Полный текст (833 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ كَوْنُ هَذَا النَّصِّ مُعَلَّلًا فِي الْجُمْلَةِ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى تَعْلِيلٍ آخَرَ فَالتَّعْلِيلُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى تَعْلِيلٍ آخَرَ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ يَثْبُتُ أَنَّ بَعْضَ التَّعْلِيلَاتِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّا لَمَّا شَرَطْنَا فِي الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ، وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ لَا يَثْبُتُ التَّأْثِيرُ إلَّا وَأَنْ يَثْبُتَ كَوْنُ هَذَا النَّصِّ مِنْ النُّصُوصِ الْمُعَلَّلَةِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ ثَبَتَ
ــ
[التلويح]
احْتِرَازًا عَنْ حَقِيقَةِ الْفَضْلِ وَقَدْ وَجَدْنَا وُجُوبَ التَّعْيِينِ مُتَعَدِّيًا عَنْ بَيْعِ النَّقْدَيْنِ إلَى غَيْرِهِ حَتَّى وَجَبَ التَّعْيِينُ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا بِشَعِيرٍ لَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْحُلُولِ وَذِكْرِ الْأَوْصَافِ، وَحَتَّى شَرَطَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ لِيَحْصُلَ التَّعْيِينُ فَثَبَتَ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْدِيَةِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ إلَى غَيْرِ النَّقْدَيْنِ أَنَّ نَصَّ الرِّبَا مُعَلَّلٌ فِي حَقِّ وُجُوبِ التَّعْيِينِ إذْ لَا تَعْدِيَةَ بِدُونِ التَّعْلِيلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ حَتَّى يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّ رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ مَبْنَى تَعْدِيَةِ وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ أَشَدُّ ثُبُوتًا وَتَحَقُّقًا مِنْ رِبَا النَّسِيئَةِ وَهُوَ مَبْنَى تَعْدِيَةِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الْفَضْلِ بِاعْتِبَارِ مَزِيَّةِ النَّقْدِ عَلَى النَّسِيئَةِ، وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ مِنْ شُبْهَتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَعْلِيلَ هَذَا النَّصِّ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ مُعَلَّلًا فِي رِبَا الْفَضْلِ، وَكَوْنُهُ مُعَلَّلًا فِي رِبَا النَّسِيئَةِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِجْمَاعِ أَوْ النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الرِّبَا، وَالرِّيبَةِ» ، وَالْمُرَادُ بِالرِّيبَةِ شُبْهَةُ الرِّبَا وَفِي بَيْعِ النَّقْدِ بِالنَّسِيئَةِ شُبْهَةُ الرِّبَا. فَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ النَّصِّ مُعَلَّلًا فِي الْجُمْلَةِ قَدْ يَكُونُ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا، وَقَدْ يَكُونُ تَعْلِيلًا آخَرَ وَيَنْتَهِي بِالْآخِرَةِ إلَى نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُوهِمُ أَنَّ كُلَّ تَعْلِيلٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعْلِيلٍ آخَرَ حَتَّى يُتَوَهَّمَ وُرُودُ الْإِشْكَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ لُزُومِ التَّسَلْسُلِ أَوْ اسْتِغْنَاءِ بَعْضِ التَّعْلِيلَاتِ عَنْ كَوْنِ النَّصِّ مُعَلَّلًا.
وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِ أَنَّا نَشْتَرِطُ فِي الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ أَيْ: اعْتِبَارَ الشَّارِعِ جِنْسَهُ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ فَكُلَّمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ ثَبَتَ تَأْثِيرُهُ، وَكُلَّمَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهُ ثَبَتَ كَوْنُ النَّصِّ مُعَلَّلًا فِي الْجُمْلَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ عِلَّةً لِنَوْعِ الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ، أَوْ لِجِنْسِهِ وَعِلَّةُ الْجِنْسِ عِلَّةٌ لِلنَّوْعِ، وَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ اسْتِخْرَاجَ الْعِلَّةِ وَاعْتِبَارَ كَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ النَّصِّ مُعَلَّلًا فَإِثْبَاتُ ذَلِكَ بِهِ دَوْرٌ.
(قَوْلُهُ هَذَا مَا قَالُوا) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمَا تَوَهَّمَ مِنْ وُرُودِ الْإِشْكَالِ؛ وَلِأَنَّ إثْبَاتَ التَّعْلِيلِ فِي رِبَا النَّسِيئَةِ كَافٍ وَكَوْنِ النَّصِّ مِنْ
стр. 562
أَنَّ هَذَا النَّصَّ مِنْ النُّصُوصِ الْمُعَلَّلَةِ.
(الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا لَازِمًا كَالثَّمَنِيَّةِ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَضْرُوبِ عِنْدَنَا) فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ خُلِقَا ثَمَنًا، وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا أَصْلًا (حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ وَلِلرِّبَا عِنْدَهُ وَعَارِضًا كَالْكَيْلِ لِلرِّبَا) فَإِنَّ الْكَيْلَ لَيْسَ بِلَازِمٍ حِسًّا لِلْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ فَإِنَّهُمَا قَدْ يُبَاعَانِ وَزْنًا (وَجَلِيًّا وَخَفِيًّا عَلَى مَا يَأْتِي وَاسْمًا) أَيْ: اسْمَ جِنْسٍ «كَقَوْلِهِ ﵊ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» ، وَهَذَا اسْمٌ مَعَ وَصْفٍ عَارِضٍ) الدَّمُ اسْمُ جِنْسٍ وَالِانْفِجَارُ وَصْفٌ عَارِضٌ، (وَحُكْمًا كَقَوْلِهِ ﵊ «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» ) قَاسَ النَّبِيُّ ﵊ إجْزَاءِ قَضَاءِ الْحَجِّ عَنْ الْأَبِ عَلَى إجْزَاءِ قَضَاءِ دَيْنِ الْعِبَادِ عَنْ الْأَبِ وَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا دَيْنًا، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لُزُومُ حَقٍّ
ــ
[التلويح]
النُّصُوصِ الْمُعَلَّلَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى بَاقِي الْمُقَدِّمَاتِ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ التَّعْيِينِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّعْلِيلِ، وَالتَّعْدِيَةِ عَدَمَ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُنَاقَشَةَ فِي الْمِثَالِ وَيَكْفِي فِيهِ الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ
[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]
(قَوْلُهُ: الثَّانِي) إشَارَةٌ إلَى نَفْيِ شَرَائِطَ اعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ فِي الْعِلَّةِ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا جَلِيًّا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ وَلَا حُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَتَّى لَا يَجُوزَ التَّعْلِيلُ بِالْعَارِضِ؛ لِأَنَّ انْفِكَاكَهُ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ صَلَاحِيَةُ الْمَحَلِّ لِلِاتِّصَافِ بِهِ وَلَا بِالْخَفِيِّ كَرِضَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْبَيْعِ وَجَوَابُهُ يَأْتِي فِي فَصْلِ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ أَنَّ الْخَفِيَّ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى، وَالِاعْتِبَارُ بِالْقُوَّةِ أَوْلَى، وَلَا بِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ لِمَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابِهِ وَلَا بِالْمُرَكَّبِ مِنْ وَصْفَيْنِ فَصَاعِدًا، وَإِلَّا لَكَانَتْ الْعِلَّةُ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى الْمَجْمُوعِ ضَرُورَةَ أَنَّا نَعْقِلُ الْمَجْمُوعَ، وَنَجْهَلُ كَوْنَهُ عِلَّةً بِنَاءً عَلَى الذُّهُولِ أَوْ الْحَاجَةِ إلَى النَّظَرِ، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ وَاللَّازِمُ وَهُوَ كَوْنُ الْعِلَّةِ صِفَةَ الْمَجْمُوعِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْكُلِّ إنْ لَمْ تَقُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ لَمْ تَكُنْ صِفَةً لَهُ، وَإِنْ قَامَتْ فَإِمَّا بِكُلِّ جُزْءٍ فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ عِلَّةً، وَالْمُقَدَّرُ خِلَافُهُ وَإِمَّا بِجُزْءٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ هُوَ الْعِلَّةُ، وَلَا مَدْخَلَ لِسَائِرِ الْأَجْزَاءِ وَإِمَّا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْمَجْمُوعُ، وَحِينَئِذٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَتْ يُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَيْهَا وَإِلَى كَيْفِيَّةِ قِيَامِهَا بِالْمَجْمُوعِ وَيَتَسَلْسَلُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً إلَّا قَضَاءَ الشَّارِعِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عِنْدَهَا رِعَايَةً لِمَصْلَحَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لَهُ بَلْ جَعَلَهُ الشَّارِعُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْعِلِّيَّةُ وِجْهَةُ، الْوِحْدَةِ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ مَتَى يَنْقَطِعُ التَّسَلْسُلُ فِيهَا بِانْقِطَاعِ الِاعْتِبَارِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَقَدِّمٌ بِالزَّمَانِ عَلَى مَا فُرِضَ مَعْلُولًا فَيَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ، أَوْ مُتَأَخِّرٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الْمَعْلُولِ أَوْ مُقَارِنٌ فَيَلْزَمُ التَّحَكُّمُ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِالْعِلِّيَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ تَأْثِيرَ
стр. 563
فِي الذِّمَّةِ.
(وَكَقَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَلَا يُبَاعُ كَأُمِّ الْوَلَدِ) فِيهِ قِيَاسُ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا مَمْلُوكَيْنِ تَعَلَّقَ عِتْقُهُمَا بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَهَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَإِنَّمَا قَالَ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى احْتِرَازًا عَنْ الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ كَقَوْلِهِ إنْ مِتُّ فِي هَذَا الْمَرَضِ فَأَنْتَ حُرٌّ (وَمُرَكَّبًا كَالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ وَغَيْرَ مُرَكَّبٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَمَنْصُوصَةٌ وَغَيْرُ مَنْصُوصَةٍ كَمَا يَأْتِي) .
(مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ عِنْدَنَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ فَإِنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثَّمَنِيَّةَ فَهِيَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ عَنْهُمَا إذْ غَيْرُ الْحَجَرَيْنِ لَمْ يُخْلَقْ ثَمَنًا.
وَالْخِلَافُ
ــ
[التلويح]
الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ لَيْسَ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ وَالتَّحْصِيلِ حَتَّى يَمْتَنِعَ التَّقَدُّمُ أَوْ التَّخَلُّفُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ صَالِحًا لِلْعِلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ أَوْ يَكُونَ الثَّابِتُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَلْزَمُ التَّحَكُّمُ فَظَهَرَ بُطْلَانُ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ وَصِحَّةُ التَّعْلِيلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اللَّازِمِ وَالْعَارِضِ أَوْ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْعِلَّةِ اسْمَ جِنْسٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَعْنَاهُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ مِثْلَ كَوْنِ الْخَارِجِ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ دَمَ عِرْقٍ مُنْفَجِرٍ لَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الِاسْمِ الْمُخْتَلَفِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ
[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ) إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنَّ النَّصَّ إذَا كَانَ مَعْقُولًا فَالْحُكْمُ ثَابِتُ الْعِلَّةِ دُونَ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ إلَّا مَا ثَبَتَ بِهِ الشَّيْءُ وَلَا شَيْءَ هَاهُنَا يَثْبُتُ بِهَا سِوَى الْحُكْمِ، وَلِذَا يُعَدَّى إلَى الْفَرْعِ بِأَنْ يُقَالَ ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْفَرْعِ فَيَثْبُتُ فِيهِ أَيْضًا وَعَدَمُ التَّعَدِّي لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْمَنْصُوصَةِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ سَوَاءٌ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، أَوْ لَمْ يَكُنْ عُلِّلَ أَوْ لَمْ يُعَلَّلْ فَيُعَدُّ التَّعْلِيلُ لَوْ أُضِيفَ إلَى الْعِلَّةِ لَزِمَ بُطْلَانُ النَّصِّ فَالْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ هُوَ النَّصُّ.
وَمَعْنَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ كَوْنُهُ بَاعِثًا لِلشَّارِعِ عَلَى شَرْعِ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ التَّعْدِيَةُ إلَى الْفَرْعِ لِمَا فِي التَّعْلِيلِ مِنْ تَعْمِيمِ النَّصِّ وَشُمُولِهِ لِلْفَرْعِ، وَبَيَانِ كَوْنِهِ مُثْبِتًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ وَقِيلَ: حُكْمُ الْأَصْلِ مُضَافٌ إلَى النَّصِّ فِي نَفْسِهِ، وَإِلَى الْعِلَّةِ فِي حَقِّ الْفَرْعِ وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ كَافٍ فِي الْقِيَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ) احْتِجَاجٌ عَلَى امْتِنَاعِ التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ أَيْ: وَإِنَّمَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِغَيْرِ الْمَنْصُوصَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّعْلِيلِ مَعَ نُدْرَةِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ كَانَ ذَلِكَ إذْنًا لِبَيَانِ عِلِّيَّةِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ فَيَبْقَى بَيَانُ الْعِلِّيَّةِ بِالْقَاصِرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ حَتَّى يَرِدَ بِهَا نَصُّ الشَّارِعِ.
(قَوْلُهُ إذْ الْفَائِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ لَيْسَتْ إلَّا إثْبَاتُ الْحُكْمِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ بِالْفَائِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ مَا يَكُونُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفِقْهِ وَنِسْبَةٌ إلَيْهِ فَلَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَهَا فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُرْعَةُ الْإِذْعَانِ، وَزِيَادَةُ الِاطْمِئْنَانِ بِالْأَحْكَامِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ
стр. 564
فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً أَمَّا إذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً فَيَجُوزُ عِلِّيَّتُهَا اتِّفَاقًا (لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ) سَوَاءٌ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى أَوْ لَا (وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِلِاعْتِبَارِ إذْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ بَيَانُ عِلِّيَّةِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَالُوا أَنَّ فَائِدَةَ التَّعْلِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي هَذَا) أَيْ: فِي الِاعْتِبَارِ.
(وَفَائِدَتُهُ أَنْ يَصِيرَ الْحُكْمُ أَقْرَبَ إلَى الْقَبُولِ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ الْفَائِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ لَيْسَتْ إلَّا إثْبَاتُ الْحُكْمِ، فَإِنْ قِيلَ التَّعْدِيَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ فَتَوَقُّفُهُ عَلَيْهَا دَوْرٌ. قُلْنَا: يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِهِ بِأَنَّ الْوَصْفَ حَاصِلٌ فِي الْغَيْرِ) أَيْ: التَّعْلِيلُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّعْدِيَةِ بَلْ يَتَوَقَّفُ التَّعْلِيلُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ حَاصِلٌ فِي غَيْرِ مَوْرِدِ النَّصِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ قَدْ تَحَيَّرُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاسْتَبْعَدُوا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا تَوَهُّمًا مِنْهُمْ أَنَّ الْحَقَّ أَنْ يَتَفَكَّرُوا أَوَّلًا فِي اسْتِنْبَاطِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ مَا هِيَ فَإِذَا حَصَلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالْعِلَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً مِنْ الْأَصْلِ أَيْ: حَاصِلَةً فِي غَيْرِ صُورَةِ الْأَصْلِ يَتَعَدَّى الْحُكْمُ، وَإِلَّا فَلَا بَلْ يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، أَوْ مَوْرِدِ الْإِجْمَاعِ فَيَقْتَصِرُ الْحُكْمُ.
أَمَّا تَوَقُّفُ التَّعْلِيلِ عَلَى التَّعْدِيَةِ أَوْ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ حَاصِلَةٌ فِي غَيْرِ الْأَصْلِ فَلَا مَعْنَى لَهُ، فَأَقُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّأْثِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْإِخَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمَعْنَى التَّأْثِيرِ اعْتَبَرَ
ــ
[التلويح]
فِي شَرْعِيَّتِهَا.
وَإِنْ أُرِيدَ الْمَسْأَلَةُ الْفِقْهِيَّةُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا لِأَجْلِهَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ أُخْرَى مُتَعَلِّقَةٍ بِالشَّرْعِ فَلَا يَلْزَمُ الْعَبَثُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ دَلِيلَ الشَّرْعِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوجِبَ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرَةِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا الْعَمَلُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى الْحِكْمَةِ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ التَّعَلُّلُ الْمُفِيدُ لِلظَّنِّ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَاصِرَةِ لَيْسَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَيُفِيدُ الظَّنَّ بِالْحِكْمَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ وَهُوَ يُوجِبُ سُرْعَةَ الْإِذْعَانِ وَشِدَّةَ الِاطْمِئْنَانِ، وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِالتَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْمَنْصُوصَةِ بِنَصٍّ ظَنِّيٍّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنِّزَاعِ فِي التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْغَيْرِ الْمَنْصُوصَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ عَدَمُ الْجَزْمِ بِذَلِكَ فَلَا نِزَاعَ، وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ الظَّنِّ فَبَعْدَمَا غَلَبَ عَلَى رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ، وَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي اسْتِنْبَاطِ الْعِلَلِ لَمْ يَصِحَّ نَفْيُ الظَّنِّ ذَهَابًا إلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ عَلَى مَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ رُجْحَانِ ذَلِكَ أَوْ عِنْدَ تَعَارُضِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ) تَقْرِيرُ السُّؤَالِ لَوْ كَانَتْ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْدِيَةِ الْعِلَّةِ لَمْ تَكُنْ تَعْدِيَتُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى صِحَّتِهَا لِامْتِنَاعِ الدَّوْرِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى تَوَقُّفِ التَّعْدِيَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى التَّعْلِيلِ هُوَ التَّعْدِيَةُ بِمَعْنَى إثْبَاتِ حُكْمٍ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَالتَّعْلِيلُ
стр. 565
الشَّارِعُ جِنْسَ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ نَوْعِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ مُقْتَصِرًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ غَيْرَ حَاصِلٍ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لَا يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالْعِلَّةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ نَوْعَ الْعِلَّةِ أَوْ جِنْسَهَا لَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لَا يُدْرَى أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ أَوْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَمَّا كَانَ مُجَرَّدُ الْإِخَالَةِ كَافِيًا يَحْصُلُ الْوُقُوفُ عَلَى الْعِلَّةِ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فَحَاصِلُهُ الْخِلَافُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَصْفُ مُقْتَصِرًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ يَمْتَنِعُ الْوُقُوفُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ مَبْنَى الْخِلَافِ أَفَادَ عَدَمَ صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ عِنْدَنَا وَصِحَّتَهُ عِنْدَهُ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَصْفَانِ قَاصِرٌ وَمُتَعَدٍّ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْقَاصِرَ عِلَّةٌ هَلْ يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِالْمُتَعَدِّي أَمْ لَا؟ فَعِنْدَهُ يَمْنَعُ، وَعِنْدَنَا لَا فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ فَإِنَّهَا مُجَرَّدُ وَهْمٍ لَا غَلَبَةَ ظَنٍّ فَلَا تُعَارَضُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِغَلَبَةِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الْمُؤَثِّرِ.
كَمَا أَنَّ تَوَهُّمَ أَنَّ لِخُصُوصِيَّةِ الْأَصْلِ تَأْثِيرًا فِي الْحُكْمِ فَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الْمُؤَثِّرِ فَكَذَا هَاهُنَا إلَّا إذَا كَانَ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهُ بِالنَّصِّ كَقَوْلِهِ ﵊ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ عِلِّيَّتُهُ، وَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ عِلِّيَّةِ وَصْفٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ تَعْلِيلُكُمْ
ــ
[التلويح]
مَوْقُوفٌ عَلَى التَّعْدِيَةِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْوَصْفِ فِي غَيْرِ مَوْرِدِ النَّصِّ فَلَا دَوْرَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ لَا دَوْرُ تَقَدُّمٍ إذْ الْعِلَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا مُتَعَدِّيَةً لَا أَنَّ كَوْنَهَا مُتَعَدِّيَةً يَثْبُتُ أَوَّلًا ثَمَّ تَكُونُ عِلَّةً (قَوْلُهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّأْثِيرِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اقْتِصَارَ الْوَصْفِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَعَدَمَ حُصُولِهِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى مَعَ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ لَا يُنَافِي وُجُودَ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَاعْتِبَارُ الشَّارِعِ إيَّاهُ جِنْسَ الْحُكْمِ بِأَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مَانِعًا مِنْ عِلِّيَّةِ وَصْفٍ آخَرَ) قِيلَ: عِلِّيَّةٌ لَا تَزَاحُمَ فِي الْعِلَلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّصِّ أَوْ غَيْرِهِ لِلْحُكْمِ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ، وَأُخْرَى مُتَعَدِّيَةٌ، وَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَدِّيَةِ دُونَ الْقَاصِرَةِ.
[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَرَادَ إعْتَاقَهُ) يَعْنِي: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ ثُمَّ يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِإِعْتَاقٍ قَصْدِيٍّ وَاقِعٍ بَعْدَ الْمِلْكِ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَ هَذَا الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ أَعْنِي: الْأَخَ بَلْ هُوَ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ أَوْ ثَبَتَ) عَطْفٌ عَلَى اُخْتُلِفَ أَيْ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي عِلِّيَّتِهَا مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ كَالِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْمُكَاتَبِ هُوَ كَوْنُهُ عَبْدًا أَوْ الْجَهْلُ بِأَنَّ مُسْتَحِقَّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ هُوَ السَّيِّدُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ هَلْ يَفِي بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ أَمْ لَا؟
(قَوْلُهُ أَدَاءُ بَعْضِ الْبَدَلِ عِوَضٌ) ، وَالْعِوَضُ مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ. فَإِنْ قُلْت
стр. 566
بِالثَّمَنِيَّةِ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَضْرُوبِ تَعْلِيلٌ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ قُلْنَا: لَا بَلْ مُتَعَدٍّ إلَى الْحُلِيِّ فَإِنْ قِيلَ: تَعْدِيَتُهُ إلَى الْحُلِيِّ لَا تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَصْفًا مُؤَثِّرًا وَقَدْ جَعَلْتُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّأْثِيرِ. قُلْنَا مَعْنَى قَوْلِنَا: أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ عِلَّةٌ لِلزَّكَاةِ فِي الْمَضْرُوبِ هُوَ أَنَّ كَوْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خُلِقَا ثَمَنَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مَصْرُوفَيْنِ إلَى الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ بَلْ هُمَا مِنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ خِلْقَةً فَيَكُونَانِ مِنْ الْمَالِ النَّامِي، وَتَأْثِيرُ الْمَالِ النَّامِي فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عُرِفَ شَرْعًا فَمَعْنَى كَوْنِ الثَّمَنِيَّةِ عِلَّةً لِلزَّكَاةِ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ كَوْنِ الْمَالِ نَامِيًا فَتَكُونُ عِلَّةً مُؤَثِّرَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ فِي حُكْمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَالْعِلَّةُ فِي الْحَقِيقَةِ النَّمَاءُ لَا الثَّمَنِيَّةُ
(مَسْأَلَةٌ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ فِي الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ فِي الْأَخِ أَنَّهُ شَخْصٌ يَصِحُّ التَّكْفِيرُ بِإِعْتَاقِهِ فَلَا يَعْتِقُ إذَا مَلَكَهُ كَابْنِ الْعَمِّ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ عِتْقَهُ إذَا مَلَكَهُ لَا يُفِيدُهُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي ابْنِ الْعَمِّ (وَإِنْ أَرَادَ إعْتَاقَهُ بَعْدَمَا مَلَكَهُ فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الْأَخِ وَكَقَوْلِهِ إنْ تَزَوَّجْت زَيْنَبَ فَكَذَا تَعْلِيقٌ فَلَا يَصِحُّ بِلَا نِكَاحٍ. كَمَا لَوْ قَالَ زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ وُجُودَ التَّعَلُّقِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ إنَّهُ عَبْدٌ فَلَا يُقْتَلُ بِالْحُرِّ كَالْمُكَاتَبِ) أَيْ: مُكَاتَبٌ قُتِلَ وَلَهُ مَالٌ يَفِي
ــ
[التلويح]
هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ إذْ أَدَاءُ بَعْضِ الْبَدَلِ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْمُكَاتَب الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا فَكَيْفَ يُجْعَلُ عِلَّةً؟ قُلْتُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ مَعَ وَصْفٍ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِوَصْفٍ لَيْسَتْ صِلَةً لِلتَّعْلِيلِ بَلْ هِيَ بَاءُ الْمُصَاحَبَةِ وَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ.
[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]
[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]
(قَوْلُهُ الثَّالِثُ) لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ الْوَصْفِ الْجَامِعِ عِلَّةَ حُكْمٍ خَبَرِيٍّ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَلَا بُدَّ فِي إثْبَاتِهِ مِنْ دَلِيلٍ وَلَهُ مَسَالِكُ صَحِيحَةٌ، وَمَسَالِكُ يُتَوَهَّمُ صِحَّتُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُمَا وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمَسَالِكُ الصَّحِيحَةُ ثَلَاثَةٌ: النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمُنَاسَبَةُ ثُمَّ النَّصُّ إمَّا صَرِيحٌ وَهُوَ مَا دَلَّ بِوَضْعِهِ وَإِمَّا إيمَاءٌ وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، فَالصَّرِيحُ لَهُ مَرَاتِبُ:
مِنْهَا مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلِّيَّةِ مِثْلُ الْعِلَّةِ كَذَا أَوْ لِأَجْلِ كَذَا أَوْ كَيْ يَكُونَ كَذَا، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِيهِ حَرْفٌ ظَاهِرٌ فِي التَّعْلِيلِ مِثْلُ لِكَذَا أَوْ بِكَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَا فَإِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ قَدْ تَجِيءُ لِغَيْرِ الْعِلِّيَّةِ كَلَامِ الْعَاقِبَةِ وَ " بَاءِ " الْمُصَاحَبَةِ وَ " إنْ " الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي مُجَرَّدِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِصْحَابِ، وَمِنْهَا مَا دَخَلَ فِيهِ الْفَاءُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ إمَّا فِي الْوَصْفِ مِثْلُ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا» وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ نَحْوَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّرْتِيبِ وَالْبَاعِثُ مُقَدَّمٌ فِي التَّعَقُّلِ مُتَأَخِّرٌ فِي الْخَارِجِ فَيَجُوزُ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُلَاحَظَةً لِلِاعْتِبَارَيْنِ، وَهَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْعِلِّيَّةِ اسْتِدْلَالِيَّةٌ،
стр. 567
بِبَدَلِ الْكِتَابِ وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ سَيِّدِهِ (فَنَقُولُ الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ جَهَالَةُ الْمُسْتَحِقِّ لَا كَوْنُهُ عَبْدًا. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِوَصْفٍ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ كَقَوْلِهِ مُكَاتَبٌ فَلَا يَصِحُّ التَّكْفِيرُ بِإِعْتَاقِهِ كَمَا إذَا أَدَّى بَعْضَ الْبَدَلِ فَنَقُولُ أَدَاءُ بَعْضِ الْبَدَلِ عِوَضٌ مَانِعٌ) .
(الثَّالِثُ: تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ أَوَّلُهَا النَّصُّ إمَّا صَرِيحًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] يُقَالُ صَارَ الْفَيْءُ دُولَةً بَيْنَهُمْ يَتَدَاوَلُونَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَرَّةً لِهَذَا وَمَرَّةً لِذَلِكَ
(وقَوْله تَعَالَى ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَغَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْلِيلِ أَوْ إيمَاءً بِأَنْ يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ فِي أَيِّهِمَا كَانَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَوْلُهُ ﵊ «لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ) لِأَنَّ الْفَاءَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لِلتَّعْلِيلِ فَصَارَ كَاللَّامِ فَمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ يُحْشَرُ
(وَكَذَا فِي لَفْظِ الرَّاوِي نَحْوُ «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» أَوْ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُشْتَقِّ نَحْوُ: أَكْرِمْ الْعَالِمَ أَوْ يَقَعُ جَوَابًا نَحْوُ: «وَاقَعْتُ امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» أَوْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَمْ يُفِدْ نَحْوُ: «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ» وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ) إذْ كَلِمَةُ إنَّ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ تَكُونُ لِتَعْلِيلِ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إنَّ فِي مِثْلِ هَذَا
ــ
[التلويح]
وَمِنْهَا مَا دَخَلَ فِيهِ الْفَاءُ فِي لَفْظِ الرَّاوِي مِثْلَ سَهَا فَسَجَدَ وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ وَهَذَا دُونَ مَا قَبْلَهُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْفِي الظُّهُورَ، وَأَمَّا الْإِيمَاءُ فَهُوَ أَنْ يُقْرَنُ بِالْحُكْمِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ التَّعْلِيلَ لَكَانَ بَعِيدًا فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْلِيلِ دَفْعًا لِلِاسْتِبْعَادِ كَمَا فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ فَإِنَّ غَرَضَهُ مِنْ ذِكْرِ الْمُوَاقَعَةِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَذِكْرُ الْحُكْمِ جَوَابٌ لَهُ لِيَحْصُلَ غَرَضُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ إخْلَاءُ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَيَكُونَ السُّؤَالُ مُقَدَّرًا فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِلْإِعْتَاقِ إلَّا أَنَّ الْفَاءَ لَيْسَتْ مُحَقَّقَةً لِيَكُونَ صَرِيحًا بَلْ مُقَدَّرَةً فَيَكُونُ إيمَاءً مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ قَصْدِ الْجَوَابِ كَمَا يُقَالُ الْعَبْدُ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَيَقُولُ السَّيِّدُ اسْقِنِي مَاءً وَكَحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ فَإِنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَكَرَ نَظِيرَهُ وَهُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ فَنَبَّهَ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً لِلنَّفْعِ وَإِلَّا لَزِمَ الْعَبَثُ.
وَالْإِيمَاءُ لَهُ أَيْضًا مَرَاتِبُ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊ «فَإِنَّهُ يُحْشَرُ مُلَبِّيًا» مِنْ قَبِيلِ التَّصْرِيحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دُونَ الْإِيمَاءِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمَحْصُولِ، وَأَمَّا كَلِمَةُ إنَّ بِدُونِ الْفَاءِ مِثْلُ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ» فَالْمَذْكُورُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الصَّرِيحِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ أَنَّهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِعِ تَقَعُ مَوْقِعَ الْفَاءِ وَتُغْنِي غِنَاءَهَا وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْإِيمَاءِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلتَّعْلِيلِ
стр. 568
الْكَلَامِ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ لِأَنَّ وَالْحَذْفُ غَيْرُ الْإِيمَاءِ
(وَنَحْوُ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» الْحَدِيثَ أَوْ يُفَرَّقُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَسَبِ وَصْفٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا نَحْوُ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ) فَإِنَّهُ فَرَّقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ
(بِحَسَبِ وَصْفِ الْفُرُوسِيَّةِ وَضِدِّهَا) فَقَوْلُهُ مَعَ ذِكْرِهِمَا إمَّا أَنْ يُرْجِعَ الضَّمِيرَ إلَى الْحُكْمَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحُكْمِ فَفُهِمَ الْحُكْمَانِ فَيَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهِمَا أَوْ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَى الشَّيْئَيْنِ
(أَوْ ذَكَرَ أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ أَوْ أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ
(نَحْوُ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» ) فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْقَاتِلِ بِالْمَنْعِ مِنْ الْإِرْثِ مَعَ سَابِقَةِ الْإِرْثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الْقَتْلُ
(أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَالْعَفْوُ يَكُونُ عِلَّةً لِسُقُوطِ الْمَفْرُوضِ
(أَوْ بِطَرِيقِ الْغَايَةِ نَحْوُ: حَتَّى يَطْهُرْنَ أَوْ بِطَرِيقِ الشَّرْطِ نَحْوُ: «مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» ) فَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ يَكُونُ عِلَّةً لِجَوَازِ الْبَيْعِ
(وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إنْ سُلِّمَ الْعِلِّيَّةُ) إنَّمَا قَالَ إنْ سُلِّمَ الْعِلِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ نَحْوُ: وَاقَعْتُ امْرَأَتِي لِأَنَّهُ وَإِنْ نَسَبَ الْحُكْمَ إلَى الْمُوَاقَعَةِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شَيْئًا يَشْمَلُ عِلِّيَّةَ
ــ
[التلويح]
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِعِ لِتَقْوِيَةِ الْجُمْلَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْمُخَاطَبُ وَيَتَرَدَّدُ فِيهَا وَيَسْأَلُ عَنْهَا، وَدَلَالَةُ الْجَوَابِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ إيمَاءٌ لَا صَرِيحٌ وَبِالْجُمْلَةِ كَلِمَةُ إنَّ مَعَ الْفَاءِ أَوْ بِدُونِهَا قَدْ تُورَدُ فِي أَمْثِلَةِ الصَّرِيحِ، وَقَدْ تُورَدُ فِي أَمْثِلَةِ الْإِيمَاءِ وَيُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وَالْفَاءَ وَإِيمَاءٌ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَعْلِيلِهِ أَنَّ مِنْ احْتِمَالِ كَوْنِهَا عَلَى حَذْفِ اللَّامِ فَبَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَنَّ بِالْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) فِيهِ سُوءُ تَرْتِيبٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْمَنْعَ ثُمَّ يَتَكَلَّمَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ ثُمَّ الْمُتَمَسِّكُونَ بِمَسْلَكِ الْإِيمَاءِ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ قَطْعًا حَتَّى يَكُونَ احْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شَيْئًا آخَرَ فَادِحًا فِي كَلَامِهِمْ بَلْ يَدَّعُونَ فِيهِ الظَّنَّ وَظُهُورَ الْعِلِّيَّةِ دَفْعًا لِلِاسْتِبْعَادِ، وَالْغَايَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَغَيْرُهُمَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ بِهَا الْقِيَاسُ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا فِي الْمَنْصُوصَةِ أَيْ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا النَّصُّ صَرِيحًا أَوْ إيمَاءً مِثْلُ ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] «وَالْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» «وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» فَمَقْصُودُهُمْ بَيَانُ وُجُوهِ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ سَوَاءٌ أَمْكَنَ بِهَا الْقِيَاسُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ
[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]
(قَوْلُهُ وَثَالِثُهَا الْمُنَاسَبَةُ) وَهِيَ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مُتَضَمِّنًا لَجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ كَمَا يُقَالُ الصَّوْمُ شُرِعَ لِكَسْرِ الْقُوَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ فَإِنَّهُ نَفْعٌ بِحَسَبِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ ضَرَرًا بِحَسَبِ الطِّبِّ.
وَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْقَوْمِ فِي بَحْثِ الْمُنَاسَبَةِ وَأَقْسَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ تَعْلِيقٌ أَوْرَدَ فِيهِ غَايَةَ مَا أَدَّى إلَيْهِ نَظَرُهُ فَنَحْنُ نُورِدُهُ وَنَزِيدُ عَلَيْهِ نُبَذًا مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ يُطْلِعُك عَلَى اخْتِلَافِ كَلِمَتِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَسَى أَنْ تَفُوزَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْمُرَامِ، فَالْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَصِيرُ عِلَّةً بِمُجَرَّدِ الِاطِّرَادِ بَلْ لَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مَعْنًى يُعْقَلُ بِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْحُكْمِ ثُمَّ يَكُونَ مُعَدَّلًا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ صَلَاحِهِ لِلشَّهَادَةِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ثُمَّ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِ بِالِاجْتِنَابِ عَنْ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ فَكَذَا لَا بُدَّ لِجَعْلِ الْوَصْفِ عِلَّةً مِنْ صَلَاحِهِ لِلْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْمُلَاءَمَةِ وَمِنْ عَدَالَتِهِ بِوُجُودِ التَّأْثِيرِ فَالتَّعْلِيلُ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ مُلَائِمًا، وَبَعْدَ الْمُلَاءَمَةِ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا عِنْدَنَا وَمُخَيَّلًا عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْمُلَاءَمَةِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْعِلَلِ وَالتَّأْثِيرِ، أَوْ الْإِخَالَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ دُونَ الْجَوَازِ حَتَّى لَوْ عَمِلَ بِهَا قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ نَفَذَ وَلَمْ يَنْفَسِخْ، وَمَعْنَى الْمُلَاءَمَةِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُنَاسَبَةُ لِلْحُكْمِ بِأَنْ يَصِحَّ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ كَإِضَافَةِ ثُبُوتِ الْفُرْقَةِ فِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى إبَاءِ الْآخَرِ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يُنَاسِبُهُ لَا إلَى وَصْفِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عُرِفَ عَاصِمًا لِلْحُقُوقِ لَا قَاطِعًا لَهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمُلَاءَمَةُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ مِنْ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّلُونَ بِالْأَوْصَافِ الْمُلَائِمَةِ لِلْأَحْكَامِ لَا النَّائِيَةِ عَنْهَا فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَعْنَى الْمُلَاءَمَةِ هُوَ الْمُنَاسَبَةُ وَأَنَّهَا
стр. 569
الْمُوَاقَعَةِ كَهَتْكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ مَثَلًا
(لَكِنْ بَعْدَ تِلْكَ الْعِلَلِ لَا يُمْكِنُ بِهَا الْقِيَاسُ أَصْلًا نَحْوُ: السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ لِأَنَّ السَّرِقَةَ إنْ كَانَتْ عِلَّةً فَكُلَّمَا وُجِدَتْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْقَطْعِيُّ نَصَّا لَا قِيَاسًا، وَكَذَا فِي زَنَى مَاعِزٌ وَنَحْوُهُ فَاسْتَخْرَجَهُ وَأَيْضًا النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي " وَاقَعْتُ امْرَأَتِي " وَنَحْوِهَا لَا عَلَى كَوْنِهَا مَنَاطًا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَتَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ وَأَيْضًا الْغَايَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ وَثَانِيهَا الْإِجْمَاعُ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الصِّغَرَ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ) .
(وَثَالِثُهَا الْمُنَاسَبَةُ وَشَرْطُهَا الْمُلَاءَمَةُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ وَيَكْفِي الْجِنْسُ الْبَعِيدُ هُنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ فَإِنَّ هَذَا مُرْسَلٌ لَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا) وَكَلِمَةُ هَذَا إشَارَةٌ إلَى كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ
(لَكِنْ كُلَّمَا كَانَ الْجِنْسُ أَقْرَبَ كَانَ الْقِيَاسُ أَقْوَى) الِاسْتِدْرَاكُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ وَيَكْفِي الْجِنْسُ الْبَعِيدُ هُنَا
(وَالْمُلَائِمُ كَالصِّغَرِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ وَهَذَا يُوَافِقُ تَعْلِيلَ الرَّسُولِ ﵊ لِطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ بِالطَّوَافِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ) فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِي أَحَدِ الصُّورَتَيْنِ الْعَجْزُ وَفِي الْأُخْرَى الطَّوَافُ فَالْعِلَّتَانِ وَإِنْ اخْتَلَفَتَا لَكِنَّهُمَا مُنْدَرِجَتَانِ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الضَّرُورَةُ وَالْحُكْمُ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْوِلَايَةُ وَفِي الْأُخْرَى الطَّهَارَةُ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ لَكِنَّهُمَا مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ أَيْ اعْتَبَرَ الضَّرُورَةَ فِي حَقِّ الرُّخَصِ
(وَكَمَا يُقَالُ قَلِيلُ النَّبِيذِ يَحْرُمُ كَقَلِيلِ الْخَمْرِ وَالْعِلَّةُ أَنَّ قَلِيلَهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ
ــ
[التلويح]
تُقَابِلُ الطَّرْدَ أَعْنِي وُجُودَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مُلَاءَمَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ أَوْ وُجُودِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ.
وَالْمَذْكُورُ فِي أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ هُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ بِحَيْثُ يَجْلِبُ لِلْإِنْسَانِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ عَلَى مِنْهَاجِ الْمَصَالِحِ بِحَيْثُ لَوْ أُضِيفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ انْتَظَمَ كَالْإِسْكَارِ لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ بِخِلَافِ كَوْنِهَا مَائِعًا يَقْذِفُ بِالزَّبَدِ وَيُحْفَظُ فِي الدَّنِّ، وَأَنَّ مِنْ الْمُنَاسِبِ مُلَائِمًا وَغَيْرَ مُلَائِمٍ، فَخَلَطَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَلَامَ الْفَرِيقَيْنِ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ مَا يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ كَحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالدِّينِ وَالنَّسَبِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَالْمُلَاءَمَةُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يُغَايِرُهَا وَيَكُونَ أَخَصَّ مِنْهَا، وَقَدْ فَسَّرَهَا الْقَوْمُ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عَلَى وَفْقِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، وَظَنَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ، فَالْمُرَادُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ أَخُصُّ مِنْ كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ كَمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ مَثَلَا فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ مَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ وَكَذَا مِنْ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الدِّينِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَكْفِي كَوْنُهُ أَخَصَّ مِنْ الْمُتَضَمِّنِ لِمَصْلَحَةٍ مَا؛ لِأَنَّ الْمُتَضَمِّنَ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ أَخَصُّ مِنْ الْمُتَضَمِّنِ لِمَصْلَحَةٍ مَا وَلَيْسَ بِمُلَائِمٍ، حَتَّى لَوْ قِيلَ شُرِعَ هَذَا الْحُكْمُ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ لَمْ يَصِحَّ؛؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ بِالْمُنَاسِبِ دُونَ الْمُلَائِمِ وَمُجَرَّدُ حِفْظِ النَّفْسِ قَدْ لَا يَكُونُ مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْجِهَادِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ ثُمَّ الْجِنْسُ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَوْعِ الْوَصْفِ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ أَوْ أَكْثَرُ وَهَذَا مُتَصَاعِدٌ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكُلِّ وَأَخَصُّ مِنْ الْمُتَضَمِّنِ لِحِفْظِ مَصْلَحَةِ النَّفْسِ مَثَلًا، وَكُلَّمَا كَانَ الْجِنْسُ أَقْرَبَ إلَى الْوَصْفِ أَيْ أَقَلَّ وَاسِطَةً وَأَشَدَّ خُصُوصِيَّةً كَانَ الْقِيَاسُ أَقْوَى وَبِالْقَبُولِ أَحْرَى لِكَوْنِهِ بِالتَّأْثِيرِ أَنْسَبَ وَإِلَى اعْتِبَار الشَّرْعِ أَقْرَبَ، قَالَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ: إنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ أَجْنَاسًا عَالِيَةً وَقَرِيبَةً وَمُتَوَسِّطَةً فَالْجِنْسُ الْعَالِي لِلْحُكْمِ الْخَاصِّ
стр. 570
وَالشَّرْعُ اعْتَبَرَ جِنْسَ هَذَا فِي الْخَلْوَةِ مَعَ الْجِمَاعِ وَكَذَا حَمْلُ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ) فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ إقَامَةَ السَّبَبِ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوّ إلَيْهِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ الْجِمَاعِ فَإِنَّ فِيهِ إقَامَةَ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوّ إلَيْهِ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحْدُ الْمُفْتَرِينَ ثَمَانُونَ
(وَإِذَا وُجِدَتْ الْمُلَاءَمَةُ يَصِحُّ الْعَمَلُ وَلَا يَجِبُ عِنْدَنَا بَلْ يَجِبُ إذَا كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فَالْمُلَاءَمَةُ كَأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالتَّأْثِيرُ كَالْعَدَالَةِ وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمُلَائِمِ بِشَرْطِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ) وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ
(وَعِنْدَ الْبَعْضِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَيَّلًا) أَيْ يَقَعُ فِي الْخَاطِرِ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ
ــ
[التلويح]
هُوَ الْحُكْمُ وَأَخَصُّ مِنْهُ الْوُجُوبُ مَثَلًا ثُمَّ الْعِبَادَةُ ثُمَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ الْمَكْتُوبَةُ، وَالْجِنْسُ الْعَالِي لِلْوَصْفِ الْخَاصِّ كَوْنُهُ وَصْفًا تُنَاطُ الْأَحْكَامُ بِهِ وَأَخَصُّ مِنْهُ الْمُنَاسِبُ ثُمَّ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ ثُمَّ حِفْظُ النَّفْسِ وَهَكَذَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ لِكَثْرَةِ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعُمُومِ فِي الْعُمُومِ، فَمَا كَانَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ بِالْجِنْسِ السَّافِلِ فَهُوَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، وَمَا كَانَ بِالْعَالِي فَهُوَ أَبْعَدُ وَمَا كَانَ الْمُتَوَسِّطُ بِالْمُتَوَسِّطِ فَمُتَوَسِّطٌ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ. ثُمَّ قَالَ: إنَّ مِنْ الْقِيَاسِ مُؤَثِّرًا تَكُونُ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَوْ أَثَّرَ عَيْنُ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ أَوْ جِنْسُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَمِنْهُ مُلَائِمًا أَثَّرَ جِنْسُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْمُرَادِ بِالْمُلَائِمِ كَأَنَّهُ يُنَاسِبُ هَذَا الِاصْطِلَاحَ لَوْلَا إطْلَاقُ الْجِنْسِ هَاهُنَا، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ مَا أَثَّرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ مُؤَثِّرًا وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مُلَائِمًا وَقَالَ أَيْضًا: الْمُلَائِمُ مَا أَثَّرَ عَيْنُ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ كَمَا أَثَّرَ جِنْسُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَالْمَذْكُورُ مِنْ كَلَامِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ شَارِحِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُلَائِمَ هُوَ الْمُنَاسِبُ الَّذِي لَمْ يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ بَلْ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فَقَطْ وَمَعَ ذَلِكَ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارَ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَأَيْضًا الْمُلَائِمُ هُوَ الْمُرْسَلُ الَّذِي لَمْ يُعْلَمُ إلْغَاؤُهُ بَلْ عُلِمَ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِ مَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِإِجْمَاعٍ، وَلَا بِتَرَتُّبِ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبَارُ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فِيمَا لَمْ يُعْتَبَرْ شَرْعًا أَصْلًا؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا تَهَافُتٌ؟ قُلْتُ: مَعْنَى الِاعْتِبَارِ شَرْعًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْن الْحُكْمِ وَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ مَا يُوَافِقُ التَّفْسِيرَ الَّذِي ظَنَّهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلَهُ وَالْمُلَائِمُ كَالصِّغَرِ) فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ جِنْسَ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ فِي جِنْسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ
стр. 571
عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ
(وَهَذَا يُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) أَيْ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُعْرَفُ عِلِّيَّتُهَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَيَّلًا تُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ
(وَتُقْبَلُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) أَيْ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُرْسَلَ نَوْعَانِ نَوْعٌ لَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا وَهُوَ الَّذِي اعْتَبَرَ الشَّرْعُ جِنْسَهُ الْأَبْعَدَ وَهُوَ كَوْنُهُ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَنَوْعٌ يُقْبَلُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الْأَبْعَدِ
(إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً كَتَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِأُسَارَى الْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ الْجِنْسَ الْقَرِيبَ لِهَذَا
ــ
[التلويح]
الضَّرُورَةُ وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُلَائِمِ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْوَصْفِ أَخَصَّ مِنْ مُطْلَقِ الضَّرُورَةِ بَلْ مِنْ ضَرُورَةِ حِفْظِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ أَيْضًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى تَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ عَنْ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَإِلَى تَطْهِيرِ الْعِرْضِ عَنْ النِّسْبَةِ إلَى الْفَاحِشَةِ بِالنِّكَاحِ، وَنَجَاسَةُ سُؤْرِ الطَّوَّافِينَ مَانِعٌ يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ تَطْهِيرِ الْعُضْوِ كَالصِّغَرِ عَنْ تَطْهِيرِ الْعِرْضِ، فَالْوَصْفُ الشَّامِلُ لِلصُّورَتَيْنِ دَفْعُ الْحَرَجِ الْمَانِعِ عَنْ التَّطْهِيرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، وَالْحُكْمُ الَّذِي هُوَ جِنْسٌ الطَّهَارَةِ وَالْوِلَايَةِ هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَرَجُ الْمَذْكُورُ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) يَعْنِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمُلَائِمِ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْمُلَائِمِ بِشَرْطِ شَهَادَةِ الْأُصُولِ بِمَعْنَى أَنْ يُقَابَلَ بِقَوَانِينِ الشَّرْعِ فَيُطَابِقَهَا سَالِمًا عَنْ الْمُنَاقَضَةِ أَعْنِي إبْطَالَ نَفْسِهِ بِأَثَرٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ إيرَادِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَعَنْ الْمُعَارَضَةِ أَعْنِي إيرَادَ وَصْفٍ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْسِ الْوَصْفِ كَمَا يُقَالُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي نَفْسِ ذُكُورِ الْخَيْلِ فَلَا تَجِبُ فِي إنَاثِهَا بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَأَدْنَى مَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَصْلَانِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وَالْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ تَزْكِيَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْعَرْضِ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَسَّرَ شَهَادَةَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ، وَفِرْقَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِالْمُلَائِمِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخَيَّلًا أَيْ مَوْقِعًا فِي الْقَلْبِ خَيَالَ الْعِلِّيَّةِ وَالصِّحَّةِ وَالْأَوْصَافِ الَّتِي تُعْرَفُ عِلِّيَّتُهَا بِمُجَرَّدِ الْإِخَالَةِ تُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.
وَالْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ هُوَ الْمُخَيَّلُ وَمَعْنَاهُ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُكْمِ مِنْ ذَاتِ الْأَصْلِ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِغَيْرِهِ ثُمَّ قَالُوا وَالْمُنَاسِبُ يَنْقَسِمُ إلَى مُؤَثِّرٍ وَمُلَائِمٍ وَغَرِيبٍ وَمُرْسَلٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُعْتَبَرٌ شَرْعًا أَوْ لَا أَمَّا الْمُعْتَبَرُ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ أَوْ لَا بَلْ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فَقَطْ فَذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ
стр. 572
الْوَصْفِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ لِهَذَا الْحُكْمِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرْعِ إبَاحَةُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنْ وُجِدَ اعْتِبَارُ الضَّرُورَةِ فِي الرُّخَصِ فِي اسْتِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَيَّدَ الْمَصْلَحَةَ بِكَوْنِهَا ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً كَمَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِجَمْعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَعْلَمُ أَنَّا لَوْ تَرَكْنَاهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلُوهُمْ وَلَوْ رَمَيْنَا التُّرْسَ يَخْلُصُ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ الدِّينِ وَصِيَانَةَ نُفُوسِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ دَاعِيَةٌ إلَى جَوَازِ الرَّمْيِ إلَى التُّرْسِ وَتَكُونُ قَطْعِيَّةً؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَصْلَحَةِ وَهِيَ صِيَانَةُ الدِّينِ وَنُفُوسِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِرَمْيِ التُّرْسِ تَكُونُ قَطْعِيَّةً لَا ظَنِّيَّةً كَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ فِي رُخَصِ السَّفَرِ فَإِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ وَتَكُونُ كُلِّيَّةً؛ لِأَنَّ اسْتِخْلَاصَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ كُلِّيَّةٌ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكَافِرُونَ فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ لَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ وَبِالْقَطْعِيَّةِ مَا لَمْ نَعْلَمْ تَسَلُّطَهُمْ إنْ تَرَكْنَا رَمْيَ التُّرْسِ وَبِالْكُلِّيَّةِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَصْلَحَةُ كُلِّيَّةً كَمَا
ــ
[التلويح]
بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارُ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ لَا، فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ الْمُلَائِمُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَهُوَ الْغَرِيبُ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِإِجْمَاعٍ، وَلَا بِتَرَتُّبِ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهِ فَهُوَ الْمُرْسَلُ، وَيَنْقَسِمُ إلَى مَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ وَإِلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ إلْغَاؤُهُ، وَالثَّانِي يَنْقَسِمُ إلَى مُلَائِمٍ قَدْ عُلِمَ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ وَإِلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ الْغَرِيبُ فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا أَوْ عُلِمَ إلْغَاؤُهُ فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا فَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِقَبُولِهِ وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِي قَبُولِهِ شُرُوطًا ثَلَاثَةً أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً لَا حَاجِيَّةً وَقَطْعِيَّةً لَا ظَنِّيَّةً وَكُلِّيَّةً لَا جُزْئِيَّةً أَيْ مُخْتَصَّةً بِشَخْصٍ، فَفَتْحُ الْقَلْعَةِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَخَوْفُ الِاسْتِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لَا يُجَوِّزُ الرَّمْيَ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، وَإِلْقَاءُ بَعْضِ أَهْلِ السَّفِينَةِ لِنَجَاةِ الْبَعْضِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ جُزْئِيَّةٌ فَالْمُلَائِمُ كَعَيْنِ الصِّغَرِ الْمُعْتَبَرِ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ إجْمَاعًا وَكَجِنْسِ الْحَرَجِ الْمُعْتَبَرِ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ وَكَجِنْسِ الْجِنَايَةِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ الْمُعْتَبَرُ فِي جِنْسِ الْقِصَاصِ وَالْغَرِيبُ كَمَا يُعَارَضُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِ الْفَارِّ فَيُحْكَمُ بِإِرْثِ زَوْجَتِهِ قِيَاسًا عَلَى الْقَاتِلِ حَيْثُ عُورِضَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَهُوَ الْإِرْثِ فَحُكِمَ بِعَدَمِ إرْثِهِ، فَهَذَا لَهُ وَجْهُ مُنَاسَبَةٍ.
وَفِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ هِيَ نَهْيُهُ عَنْ الْفِعْلِ الْحَرَامِ لَكِنْ لَمْ يُشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ بِالِاعْتِبَارِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَمَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ كَتَعْيِينِ إيجَابِ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ كَالْمَلِكِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الزَّجْرِ لَكِنْ عُلِمَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْمَصَالِحِ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ وَهِيَ أَصْلٌ فِي الْقِيَاسِ وَحُجَّةٌ، وَمِنْهَا مَا شُهِدَ بِبُطْلَانِهِ كَتَعْيِينِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْمَلِكِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَمِنْهَا مَا لَمْ يُشْهَدْ لَهُ لَا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا بِالْإِبْطَالِ وَهَذَا فِي مَحَلِّ
стр. 573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التلويح]
النَّظَرِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ، وَكُلُّ مَا يُقَوِّيهَا فَهِيَ مَصْلَحَةٌ وَدَفْعُهَا مَفْسَدَةٌ وَإِذَا أَطْلَقْنَا الْمَعْنَى الْمُخَيَّلَ أَوْ الْمُنَاسِبَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ أَرَدْنَا بِهِ هَذَا الْجِنْسَ وَالْمَصَالِحُ الْحَاجِيَّةُ أَوْ التَّحْسِينِيَّةُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا مَا لَمْ تُعَضَّدْ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ وَإِذَا اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ فَهُوَ قِيَاسٌ، وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا رَأْيُ مُجْتَهِدٍ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْحَصْرِ أَنَّ تَقْلِيلَ الْقَتْلِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ كَمَنْعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لَكِنَّ قَتْلَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ غَرِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَنَحْنُ إنَّمَا نُجَوِّزُهُ عِنْدَ الْقَطْعِ أَوْ ظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْقَطْعِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ نُخَصِّصُ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِمَا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الشَّرْعَ يُؤْثِرُ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَأَنَّ حِفْظَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ وَهَذَا وَإِنْ سَمَّيْنَاهُ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً لَكِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ الْمَصْلَحَةِ إلَى حِفْظِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْمَعْلُومَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي عُرِفَتْ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَتَفَارِيقِ الْأَمَارَاتِ سَمَّيْنَاهُ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً لَا قِيَاسًا؛ إذْ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ وَقَالَ بَعْدَ مَا قَسَّمَ الْمُنَاسِبَ إلَى مُؤَثِّرٍ وَمُلَائِمٍ وَغَرِيبٍ إنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
مُلَائِمٌ يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَيُقْبَلُ قَطْعًا، وَمُنَاسِبٌ لَا يُلَائِمُ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ لَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ مُعَارِضٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَمُنَاسِبٌ يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ لَكِنْ لَا يُلَائِمُ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَمُلَائِمٌ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الْمُرْسَلُ وَهُوَ أَيْضًا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ وُجِدَ اعْتِبَارُ الضَّرُورَةِ فِي الرُّخَصِ وَفِي اسْتِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضَ السَّابِقَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا اعْتِبَارٌ لِلْجِنْسِ الْأَبْعَدِ وَهُوَ
стр. 574
إذَا كَانَتْ جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ وَثَقُلَتْ السَّفِينَةُ فَإِنْ طَرَحْنَا الْبَعْضَ فِي الْبَحْرِ نَجَا الْبَاقُونَ لَا يَجُوزُ طَرْحُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ غَيْرُ كُلِّيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ الطَّرْحِ لَا تَهْلِكُ إلَّا جَمَاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ وَفِي التَّتَرُّسِ لَوْ تَرَكْنَا الرَّمْيَ لَقَتَلُوا كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْأُسَارَى
(وَالتَّأْثِيرُ عِنْدَنَا أَنْ يَثْبُتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ) أَيْ نَوْعَ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ
(فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ) (وَالْمُرَادُ بِالْجِنْسِ هُنَا الْجِنْسُ الْقَرِيبُ كَالسُّكْرِ فِي الْحُرْمَةِ) هَذَا نَظِيرُ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ
(وَكَقَوْلِهِ ﵊: «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ» الْحَدِيثَ هَذَا نَظِيرُ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ) (فَإِنَّ لِلْجِنْسِ وَهُوَ عَدَمُ دُخُولِ شَيْءٍ اعْتِبَارًا فِي عَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ وَكَقِيَاسِ
ــ
[التلويح]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 575
الْوِلَايَةِ عَلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَعَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ بِالصِّغَرِ) هَذَا نَظِيرُ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ
(وَلِنَوْعِهِ اعْتِبَارٌ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ لِثُبُوتِهَا فِي الْمَالِ عَلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَكَطَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) نَظِيرُ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ
(فَإِنَّ لِجِنْسِ الضَّرُورَةِ اعْتِبَارًا فِي جِنْسِ التَّخْفِيفِ وَقَدْ يَتَرَكَّبُ بَعْضُ الْأَرْبَعَةِ مَعَ بَعْضٍ فَاسْتَخْرَجَهُ) كَالصِّغَرِ مَثَلًا فَإِنَّ لِنَوْعِهِ اعْتِبَارًا فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ وَلِجِنْسِهِ اعْتِبَارًا فِي جِنْسِهَا فَإِنَّ جِنْسَهُ الْعَجْزُ وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ عَلَى الْعَاجِزِ كَالْمَجْنُونِ
ــ
[التلويح]
غَيْرُ كَافٍ فِي الْمُلَاءَمَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ حُصُولَ النَّفْعِ الْكَثِيرِ فِي تَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ وَجَمِيعُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَالتَّأْثِيرُ عِنْدَنَا) إنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُؤَثِّرُ مَقْبُولٌ بِاتِّفَاقِ الْقَايِسِينَ، وَقَصَرَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ أَوْرَدَ لِلْمُؤَثِّرِ أَمْثِلَةً عَرَّفَ بِهَا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُلَائِمِ لَكِنَّهُ سَمَّاهُ أَيْضًا مُؤَثِّرًا فَالْقِيَاسُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِهَا وَعَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِهِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي رُبَّمَا يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ إذْ لَا فَرْقَ إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ.
الثَّانِي أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي عَيْنِهِ وَهُوَ الَّذِي خَصَّصْنَاهُ بِاسْمِ الْمُلَائِمِ وَخَصَّصْنَا اسْمَ الْمُؤَثِّرِ بِمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ.
الرَّابِعُ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَهُوَ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ الْمُنَاسِبَ الْغَرِيبَ ثُمَّ لِلْجِنْسِيَّةِ مَرَاتِبُ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ الظَّنِّ وَالْأَعْلَى مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَسْفَلِ وَالْأَقْرَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبْعَدِ فِي الْجِنْسِيَّةِ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ مِنْ كَلَامِهِمْ تَفْسِيرَ الْمُؤَثِّرِ وَقَيَّدَ الْجِنْسَ بِالْقَرِيبِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ الْمُلَائِمِ عَلَى مَا سَبَقَ وَأَوْرَدَ بَدَلَ الْعَيْنِ النَّوْعَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْوَصْفُ، وَالْحُكْمُ مَعَ خُصُوصِيَّةِ الْمَحَلِّ كَالسُّكْرِ الْمَخْصُوصِ بِالْخَمْرِ وَالْحُرْمَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهَا فَيُوهِمُ أَنَّ لِلْخُصُوصِيَّةِ مَدْخَلًا فِي الْعِلِّيَّةِ فَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الْوَصْفُ الَّذِي يُجْعَلُ عِلَّةً لَا مُطْلَقُ الْوَصْفِ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ بِالْقِيَاسِ لَا مُطْلَقُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ وَالْأَحْكَامِ حَتَّى الْأَجْنَاسِ أَنْوَاعُ لِمُطْلَقِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ فَلَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَ عِلِّيَّةِ السُّكْرِ لِلْحُرْمَةِ وَعِلِّيَّةِ الضَّرُورَةِ لِلتَّخْفِيفِ فَإِضَافَةُ النَّوْعِ إلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ النَّوْعَ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ أَوْ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ فَهُوَ نَوْعٌ لِمُطْلَقِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ، وَقَدْ بَيَّنَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ وَالْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَنْوَاعِ الْعَالِيَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي وَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِلَفْظِ الْجِنْسِ، وَأَمَّا إضَافَةُ الْجِنْسِ إلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ فَهِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا
стр. 576
مَثَلًا وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَوَاقِيَ وَالْمُرَكَّبُ يَنْقَسِمُ بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ أَحَدَ عَشَرَ قِسْمًا وَاحِدٌ مِنْهَا مُرَكَّبٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَسِتَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ
ــ
[التلويح]
الْوَصْفُ الْمُعَيَّنُ وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ كَمَا فِي حَالَةِ إضَافَةِ النَّوْعِ، وَالْمُرَادِ بِالْجِنْسِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ أَوْ الْحُكْمِ مَثَلًا عَجَزَ الْإِنْسَانُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَصْفٌ هُوَ عِلَّةٌ لِحُكْمٍ فِيهِ تَخْفِيفٌ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْحَرَجِ وَالضَّرَرِ فَعَجْزُ الصَّبِيِّ الْغَيْرِ الْعَاقِلِ نَوْعٌ وَعَجْزُ الْمَجْنُونِ نَوْعٌ آخَرُ، وَجِنْسُهُمَا الْعَجْزُ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ، وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ بِسَبَبِ ضَعْفِ الْقُوَيّ أَعَمُّ مِنْ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَرِيضَ، وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ مِنْ الْفَاعِلِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَحْبُوسَ، وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ مِنْ الْفَاعِلِ عَلَى مَا يَشْمَلْ الْمُسَافِرَ أَيْضًا، وَفَوْقَهُ مُطْلَقُ الْعَجْزِ الشَّامِلُ لِمَا يَنْشَأُ عَنْ الْفَاعِلِ وَعَنْ مَحَلِّ الْفِعْلِ وَعَنْ الْخَارِجِ وَهَكَذَا فِي جَانِبِ الْحُكْمِ فَلْيُعْتَبَرْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ وَالْأَحْكَامِ وَإِلَّا فَتَحْقِيقُ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ بِأَقْسَامِهَا مِمَّا يَعْسُرُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ فَضْلًا عَنْ الِاعْتِبَارِيَّات، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ عِلِّيَّةُ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْوَصْفِ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْحُكْمِ كَالْعَجْزِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ لِسُقُوطِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ أَوْ عِلِّيَّةِ جِنْسِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِنَوْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَعَدَمِ دُخُولِ شَيْءٍ فِي الْجَوْفِ لِعَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ أَوْ عِلِّيَّةِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْوَصْفِ لِجِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَمَا فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ فَإِنَّ الْعَجْزَ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ الْعَقْلِ مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَهُوَ جِنْسٌ لِسُقُوطِ الزَّكَاةِ أَوْ عِلِّيَّةِ جِنْس الْوَصْفِ لِجِنْسِ الْحُكْمِ كَمَا فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنْ الصَّبِيِّ بِتَأْثِيرِ الْعَجْزِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ فِي سُقُوطِ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْمَتْنِ فَفِي بَعْضِهَا نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ السُّكْرَ وَالصِّغَرَ مِنْ قَبِيلِ الْمُرَكَّبِ، وَلِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا الْجِنْسُ الْقَرِيبُ وَالضَّرُورَةُ لِلطَّوَافِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِمُلَائِمٍ فَضْلًا عَنْ الْمُؤَثِّرِ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَتَرَكَّبُ بَعْضُ الْأَرْبَعَةِ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ أَقْسَامَ الْمُفْرَدِ أَرْبَعَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ الِاثْنَيْنِ فِي الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي جَانِبِ الْوَصْفِ هُوَ النَّوْعُ أَوْ الْجِنْسُ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْحُكْمِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ انْحِصَارُ الْمُرَكَّبِ فِي أَحَدَ عَشْرَ؛ لِأَنَّ التَّرْكِيبَ إمَّا ثُنَائِيٌّ أَوْ ثُلَاثِيٌّ أَوْ رُبَاعِيٌّ أَمَّا الرُّبَاعِيُّ فَوَاحِدٌ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا الثُّلَاثِيُّ فَأَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ثُلَاثِيًّا بِنُقْصَانِ وَاحِدٍ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَذَلِكَ الْوَاحِدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارَ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ أَوْ فِي الْجِنْسِ أَوْ اعْتِبَارَ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ أَوْ فِي الْجِنْسِ، وَأَمَّا الثُّنَائِيُّ فَسِتَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلْأَفْرَادِ وَيَتَرَكَّبُ مَعَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَيَصِيرُ اثْنَا عَشَرَ حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ الْأَرْبَعَةِ فِي الثَّلَاثَةِ فَيَسْقُطُ سِتَّةٌ بِمُوجِبِ التَّكْرَارِ، أَوْ نَقُولُ
стр. 577
أَرْبَعَةٍ أَقْوَى الْجَمِيعِ ثُمَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ الْمُرَكَّبُ مِنْ اثْنَيْنِ ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ مُرَكَّبًا
(قَدْ سَمَّى الْبَعْضُ أَوَّلَ الْأَرْبَعَةِ غَرِيبًا وَالثَّلَاثَةُ مُلَائِمَةٌ ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ وَيُسَمَّى شَهَادَةَ الْأَصْلِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أُولَى الْأَرْبَعَةِ مُطْلَقًا) أَيْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ أَعَمُّ مِنْ اعْتِبَارِ نَوْعِ الْوَصْفِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ وَمِنْ اعْتِبَارِ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ اعْتِبَارُ نَوْعِ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ
ــ
[التلويح]
اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ إمَّا أَنْ يَتَرَكَّبَ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ أَوْ مَعَ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ أَوْ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ثُمَّ اعْتِبَارُ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ إمَّا أَنْ يَتَرَكَّبَ مَعَ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ أَوْ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ثُمَّ اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ يَتَرَكَّبُ مَعَ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فَإِنْ قُلْت اعْتِبَارُ النَّوْعِ يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ الْجِنْسِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِلنَّوْعِ بِدُونِ الْجِنْسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِفْرَادُ إلَّا فِي اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ فَيَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الرُّبَاعِيَّ أَلْبَتَّةَ، وَاعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي الْجِنْسُ أَوْ عَكْسِهِ يَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الثُّنَائِيَّ. قُلْتُ الْمُرَادُ الِاعْتِبَارُ قَصْدًا لَا ضِمْنًا حَتَّى إنَّ الرُّبَاعِيَّ مَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ الْأَرْبَعَةِ مَقْصُودًا عَلَى حِدَةٍ فَالْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ كَالسُّكْرِ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُرْمَةِ، وَكَذَا جِنْسُهُ الَّذِي هُوَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُرْمَةِ ثُمَّ السُّكْرُ يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أُخْرَوِيًّا كَالْحُرْمَةِ أَوْ دُنْيَوِيًّا كَالْحَدِّ ثُمَّ لَمَّا كَانَ السُّكْرُ مَظِنَّةً لِلْقَذْفِ صَارَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ كَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّ الْجِنْسَ وَهُوَ الْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ يَحْتَاجُ إلَيْهِ شَرْعًا مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ أَيْ فِي سُقُوطِ الِاحْتِيَاجِ فِي النَّوْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] إقَامَةٌ لِأَحَدِ الْعَنَاصِرِ مَقَامَ الْآخَرِ فَإِنَّ التُّرَابَ مُطَهِّرٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِحَسَبِ نَشَفِ النَّجَاسَاتِ وَأَيْضًا عَدَمُ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَهُوَ النَّوْعُ مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ لَكِنَّ النَّوْعَ وَهُوَ خَوْفُ الْفَوْتِ لَا يُؤَثِّرُ فِي النَّوْعِ أَيْ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَيَمُّمٌ، وَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً يَحْتَاجُ إلَى شُرْبِهِ فَإِنَّ الْعَجْزَ الْحُكْمِيَّ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ شَرْعًا مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ الِاحْتِيَاجِ فَهَذَا تَأْثِيرُ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ثُمَّ النَّوْعُ مُؤَثِّرٌ فِي النَّوْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَأَيْضًا عَدَمُ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَهُوَ النَّوْعُ مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ أَيْ فِي عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ لَكِنَّ الْجِنْسَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي النَّوْعِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ الْمَذْكُورَ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ التَّيَمُّمُ وَالْمُرَكَّب مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ كَالْحَيْضِ فِي حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ فَهَذَا تَأْثِيرُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ، وَجِنْسُهُ وَهُوَ الْأَذَى عِلَّةٌ أَيْضًا لِحُرْمَةِ الْقُرْبَانِ وَلِجِنْسِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الِاعْتِزَالِ وَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ يُقَالُ الْحَيْضُ عِلَّةٌ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَهَذَا تَأْثِيرُ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ، وَأَيْضًا عِلَّةٌ لِلْجِنْسِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا
стр. 578
الْحُكْمِ فَقَدْ وُجِدَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ فَقَدْ وُجِدَ اعْتِبَارُ نَوْعِ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ
(وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ) أَيْ قَدْ يُوجَدُ شَهَادَةُ الْأَصْلِ بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنْ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ بِدُونِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَقَدْ يُوجَدَانِ مَعًا (فَالتَّعْلِيلُ بِهِمَا بِدُونِ الشَّهَادَةِ حُجَّةٌ وَيُسَمَّى عِنْدَ الْبَعْضِ تَعْلِيلًا لَا قِيَاسًا وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ قِيَاسٌ أَيْضًا وَإِذَا وُجِدَ شَهَادَةُ الْأَصْلِ بِدُونِ التَّأْثِيرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَنَا وَيُسَمَّى غَرِيبًا أَيْضًا) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِأَوْلَى الْأَرْبَعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ لِمَا قُلْنَا إنَّهَا أَعَمُّ
ــ
[التلويح]
وَلِجِنْسِهِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ تَأْثِيرٌ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْجِنْسِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْ الِاثْنَيْنِ فَالْمُرَكَّبُ مِنْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ مَعَ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ كَمَا فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ فَإِنَّ الطَّوَافَ عِلَّةٌ لِلطَّهَارَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ» وَجِنْسُهُ هُوَ مُخَالَطَةُ نَجَاسَةٍ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا عِلَّةً لِلطَّهَارَةِ كَآبَارِ الْفَلَوَاتِ وَالْمُرَكَّبُ مِنْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ مَعَ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ كَإِفْطَارِ الْمَرِيضِ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْجِنْسِ وَهُوَ التَّخْفِيفُ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَذَا فِي الْإِفْطَارِ بِسَبَبِ الضَّرَرِ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ مَعَ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ فِي الْمَجْنُونِ جُنُونًا مُطْبِقًا فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَجْزٌ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ مُؤَثِّرٌ فِي مُطْلَقِ الْوِلَايَةِ، ثُمَّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَجْزٌ دَائِمِيٌّ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ عِلَّةٌ لِوِلَايَةِ النِّكَاحِ لِلْحَاجَةِ بِخِلَافِ الصِّغَرِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صِغَرٌ لَا يُوجِبُ هَذِهِ الْوِلَايَةَ.
وَالْمُرَكَّبُ مِنْ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ مَعَ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ كَالْوِلَايَةِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ فَإِنَّ الْعَجْزَ لِعَدَمِ الْعَقْلِ مُؤَثِّرٌ فِي مُطْلَقِ الْوِلَايَةِ ثُمَّ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْوِلَايَةِ فِي الْمَالِ لِلْحَاجَةِ إلَى بَقَاءِ النَّفْسِ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ مَعَ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ كَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ ثُمَّ خُرُوجُهَا مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَمَا فِي الْيَدِ وَهِيَ آلَةُ التَّطْهِيرِ مُؤَثِّرٌ فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا وَالْمُرَكَّبُ مِنْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ مَعَ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ كَمَا فِي عَدَمِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ الْعَجْزَ لِعَدَمِ الْعَقْلِ مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ ثُمَّ الْجِنْسُ وَهُوَ الْعَجْزُ لِخَلَلٍ فِي الْقُوَى مُؤَثِّرٌ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَكَّبَ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَقْوَى الْجَمِيعِ) يَعْنِي أَنَّ قُوَّةَ الْوَصْفِ إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ التَّأْثِيرِ وَالتَّأْثِيرُ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ وَكُلَّمَا كَثُرَ الِاعْتِبَارُ قَوِيَ الْآثَارُ فَيَكُونُ الْمُرَكَّبُ أَقْوَى مِنْ الْبَسِيطِ، وَالْمُرَكَّبُ مِنْ أَجْزَاءٍ أَكْثَرَ أَقْوَى مِنْ الْمُرَكَّبِ مِنْ أَجْزَاءٍ أَقَلَّ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا سِوَى اعْتِبَارِ
стр. 579
فَيَكُونُ التَّعْلِيلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قِيَاسًا اتِّفَاقًا وَالتَّعْلِيلُ بِأَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ إذَا وُجِدَ مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ يَكُونُ قِيَاسًا اتِّفَاقًا وَإِذَا وُجِدَ بِدُونِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ فَعِنْدَ الْبَعْضِ قِيَاسٌ وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا وَيُسَمَّى تَعْلِيلًا لَكِنَّهُ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا وَشَهَادَةُ الْأَصْلِ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا وَقَدْ تُوجَدُ بِدُونِ أَخِيرَيْ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ فَإِذَا وُجِدْت بِدُونِ التَّأْثِيرِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا وَيُسَمَّى غَرِيبًا أَيْ يُسَمَّى الْوَصْفُ الَّذِي يُوجَدُ فِي صُورَةٍ يُوجَدُ فِيهَا نَوْعُ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ غَرِيبًا
ــ
[التلويح]
النَّوْعِ فِي النَّوْعِ أَنَّهُ أَقْوَى الْكُلِّ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ حَتَّى يَكَادَ يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ إذْ لَا فَرْقَ إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ فَالْمُرَكَّبُ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ سَمَّى الْبَعْضُ) ذُكِرَ فِي بَعْضِ أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ الْغَرِيبَ مَا يُؤَثِّرُ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ كَالطَّعْمِ فِي الرِّبَا فَإِنَّ نَوْعَ الطَّعْمِ وَهُوَ الِاقْتِيَاتُ مُؤَثِّرٌ فِي رِبَوِيَّةِ الْبُرِّ وَلَمْ يُؤَثِّرْ جِنْسُ الطَّعْمِ فِي رِبَوِيَّةِ سَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ كَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْمُلَائِمُ هُوَ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ لَا يَخْلُو) أَيْ الْحُكْمُ بَعْدَ التَّعْلِيلِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ أَوْ لَا يَكُونَ فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَالْمُرَادُ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ أَوْ لَا يَكُونُ لِمَا ذَكَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ وَاعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ وَاعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ يَسْتَلْزِمُ شَهَادَةَ الْأَصْلِ وَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ شَهَادَةَ الْأَصْلِ بَلْ قَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ وَهَذَا مَعْنَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ مِنْ وَجْهٍ فَالتَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الَّذِي اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ أَوْ جِنْسُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ يَكُونُ قِيَاسًا لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ مَقِيسٌ، وَالْأَصْلُ الشَّاهِدُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الَّذِي اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ إذَا كَانَ مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِدُونِهَا فَهُوَ تَعْلِيلٌ مَشْرُوعٌ مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ عِنْدَ بَعْضِهِمْ يُسَمَّى قِيَاسًا وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ بِالرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ يَكُونُ قِيَاسًا وَبِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ لَا يَكُونُ قِيَاسًا بَلْ يَكُونُ بَيَانَ عِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْحُكْمِ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ لَا مَحَالَةَ وَلَكِنْ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ لِوُضُوحِهِ وَرُبَّمَا لَا يَقَعُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فَيُذْكَرُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْخِلَافُ فِي مُجَرَّدِ تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 580
فَالْغَرِيبُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَقْبُولٌ وَهُوَ الْوَصْفُ الَّذِي اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ وَالثَّانِي مَرْدُودٌ وَهُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يُوجَدُ جِنْسُهُ أَوْ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَكِنْ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ هَذَا الْوَصْفَ أَوْ لَا
(وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا التَّأْثِيرَ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْقِيَاسَ
(أَمْرٌ شَرْعِيٌّ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ فِي الْقِيَاسِ
(اعْتِبَارُ الشَّارِعِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ بِوَصْفٍ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ أَوْ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ
(وَلِأَنَّ الْعِلَلَ الْمَنْقُولَةَ لَيْسَتْ إلَّا مُؤَثِّرَةً كَقَوْلِهِ ﵊: «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ» وَقَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» وَلِانْفِجَارِ الدَّمِ مِنْ الْعِرْقِ
ــ
[التلويح]
بَلْ عِنْدَ الْبَعْضِ يَكُونُ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ مُسْتَلْزِمًا لِشَهَادَةِ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ، وَقَدْ لَا يُذْكَرُ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ عَلَى ظَاهِرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا وَجَدَ شَهَادَةَ الْأَصْلِ بِدُونِ التَّأْثِيرِ) يَعْنِي أَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ كُلٍّ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ لِلتَّأْثِيرِ وَحِينَئِذٍ يُسَمَّى الْوَصْفُ غَرِيبًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فَلَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا أَيْ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقَبُولِ هُوَ التَّأْثِيرُ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَكُنْ مُلَائِمًا فَإِنْ قُلْت الْمُلَائِمُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَهُوَ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ فَالْغَرِيبُ لَا يَكُونُ مُلَائِمًا قُلْتُ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ هُوَ اعْتِبَارُ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ عَلَى مَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِ الْمُؤَثِّرِ.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمُلَائِمِ هُوَ الْجِنْسُ الْبَعِيدُ فَالْغَرِيبُ بِمَعْنَى غَيْرِ الْمُؤَثِّرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُلَائِمًا فَظَهَرَ أَنَّ اسْمَ الْغَرِيبِ يُطْلَقُ عَلَى نَوْعَيْنِ مِنْ الْوَصْفِ أَحَدُهُمَا اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْبَعْضَ يُسَمِّي أَوَّلَ الْأَرْبَعَةِ غَرِيبًا وَالثَّلَاثَةَ الْبَاقِيَةَ مُلَائِمَةً وَهُوَ مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَثَانِيهِمَا مَا يُوجَدُ جِنْسُهُ أَوْ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَكِنْ لَا يُعْلَمُ اعْتِبَارُهُ، وَلَا إلْغَاؤُهُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ وَهُوَ مَرْدُودٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مُلَائِمًا خِلَافًا لِأَصْحَابِ الطَّرْدِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ إلَى إثْبَاتِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ بِدُونِ التَّأْثِيرِ بِأَنَّهَا قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ الْأَوَّلِينَ يَعْنِي اعْتِبَارَ النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ لِكَوْنِهَا أَعَمَّ مِنْهَا مُطْلَقًا وَبِدُونِ الْأَخِيرَيْنِ يَعْنِي اعْتِبَارَ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ لِكَوْنِهَا أَعَمَّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ فَتُوجَدُ بِدُونِ التَّأْثِيرِ فِي الْجُمْلَةِ لِانْحِصَارِهِ فِي الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ وَمَا يَتَرَكَّبُ مِنْهَا وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّحَقُّقَ بِدُونِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ التَّحَقُّقِ بِدُونِ الْمَجْمُوعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْأَخِيرَيْنِ وَبِالْعَكْسِ فَبِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدُ بِدُونِ التَّأْثِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اعْتَبِرْنَا التَّأْثِيرَ) فِي الْعِلَّةِ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ.
وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ. وَأُجِيبَ
стр. 581
وَهُوَ النَّجَاسَةُ تَأْثِيرٌ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَفِي عَدَمِ كَوْنِهِ حَيْضًا وَفِي كَوْنِهِ مَرَضًا لَازِمًا فَيَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي التَّخْفِيفِ وَقَوْلُهُ ﵊ «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ» الْحَدِيثَ وَغَيْرُهَا مِنْ أَقْيِسَةِ الرَّسُولِ ﵇ وَالصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعَلَى هَذَا قُلْنَا مَسْحُ الرَّأْسِ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَسْحًا مُؤَثِّرٌ فِي التَّخْفِيفِ حَتَّى لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَحَلَّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ رُكْنٌ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ فَغَيْرُ مَعْقُولٍ وَكَذَا جَعَلْنَا
ــ
[التلويح]
عَنْ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ أَمْرًا شَرْعِيًّا لَا يَقْتَضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا لُزُومُ أَنْ يَثْبُتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ نَوْعَ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ عَلَى مَا فَسَّرْتُمْ بِهِ التَّأْثِيرَ فَمَمْنُوعٌ، وَلِمَ لَا يَكْفِي الْجِنْسُ الْبَعِيدُ وَحُصُولُ الظَّنِّ بِوُجُوهٍ أُخَرَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ؟ كَيْفَ وَقَدْ جَوَّزْتُمْ الْعَمَلَ بِغَيْرِ الْمُؤَثِّرِ أَيْضًا وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى أَنَّ الْأَقْيِسَةَ الْمَنْقُولَةَ كُلَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلَلٍ مَعْقُولَةٍ مُنَاسِبَةٍ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ بَلْ فِي التَّأْثِيرِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ الْمَنْقُولَةِ قَدْ اُعْتُبِرَتْ الْأَجْنَاسُ الْبَعِيدَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الْوَصْفِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ بَلْ بِوُجُوهٍ أُخَرَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّأْثِيرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا يُقَابِلُ الطَّرْدَ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا مُلَائِمًا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُؤَثِّرًا بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ لَا وَحِينَئِذٍ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ النَّظَرِ فِي كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْمُقَامِ وَمِنْ تَقْرِيرِهِمْ التَّأْثِيرَ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَفِي قَوْلِهِ ﵊ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ» لِجِنْسِ الطَّوْفِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ فِي التَّخْفِيفِ وَإِثْبَاتِ الطَّهَارَةِ وَرَفْعِ النَّجَاسَةِ كَمَنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ فِي الْمَخْمَصَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْيَدِ وَالْفَمِ لِلضَّرُورَةِ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْهِرَّةُ مِنْ الطَّوَّافِينَ لَمْ يُمْكِنْ الِاحْتِرَازُ عَنْ سُؤْرِهَا إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ النَّجَاسَةِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَمَا فِي حِلِّ الْمَيِّتَةِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» لِانْفِجَارِ الدَّمِ وَوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى النَّجَاسَةِ أَثَّرَ فِي وُجُوبِ طَهَارَةٍ وَفِي عَدَمِ كَوْنِ انْفِجَارِ الدَّمِ حَيْضًا وَفِي كَوْنِهِ مَرَضًا لَازِمًا مُؤَثِّرًا فِي التَّخْفِيفِ، أَمَّا فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصْلُحُ لِلْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّبِّ إلَّا طَاهِرًا، وَأَمَّا فِي عَدَمِ كَوْنِهِ حَيْضًا فَلِأَنَّ الْحَيْضَ دَمٌ ثَبَتَ عَادَةً رَاتِبَةً فِي بَنَاتِ آدَمَ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْحَامِهِنَّ وَانْفِجَارُ دَمِ الْعِرْقِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا مُوقِعًا فِي الْحَرَجِ الْمُوجِبِ لِإِسْقَاطِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ، وَأَمَّا فِي كَوْنِهِ مَرَضًا فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهَا إمْسَاكُهُ وَرَدُّهُ فَيَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي التَّخْفِيفِ بِأَنْ يُحْكَمَ مَعَ وُجُودِهِ بِقِيَامِ الطَّهَارَةِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ إذْ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الطَّهَارَةُ لِكُلِّ حَدَثٍ لَبَقِيَتْ مَشْغُولَةً بِالطَّهَارَةِ
стр. 582
الصِّغَرَ عِلَّةً لِلْوِلَايَةِ بِخِلَافِ الْبَكَارَةِ وَأَيْضًا قُلْنَا صَوْمُ رَمَضَانَ مُتَعَيَّنٌ فَلَا يَجِبُ التَّعْيِينُ وَقَدْ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ) أَيْ تَأْثِيرُ الْمُتَعَيَّنِ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ
(فِي الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ) فَإِنَّ رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ وَغَيْرُ هَذَا وَلَمَّا كَانَ هَذَا الرَّدُّ مُتَعَيَّنًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُهُ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الرَّدُّ هُوَ رَدُّ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّ رَدَّهَا مُطْلَقًا يُصْرَفُ إلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ رَدُّ الْوَدِيعَةِ
(وَفِي النَّقْلِ) فَإِنَّهُ إذَا نَوَى فِي غَيْرِ رَمَضَانَ صَوْمًا مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ إلَى النَّقْلِ لَتَعَيُّنِهِ فَفِي رَمَضَانَ يَنْصَرِفُ إلَى صَوْمِ رَمَضَانَ لِتَعَيُّنِهِ
(فَإِنَّ فَرْضَ رَمَضَانَ فِيهِ كَالنَّقْلِ فِي غَيْرِهِ
ــ
[التلويح]
أَبَدًا وَلَمْ تَفْرُغْ لِلصَّلَاةِ قَطْعًا وَفِي قَوْلِهِ ﵊ «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ أَكَانَ يَضُرُّكَ» ، لِعَدَمِ قَضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ أَثَرٌ فِي عَدَمِ انْتِقَاضِ الصَّوْمِ فَكَمَا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْأَكْلِ كَذَلِكَ الْقُبْلَةُ مُقَدِّمَةُ شَهْوَةِ الْفَرْجِ وَلَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ لَا صُورَةً لِعَدَمِ إيلَاجِ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ، وَلَا مَعْنًى لِعَدَمِ الْإِنْزَالِ فَفِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ التَّأْثِيرُ بِمَعْنَى اعْتِبَارِ النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ.
(قَوْلُهُ وَغَيْرُهَا) أَيْ وَكَغَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَقْيِسَةِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَقْيِسَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﵊ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ «أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ أَكُنْتَ شَارِبَهُ» كَذَا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَايَةُ تَقْرِيرِهِ أَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ وَهُوَ أَنَّ الصَّدَقَةَ مُطَهِّرَةُ الْأَوْزَارِ وَالْآثَامِ فَكَانَتْ وَسَخًا بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَمَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَخْذٌ بِمَعَالِي الْأُمُورِ فَكَذَلِكَ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ تَعْظِيمٌ لَهُمْ وَإِكْرَامٌ وَاخْتِصَاصٌ بِمَعَالِي الْأُمُورِ، وَكَمَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَاحْتَجَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِتَمْثِيلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى مَعْنًى مُؤَثِّرٍ هُوَ الْقَرَابَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ الِاتِّصَالُ بِالْمَيِّتِ بِطَرِيقِ الْجُزْئِيَّةِ فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا مَثَلُ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ مَثَلُ شَجَرَةٍ أَنْبَتَتْ غُصْنًا ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْ الْغُصْنِ فَرْعَانِ فَالْقُرْبُ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْقُرْبِ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَالْأَصْلِ لِأَنَّ الْغُصْنَ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَالْأَصْلِ وَاسِطَةٌ، وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ فَهَذَا يَقْتَضِي رُجْحَانَ الْأَخِ عَلَى الْجَدِّ إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَالْأَصْلِ جُزْئِيَّةً وَبَعْضِيَّةً لَيْسَتْ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ نَفْسِهِمَا فَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا تَرْجِيحٌ فَاسْتَوَيَا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَثَلُ الْجَدِّ مَعَ الْأَخَوَيْنِ كَمَثَلِ نَهْرٍ يَنْشَعِبُ مِنْ وَادٍ ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ جَدْوَلٌ وَمَثَلُ الْأَخَوَيْنِ كَمَثَلِ نَهْرَيْنِ يَنْشَعِبَانِ مِنْ وَادٍ فَالْقُرْبُ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الْمُتَشَعِّبَيْنِ مِنْ الْوَادِي أَكْثَرُ مِنْ الْقُرْبِ بَيْنَ الْوَادِي وَالْجَدْوَلِ بِوَاسِطَةِ النَّهْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَ الْأَبِ أَبًا اعْتَبَرَ أَحَدَ طَرَفَيْ الْقَرَابَةِ وَهُوَ طَرَفُ الْأَصَالَةِ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ فِي الْقُرْبِ.
(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا) الْأَصْلِ وَهُوَ اعْتِبَارُ التَّأْثِيرِ جُزْئِيًّا فِي أَقْيِسَتِنَا
стр. 583
وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ احْتَجُّوا بِالتَّقْسِيمِ فِيهِ) أَيْ عَلَى الْعِلِّيَّةِ فِي الْقِيَاسِ
(وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْعِلَّةُ إمَّا هَذَا أَوْ هَذَا أَوْ هَذَا وَالْأَخِيرَانِ بَاطِلَانِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِرًا لَا يُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ حَاصِرًا بِأَنْ يُثْبِتَ عَدَمَ عِلِّيَّةِ الْغَيْرِ) أَيْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي رَدَّدَ فِيهَا
(بِالْإِجْمَاعِ مَثَلًا) إنَّمَا قَالَ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُثْبِتَ عَدَمَ عِلِّيَّةِ الْغَيْرِ بِالنَّصِّ
(بَعْدَمَا ثَبَتَ تَعْلِيلُ هَذَا النَّصِّ يُقْبَلُ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْوِلَايَةِ، إمَّا الصِّغَرُ أَوْ الْبَكَارَةُ فَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُمَا وَبِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ عَدَمَ عِلِّيَّةِ الْفَارِقِ لِيُثْبِتَ عِلِّيَّةَ الْمُشْتَرَكِ) الْفَارِقُ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ وَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِمَا
(وَعُلَمَاؤُنَا ﵏ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِهَذَيْنِ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهِمَا يَكُونُ مَرْجِعُهُمَا إلَى النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ
ــ
[التلويح]
فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَعَلَّلْنَا بِالْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَإِنَّ لِلْمَسْحِ أَثَرًا فِي التَّخْفِيفِ فَإِنَّهُ أَيْسَرُ مِنْ الْغَسْلِ وَيَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ كَمَا فِي الْمَغْسُولَاتِ بِخِلَافِ الرُّكْنِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّكْرَارِ وَإِبْطَالِ التَّخْفِيفِ وَكَوْنِ التَّثْلِيثِ سُنَّةً اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الرُّكْنِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْقُوَّةِ وَالْحَصَانَةِ وَوُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ فَيُنَاسِبُ التَّكْرَارَ لِيَحْصُلَ بِالْيَقِينِ أَوْ بِظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْهُ.
وَكَذَا الصِّغَرُ مُؤَثِّرٌ فِي إثْبَاتِ الْوِلَايَةِ فَإِنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ لَمْ تُشْرَعُ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ عَجْزِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ فِي الصِّغَرِ دُونَ الْبَكَارَةِ، وَكَذَا تَعْيِينُ الصَّوْمِ الْفَرْضِ فِي رَمَضَانَ مُؤَثِّرٌ فِي إسْقَاطِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَادَةِ، وَتَعْيِينُهَا إنَّمَا هُوَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْجِهَاتِ الْمُتَزَاحِمَةِ فَحَيْثُ لَا تَزَاحُمَ لَا حَاجَةَ إلَى التَّعْيِينِ بِخِلَافِ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ تَأْثِيرُهَا فِي إيجَابِ التَّعْيِينِ.
(قَوْلُهُ: وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ) قَدْ اشْتَهَرَ فِيمَا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْأَصْلِ الصَّالِحَةِ لِلْعِلِّيَّةِ فِي عَدَدٍ، ثُمَّ إبْطَالُ عِلِّيَّةِ بَعْضِهَا لِتَثْبُتَ عِلِّيَّةُ الْبَاقِي فَيَكُونَ هُنَاكَ مَقَامَانِ أَحَدُهُمَا بَيَانُ الْحَصْرِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ سِوَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَيُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ وَتَدَيُّنَهُ مِمَّا يُغَلِّبُ ظَنَّ عَدَمِ غَيْرِهِ إذْ لَوْ وُجِدَ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَيْرِ وَحِينَئِذٍ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُبَيِّنَ وَصْفًا آخَرَ وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُبْطِلَ عِلِّيَّتَهُ وَإِلَّا لَمَا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيمَا أَحْصَاهُ فَيَلْزَمُ انْقِطَاعُهُ. وَثَانِيهِمَا إبْطَالُ عِلِّيَّةِ بَعْضِ الْأَوْصَافِ وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا الظَّنُّ وَذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ فِي صُورَةٍ فَلَوْ اسْتَقَلَّ بِالْعِلِّيَّةِ لَانْتَفَى الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهِ.
الثَّانِي كَوْنُ الْوَصْفِ مِمَّا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ فِي الشَّرْعِ إمَّا مُطْلَقًا كَاخْتِلَافٍ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ الْمَبْحُوثِ فِيهِ كَالِاخْتِلَافِ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي الْعِتْقِ.
الثَّالِثُ عَدَمُ ظُهُورِ الْمُنَاسَبَةِ فَيَكْفِي لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ مُنَاسَبَةً، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ ظُهُورِ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ؛ لِأَنَّ
стр. 584
أَوْ الْمُنَاسَبَةِ وَبِالدَّوَرَانِ وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ وُجُودُ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُوَرِ وُجُودِ الْوَصْفِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ قِيَاسَ النَّصِّ فِي الْحَالَيْنِ) أَيْ فِي حَالِ وُجُودِ الْوَصْفِ وَعَدَمِهِ
(وَلَا حُكْمَ لَهُ نَظِيرُهُ أَنَّ الْمَرْءَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِذَا قَعَدَ وَهُوَ مُحْدِثٌ يَجِبُ فَعُلِمَ أَنَّ الْوُجُوبَ دَائِرٌ مَعَ الْحَدَثِ) فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا وُجُوبَ الْوُضُوءِ دَائِرًا مَعَ الْحَدَثِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَالنَّصُّ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ حَالِ وُجُودِ الْحَدَثِ وَحَالِ عَدَمِهِ وَلَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يُوجِبُ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَكُلَّمَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَجِبْ أَمَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْعَدَمُ عَلَى مَا مَرَّ فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَمُوجِبُ النَّصِّ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالَيْنِ أَمَّا حَالُ عَدَمِ الْحَدَثِ فَإِنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْقِيَامُ مَعَ عَدَمِ الْحَدَثِ يَجِبُ
ــ
[التلويح]
التَّقْدِيرَ أَنَّهُ عَدْلٌ أَخْبَرَ عَمَّا لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا خَبَرُهُ وَحِينَئِذٍ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ فِي الْوَصْفِ الَّذِي يَدَّعِي الْمُسْتَدِلُّ أَنَّهُ عِلَّةٌ يَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ وَالْمُتَمَسِّكُونَ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لَا يَشْتَرِطُونَ إثْبَاتَ التَّعْلِيلِ فِي كُلِّ نَصٍّ بَلْ يَكْفِي عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ وَأَنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ إمَّا وُجُوبًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِمَّا تَفْضِيلًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ غَيْرِهِمْ وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ الْكُلِّيَّةِ فَالتَّعْلِيلُ هُوَ الْغَالِبُ فِي الْأَحْكَامِ وَإِلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يَشْتَرِطُونَ فِي بَيَانِ الْحَصْرِ إثْبَاتَ عَدَمِ الْغَيْرِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ لِحُصُولِ الظَّنِّ بِدُونِ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَسَالِكِ الْقَطْعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَيَكُونُ مَرْجِعُهُ إلَيْهِمَا، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّ الْإِخَالَةَ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ وَهِيَ الْمُسَمَّى بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ أَيْ تَنْقِيحِ مَا عَلَّقَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِهِ وَمَآلُهُ إلَى التَّقْسِيمِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ وَهِيَ إمَّا الْوَصْفُ الْفَارِقُ أَوْ الْمُشْتَرَكُ لَكِنَّ الْفَارِقَ مُلْغًى فَيَتَعَيَّنُ الْمُشْتَرَكُ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِثُبُوتِ عِلَّتِهِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّظَرَ وَالِاجْتِهَادَ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ أَيْ عِلَّتِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَحْقِيقِهِ أَوْ تَنْقِيحِهِ أَوْ تَخْرِيجِهِ، أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فَهُوَ النَّظَرُ وَالِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ اسْتِنْبَاطٍ، وَلَا يُعْرَفُ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَعْلُومَةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَأَمَّا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ فَهُوَ النَّظَرُ فِي تَعْيِينِ مَا دَلَّ النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ بِخِلَافِ الْأَوْصَافِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الِاعْتِبَارِ كَمَا بَيَّنَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِكَوْنِهِ ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ مِنْ الْأَعْرَابِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَتَعَيَّنَ وَطْءُ الْمُكَلَّفِ الصَّائِمِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا وَهَذَا النَّوْعُ وَإِنْ
стр. 585
الْوُضُوءُ وَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَأَمَّا حَالُ وُجُودِ الْحَدَثِ فَلِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ أَمَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ فَلِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ هُوَ مَدْلُولُ النَّصِّ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ لَكِنْ جَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ حُكْمَ النَّصِّ مَجَازًا فَعُلِمَ بِهَذَا عِلِّيَّةُ الْحَدَثِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ النَّصِّ أَصْلًا
(قَوْلُهُ ﵊ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَإِنَّهُ يَحِلُّ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ عِنْدَ فَرَاغِ الْقَلْبِ وَلَا يَحِلُّ عِنْدَ شَغْلِهِ بِغَيْرِ الْغَضَبِ، لَهُمْ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ
ــ
[التلويح]
أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكَرِي الْقِيَاسِ فَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ فَهُوَ النَّظَرُ فِي إثْبَاتِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ دُونَ عِلَّتِهِ كَالنَّظَرِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ السُّكْرِ عِلَّةً لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَهَذَا فِي الرُّتْبَةِ دُونَ النَّوْعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَلِهَذَا أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ بِالدَّوَرَانِ) احْتَجَّ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ بِدَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَهُ أَيْ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ وُجُودًا وَيُسَمَّى الطَّرَدُ وَبَعْضُهُمْ وُجُودًا وَعَدَمًا وَيُسَمَّى الطَّرَدُ وَالْعَكْسُ كَالتَّحْرِيمِ مَعَ السُّكْرِ فَإِنَّ الْخَمْرَ يُحَرَّمُ إذَا كَانَ مُسْكِرًا وَتَزُولُ حُرْمَتُهُ إذَا زَالَ إسْكَارُهُ بِصَيْرُورَتِهِ خَلًّا وَشَرَطَ الْبَعْضُ وُجُودَ النَّصِّ فِي حَالَتَيْ وُجُودِ الْوَاصِفِ وَعَدَمِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ أَيْ لِلنَّصِّ وَذَلِكَ لِدَفْعِ احْتِمَالِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الِاسْمِ وَتَعَيُّنِ إضَافَتِهِ إلَى مَعْنَى الْوَصْفِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِلْعَصِيرِ إذَا اشْتَدَّ وَيُسَمَّى خَمْرًا وَتَزُولُ عِنْدَ زَوَالِ الشِّدَّةِ وَالِاسْمِ، فَإِذَا كَانَ الِاسْمُ قَائِمًا فِي الْحَالَيْنِ وَدَارَ الْحُكْمُ مَعَ الْوَصْفِ زَالَ شُبْهَةُ عِلِّيَّةِ الِاسْمِ وَتَعَيَّنَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَإِلَّا لَمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ النَّصِّ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ جُعِلَ هَذَا الْحُكْمُ حُكْمَ النَّصِّ مَجَازًا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إذْ لَا يَكُونُ النَّصُّ قَائِمًا عِنْدَ الْوَصْفِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ مُوجِبٌ لَا نَفْيًا، وَلَا إثْبَاتًا، وَلَا يَتَنَاوَلُ أَصْلًا مَثَلًا إذَا لَمْ يَقُمْ إلَى الصَّلَاةِ بَلْ قَعَدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ إلَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ عَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ مَبْنِيًّا عَلَى عَدَمِ دَلِيلِ الْوُجُودِ فَيُجْعَلُ مِنْ حُكْمِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ حَيْثُ عَبَّرَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ الْمُسْتَنِدِ إلَى النَّصِّ عَنْ مُطْلَقِ عَدَمِ الْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ) يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ قَائِمٌ فِي حَالِ الْغَضَبِ بِدُونِ شَغْلِ الْقَلْبِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ الَّذِي هُوَ حُرْمَةُ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ وَأَيْضًا النَّصُّ قَائِمٌ فِي حَالِ عَدَمِ الْغَضَبِ وَشَغْلِ الْقَلْبِ بِنَحْوِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ الَّذِي هُوَ إبَاحَةُ الْقَضَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْغَضَبِ إمَّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ بِالنُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْقَضَاءِ وَيُجْعَلُ مِنْ حُكْمِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ مَجَازًا.
(قَوْلُهُ: وَالْوُجُودُ عِنْدَ الْوُجُودِ) كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ
стр. 586
فَلَا حَاجَةَ إلَى مَعْنًى يُعْقَلُ قُلْنَا نَعَمْ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّهُمْ مُبْتَلُونَ بِنِسْبَةِ الْأَحْكَامِ إلَى الْعِلَلِ كَنِسْبَةِ الْمِلْكِ إلَى الْبَيْعِ وَالْقِصَاصِ إلَى الْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ مَعَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ، وَالْوُجُودُ عِنْدَ الْوُجُودِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ اتِّفَاقًا وَقَدْ يَقَعُ فِي الْعَلَامَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا أَيْضًا) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ الْوُجُودُ عِنْدَ الْوُجُودِ لِلْعِلِّيَّةِ
(؛ لِأَنَّ التَّخَلُّفَ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ فِيهَا ثُمَّ الْعِلَّةُ عَيْنُ ذَلِكَ الْوَصْفِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِهَا، وَذَلِكَ الْوَصْفُ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ) اعْلَمْ أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ أَمَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَلِأَنَّ الشَّيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَالْحُكْمُ تَخَلَّفَ عَنْهُ لِمَانِعٍ وَهَذَا التَّخَلُّفُ لَا يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ الْوَصْفِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ فَالْوَصْفُ يَكُونُ جُزْءًا لِلْعِلَّةِ فَمَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ التَّخَلُّفَ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ فِيهَا أَنَّ التَّخَلُّفَ لِمَانِعٍ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْوَصْفِ جُزْءًا لِلْعِلَّةِ
(وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَقِيَامُ النَّصِّ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ أَمْرٌ لَا يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا فِي بَابِ الْقِيَاسِ وَأَيْضًا هُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ الْحَدَثُ بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ فِي الْخَلَفِ ذِكْرٌ فِي الْأَصْلِ وَلِأَنَّ
ــ
[التلويح]
يَقُولَ الْوُجُودُ عِنْدَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ اتِّفَاقٍ كُلِّيٍّ أَوْ تَلَازُمِ تَعَاكُسٍ أَوْ يَكُونَ الْمَدَارُ لَازِمُ الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطًا مُسَاوِيًا لَهَا فَلَا يُقَيِّدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا احْتِمَالٌ وَاحِدٌ وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ إذَا وُجِدَ الدَّوَرَانُ مَعَ غَيْرِ مَانِعٍ مِنْ الْعِلِّيَّةِ مِنْ مَعِيَّةٍ كَمَا فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ أَوْ تَأَخُّرٍ كَمَا فِي الْمَعْلُولِ وَالْعِلَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي شَرْطِ الْمُسَاوِي فَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِحُصُولِ الظَّنِّ بَلْ الْقَطْعُ بِالْعِلِّيَّةِ كَمَا إذَا دُعِيَ إنْسَانٌ بِاسْمٍ مُغْضِبٍ فَغَضِبَ ثُمَّ تُرِكَ فَلَمْ يَغْضَبْ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى إنَّ مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ كَالْأَطْفَالِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَتَّبِعُونَهُ فِي الطُّرُقِ وَيَدْعُونَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي حُصُولِ الظَّنِّ بِمُجَرَّدِ الدَّوْرَانِ وَهُوَ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمِثَالِ مَمْنُوعٌ إذْ لَوْلَا انْتِفَاءُ ظُهُورِ غَيْرِ ذَلِكَ إمَّا بِأَنَّهُ بَحَثَ عَنْهُ فَلَمْ يُوجَدْ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ لَمَّا حَصَلَ الظَّنُّ غَايَتَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ غَيْرِهِ وَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ هَذَا إنْكَارٌ لِلضَّرُورِيِّ وَقَدْحٌ فِي جَمِيعِ التَّجْرِيبِيَّاتِ فَإِنَّ الْأَطْفَالَ يَقْطَعُونَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ بِمَا ذَكَرْتُمْ وَأَهْلُ النَّظَرِ كَالْمُجْتَمِعِينَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَادَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَثَلِ أَنَّ دَوَرَانَ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ آيَةُ كَوْنِ الْمَدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْعَقْلِيَّةَ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمَصَالِحِ فَلَا بُدَّ فِي بَيَانِ عِلَلِهَا مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ اعْتِبَارٍ مِنْ
стр. 587
الْمَعْنَى إذَا قُمْتُمْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ، وَالنَّوْمُ دَلِيلُ الْحَدَثِ وَلَمَّا كَانَ الْمَاءُ مُطَهِّرًا دَلَّ عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ فَاكْتَفَى فِيهِ) أَيْ فِي الْمَاءِ يَعْنِي فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ
(بِدَلَالَةِ النَّصِّ) أَيْ عَلَى وُجُودِ الْحَدَثِ
(وَاخْتَارَ فِي التَّيَمُّمِ التَّصْرِيحَ) أَيْ بِوُجُودِ الْحَدَثِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]
(وَأَيْضًا فِيهِ إيمَاءٌ) أَيْ فِي النَّصِّ إشَارَةٌ
(إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِنْدَ عَدَمِ الْحَدَثِ سُنَّةٌ لِكَوْنِهِ ائْتِمَارًا لِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ الْحَدَثِ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَهَذَا وَجْهٌ آخَرُ لِتَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالْحَدَثِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّصْرِيحِ بِهِ فِي التَّيَمُّمِ
(وَالْغَضَبُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ شَغْلِ الْقَلْبِ وَلَا يَحِلُّ الْقَضَاءُ إلَّا بَعْدَ سُكُونِهِ) هَذَا مَنْعٌ
ــ
[التلويح]
الشَّارِعَ إذْ فِي الْقَوْلِ بِالطَّرَدِ فَتْحٌ لَبَابِ الْجَهْلِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الشَّرْعِ (قَوْلَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا أَيْضًا) زِيَادَةُ تَنْبِيهٍ عَلَى بُعْدِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الدَّوْرَانِ وَالْعِلِّيَّةِ يَعْنِي أَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَلْزُومِ لِلْعِلِّيَّةِ فَكَذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ لَهَا لِجَوَازِ أَنْ لَا يُوجَدُ الْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الظَّاهِرَةِ بِنَاءً عَلَى مَانِعٍ أَوْ عَلَى عَدَمِ تَمَامِهَا حَقِيقَةً وَأَنْ لَا يَنْعَدِمَ عِنْدَ عَدَمِهَا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِهِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى كَالْحَدِيثِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْكَلَامِ إنَّ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ كَمَا أَنَّ الْعَدَمَ عِنْدَ الْوُجُودِ وَالْوُجُودَ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا اعْتِبَارًا لِحَالَةِ الْمُوَافَقَةِ بِحَالَةِ الْمُخَالَفَةِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ (قَوْلُهُ: وَقِيَامُ النَّصِّ) إشَارَةٌ إلَى بُطْلَانِ كَلَامِ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ وَذَلِكَ أَنَّ مَا اشْتَرَطُوا مِنْ قِيَامِ النَّصِّ فِي الْحَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَمْرٌ لَا يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا، وَلَا عِبْرَةَ بِالنَّادِرِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا فِيمَا هُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ بِأَنْ يُبْتَنَى عَلَيْهِ ثُبُوتُ الْعِلِّيَّةِ عَلَى أَنَّ وُجُودَهُ بِطَرِيقِ النُّدْرَةِ أَيْضًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورِينَ قِيَامَ النَّصِّ فِي الْحَالَيْنِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ أَمَّا فِي الْآيَةِ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ قِيَامَ النَّصِّ بِدُونِ الْحُكْمِ حَالَ انْتِفَاءِ الْحَدَثِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ النَّصُّ مُقَيَّدًا بِالْحَدَثِ وَمُقَيَّدًا لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِشَرْطِ وُجُودِ الْحَدَثِ وَبَيَانِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اشْتِرَاطَ الْحَدَثِ فِي وُجُوبِ الْبَدَلِ وَهُوَ التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] اشْتِرَاطٌ لَهُ فِي وُجُوبِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْوُضُوءُ إذْ الْبَدَلُ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ بِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا يُفَارِقُهُ بِحَالِهِ بِأَنْ يَجِبَ فِي حَالٍ لَا يَجِبُ فِيهَا الْأَصْلُ وَبِالْجُمْلَةِ لَمَّا رَتَّبَ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ عَلَى وُجُودِ الْحَدَثِ عِنْد فَقْدِ الْمَاءِ فُهِمَ أَنَّ وُجُوبَ التَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحَدَثِ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ النَّصِّ مُتَعَذِّرٌ لِاقْتِضَائِهِ وُجُوبَ التَّوَضُّؤِ عِنْدَ كُلِّ قِيَامٍ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ، أَيْ: إذَا قُمْتُمْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ أَوْ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ مُحَدِّثِينَ، وَالْقِيَامُ مِنْ الْمَضْجَعِ كِنَايَةٌ عَنْ التَّنَبُّهِ مِنْ النَّوْمِ، وَالنَّوْمُ دَلِيلُ الْحَدَثِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُ الْحَدَثِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ
стр. 588
لِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ يَحِلُّ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ عِنْدَ فَرَاغِ الْقَلْبِ فَمَا ذَكَرَ أَنَّ النَّصَّ قَائِمٌ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ مَمْنُوعٌ أَمَّا حَالَ وُجُودِ الْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقَضَاءُ إلَّا بَعْدَ سُكُونِ النَّفْسِ عَنْ الْغَضَبِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمَتْنِ وَأَمَّا حَالَ عَدَمِ الْوَصْفِ وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْمَتْنِ فَعِنْدَنَا لَا دَلَالَةَ لِلنَّصِّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ وَكَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يَثْبُتُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ وَقَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَحِلُّ عِنْدَ شَغْلِ الْقَلْبِ بِغَيْرِ الْغَضَبِ فَيَثْبُتُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ صِحَّةِ
ــ
[التلويح]
النَّصِّ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُضْمَرِ وَإِطْلَاقُ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ إمَّا لُغَوِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ النَّصِّ أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ أَوْ التَّغْلِيبِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقِيَامَ مِنْ الْمَضْجَعِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى النَّوْمِ دَلَالَةً لَا عِبَارَةً وَهَذَا أَنْسَبُ فَإِنْ قِيلَ لِلْبَدَلِ حُكْمُ الْأَصْلِ فَكَانَتْ قَضِيَّةُ التَّرْتِيبِ أَنْ يُصَرِّحَ بِالْحَدَثِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ وَيُكْتَفَى بِالدَّلَالَةِ فِي وُجُوبِ التَّيَمُّمِ فَلَمَّا عُكِسَتْ أُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ فَإِيجَابُ اسْتِعْمَالِهِ دَلَّ عَلَى وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى إزَالَتِهَا بِخِلَافِ إيجَابِ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ مُلَوَّثٌ لَا يَقْتَضِي سَابِقَةَ حَدَثٍ فَصَرَّحَ مَعَهُ بِالْحَدَثِ الثَّانِي أَنَّ فِي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالْحَدَثِ فِي نَصِّ الْوُضُوءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِ الْأَمْرِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِدُونِ الْحَدَثِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْإِيجَابِ عِنْدَ الْحَدَثِ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَعَلَى النَّدْبِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَدَثِ عَمَلًا بِظَاهِرِ إطْلَاقِهِ وَتَرَكَ هَذَا الْإِيمَاءَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَلْ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ فَصَرَّحَ مَعَهُ بِذِكْرِ الْحَدَثِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَعْتَبِرُهُ الْبُلَغَاءُ فِي تَرْكِيبِهِمْ مِنْ الرُّمُوزِ لَا عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ الْأَمْرَ لِلْمُحْدِثِ إيجَابًا وَلِغَيْرِهِ نَدْبَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ مَعْنَيَاهُ الْمُخْتَلِفَانِ فَإِنْ قُلْت مَبْنَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْوُضُوءِ هُوَ الْحَدَثُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ سَبَبَهُ إرَادَةُ الصَّلَاةِ لَا الْحَدَثُ. قُلْتُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْدِيرِ أَيْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْحَدَثُ فَهِيَ لَمْ تَثْبُتْ بِالدَّوَرَانِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، وَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ حُكْمِ النَّصِّ وَهُوَ حُرْمَةُ الْقَضَاءِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ وَهُوَ الْغَضَبُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ وُجِدَ الْغَضَبُ بِدُونِ شَغْلِ الْقَلْبِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ كَيْفَ وَالْغَضْبَانُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ بِمَعْنَى الْمُمْتَلِئِ غَضَبًا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الزَّجَّاجِ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ فَرَاغُ الْقَلْبِ مَا دَامَ غَضْبَانَ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ مَنْعُ قِيَامِ النَّصِّ فِي الْحَالَيْنِ مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْبَعْضِ إلَّا أَنَّهُ تَعَرَّضَ فِي الشَّرْحِ لِحَالِ الْعَدَمِ أَيْضًا زِيَادَةً لِتَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ يَعْنِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِنْ حُكْمِ هَذَا النَّصِّ حِلُّ الْقَضَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْغَضَبِ وَإِنَّمَا يَكُونَ كَذَلِكَ لَوْ تَحَقَّقَ شَرَائِطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ
стр. 589
مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَلَا يَكُونُ النَّصُّ حِينَئِذٍ دَالًّا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ فَبَطَلَ قَوْلُهُ: إنَّ النَّصَّ قَائِمٌ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ.
(فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ كَإِحْدَاثِ تَصَرُّفٍ مُوجِبٍ لِلْمِلْكِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ إحْدَاثُ تَصَرُّفٍ يَكُونُ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْمِلْكِ
(وَقَوْلُنَا الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ بِالنَّصِّ وَهُوَ نَهْيٌ عَنْ الرِّبَا وَالرِّيبَةِ) جَوَابُ إشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ بِالْقِيَاسِ شَيْئًا هُوَ عِلَّةٌ لِحُرْمَةِ النَّسَاءِ وَهُوَ الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ أَيْ بِدُونِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا النَّصَّ وَهُوَ قَوْلُ الرَّاوِي نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الرِّبَا وَالرِّيبَةِ، وَالرِّيبَةُ: الشَّكُّ وَالْمُرَادُ بِالرِّيبَةِ هُنَا شُبْهَةُ الرِّبَا وَشُبْهَةُ الرَّبَّا ثَابِتَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ مَوْجُودًا أَوْ قَدْ بَاعَ نَسِيئَةً؛ لِأَنَّ لِلنَّقْدِ مَزِيَّةً عَلَى النَّسِيئَةِ
(وَكَوْنُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَكَذَا الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عِنْدَهُمَا) أَيْ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ فَلَا يَرِدُ حِينَئِذٍ إشْكَالٌ
(وَصِفَتِهَا) بِالْجَرِّ أَيْ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْعِلَّةِ
(كَإِثْبَاتِ السَّوْمِ
ــ
[التلويح]
مَمْنُوعٌ.
[فَصْلٌ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّعْدِيَةَ حُكْمٌ لَازِمٌ لِلتَّعْلِيلِ عِنْدَنَا جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ إلَّا لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ فَيَكُونُ التَّعْلِيلُ وَالْقِيَاسُ وَاحِدًا وَعَنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ لِزِيَادَةِ الْقَبُولِ وَسُرْعَةِ الْوُصُولِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى حِكْمَةِ الشَّارِعِ فَيُوجَدُ التَّعْلِيلُ بِدُونِ الْقِيَاسِ، وَالْكَلَامُ فِي التَّعْلِيلِ الْغَيْرِ الْمَنْصُوصِ ثُمَّ جُمْلَةُ مَا يَقَعُ التَّعْلِيلُ لِأَجْلِهٍ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ إثْبَاتُ السَّبَبِ أَوْ وَصْفُهُ. الثَّانِي إثْبَاتُ الشَّرْطِ أَوْ وَصْفِهِ. الثَّالِثُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ أَوْ وَصْفُهُ. الرَّابِعُ تَعْدِيَةُ حُكْمٍ مَشْرُوعٍ مَعْلُومٍ بِصِفَتِهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ يُمَاثِلُهُ فِي التَّعْلِيلِ فَالتَّعْلِيلُ مُخْتَصٌّ بِالتَّعْدِيَةِ لَا يَجُوزُ لِأَجْلِ إثْبَاتِ سَبَبٍ أَوْ صِفَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، وَلَا لِإِثْبَاتِ شَرْطٍ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ صِفَتِهِ بِحَيْثُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا إبْطَالٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَنَسْخٌ لَهُ بِالرَّأْيِ، وَلَا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَتِهِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ نَصْبُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا إذَا وُجِدَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ صَالِحٌ لِلتَّعْلِيلِ فَيُعَلَّلُ وَيَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ إثْبَاتَ سَبَبٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ وَصْفِهِمَا أَوْ إثْبَاتَ حُكْمٍ آخَرَ مِثْلَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَغَيْرِهِمَا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ التَّعْلِيلَ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ أَوْ الشَّرْطِ أَوْ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِثْلِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ بِطَرِيقِ التَّعْدِيَةِ مِنْ أَصْلٍ مَوْجُودٍ فِي الشَّرْعِ ثَابِتٍ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْلِيلِ لِإِثْبَاتِ السَّبَبِيَّةِ أَوْ الشَّرْطِيَّةِ بِطَرِيقِ التَّعْدِيَةِ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ كَوْنُ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ آخَرُ عِلَّةً أَوْ شَرْطًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ قِيَاسًا عَلَى الشَّيْءِ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَحْقِيقِ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ مِثْلُ أَنْ تُجْعَلَ اللِّوَاطَةُ سَبَبًا
стр. 590
فِي الْأَنْعَامِ وَلِإِثْبَاتِ الشَّرْطِ أَوْ صِفَتِهِ كَالشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ) هَذَا نَظِيرُ إثْبَاتِ الشَّرْطِ
(وَكَكَوْنِهِمْ رِجَالًا أَوْ مُخْتَلِطَةً) نَظِيرُ إثْبَاتِ صِفَةِ الشَّرْطِ
(وَلِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَوْ صِفَتِهِ كَصَوْمِ بَعْضِ الْيَوْمِ) نَظِيرُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ
(وَكَصِفَةِ الْوِتْرِ) نَظِيرُ إثْبَاتِ صِفَةِ الْحُكْمِ
(؛ لِأَنَّ فِيهِ نَصْبَ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَيَصِحُّ كَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ) أَيْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀
(فَإِنَّ لَهُ) أَيْ لِاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀
(أَصْلًا وَهُوَ الصَّرْفُ وَلِجَوَازِهِ بِدُونِهِ أَصْلًا) أَيْ لِجَوَازِ الْبَيْعِ بِدُونِ التَّقَابُضِ عِنْدَنَا أَصْلًا
(وَهُوَ بَيْعُ سَائِرِ السِّلَعِ) فَالْحَاصِلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ التَّقَابُضِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَإِنْ كَانَ إثْبَاتَ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ لَهُ أَصْلٌ وَهُوَ بَيْعُ الصَّرْفِ وَعَدَمُ اشْتِرَاطِهِ عِنْدَنَا كَذَلِكَ يُوجَدُ لَهُ أَصْلٌ وَهُوَ بَيْعُ سَائِرِ السِّلَعِ
(فَالتَّعْلِيلُ لَا يَصِحُّ إلَّا لِلتَّعْدِيَةِ هَذَا مَا قَالُوا) إنَّمَا
ــ
[التلويح]
لِوُجُوبِ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى الزِّنَا وَتُجْعَلَ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبَيْنِ إلَى امْتِنَاعِهِ، وَبَعْضُهُمْ إلَى جَوَازِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ وَأَتْبَاعِهِ فَلِهَذَا احْتَاجُوا إلَى التَّفْصِيلِ وَالْإِشَارَةِ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ وَالشَّرْطِ فِي أَنَّهَا تَجُوزُ أَنْ تَثْبُتَ بِالتَّعْلِيلِ إنْ وُجِدَ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَتَمْتَنِعُ إنْ لَمْ يُوجَدْ وَقَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ دُونَ إثْبَاتِ السَّبَبِ أَوْ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ عِلَّةِ الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَخْتَلِفُ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ أَوْ الشَّرْطِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ يُتَصَوَّرُ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَيْسَ بِمُثْبِتٍ فَمُسَلَّمٌ وَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ بِالْقِيَاسِ بَلْ يُعْرَفُ بِهِ السَّبَبُ وَالشَّرْطُ كَمَا يُعْرَفُ بِهِ الْحُكْمُ، وَاحْتِجَاجُ الْفَرِيقَيْنِ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ وَمَقْصُودُ هَذَا الْفَصْلِ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ الْقَوْمِ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَقَوْلُنَا الْجِنْسُ قَدْ تَوَهَّمَ) وُرُودُ الْإِشْكَالِ بِأَنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ بِالْقِيَاسِ عِلِّيَّةَ مُجَرَّدِ الْجِنْسِ لِحُرْمَةِ الرِّبَا وَعِلِّيَّةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعِلِّيَّةَ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَأَجَابَ بِأَنَّا لَمْ نُثْبِتْ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِالنَّصِّ عِبَارَةً فِي الْأَوَّلِ وَدَلَالَةً فِي الْأَخِيرَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَحْثِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَلَمْ يُورِدْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْمُقَامِ مَسْأَلَةَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَلَا مَسْأَلَةَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُمَا مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ النَّصّ دُونَ الْقِيَاسِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ لَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ أَنَّهُ يَصِحُّ إثْبَاتُ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ إذَا وُجِدَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَهَاهُنَا الْوِقَاعُ أَصْلٌ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْقَتْلُ بِالسَّيْفِ أَصْلٌ لِلْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ
стр. 591
قُلْتُ هَذَا؛ لِأَنِّي نَقَلْت هَذَا الْفَصْلَ عَنْ أُصُولِ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ وَلَمْ أَدْرِ مَا مُرَادُهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا فَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا هَذِهِ الْجُمْلَةَ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ وَأَمَّا إذَا وُجِدَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا إذَا كَانَ لَهَا أَصْلٌ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَا فَائِدَةَ فِي تَفْصِيلِهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْلُومٌ مِنْ تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُتَّحِدَةٍ
(وَالْحَقُّ إثْبَاتُ الْعِلَّةِ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيَّتَهَا لِمَعْنًى آخَرَ يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ فَكُلُّ شَيْءٍ يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى يُحْكَمُ بِعَلِيَّتِهِ لَكِنْ لَا يَكُونُ هَذَا إثْبَاتَ الْعِلَّةِ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ) فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْلِيلًا بِالْمُرْسَلِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.
(فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ فَالْخَفِيُّ يُسَمَّى بِالِاسْتِحْسَانِ لَكِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ
ــ
[التلويح]
فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يُورِدَ هَذَا إشْكَالًا عَلَى إثْبَاتِ السَّبَبِ بِالتَّعْلِيلِ فِيمَا لَا يُوجَدُ لَهُ أَصْلٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ ﵀ مِنْ أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إثْبَاتُ السَّبَبِ بِالْقِيَاسِ فَأُورِدَ الْقَتْلُ بِالْمُثْقَلِ إشْكَالًا فَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُبَيِّنُ سَبَبِيَّةَ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ قِيَاسًا عَلَى سَبَبِيَّةِ الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ بَلْ نُبَيِّنُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ سَوَاءٌ كَانَ بِالسَّيْفِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَالسَّبَبُ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ حُرْمَةِ الرِّبَا بِالْجِنْسِ فَأَوْرَدَهَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ مِثَالًا لَا إشْكَالًا فَقَالَ أَمَّا تَفْسِيرُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْ بَيَانُ إثْبَاتِ الْمُوجِبِ فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْجِنْسِ بِانْفِرَادِهِ إنَّهُ يَحْرُمُ النَّسِيئَةُ، وَهَذَا خِلَافٌ وَقَعَ فِي الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ فَلَمْ يَصِحَّ إثْبَاتُهُ، وَلَا نَفْيُهُ بِالرَّأْيِ إذْ لَا نَجِدُ أَصْلًا نَقِيسُهُ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ الْكَلَامُ فِيهِ بِالنَّصِّ عِبَارَةً أَوْ إشَارَةً أَوْ دَلَالَةً أَوْ اقْتِضَاءً وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ حُرْمَةُ الْفَضْلِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ وَوَجَدْنَا حُرْمَةَ الرِّبَا حُكْمًا يَسْتَوِي فِيهِ شُبْهَتُهُ بِحَقِيقَتِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الرِّبَا وَالرِّيبَةِ» وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ الْبَيْعِ مُجَازَفَةً كَبَيْعِ صُبْرَةِ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةٍ بِاعْتِبَارِ تَسَاوِيهِمَا فِي رَأْيِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَوَجَدْنَا فِي النَّسِيئَةِ شُبْهَةَ الْفَضْلِ وَهِيَ الْحُلُولُ إذْ النَّقْدُ خَيْرٌ مِنْ النَّسِيئَةِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فَضْلًا مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ لَكِنَّهُ ثَبَتَ بِصُنْعِ الْعَبْدِ فَاعْتُبِرَ كَمَا فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْفَضْلِ مِنْ جِهَةِ الْجَوْدَةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى فَجَعَلَ عَفْوَ التَّعَذُّرِ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ وَلَمَّا كَانَتْ الْعِلَّةُ هِيَ الْقَدْرَ وَالْجِنْسَ أَخَذَ الْجِنْسَ شُبْهَةَ الْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَطْرُ الْعِلَّةِ فَأَثْبَتْنَا بِهِ شُبْهَةَ الرِّبَا احْتِيَاطًا فَيَثْبُتُ سَبَبِيَّةُ الْجِنْسِ لِحُرْمَةِ النَّسِيئَةِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ الْمُوجِبِ لِسَبَبِيَّةِ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ لِحُرْمَةِ حَقِيقَةِ الْقَدْرِ.
(قَوْلُهُ وَالْحَقُّ) فِي مَسْأَلَةِ إثْبَاتِ
стр. 592
الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ) فَإِنَّ كُلَّ قِيَاسٍ خَفِيٍّ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ قِيَاسًا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَيْضًا كَمَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ لَكِنَّ الْغَالِبَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ الِاسْتِحْسَانُ أُرِيدَ بِهِ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ
(وَهُوَ دَلِيلٌ يُقَابِلُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ) هَذَا تَفْسِيرُ الِاسْتِحْسَانِ وَبَعْضُ النَّاسِ تَحَيَّرُوا فِي تَعْرِيفِهِ، وَتَعْرِيفُهُ الصَّحِيحُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ دَلِيلٌ يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ.
وَقَوْلُهُ الَّذِي يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ تَفْسِيرٌ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ (وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي هِيَ حُجَّةٌ إجْمَاعًا ضَمِيرٌ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الِاسْتِحْسَانِ)
ــ
[التلويح]
الْعِلَّةِ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ عِلِّيَّةُ شَيْءٌ لِحُكْمِ بِنَاءٍ عَلَى مَعْنًى صَالِحٍ لِتَعْلِيلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا أَوْ مُلَائِمًا فَكُلُّ شَيْءٍ يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرُ أَوْ الْمُلَائِمُ فَهُوَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ بِمَا هُوَ مِنْ مُسَالِكِ الْعِلَّةِ فَتَكُونُ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً تَتَعَدَّدُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ مَثَلًا إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ هَتْكُ الْحُرْمَةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَكْلِ فَيَحْكُمُ بِأَنَّهُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ عِلِّيَّةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِلْحُكْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِمَالِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ وَجَدَ مُجَرَّدَ مُنَاسَبَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِعِلِّيَّةِ الْحُكْمِ لَمْ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِعِلِّيَّةِ شَيْءٍ آخَرَ يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ قِيَاسًا عَلَى مَا ثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ بِالْمُرْسَلِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ، وَلَا مُلَائَمَتُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِالْقِيَاسِ فَيَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْمُرْسَلِ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ التَّأْثِيرَ أَوْ الْمُلَاءَمَةَ.
[فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) فِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ فِي اللُّغَةِ عَدُّ الشَّيْءِ حَسَنًا، وَقَدْ كَثُرَ فِيهِ الْمُدَافَعَةُ وَالرَّدُّ عَلَى الْمُدَافِعِينَ وَمَنْشَؤُهُمَا عَدَمُ تَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْفَرِيقَيْنِ وَمَبْنَى الطَّعْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْجُرْأَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِحْسَانِ يُرِيدُونَ بِهِ مَا هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ يُرِيدُونَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ حُكْمًا بِأَنَّهُ مُسْتَحْسَنٌ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مِنْ الشَّارِعِ فَهُوَ الشَّارِعُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ الشَّارِعِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الِاسْتِحْسَانِ مَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلنِّزَاعِ إذْ لَيْسَ النِّزَاعُ فِي التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَنُقِلَ عَنْ الْأَئِمَّةِ إطْلَاقُ الِاسْتِحْسَانِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنْ يَدِ السِّقَاءِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ أَسْتَحْسِنُ فِي الْمُتْعَةِ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَأَسْتَحْسِنُ تَرْكَ شَيْءٍ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ
стр. 593
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ الْعَمَلَ بِالِاسْتِحْسَانِ جَهْلًا مِنْهُمْ فَإِنْ أَنْكَرُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ وَإِنْ أَنْكَرُوهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَبَاطِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَعْنِي بِهِ دَلِيلًا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَيُعْمَلُ بِهِ إذَا كَانَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ
(؛ لِأَنَّهُ إمَّا بِالْأَثَرِ كَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَبَقَاءِ الصَّوْمِ فِي النِّسْيَانِ وَإِمَّا بِالْإِجْمَاعِ كَالِاسْتِصْنَاعِ وَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ، وَذَكَرُوا لَهُ) أَيْ لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ
(قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ) أَيْ تَأْثِيرُهُ
(وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ صِحَّتُهُ وَخَفِيَ فَسَادُهُ) أَيْ إذَا نَظَرْنَا إلَيْهِ بَادِئَ النَّظَرِ نَرَى صِحَّتَهُ ثُمَّ إذَا تَأَمَّلْنَا حَقَّ التَّأَمُّلِ عَلِمْنَا أَنَّهُ فَاسِدٌ
(وَلِلْقِيَاسِ) أَيْ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ (قِسْمَانِ
مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ وَمَا ظَهَرَ فَسَادُهُ وَخَفِيَ صِحَّتُهُ
ــ
[التلويح]
الْمَعْنَى فَقَدْ قِيلَ هُوَ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ يَعْسُرُ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ فَإِنْ أُرِيدَ بِالِانْقِدَاحِ الثُّبُوتُ فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، وَلَا أَثَرَ لَعَجْزِهِ عَنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ شَكٌّ فَلَا نِزَاعَ فِي بُطْلَانِ الْعَمَلِ وَقِيلَ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسٍ إلَى قِيَاسٍ أَقْوَى وَقِيلَ الْعُدُولُ إلَى خِلَافِ الظَّنِّ لِدَلِيلٍ أَقْوَى، وَلَا نَزَالُ فِي قَبُولِ ذَلِكَ وَقِيلَ تَخْصِيصُ الْقِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ فَيَرْجِعُ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ﵀ هُوَ الْعُدُولُ فِي مَسْأَلَةٍ عَنْ مِثْلِ مَا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِهَا إلَى خِلَافِهِ بِوَجْهٍ هُوَ أَقْوَى وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّخْصِيصُ وَالنَّسْخُ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ هُوَ تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ بِوَجْهٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ شَامِلٍ عَنْ تَرْكِ الْعُمُومِ إلَى الْخُصُوصِ وَبِقَوْلِهِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَنْ الْقِيَاسِ فِيمَا إذَا قَالُوا لَوْ تَرَكْنَا الِاسْتِحْسَانَ بِالْقِيَاسِ وَأَوْرَدَ عَلَى هَذِهِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِحْسَانِ بِالْقِيَاسِ يَكُونُ عُدُولًا عَنْ الْأَقْوَى إلَى الْأَضْعَفِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِانْضِمَامِ مَعْنًى آخَرَ إلَى الْقِيَاسِ يَصِيرُ بِهِ أَقْوَى وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِحْسَانِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى مَا يَهْوَاهُ الْإِنْسَانُ وَيَمِيلُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَحًا عِنْدَ الْغَيْرِ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَانَ إنْكَارُ الْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِمَعْنَاهُ مُسْتَحْسَنًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْهُ إذْ لَا وَجْهَ لِقَبُولِ الْعَمَلِ بِمَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ.
[لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ قِسْمَيْنِ]
وَبَعْدَمَا اسْتَقَرَّتْ الْآرَاءُ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِدَلِيلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ نَصًّا كَانَ أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا خَفِيًّا إذَا وَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ تَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ حَتَّى لَا يُطْلَقَ عَلَى نَفْسِ الدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ تَصَوُّرِ خِلَافٍ ثُمَّ إنَّهُ غَلَبَ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِ عَلَى الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ خَاصَّةً كَمَا غَلَبَ اسْمُ الْقِيَاسِ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ تَمْيِيزًا بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْفُرُوعِ فَإِطْلَاقُ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عِنْدَ وُقُوعِهِمَا فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ شَائِعٌ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْقِيَاسِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ
стр. 594
فَأَوَّلُ ذَلِكَ رَاجِحٌ عَلَى أَوَّلِ هَذَا) أَيْ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ رَاجِحٌ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهُوَ مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ وَاعْلَمْ أَنَّا إذَا ذَكَرْنَا الْقِيَاسَ نُرِيدُ بِهِ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَإِذَا ذَكَرْنَا الِاسْتِحْسَانَ نُرِيدُ بِهِ الْقِيَاسَ الْخَفِيَّ فَلَا تَنْسَ هَذَا الِاصْطِلَاحَ
(لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْأَثَرُ لَا الظُّهُورُ وَثَانِي هَذَا عَلَى ثَانِي ذَلِكَ) أَيْ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ وَخَفِيَ صِحَّتُهُ رَاجِحٌ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ صِحَّتُهُ وَخَفِيَ فَسَادُهُ
(فَالْأَوَّلُ) وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيَاسِ كَسُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ قِيَاسًا عَلَى سُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، طَاهِرٌ اسْتِحْسَانًا لَأَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ عَظْمٌ طَاهِرٌ. وَالثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْقِيَاسِ
(كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ تُؤَدَّى بِالرُّكُوعِ قِيَامًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الرُّكُوعَ مَقَامَ السَّجْدَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِالسُّجُودِ فَلَا تُؤَدَّى بِالرُّكُوعِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ فَعَمِلْنَا بِالصِّحَّةِ الْبَاطِنَةِ فِي الْقِيَاسِ وَهِيَ أَنَّ
ــ
[التلويح]
لَا يُتَمَسَّكُ بِهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ ظُهُورِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ.
(قَوْلُهُ: وَذَكَرُوا لَهُ) قِسْمَيْنِ الصِّحَّةُ تُقَارِبُ الْأَثَرَ وَالضَّعْفُ يُقَارِبُ الْفَسَادَ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ تَقَابُلُ الْقِسْمَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسِ وَالْمُرَادُ بِظُهُورِ الصِّحَّةِ فِي الِاسْتِحْسَانِ ظُهُورُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى فَسَادِ الْخَفِيِّ وَهُوَ لَا يُنَافِي خَفَاءَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْقِيَاسِ وَالْمُرَادُ بِخَفَاءِ الصِّحَّةِ فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ خَفَاؤُهَا بِأَنْ يَنْضَمَّ إلَى وَجْهِ الْقِيَاسِ مَعْنًى دَقِيقٌ يُورِثُهُ قُوَّةً وَرُجْحَانًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَى الرُّجْحَانِ هَاهُنَا تَعَيُّنُ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْمَرْجُوحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ الْأَوْلَوِيَّةُ حَتَّى يَجُوزَ الْعَمَلُ بِالْمَرْجُوحِ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) يَعْنِي أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ مِنْ الْبَازِي وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهِمَا نَجِسٌ قِيَاسًا عَلَى سُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ لِمُخَالَطَتِهِ بِاللُّعَابِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمٍ نَجِسٍ. فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ لَحْمَ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْغِذَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلضَّرُورَةِ أَوْ الِاسْتِخْبَاثِ أَوْ الِاحْتِرَامِ آيَةُ النَّجَاسَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي السَّبُعِ مَا لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ طَاهِرٌ كَالْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالشَّعْرِ وَمَا يُؤْكَلُ وَهُوَ نَجَسٌ كَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ أَشْبَهَ دُهْنًا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَجُعِلَ لَهُ حُكْمٌ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّتَيْنِ بِأَنْ حُرِّمَ أَكْلُهُ وَتَنَجَّسَ لُعَابُهُ لَكِنْ جَازَ بَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَمْ تُجْعَلْ نَجَاسَةُ سِبَاعِ الطَّيْرِ أَيْضًا بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي سِبَاعِ الْبَهَائِمِ دُونَ الطُّيُورِ فَاحْتِيجَ فِيهَا إلَى الْقِيَاسِ وَهَذَا قِيَاسٌ ضَعِيفُ الْأَثَرِ قَلِيلُ الصِّحَّةِ لِقُصُورِ عِلَّةِ التَّنَجُّسِ فِي الْفَرْعِ أَعْنِي الْمُخَالَطَةَ، وَقَدْ قَابَلَهُ اسْتِحْسَانٌ قَوِيُّ الْأَثَرِ
стр. 595
السُّجُودَ غَيْرُ مَقْصُودٍ هُنَا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ مَا يَصْلُحُ تَوَاضُعًا مُخَالَفَةً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) . وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَوْنَ السُّجُودِ يُؤَدَّى بِالرُّكُوعِ حُكْمًا ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ وَعَدَمَهُ حُكْمًا ثَابِتًا بِالِاسْتِحْسَانِ وَلَا أَدْرِي خُصُوصِيَّةَ الْأَوَّلِ بِالْقِيَاسِ وَالثَّانِي بِالِاسْتِحْسَانِ فَلِهَذَا أَوْرَدْتُ مِثَالًا آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ
(وَكَمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ذِرَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَفِي الْقِيَاسِ يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ السَّلَمِ فَيُوجِبُ التَّحَالُفَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ بَلْ فِي وَصْفِهِ وَذَا لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ لَكِنْ عَمِلْنَا بِالصِّحَّةِ الْبَاطِنَةِ لِلْقِيَاسِ وَهِيَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْوَصْفِ هُنَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ فِي الْأَصْلِ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي ذِرَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَفِي الْقِيَاسِ يَتَحَالَفَانِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ السَّلَمِ فَيُوجِبُ التَّحَالُفَ كَمَا فِي الْمَبِيعِ. فَهَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ يَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ ثُمَّ إذَا نَظَرْنَا عَلِمْنَا أَنَّهُمَا مَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ بَلْ فِي وَصْفِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الذِّرَاعِ، وَالذِّرَاعُ وَصْفٌ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الذِّرَاعِ تُوجِبُ جَوْدَةً فِي الثَّوْبِ بِخِلَافِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِذَا كَانَ الذِّرَاعُ وَصْفًا وَالِاخْتِلَافُ فِي الْوَصْفِ لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ فَهَذَا الْمَعْنَى أَخْفَى مِنْ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ هَذَا اسْتِحْسَانًا وَالْأَوَّلُ قِيَاسًا هَذَا مَا ذَكَرُوهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى انْحِصَارِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي هَذَيْنِ
ــ
[التلويح]
يَقْتَضِي طَهَارَةَ سُؤْرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِالْمِنْقَارِ عَلَى سَبِيلِ الْأَخْذِ ثُمَّ الِابْتِلَاعِ وَالْمِنْقَارُ عَظْمٌ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ جَافٌّ لَا رُطُوبَةَ فِيهِ فَلَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ فَيَكُونُ سُؤْرُهُ طَاهِرًا كَسُؤْرِ الْآدَمِيِّ وَالْمَأْكُولِ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّجَاسَةِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ فِي الْآلَةِ الشَّارِبَةِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا أَنَّ سِبَاعَ الطُّيُورِ لَا تَحْتَرِزُ عَنْ الْمَيْتَةِ وَالنَّجَاسَةِ كَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ.
(قَوْلُهُ وَالثَّانِي) لَمَّا كَانَ عَدَمُ تَأَدِّي الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْإِتْيَانِ بِغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْرًا جَلِيًّا وَعَكْسُهُ أَمْرًا خَفِيًّا اشْتَبَهَ عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةُ جَعْلِ تَأَدِّي السَّجْدَةِ بِالرُّكُوعِ قِيَاسًا وَعَدَمِ تَأْدِيهَا بِهِ اسْتِحْسَانًا وَنُقِلَ عَنْهُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَازَ إقَامَةُ الرُّكُوعِ مَقَامَ السَّجْدَةِ ذِكْرًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ أَعْنِي اشْتِمَالَهَا عَلَى التَّعْظِيمِ وَالِانْحِنَاءِ فَجَازَ إقَامَتُهُ مَقَامَهُ فِعْلًا لِتِلْكَ الْمُنَاسَبَةِ وَهَذَا أَمْرٌ جَلِيٌّ تَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ فَيَكُونُ قِيَاسًا إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَنْ لَا يَتَأَدَّى بِهِ كَالسَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ لَا تَتَأَدَّى بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُسْنَهُ لِذَاتِهِ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا لِعَيْنِهِ فَلَا يَتَأَدَّى بِغَيْرِهِ وَهَذَا قِيَاسٌ خَفِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِ فَيَكُونُ اسْتِحْسَانًا، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ تَأَدِّي الْمَأْمُورِ بِهِ بِغَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَى أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَظْهَرُ وَأَجْلَى مِنْ تَأَدِّيهِ بِهِ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ إقَامَةِ اسْمِ الشَّيْءِ مَقَامَ اسْمِ غَيْرِهِ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالُ لَمَّا اشْتَمَلَ كُلٌّ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى التَّعْظِيمِ كَانَ الْقِيَاسُ فِيمَا وَجَبَ بِالتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَتَأَدَّى بِالرُّكُوعِ كَمَا يَتَأَدَّى بِالسُّجُودِ
стр. 596
الْقِسْمَيْنِ وَعَلَى انْحِصَارِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلِهَذَا أَوْرَدْت الْأَقْسَامَ الْمُمْكَنَةَ عَقْلًا وَقُلْتُ
(وَبِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ يَنْقَسِمُ كُلٌّ إلَى ضَعِيفِ الْأَثَرِ وَقَوِيِّهِ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ لَا يَرْجِعُ الِاسْتِحْسَانُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ) وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ ضَعِيفَ الْأَثَرِ وَالِاسْتِحْسَانُ قَوِيَّ الْأَثَرِ أَمَّا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْأُخَرَ فَالْقِيَاسُ رَاجِحٌ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ أَمَّا إذَا كَانَ الْقِيَاسُ قَوِيَّ الْأَثَرِ وَالِاسْتِحْسَانُ ضَعِيفَ الْأَثَرِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا إذَا كَانَا قَوِيِّينَ فَالْقِيَاسُ يَرْجُحُ لِظُهُورِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَا ضَعِيفَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يُسْقَطَ أَوْ يُعْمَلَ بِالْقِيَاسِ لِظُهُورِهِ فَلِهَذَا أَوْرَدْتُ الْحُكْمَ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَا يَرْجُحُ عَلَى الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَيَرْجُحُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ
(وَإِلَى صَحِيحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَفَاسِدِهِمَا وَصَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَالْعَكْسُ فَالْأَوَّلُ مِنْ الْقِيَاسِ يُرَجَّحُ عَلَى كُلِّ اسْتِحْسَانٍ وَثَانِيهِ مَرْدُودٌ بَقِيَ الْأَخِيرَانِ فَالْأَوَّلُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ صَحِيحُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يُرَجَّحُ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى قِيَاسٍ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَعَكْسِهِ، وَثَانِيهِ مَرْدُودٌ أَيْ ثَانِي الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ فَاسِدُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بَقِيَ الْأَخِيرَانِ أَيْ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ وَهُمَا صَحِيحُ الظَّاهِرِ فَاسِدُ الْبَاطِنِ وَعَكْسُهُ فَالتَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ إنْ وَقَعَ مَعَ خِلَافِ النَّوْعِ فَمَا ظَهَرَ فَسَادُهُ بَادِئَ
ــ
[التلويح]
لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أَيْ سَقَطَ سَاجِدًا فَهَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ فِيهِ فَسَادٌ ظَاهِرٌ هُوَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ، وَصِحَّةٌ خَفِيَّةٌ هِيَ أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لَمْ تَجِبْ قُرْبَةً مَقْصُودَةً وَلِهَذَا لَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ كَالطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ التَّوَاضُعُ وَمُخَالَفَةُ الْمُتَكَبِّرِينَ وَمُوَافَقَةُ الْمُطِيعِينَ عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَهَذَا حَاصِلٌ فِي الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السُّجُودُ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلرُّكُوعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنُوبَ الرُّكُوعُ عَنْهُ كَمَا لَا يَنُوبُ عَنْ السَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ مَعَ قُرْبِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَمُوجِبَاتِ التَّحْرِيمَةِ وَكَمَا لَا يَنُوبُ الرُّكُوعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ عَنْ السَّجْدَةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِجِهَةٍ أُخْرَى بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا قِيَاسٌ خَفِيٌّ يُسَمَّى اسْتِحْسَانًا وَفِيهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ هُوَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ تَأْدِيَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِغَيْرِهِ وَفَسَادٌ خَفِيٌّ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَقْصُودِ مُسَاوِيًا لِلْمَقْصُودِ فَعَمِلْنَا بِالصِّحَّةِ الْبَاطِنَةِ فِي الْقِيَاسِ وَجَعَلْنَا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ مُتَأَدِّيَةً بِالرُّكُوعِ سَاقِطَةً بِهِ كَمَا تَسْقُطُ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ الرُّكُوعِ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ عِبَادَةً وَبِخِلَافِ السَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا كَالرُّكُوعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] .
(قَوْلُهُ: بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ يَنْقَسِمُ) الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ تَارَةً
стр. 597
النَّظَرِ لَكِنْ إذَا تُؤُمِّلَ تَبَيَّنَ صِحَّتُهُ أَقْوَى مِمَّا كَانَ عَلَى الْعَكْسِ) اعْلَمْ أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَعَكْسِهِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ إنْ وَقَعَ مَعَ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَهَذَا فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يُعَارِضَ صَحِيحُ الظَّاهِرِ فَاسِدُ الْبَاطِنِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فَاسِدَ الظَّاهِرِ صَحِيحَ الْبَاطِنِ مِنْ الْقِيَاسِ وَثَانِيَتُهُمَا أَنْ يُعَارِضَ فَاسِدُ الظَّاهِرِ صَحِيحَ الْبَاطِنِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ صَحِيحَ الظَّاهِرِ فَاسِدَ الْبَاطِنِ مِنْ الْقِيَاسِ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ بَادِئَ النَّظَرِ لَكِنْ إذَا تُؤَمِّلَ تَبَيَّنَ صِحَّتُهُ أَقْوَى مِمَّا كَانَ عَلَى الْعَكْسِ سَوَاءٌ كَانَ قِيَاسًا أَوْ اسْتِحْسَانًا
(وَمَعَ اتِّحَادِهِ إنْ أَمْكَنَ فَالْقِيَاسُ أَوْلَى) أَيْ إنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ وَهُوَ أَنْ يُعَارِضَ اسْتِحْسَانٌ صَحِيحُ الظَّاهِرِ فَاسِدُ الْبَاطِنِ قِيَاسًا كَذَلِكَ أَوْ يُعَارِضَ اسْتِحْسَانٌ فَاسِدُ الظَّاهِرِ صَحِيحُ الْبَاطِنِ قِيَاسًا كَذَلِكَ يَكُونُ الْقِيَاسُ رَاجِحًا فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ تَعَارُضَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الِاسْتِحْسَانُ عَلَى صِفَةٍ كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا وَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ وَصْفًا مِنْ الْأَوْصَافِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ
ــ
[التلويح]
بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ أَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا قَوِيَّيْ الْأَثَرِ أَوْ ضَعِيفَيْ الْأَثَرِ أَوْ الْقِيَاسُ قَوِيًّا وَالِاسْتِحْسَانُ ضَعِيفًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَفِي الرَّابِعِ يَتَرَجَّحُ الِاسْتِحْسَانُ قَطْعًا وَفِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ تَرْجِيحِ الِاسْتِحْسَانِ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ فَفِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مُتَيَقَّنٌ لَا فِي الثَّانِي فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ سُقُوطَ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسِ لِضَعْفِهِمَا وَتَسْمِيَةُ الِاسْتِحْسَانِ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ خَفَائِهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنْ سَمَّيْنَا مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ قِيَاسًا وَمَا قَوِيَ أَثَرُهُ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ أَوْ فَاسِدَهُمَا أَوْ صَحِيحَ الظَّاهِرِ فَاسِدَ الْبَاطِنِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَفِي الْجَمِيعِ يَكُونُ الْقِيَاسُ جَلِيًّا بِمَعْنَى سَبْقِ الْأَفْهَامِ إلَيْهِ وَالِاسْتِحْسَانِ خَفِيًّا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَيَقَعُ التَّعَارُضُ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلْقِيَاسِ فِي الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلِاسْتِحْسَانِ فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يَكُونُ مَرْدُودًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ فَتَبْقَى ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ أَقْسَامِ الِاسْتِحْسَانِ فِي أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ فَالْأَوَّلُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ يَرْجُحُ عَلَيْهَا لِصِحَّتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالثَّانِي يُرَدُّ مُطْلَقًا لِفَسَادِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بَقِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ أَخِيرَيْ الِاسْتِحْسَانِ فِي أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ: الْأَوَّلُ تَعَارُضُ
стр. 598
الْوَصْفُ مُطْلَقًا أَوْ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِلَا مَانِعٍ يُوجَدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَكِنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْفَرْعِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يُعَارِضُهُ قِيَاسٌ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّرْعُ وَصْفًا آخَرَ عِلَّةً لِنَقِيضِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ثُمَّ يُوجَدُ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي الْفَرْعِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَلْزَمُ حُكْمُ الشَّرْعِ بِالتَّنَاقُضِ وَهَذَا مُحَالٌ عَلَى الشَّارِعِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ فَعُلِمَ أَنَّ تَعَارُضَ قِيَاسَيْنِ صَحِيحَيْنِ فِي الْوَاقِعِ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ لِجَهْلِنَا بِالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فَالتَّعَارُضُ لَا يَقَعُ بَيْنَ قِيَاسٍ قَوِيِّ الْأَثَرِ وَاسْتِحْسَانٍ كَذَلِكَ وَكَذَا لَا يَقَعُ بَيْنَ قِيَاسٍ صَحِيحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَبَيْنَ اسْتِحْسَانٍ كَذَلِكَ وَكَذَا لَا يَقَعُ بَيْنَ قِيَاسٍ فَاسِدِ الظَّاهِرِ صَحِيحِ الْبَاطِنِ وَبَيْنَ اسْتِحْسَانٍ كَذَلِكَ
(وَمَا ذَكَرُوا مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ فَعِنْدَ التَّحْقِيقِ دَاخِلٌ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الظَّاهِرِ أَوْ فَاسِدَ الظَّاهِرِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنَّهُ إذَا تُؤَمِّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ يَتَبَيَّنُ صِحَّتُهُ أَوْ يَتَبَيَّنُ فَسَادُهُ وَإِذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ مُنْحَصِرَةً فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَقَوِيُّ الْأَثَرِ وَضَعِيفُهُ
ــ
[التلويح]
الِاسْتِحْسَانِ الصَّحِيحِ الظَّاهِرِ الْفَاسِدِ الْبَاطِنِ وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدِ الظَّاهِرِ الصَّحِيحِ الْبَاطِنِ وَالثَّانِي بِالْعَكْسِ وَالثَّالِثُ تَعَارُضُ اسْتِحْسَانِ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَقِيَاسٌ كَذَلِكَ وَالرَّابِعُ تَعَارُضُ اسْتِحْسَانِ صَحِيحِ الْبَاطِنِ فَاسِدِ الظَّاهِرِ وَقِيَاسٌ كَذَلِكَ وَسُمِّيَ اتِّفَاقُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي صِحَّةِ الظَّاهِرِ وَفَسَادِ الْبَاطِنِ بِاتِّحَادِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّوْعِ وَحَكَمَ بِرُجْحَانِ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَبِرُجْحَانِ الْقِيَاسِ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَادَّعَى أَنَّ الظَّاهِرَ امْتِنَاعُ التَّعَارُضِ بَيْنَ قِيَاسٍ وَاسْتِحْسَانٍ يَتَّفِقَانِ فِي قُوَّةِ الْأَثَرِ أَوْ صِحَّةِ الْبَاطِنِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي صِحَّةِ الظَّاهِرِ أَوْ بِدُونِهِ وَبَعْدَ إقَامَةِ الدَّلِيلِ جَزَمَ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَمِنْ سَوْقِ الْكَلَامِ بِالْآخِرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ إذَا كَانَ الِاسْتِحْسَانُ عَلَى صِفَةٍ كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الصِّفَةِ مُقَيَّدًا بِالْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ الْبَاطِنَةِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي أَنَّ تَعَارُضَ قِيَاسٍ ضَعِيفِ أَوْ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَقَطْ أَوْ فَاسِدِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ فَقَطْ لِاسْتِحْسَانِ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ) أَيْ بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ مُطْلَقًا أَوْ بِلَا مَانِعٍ يُوجَدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرُوا) هَذَا كَلَامٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى؛ لِأَنَّ تَدَاخُلَ الْأَقْسَامِ ضَرُورِيٌّ فِيمَا إذَا قَسَّمَ الشَّيْءَ تَقْسِيمَاتٍ مُتَعَدِّدَةً بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ يُقَالُ اللَّفْظُ ثُلَاثِيٌّ أَوْ رُبَاعِيٌّ أَوْ خُمَاسِيٌّ وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ حَرْفٌ وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ مُعْرَبٌ أَوْ مَبْنِيٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَعَمْ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّعْفِ وَالْفَسَادِ
стр. 599
لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ قَطْعًا
(وَالْمُسْتَحْسَنُ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ يُعَدَّى لَا الْمُسْتَحْسَنُ بِغَيْرِهِ نَظِيرُهُ أَنَّ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ الْمُنْكِرُ وَعَلَيْهِمَا قِيَاسًا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ) أَيْ إنَّمَا يَحْلِفُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِقَبْضِ مَا هُوَ ثَمَنٌ فِي زَعْمِ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ زِيَادَةَ الثَّمَنِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا ظَاهِرًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمَتْنِ
(فَيُعَدَّى إلَى الْوَارِثِينَ) أَيْ إذَا اخْتَلَفَ وَارِثَا الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ تَحَالَفَ الْوَارِثَانِ.
(وَإِلَى الْإِجَارَةِ) أَيْ إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ تَحَالَفَا.
(وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَثُبُوتُهُ بِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَلَا يُعَدَّى إلَى الْوَارِثِ وَإِلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ وَالِاسْتِحْسَانُ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي) بَعْضُ النَّاسِ زَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا.
(فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ) أَيْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ مِنْهُ النَّقْضُ وَهُوَ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي صُورَةٍ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ وَدَفْعُهُ بِأَرْبَعِ طُرُقٍ أَيْ الْجَوَابُ عَنْهُ يَكُونُ بِأَرْبَعِ طُرُقٍ
(الْأَوَّلُ مَنْعُ
ــ
[التلويح]
وَاحِدٌ، وَكَذَا بِالْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ لَكَانَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مُسْتَدْرَكًا (قَوْلُهُ وَالْمُسْتَحْسَنُ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ دَلِيلٌ يُقَابِلُ قِيَاسًا جَلِيًّا سَوَاءٌ كَانَ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ ضَرُورَةً أَوْ قِيَاسًا خَفِيًّا فَهَاهُنَا يُرِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَالْمُسْتَحْسَنِ بِغَيْرِهِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ تَعَدَّى إلَى صُورَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْقِيَاسِ التَّعْدِيَةَ وَالثَّانِي لَا يَقْبَلُ التَّعْدِيَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ مَثَلًا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْكِرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ الْبَائِعُ أَيْضًا مُنْكِرًا. فَهَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ عَلَى سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ بِالِاسْتِحْسَانِ التَّحَالُفُ أَيْ وُجُوبُ الْيَمِينِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَمَّا قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ فَبِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُنْكِرُ وُجُوبَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَيَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَأَمَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ فَبِالْأَثَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَوُجُوبُ التَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَتَعَدَّى إلَى وَارِثَيْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُورِثِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ مَعْقُولٌ، وَكَذَا يَتَعَدَّى إلَى الْإِجَارَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَ
стр. 600
وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ نَحْوُ: خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عِلَّةُ الِانْتِقَاضِ فَنُوقِضَ بِالْقَلِيلِ فَيُمْنَعُ الْخُرُوجُ فِيهِ وَكَذَا وُجُودُ مِلْكِ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ يُوجِبُ مِلْكَهُ) أَوْ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ
(فَنُوقِضَ بِالْمُدَبَّرِ) أَيْ إذَا كَانَ مِلْكُ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ عِلَّةً لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ فَفِي غَصْبِ الْمُدَبَّرِ يَكُونُ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْحُكْمَ مُتَخَلِّفٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلِانْتِقَالِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ عِنْدَكُمْ
(فَيَمْنَعُ مِلْكَ بَدَلِهِ) أَيْ مِلْكَ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ بِأَنْ يُمْنَعَ فِي الْمُدَبَّرِ كَوْنُ بَدَلِهِ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَدَلَ الْعَيْنِ بَلْ بَدَلُ الْيَدِ الْفَائِتَةِ
(فَإِنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ بَلْ بَدَلٌ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ وَالثَّانِي مَنْعُ مَعْنَى الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي صَارَتْ الْعِلَّةُ عِلَّةً لِأَجْلِهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلَّةِ كَالثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْصُوصِ
(نَحْوُ: مَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَنُوقِضَ بِالِاسْتِنْجَاءِ فَيُمْنَعُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْمَسْحِ وَهُوَ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلِأَجْلِهِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ
(لَا يُسَنُّ فِي الْمَسْحِ التَّثْلِيثُ؛ لِأَنَّهُ لِتَوْكِيدِ التَّطْهِيرِ الْمَعْقُودِ فَلَا يُفِيدُ) أَيْ التَّثْلِيثُ
(فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَيُفِيدُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَالثَّالِثُ قَالُوا هُوَ الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ) وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ تَلَفَ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ
(وَذَكَرُوا لَهُ أَمْثِلَةً خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عِلَّةٌ لِلِانْتِقَاضِ
ــ
[التلويح]
الْقَصَّارُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ أَخْذِ الْقَصَّارِ فِي الْعَمَلِ تَحَالَفَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْلُحُ مُدَّعِيًا وَمُنْكِرًا وَالْإِجَارَةُ تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَهُوَ فِي التَّحَالُفِ ثُمَّ الْفَسْخُ دَفْعٌ لِلضَّرَرِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَمَّا وُجُوبُ التَّحَالُفِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْوَارِثِ وَلَا إلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى إذْ الْبَائِعُ لَا يُنْكِرُ شَيْئًا فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَهُوَ تَحَالُفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَهُوَ أَيْضًا يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ رَدُّ الْمَأْخُوذِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ أُرِيدَ رَدُّ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ إذْ الْفَسْخُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. فَإِنْ قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّعْدِيَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْدِيَةُ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ؟ . قُلْتُ الْمُعَدَّى بِالْحَقِيقَةِ هُوَ حُكْمُ أَصْلِ الِاسْتِحْسَانِ كَوُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا أَنَّ صُورَةَ التَّحَالُفِ وَجَرَيَانَ الْيَمِينِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَمَّا كَانَتْ حُكْمَ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ أُضِيفَتْ التَّعْدِيَةُ إلَيْهِ إذْ لَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ يَمِينُ الْمُنْكِرِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلَهُ: وَالِاسْتِحْسَانُ لَيْسَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ) هُوَ مَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ ثَابِتٌ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَفِي سَائِرِ الصُّوَرِ، وَقَدْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ
следующие страницы →