إلَّا أَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ حَرَجًا فَيَكْفِي الْإِجْمَالُ بِأَنْ يُصَدِّقَ بِكُلِّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﵇ فَلِهَذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَوْصَفُ فَيُقَالُ أَهُوَ كَذَا، وَكَذَا فَإِذَا قَالَ نَعَمْ يَكْمُلُ إيمَانُهُ) أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّ الْإِجْمَالَ كَافٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ فِي الدِّينِ قُلْنَا إنَّ الْوَاجِبَ الِاسْتِيصَافُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِيصَافِ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَسْأَلَهُ عَنْ الْإِيمَانِ مَا هُوَ، وَمَا صِفَتُهُ فَإِنَّ هَذَا بَحْرٌ عَمِيقٌ تَغْرَقُ فِيهِ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ، وَلَا يَكَادُ الْعُلَمَاءُ يَعْلَمُونَ صِفَاتِ اللَّهِ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ نَذْكُرَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَنَسْأَلَهُ أَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ: أَتَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَكْمُلُ إيمَانُهُ. (وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ يُقْبَلُ حَدِيثُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ تَائِبًا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فِي حُقُوقِ النَّاسِ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَمْيِيزٍ زَائِدٍ يَنْعَدِمُ بِالْعَمَى، وَإِلَى وِلَايَةٍ كَامِلَةٍ تَنْعَدِمُ بِالرِّقِّ وَتَقْصُرُ بِالْأُنُوثَةِ) . فَإِنَّ الشَّهَادَةَ وَالْقَضَاءَ وِلَايَةٌ لِلشَّاهِدِ وَالْقَاضِي عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَلَا يُرَى أَنَّ الشَّاهِدَ يُلْزِمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ شَيْئًا، (وَهَذَا) أَيْ: الْإِخْبَارُ بِالْحَدِيثِ (لَيْسَ مِنْ ــ [التلويح] أَوْ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا بِرِوَايَتِهِ عَنْ عَدْلٍ فَإِنْ قِيلَ: اشْتِرَاطُ إسْنَادِ غَيْرِهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ، وَالْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِدَلِيلٍ وَانْضِمَامُ غَيْرِ الْمَقْبُولِ إلَى غَيْرِ الْمَقْبُولِ لَا يُصَيِّرُهُ مَقْبُولًا قُلْنَا الْمُسْنَدُ قَدْ لَا يَثْبُتُ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ فَيُقْبَلُ الْمُرْسَلُ وَيُعْمَلُ بِهِ وَبِانْضِمَامِ أَمْرٍ إلَى أَمْرٍ قَدْ يَحْصُلُ الظَّنُّ أَوْ يَقْوَى فَيَجِبُ الْعَمَلُ، وَعِنْدَنَا يُقْبَلُ بَلْ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُسْنَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ الرَّاوِي مُتَّصِفًا بِالْعَقْلِ، وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الرُّوَاةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الرَّاوِي لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْقَبُولِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَوْقَ الْمُسْنَدِ الْأَوَّلُ إرْسَالُ الصَّحَابَةِ، وَقَبُولُهُ مَعَ وُجُودِ الْوَاسِطَةِ فِي الْبَعْضِ الثَّانِي أَوْ كَلَامُنَا فِي إرْسَالِ الْعَدْلِ الَّذِي لَوْ أَسْنَدَهُ لَا يُظَنُّ أَنَّهُ كَذَبَ عَلَى مَنْ رَوَى عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يُظَنَّ بِهِ الْكَذِبُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكْذِبَ فَعَدَمُ ظَنِّ كَذِبِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊، وَهُوَ مَعْصُومٌ أَوْلَى. وَقَدْ عَرَفْت أَنْ لَيْسَ النِّزَاعُ فِي مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ وَمُرْسَلِ مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا بِرِوَايَتِهِ عَنْ عَدْلٍ. الثَّالِثُ أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ وَاضِحًا لِلنَّاقِلِ جَزَمَ بِنَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ إسْنَادٍ.

стр. 444

بَابِ الْوِلَايَةِ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ لَا يُلْزِمُهُ) أَيْ: النَّاقِلَ لَا يُلْزِمُ الْمَنْقُولَ إلَيْهِ شَيْئًا (بَلْ يَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ) أَيْ: يَلْزَمُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ بِالْتِزَامِهِ الشَّرَائِعَ (وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْغَيْرِ) أَيْ: يَلْزَمُ الْحُكْمُ النَّاقِلَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ. (وَلَا تُشْتَرَطُ لِمِثْلِهِ الْوِلَايَةُ) أَيْ: لِمِثْلِ الْحُكْمِ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى الْغَيْرِ بِتَبَعِيَّةِ لُزُومِهِ أَوَّلًا عَلَى الشَّاهِدِ وَبِالْتِزَامِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ شَيْئًا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ فَإِنَّ الصَّوْمَ يَلْزَمُ الشَّاهِدَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَعَدَّى مِنْهُ إلَى الْغَيْرِ تَبَعًا فَلَا يَكُونُ وِلَايَةً عَلَى الْغَيْرِ أَيْ: ثُبُوتُ هَذَا الْحُكْمِ بِالتَّبَعِيَّةِ عَلَى الْغَيْرِ إذْ لَيْسَ هُوَ إلْزَامًا عَلَى الْغَيْرِ قَصْدًا فَلِهَذَا يُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ الشَّهَادَةُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ (وَرَدُّ الشَّهَادَةِ أَبَدًا مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ) هَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَبُولِ الْحَدِيثِ مِنْ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ إذَا تَابَ، وَبَيْنَ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مِنْهُ فَإِنَّ حَدِيثَهُ مَقْبُولٌ وَشَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ مِنْ تَمَامِ حَدِّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] . فَبَعْدَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا لَكِنْ يُقْبَلُ حَدِيثُهُمْ بِنَاءً عَلَى عَدَالَتِهِمْ (وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِهِ ﵇ قَبُولُ الْحَدِيثِ عَنْ الْأَعْمَى وَالْمَرْأَةِ كَعَائِشَةَ، وَهُوَ ﵇ قَبِلَ خَبَرَ بَرِيرَةَ وَسَلْمَانَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. ــ [التلويح] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا نَسَبَهُ إلَى الْغَيْرِ لِيُحَمِّلَ النَّاقِلُ ذَلِكَ الْغَيْرَ الشَّيْءَ الَّذِي حَمَلَهُ هُوَ أَيْ: النَّاقِلُ فَالْمُرْسَلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاضِحٌ لِلنَّاقِلِ بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ، وَقَدْ يُمْنَعُ جَرْيُ الْعَادَةِ بِذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا يُرْسِلُ؛ لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ بِالرُّوَاةِ، وَكَيْفِيَّةِ الِاتِّصَالِ وَيُسْنِدُ إلَى الْعُدُولِ تَحْقِيقًا لِلْحَالِ، وَأَنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَقَالِ. (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْنِي أَنَّ جَهْلَ السَّامِعِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ النَّاقِلَ عَدْلٌ ضَابِطٌ، فَلَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَنْ حَالِ الرُّوَاةِ، وَلَا يَجْزِمُ بِنَقْلِ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَدْلٍ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ أَمْرَ الْعَدَالَةِ عَلَى الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَرُبَّمَا يَظُنُّ غَيْرَ الْعَدْلِ عَدْلًا. (قَوْلُهُ: أَلَا يُرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ يُقْبَلُ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَثِيرًا مَا يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ إلَّا أَنَّ مُرَادَهُ بِالثِّقَةِ إبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَبِمَنْ لَا يَتَّهِمُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ. (قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي خَبَرِ الْعَدْلِ، وَهَذَا مُسْتَنْكَرٌ مُتَّهَمٌ رُوَاتُهُ بِالْكَذِبِ، وَالْغَفْلَةِ، وَالنِّسْيَانِ لَا لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِقَوْلِهِ: أَحَفِظْت أَمْ نَسِيتَ وَصَدَقْت أَمْ كَذَبْت مَعْنًى، وَأَيْضًا لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ، وَلَا مُفِيدَةٌ لِلْقَطْعِ فَكَيْفَ يُرَدُّ الْحَدِيثُ لِمُعَارَضَتِهَا؟ وَكَيْفَ يُقْبَلُ مِنْ الرَّاوِي أَنَّ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ أَنَّ ذَاكَ كَلَامُ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ بِمَرْأًى مِنْهُ وَمَسْمَعٍ؟ (قَوْلُهُ: وَكَحَدِيثِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 445

(فَصْلٌ فِي الِانْقِطَاعِ) أَيْ: انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ عَنْ الرَّسُولِ ﵇ (وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَكَالْإِرْسَالِ) الْإِرْسَالُ عَدَمُ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ الْإِسْنَادَ وَالْإِسْنَادُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرْسَلُ مُنْقَطِعٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ لِعَدَمِ الْإِسْنَادِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ لَا مِنْ حَيْثُ الْبَاطِنُ لِلدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ الدَّالَّةِ عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ. (وَمُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ، وَمُرْسَلُ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنْ يَثْبُتَ اتِّصَالُهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَمَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ؛ لِأَنِّي وَجَدْتهَا مَسَانِيدَ، لِلْجَهْلِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي الَّتِي تَصِحُّ بِهَا الرِّوَايَةُ) ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَيُقْبَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَهُوَ فَوْقَ الْمُسْنَدِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَرْسَلُوا، وَقَالَ الْبَرَاءُ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُهُ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا حُدِّثْنَا عَنْهُ لَكِنَّا لَا نَكْذِبُ. وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِي إرْسَالِ مَنْ لَوْ أَسْنَدَ لَا يُظَنُّ بِهِ الْكَذِبُ فَلَأَنْ لَا يُظَنَّ الْكَذِبُ عَلَى الرَّسُولِ أَوْلَى، وَالْمُعْتَادُ أَنَّهُ إذَا وَضَحَ لَهُ الْأَمْرُ طَوَى الْإِسْنَادَ وَجَزَمَ، وَإِذَا لَمْ يَتَّضِحْ نَسَبُهُ إلَى الْغَيْرِ لِيُحَمِّلَهُ مَا حَمَلَهُ) هَذَا جَوَابُ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ ــ [التلويح] أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الطَّالِبِ» ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِشْهَادِ مُجْمَلٌ فِي حَقِّ مَا هُوَ شَهَادَةٌ فَفَسَّرَهُ بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَتَفْسِيرُ الْمُجْمَلِ يَكُونُ بَيَانًا لِجَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ الثَّانِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] نَصٌّ عَلَى أَنَّ أَدْنَى مَا يَنْتَفِي بِهِ الرِّيبَةُ هُوَ هَذَانِ النَّوْعَانِ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْأَدْنَى شَيْءٌ الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُمْنَعُ الْإِجْمَالُ، وَالْحَصْرُ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ لِلشَّارِعِ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ الْأُمُورِ إلَى الِاجْتِهَادِ أَوْ إلَى الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ذَلِكُمْ إشَارَةٌ إلَى أَنْ تَكْتُبُوهُ، وَأَدْنَاهُ مَعْنَاهُ أَقْرَبُ مِنْ انْتِفَاءِ الرِّيَبِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّفْسِيرِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ ابْتَدَعَهُ مُعَاوِيَةُ فِي الدِّينِ بِنَاءً عَلَى خَطَئِهِ كَالْبَغْيِ فِي الْإِسْلَامِ، وَمُحَارَبَةِ الْإِمَامِ، وَقَتْلِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ لَمْ يَقَعْ الْعَمَلُ بِهِ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَكِنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ» وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَانُوا يَقْضُونَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي» ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ مُبْتَدَعَاتِ مُعَاوِيَةَ. (قَوْلُهُ: وَكَحَدِيثِ

стр. 446

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ لِلْجَهْلِ بِصِفَاتِ الرَّاوِي (وَلَا بَأْسَ بِالْجَهَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ إذَا كَانَ ثِقَةً لَا يُتَّهَمُ بِالْغَفْلَةِ عَلَى حَالِ مَنْ سَكَتَ عَنْهُ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي ثِقَةٌ يُقْبَلُ مَعَ الْجَهْلِ، وَلَا يَعْزِمُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ الثِّقَةِ. وَمُرْسَلُ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ يُقْبَلُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرْنَا وَيُرَدُّ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ الْفِسْقِ وَالْكَذِبِ إلَّا أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ مُرْسَلَهُ كَمَا رَوَوْا مُسْنَدَهُ مِثْلَ إرْسَالِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَمْثَالِهِ. وَأَمَّا الِانْقِطَاعُ الْبَاطِنُ فَإِمَّا بِالْمُعَارَضَةِ أَوْ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ كَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَوْله تَعَالَى) بِالنَّصْبِ أَيْ: كَمُعَارَضَةِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَوْله تَعَالَى فَنُصِبَ قَوْله تَعَالَى لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ الْمُعَارَضَةِ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أَمَّا فِي السُّكْنَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي النَّفَقَةِ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] يُحْمَلُ عِنْدَنَا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهِيَ: وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ وَكَحَدِيثِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي) قَوْله تَعَالَى بِالنَّصْبِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهَكَذَا الْأَمْثِلَةُ الَّتِي تَأْتِي ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ، وَعِنْدَ عَدَمِ الرَّجُلَيْنِ أَوْجَبَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَحَيْثُ نَقَلَ إلَى مَا لَيْسَ بِمَعْهُودٍ فِي مَجَالِسِ الْحُكْمِ دَلَّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ) فَإِنَّ حُضُورَ النِّسَاءِ لَا يُعْهَدُ فِي مَجَالِسِ ــ [التلويح] الْمُصَرَّاةِ) صَرِيحٌ فِي كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ لَا لِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُرَدُّ) أَيْ: خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مُقَدَّمٌ؛ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا مُتَوَاتِرَ النَّظْمِ لَا شُبْهَةَ فِي مَتْنِهِ، وَلَا فِي سَنَدِهِ لَكِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَظَوَاهِرِهِ فَمَنْ يَجْعَلُهَا ظَنِّيَّةً يَعْتَبِرُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ عَلَى شَرَائِطِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ وَمَنْ يَجْعَلُ الْعَامَّ قَطْعِيًّا، فَلَا يَعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي مُعَارَضَتِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الظَّنِّيَّ يَضْمَحِلُّ بِالْقَطْعِيِّ، فَلَا يُنْسَخُ الْكِتَابُ بِهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﵇ «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ، وَمَا خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ أَعْنِي: الْمُتَوَاتِرَ وَالْمَشْهُورَ، فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا فَكَيْفَ يُثْبِتُ بِهِ مَسْأَلَةَ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهُ يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ، وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ الْمُحَدِّثُونَ بِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ يَزِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَتَرَكَ فِي إسْنَادِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْأَشْعَثِ وَثَوْبَانَ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ، وَإِيرَادُ الْبُخَارِيِّ إيَّاهُ فِي صَحِيحِهِ لَا يُنَافِي الِانْقِطَاعَ أَوْ كَوْنَ أَحَدِ رُوَاتِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ فَإِنْ قِيلَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا لَا يُفِيدُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ فِي مُعَارَضَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ.

стр. 447

الْحُكْمِ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ كَافِيَةً مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَقَامَ الْمَرْأَتَيْنِ لَمَا أَوْجَبَ حُضُورَهُمَا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ مَمْنُوعَاتٌ مِنْ الْخُرُوجِ وَحُضُورِ مَجَالِسِ الرِّجَالِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ. (وَكَحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ قَوْله تَعَالَى فَاعْتَدُوا، وَإِنَّمَا يُرَدُّ لِتَقَدُّمِ الْكِتَابِ حَتَّى يَكُونَ عَامُّ الْكِتَابِ وَظَاهِرُهُ أَوْلَى مِنْ خَاصِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَصِّهِ، وَلَا يُنْسَخُ ذَلِكَ بِهَذَا، وَلَا يُزَادُ بِهِ عَلَيْهِ. وَإِمَّا بِمُعَارَضَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَحَدِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ قَوْلَهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَكَحَدِيثِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ «فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الرُّطَبُ هُوَ التَّمْرُ يُعَارِضُ قَوْلَهُ ﵇ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وَقَوْلَهُ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُعَارِضُ قَوْلَهُ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» ) تَحْقِيقُهُ: أَنَّ الرُّطَبَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ تَمْرًا فَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ يَكُونُ مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ: ﵇ «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ تَمْرٌ لَكِنْ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ مُخْتَلِفَانِ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا اعْتِبَارَ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﷺ «جَيِّدُهَا وَرَدِيُّهَا سَوَاءٌ» وَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ صَرِيحًا زِدْت قَوْلَهُ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» (وَأَمَّا بِكَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْبَلْوَى الْعَامِّ كَحَدِيثِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فَخَفَاؤُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ مِمَّا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ) . فَإِنْ قِيلَ جَعَلَ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ قُلْتُ أَمْثَالُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّبْلِيغِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ ــ [التلويح] وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْيَقِينِ، وَالْعَامُّ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بِحَيْثُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الظَّنِّ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومَاتِ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَقَوْلِهِ: ﵇ «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ» ، وَقَوْلُهُ: ﵇ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» وَغَيْرِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ) حَصَرَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَجِنْسَ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. (قَوْلُهُ: وَكَحَدِيثِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ، فَلَا إذَنْ» إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أُورِدَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَارَ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ وَاسْتَحْسَنَ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِنْهُ هَذَا الطَّعْنَ حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ كَيْفَ يُقَالُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ، وَهُوَ يَقُولُ زَيْدُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ؟ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ رَدِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِنَاءً عَلَى مُعَارَضَتِهِ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الرُّطَبُ تَمْرًا مُطْلَقًا؛ لِفَوَاتِ وَصْفِ الْيُبُوسَةِ، وَلَا نَوْعًا آخَرَ لِبَقَاءِ أَجْزَائِهِ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ تَمْرًا كَالْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ لَيْسَتْ حِنْطَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ لِفَوَاتِ

стр. 448

أَوْ عَلَى تَرْكِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - التَّبْلِيغَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ مُعَارِضَةً لِدَلَائِلِ وُجُوبِ التَّبْلِيغِ أَوْ لِدَلَائِلَ تَدُلُّ عَلَى عَدَالَتِهِمْ أَوْ تَكُونُ مُعَارِضَةً لِلْقَضِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَاشْتَهَرَ، وَفِي الْمَتْنِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا (وَإِمَّا بِإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ نَحْوَ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّانِي) : وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ الِانْقِطَاعُ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ فَصَارَ الِانْقِطَاعُ الْبَاطِنُ عَلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُعَارَضًا. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الِانْقِطَاعُ بِنُقْصَانٍ فِي النَّاقِلِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ بِكَوْنِهِ شَاذًّا فِي الْبَلْوَى الْعَامِّ أَوْ بِإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مُعَارِضٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. فَلَمَّا ذَكَرَ الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الِانْقِطَاعِ الْبَاطِنِ، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ، وَإِنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْإِسْنَادِ لَكِنَّهُمَا مُنْقَطِعَانِ بَاطِنًا وَحَقِيقَةً. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ: ﵇ «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَاقْبَلُوهُ، وَمَا خَالَفَ فَرُدُّوهُ» فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيثِ الرَّسُولِ ﵇، وَإِنَّمَا هُوَ مُفْتَرًى، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدِيثٍ يُعَارِضُ ــ [التلويح] وَصْفِ الْإِنْبَاتِ، وَلَا نَوْعًا آخَرَ لِوُجُودِ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ فِيهَا، وَكَذَا الْحِنْطَةُ مَعَ الدَّقِيقِ. (قَوْلُهُ: لَا اعْتِبَارَ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: ﵇ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الِاخْتِلَافِ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الِاخْتِلَافِ بِالْوَصْفِ أَصْلًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ بَعْضَ اخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُوجِبًا لِتَبَدُّلِ الِاسْمِ، وَالْحَقِيقَةِ فِي الْعُرْفِ حَتَّى إنَّ الْإِتْيَانَ بِالتَّمْرِ لَا يُعَدُّ امْتِثَالًا لِطَلَبِ الرُّطَبِ كَالزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ فَإِنْ قِيلَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِوَاءِ كَوْنُ الْوَصْفِ لَيْسَ مِنْ صُنْعِ الْعِبَادِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ الْعِلَّةُ عَدَمُ تَبَدُّلِ الِاسْمِ وَالْحَقِيقَةِ فِي الْعُرْفِ وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَبَرِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِكَوْنِهِ شَاذًّا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَمَّا بِمُعَارَضَةِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِإِعْرَاضِ الصَّحَابَةِ عَنْهُ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَقْسَامِ الِانْقِطَاعِ بِالْمُعَارَضَةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْخَبَرَ الشَّاذَّ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى يُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى وُجُوبِ تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ وَتَأْدِيَةِ مَقَالَاتِ النَّبِيِّ ﵊ أَوْ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ التَّبْلِيغِ إنْ كَانَ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ لَزِمَ عَدَمُ عَدَالَتِهِمْ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكًا لِلْوَاجِبِ لَزِمَ عَدَمُ وُجُوبِ التَّبْلِيغِ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قِسْمًا آخَرَ بَلْ مِنْ الِانْقِطَاعِ بِوَاسِطَةِ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ أَوْ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ قُلْنَا جَعَلَهُ قِسْمًا آخَرَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِمَّا ذَكَرْتُمْ مَعَ احْتِمَالِ الْمُعَارَضَةِ لِلْقَضِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ هَذَا الْحَدِيثُ لَاشْتَهَرَ لِتَوَفُّرِ.

стр. 449

دَلِيلًا أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ ﵇؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنَّمَا التَّنَاقُضُ مِنْ الْجَهْلِ الْمَحْضِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاتِّصَالُ بِوُجُودِ الشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الرَّاوِي فَحَيْثُ عُدِمَ بَعْضِهَا لَا يَثْبُتُ الِاتِّصَالُ (فَكَخَبَرِ الْمَسْتُورِ إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَجْهُولِ وَخَبَرِ الْفَاسِقِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ خَبَرِ الْمَسْتُورِ (وَالْمَعْتُوهِ) وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ فِي فَصْلِ الْعَوَارِضِ. (وَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَالْمُغَفَّلِ الشَّدِيدِ الْغَفْلَةِ لَا مَنْ غَالِبُ حَالِهِ التَّيَقُّظُ وَالْمُسَاهِلِ) أَيْ: الْمُجَازِفِ الَّذِي لَا يُبَالِي مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ وَالتَّزْوِيرِ وَصَاحِبِ الْهَوَى (فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ لِلشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ) أَيْ: لِاشْتِرَاطِ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرَّاوِي. (فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ) أَيْ: الْحَادِثَةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْخَبَرُ (وَهُوَ إمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ إمَّا الْعِبَادَاتُ أَوْ الْعُقُوبَاتُ. وَالْأُولَى تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الدِّيَانَاتِ كَالْإِخْبَارِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ فَكَذَا) أَيْ: يَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ أَيْ: إذَا أَخْبَرَ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ يُقْبَلُ خَبَرُهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَنْ قَوْلِهِ: فَكَذَا بِقَوْلِهِ: (لَكِنْ إنْ أَخْبَرَ بِهَا الْفَاسِقُ أَوْ الْمَسْتُورُ يُتَحَرَّى؛ لِأَنَّ هَذَا) إشَارَةٌ ــ [التلويح] الدَّوَاعِي، وَعُمُومِ حَاجَةِ الْكُلِّ إلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً حَتَّى يُرَدَّ الْخَبَرُ بِمُعَارَضَتِهَا نَعَمْ الْأَصْلُ هُوَ الِاشْتِهَارُ لَكِنْ رُبَّ أَصْلٍ قَلَعَهُ الْحَدِيثُ، وَأَيْضًا لَيْسَ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ أَنْ يُبَلِّغَ كُلُّ وَاحِدٍ كُلَّ حَدِيثٍ إلَى كُلِّ أَحَدٍ بَلْ عَدَمُ الْإِخْفَاءِ وَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْمَشْهُورِ حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ احْتَجُّوا بِهِ عَلَى مِثْلِ مُعَاوِيَةَ وَرَدُّوهُ عَنْ تَرْكِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ اضْطَرَبَتْ رِوَايَاتُهُ فِيهِ بِسَبَبِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ وَحَاوَلَ مُعَاوِيَةُ وَبَنُو أُمَيَّةَ مَحْوَ آثَارِهِ فَبَالَغُوا عَلَى التَّرْكِ فَخَافَ أَنَسٌ وَرُوِيَ الْجَهْرُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْكَ الْجَهْرِ نَفْيٌ، وَالْجَهْرُ إثْبَاتٌ فَرُبَّمَا لَا يَسْمَعُهُ الرَّاوِي لَا سِيَّمَا مِثْلُ أَنَسٍ، وَقَدْ كَانَ يَقِفُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﵊ أَبْعَدَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي سَمَاعَهُ الْفَاتِحَةَ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، وَأَيْضًا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا سُئِلَ عَنْ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَالسَّبَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ انْقِطَاعُ الْخَبَرِ بِالْمُعَارَضَةِ بِسَبَبِ إعْرَاضِ الصَّحَابَةِ؛ فَلِأَنَّهُ يُعَارِضُ إجْمَاعَهُمْ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ، وَعَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ مَنْسُوخٌ. لَا يُقَالُ لَا إجْمَاعَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَيْفَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ يُعْتَبَرُ بِحَالِ الرِّجَالِ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَائِشَةُ ﵃ وَرَاوِي الْحَدِيثِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَرْكِ الْحُكْمِ بَلْ عَدَمَ التَّمَسُّكِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.

стр. 450

إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ (أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ تَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ بِخِلَافِ أَمْرِ الْحَدِيثِ) فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لَا يَكُونُ الْعَدْلُ حَاضِرًا عِنْدَ الْمَاءِ فَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ بِمَعْرِفَةِ الْمَاءِ حَرَجٌ، فَلَا يَكُونُ خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالْمَسْتُورِ سَاقِطَ الِاعْتِبَارِ فَأَوْجَبْنَا انْضِمَامَ التَّحَرِّي بِهِ بِخِلَافِ أَمْرِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَهَا هُمْ الْعُلَمَاءُ الْأَتْقِيَاءُ، فَلَا حَرَجَ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُ الْفَسَقَةِ وَالْمَسْتُورِينَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَلَا اعْتِبَارَ؛ لِأَحَادِيثِهِمْ أَصْلًا. (وَأَمَّا أَخْبَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ وَالْكَافِرِ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا أَصْلًا) أَيْ: لَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَانَاتِ كَالْإِخْبَارِ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ أَصْلًا أَيْ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ: فَلَا يَجِبُ التَّحَرِّي بِخِلَافِ أَخْبَارِ الْفَاسِقِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ التَّحَرِّي. (وَالثَّانِيَةُ) أَيْ: الْعُقُوبَاتُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ (أَيْ: تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْعَمَلُ فِي الْحُدُودِ كَالْبَيِّنَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْعُقُوبَاتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ.) وَالثَّابِتُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فِيهِ شُبْهَةٌ فَعُلِمَ أَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَثْبُتُ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ قَطْعِيٌّ بِمَعْنَى قَطْعِ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ دَلِيلٍ كَحُرْمَةِ الضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَالثَّابِتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ (وَعِنْدَنَا لَا لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي الدَّلِيلِ وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِهَا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بِالنَّصِّ) أَيْ: كَانَ الْقِيَاسُ ــ [التلويح] وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ اتِّفَاقُ غَيْرِ هَذَا الرَّاوِي، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ. (قَوْلُهُ: إلَّا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي: الْقَرْنَ الْأَوَّلَ، وَالثَّانِي، وَالثَّالِثَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ فِيهَا أَصْلٌ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﵇، وَفِي غَيْرِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ الْمَسْتُورُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاسِقِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْفِسْقِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ غَالِبٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْمُرَجِّحَةِ جَانِبَ الصِّدْقِ. (قَوْلُهُ: وَصَاحِبِ الْهَوَى) وَهُوَ الْمَيْلُ إلَى الشَّهَوَاتِ، وَالْمُسْتَلَذَّات مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةِ الشَّرْعِ، وَالْمُرَادُ الْمُبْتَدِعُ الْمَائِلُ إلَى مَا يَهْوَاهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ فَإِنْ تَأَدَّى إلَى أَنْ يَجِبَ إكْفَارُهُ كَغُلَاةِ الرَّوَافِضِ، وَالْمُجَسِّمَةِ، وَالْخَوَارِجِ، فَلَا خَفَاءَ فِي عَدَمِ قَبُولِ الرِّوَايَةِ؛ لِانْتِفَاءِ الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وَضْعَ الْأَحَادِيثِ إلَّا إذَا كَانَ دَاعِيًا إلَى هَوَاهُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ فَقَوْلُهُ: لِلشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَوَى مَا يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ أَوْ الْفِسْقِ [فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ) سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَالْمُرَادُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَلِذَا حَصَرَ الْمَحَلَّ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَعْمَالِ إذْ الِاعْتِقَادِيَّات لَا تَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؛ لِابْتِنَائِهَا عَلَى الْيَقِينِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا أَخْبَارُ الصَّبِيِّ) فَإِنْ قِيلَ إنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ أَخْبَرَ أَهْلَ قُبَاءَ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فَاسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ وَكَانَ صَبِيًّا قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ كَوْنُهُ صَبِيًّا فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ أَنَسٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا جَاءَا بِهِ جَمِيعًا فَأَخْبَرَاهُمْ. (قَوْلُهُ: لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ) قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِلشُّبْهَةِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ خَبَرِ الْوَاحِدِ

стр. 451

أَنْ لَا تَثْبُتَ الْعُقُوبَاتُ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَإِنَّ كُلَّ مَا دُونَ التَّوَاتُرِ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ دَلِيلًا فِيهِ شُبْهَةٌ وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِهَا لَكِنْ إنَّمَا تَثْبُتُ الْعُقُوبَاتُ بِالْبَيِّنَةِ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُقَاسُ ثُبُوتُهَا بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ عَلَى ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ. (وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَتَثْبُتُ بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ بِالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا ثُبُوتُهَا بِخَبَرٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَمَا كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ مَحْضٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ) ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ (وَالْعَدَدِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ) حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ الْعَدَدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَدَدُ عُرْفًا كَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ (مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ، وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ) أَيْ: لَهُ حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ التَّزْوِيرِ وَالتَّلْبِيسِ (وَمَا لَيْسَ فِي الْإِلْزَامِ كَالْوَكَالَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالرِّسَالَاتِ فِي الْهَدَايَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَالْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ تَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْوَاحِدِ بِشَرْطِ التَّمْيِيزِ دُونَ الْعَدَالَةِ فَيُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا إلْزَامَ فِيهِ وَلِلضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ هُنَا) . فَإِنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ غَايَةَ الْحَرَجِ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ بَعْثُ الصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ بِهَذِهِ الْأَشْغَالِ. وَالْعُدُولُ الثِّقَاتُ لَا يَنْتَصِبُونَ دَائِمًا لِلْمُعَامَلَاتِ الْخَسِيسَةِ لَا سِيَّمَا؛ لِأَجْلِ ــ [التلويح] حُجَّةً عَلَى الْإِطْلَاقِ بِالدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَمَعَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تَجِبُ مُقَدَّرَةً بِالْجِنَايَاتِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ الرِّوَايَةِ) يُخْرِجُ الْفَاسِقَ، وَالْمُغَفَّلَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقَيْدُ الْوِلَايَةِ يُخْرِجُ الْعَبْدَ، وَمِثْلُ الصَّبِيِّ يَخْرُجُ بِكُلٍّ مِنْ الْقَيْدَيْنِ بَعْدَ تَفَرُّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِفَائِدَةٍ. (قَوْلُهُ: صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ) يَعْنِي تُشْتَرَطُ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ لِئَلَّا تَثْبُتَ الْحُقُوقُ الْمَعْصُومَةُ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِ عَدْلٍ أَوْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِثُبُوتِ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِخَبَرٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ) تَعْلِيلٌ لِاشْتِرَاطِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِكَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. (قَوْلُهُ: فَيَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ) أَمَّا لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ كَمَالِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ هِيَ الْمُعَايَنَةُ، وَالْعِلْمُ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ: ﵊ «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ، وَإِلَّا فَدَعْ» ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ كَوْنَ الْمُخْبِرِ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَنْفِيذِ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى وَذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ الصِّدْقِ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَلِأَنَّ اطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ بِقَوْلِ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ؛ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ يُعَارِضُهُ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ بِانْضِمَامِ شَاهِدٍ آخَرَ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَالشَّهَادَةُ بِهِلَالِ الْفِطْرِ) يُشْتَرَطُ لَهَا لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَالْوِلَايَةِ، وَالْعَدَدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ إثْبَاتِ الْحُقُوقِ، الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ مِمَّا يُخَافُ فِيهِ

стр. 452

الْغَيْرِ (بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَإِنَّ ضَرُورَتَهُمَا غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ) فَإِنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ تَلَقِّيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ. فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ الضَّرُورَةَ حَاصِلَةٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ غَيْرِ الْعُدُولِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ لَكِنْ نَذْكُرُ هُنَا أَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِمَا غَيْرُ لَازِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَصْلِ مُمْكِنٌ فَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَالضَّرُورَةُ لَازِمَةٌ فَلَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْعُدُولِ ثَمَّةَ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ انْضِمَامِ التَّحَرِّي، وَقُبِلَ هُنَا مُطْلَقًا (وَمَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ) فَإِنَّهُ إلْزَامٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْطِلُ عَمَلَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَيْسَ بِإِلْزَامٍ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ (وَحَجْرُ الْمَأْذُونِ، وَفَسْخِ الشَّرِكَةِ) لِمَا ذَكَرْنَا فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ (وَإِنْكَاحِ الْوَلِيِّ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ) فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِهَذَا التَّزَوُّجِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى تَقْدِيرِ نَفَاذِ هَذَا الْإِنْكَاحِ إلْزَامٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُمْكِنُ لَهَا فَسْخُ هَذَا الْإِنْكَاحِ لَيْسَ بِإِلْزَامٍ (فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَكِيلًا أَوْ رَسُولًا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ بَعْدَ وُجُودِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ) . إنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ وَبَيْنَ الْفُضُولِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ وَالرَّسُولَ يَقُومَانِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ وَالْمُرْسِلِ فَيَنْتَقِلُ عِبَارَتُهُمَا إلَيْهِمَا، فَلَا يُشْتَرَطُ شَرَائِطُ الْأَخْبَارِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَنَحْوِهَا فِي الْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ بِخِلَافِ الْفُضُولِيِّ ــ [التلويح] التَّلْبِيسُ وَالتَّزْوِيرُ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ. وَهَذَا أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ يَنْتَفِعُونَ بِالْفِطْرِ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَيَلْزَمُهُمْ الِامْتِنَاعُ عَنْ الصَّوْمِ يَوْمَ الْفِطْرِ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ؛ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ انْتِفَاعَهُمْ بِالصَّوْمِ أَكْثَرُ، وَإِلْزَامَهُمْ فِيهِ أَظْهَرُ مَعَ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ. (قَوْلُهُ: وَمَا لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ أَنَّ أَخْبَارَ الْمُمَيِّزِ يُقْبَلُ فِي مِثْلِ الْوَكَالَةِ، وَالْهَدَايَا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ التَّحَرِّي، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّحَرِّي، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمُحَمَّدٌ ذَكَرَ الْقَيْدَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ تَفْسِيرًا لِهَذَا فَيُشْتَرَطُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ اسْتِحْسَانًا، وَلَا يُشْتَرَطُ رُخْصَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْمُتَعَارَفَ) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخَبَرِ بِالْوَكَالَةِ، وَالْإِذْنِ وَنَحْوِهِمَا الْعَدَالَةُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ سَوَاءٌ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ أَوْ مَأْذُونُهُ؛ أَوْ أَخْبَرَ بِأَنَّ، فُلَانًا وَكَّلَ الْمَبْعُوثَ إلَيْهِ أَوْ جَعَلَهُ مَأْذُونًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّمَا يَجِدُ الْمُسْتَجْمِعَ لِلشَّرَائِطِ يَبْعَثُهُ لِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ أَوْ لِإِخْبَارِ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي ذَلِكَ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْبَعْضِ مُشْعِرٌ بِالْقِسْمِ الثَّانِي حَيْثُ يَقُولُونَ الْإِنْسَانُ قَلَّمَا يَجِدُ الْمُسْتَجْمِعَ لِلشَّرَائِطِ يَبْعَثُهُ إلَى وَكِيلِهِ أَوْ غُلَامِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ) أَيْ: الْمُخْبِرُ بِمَا فِيهِ إلْزَامٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فُضُولِيًّا يُشْتَرَطُ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ. وَالِاخْتِلَافُ

стр. 453

وَأَيْضًا قَلَّمَا يَتَطَرَّقُ الْكَذِبُ فِي الْوَكَالَةِ وَالرِّسَالَةِ بِأَنْ يَقُولَ كَاذِبًا وَكَّلَنِي فُلَانٌ أَوْ أَرْسَلَنِي إلَيْكَ، وَيَقُولَ: كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الْكَاذِبَةُ مِنْ غَيْرِ رِسَالَةٍ وَوَكَالَةٍ فَكَثِيرَةُ الْوُقُوعِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَخَافَةَ ظُهُورِ الْكَذِبِ وَلُزُومِ الضَّرَرِ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَشَدُّ. وَقَوْلُهُ: (رِعَايَةً لِلشَّبَهَيْنِ) أَيْ: شَبَهِ الْإِلْزَامِ وَعَدَمِ الْإِلْزَامِ. [فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ أَمَّا السَّمَاعُ فَهُوَ الْعَزِيمَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ إمَّا بِأَنْ يَقْرَأَ الْمُحَدِّثُ عَلَيْكَ أَوْ بِأَنْ تَقْرَأَ عَلَيْهِ فَتَقُولُ: أَهُوَ كَمَا قَرَأْتُ فَيَقُولُ نَعَمْ وَالْأَوَّلُ أَعْلَى عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَإِنَّهُ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ ﵇، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ ذَلِكَ أَحَقَّ مِنْهُ ﵇ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُونًا عَنْ السَّهْوِ أَمَّا فِي غَيْرِهِ، فَلَا عَلَى أَنَّ رِعَايَةَ الطَّالِبِ أَشَدُّ عَادَةً وَطَبِيعَةً، وَأَيْضًا إذَا قَرَأَ التِّلْمِيذُ فَالْمُحَافَظَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَإِذَا قَرَأَ الْأُسْتَاذُ لَا تَكُونُ الْمُحَافَظَةُ إلَّا مِنْهُ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ وَالرِّسَالَةُ فَقَائِمٌ مَقَامَ الْخِطَابِ فَإِنَّ تَبْلِيغَ الرَّسُولِ ﵇ كَانَ بِالْكِتَابِ وَالْإِرْسَالِ أَيْضًا وَالْمُخْتَارُ فِي الْأَوَّلَيْنِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا، وَفِي الْأَخِيرَيْنِ أَخْبَرَنَا. وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَهِيَ الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ يَجُوزُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: أَجَازَ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَخْبَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا فِيهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي. لَهُمَا أَنَّ أَمْرَ السُّنَّةِ ــ [التلويح] إنَّمَا وَقَعَ مِنْ لَفْظِ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ إذَا حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُرْسِلْهُ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ حَجْرًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْعَدَالَةَ لِلْمَجْمُوعِ وَبَعْضُهُمْ لِلرَّجُلِ فَقَطْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ لِلْعَدَدِ تَأْثِيرًا فِي الِاطْمِئْنَانِ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ فِي الرَّجُلَيْنِ الْعَدَالَةُ كَانَ ذِكْرُهُ ضَائِعًا، وَيَكْفِي أَنْ يُقَالَ حَتَّى يُخْبِرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَبْسُوطِ اشْتِرَاطَ وُجُودِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ أَعْنِي: الذُّكُورَةَ، وَالْحُرِّيَّةَ، وَالْبُلُوغَ لَا نَفْيًا، وَلَا إثْبَاتًا فَلِذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُشْتَرَطَ سَائِرُ شَرَائِطِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى لَا يَقْبَلَ خَبَرَ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْكُلُّ سَوَاءٌ أَيْ: يَكْفِي فِي هَذَا الْقِسْمِ قَوْلُ كُلِّ مُمَيِّزٍ كَمَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي لَا إلْزَامَ فِيهِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَزَمَ بِاشْتِرَاطِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ قُصُورٌ فِي رِعَايَةِ شَبَهِ عَدَمِ الْإِلْزَامِ فَقَوْلُهُ: رِعَايَةً لِلشَّبَهَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْعَدَدُ أَوْ الْعَدَالَةُ [فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ، وَهُوَ الْإِجَازَةُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَجَزْتُ لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ أَوْ مَجْمُوعَ مَسْمُوعَاتِي أَوْ مَقْرُوءَاتِي وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمُنَاوَلَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحَدِّثُ كِتَابَ سَمَاعِهِ بِيَدِهِ وَيَقُولَ: أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْكِتَابَ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إعْطَاءِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ طَرِيقُ الْإِجَازَةِ ضَرُورَةُ

стр. 454

أَمْرٌ عَظِيمٌ مِمَّا لَا يُتَسَاهَلُ فِيهِ وَتَصْحِيحُ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا فِيهِ، وَفِيهِ فَتْحٌ لِبَابِ التَّقْصِيرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَهَذَا أَمْرٌ يُتَبَرَّكُ بِهِ لَا أَمْرٌ يَقَعُ بِهِ الِاحْتِجَاجُ. وَأَمَّا الضَّبْطُ فَالْعَزِيمَةُ فِيهِ الْحِفْظُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَقَدْ كَانَتْ رُخْصَةً فَانْقَلَبَتْ عَزِيمَةً فِي هَذَا الزَّمَانِ صِيَانَةً لِلْعِلْمِ. وَالْكِتَابَةُ نَوْعَانِ مُذَكِّرٌ أَيْ: إذَا رَأَى الْخَطَّ تَذَكَّرَ الْحَادِثَةَ هَذَا هُوَ الَّذِي انْقَلَبَ عَزِيمَةً، وَأَمَامٌ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ التَّذَكُّرَ، وَالْأَوَّلُ حُجَّةٌ سَوَاءٌ خَطَّهُ هُوَ أَوْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أَوْ مَجْهُولٌ. وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَصْلًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ يُقْبَلُ فِي الْأَحَادِيثِ وَدِيوَانِ الْقَضَاءِ لِلْأَمْنِ مِنْ التَّزْوِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَا يُقْبَلُ فِي دِيوَانِ الْقَضَاءِ، وَيُقْبَلُ فِي الْأَحَادِيثِ إذَا كَانَ خَطًّا مَعْرُوفًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ عَادَةً، وَلَا يُقْبَلُ فِي الصُّكُوكِ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْخَصْمِ حَتَّى إذَا كَانَ فِي يَدِ الشَّاهِدِ يُقْبَلُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْبَلُ أَيْضًا فِي الصُّكُوكِ إذَا عُلِمَ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ خَطُّهُ؛ لِأَنَّ الْغَلَطَ فِيهِ نَادِرٌ، وَمَا يَجِدُهُ بِخَطِّ رَجُلٍ مَعْرُوفٍ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: وَجَدْت بِخَطِّ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا الْخَطُّ الْمَجْهُولُ فَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِ خَطُّ جَمَاعَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ التَّزْوِيرُ فِي مِثْلِهِ وَالنِّسْبَةُ تَامَّةٌ يُقْبَلُ وَغَيْرُ مَضْمُومٍ لَا الْمُرَادُ مِنْ النِّسْبَةِ التَّامَّةِ أَنْ يَذْكُرَ الْأَبَ وَالْجَدَّ (وَأَمَّا التَّبْلِيغُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ ــ [التلويح] أَنَّ كُلَّ مُحَدِّثٍ لَا يَجِدُ رَاغِبًا إلَى سَمَاعِ جَمِيعِ مَا صَحَّ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُ تَعْطِيلُ السُّنَنِ وَانْقِطَاعُهَا فَلِذَا كَانَتْ رُخْصَةً. (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَمْرٌ يُتَبَرَّكُ بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ الْإِجَازَةَ، وَالْمُنَاوَلَةَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْمُجَازِ لَهُ بِمَا فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَإِمَامٌ) يَعْنِي أَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْهُ التَّذَكُّرَ بَلْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ اعْتِمَادَ الْمُقْتَدِي عَلَى إمَامِهِ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ عِنْدَهُ التَّذَكُّرُ، وَالْعَوْدُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِفْظِ حَتَّى تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْ حِفْظٍ تَامٍّ إذْ الْحِفْظُ الدَّائِمُ مِمَّا يَتَعَسَّرُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﵊ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِ الِاشْتِغَالِ بِأَنْوَاعِ الْعُلُومِ، وَفُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَذَكَرَ فِي الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ مَا إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي قِرَاءَتِهِ وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَدِيوَانُ الْقَضَاءِ) هُوَ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ قِطَعِ الْقَرَاطِيسِ يُقَالُ دَوَّنْت الْكُتُبَ جَمَعْتهَا، وَقَدْ يُقَالُ الدِّيوَانُ لِمَجْمَعِ الْحَاكِمِ. (قَوْلُهُ: ﵇ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» ) الْحَدِيثَ. أُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ أَدَاءٌ كَمَا سَمِعَ وَلَوْ سُلِّمَ، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ غَايَتُهُ أَنَّهُ دُعَاءٌ لِلنَّاقِلِ بِاللَّفْظِ؛ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ) يَعْنِي: يُوجَدُ فِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ يَسِيرَةٌ جَامِعَةٌ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ لَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلَى تَأْدِيَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي بِعِبَارَتِهِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﵊ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» .

стр. 455

بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى «لِقَوْلِهِ: ﵊ نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً أَيْ: نَعَّمَ اللَّهُ سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا، وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» ؛ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَزِيمَةَ هُوَ الْأَوَّلُ وَالتَّبَرُّكُ بِلَفْظِهِ ﵊ أَوْلَى لَكِنْ إذَا ضَبَطَ الْمَعْنَى وَنَسِيَ اللَّفْظَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ) أَيْ: الْحَدِيثُ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَنْوَاعٌ (فَمَا كَانَ مُحْكَمًا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ بِاللُّغَةِ، وَمَا كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ الْغَيْرَ كَعَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أَوْ حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ فَقَطْ، وَمَا كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ مُجْمَلًا أَوْ مُتَشَابِهًا أَوْ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَجُوزُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ ` ` فِي الْأَوَّلِ) أَيْ: الْمُشْتَرَكِ (إنْ أَمْكَنَ التَّأْوِيلُ فَتَأْوِيلُهُ لَا يَصِيرُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ) أَيْ: الْمُجْمَلِ وَالْمُتَشَابِهِ (لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُمَا بِالْمَعْنَى، وَفِي الْأَخِيرِ) أَيْ: مَا كَانَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ (لَا يُؤْمَنُ الْغَلَطُ فِيهِ لِإِحَاطَتِهِ ﵇ لِمَعَانٍ تَقْصُرُ عَنْهَا عُقُولُ غَيْرِهِ) . (فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ ، وَهُوَ إمَّا مِنْ الرَّاوِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِهِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ فَيَصِيرُ مَجْرُوحًا كَحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» ثُمَّ زَوَّجَتْ بَعْدَهَا ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ غَائِبٌ وَكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَشْرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ ــ [التلويح] وَفِي «الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ» ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ جَوَامِعِ الْكَلِمِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لِمَعْرِفَةِ النَّاقِلِ بِمَوَاقِعِ الْأَلْفَاظِ، وَالْعُمْدَةُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ بِكَذَا وَنَهَى عَنْ كَذَا وَرَخَّصَ فِي كَذَا وَشَاعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ اتِّفَاقًا. (قَوْلُهُ: فَمَا كَانَ مُحْكَمًا) أَيْ: مُتَّضِحَ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَشْتَبِهُ مَعْنَاهُ، وَلَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مُتَعَدِّدَةً عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ لَا مَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ عَلَى مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ فِي أَقْسَامٍ الْكِتَابِ [فَصْلٌ فِي الطَّعْنِ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الطَّعْنِ) كَحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ يُقَالُ: إنَّ غَيْبَةَ الْأَبِ لَا تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ بِلَا وَلِيٍّ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبْعَدِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْأَقْرَبِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَمِلَ) أَيْ: الرَّاوِي بِخِلَافِ مَا رَوَى قَبْلَ الرِّوَايَةِ لَا يُجَرَّحُ لِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ مَذْهَبَهُ فَتَرَكَهُ بِالْحَدِيثِ وَكَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ بِيَقِينٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ. (قَوْلُهُ: عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵄) تَرَكَ بَيْنَهُمَا ذِكْرَ عُرْوَةَ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂. (قَوْلُهُ: لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ، وَقِيلَ لِطُولِ يَدَيْهِ اسْتَدَلَّ بِالْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ رَدَّ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَا يَكُونُ جَرْحًا وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَبِلَ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَأْسِ

стр. 456

الِافْتِتَاحِ، وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهَا أَوْ لَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ لَا يُجَرَّحُ، وَأَمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ رَدٌّ مِنْهُ لِلْبَاقِي بِطَرِيقِ التَّأْوِيلِ لَا جَرْحٌ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَقَالَ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَأَمَّا بِأَنْ أَنْكَرَهَا صَرِيحًا (كَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ عَنْ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَقَدْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ لَا يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ) ، وَهِيَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى إحْدَى الْعِشَاءَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا؟ فَقَالَ ﵊ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَا: نَعَمْ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» فَقَبِلَ ﵇ رِوَايَتَهُمَا عَنْهُ مَعَ إنْكَارِهِ. وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نُسِخَ (وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ، وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ «عَمَّارًا قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ ــ [التلويح] الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ بِقَوْلِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَكَلَامُ النَّبِيِّ ﵊ إنَّمَا جَرَى عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ فَكَانَ فِي حُكْمِ النَّاسِي وَكَلَامُ النَّاسِي لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ وَحُدُوثَ هَذَا الْأَمْرِ إنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَهِجْرَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ) فَإِنْ قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالتَّكْذِيبِ النِّسْبَةُ إلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا أَوْلَوِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ أَيْضًا ثِقَةٌ قُلْنَا تَعَارَضَا فَبَقِيَ أَصْلُ الْخَبَرِ مَعْمُولًا بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا صَرَّحَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ بِالْإِنْكَارِ وَالتَّكْذِيبِ، وَلَا يُشْعِرُ بِالْحُكْمِ فِيمَا إذَا تَوَقَّفَ، وَقَالَ: لَا أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الثَّانِي، وَفِي الْأَوَّلِ يَسْقُطُ بِلَا خِلَافٍ، وَقِيلَ إنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي الْجَزْمِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَقَدْ تَسَاقَطَا، فَلَا يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ. (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِقِصَّةِ عَمَّارٍ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الِانْقِطَاعُ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُغَفَّلًا وَجَوَابُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّذَكُّرِ فِي حَادِثَةٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مُغَفَّلًا بِحَيْثُ يُرَدُّ خَبَرُهُ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ النِّسْيَانِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ عُمَرَ، وَعَمَّارٍ عَدْلٌ ضَابِطٌ، وَأَيْضًا عَدَالَةُ كُلٍّ

стр. 457

إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ كُنَّا فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ عَمَّارٍ» يُقَالُ: تَمَعَّكَتْ الدَّابَّةُ فِي التُّرَابِ أَيْ: تَمَرَّغَتْ. وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذَا أَنَّ عَمَّارًا لَوْ لَمْ يَحْكِ حُضُورَ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ لَقَبِلَهُ عُمَرُ لِعَدَالَةِ عَمَّارٍ فَالْمَانِعُ مِنْ الْقَبُولِ أَنَّ عَمَّارًا حَكَى حُضُورَ عُمَرَ وَعُمَرُ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَاكَ فَبِالْأَوْلَى إذَا نُقِلَ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ، وَهُوَ لَا يَتَذَكَّرُهُ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا. وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانَ «عَنْ شَقِيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ الصَّعِيدَ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ ﵊ أَمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟» . (وَهَذَا فَرْعُ خِلَافِهِمَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ قَضَى بِهَذَا، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْقَاضِي، وَالثَّانِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ يَكُونُ جَرْحًا نَحْوَ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» ) وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄، وَلَا يُمْكِنُ خَفَاءُ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ عَنْهُمَا، وَفِيمَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ لَا يَكُونُ جَرْحًا كَمَا لَمْ يَعْمَلْ أَبُو مُوسَى بِحَدِيثِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْخَفَاءِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنْ كَانَ الطَّعْنُ مُجْمَلًا لَا يُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ مُفَسَّرًا، فَإِنْ فَسَّرَ بِمَا هُوَ جَرْحٌ شَرْعًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالطَّاعِنُ مِنْ أَهْلِ النَّصِيحَةِ لَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ يَكُونُ جَرْحًا ــ [التلويح] مِنْهُمَا وَضَبْطُهُ يَقِينٌ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عُمَرُ) ،، وَعَلِيٌّ ﵄ فَإِنْ قِيلَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ نَفَى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُّومِ مُرْتَدًّا فَحَلَفَ، وَاَللَّهِ لَا أَنْفِي أَبَدًا أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ سِيَاسَةً إذْ لَوْ كَانَ حَدًّا لَمَا حَلَفَ إذْ الْحَدُّ لَا يُتْرَكُ بِالِارْتِدَادِ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ لَا قَطْعَ بِهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِذَلِكَ، وَالْإِنْصَافُ أَنَّ قِصَّةَ أَعْرَابِيٍّ وَقَعَ فِي كُوَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَهْقَهَتْ الْأَصْحَابُ فِي الصَّلَاةِ بِمَحْضَرٍ مِنْ كِبَارِ الْأَصْحَابِ، وَأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُمْ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ لَيْسَتْ أَخْفَى مِنْ حَدِيثٍ فِي تَغْرِيبِ الْعَامِ فِي زِنَا الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﵊ وَرَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الطَّعْنُ مُجْمَلًا) بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مُنْكَرٌ أَوْ مَجْرُوحٌ أَوْ رَاوِيهِ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرُ الْعَدْلِ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَصْلٌ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّينِ لَا سِيَّمَا الصَّدْرُ الْأَوَّلُ، فَلَا يُتْرَكُ بِالْجَرْحِ الْمُبْهَمِ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ الْجَارِحُ مَا لَيْسَ تَجْرِيحًا، وَقِيلَ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْجَارِحِ الصِّدْقُ، وَالْبَصَارَةُ بِأَسْبَابِ

стр. 458

وَإِلَّا، فَلَا، وَمَا لَيْسَ بِطَعْنٍ شَرْعًا فَمَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ فَإِنْ أَرَدْت فَعَلَيْكَ بِالْمُطَالَعَةِ فِيهِ. (فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ ﵊ - فَمِنْهَا مَا يُقْتَدَى بِهِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَوَاجِبٌ، وَفَرْضٌ وَغَيْرُ الْمُقْتَدَى بِهِ، وَهُوَ إمَّا مَخْصُوصٌ بِهِ أَوْ زَلَّةٌ، وَهِيَ فِعْلُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ يَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهَا لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهَا فَفِعْلُهُ الْمُطْلَقُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عِنْدَ الْبَعْضِ لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهِ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُتَابَعَةُ إلَّا بِإِتْيَانِهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] أَيْ: فِعْلِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ يَثْبُتُ الْمُتَيَقَّنُ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ، وَلَا يَكُونُ لَنَا اتِّبَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا الْإِبَاحَةُ لَكِنْ يَكُونُ لَنَا اتِّبَاعُهُ؛ لِأَنَّهُ بُعِثَ لِيُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ ﵊ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وَذَلِكَ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ وَالْمَخْصُوصُ بِهِ نَادِرٌ. (فَصْلٌ) فِي الْوَحْيِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ أَمَّا الظَّاهِرُ فَثَلَاثَةٌ. الْأَوَّلُ: مَا ثَبَتَ بِلِسَانِ الْمَلَكِ فَوَقَعَ فِي سَمْعِهِ ﵊ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْمُبَلِّغِ بِآيَةٍ قَاطِعَةٍ وَالْقُرْآنُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَالثَّانِي: مَا وَضَحَ لَهُ بِإِشَارَةِ الْمَلَكِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِالْكَلَامِ كَمَا قَالَ ﵊ «إنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ - الْحَدِيثَ - حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» . الرَّوْعُ الْقَلْبُ (وَهَذَا يُسَمَّى خَاطِرَ الْمَلَكِ وَالثَّالِثُ مَا تَبَدَّى لِقَلْبِهِ بِلَا شُبْهَةٍ بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ بِأَنْ أَرَاهُ بِنُورٍ مِنْ عِنْدِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وَكُلُّ ذَلِكَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْإِلْهَامِ لِلْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَمَا يُنَالُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ) وَفِيهِ خِلَافٌ فَعِنْدَ الْبَعْضِ حَظُّهُ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا الرَّأْيُ، وَهُوَ الْمُحْتَمِلُ لِلْخَطَأِ يَكُونُ لِغَيْرِهِ ــ [التلويح] الْجَرْحِ وَمَوَاقِعِ الْخِلَافِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْجَارِحَ إنْ كَانَ ثِقَةً بَصِيرًا بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَمَوَاقِعِ الْخِلَافِ ضَابِطًا لِذَلِكَ يُقْبَلُ جَرْحُهُ الْمُبْهَمُ، وَإِلَّا، فَلَا. (قَوْلُهُ: مَا لَيْسَ بِطَعْنٍ شَرْعًا) مِثْلُ رَكْضِ الْخَيْلِ، وَالْمُزَاحِ وَتَحَمُّلِ الْحَدِيثِ فِي الصِّغَرِ وَمِثْلُ الْإِرْسَالِ، وَالِاسْتِكْسَارِ مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ [فَصْلٌ فِي أَفْعَالِهِ ﵊] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي أَفْعَالِهِ ﵊) يَعْنِي أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَمْ يَتَّضِحْ فِيهَا أَمْرُ الْجِبِلَّةِ كَالْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَيَكُونُ خَارِجًا عَنْ الْأَقْسَامِ أَوْ يَدْخُلُ فِي الْمُبَاحِ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُبَاحُ لَنَا أَيْضًا فِعْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ حَصْرُ غَيْرِ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي الْمَخْصُوصِ، وَالزَّلَّةِ إذْ لَا يَجُوزُ مِنْهُ الْكَبَائِرُ، وَلَا الصَّغَائِرُ. (قَوْلُهُ: وَوَاجِبٌ، وَفَرْضٌ) يَعْنِي أَنَّ فِعْلَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْوَتْرَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ﷺ لَا مُسْتَحَبًّا أَوْ فَرْضًا، وَإِلَّا فَالثَّابِتُ عِنْدَهُ بِدَلِيلٍ يَكُونُ قَطْعِيًّا لَا مَحَالَةَ حَتَّى إنَّ قِيَاسَهُ وَاجْتِهَادَهُ أَيْضًا قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرَّرُ عَنْ الْخَطَأِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَهُوَ فِعْلُهُ مِنْ

стр. 459

لِعَجْزِهِ عَنْ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِمَا وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ ثُمَّ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِعُمُومِ ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَلِحُكْمِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِالرَّأْيِ فِي نَفْشِ غَنَمِ الْقَوْمِ) يُقَالُ: نَفَشَتْ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ نُفُوشًا أَيْ: رَعَتْ لَيْلًا بِلَا رَاعٍ رُوِيَ أَنَّ غَنَمَ قَوْمٍ وَقَعَتْ لَيْلًا فِي زَرْعِ جَمَاعَةٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَتَخَاصَمُوا عِنْدَ دَاوُد ﵊ فَحَكَمَ دَاوُد بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ ﵊، وَهُوَ ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً غَيْرُ هَذَا أَرْفَقُ بِالْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ أَرَى أَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ إلَى أَهْلِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُونَ بِأَلْبَانِهَا، وَأَوْلَادِهَا، وَأَصْوَافِهَا، وَالْحَرْثَ إلَى أَرْبَابِ الشَّاةِ يَقُومُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أَفْسَدَتْهُ ثُمَّ يَتَرَادُّونَ فَقَالَ دَاوُد ﵊ الْقَضَاءُ مَا قَضَيْت، وَأَمْضَى الْحُكْمَ بِذَلِكَ. أَمَّا وَجْهُ حُكُومَةِ دَاوُد ﵊ أَنَّ الضَّرَرَ وَقَعَ بِالْغَنَمِ فَسُلِّمَتْ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، وَأَمَّا وَجْهُ حُكُومَةِ سُلَيْمَانَ ﵊ أَنَّهُ جَعَلَ الِانْتِفَاعَ بِالْغَنَمِ بِإِزَاءِ مَا فَاتَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْحَرْثِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ مِلْكُ الْمَالِكِ عَنْ الْغَنَمِ وَأَوْجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْحَرْثِ حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ وَالنُّقْصَانُ. (وَلِقَوْلِهِ: ﵊ «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ» الْحَدِيثُ) رُوِيَ «أَنَّ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَيُجْزِينِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ فَقَالَ ﵊ أَرَأَيْتِ ــ [التلويح] الصَّغَائِرِ) رَدٌّ لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ زَلَّةَ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الزَّلَلُ مِنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْفَاضِلِ وَمِنْ الْأَصْوَبِ إلَى الصَّوَابِ لَا عَنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ، وَعَنْ الطَّاعَةِ إلَى الْمَعْصِيَةِ لَكِنْ يُعَاتَبُونَ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِمْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْأَفْضَلِ عَنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَنْ الْغَيْرِ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا الزَّلَّةُ، فَلَا يُوجَدُ فِيهَا الْقَصْدُ إلَى عَيْنِهَا وَلَكِنْ يُوجَدُ الْقَصْدُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ زَلَّ الرَّجُلُ فِي الطِّينِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْقَصْدُ إلَى الْوُقُوعِ، وَلَا إلَى الثَّبَاتِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَكِنْ وُجِدَ الْقَصْدُ إلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَقْصِيرٍ يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عِنْدَ التَّثَبُّتِ، وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ حَقِيقَةً فَهِيَ فِعْلُ حَرَامٍ يُقْصَدُ إلَى نَفْسِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحُرْمَتِهِ. (قَوْلُهُ: فَفِعْلُهُ الْمُطْلَقُ) أَيْ: الْخَالِي عَنْ قَرِينَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ، وَالِاسْتِحْبَابِ، وَالْإِبَاحَةِ وَكَوْنِهِ زِلَّةً أَوْ سَهْوًا أَوْ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ ﵊ فِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ حَاصِلَا الْأَوَّلَيْنِ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ ﵊، وَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُنَا الِاتِّبَاعُ أَوْ يُتَوَقَّفُ فِي الِاتِّبَاعِ أَيْضًا، وَحَاصِلُ الْأَخِيرَيْنِ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ الْإِبَاحَةُ لِلنَّبِيِّ ﵊ -

стр. 460

لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يُقْبَلُ مِنْكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْبَلَ» . (وَقَوْلُهُ: ﵇ «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ» الْحَدِيثَ) رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَ ﵇ أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ أَكَانَ يَضُرُّكَ؟» . (لَكِنْ يُحْتَمَلُ فِي الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَهُ بِالْوَحْيِ لَكِنْ بَيَّنَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لِمَا كَانَ مُوَافِقًا لَهُ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْبَقُ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُتَشَابِهَ وَالْمُجْمَلَ، فَمُحَالٌ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَعَانِي النَّصِّ) الْمُرَادُ بِهَا الْعِلَلُ. (فَإِذَا وَضَحَ لَهُ لَزِمَهُ الْعَمَلُ؛ وَلِأَنَّهُ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ فَأَخَذَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ بِرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ ﵁) رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى يَوْمَ بَدْرٍ بِسَبْعِينَ أَسِيرًا فِيهِمْ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ ﵇ وَعَقِيلُ ابْنُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَاسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ فِيهِمْ فَقَالَ: قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْهُمْ فِدْيَةً يَقْوَى بِهَا أَصْحَابُكَ، وَقَالَ عُمَرُ كَذَّبُوكَ، وَأَخْرَجُوك فَقَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَاكَ عَنْ الْفِدَاءِ مَكِّنْ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ وَحَمْزَةَ مِنْ عَبَّاسٍ، وَمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ لِنَسِيبٍ لَهُ فَلْنَضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ ــ [التلويح] وَالِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَنَا الِاتِّبَاعُ أَمْ لَا؟ . وَاعْتُرِضُ عَلَى مَذْهَبِ التَّوَقُّفِ بِأَنَّا إمَّا أَنْ نَمْنَعَ الْأُمَّةَ مِنْ الْفِعْلِ، وَنَذُمَّهُمْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ حَرَامًا أَوْ لَا فَيَكُونُ مُبَاحًا، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نَمْنَعُهُمْ، وَلَا نَذُمُّهُمْ لِعَدَمِ عِلْمِنَا بِالْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ لَا لِتَحَقُّقِ الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ يُقَالُ عَلَى الْأَوَّلِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَابَعَةِ مُجَرَّدُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِصِفَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَالطَّرِيقَةِ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جَوَازِ الْفِعْلِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ، وَأَيْضًا فِيهِ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ بِلَا دَلِيلٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ. وَعَلَى الرَّابِعِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِبَاحَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ عَلَى مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ، فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ جَوَازِ الْفِعْلِ، فَلَا نِزَاعَ لِلْوَاقِفِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الْإِبَاحَةُ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ وَتَثْبُتُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ [فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ] (قَوْلُهُ: فَعِنْدَ الْبَعْضِ حَظُّهُ الْوَحْيُ الظَّاهِرُ لَا الِاجْتِهَادُ) وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ﴾ [النجم: ٤] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَنْطِقُ بِهِ إنَّمَا هُوَ وَحْيٌ لَا غَيْرُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْوَحْيِ مَا أَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بِلِسَانِ الْمَلَكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ كَانَ حُكْمُهُ بِالِاجْتِهَادِ أَيْضًا وَحْيًا لَا نُطْقًا عَنْ الْهَوَى، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا إشَارَةً بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ دَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَلَا عَجْزَ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِوُجُودِ الْوَحْيِ الْقَاطِعِ، وَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ اجْتِهَادَهُ لَا يَحْتَمِلُ الْقَرَارَ عَلَى الْخَطَأِ فَتَقْرِيرُهُ
следующие страницы →