← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الْقِسْمَيْنِ وَعَلَى انْحِصَارِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلِهَذَا أَوْرَدْت الْأَقْسَامَ الْمُمْكَنَةَ عَقْلًا وَقُلْتُ (وَبِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ يَنْقَسِمُ كُلٌّ إلَى ضَعِيفِ الْأَثَرِ وَقَوِيِّهِ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ لَا يَرْجِعُ الِاسْتِحْسَانُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ) وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ ضَعِيفَ الْأَثَرِ وَالِاسْتِحْسَانُ قَوِيَّ الْأَثَرِ أَمَّا فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْأُخَرَ فَالْقِيَاسُ رَاجِحٌ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ أَمَّا إذَا كَانَ الْقِيَاسُ قَوِيَّ الْأَثَرِ وَالِاسْتِحْسَانُ ضَعِيفَ الْأَثَرِ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا إذَا كَانَا قَوِيِّينَ فَالْقِيَاسُ يَرْجُحُ لِظُهُورِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَا ضَعِيفَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يُسْقَطَ أَوْ يُعْمَلَ بِالْقِيَاسِ لِظُهُورِهِ فَلِهَذَا أَوْرَدْتُ الْحُكْمَ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَا يَرْجُحُ عَلَى الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَيَرْجُحُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ (وَإِلَى صَحِيحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَفَاسِدِهِمَا وَصَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَالْعَكْسُ فَالْأَوَّلُ مِنْ الْقِيَاسِ يُرَجَّحُ عَلَى كُلِّ اسْتِحْسَانٍ وَثَانِيهِ مَرْدُودٌ بَقِيَ الْأَخِيرَانِ فَالْأَوَّلُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ صَحِيحُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يُرَجَّحُ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى قِيَاسٍ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَعَكْسِهِ، وَثَانِيهِ مَرْدُودٌ أَيْ ثَانِي الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ فَاسِدُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بَقِيَ الْأَخِيرَانِ أَيْ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ وَهُمَا صَحِيحُ الظَّاهِرِ فَاسِدُ الْبَاطِنِ وَعَكْسُهُ فَالتَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ إنْ وَقَعَ مَعَ خِلَافِ النَّوْعِ فَمَا ظَهَرَ فَسَادُهُ بَادِئَ ــ [التلويح] لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤] أَيْ سَقَطَ سَاجِدًا فَهَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ فِيهِ فَسَادٌ ظَاهِرٌ هُوَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ، وَصِحَّةٌ خَفِيَّةٌ هِيَ أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لَمْ تَجِبْ قُرْبَةً مَقْصُودَةً وَلِهَذَا لَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ كَالطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ التَّوَاضُعُ وَمُخَالَفَةُ الْمُتَكَبِّرِينَ وَمُوَافَقَةُ الْمُطِيعِينَ عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الطَّهَارَةَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَهَذَا حَاصِلٌ فِي الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السُّجُودُ وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلرُّكُوعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنُوبَ الرُّكُوعُ عَنْهُ كَمَا لَا يَنُوبُ عَنْ السَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ مَعَ قُرْبِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَمُوجِبَاتِ التَّحْرِيمَةِ وَكَمَا لَا يَنُوبُ الرُّكُوعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ عَنْ السَّجْدَةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِجِهَةٍ أُخْرَى بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا قِيَاسٌ خَفِيٌّ يُسَمَّى اسْتِحْسَانًا وَفِيهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ هُوَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ تَأْدِيَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِغَيْرِهِ وَفَسَادٌ خَفِيٌّ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَقْصُودِ مُسَاوِيًا لِلْمَقْصُودِ فَعَمِلْنَا بِالصِّحَّةِ الْبَاطِنَةِ فِي الْقِيَاسِ وَجَعَلْنَا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ مُتَأَدِّيَةً بِالرُّكُوعِ سَاقِطَةً بِهِ كَمَا تَسْقُطُ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ الرُّكُوعِ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ عِبَادَةً وَبِخِلَافِ السَّجْدَةِ الصَّلَاتِيَّةِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا كَالرُّكُوعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] . (قَوْلُهُ: بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ يَنْقَسِمُ) الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ تَارَةً

стр. 597

النَّظَرِ لَكِنْ إذَا تُؤُمِّلَ تَبَيَّنَ صِحَّتُهُ أَقْوَى مِمَّا كَانَ عَلَى الْعَكْسِ) اعْلَمْ أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَعَكْسِهِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ إنْ وَقَعَ مَعَ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَهَذَا فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يُعَارِضَ صَحِيحُ الظَّاهِرِ فَاسِدُ الْبَاطِنِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ فَاسِدَ الظَّاهِرِ صَحِيحَ الْبَاطِنِ مِنْ الْقِيَاسِ وَثَانِيَتُهُمَا أَنْ يُعَارِضَ فَاسِدُ الظَّاهِرِ صَحِيحَ الْبَاطِنِ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ صَحِيحَ الظَّاهِرِ فَاسِدَ الْبَاطِنِ مِنْ الْقِيَاسِ فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ بَادِئَ النَّظَرِ لَكِنْ إذَا تُؤَمِّلَ تَبَيَّنَ صِحَّتُهُ أَقْوَى مِمَّا كَانَ عَلَى الْعَكْسِ سَوَاءٌ كَانَ قِيَاسًا أَوْ اسْتِحْسَانًا (وَمَعَ اتِّحَادِهِ إنْ أَمْكَنَ فَالْقِيَاسُ أَوْلَى) أَيْ إنْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ وَهُوَ أَنْ يُعَارِضَ اسْتِحْسَانٌ صَحِيحُ الظَّاهِرِ فَاسِدُ الْبَاطِنِ قِيَاسًا كَذَلِكَ أَوْ يُعَارِضَ اسْتِحْسَانٌ فَاسِدُ الظَّاهِرِ صَحِيحُ الْبَاطِنِ قِيَاسًا كَذَلِكَ يَكُونُ الْقِيَاسُ رَاجِحًا فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ تَعَارُضَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الِاسْتِحْسَانُ عَلَى صِفَةٍ كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا وَقَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ وَصْفًا مِنْ الْأَوْصَافِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ ــ [التلويح] بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ أَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا قَوِيَّيْ الْأَثَرِ أَوْ ضَعِيفَيْ الْأَثَرِ أَوْ الْقِيَاسُ قَوِيًّا وَالِاسْتِحْسَانُ ضَعِيفًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَفِي الرَّابِعِ يَتَرَجَّحُ الِاسْتِحْسَانُ قَطْعًا وَفِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ يُتَيَقَّنُ عَدَمُ تَرْجِيحِ الِاسْتِحْسَانِ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْقِيَاسِ فَفِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مُتَيَقَّنٌ لَا فِي الثَّانِي فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ سُقُوطَ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسِ لِضَعْفِهِمَا وَتَسْمِيَةُ الِاسْتِحْسَانِ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ خَفَائِهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنْ سَمَّيْنَا مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ قِيَاسًا وَمَا قَوِيَ أَثَرُهُ اسْتِحْسَانًا، وَأَمَّا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ أَوْ فَاسِدَهُمَا أَوْ صَحِيحَ الظَّاهِرِ فَاسِدَ الْبَاطِنِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَفِي الْجَمِيعِ يَكُونُ الْقِيَاسُ جَلِيًّا بِمَعْنَى سَبْقِ الْأَفْهَامِ إلَيْهِ وَالِاسْتِحْسَانِ خَفِيًّا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَيَقَعُ التَّعَارُضُ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلْقِيَاسِ فِي الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِلِاسْتِحْسَانِ فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يَتَرَجَّحُ عَلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يَكُونُ مَرْدُودًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ فَتَبْقَى ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ أَقْسَامِ الِاسْتِحْسَانِ فِي أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ فَالْأَوَّلُ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ يَرْجُحُ عَلَيْهَا لِصِحَّتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالثَّانِي يُرَدُّ مُطْلَقًا لِفَسَادِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بَقِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ أَخِيرَيْ الِاسْتِحْسَانِ فِي أَخِيرَيْ الْقِيَاسِ: الْأَوَّلُ تَعَارُضُ

стр. 598

الْوَصْفُ مُطْلَقًا أَوْ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِلَا مَانِعٍ يُوجَدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَكِنَّهُ وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْفَرْعِ فَيُوجَدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يُعَارِضُهُ قِيَاسٌ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الشَّرْعُ وَصْفًا آخَرَ عِلَّةً لِنَقِيضِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ثُمَّ يُوجَدُ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي الْفَرْعِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يَلْزَمُ حُكْمُ الشَّرْعِ بِالتَّنَاقُضِ وَهَذَا مُحَالٌ عَلَى الشَّارِعِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ فَعُلِمَ أَنَّ تَعَارُضَ قِيَاسَيْنِ صَحِيحَيْنِ فِي الْوَاقِعِ مُمْتَنِعٌ وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّعَارُضُ لِجَهْلِنَا بِالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ فَالتَّعَارُضُ لَا يَقَعُ بَيْنَ قِيَاسٍ قَوِيِّ الْأَثَرِ وَاسْتِحْسَانٍ كَذَلِكَ وَكَذَا لَا يَقَعُ بَيْنَ قِيَاسٍ صَحِيحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَبَيْنَ اسْتِحْسَانٍ كَذَلِكَ وَكَذَا لَا يَقَعُ بَيْنَ قِيَاسٍ فَاسِدِ الظَّاهِرِ صَحِيحِ الْبَاطِنِ وَبَيْنَ اسْتِحْسَانٍ كَذَلِكَ (وَمَا ذَكَرُوا مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ فَعِنْدَ التَّحْقِيقِ دَاخِلٌ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الظَّاهِرِ أَوْ فَاسِدَ الظَّاهِرِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنَّهُ إذَا تُؤَمِّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ يَتَبَيَّنُ صِحَّتُهُ أَوْ يَتَبَيَّنُ فَسَادُهُ وَإِذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ مُنْحَصِرَةً فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَقَوِيُّ الْأَثَرِ وَضَعِيفُهُ ــ [التلويح] الِاسْتِحْسَانِ الصَّحِيحِ الظَّاهِرِ الْفَاسِدِ الْبَاطِنِ وَالْقِيَاسُ الْفَاسِدِ الظَّاهِرِ الصَّحِيحِ الْبَاطِنِ وَالثَّانِي بِالْعَكْسِ وَالثَّالِثُ تَعَارُضُ اسْتِحْسَانِ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَاسِدِ الْبَاطِنِ وَقِيَاسٌ كَذَلِكَ وَالرَّابِعُ تَعَارُضُ اسْتِحْسَانِ صَحِيحِ الْبَاطِنِ فَاسِدِ الظَّاهِرِ وَقِيَاسٌ كَذَلِكَ وَسُمِّيَ اتِّفَاقُ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي صِحَّةِ الظَّاهِرِ وَفَسَادِ الْبَاطِنِ بِاتِّحَادِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِمَا فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّوْعِ وَحَكَمَ بِرُجْحَانِ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَبِرُجْحَانِ الْقِيَاسِ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَادَّعَى أَنَّ الظَّاهِرَ امْتِنَاعُ التَّعَارُضِ بَيْنَ قِيَاسٍ وَاسْتِحْسَانٍ يَتَّفِقَانِ فِي قُوَّةِ الْأَثَرِ أَوْ صِحَّةِ الْبَاطِنِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي صِحَّةِ الظَّاهِرِ أَوْ بِدُونِهِ وَبَعْدَ إقَامَةِ الدَّلِيلِ جَزَمَ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَمِنْ سَوْقِ الْكَلَامِ بِالْآخِرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ إذَا كَانَ الِاسْتِحْسَانُ عَلَى صِفَةٍ كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الصِّفَةِ مُقَيَّدًا بِالْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ الْبَاطِنَةِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي أَنَّ تَعَارُضَ قِيَاسٍ ضَعِيفِ أَوْ صَحِيحِ الظَّاهِرِ فَقَطْ أَوْ فَاسِدِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ أَوْ الظَّاهِرِ فَقَطْ لِاسْتِحْسَانِ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ) أَيْ بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ مُطْلَقًا أَوْ بِلَا مَانِعٍ يُوجَدُ ذَلِكَ الْحُكْمُ. (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرُوا) هَذَا كَلَامٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى؛ لِأَنَّ تَدَاخُلَ الْأَقْسَامِ ضَرُورِيٌّ فِيمَا إذَا قَسَّمَ الشَّيْءَ تَقْسِيمَاتٍ مُتَعَدِّدَةً بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ يُقَالُ اللَّفْظُ ثُلَاثِيٌّ أَوْ رُبَاعِيٌّ أَوْ خُمَاسِيٌّ وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ حَرْفٌ وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ مُعْرَبٌ أَوْ مَبْنِيٌّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ نَعَمْ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّعْفِ وَالْفَسَادِ

стр. 599

لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ قَطْعًا (وَالْمُسْتَحْسَنُ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ يُعَدَّى لَا الْمُسْتَحْسَنُ بِغَيْرِهِ نَظِيرُهُ أَنَّ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ الْمُنْكِرُ وَعَلَيْهِمَا قِيَاسًا خَفِيًّا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ) أَيْ إنَّمَا يَحْلِفُ الْبَائِعُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِقَبْضِ مَا هُوَ ثَمَنٌ فِي زَعْمِ الْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ زِيَادَةَ الثَّمَنِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا ظَاهِرًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمَتْنِ (فَيُعَدَّى إلَى الْوَارِثِينَ) أَيْ إذَا اخْتَلَفَ وَارِثَا الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ تَحَالَفَ الْوَارِثَانِ. (وَإِلَى الْإِجَارَةِ) أَيْ إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ تَحَالَفَا. (وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَثُبُوتُهُ بِقَوْلِهِ ﵊: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَلَا يُعَدَّى إلَى الْوَارِثِ وَإِلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ وَالِاسْتِحْسَانُ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي) بَعْضُ النَّاسِ زَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنَّ تَرْكَ الْقِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا. (فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ) أَيْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ مِنْهُ النَّقْضُ وَهُوَ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي صُورَةٍ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ وَدَفْعُهُ بِأَرْبَعِ طُرُقٍ أَيْ الْجَوَابُ عَنْهُ يَكُونُ بِأَرْبَعِ طُرُقٍ (الْأَوَّلُ مَنْعُ ــ [التلويح] وَاحِدٌ، وَكَذَا بِالْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ لَكَانَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مُسْتَدْرَكًا (قَوْلُهُ وَالْمُسْتَحْسَنُ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ دَلِيلٌ يُقَابِلُ قِيَاسًا جَلِيًّا سَوَاءٌ كَانَ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ ضَرُورَةً أَوْ قِيَاسًا خَفِيًّا فَهَاهُنَا يُرِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَالْمُسْتَحْسَنِ بِغَيْرِهِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ تَعَدَّى إلَى صُورَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْقِيَاسِ التَّعْدِيَةَ وَالثَّانِي لَا يَقْبَلُ التَّعْدِيَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ مَثَلًا إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْكِرُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ الْبَائِعُ أَيْضًا مُنْكِرًا. فَهَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ عَلَى سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ بِالِاسْتِحْسَانِ التَّحَالُفُ أَيْ وُجُوبُ الْيَمِينِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَمَّا قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ فَبِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ وُجُوبَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُنْكِرُ وُجُوبَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ فَيَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَكُونُ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَأَمَّا بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ فَبِالْأَثَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَوُجُوبُ التَّحَالُفِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَتَعَدَّى إلَى وَارِثَيْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُورِثِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ مَعْقُولٌ، وَكَذَا يَتَعَدَّى إلَى الْإِجَارَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَ

стр. 600

وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ نَحْوُ: خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عِلَّةُ الِانْتِقَاضِ فَنُوقِضَ بِالْقَلِيلِ فَيُمْنَعُ الْخُرُوجُ فِيهِ وَكَذَا وُجُودُ مِلْكِ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ يُوجِبُ مِلْكَهُ) أَوْ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ (فَنُوقِضَ بِالْمُدَبَّرِ) أَيْ إذَا كَانَ مِلْكُ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ عِلَّةً لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ فَفِي غَصْبِ الْمُدَبَّرِ يَكُونُ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْحُكْمَ مُتَخَلِّفٌ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلِانْتِقَالِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ عِنْدَكُمْ (فَيَمْنَعُ مِلْكَ بَدَلِهِ) أَيْ مِلْكَ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ بِأَنْ يُمْنَعَ فِي الْمُدَبَّرِ كَوْنُ بَدَلِهِ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَدَلَ الْعَيْنِ بَلْ بَدَلُ الْيَدِ الْفَائِتَةِ (فَإِنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ بَلْ بَدَلٌ عَنْ الْيَدِ الْفَائِتَةِ وَالثَّانِي مَنْعُ مَعْنَى الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي صَارَتْ الْعِلَّةُ عِلَّةً لِأَجْلِهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلَّةِ كَالثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْصُوصِ (نَحْوُ: مَسْحِ الرَّأْسِ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ كَمَسْحِ الْخُفِّ فَنُوقِضَ بِالِاسْتِنْجَاءِ فَيُمْنَعُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْمَسْحِ وَهُوَ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلِأَجْلِهِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ (لَا يُسَنُّ فِي الْمَسْحِ التَّثْلِيثُ؛ لِأَنَّهُ لِتَوْكِيدِ التَّطْهِيرِ الْمَعْقُودِ فَلَا يُفِيدُ) أَيْ التَّثْلِيثُ (فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَيُفِيدُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَالثَّالِثُ قَالُوا هُوَ الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ) وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ تَلَفَ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ (وَذَكَرُوا لَهُ أَمْثِلَةً خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عِلَّةٌ لِلِانْتِقَاضِ ــ [التلويح] الْقَصَّارُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ أَخْذِ الْقَصَّارِ فِي الْعَمَلِ تَحَالَفَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصْلُحُ مُدَّعِيًا وَمُنْكِرًا وَالْإِجَارَةُ تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَهُوَ فِي التَّحَالُفِ ثُمَّ الْفَسْخُ دَفْعٌ لِلضَّرَرِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَمَّا وُجُوبُ التَّحَالُفِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْوَارِثِ وَلَا إلَى حَالِ هَلَاكِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى إذْ الْبَائِعُ لَا يُنْكِرُ شَيْئًا فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَهُوَ تَحَالُفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا» فَهُوَ أَيْضًا يُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ رَدُّ الْمَأْخُوذِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ أُرِيدَ رَدُّ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ إذْ الْفَسْخُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ. فَإِنْ قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّعْدِيَةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَعْدِيَةُ الْمُسْتَحْسَنِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ؟ . قُلْتُ الْمُعَدَّى بِالْحَقِيقَةِ هُوَ حُكْمُ أَصْلِ الِاسْتِحْسَانِ كَوُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا أَنَّ صُورَةَ التَّحَالُفِ وَجَرَيَانَ الْيَمِينِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَمَّا كَانَتْ حُكْمَ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ الْخَفِيُّ أُضِيفَتْ التَّعْدِيَةُ إلَيْهِ إذْ لَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ يَمِينُ الْمُنْكِرِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَى الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلَهُ: وَالِاسْتِحْسَانُ لَيْسَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ) هُوَ مَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ ثَابِتٌ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَفِي سَائِرِ الصُّوَرِ، وَقَدْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ

стр. 601

وَمِلْكُ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ وَحِلُّ الْإِتْلَافِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا يُنَافِي عِصْمَةَ الْمَالِ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ فَيَضْمَنُ الْجَمَلَ الصَّائِلَ فَنُوقِضَ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَالْمُدَبَّرِ وَمَالِ الْبَاغِي فَأَجَابُوا فِي الْأَوَّلِينَ بِالْمَانِعِ لَكِنَّ هَذَا تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ وَفِي الثَّالِثِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ حِلَّ الْإِتْلَافِ يُنَافِي الْعِصْمَةَ فِي مَالِ الْبَاغِي بَلْ إنَّمَا انْتَفَتْ بِالْبَغْيِ) أَوْرَدَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلدَّفْعِ بِالْحُكْمِ ثَلَاثَةَ أَمْثِلَةٍ: أَحَدُهَا خُرُوجُ النَّجَاسَةِ عِلَّةٌ لِلِانْتِقَاضِ فَنُوقِضَ بِالْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مَوْجُودٌ فِيهَا بِدُونِ الِانْتِقَاضِ، وَثَانِيهَا أَنَّ مِلْكَ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ عِلَّةٌ لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ فَنُوقِضَ بِالْمُدَبَّرِ فَأَجَابَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الصُّورَتَيْنِ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الصُّورَتَيْنِ بِالْمَانِعِ فَأَقُولُ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ دَفْعًا بِالْحُكْمِ بَلْ هُوَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ وَثَالِثُهَا أَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا يُنَافِي الْعِصْمَةَ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ فَإِنَّهُ إنْ أَكَلَ مَالَ الْغَيْرِ فِي الْمَخْمَصَةِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ يَجِبُ الضَّمَانُ فَيُضْمَنُ الْجَمَلُ الصَّائِلُ فَنُوقِضَ بِمَالِ الْبَاغِي أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْبَاغِي حَالَ الْقِتَالِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ فَعُلِمَ أَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ يُنَافِي الْعِصْمَةَ فَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ يُنَافِي الْعِصْمَةَ فِي مَالِ الْبَاغِي فَإِنَّ عِصْمَةَ مَالِ الْبَاغِي لَمْ تَنْتَفِ بِحِلِّ الْإِتْلَافِ بَلْ بِالْبَغْيِ فَأَقُولُ ــ [التلويح] فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ لِمَانِعٍ وَعَمِلَ بِهِ فِي غَيْرِهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ فَيَكُونُ بَاطِلًا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ إبْطَالِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ انْعِدَامَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا هُوَ لِانْعِدَامِ الْعِلَّةِ مَثَلًا مُوجِبُ نَجَاسَةِ سُؤْرِ سِبَاعِ الْوَحْشِ هُوَ الرُّطُوبَةُ النَّجِسَةُ فِي الْآلَةِ الشَّارِبَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ فَانْتَفَى الْحُكْمُ لِذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى تَرْكِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الضَّعِيفِ الْأَثَرِ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ هُوَ قِيَاسٌ خَفِيٌّ قَوِيُّ الْأَثَرِ فَلَا يَكُونَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي شَيْءٍ. [فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ] [النَّقْضُ] [وَدَفْعُ النَّقْض بِأَرْبَعِ طُرُقٍ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ) أَيْ الِاعْتِرَاضَاتُ الَّتِي تُورِدُ عَلَيْهَا وَفِي دَفْعِ تِلْكَ الِاعْتِرَاضَاتِ أَيْ الْجَوَابُ عَنْهَا، وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا سِتَّةٌ وَهِيَ النَّقْضُ وَفَسَادُ الْوَضْعِ وَعَدَمُ الِانْعِكَاسِ وَالْفَرْقُ وَالْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَارَضَةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ اعْتِرَاضٌ صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ تَعْلِيلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِهِ وَيَذْكُرُ فِيهِ أَرْبَعَةَ طُرُقٍ: الْأَوَّلُ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ وَهُوَ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَالثَّانِي الدَّفْعُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ وَهُوَ مَنْعُ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي صَارَتْ الْعِلَّةُ عِلَّةً لِأَجْلِهِ وَالثَّالِثُ الدَّفْعُ بِالْحُكْمِ وَهُوَ مَنْعُ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَالرَّابِعُ الدَّفْعُ بِالْغَرَضِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْغَرَضُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَكَمَا أَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَكَذَا الْحُكْمُ وَكَمَا أَنَّ ظُهُورَ الْحُكْمِ قَدْ يَتَأَخَّرُ فِي الْفَرْعِ فَكَذَا فِي الْأَصْلِ فَالتَّسْوِيَةُ حَاصِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. (قَوْلُهُ فَنُوقِضَ بِالْقَلِيلِ) يَعْنِي لَوْ كَانَ النَّجَسُ

стр. 602

الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُدَّعَى فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ وَبَقَاءُ الْعِصْمَةِ فَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ هَذِهِ الصُّورَةُ نَظِيرًا لِلدَّفْعِ بِالْحُكْمِ بَلْ حَاصِلُ هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ الْمُعَلِّلَ ادَّعَى حُكْمًا أَصْلِيًّا وَهُوَ الْعِصْمَةُ مَثَلًا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْعِصْمَةُ وَهِيَ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِعَارِضٍ وَلَيْسَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَهُوَ الْجَمَلُ الصَّائِلُ إلَّا عَارِضٌ وَاحِدٌ وَهُوَ حِلُّ الْإِتْلَافِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَخْمَصَةِ أَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ لَا يَصْلُحُ رَافِعًا لِلْعِصْمَةِ فَتَبْقَى الْعِصْمَةُ فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ فَنُوقِضَ بِمَالِ الْبَاغِي أَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ رَافِعٌ لِلْعِصْمَةِ فِي مَالِ الْبَاغِي فَأَجَابَ بِأَنَّ رَافِعَ الْعِصْمَةِ فِي مَالِ الْبَاغِي لَيْسَ حِلَّ الْإِتْلَافِ بَلْ الرَّافِعُ هُوَ الْبَغْيُ فَهَذَا لَا يَكُونُ دَفْعًا بِالْحُكْمِ بَلْ بَيَانُ أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْعِصْمَةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ شَيْءٌ آخَرُ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَالضَّابِطُ الْمُنْتَزَعُ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الْمُعَلِّلَ إذَا ادَّعَى حُكْمًا أَصْلِيًّا لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِعَارِضٍ كَالْعِصْمَةِ هُنَا وَلَيْسَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إلَّا عَارِضٌ وَاحِدٌ وَهُوَ حِلُّ الْإِتْلَافِ وَأُثْبِتَ بِالْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا الْعَارِضَ لَا يَرْفَعُهُ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ فَنُوقِضَ بِصُورَةٍ كَمَالِ الْبَاغِي مَثَلًا فَأَجَابَ بِأَنَّ الرَّافِعَ شَيْءٌ آخَرُ فَهَذَا بَيَانُ أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ شَيْءٌ آخَرُ) وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِي أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرًا لِلدَّفْعِ بِالْحُكْمِ وَوَجْهُهُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ عِنْدَ مُنَافَاةِ حِلِّ الْإِتْلَافِ الْعِصْمَةُ، وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي الْجَمَلِ الصَّائِلِ قِيَاسًا عَلَى الْمَخْمَصَةِ فَنُوقِضَ بِمَالِ الْبَاغِي أَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ ثَابِتٌ فِيهِ وَعَدَمُ مُنَافَاتِهِ الْعِصْمَةَ غَيْرُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ فِيهِ مُنَافَاةُ حِلِّ الْإِتْلَافِ ــ [التلويح] الْخَارِجُ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ حَدَثًا لَكَانَ الْقَلِيلُ الَّذِي لَمْ يَسِلْ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ حَدَثًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُجَابُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ خَارِجٌ فَإِنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان بَاطِنٍ إلَى مَكَان ظَاهِرٍ وَلَمْ يُوجَدُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ السَّيَلَانِ بَلْ ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ لِزَوَالِ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لَهَا بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ظُهُورُ الْقَلِيلِ إلَّا بِالْخُرُوجِ. (قَوْلُهُ هُوَ) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي صَارَتْ الْعِلَّةُ عِلَّةً لِأَجْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلَّةِ كَالثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَنْصُوصِ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَصْفَ بِوَاسِطَةِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ كَوْنَ الْمَسْحِ تَطْهِيرًا حُكْمِيًّا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ثَابِتٌ بِاسْمِ الْمَسْحِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ الْإِصَابَةُ وَهِيَ تُنْبِئُ عَنْ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّطْهِيرِ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِتَوْكِيدِ تَطْهِيرٍ مَعْقُولٍ كَالْغُسْلِ فَلَا يُفِيدُ فِي الْمَسْحِ وَيُفِيدُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ فِيهِ مَعْقُولٌ إذْ هُوَ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْغُسْلُ فِيهِ أَفْضَلَ وَفِي التَّثْلِيثِ تَوْكِيدٌ لِذَلِكَ وَمَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ سُنِّيَّةِ التَّثْلِيثِ كَرَاهِيَتَهُ لِيَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيُعَلَّلُ. (قَوْلُهُ: فَأَجَابَ فِي الْأَوَّلَيْنِ بِالْمَانِعِ) وَهُوَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْعُذْرُ وَدَفْعُ الْحَرَجِ وَفِي الْمُدَبَّرِ النَّظَرُ لَهُ وَعَدَمُ قَابِلِيَّتِهِ لِلْمَمْلُوكِيَّةِ بَقِيَ أَنَّ خُرُوجَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حَدَثٌ إلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ حُكْمُهُ إلَى مَا بَعْدِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهَا الطَّهَارَةُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ بِذَلِكَ الْحَدَثِ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ لَيْسَ بِحَدَثٍ

стр. 603

الْعِصْمَةَ فَأَجَابَ بِأَنَّ مُنَافَاةَ حِلِّ الْإِتْلَافِ الْعِصْمَةَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَمْ تَنْتَفِ فِي مَالِ الْبَاغِي بِحِلِّ الْإِتْلَافِ بَلْ إنَّمَا انْتَفَتْ لِلْبَغْيِ هَذَا غَايَةُ التَّكَلُّفِ وَمَعَ هَذَا لَا يُوجَدُ النَّقْضُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ وُجُودُ الْعِلَّةِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ، وَحِلُّ الْإِتْلَافِ لِإِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ لَيْسَ عِلَّةً لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ الْعِصْمَةَ لِثُبُوتِ حِلِّ الْإِتْلَافِ فِي مَالِ الْبَاغِي مَعَ الْمُنَافَاةِ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْفَسَادَاتِ فِي الْأَمْثِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَوْرَدَ مَثَلًا آخَرَ فِي الْمَتْنِ فَقَالَ (وَأَنَا أُورِدُ لِلدَّفْعِ بِالْحُكْمِ مِثَالًا وَهُوَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ فَيَجِبُ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَنُوقِضَ بِالتَّيَمُّمِ) أَيْ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ يُوجَدُ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ (فَيُمْنَعُ عَدَمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ فِيهِ بَلْ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ لَكِنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ عَنْهُ) مَعْنَاهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ وُجُوبِ الْوُضُوءِ فِي صُوَرِ عَدَمِ الْمَاءِ بَلْ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ لَكِنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ عَنْهُ الرَّابِعُ: الدَّفْعُ بِالْغَرَضِ نَحْوُ: خَارِجٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ نَاقِضًا فَنُوقِضَ بِالِاسْتِحَاضَةِ فَنَقُولُ الْغَرَضُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ حَدَثَ ثَمَّةَ لَكِنْ إذَا اسْتَمَرَّ يَصِيرُ عَفْوًا فَكَذَلِكَ هُنَا. (ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ تَيَسَّرَ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ النَّقْضِ (بِهَذِهِ الطُّرُقِ فِيهَا وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَانِعٌ فَقَدْ بَطَلَتْ الْعِلَّةُ ــ [التلويح] إجْمَاعًا، وَكَذَا مِلْكُ بَدَلِ الْمَغْصُوبِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمَغْصُوبِ أَعْنِي الْمُدَبَّرَ كَمَا فِي الْبَيْعِ حَتَّى لَوْ جَمَعَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ صَحَّ فِي الْقِنِّ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ قِنٍّ وَحُرٍّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمُدَبَّرِ لِلْمَانِعِ أَوْرَدَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اقْتِدَاءً بِصَاحِبِ التَّقْوِيمِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ إنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَا يَسْلَمُ عَنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. (قَوْلُهُ: وَالضَّابِطُ) حَاصِلُ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُدَعَّى وُجُوبُ الضَّمَانِ وَالْعِلَّةُ حِلُّ الْإِتْلَافِ وَالْأَصْلُ صُورَةُ الْمَخْمَصَةِ وَالْفَرْعُ صُورَةُ الْجَمَلِ الصَّائِلِ وَالنَّقْضُ هُوَ مَالُ الْبَاغِي وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا جِهَةَ لِمَنْعِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ إذْ لَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِيهِ فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الصُّورَةُ نَظِيرًا لِلدَّفْعِ بِالْحُكْمِ وَأَيْضًا حِلُّ الْإِتْلَافِ لَا يُلَائِمُ وُجُوبَ الضَّمَانِ فَضْلًا عَنْ التَّأْثِيرِ وَحَاصِلُ التَّقْرِيرِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ نَظِيرًا لِدَفْعِ الْحُكْمِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ عَدَمُ مُنَافَاةِ حِلِّ الْإِتْلَافِ لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ الْجَمَلِ الصَّائِلِ بِإِبَاحَةِ قَتْلِهِ لِإِبْقَاءِ رُوحِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَخْمَصَةِ، وَالْعِلَّةُ حِلُّ الْإِتْلَافِ فَنُوقِضَ بِمَالِ الْبَاغِي حَيْثُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ وَهِيَ حِلُّ الْإِتْلَافِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْمُنَافَاةِ إذْ قَدْ سَقَطَتْ الْعِصْمَةُ وَلَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ فَأَجَابَ بِمَنْعِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ أَيْ لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ مُنَافَاةِ حِلِّ الْإِتْلَافِ لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ فِي مَالِ الْبَاغِي بَلْ عَدَمُ الْمُنَافَاةِ مُتَحَقِّقٌ

стр. 604

وَإِنْ وُجِدَ الْمَانِعُ فَلَا لَكِنْ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ الْعِلَّةُ تُوجِبُ هَذَا لَكِنْ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ لِمَانِعٍ فَهَذَا تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ بَلْ نَقُولُ إنَّمَا عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ مَا هُوَ وَالْعِلَّةُ حَقِيقَةٌ فَنَجْعَلُ عَدَمَ الْمَانِعِ جُزْءًا لِلْعِلَّةِ أَوْ شَرْطًا لَهَا لَهُمْ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ وَالثَّابِتِ بِالِاسْتِحْسَانِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ) فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ عَنْ الْقِيَاسِ وَلِأَنَّ التَّخَلُّفَ قَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْعِلَّةِ وَقَدْ يَكُونُ لِمَانِعٍ كَمَا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وَذَكَرُوا أَنَّ جُمْلَةَ مَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ خَمْسَةٌ الْمَسْطُورُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ ذَكَرَ الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْمَوَانِعَ خَمْسَةٌ لَكِنِّي عَدَلْتُ عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِمَا سَيَأْتِي (مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ كَانْقِطَاعِ الْوَتَرِ فِي الرَّمْيِ وَكَبَيْعِ الْحُرِّ أَوْ مِنْ تَمَامِهَا كَمَا إذَا حَالَ شَيْءٌ فَلَمْ يُصِبْ السَّهْمُ وَكَبَيْعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَوْ مِنْ ابْتِدَاءِ ــ [التلويح] إلَّا أَنَّ الْعِصْمَةَ انْتَفَتْ بِالْبَغْيِ وَعَدَمُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّلَازُمَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَمْتَنِعَ مَعَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا انْتِفَاءُ الْآخَرِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَاعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ حِلَّ الْإِتْلَافِ لَيْسَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ حَتَّى يَكُونَ تَحَقُّقُهُ فِي مَالِ الْبَاغِي مَعَ الْمُنَافَاةِ نَقْضًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ عَدَمَ الْمُنَافَاةِ وَعَدَمَ سُقُوطِ الْعِصْمَةِ فَضْلًا عَنْ تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّمْثِيلَ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُجْعَلَ حِلُّ الْإِتْلَافِ عِلَّةً مُؤْثِرَةً وَيَكْفِي فِي التَّمْثِيلِ الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ) أَيْ الْخَارِجَ النَّجِسَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ لَكِنْ إذَا اسْتَمَرَّ الْخَارِجُ كَمَا فِي الِاسْتِحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ صَارَ عَفْوًا وَسَقَطَ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ضَرُورَةَ تَوَجُّهُ الْخِطَابِ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَكَذَا هَاهُنَا أَيْ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ يَكُونُ حَدَثًا وَيَصِيرُ عِنْدَ الِاسْتِمْرَارِ عَفْوًا كَمَا فِي الرُّعَافِ الدَّائِمِ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَنْعِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ يَدَّعِي أَمْرَيْنِ ثُبُوتَ الْعِلَّةِ وَانْتِفَاءَ الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ دَفْعُهُ إلَّا بِمَنْعِ أَحَدِهِمَا. (قَوْلُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ النَّقْضَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَلَا تُتَصَوَّرُ الْمُنَاقَضَةُ فِيهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ ثُبُوتَ التَّأْثِيرِ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا فَيَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ بِالنَّقْضِ وَحِينَئِذٍ إنْ انْدَفَعَ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ فَقَدْ تَمَّ التَّعْلِيلُ وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَدْ بَطَلَ التَّعْلِيلُ لِامْتِنَاعِ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ وَإِنْ وُجِدَ مَانِعٌ لَمْ يَبْطُلْ التَّعْلِيلُ إمَّا قَوْلًا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَذَلِكَ بِأَنْ تُوصَفُ الْعِلَّةُ بِالْعُمُومِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمُحَالِ ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْضُ الْمُحَالِ عَنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِيهِ وَيَبْقَى التَّأْثِيرُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُحَالِ الْآخَرِ، وَإِمَّا قَوْلًا بِأَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ جُزْءٌ لِلْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٌ لَهَا فَيَكُونُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَبْنِيًّا عَلَى انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ بِانْتِفَاءِ جُزْئِهَا أَوْ شَرْطِهَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 605

الْحُكْمِ كَمَا إذَا أَصَابَ السَّهْمُ فَدَفَعَهُ الدِّرْعُ وَكَخِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ مِنْ تَمَامِهِ كَمَا إذَا انْدَمَلَ بَعْدَ إخْرَاجِ السَّهْمِ وَالْمُدَاوَاةِ وَكَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ أَوْ مِنْ لُزُومِهِ كَمَا إذَا خَرَجَ وَامْتَدَّ حَتَّى صَارَ طَبْعًا لَهُ وَأُمِنَ وَكَخِيَارِ الْعَيْبِ فَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ فِي الْأَوَّلَيْنِ بَلْ فِي الثَّلَاثِ الْأُخَرِ) ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ وَيَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ لِمَانِعٍ فَالْمَانِعُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بَعْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فَفِي الْأَوَّلِيَّيْنِ مِنْ الصُّوَرِ الْخَمْسِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمْ تُوجَدُ فِيهِمَا وَفِي الثَّلَاثِ الْأُخَرِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ وَالْحُكْمُ مُتَخَلِّفٌ لِمَانِعٍ فَتَخْصِيصُ الْعِلَّةِ مَقْصُورٌ عَلَى الثَّلَاثِ الْأُخَرِ فَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي الْمَتْنِ إنَّ الْمَوَانِعَ خَمْسَةٌ بَلْ قَالَ مَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ خَمْسَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِيَارَاتِ أَنَّ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ قَدْ وُجِدَ السَّبَبُ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ دَاخِلٌ عَلَى الْحُكْمِ وَهُوَ الْمِلْكُ عَلَى مَا عُرِفَ ــ [التلويح] تَحَاشِيًا عَنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَعَدَمُ الْمَانِعِ عِنْدَهُمْ شَرْطٌ لِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِظُهُورِ الْأَثَرِ عَنْ الْعِلَّةِ فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ عِنْدَهُمْ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ إلَى وُجُودِ الْمَانِعِ وَهَذَا نِزَاعٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ الْقِيَاسُ عَلَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ فَكَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْعَامِّ حُجَّةً كَذَلِكَ النَّقْضُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ جَمْعُ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَسِرُّهُ أَنَّ نِسْبَةَ الْعَامِّ إلَى أَفْرَادِهِ كَنِسْبَةِ الْعِلَّةِ إلَى مَوَارِدِهِ وَالنَّقْضُ لِمَانِعٍ مُعَارِضٍ لِلْعِلَّةِ يُشْبِهُ التَّخْصِيصَ بِمُخَصِّصٍ مَانِعٍ عَنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ. الثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ شَامِلَةٌ لِصُورَةِ الِاسْتِحْسَانِ، وَقَدْ انْعَدَمَ الْحُكْمُ فِيهَا لِمَانِعٍ هُوَ دَلِيلُ الِاسْتِحْسَانِ، وَلَا نَعْنِي بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ إلَّا هَذَا الثَّالِثَ أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِفَسَادٍ فِي الْعِلَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالْمُعَلِّلِ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لِمَانِعٍ فَيَجِبُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَخْتَلِفُ عَنْهَا لِمَانِعٍ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ عَنْ الْخَشَبِ الْمُلَطَّخِ بِالطَّلْقِ الْمَحْلُولِ. (قَوْلُهُ: ذَكَرَ الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ) فِي هَذَا الْمَقَامِ أَقْسَامَ الْمَانِعِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ لَكِنَّهُمْ لَمَا أَخَذُوا فِي تَعْدَادِ الْمَوَانِعِ أَوْرَدُوا فِيهَا الْمَانِعَ مِنْ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ وَمِنْ تَمَامِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ قَبِيلِ الْمَانِعِ الْمُعْتَبَرِ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَهُوَ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْعِلَّةِ وَالْمُصَنِّفُ ﵀ غَيَّرَ عِبَارَتَهُمْ وَعَبَّرَ عَنْ مَوَانِعِ الْحُكْمِ بِمُوجِبَاتِ عَدَمِ الْحُكْمِ لِيَشْمَلَ الْمَانِعَ عَنْ الْحُكْمِ وَعَنْ الْعِلَّةِ انْعِقَادًا أَوْ تَمَامًا، وَالْعُمْدَةُ فِي أَقْسَامِ الْمَانِعِ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ وَالْمَذْكُورُ فِي التَّقْوِيمِ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَحْدُثُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْزَاءِ فَهُوَ الْمَانِعُ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَوْ الِانْعِقَادِ وَإِلَّا فَهُوَ الْمَانِعُ مِنْ التَّمَامِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْعِلَّةِ أَوْ الْحُكْمِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ قِسْمًا خَامِسًا نَظَرًا إلَى أَنَّ لِلْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَتَمَامًا وَدَوَامًا، وَلَا عِبْرَةَ بِالدَّوَامِ فِي

стр. 606

فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ بِالضَّرُورَةِ فَدُخُولُهُ عَلَى الْحُكْمِ أَسْهَلُ مِنْ دُخُولِهِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَى السَّبَبِ يُوجِبُ الدُّخُولَ عَلَى الْمُسَبِّبِ وَالْحُكْمِ فَإِذَا كَانَ دَاخِلًا عَلَى الْحُكْمِ لَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ ثَابِتًا، وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَدَرَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَأَوْجَبَ الْحُكْمَ وَهُوَ الْمِلْكُ لَكِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَتِمَّ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَأَمَّا خِيَارُ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ حَصَلَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ بِتَمَامِهِ لِتَمَامِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ الرُّؤْيَةَ لَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَيْبِ يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي فَقُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَيْبِ فَلَا خِيَارَ الْعَيْبِ يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ رَدِّ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ وَهُوَ بَعْدَ التَّمَامِ جَائِزٌ وَفِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ لَا يَتَمَكَّنُ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ قَبْلَ التَّمَامِ وَذَا لَا يَجُوزُ وَلَنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْأَلْفَاظِ مَجَازٌ فَيُخَصُّ بِهَا، وَتَرْكُ الْقِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ حِينَئِذٍ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْقِيَاسِ مَا يَلْزَمُ ــ [التلويح] الْعِلَّةِ بَلْ التَّمَامُ كَافٍ كَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ لِلْحَدَثِ ثُمَّ الْمَقْصُودُ هُوَ الْعِلَّةُ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيَّانِ، وَقَدْ أَضَافُوا إلَيْهَا الْحِسِّيَّيْنِ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَفِي كَوْنِ امْتِدَادِ الْجُرْحِ وَصَيْرُورَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الطَّبْعِ مَانِعًا مِنْ لُزُومِ الْحُكْمِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ الْقَتْلُ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ وَإِنْ أُرِيدَ الْجَرْحُ فَهُوَ لَازِمٌ عَلَى تَقْدِيرِ صَيْرُورَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الطَّبْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْجَرْحُ عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ لِعَدَمِ مُقَاوَمَةِ الْمُرْمَى فَالِانْدِمَالُ مَانِعٌ مِنْ تَمَامِ الْحُكْمِ لِحُصُولِ الْمُقَاوَمَةِ، وَأَمَّا بَقَاءُ الْجُرْحِ وَكَوْنُ الْمَجْرُوحِ صَاحِبَ فِرَاشٍ فَلَا يَمْنَعُهُ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الْمُقَاوَمَةِ إلَّا أَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ عَدَمُ الْمُقَاوَمَةِ بِالِانْدِمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِيرَ لَازِمًا بِإِفْضَائِهِ إلَى الْقَتْلِ فَإِذَا صَارَ طَبْعًا فَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ إفْضَاءَهُ إلَى الْقَتْلِ وَكَانَ مَانِعًا لُزُومَ الْحُكْمِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ تَمْثِيلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّسَامُحِ وَإِلَّا فَالرَّمْيُ عِلَّةٌ لِلْمُضِيِّ وَالْمُضِيُّ لِلْإِصَابَةِ وَالْإِصَابَةُ لِلْجِرَاحَةِ وَالْجِرَاحَةُ لِسَيَلَانِ الدَّمِ وَهُوَ لِزُهُوقِ الرُّوح. (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ) أَجَابَ عَنْ الِاحْتِجَاجِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَعْدِيَتُهَا مِنْ الْأَصْلِ أَعْنِيَ الْأَدِلَّةَ اللَّفْظِيَّةَ إلَى الْفَرْعِ أَعْنِي الْعِلَلَ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ مَلْزُومٌ لِلْمَجَازِ وَالْمَجَازُ مِنْ خَوَاصِّ اللَّفْظِ وَاخْتِصَاصِ اللَّازِمِ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْمَلْزُومِ بِهِ وَإِلَّا لَزِمَ وُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَرُبَّمَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ مُطْلَقًا مَلْزُومٌ لِلْمَجَازِ بَلْ التَّخْصِيصُ فِي الْأَلْفَاظِ كَذَلِكَ وَمَعْنَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إثْبَاتُ مِثْلِهِ فِي صُورَةِ الْفَرْعِ فَيَثْبُتُ فِي الْعِلَلِ تَخْصِيصٌ بِبَعْضِ الْمَوَارِدِ كَتَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ وَيَتَّصِفُ اللَّفْظُ بِالْمَجَازِ ضَرُورَةَ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَيَمْتَنِعُ اتِّصَافُ الْعِلَّةِ بِهِ إذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا الِاتِّصَافُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَعَنْ الِاحْتِجَاجِ الثَّانِي بِأَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ تَرْكٌ لِلْقِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِمَعْنَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ الْمَانِعِ مِنْ تَحَقُّقِ الْعِلَّةِ

стр. 607

مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِ التَّعْدِيَةِ إذَا عُلِمَ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِمْ بِعَدَمِ الْمَانِعِ مَعَ أَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ وَاجِبٌ فَعُلِمَ أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ حَاصِلٌ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فَهُوَ إمَّا رُكْنُهَا أَوْ شَرْطُهَا أَيْ عَدَمُ الْمَانِعِ إمَّا رُكْنُ الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطُهَا (فَإِذَا وُجِدَ الْمَانِعُ فَقَدْ عُدِمَ الْعِلَّةُ ثُمَّ عَدَمُهَا قَدْ يَكُونُ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ عِلَّةٌ لِلْمِلْكِ فَإِذَا زِيدَ الْخِيَارُ فَقَدْ عَدِمَتْ أَوْ لِنُقْصَانِهِ كَالْخَارِجِ النَّجِسِ مَعَ عَدَمِ الْحَرَجِ عِلَّةٌ لِلِانْتِقَاضِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْمَعْذُورِ وَمِنْهُ فَسَادُ الْوَضْعِ وَهُوَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْعِلَّةِ نَقِيضُ مَا تَقْتَضِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ــ [التلويح] لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ بَلْ الْوَصْفُ فِيهِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ الْأَقْوَى لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْهُ فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ الْقِيَاسِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ لَا عَلَى تَحَقُّقِ الْمَانِعِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْقِيَاسِ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى كُلِّ صُورَةٍ تُوجَدُ فِيهَا الْعِلَّةُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَمِ الْمَانِعِ فَكُلُّ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ بَلْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ وَلَوْ لِمَانِعٍ يَكُونُ عِلَّةً، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَجْهُ صَالِحًا؛ لَأَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَلَى بُطْلَانِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا التَّقْيِيدَ وَاجِبٌ إلَى آخِرِهِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ التَّعْدِيَةِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ مِنْهُمْ لِلتَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْمَانِعِ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ قَطْعًا أَنْ لَا تَعْدِيَةَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَانِعِ فَعُلِمَ مِنْ تَرْكِهِمْ التَّقْيِيدَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلَّةِ مَا يَسْتَجْمِعُ جَمِيعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّعْدِيَةُ أَنَّهُ عَدَمُ مَانِعٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ شَطْرٌ لِلْعِلَّةِ أَوْ شَرْطٌ لَهَا فَعِنْدَ وُجُودِ الْمَانِعِ تَكُونُ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةً لِانْعِدَامِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا وَهَاهُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَكْفِي فِي الْعِلِّيَّةِ سَوَاءٌ اسْتَلْزَمَتْ الْحُكْمَ أَمْ لَا، وَلَا نُسَلِّمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ التَّعْدِيَةِ مُطْلَقًا بَلْ بِشَرَائِطَ وَقُيُودٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْهَا عَدَمُ الْمَانِعِ وَأَيْضًا كَثِيرًا مَا يَقَعُ الْإِطْلَاقُ اعْتِمَادًا عَلَى الْعِلْمِ بِالتَّقْيِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ وَالْمُرَادُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُخَصَّصِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ عَدَمُهَا) أَيْ عَدَمُ الْعِلَّةِ قَدْ يَكُونُ لِزِيَادَةِ وَصْفٍ عَلَى مَا جُعِلَ عِلَّةً بِأَنْ تَكُونَ عَلِيَّتُهُ مَشْرُوطَةً بِعَدَمِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَيَنْتَفِي بِوُجُودِهِ كَالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ أَيْ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ عِلَّةٍ لِلْمِلْكِ فَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ الْخِيَارُ لَمْ يَبْقَ مُطْلَقًا فَلَمْ يَكُنْ عِلَّةً وَالْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ هَاهُنَا مَا يُقَابِلُ الْمُقَيَّدَ بِالشَّرْطِ وَنَحْوِهِ لَا الْمَشْرُوطِ بِالْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ أَصْلًا، وَلَا الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الَّذِي لَا يُوجَدُ إلَّا فِي ضِمْنِ الْجُزْئِيَّاتِ فَإِنَّهُ صَادِقٌ عَلَى الْبَيْعِ بِالْخِيَارِ، وَقَدْ يَكُونُ بِنُقْصَانِ وَصْفٍ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِ الْعِلَّةِ أَوْ شَرَائِطِهَا فَيَنْتَفِي الْكُلُّ بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ أَوْ شَرْطِهِ كَالْخَارِجِ النَّجَسِ فَإِنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْحَرَجِ عِلَّةٌ لِانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ فَعِنْدَ وُجُودِ الْحَرَجِ لَا يَكُونُ عِلَّةً كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ)

стр. 608

مَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهُ شَرْعًا لَا يُمْكِنُ فِيهِ فَسَادُ الْوَضْعِ وَمَا ثَبَتَ فَسَادُ وَضْعِهِ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِهِ شَرْعًا وَسَيَأْتِي مِثَالُهُ وَمِنْهُ عَدَمُ الْعِلَّةِ مَعَ وُجُودِ الْحُكْمِ وَهَذَا لَا يُقْدَحُ لِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَمِنْهُ الْفَرْقُ قَالُوا هُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ غَصَبَ مَنْصِبَ الْمُعَلِّلِ وَهَذَا نِزَاعٌ جَدَلِيٌّ وَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عِلِّيَّةُ الْمُشْتَرَكِ لَا يَضُرُّهُ الْفَارِقُ لَكِنْ إذَا أَثْبُتَ فِي الْفَرْعِ مَانِعًا يَضُرُّهُ وَكُلُّ كَلَامٍ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ إذَا أُورِدَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْقِ لَا يُقْبَلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُورَدَ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ حَتَّى يُقْبَلَ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إعْتَاقُ الرَّاهِنِ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ) هَذَا تَعْلِيمٌ يَنْفَعُ فِي الْمُنَاظَرَاتِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحًا أَيْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مَنَعَا لِلْعِلَّةِ ــ [التلويح] أَيْ وَمِنْ دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَسَادُ الْوَضْعِ كَمَا يُقَالُ التَّيَمُّمُ مَسْحٌ فَيُسَنُّ فِيهِ التَّثْلِيثُ كَالِاسْتِنْجَاءِ فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْمَسْحِ فِي كَرَاهَةِ التَّكْرَارِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَهَذَا إنَّمَا يُسْمَعُ قَبْلَ ثُبُوتِ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ مِنْ الشَّارِعِ اعْتِبَارُ الْوَصْفِ فِي الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ وَمِنْ دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ، وَلَا تُوجَدُ الْعِلَّةُ وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ شَتَّى كَالْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِرْثِ كَمَا فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ نَوْعَ الْحَرَارَةِ يَحْصُلُ بِالنَّارِ وَالشَّمْسِ وَالْحَرَكَةِ نَعَمْ يَمْتَنِعُ تَوَارُدُ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُحْتَاجًا إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عِلَّةٌ وَمُسْتَغْنًى عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْآخَرَ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ لَيْسَ مَعْنَى تَأْثِيرِهَا الْإِيجَادَ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا حَصَلَ مِنْهُ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالرُّعَافُ وَنَحْوُ ذَلِكَ حَصَلَ حَدَثُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ. (قَوْلُهُ وَمِنْهُ الْفَرْقُ) وَهُوَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ لَهُ مُدْخَلٌ فِي الْعِلِّيَّةِ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْعِ فَيَكُونَ حَاصِلُهُ مَنْعَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَادِّعَاءَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْوَصْفُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَ مَنْصِبَ الْمُعَلَّلِ إذْ السَّائِلُ جَاهِلٌ مُسْتَرْشِدٌ فِي مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ وَقَفَ مَوْقِفَ الدَّعْوَى، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الدَّلِيلِ فَالْمُعَارِضُ حِينَئِذٍ لَا يَبْقَى سَائِلًا بَلْ يَصِيرُ مُدَّعِيًا ابْتِدَاءً، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ نِزَاعٌ جَدَلِيٌّ يَقْصِدُونَ بِهِ عَدَمَ وُقُوعِ الْخَبْطِ فِي الْبَحْثِ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ فِي إظْهَارِ الصَّوَابِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُعَلَّلَ بَعْدَمَا أُثْبِتَ كَوْنُ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ عِلَّةَ لُزُومِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ ضَرُورَةَ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فِيهِ سَوَاءٌ وُجِدَ الْفَارِقُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُثْبِتُ فِي الْأَصْلِ عِلِّيَّةَ وَصْفٍ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْعِ وَهَذَا لَا يُنَافِي عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ الْمُشْتَرَكِ الْمُوجِبِ لِلتَّعْدِيَةِ نَعَمْ لَوْ أُثْبِتَ الْفَارِقُ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ كَانَ قَادِحًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ

стр. 609

الْمُؤَثِّرَةِ فَإِنَّهُ إذَا أُورِدَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْقِ يَمْنَعُ الْجَدَلِيُّ تَوْجِيهَهُ فَيَجِبُ أَنْ يُورَدَ عَلَى سَبِيلِ الْمَنْعِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْقِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْجَدَلِيُّ مِنْ رَدِّهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إعْتَاقُ الرَّاهِنِ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ (فَيُرَدُّ كَالْبَيْعِ فَإِنْ قُلْنَا بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا الْعِتْقَ يَمْنَعُ تَوْجِيهَ هَذَا الْكَلَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ نُورِدَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ إنْ كَانَ هُوَ الْبُطْلَانَ فَلَا نُسَلِّمُ) الْأَصْلَ هُنَا بَيْعُ الرَّاهِن فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ الْبُطْلَانُ فَهَذَا مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الرَّاهِنِ التَّوَقُّفُ (وَإِنْ كَانَ التَّوَقُّفَ) أَيْ إنْ كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ التَّوَقُّفَ (فَفِي الْفَرْعِ إنْ ادَّعَيْتُمْ الْبُطْلَانَ لَا يَكُونُ الْحُكْمَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ وَإِنْ ادَّعَيْتُمْ التَّوَقُّفَ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَكَقَوْلِهِ فِي الْعَمْدِ: قَتْلُ آدَمِيٍّ مَضْمُونٍ ــ [التلويح] مُجَرَّدَ الْفَرْقِ بَلْ بَيَانَ عَدَمِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةِ هِيَ الْوَصْفُ الْمَفْرُوضُ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ (قَوْلُهُ لَكِنْ لَمْ يَجِبْ) أَيْ الْقَوَدُ لِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ قُصُورَ الْجِنَايَةِ بِالْخَطَأِ لَا يُوجِبُ الْمِثْلَ الْكَامِلَ فَوَجَبَ الْمَالُ خَلَفًا عَنْهُ فَإِيجَابُ الْمَالِ فِي الْعَمْدِ بِأَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ لَا يَكُونُ مُمَاثِلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِطَرِيقِ الْمُزَاحَمَةِ دُونَ الْخَلْفِيَّةِ إذْ الْخَلَفُ لَا يُزَاحِمُ الْأَصْلَ بَلْ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَضِيَّةَ الْقِيَاسِ إثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْخَطَأُ إيجَابُ خَلْفِيَّةِ الْمَالِ عَنْ الْقِصَاصِ وَفِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمْدُ إيجَابُ مُزَاحِمَتِهِ لَهُ. [الْمُمَانَعَةُ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ الْمُمَانَعَةُ) وَهِيَ مَنْعُ مُقَدِّمَةِ الدَّلِيلِ إمَّا مَعَ السَّنَدِ أَوْ بِدُونِهِ وَالسَّنَدُ مَا يَكُونُ الْمَنْعُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ الْقِيَاسُ مَبْنِيًّا عَلَى مُقَدِّمَاتٍ هِيَ كَوْنُ الْوَصْفِ عِلَّةً وَوُجُودُهَا فِي الْأَصْلِ وَفِي الْفَرْعِ وَتَحَقُّقُ شَرَائِطِ التَّعْلِيلِ بِأَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَ النَّصِّ، وَلَا يَكُونُ الْأَصْلُ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ وَتَحَقُّقُ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ مِنْ التَّأْثِيرِ وَغَيْرِهِ كَانَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَمْنَعَ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ عِلَّةٌ أَوْ صَالِحٌ لِلْعِلِّيَّةِ، وَهَذَا مُمَانَعَةٌ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهَا فِي الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ أَوْ لَا نُسَلِّمُ تَحَقُّقَ شَرَائِطِ التَّعْلِيلِ أَوْ تَحَقُّقَ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي قَبُولِ الْمُمَانَعَةِ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ فَقِيلَ الْقِيَاسُ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ بِجَامِعٍ، وَقَدْ حَصَلَ فَلَا نُكَلِّفُ إثْبَاتَ مَا لَمْ يَدَّعِهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْجَامِعِ مِنْ ظَنِّ الْعِلِّيَّةِ وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدٍ فَيُؤَدِّي إلَى اللَّعِبِ فَيَصِيرُ الْقِيَاسُ ضَائِعًا وَالْمُنَاظَرَةُ عَبَثًا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ الْخَلُّ مَائِعٌ فَيَرْفَعُ الْخَبَثَ كَالْمَاءِ وَلِهَذَا احْتَاجَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي جَرَيَانِ الْمُمَانَعَةِ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ إلَى بَيَانِهِ بِقَوْلِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسِّكًا بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا كَالطَّرْدِ وَكَالتَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا لِلْعِلِّيَّةِ بَلْ تَكُونُ الْعِلَّةُ غَيْرَهُ كَمَا

стр. 610

فَيُوجِبُ الْمَالَ كَالْخَطَأِ فَنَقُولُ لَيْسَ كَالْخَطَأِ إذْ لَا قُدْرَةَ فِيهِ عَلَى الْمِثْلِ) أَيْ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ جَزَاءٌ كَامِلٌ فَلَا يَجِبُ مَعَ قُصُورِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الْخَطَأُ فَإِنْ أُورِدَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ رُبَّمَا لَا يَقْبَلُهُ الْجَدَلِيُّ فَنُورِدُهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ (فَتَوْجِيهُ هَذَا) أَيْ تَوْجِيهُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ (أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ) وَهُوَ الْخَطَأُ (شَرْعُ الْمَالِ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ وَفِي الْفَرْعِ مُزَاحَمَتُهُ إيَّاهُ) يَعْنِي أَنَّ الْمَالَ شُرِعَ خَلَفًا عَنْ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وُجُوبُ الْقَوَدِ لَكِنْ لَمْ يَجِبْ لِمَا قُلْنَا فَوَجَبَ خَلَفُهُ وَفِي الْفَرْعِ وَهُوَ الْعَمْدُ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُزَاحَمَةُ الْمَالِ الْقَوَدَ فَلَا يَكُونُ الْحُكْمَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ. (وَمِنْهُ الْمُمَانَعَةُ فَهِيَ إمَّا فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسِّكًا بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا كَالطَّرْدِ وَالتَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ الْعِلَّةُ هَذَا بَلْ غَيْرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا ــ [التلويح] قُتِلَ عَبْدٌ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ كَالْمُكَاتَبِ فَقِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ أَعْنِي الْمُكَاتَبِ كَوْنُهُ عَبْدًا بَلْ جَهَالَةُ الْمُسْتَحَقِّ أَنَّهُ السَّيِّدُ أَوْ الْوَارِثُ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الْعِلَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُمَانَعَةَ فِي نَفْسِ الْحُجَّةِ هِيَ أَسَاسُ الْمُنَاظَرَةِ لِعُمُومِ وُرُودِهَا عَلَى الْقِيَاسِ إذْ قَلَّمَا تَكُونُ الْعِلَّةُ قَطْعِيَّةً وَعِنْدَ إيرَادِهَا يَرْجِعُ الْمُعَلَّلُ فِي التَّقَصِّي عَنْهَا إلَى مَسَالِكِ الْعِلَّةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهَا أَبْحَاثٌ فَيُطَوِّلُ الْقِيلَ وَالْقَالَ وَيُكْثِرُ الْجَوَابَ وَالسُّؤَالَ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْمَانِعَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَطَلَبِ الدَّلِيلِ لَا عَلَى وَجْهِ الدَّعْوَى وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَصِحُّ الْمُمَانَعَةُ بَعْدَ ظُهُورِ تَأْثِيرِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ بِمَعْنَى اعْتِبَارِ نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ وَتَكُونُ عِلَّةُ الْحُكْمِ غَيْرَهُ أَوْ يَكُونُ مُقْتَصِرًا عَلَى الْأَصْلِ بِخِلَافِ فَسَادِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بَعْدَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ وَلِهَذَا جَعَلَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ دَفْعَ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ بِالْمُمَانَعَةِ وَ الْمُعَارَضَةِ صَحِيحًا وَبِالنَّقْضِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ فَاسِدًا نَعَمْ قَدْ يُورِدُ النَّقْضَ وَفَسَادَ الْوَضْعِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. [الْمُعَارَضَةُ] (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ الِاعْتِرَاضَاتِ إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَدِلِّ الْإِلْزَامُ بِإِثْبَاتِ مُدَّعَاهُ بِدَلِيلِ الْمُعْتَرِضِ، عَدَمُ الِالْتِزَامِ بِمَنْعِهِ عَنْ إثْبَاتِهِ بِدَلِيلِهِ، وَالْإِثْبَاتُ يَكُونُ بِصِحَّةِ مُقَدِّمَاتِهِ لِيَصْلُحَ لِلشَّهَادَةِ وَبِسَلَامَتِهِ عَنْ الْمُعَارِضِ لِتَنْفُذَ شَهَادَتُهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَالدَّفْعُ يَكُونُ بِهَدْمِ أَحَدِهِمَا فَهَدْمُ شَهَادَةِ الدَّلِيلِ يَكُونُ بِالْقَدْحِ فِي صِحَّتِهِ بِمَنْعِ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، وَهَدْمُ سَلَامَتِهِ يَكُونُ بِفَسَادِ شَهَادَتِهِ فِي الْمُعَارَضَةِ بِمَا يُقَابِلُهَا وَبِمَنْعِ ثُبُوتِ حُكْمِهَا فَمَا لَا يَكُونُ مِنْ الْقَبِيلَيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِ الِاعْتِرَاضِ فَالنَّقْضُ وَفَسَادُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْعِ وَالْقَلْبُ وَالْعَكْسُ وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ تَخْصِيصِ الْمُنَاقَضَةِ بِالْمَنْعِ مَعَ السَّنَدِ يُبْطِلُ حَصْرَ الِاعْتِرَاضِ فِي الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ

стр. 611

فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَأَمَّا فِي وُجُودِهَا فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ كَمَا مَرُّوا فِي شُرُوطِ التَّعْلِيلِ وَأَوْصَافِ الْعِلَّةِ كَكَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً) (وَمِنْهُ الْمُعَارَضَةُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إمَّا أَنْ يُبْطِلَ دَلِيلَ الْمُعَلِّلِ وَيُسَمَّى مُنَاقَضَةً أَوْ يُسَلِّمُهُ لَكِنْ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى نَفْيِ مَدْلُولِهِ وَيُسَمَّى مُعَارَضَةً وَتَجْرِي فِي الْحُكْمِ وَفِي عِلَّتِهِ وَالْأُولَى تُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْحُكْمِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ) فَقَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ هَذَا تَقْسِيمُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ لَا تَقْسِيمُ الْمُعَارَضَةِ فَإِذَا عَلَّلَ الْمُعَلِّلُ فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَمْنَعَ مُقَدَّمَاتِ دَلِيلِهِ وَيُسَمَّى هَذَا مُمَانَعَةً فَإِذَا ذَكَرَ لِمَنْعِهِ سَنَدًا يُسَمَّى مُنَاقَضَةً كَمَا يَقُولُ مَا ذَكَرْت لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ طَرْدٌ مُجَرَّدٌ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ إلَى آخِرِ مَا عَرَفْت فِي الْمُمَانَعَةِ وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ دَلِيلَهُ ــ [التلويح] لِخُرُوجِ الْمَنْعِ الْمُجَرَّدِ عَنْهُمَا وَعِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ: الْمُنَاقَضَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ مُقَدِّمَةِ الدَّلِيلِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ السَّنَدِ أَوْ بِدُونِهِ وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّقْضِ وَمَرْجِعُهَا إلَى الْمُمَانَعَةِ؛ لِأَنَّهَا امْتِنَاعٌ عَنْ تَسْلِيمِ بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ السَّنَدِ لَهُ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُونُ الْمُعَارَضَةُ مِنْ أَقْسَامِ الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ الْخَصْمِ قَدْ ثَبَتَ بِتَمَامِ دَلِيلِهِ قُلْنَا هِيَ فِي الْمَعْنَى نَفْيٌ لِتَمَامِ الدَّلِيلِ وَنَفَاذِ شَهَادَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ حَيْثُ قُوبِلَ بِمَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ مَدْلُولِهِ وَلَمَّا كَانَ الشُّرُوعُ فِيهَا بَعْدَ تَمَامِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ ظَاهِرًا لَمْ يَكُنْ غَصْبًا؛ لِأَنَّ السَّائِلَ قَدْ قَامَ عَنْ مَوْقِفِ الْإِنْكَارِ إلَى مَوْقِفِ الِاسْتِدْلَالِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَدْحَ الْمُعْتَرِضِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَالْقَصْدِ فِي الدَّلِيلِ أَوْ فِي الْمَدْلُولِ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْعِ شَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ وَالْمَمْنُوعُ إمَّا مُقَدَّمَةٌ مُعَيَّنَةٌ مَعَ ذِكْرِ السَّنَدِ أَوْ بِدُونِهِ وَيُسَمَّى مُنَاقَضَةً، وَإِمَّا مُقَدِّمَةٌ لَا بِعَيْنِهَا وَهُوَ النَّقْدُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الدَّلِيلُ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ لَمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ إقَامَةِ الْمُعَلِّلِ دَلِيلًا عَلَى إثْبَاتِهَا وَهُوَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ فَيَدْخُلُ فِي أَقْسَامِ الْمُعَارَضَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا وَهُوَ الْغَصْبُ الْغَيْرُ الْمَسْمُوعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْخَيْطَ فِي الْبَحْثِ بِوَاسِطَةٍ بَعْدَ كُلٍّ مِنْ الْمُعَلِّلِ وَالسَّائِلِ عَمَّا كَانَا فِيهِ وَضَلَالُهُمَا عَمَّا هُوَ طَرِيقُ التَّوْجِيهِ وَالْمَقْصُودِ بِنَاءً عَلَى انْقِلَابِ حَالِهِمَا وَاضْطِرَابِ مَقَالِهِمَا كُلَّ سَاعَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدْحُ فِي الْمَدْلُولِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلدَّلِيلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَنْعِ الْمَدْلُولِ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَإِمَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ وَتَجْرِي فِي الْحُكْمِ بِأَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ وَفِي عِلَّتِهِ بِأَنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْحُكْمِ وَالثَّانِيَةُ الْمُعَارَضَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَتَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَمَامِ الدَّلِيلِ مُنَاقَضَةً وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْحُكْمِ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَلَوْ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَهُوَ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فَمِنْ

стр. 612

فَيَقُولُ مَا ذَكَرْت مِنْ الدَّلِيلِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ الْمَدْلُولِ لَكِنْ عِنْدِي مَا يَنْفِي ذَلِكَ الْمَدْلُولَ وَيُقِيمُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ مَدْلُولِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْلُولُ هُوَ الْحُكْمَ أَوْ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِهِ، الْأَوَّلِ يُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْحُكْمِ وَالثَّانِي يُسَمَّى مُعَارَضَةً فِي الْمُقَدِّمَةِ كَمَا إذَا أَقَامَ الْمُعَلِّلُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لِلْحُكْمِ هِيَ الْوَصْفُ الْفُلَانِيُّ فَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ لَا يَنْقُضَ دَلِيلَهُ بَلْ يُثْبِتُ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فَهَذَا مُعَارَضَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِي تَقْسِيمِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْحُكْمِ فَقَالَ (أَمَّا الْأُولَى فَإِمَّا بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَهِيَ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ فَإِنْ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَقَلْبٌ كَقَوْلِهِ: صَوْمُ رَمَضَانَ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ كَالْقَضَاءِ فَنَقُولُ صَوْمُ فَرْضٍ فَيُسْتَغْنَى عَنْ التَّعْيِينِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ كَالْقَضَاءِ لَكِنْ هُنَا ــ [التلويح] حَيْثُ إثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا الْمُنَاقَضَةُ فَمِنْ حَيْثُ إبْطَالُ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ إذْ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ لَا يَقُومُ عَلَى النَّقِيضَيْنِ فَإِنْ قُلْت فِي الْمُعَارَضَةِ تَسْلِيمُ دَلِيلِ الْخَصْمِ وَفِي الْمُنَاقَضَةِ إنْكَارُهُ فَكَيْفَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ قُلْتُ يَكْفِي فِي الْمُعَارَضَةِ التَّسْلِيمُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْإِنْكَارِ قَصْدًا فَإِنْ قُلْتَ فَفِي كُلِّ مُعَارَضَةٍ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ وَإِبْطَالَهُ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ دَلِيلِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ. قُلْتُ عِنْدَ تَغَايُرِ الدَّلِيلَيْنِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِلُ دَلِيلَ الْمُعَارِضِ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّحَدَ الدَّلِيلُ ثُمَّ دَلِيلُ الْمُعَارِضُ إنْ كَانَ عَلَى نَقِيضِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ فَقَلْبٌ وَإِنْ كَانَ مَا يَسْتَلْزِمُهُ فَعَكْسٌ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهِيَ الْمُنَاقَضَةُ الْخَالِصَةُ وَإِثْبَاتُهُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِتَغْيِيرِ مَا وُكِّلَ مِنْهُمَا صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ إنْ كَانَتْ بِجَعْلِ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ مَعْلُولًا وَالْمَعْلُولِ عِلَّةً فَمُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ وَإِلَّا فَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ لِنَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ، وَقَدْ تَكُونُ لِإِثْبَاتِ عِلِّيَّةِ عِلَّةٍ أُخْرَى إمَّا قَاصِرَةٍ وَإِمَّا مُتَعَدِّيَةٍ إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَرْدُودٌ وَأَمْثِلَتُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ قُلْت بَعْدَ مَا ظَهَرَ تَأْثِيرُ الْعِلَّةِ كَيْفَ يَصِحُّ مُعَارَضَتُهَا خُصُوصًا بِطَرِيقِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ جَعْلُ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا عِلَّةً لِنَقِيضِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ قُلْتُ رُبَّمَا يُظَنُّ ظُهُورُ التَّأْثِيرِ، وَلَا تَأْثِيرَ وَرُبَّمَا يُورَدُ عَلَى الْمُؤَثِّرِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ أَوْ قَلْبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُنَافَاةُ إنَّمَا هِيَ بَيْنَ تَأْثِيرٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَتَمَامِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى الْقَطْعِ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَهَكَذَا حُكْمُ فَسَادِ الْوَضْعِ فَتَخْصِيصُهُ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ ثُبُوتِ التَّأْثِيرِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِزِيَادَةِ شَيْءٍ عَلَيْهِ) يَعْنِي زِيَادَةً تُفِيدُ تَقْرِيرًا وَتَفْسِيرًا لَا تَبْدِيلًا وَتَغْيِيرًا لِيَكُونَ قَلْبًا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَلْبِ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ كَقَلْبِ الْجِرَابِ يُسَمَّى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ جَعَلَ الْعِلَّةَ شَاهِدًا لَهُ بَعْدَ مَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْهِ أَوْ عَكْسًا وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَكَسْتُ الشَّيْءَ رَدَدْته إلَى وَرَائِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ

стр. 613

التَّعْيِينُ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَفِي الْقَضَاءِ بِالشُّرُوعِ) أَيْ تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ تَعْيِينٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ بِتَعْيِينِ اللَّهِ وَفِي الْقَضَاءِ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ (وَكَقَوْلِهِ: مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَنَقُولُ رُكْنٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى حُكْمٍ آخَرَ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ النَّقِيضُ يُسَمَّى عَكْسًا كَقَوْلِهِ: فِي صَلَاةِ النَّفْلِ عِبَادَةٌ لَا تَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَلَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ النَّذْرُ وَالشُّرُوعُ كَالْوُضُوءِ) اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَجِبُ بِالشَّرْعِ لَا بُدَّ أَنْ يَجِبَ الْمُضِيُّ فِيهَا إذَا فَسَدَتْ كَمَا فِي الْحَجِّ فَيَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ إذَا فَسَدَتْ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا لَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فَنَقُولُ لَوْ كَانَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ ــ [التلويح] رَدُّ أَوَّلِ الشَّيْءِ إلَى آخِرِهِ وَآخِرِهِ إلَى أَوَّلِهِ نَظِيرُ الْعَكْسِ مَا إذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَلَاةُ النَّفْلِ عِبَادَةٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا إذَا فَسَدَتْ فَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ الْمَذْكُورُ وَهُوَ صَلَاةُ النَّفْلِ مِثْلَ الْوُضُوءِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ النَّذْرُ وَالشُّرُوعُ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَذَلِكَ إمَّا بِشُمُولِ الْعَدَمِ أَوْ بِشُمُولِ الْوُجُودِ وَالْأَوَّلِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ الثَّانِي وَهُوَ الْوُجُوبُ بِالنَّذْرِ وَالشُّرُوعِ جَمِيعًا وَهُوَ نَقِيضُ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ فَالْمُعْتَرِضُ أَثْبَتَ بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وُجُوبَ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي لَزِمَ مِنْهُ وُجُوبُ صَلَاةِ النَّفْلِ بِالشُّرُوعِ وَهُوَ نَقِيضُ مَا أَثْبَتَهُ الْمُعَلِّلُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِهَا بِالشُّرُوعِ. (قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ) يَعْنِي ادَّعَى الْمُعَلِّلُ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَجِبُ بِالشُّرُوعِ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهَا عِنْدَ الْفَسَادِ وَيَلْزَمُهَا بِحُكْمِ عَكْسِ النَّقِيضِ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا لَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ فَاعْتَرَضَ السَّائِلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ لَكَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ لِمَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الشُّرُوعَ مَعَ النَّذْرِ فِي الْإِيجَابِ بِمَنْزِلَةِ تَوْأَمَيْنِ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ عَهِدَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وَكَذَا الشَّارِعُ عَزَمَ عَلَى الْإِيقَاعِ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ صِيَانَةً لِمَا أَدَّى إلَى الْبُطْلَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ اسْتِوَاءُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَعْنِي فِي عَدَمِ وُجُوبِ صَلَاةِ النَّفْلِ بِهِمَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِوُجُوبِهَا بِالنَّذْرِ إجْمَاعًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ غَيْرُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ كَوْنُ الِاعْتِرَاضِ مِنْ قَبِيلِ الْعَكْسِ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَقْرِيبًا إلَى أَنَّ هَذِهِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ لِتَضَمُّنِهَا إبْطَالَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي الْفَاسِدِ لَوْ كَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ لَكَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ. (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ) يَعْنِي أَنَّ الْقَلْبَ أَقْوَى مِنْ

стр. 614

لَكَانَ عِلَّةً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ فَلَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَالنَّذْرِ فَيَلْزَمُ اسْتِوَاءُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ فِي هَذَا الْحُكْمِ (وَالْأَوَّلُ أَقْوَى مِنْ هَذَا) أَيْ الْقَلْبُ أَقْوَى مِنْ الْعَكْسِ (لِأَنَّهُ جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ وَبِحُكْمٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ جَاءَ فِي الْعَكْسِ بِحُكْمٍ آخَرَ وَفِي الْقَلْبِ جَاءَ بِنَقِيضِ حُكْمٍ يَدَّعِيهِ الْمُعَلِّلُ فَالْقَلْبِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَكْسِ اشْتَغَلَ بِمَا لَيْسَ هُوَ بِصَدَدِهِ وَهُوَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَفِي الْقَلْبِ لَمْ يُشْغَلْ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ إذْ الِاسْتِوَاءُ يَكُونُ بِطَرِيقَيْنِ وَالْمُعْتَرِضُ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَيُّهُمَا وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ الْمُبَيَّنِ أَقْوَى مِنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُجْمَلِ وَأَيْضًا الِاسْتِوَاءُ الَّذِي فِي الْفَرْعِ غَيْرُ الِاسْتِوَاءِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَفِي الْوُضُوءِ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْعَدَمِ وَفِي الْفَرْعِ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْوُجُودِ وَإِمَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ) ــ [التلويح] الْعَكْسِ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُعْتَرِضَ بِالْعَكْسِ جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ غَيْرِ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهِ بِخِلَافِ الْمُعْتَرِضِ بِالْقَلْبِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا بِنَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَاكِسَ جَاءَ بِحُكْمٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ الِاسْتِوَاءُ الْمُحْتَمِلُ لِشُمُولِ الْوُجُودِ وَشُمُولِ الْعَدَمِ وَالْقَالِبُ جَاءَ بِحُكْمٍ مُفَسِّرٍ هُوَ نَفْيُ دَعْوَى، الْمُعَلِّلُ الثَّالِثُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ إثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ وَلَمْ يُرَاعِ هَذَا فِي الْعَكْسِ إلَّا مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ وَاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِي الْأَصْلِ أَعْنِي الْوُضُوءَ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْعَدَمِ أَعْنِي عَدَمَ الْوُجُوبِ بِالنَّذْرِ، وَلَا بِالشُّرُوعِ، وَفِي الْفَرْعِ أَعْنِي صَلَاةَ النَّفْلِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ شُمُولِ الْوُجُودِ أَعْنِي الْوُجُوبَ بِالنَّذْرِ وَالشُّرُوعِ جَمِيعًا فَلَا مُمَاثَلَةَ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِيهِ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ لِكَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ الْمُعَارَضَةُ نَوْعَانِ مُعَارَضَةٌ فِيهَا مُنَاقَضَةٌ وَمُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ أَمَّا الْأُولَى فَالْقَلْبُ وَيُقَابِلُهُ الْعَكْسُ وَالْقَلْبُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَعْلُولَ عِلَّةً وَالْعِلَّةَ مَعْلُولًا مِنْ قَلَبْتُ الشَّيْءَ جَعَلْته مَنْكُوسًا، وَثَانِيهِمَا أَنْ تَجْعَلَ الْوَصْفَ شَاهِدًا لَك بَعْدَ مَا كَانَ شَاهِدًا عَلَيْك مِنْ قَلَبَ الشَّيْءِ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَأَمَّا الْعَكْسُ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ أُلْحِقَ بِهَذَا الْبَابِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى رَدِّ الشَّيْءِ عَلَى سَنَنِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يَصْلُحُ لِتَرْجِيحِ الْعِلَلِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ زِيَادَةُ تَعَلُّقٍ بِالْعِلَّةِ حَيْثُ يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا مَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ، وَعَكْسُهُ الْوُضُوءُ بِمَعْنَى أَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ وَثَانِيهِمَا بِمَعْنَى رَدِّ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ سَنَنِهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهَا فَلَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ كَالْوُضُوءِ فَيُقَالُ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ عَمَلُ النَّذْرِ وَالشُّرُوعُ كَالْوُضُوءِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْقَلْبِ ضَعِيفٌ

стр. 615

عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَأَمَّا بِدَلِيلِ الْمُعَلِّلِ (وَهُوَ مُعَارَضَةٌ خَالِصَةٌ وَهُوَ إمَّا أَنْ يُثْبِتَ نَقِيضَ حُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ حُكْمًا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ النَّقِيضُ كَقَوْلِهِ: الْمَسْحُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغُسْلِ فَنَقُولُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ، وَهَذَا) أَيْ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ (أَقْوَى الْوُجُوهِ) فَقَوْلُهُ الْمَسْحُ رُكْنٌ نَظِيرُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ (وَكَقَوْلِنَا فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا: صَغِيرَةٌ فَتُنْكَحُ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ فَيُقَالُ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةِ الْأُخُوَّةِ كَالْمَالِ فَلَمْ يَنْفِ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ بَلْ وِلَايَةً بِعَيْنِهَا لَكِنْ إذَا انْتَفَتْ هِيَ يَنْتَفِي سَائِرُهَا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْفِي الْإِجْبَارَ بِوِلَايَةِ الْإِخْوَةِ يَنْفِي الْإِجْبَارَ بِوِلَايَةِ الْعُمُومَةِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا نَظِيرُ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ الْمُعَارَضَةِ (وَكَالَتِي) نَظِيرُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ (نُعِيَ إلَيْهَا زَوْجُهَا فَنُكِحَتْ وَوَلَدَتْ ثُمَّ جَاءَ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ فَيُقَالُ الثَّانِي صَاحِبُ فِرَاشٍ فَاسِدٍ فَيَسْتَحِقُّ النَّسَبَ كَمَنْ ــ [التلويح] لِأَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِحُكْمٍ آخَرَ ذَهَبَتْ الْمُنَاقَضَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَمْ يَنْفِ التَّسْوِيَةَ لِيَكُونَ إثْبَاتُهَا دَفْعًا لِدَعْوَاهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ حُكْمٌ مُجْمَلٌ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ أَعْنِي الْمُعَارَضَةُ الْخَالِصَةُ فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ اثْنَانِ فِي الْفَرْعِ وَثَلَاثَةٌ فِي الْأَصْلِ وَجَعَلَ أَحَدَ أَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الْمُعَارَضَةَ بِزِيَادَةٍ هِيَ تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ كَمَا يُقَالُ الْمَسْحُ رُكْنٌ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالْغُسْلِ فَيُقَالُ رُكْنٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَعْدَ إكْمَالِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ كَالْغُسْلِ وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْ الْقَلْبِ فَأُورِدُهُ تَارَةً فِي الْمُعَارَضَةِ الَّتِي فِيهَا مُنَاقَضَةٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقْرِيرٌ فَيَكُون مِنْ قَبِيلِ جَعْلِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ دَلِيلًا عَلَى نَقِيضِ مُدَّعَاهُ فَيَلْزَمُ إبْطَالُهُ وَتَارَةً فِي الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ أَنَّهُ مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لَيْسَ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِعَيْنِهِ وَأَيْضًا جَعَلَ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ، الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الْعَكْسِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَقْوَى الْوُجُوهِ) لِدَلَالَتِهِ صَرِيحًا عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمُعَارَضَةِ وَهُوَ إثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ بِعَيْنِهِ. (قَوْلُهُ وَكَقَوْلِنَا فِي صَغِيرَةٍ) يَعْنِي مِثَالَ الْمُعَارَضَةِ الْخَالِصَةِ الَّتِي تُثْبِتُ نَقِيضَ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ بِتَغَيُّرٍ مَا، قَوْلُنَا فِي إثْبَاتِ وِلَايَةِ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا، وَلَا جَدَّ لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ صَغِيرَةً فَيَثْبُتُ عَلَيْهَا وِلَايَةُ النِّكَاحِ كَاَلَّتِي لَهَا أَبٌ بِعِلَّةِ الصِّغَرِ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ صَغِيرَةٌ فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهَا بِوِلَايَةِ الْأُخُوَّةِ كَالْمَالِ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَخِ عَلَى مَالِ الصَّغِيرَةِ لِقُصُورِ الشَّفَقَةِ فَالْعِلَّةُ هِيَ قُصُورُ الشَّفَقَةِ لَا الصِّغَرِ عَلَى مَا يُفْهَمْ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُعَارَضَةً خَالِصَةً بَلْ قَلْبًا فَالْمُعَلِّلُ أَثْبَتَ مُطْلَقَ الْوِلَايَةِ وَالْمُعَارِضُ لَمْ يَنْفِهَا بَلْ نَفَى وِلَايَةَ الْأَخِ فَوَقَعَ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ تَغْيِيرٌ هُوَ التَّقْيِيدُ بِالْأَخِ وَلَزِمَ نَفْيُ حُكْمِ الْمُعَلِّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ الْقَرَابَاتِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ

стр. 616

تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودِ فَوَلَدَتْ فَالْمُعَارِضُ وَإِنْ أَثْبَتَ حُكْمًا آخَرَ) وَهُوَ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ لِلثَّانِي نَفْيُهُ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِذَا ثَبَتَ الْمُعَارَضَةُ فَالسَّبِيلُ التَّرْجِيحُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ صَاحِبُ فِرَاشٍ صَحِيحٍ وَهُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ كَوْنِ الثَّانِي حَاضِرًا وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمِنْهَا مَا فِيهِ مَعْنَى الْمُنَاقَضَةِ وَهُوَ أَنْ تُجْعَلَ الْعِلَّةُ مَعْلُولًا وَالْمَعْلُولُ عِلَّةً وَهِيَ قَلْبٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَرِدُ هَذَا إذَا (كَانَتْ الْعِلَّةُ حُكْمًا لَا وَصْفًا) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَصْفًا لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَعْلُولًا وَالْحُكْمَ عِلَّةً (نَحْوُ: الْكُفَّارُ جِنْسٌ يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً فَيُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّ جَلْدَ الْمِائَةِ غَايَةُ حَدِّ الْبِكْرِ وَالرَّجْمُ غَايَةُ حَدِّ الثَّيِّبِ فَإِذَا وَجَبَ فِي الْبِكْرِ غَايَتُهُ وَجَبَ فِي الثَّيِّبِ غَايَتُهُ أَيْضًا فَإِنَّ النِّعْمَةَ كُلَّهَا كَانَتْ أَكْمَلَ فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ أَفْحَشَ فَجَزَاؤُهَا يَكُونُ أَغْلَظَ فَإِذَا وَجَبَ فِي الْبِكْرِ الْمِائَةُ يَجِبُ فِي الثَّيِّبِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا إلَّا الرَّجْمَ فَإِنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَ فَوْقَ جَلْدِ الْمِائَةِ إلَّا الرَّجْمَ (وَالْقِرَاءَةُ تَكَرَّرَتْ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ فَكَانَتْ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَنَقُولُ الْمُسْلِمُونَ إنَّمَا يُجْلَدُ بِكْرُهُمْ مِائَةً؛ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ ثَيِّبُهُمْ) يَعْنِي لَوْ جَعَلَ الْمُعَلِّلُ جَلْدَ الْبِكْرِ عِلَّةً لِرَجْمِ الثَّيِّبِ، فَنَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ هَذَا بَلْ رَجْمُ الثَّيِّبِ عِلَّةٌ لِجَلْدِ الْبِكْرِ وَإِنَّمَا تَكَرَّرَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرْضًا فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فَرْضًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالْمُخْلَصُ ــ [التلويح] فَنَفْيُ وِلَايَتِهِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ وِلَايَةِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِيرُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ وَجْهُ صِحَّةٍ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الْأَوَّلِ صَاحِبَ فِرَاشٍ صَحِيحٍ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ كَوْنِ الثَّانِي حَاضِرًا مَعَ فَسَادِ الْفِرَاشِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْفِرَاشِ تُوجِبُ حَقِيقَةَ النَّسَبِ وَالْفَاسِدُ شُبْهَتُهُ وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ شُبْهَتِهِ وَرُبَّمَا يُقَالُ بَلْ فِي الْحُضُورِ حَقِيقَةُ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ مَائِهِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ قَلْبٌ أَيْضًا) مِنْ إذَا قَلَبْت الْإِنَاءَ وَجَعَلْت أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ أَصْلٌ وَهُوَ أَعْلَى وَالْمَعْلُولُ فَرْعٌ وَهُوَ أَسْفَلُ فَتَبْدِيلُهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْكُوزِ مَنْكُوسًا لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ مُعَارَضَةً إذَا أَقَامَ الْمُعْتَرِضُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا ادَّعَاهُ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً وَإِلَّا فَهُوَ مُمَانَعَةٌ مَعَ السَّنَدِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَعَمْ لَوْ أَثْبَتَ كَوْنَ الْعِلَّةِ مَعْلُولًا لَزِمَ نَفْيُ عِلِّيَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَعْلُولَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْحُكْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّائِلَ عَارَضَ تَعْلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ بِتَعْلِيلٍ آخَرَ لَزِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ تَعْلِيلُهُ فَلَزِمَ بُطْلَانُ حُكْمِهِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ التَّعْلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى. (قَوْلُهُ وَالْمُخَلِّصُ) لَا يُرِيدُ بِالْمُخْلِصِ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْقَلْبِ وَدَفَعَهُ بَلْ الِاحْتِرَازُ عَنْ وُرُودِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُورِدَ الْحُكْمَيْنِ بِطَرِيقِ تَعْلِيلِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عَلَى ثُبُوتِ الْآخَرِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي جَعْلِ الْمَعْلُولِ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ بِأَنْ يُفِيدَ التَّصْدِيقَ بِثُبُوتِهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ الْخَشَبَةُ

стр. 617

عَنْ هَذَا أَيْ التَّعْلِيلِ بِوَجْهٍ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَلْبُ (أَنْ لَا يُذْكَرَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا عَلَى وُجُودِ الْآخَرِ إذَا ثَبَتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا نَحْوُ: مَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إذَا صَحَّ كَالْحَجِّ) فَتَجِبُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِالشُّرُوعِ تَطَوُّعًا وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا الْحَجُّ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَنَقُولُ الْغَرَضُ الِاسْتِدْلَال مِنْ لُزُومِ الْمَنْذُورِ عَلَى لُزُومِ مَا شَرَعَ لِثُبُوتِ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا بَلْ الشُّرُوعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ رِعَايَةُ مَا هُوَ سَبَبُ الْقُرْبَةِ وَهُوَ النَّذْرُ (فَلَأَنْ يَجِبَ رِعَايَةُ مَا هُوَ الْقُرْبَةُ أَوْلَى وَنَحْوُ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ يُوَلَّى عَلَيْهَا فِي مَالِهَا فَكَذَا فِي نَفْسِهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ) فَيَثْبُتُ إجْبَارُ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَقَالُوا إنَّمَا يُوَلَّى عَلَى الْبِكْرِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ يُوَلَّى فِي نَفْسِهَا فَنَقُولُ الْوِلَايَةُ شُرِعَتْ لِلْحَاجَةِ، وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ فِيهَا سَوَاءٌ) أَيْ لَا نَقُولُ إنَّ الْوِلَايَةَ فِي الْمَالِ عِلَّةٌ لِلْوِلَايَةِ فِي النَّفْسِ بَلْ نَقُولُ كِلْتَاهُمَا شُرِعَتَا لِلْحَاجَةِ فَتَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَإِذَا ثَبَتَتْ إحْدَاهُمَا ثَبَتَتْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَاحِدٌ (وَهَذِهِ الْمُسَاوَاةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرُوا) وَهُمَا مَسْأَلَتَا رَجْمِ الْكُفَّارِ وَالْقِرَاءَةِ فِي الشَّفْعِ الْأَخِيرِ فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ يُمْكِنُ لَنَا فِي مَسْأَلَةِ ــ [التلويح] قَدْ مَسَّتْهَا النَّارُ؛ لِأَنَّهَا مُحْتَرِقَةٌ وَهَذَا الشَّخْصُ مُتَعَفِّنُ الْأَخْلَاطِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُومٌ وَهَذَا الْمُخَلِّصُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَسَاوِي الْحُكْمَيْنِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَلْزِمًا لِثُبُوتِ الْآخَرِ لِيَصِحَّ الِاسْتِدْلَال كَمَا فِي النَّذْرِ وَالشُّرُوعِ وَكَالْوِلَايَةِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَبِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ فَإِنْ قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَغَيْرُ مُتَصَوَّرٍ كَيْفَ وَالْمَالُ مُبْتَذَلٌ وَالنَّفْسُ مُكَرَّمَةٌ وَإِنْ أُرِيدَ الْمُسَاوَاةُ مِنْ وَجْهٍ فَالْفَرْقُ لَا يَضُرُّ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي بُنِيَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ كَالْحَاجَةِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْوِلَايَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَحَقَّقَ الْحَاجَةُ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ بِخِلَافِ النَّفْسِ فَإِنَّهَا تَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ أُجِيبُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ فَيُحْتَاجُ فِي النَّفْسِ لِعَدَمِ الْكُفْءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْمَالِ لِكَثْرَتِهِ فَتَسَاوَيَا. (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً لَا يُقْبَلُ) لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلتَّعْدِيَةِ وَذَلِكَ كَمَا إذَا قُلْنَا الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ مَوْزُونٌ مُقَابَلٌ بِالْجِنْسِ فَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَيُعَارَضُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلَ هِيَ الثَّمَنِيَّةُ دُونَ الْوَزْنِ وَيُقْبَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُعْتَرِضِ إبْطَالُ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ فَإِذَا بَيَّنَ عِلِّيَّةَ وَصْفٍ آخَرَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا بِالْعِلِّيَّةِ فَلَا يُقْبَلُ وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ فَلَا يَصِحُّ الْجَزْمُ بِالِاسْتِقْلَالِ حَتَّى قَالُوا إنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ عِلِّيَّتَهُ لَوْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إثْبَاتُهُ

стр. 618

الشُّرُوعِ فِي النَّفْلِ وَفِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ الْمُخَلِّصُ عَنْ الْقَلْبِ وَلَوْ يُمْكِنُ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ وَالْقِرَاءَةِ أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ فَلِأَنَّ الرَّجْمَ وَالْجَلْدَ لَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَتْلٌ وَالْآخَر ضَرْبٌ وَلَا فِي شُرُوطِهِمَا حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِأَحَدِهِمَا مَا لَا يُشْتَرَطُ لَلْآخَرِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا عَلَى وُجُودِ الْآخَرِ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْقِرَاءَةِ فَلِأَنَّ الشَّفْعَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ لَيْسَا بِسَوَاءٍ فِي الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ سَاقِطَةٌ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَأَيْضًا الْجَهْرُ سَاقِطٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا إشَارَةٌ إلَى هَذَا وَمِنْهَا خَالِصَةٌ فَإِنْ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى نَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا أَثْبَتَهُ الْمُعَلِّلُ فَمَقْبُولَةٌ وَإِنْ أَقَامَ عَلَى عِلِّيَّةِ شَيْءٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَمَا يُعَارِضُنَا مَالِكٌ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ وَالِادِّخَارُ، وَهُوَ ــ [التلويح] فِي مَحَلٍّ آخَر وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي بُطْلَانِ الْمُعَارَضَةِ بِإِثْبَاتِ عِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إلَى مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ شَتَّى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْمُعَلِّلِ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ وَهَذَا كَافٍ فِي غَرَضِ الْمُعْتَرِضِ أَعْنِي الْقَدْحَ فِي عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ لَا يُقَالُ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ عِلِّيَّةُ الْوَصْفِ وَظَهَرَ تَأْثِيرُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا قَطْعًا بَلْ ظَنًّا وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ عِلِّيَّةِ وَصْفٍ آخَرَ مُوجِبًا لِزَوَالِ الظَّنِّ بِعِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ اسْتِقْلَالًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَعَدَّى) أَيْ الشَّيْءُ الْآخَرُ الَّذِي ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ عِلِّيَّتَهُ إلَى فَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَمَا إذَا قِيلَ الْجَصُّ مَكِيلٌ قُوبِلَ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمُ مُتَفَاضِلًا كَالْحِنْطَةِ فَيُعَارِضُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الطَّعْمُ فَيَتَعَدَّى إلَى الْفَوَاكِهِ وَمَا دُونِ الْكَيْلِ كَبَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِمَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمِثْلُ هَذَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ وَالْمُعْتَرِضَ قَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فَقَطْ إذْ لَوْ اسْتَقَلَّ كُلٌّ بِالْعِلِّيَّةِ لَمَا وَقَعَ نِزَاعٌ فِي الْفَرْعِ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ فَإِثْبَاتُ عِلِّيَّةِ أَحَدِهِمَا تُوجِبُ نَفْيَ عِلِّيَّةِ الْآخَرِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَدَّى إلَى فَرْعٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمُعَلِّلُ عَلَيْهِ وَصْفَ الْمُعْتَرِضِ أَيْضًا؛ قَوْلًا بِتَعَدُّدِ الْعِلَّةِ كَمَا إذَا ادَّعَى أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا هِيَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ ثُمَّ الْتِزَامُ أَنَّ الِاقْتِيَاتَ وَالِادِّخَارَ أَيْضًا عِلَّةٌ لِيَتَعَدَّى إلَى الْأَرُزِّ لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّ الطَّعْمَ أَيْضًا عِلَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ جَرَيَانَ الرِّبَا فِي التُّفَّاحِ مَثَلًا فَإِنْ قُلْت الْكَلَامُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ عِلِّيَّةُ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ وَتَأْثِيرُهُ فَانْتِفَاؤُهُ بِثُبُوتِ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قُلْتُ: الْمُرَادُ أَنَّ ثُبُوتَ عِلِّيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ عِلِّيَّةِ الْآخَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدٌ لَا غَيْرُ، وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِعِلِّيَّةِ أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُرَجَّحْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُبْطِلُ عِلِّيَّةَ وَصْفِ الْمُعَلِّلِ وَيُثْبِتُ صِحَّةَ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الْمُعْتَرِضِ لِمُجَرَّدِ الْمُعَارَضَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَلَا يُقْبَلُ مِثْلُ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِصِحَّةِ عِلِّيَّةِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ تَأْثِيرٌ فِي فَسَادِ عِلِّيَّةِ الْآخَرِ نَظَرًا إلَى ذَاتِهِمَا لِجَوَازِ اسْتِقْلَالِ الْعِلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا

стр. 619

مُتَعَدٍّ إلَى الْأُرْزِ وَغَيْرِهِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ إلَّا نَفْيَ الْحُكْمِ فِي الْجَصِّ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ وَهِيَ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ بِعِلَلٍ شَتَّى وَإِنْ تَعَدَّى إلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ يُقْبَلُ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَإِذَا ثَبَتَ أَحَدُهُمَا انْتَفَى الْآخَرُ لَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِصِحَّةِ أَحَدِهِمَا تَأْثِيرٌ فِي فَسَادِ الْآخَرِ. (فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ) لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الْعِلَّةَ نَوْعَانِ إمَّا عِلَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَنَا وَإِمَّا عِلَّةٌ تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا بِالدَّوَرَانِ دُونَ التَّأْثِيرِ وَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَلَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ عِنْدَنَا وَتُسَمَّى عِلَّةً طَرْدِيَّةً فَفِي هَذَا الْفَصْلِ تُذْكَرُ الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ (وَهُوَ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْتِزَامُ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ وَهُوَ يُلْجِئُ الْمُعَلِّلَ إلَى الْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ) أَيْ يَجْعَلُ الْمُعَلِّلَ مُضْطَرًّا إلَى الْقَوْلِ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَلَا يَتَمَكَّنُ الْخَصْمُ مِنْ تَسْلِيمِهِ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ (كَقَوْلِهِ: الْمَسْحُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَنَقُولُ يُسَنُّ عِنْدَنَا أَيْضًا لَكِنَّ الْفَرْضَ الْبَعْضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَهُوَ إمَّا رُبْعٌ أَوْ أَقَلُّ فَالِاسْتِيعَابُ تَثْلِيثٌ وَزِيَادَةٌ وَإِنْ غَيَّرَ فَقَالَ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ يُمْنَعُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بَلْ الْمَسْنُونُ فِي الرُّكْنِ التَّكْمِيلُ كَمَا فِي أَرْكَانِ ــ [التلويح] وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى فَسَادِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا لِصِحَّةِ الْآخَرِ بَلْ كُلٌّ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ يَفْتَقِرُ إلَى مَعْنًى يُوجِبُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَأْثِيرِ صِحَّةِ أَحَدِهِمَا فِي فَسَادِ الْآخَرِ لَا يُنَافِي فَسَادَ أَحَدِهِمَا عِنْدَ صِحَّةِ الْآخَرَ لَا يُقَالُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهُ ظَنًّا لَا قَطْعًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نَعْنِي بِفَسَادِ الْعِلِّيَّةِ إلَى هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الظَّنُّ بِالْعِلِّيَّةِ مَا لَمْ يُرَجَّحْ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ أَحَدُهُمَا، وَلَا أَوْلَوِيَّةَ بِدُونِ التَّرْجِيحِ. [فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ] [الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) فِي الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي تُورَدُ عَلَى الْقِيَاسَاتِ الَّتِي لَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ عِلَلِهَا بَلْ يُكْتَفَى فِيهَا بِمُجَرَّدِ دَوْرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْعِلَّةِ إمَّا وُجُودًا فَقَطْ وَإِمَّا وُجُودًا وَعَدَمًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالطَّرْدِيَّةِ هَاهُنَا مَا لَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ لِتَعُمَّ الْمُنَاسِبَ وَالْمُلَائِمَ فَيَصِحُّ الْحَصْرُ فِي الْمُؤَثِّرَةِ وَالطَّرْدِيَّةِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ إيرَادِ الْفَصْلَيْنِ اخْتِصَاصَ كُلٍّ مِنْ الْفَصْلَيْنِ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِلَلِ فَإِنَّ الْكَلَامَ صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُمَانَعَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ، وَلَا يَخْفَى جَرَيَانُ الْمُعَارَضَةِ فِي الطَّرْدِيَّةِ بَلْ هِيَ أَظْهَرُ وَأَسْهَلُ نَعَمْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُوهِمُ اخْتِصَاصَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ بِالْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ يُلْجِئُ الْمُعَلِّلَ إلَى الْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ حَاصِلَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ دَعْوَى الْمُعْتَرِضِ أَنَّ الْمُعَلِّلَ نَصَبَ الدَّلِيلَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالطَّرْدِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ الْتِزَامُ السَّائِلِ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ بِتَعْلِيلِهِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِي الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ هُوَ تَسْلِيمُ مَا اتَّخَذَهُ الْمُسْتَدِلُّ حُكْمًا لِدَلِيلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ الْحُكْمِ

стр. 620

الصَّلَاةِ بِالْإِطَالَةِ لَكِنَّ الْغُسْلَ لَمَّا اسْتَوْعَبَ الْمَحَلَّ لَا يُمْكِنُ التَّكْمِيلُ إلَّا بِالتَّكْرَارِ وَهُنَا الْمَحَلُّ مُتَّسَعٌ) أَيْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ الْمَحَلُّ وَهُوَ الرَّأْسُ مُتَّسَعٌ يُمْكِنُ الْإِكْمَالُ بِدُونِ التَّكْرَارِ (عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ رُبَّمَا يَصِيرُ غُسْلًا فَيَلْزَمُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ قَوْلٌ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّغْيِيرِ مُمَانَعَةٌ) فَالْحَاصِلُ أَنْ نَقُولَ إنْ أَرَدْتُمْ بِالتَّثْلِيثِ جَعْلَهُ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْفَرْضِ فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ تَثْلِيثٌ وَزِيَادَةٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالتَّثْلِيثِ التَّكْرَارَ ثَلَاثَةَ مَرَّاتٍ نَمْنَعُ هَذَا فِي الْأَصْلِ أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرُّكْنِيَّةَ تُوجِبُ هَذَا بَلْ الرُّكْنِيَّةُ تُوجِبُ الْإِكْمَالَ كَمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ بِالتَّثْلِيثِ جَعْلُهُ ثَلَاثَ أَمْثَالِ ــ [التلويح] الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَيَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَلْزَمَ الْمُعَلِّلُ بِتَعْلِيلِهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَوْ مُلَازِمُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَلَا مُلَازِمَهُ إمَّا بِصَرِيحِ عِبَارَةِ الْمُعَلِّلِ كَمَا إذَا قَالَ الْقَتْلُ بِالْمُثْقَلِ قَتْلٌ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَلَا يُنَافِي الْقِصَاصَ كَالْقَتْلِ بِالْحَرْقِ فَيُجَابُ بِأَنَّ النِّزَاعَ لَيْسَ فِي عَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَلْ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ وَإِمَّا بِحَمْلِ الْمُعْتَرِضِ عِبَارَتَهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمُرَادِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَثْلِيثِ الْمَسْحِ وَتَعْيِينِ النِّيَّةِ فَإِنَّ الْمُعَلِّلَ يُرِيدُ بِالتَّثْلِيثِ إصَابَةَ الْمَاءِ مَحَلَّ الْفَرْضِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِالتَّعْيِينِ تَعْيِينًا قَصْدِيًّا مِنْ جِهَةِ الصَّائِمِ، وَالسَّائِلُ يَحْمِلُ التَّثْلِيثَ عَلَى جَعْلِهِ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْفَرْضِ وَالتَّعْيِينُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِقَصْدِ الصَّائِمِ أَوْ مُعَيَّنًا بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْمُعَلِّلُ بِمُرَادِهِ لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ بَلْ تَتَعَيَّنُ الْمُمَانَعَةُ وَالثَّانِي أَنْ يَلْزَمَ الْمُعَلِّلُ بِتَعْلِيلِهِ إبْطَالَ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ كَمَا إذَا قَالَ فِي السَّرِقَةِ: أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا اعْتِقَادِ إبَاحَةٍ وَتَأْوِيلٍ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ كَالْغَصْبِ فَيُقَالُ نَعَمْ إلَّا أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَسْكُتَ الْمُعَلِّلُ عَنْ بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ لِشُهْرَتِهِ فَالسَّائِلُ يُسَلِّمُ الْمُقَدِّمَةَ الْمَذْكُورَةَ وَيَبْقَى النِّزَاعُ فِي الْمَطْلُوبِ لِلنِّزَاعِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْمَطْوِيَّةِ وَرُبَّمَا يَحْمِلُ الْمُقَدِّمَةَ الْمَطْوِيَّةَ عَلَى مَا يُنْتِجُ مَعَ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ نَقِيضَ حُكْمَ الْمُعَلِّلِ فَيَصِيرُ قَلْبًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ غَسْلِ الْمِرْفَقِ فَإِنَّ الْمُعَلِّلَ يُرِيدُ أَنَّ الْغَايَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ غَايَةٌ لِلْغَسْلِ وَالْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا فَلَا تَدْخُلُ الْمَرْفِقُ فِي الْغُسْلِ وَالسَّائِلُ يُرِيدُ أَنَّهَا غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْإِسْقَاطِ فَتَبْقَى دَاخِلَةً فِي الْغُسْلِ فَلَوْ صَرَّحَ بِالْمُقَدِّمَةِ الْمَطْوِيَّةِ لَتَعَيَّنَ مَنْعُهَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْقِيَاسِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ طَرْدِيَّةً وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَنْ أَنَّ الِاعْتِرَاضَاتِ لَا تَخُصُّ الْقِيَاسَ بَلْ تَعُمُّ الْأَدِلَّةَ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْمِثَالُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ وَالْمُعَلِّلُ إنَّمَا يَلْزَمُ عَدَمُ دُخُولِ الْمِرْفَقِ تَحْتَ الْغَسْلِ وَالسَّائِلُ لَا يَلْتَزِمُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ الْتِزَامُ مَا يَلْزَمُهُ الْمُعَلِّلُ بِتَعْلِيلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعَلِّلٌ، وَهُوَ هَاهُنَا لَا يَلْزَمُ إلَّا عَدَمُ دُخُولِ الْمِرْفَقِ تَحْتَ مَا هُوَ غَايَةٌ لَهُ، وَقَدْ الْتَزَمَهُ السَّائِلُ فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَوْرَدَ مَكَانَ مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ مَسْأَلَةَ ضَمَانِ السَّرِقَةِ أَوْ نَحْوِهَا لِيَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ. (قَوْلُهُ فَالِاسْتِيعَابُ تَثْلِيثٌ وَزِيَادَةٌ)

стр. 621

الْفَرْضِ يَكُونُ قَوْلًا بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّغْيِيرِ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالتَّثْلِيثِ التَّكْرَارُ فَالِاعْتِرَاضُ مُمَانَعَةٌ (وَكَقَوْلِهِ: صَوْمُ رَمَضَانَ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ فَنُسَلِّمُ مُوجِبَهُ لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ تَعْيِينٌ وَكَقَوْلِهِ: الْمِرْفَقُ لَا يَدْخُلُ فِي الْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّهَا غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَهُ، الثَّانِي الْمُمَانَعَةُ وَهِيَ إمَّا فِي الْوَصْفِ) أَيْ تَمْنَعُ وُجُودَ الْوَصْفِ الَّذِي يَدَّعِي الْمُعَلِّلُ عِلِّيَّتَهُ فِي الْفَرْعِ (كَقَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ: عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ فَلَا تَجِبُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَحَدِّ الزِّنَا فَلَا نُسَلِّمُ تَعَلُّقَهَا بِالْجِمَاعِ بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِطْرِ ــ [التلويح] لِأَنَّ التَّثْلِيثَ ضَمُّ الْمِثْلَيْنِ وَفِي الِاسْتِيعَابِ ضَمُّ ثَلَاثَةِ الْأَمْثَالِ إنْ قَدَّرَ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِالرُّبْعِ أَوْ أَكْثَرَ إنْ قَدَّرَ بِأَقَلَّ مِنْ الرُّبْعِ وَاتِّحَادُ الْمَحَلِّ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّثْلِيثِ بَلْ مِنْ ضَرُورَةِ التَّكْرَارِ وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الرُّكْنِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّةِ الْإِكْمَالِ دُونَ التَّكْرَارِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْإِطَالَةِ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِخِلَافِ الْغَسْلِ فَإِنَّ تَكْمِيلَهُ بِالْإِطَالَةِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّكْرَارِ، وَأَمَّا الْمَسْحُ فَمَحَلُّهُ الرَّأْسُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَهُوَ مُتَّسَعٌ يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَيُمْكِنُ تَكْمِيلُهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ بِالْإِطَالَةِ وَالِاسْتِيعَابِ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ بِمَا يَصِيرُ غُسْلًا) زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ وَتَحْقِيقٍ لِكَوْنِ الْمَسْنُونِ هُوَ التَّكْمِيلَ بِالْإِطَالَةِ دُونَ التَّكْرَارِ وَلَيْسَ بِاعْتِرَاضٍ آخَرَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ. (قَوْلُهُ: الثَّانِي الْمُمَانَعَةُ) وَهِيَ مَنْعُ ثُبُوتِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ أَوْ مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ أَوْ مَنْعُ صَلَاحِيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ أَوْ مَنْعُ نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ فَإِنْ قِيلَ التَّعْلِيلُ إنَّمَا هُوَ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَمَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ يَكُونُ مَنْعًا لِلْمَدْلُولِ مِنْ غَيْرِ قَدْحٍ فِي الدَّلِيلِ فَلَا يَكُونُ مُوَجَّهًا قُلْنَا الْمُرَادُ مَنْعُ إمْكَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَيَكُونُ مَنْعًا لِتَحَقُّقِ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ إذْ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ إمْكَانُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ أَمَّا مَنْعُ ثُبُوتِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ فَكَمَا يُقَالُ مَسْحُ الرَّأْسِ طَهَارَةُ مَسْحٍ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالِاسْتِنْجَاءِ فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَيْسَ طَهَارَةَ مَسْحٍ بَلْ طَهَارَةٌ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ فَكَمَا يُقَالُ كَفَّارَةُ الْإِفْطَارِ عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ فَلَا تَجِبُ بِالْأَكْلِ كَحَدِّ الزِّنَا فَيُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ بَلْ بِنَفْسِ الْإِفْطَارِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ جِنَايَةً مُتَكَامِلَةً فَالْأَصْلُ حَدُّ الزِّنَا، وَالْفَرْعُ كَفَّارَةُ الصَّوْمِ، وَالْحُكْمُ عَدَمُ الْوُجُوبِ بِالْأَكْلِ، وَالْوَصْفُ الْعُقُوبَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجِمَاعِ، وَقَدْ مَنَعَ السَّائِلُ صَدَقَةً عَلَى كَفَّارَةِ الصَّوْمِ فَظَهَرَ فَسَادُ مَا يُقَالُ إنَّ هَذَا مَنْعٌ لِنِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ بِمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ بَلْ بِالْإِفْطَارِ وَكَمَا يُقَالُ بَيْعُ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مُجَازَفَةً فَيَحْرُمُ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبَرِ مُجَازَفَةً فَيُقَالُ إنْ أَرَدْتُمْ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقًا أَوْ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي

стр. 622

وَكَقَوْلِهِ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ: إنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مُجَازَفَةً فَيَحْرُمُ كَالصُّبَرِ بِالصُّبَرِ فَنَقُولُ إنْ أَرَادَ الْمُجَازَفَةَ بِالْوَصْفِ أَوْ بِالذَّاتِ بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ فَهِيَ جَائِزَةٌ لِجَوَازِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُجَازَفَةِ بِالْوَصْفِ (وَلِلْجَوَازِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْأَجْزَاءِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُجَازَفَةِ بِالذَّاتِ بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ (وَإِنْ أَرَادَهَا) أَيْ الْمُجَازَفَةَ (بِحَسَبِ الْمِعْيَارِ فَتَخْتَصُّ بِمَا يَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمِعْيَارِ (وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَهِيَ إمَّا فِي الْوَصْفِ (كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ ادَّعَيْت حُرْمَةً تَنْتَهِي بِالْمُسَاوَاةِ لَا نُسَلِّمُ إمْكَانَهَا فِي الْفَرْعِ وَإِنْ ادَّعَيْتَهَا غَيْرَ ــ [التلويح] الذَّاتِ بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ فَلَا نُسَلِّمُ تَعَلُّقَ الْحُرْمَةِ بِهَا فَإِنَّ بَيْعَ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ جَائِزٌ، وَكَذَا بَيْعُ الْقَفِيزِ بِالْقَفِيزِ مَعَ كَوْنِ عَدَدِ حَبَّاتِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ وَإِنْ أَرَدْتُمْ الْمُجَازَفَةَ بِحَسَبِ الْمِعْيَارِ فَلَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَهَا فِي الْفَرْعِ أَعْنِي بَيْعَ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وَالْمِعْيَارِ فَمَنْعُ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مُتَعَيِّنٌ وَفِي الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ التَّقَادِيرِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ ادَّعَيْتهَا) أَيْ وَإِنْ ادَّعَيْت حُرْمَةً غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ بِالْمُسَاوَاةِ فَلَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبَرِ مُجَازَفَةً فَإِنَّهُمَا إذَا كِيلَا وَلَمْ يَفْضُلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ عَادَ الْعَقْدُ إلَى الْجَوَازِ فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْحُرْمَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ التَّنَاهِي وَعَدَمِهِ أُجِيبُ بِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ تَمَاثُلُ الْحُكْمَيْنِ وَالثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ هُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ أَعْنِي الْمُتَنَاهِيَ بِالْمُسَاوَاةِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْفَرْعِ. (قَوْلُهُ: الثَّالِثُ فَسَادُ الْوَضْعِ) وَهُوَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْعِلَّةِ نَقِيضُ مَا تَقْتَضِيهِ وَهُوَ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ فَسَادِ الْأَدَاءِ فِي الشَّهَادَةِ إذْ الشَّيْءُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ النَّقِيضَانِ فَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِتَغْيِيرِ الْكَلَامِ بِخِلَافِ الْمُنَاقَضَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَرَزُ عَنْ وُرُودِهَا بِأَنْ يُفَسِّرَ الْكَلَامَ نَوْعَ تَفْسِيرٍ وَبِغَيْرِ أَدْنَى تَغْيِيرٍ كَمَا يُقَالُ الْوُضُوءُ طَهَارَةٌ كَالتَّيَمُّمِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ فَيُنْقَضُ بِتَطْهِيرِ الْخَبَثِ فَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا تَطْهِيرَانِ حُكْمِيَّانِ فَلَا يَرِدُ النَّقْضُ بِتَطْهِيرِ الْخَبَثِ وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ وُرُودِ الْمُنَاقَضَةِ أَنْ يُسَاقَ الْكَلَامُ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُورَدَ عَلَيْهِ الْمُنَاقَضَةُ وَإِلَّا فَدَفْعُ الْمُنَاقَضَةِ بَعْدَ إيرَادِهَا يُمْكِنُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ سِوَى تَغْيِيرِ الْكَلَامِ عَلَى مَا سَبَقَ. (قَوْلُهُ: وَلَا بَقَاءُ النِّكَاحِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِإِيجَابِ الْفُرْقَةِ وَعَدَلَ عَنْ الْبَاءِ إلَى لَفْظٍ مَعَ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ارْتِدَادَ أَحَدِهِمَا لِظُهُورِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَقُولُ بِأَنَّ عِلَّةَ بَقَاءِ النِّكَاحِ هِيَ الِارْتِدَادُ بَلْ يَقُولُ إنَّ الِارْتِدَادَ لَا يَقْطَعُ النِّكَاحَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَعَدَمُ كَوْنِ الشَّيْءِ قَاطِعًا لِلشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ عِلَّةً لِبَقَائِهِ وَحِينَ صَرَّحَ فِي الشَّرْحِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ الرِّدَّةَ عِلَّةً لِبَقَاءِ النِّكَاحِ فَسَّرَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهَا قَاطِعَةً لِلنِّكَاحِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا تَعْلِيلَ حِينَئِذٍ فَلَا فَسَادَ وَضْعٍ نَعَمْ لَوْ قِيلَ النِّكَاحُ مَبْنِيٌّ عَلَى

стр. 623

مُتَنَاهِيَةٍ لَا نُسَلِّمُ فِي الصُّبْرَةِ) فَقَوْلُهُ كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إشَارَةٌ إلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ فَالْمُمَانَعَةُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَمْنَعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الَّذِي يَكُونُ الْوَصْفُ عِلَّةً لَهُ فِي الْفَرْعِ قَوْلُهُ لَا نُسَلِّمُ إمْكَانَهَا فِي الْفَرْعِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا أَوْ نَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْمُعَلِّلُ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَقَوْلُهُ لَا نُسَلِّمُ فِي الصُّبْرَةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا (وَكَقَوْلِهِ: صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ كَالْقَضَاءِ فَنَقُولُ أَبْعَدَ التَّعَيُّنِ فَلَا نُسَلِّمُ فِي الْأَصْلِ أَوْ قَبْلِهِ فَلَا نُسَلِّمُ فِي الْفَرْعِ) أَيْ إنْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُتَعَيِّنًا فَلَا نُسَلِّمُ هَذَا فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُتَعَيَّنًا فَلَا نُسَلِّمُ هَذَا فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُتَعَيِّنًا مُمْتَنِعٌ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِأَنَّ الصَّوْمَ مُتَعَيَّنٌ فِي الْمُتَنَازَعُ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَلَا تَكُونُ صِحَّةُ الصَّوْمِ فِي الْمُتَنَازَعِ مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُتَعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ صِحَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ مُمْتَنِعَةٌ وَهَذَا بَاطِلٌ (وَأَمَّا فِي صَلَاحِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ فَإِنَّ الطَّرْدَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ وَأَمَّا فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ كَقَوْلِهِ فِي الْأَخِ: لَا يُعْتِقُ عَلَى أَخِيهِ لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ كَابْنِ الْعَمِّ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ هَذَا) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِلَّةَ عَدَمِ عِتْقِ ابْنِ الْعَمِّ هِيَ عَدَمُ الْبَعْضِيَّةِ فَإِنَّ عَدَمَ الْبَعْضِيَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْعِتْقِ لِجَوَازِ أَنْ تُوجَدَ عِلَّةٌ أُخْرَى لِلْعِتْقِ بَلْ إنَّمَا لَمْ يُعْتَقْ ــ [التلويح] الْعِصْمَةِ، وَالرِّدَّةُ قَاطِعَةٌ لَهَا فَتَكُونُ مُنَافِيَةً لِلنِّكَاحِ، وَلَا بَقَاءَ لِلشَّيْءِ مَعَ الْمُنَافِي، لَكَانَ اسْتِدْلَالًا بِرَأْسِهِ عَلَى بُطْلَانِ بَقَاءِ النِّكَاحِ مَعَ الِارْتِدَادِ لَكِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَقْصُودِ الْمُقَامِ إذْ لَيْسَ هَاهُنَا بَيَانُ أَنَّ الْخَصْمَ قَدْ رَتَّبَ عَلَى الْعِلَّةِ نَقِيضَ مَا تَقْتَضِيهِ، وَكَذَا مَسْأَلَةُ الْحَجِّ بِنِيَّةِ النَّقْلِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ كَمَا إذَا حَجَّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ الْعِبَادَةُ الَّتِي تَتَنَوَّعُ إلَى الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ تَنْصَرِفُ إلَى النَّفْلِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَصَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمُطْلَقَ لِلْفَرْضِ دَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ نِيَّةِ النَّفْلِ لِلْفَرْضِ وَلَيْسَ فِي هَذَا فَسَادُ الْوَضْعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ رَتَّبَ عَلَى الْعِلَّةِ نَقِيضَ مَا تَقْتَضِيهِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ فِيهِ حَمْلَ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهَذَا مَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فَسَادَ الْوَضْعِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُ الْقِيَاسِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَثَانِيهِمَا كَوْنُ الْوَصْفِ مُشْعِرًا بِخِلَافِ الْحُكْمِ الَّذِي رُبِطَ بِهِ كَمَا يُذْكَرُ وَصْفٌ مُشْعِرٌ بِالتَّغْلِيظِ فِي رَوْمِ التَّخْفِيفِ وَبِالْعَكْسِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: الْمَطْعُومُ شَيْءٌ ذُو خَطَرٍ) إذْ يَتَعَلَّقُ بِهِ قِوَامُ النَّفْسِ وَبَقَاءُ الشَّخْصِ كَالنِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ بِهِ بَقَاءُ النَّوْعِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ خَطَرَ الْمَطْعُومِ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّوْسِعَةِ أَنْسَبُ مِنْهُ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّضْيِيقِ، وَلِهَذَا كَانَ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ أَيْسَرَ لِكَوْنِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا أَكْثَرَ فَفِي تَرْتِيبِ اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ فِي تَمْلِيكِ الْمَطْعُومِ عَلَى كَوْنِهِ ذَا خَطَرٍ فَسَادُ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ نَقِيضُ مَا يَقْتَضِيهِ

стр. 624

ابْنُ الْعَمِّ لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ الْمَحْرَمِيَّةِ (وَكَقَوْلِهِ: لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْحَدِّ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْحَدِّ عَدَمُ الْمَالِيَّةِ وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُسْتَدَلُّ بِالْعَدَمِ عَلَى الْعَدَمِ) فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ عَدَمُ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْحُكْمِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى (الثَّالِثُ فَسَادُ الْوَضْعِ وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ وَهُوَ فَوْقَ الْمُنَاقَضَةِ إذْ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِتَغْيِيرِ الْكَلَامِ أَمَّا هُوَ فَيُبْطِلُ الْعِلَّةَ أَصْلًا) فَإِنَّ الْمُعَلِّلَ إذَا تَمَسَّكَ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ وَيَرِدُ عَلَيْهَا مُنَاقَضَةٌ فَرُبَّمَا يُغَيِّرُ الْكَلَامَ وَيَجْعَلُ عِلَّتَهُ مُؤْثِرَةً فَحِينَئِذٍ تَنْدَفِعُ الْمُنَاقَضَةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُنَاقَضَةِ فِي قَوْلِهِ: الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ طَهَارَتَانِ أَمَّا فَسَادُ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ بِكُلِّيَّتِهَا إذْ لَا يَنْدَفِعُ بِتَغْيِيرِ الْكَلَامِ (كَتَعْلِيلِهِ لِإِيجَابِ الْفُرْقَةِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَانَتْ فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الدُّخُولِ بَانَتْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامَ عِلَّةً لِإِيجَابِ الْفُرْقَةِ وَعِنْدَنَا يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ لَهُ وَإِنْ أَبَى يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ أَوْ قَبْلَهُ (وَلِإِبْقَاءِ النِّكَاحِ مَعَ ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا) أَيْ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَانَتْ فِي الْحَالِ وَبَعْدَ الدُّخُولِ بَانَتْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَجْعَلُ الرِّدَّةَ عِلَّةً لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهَا قَاطِعَةً لِلنِّكَاحِ وَعِنْدَنَا تَبِينُ فِي الْحَالِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ ــ [التلويح] مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالتَّيْسِيرِ. (قَوْلُهُ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ طَهَارَتَانِ) نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ طَهَارَتَا صَلَاةٍ فَكَيْفَ افْتَرَقَتَا وَلَمَّا كَانَ وَاضِحًا بَيَّنَّا أَنَّ مُرَادَهُ بِإِنْكَارِ الِافْتِرَاقِ وُجُوبُ اسْتِوَائِهِمَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنُوقِضَ بِتَطْهِيرِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ فِي التَّقَصِّي عَنْ الْمُنَاقَضَةِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِمَا تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ أَيْ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّطْهِيرِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَلَيْسَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ نَجَاسَةٌ تُزَالُ وَلِهَذَا لَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ مَانِعًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَحَكَمَ بِأَنَّ الْوُضُوءَ يَرْفَعُهُ فَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِخِلَافِ تَطْهِيرِ الْخَبَثِ فَإِنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ نَفْسَ التَّطْهِيرِ أَيْ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَتَهُ بِالْمَاءِ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَمَمْنُوعٌ كَيْفَ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ كَمَا أَنَّهُ مُرْوٍ، وَقَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ آلَةً لِلطَّهَارَةِ فِي أَصْلِهِ فَيَحْصُلُ بِهِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ حَقِيقِيَّةً كَانَتْ أَوْ حُكْمِيَّةً نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ فِي نَفْسِهِ مُلَوَّثٌ لَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا إلَّا بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ حَكَمَ بِهَا الشَّارِعُ فِي حَقِّ جَوَازِ

стр. 625

بَعْدَهُ ثُمَّ فِي الْمَتْنِ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ تَعْلِيلَهُ مَقْرُونٌ بِفَسَادِ الْوَضْعِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَصْلُحُ قَاطِعًا لِلنِّعْمَةِ، وَالرِّدَّةُ لَا تَصْلُحُ عَفْوًا وَكَقَوْلِهِ: إذَا حَجَّ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ فَكَذَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ حَمَلُوا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَأَمَّا هَذَا فَحَمَلَ الْمُقَيَّدَ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَكَقَوْلِهِ: الْمَطْعُومُ شَيْءٌ ذُو خَطَرٍ فَيُشْتَرَطُ لِتَمَلُّكِهِ شَرْطٌ زَائِدٌ) وَهُوَ التَّقَابُضُ (كَالنِّكَاحِ) فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الشُّهُودُ (فَيُقَالُ مَا كَانَ الْحَاجَةُ إلَيْهِ أَكْثَرُ جَعَلَهُ اللَّهُ أَوْسَعَ. الرَّابِعُ الْمُنَاقَضَةُ وَهِيَ تُلْجِئُ أَهْلَ الطَّرْدِ إلَى الْمُؤَثِّرَةِ كَقَوْلِهِ: الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ طَهَارَتَانِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي النِّيَّةِ فَيُنْتَقَضُ بِتَطْهِيرِ الْخَبَثِ فَيُضْطَرُّ إلَى أَنْ يَقُولَ الْوُضُوءُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ كَالتَّيَمُّمِ بِخِلَافِ تَطْهِيرِ الْخَبَثِ فَنَقُولُ نَعَمْ) أَيْ الْوُضُوءُ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ (بِمَعْنَى: النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةٌ، أَيْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِالنَّجَاسَةِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَجَعَلَهَا كَالْحَقِيقَةِ فَيُزِيلُهَا الْمَاءُ كَمَا يُزِيلُ الْحَقِيقِيَّةَ فَهِيَ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى النَّجَاسَةِ وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الَّذِي أَحَالَهُ فِي فَصْلِ شَرَائِطِ الْقِيَاسِ إلَى فَصْلِ الْمُنَاقَضَةِ (لَكِنَّ تَطْهِيرَهَا بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّطْهِيرِ فَيَحْصُلُ الطَّهَارَةُ سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ (بَلْ فِي صَيْرُورَتِهِ قُرْبَةً) أَيْ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي صَيْرُورَةِ الْوُضُوءِ قُرْبَةً (وَالصَّلَاةُ تَسْتَغْنِي عَنْهَا) أَيْ عَنْ صَيْرُورَةِ الْوُضُوءِ قُرْبَةً كَمَا فِي سَائِرِ ــ [التلويح] الصَّلَاةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا مَانِعَةٌ لَهُ كَالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي رَفْعِهَا وَإِزَالَتِهَا بِالْمَاءِ الَّذِي خُلِقَ طَهُورًا فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَعْقُولٌ وَلَمَّا كَانَ لَهُمْ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْوُضُوءَ قُرْبَةٌ أَيْ عِبَادَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّبِّ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَمِنْ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﵊ «الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ» وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى النِّيَّةِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْإِخْلَاصِ وَقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَمْيِيزًا لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْعَادَةِ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ: كُلُّ وُضُوءٍ قُرْبَةٌ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ مَا هُوَ مِفْتَاحٌ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ الْبَدَنِ عَنْ الْخَبَثِ وَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النِّيَّةِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً بِدُونِ النِّيَّةِ لَكِنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى وُضُوءٍ هُوَ قُرْبَةٌ بَلْ عَلَى تَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَنْ الْحَدَثِ لِيَصِيرَ الْعَبْدُ بِهِ أَهْلًا لِلْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّبِّ فَإِنْ قُلْت هُوَ مَأْمُورٌ بِالْغُسْلِ وَهُوَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مَسْبُوقٌ بِالْقَصْدِ فَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِالِانْغِسَالِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ وَأَيْضًا قَوْلُنَا إذَا أَرَدْتَ الدُّخُولَ عَلَى الْأَمِيرِ فَتَأَهَّبْ، مَعْنَاهُ تَأَهَّبْ لَهُ فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّئُوا لِذَلِكَ قُلْتُ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ لَكِنَّ صِحَّةَ

стр. 626

شَرَائِطِ الصَّلَاةِ بَلْ تَحْتَاجُ إلَى كَوْنِ الْوُضُوءِ طَهَارَةً وَأَمَّا الْمَسْحُ فَمُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ تَيْسِيرًا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ هُوَ أَنَّكُمْ قُلْتُمْ إنَّ الْغَسْلَ تَطْهِيرٌ مَعْقُولٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لَكِنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ تَطْهِيرٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَيَجِبُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ فَأَجَابَ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ وَوَظِيفَةُ الرَّأْسِ كَانَتْ هِيَ الْغَسْلُ لَكِنْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَسْحِ فَيَكُونُ خَلَفًا عَنْ الْغَسْلِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَحْكَامُ الْأَصْلِ (فَإِنْ قِيلَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ) هَذَا إشْكَالٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَكِنَّ تَطْهِيرَهَا بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ (قُلْنَا لَمَّا اتَّصَفَ الْبَدَنُ بِهَا اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ الْأَطْرَافِ فِي الْمُعْتَادِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأَقَرَّ عَلَى الْأَصْلِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَادِ كَالْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ) أَيْ لَمَّا اتَّصَفَ الْبَدَنُ بِالنَّجَاسَةِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَجَبَ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا حَكَمَ بِسِرَايَةِ النَّجَاسَةِ وَلَيْسَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ أَوْلَى بِالسِّرَايَةِ مِنْ الْبَعْضِ وَجَبَ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَكِنْ سَقَطَ الْبَعْضُ فِي الْمُعْتَادِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَبَقِيَ غَسْلُ الْأَطْرَافِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ أُمَّهَاتُ الْأَعْضَاءِ فَلَا يَكُونُ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرَ مَعْقُولٍ فَلَا تَجِبُ النِّيَّةُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ ــ [التلويح] الصَّلَاةِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ وَهِيَ تَحْصُلُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِالطَّبْعِ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَلَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا إلَّا بِالشَّرْطِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَهُوَ كَوْنُهُ لِلصَّلَاةِ كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ فِي الْأَسْرَارِ إنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِنَا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْوُضُوءُ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَذَلِكَ غَلَطٌ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ عِبَادَةٌ وَالْوُضُوءُ بِغَيْرِ النِّيَّةِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لَكِنَّ الْعِبَادَةَ مَتَى لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً سَقَطَتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِ الْعِبَادَةِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْجُمُعَةِ بِالْحُصُولِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ بِمُجَرَّدِ الْإِصَابَةِ غَيْرُ مَعْقُولٌ أُجِيبُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الطَّهَارَةَ طَهَارَةُ غَسْلٍ فَأُلْحِقَ الْجُزْءُ بِالْكُلِّ وَالْقَلِيلُ بِالْكَثِيرِ وَخُصَّ الرَّأْسُ بِذَلِكَ لِمَا فِي غَسْلِهِ مِنْ الْحَرَجِ. الثَّانِي أَنَّ الْمَسْحَ خَلَفٌ عَنْ الْغَسْلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حُكْمُ الْأَصْلِ وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ النِّيَّةِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْإِصَابَةَ جُعِلَتْ بِمَنْزِلَةِ الْإِسَالَةِ فِي إزَالَةِ الْحَدَثِ وَإِفَادَةِ التَّطْهِيرِ لِمَا فِي الْمُزِيلِ مِنْ الْقُوَّةِ لِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا طَبْعًا وَفِي النَّجَاسَةِ مِنْ الضَّعْفِ لِكَوْنِهَا حُكْمِيَّةً بِخِلَافِ الْخَبَثِ فَإِنَّهُ نَجَاسَةٌ حَقِيقِيَّةٌ عَيْنِيَّةٌ وَخَصَّ الرَّأْسَ بِذَلِكَ تَيْسِيرًا وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ. فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ اسْتِغْنَاءَ الْوُضُوءِ عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَارَةٌ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ مَعَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ، وَهَذَا غَيْرُ

стр. 627

فَخْرَ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ أَنَّ تَغَيُّرَ وَصْفِ مَحَلِّ الْغَسْلِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى الْخَبَثِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَقَوْلُهُ فِي التَّنْقِيحِ فَهِيَ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ إشَارَةٌ إلَى هَذَا وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مَعْقُولٍ لَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى السَّبِيلَيْنِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ مُؤَثِّرِيَّةَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ أَمْرٌ مَعْقُولٌ فَعَلَى تَقْدِيرِ الْهِدَايَةِ لَا يَرِدُ هَذَا الْإِشْكَالُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ مَعْقُولًا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ عَلَى الْمَاءِ فِي تَطْهِيرِ الْحَدَثِ كَمَا قَدْ قِيسَ فِي تَطْهِيرِ الْخَبَثِ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إنَّمَا قِيسَ فِي الْخَبَثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا قَالِعَةٌ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا ــ [التلويح] مَعْقُولٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالنَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ أَعْنِي بِالْحَدَثِ جَمِيعُ الْبَدَنِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَإِزَالَتُهَا وَالتَّطَهُّرُ مِنْهَا بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ الْبَدَنِ خُصُوصًا الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَا تَخْرُجُ عَنْهُ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ لَيْسَتْ بِمَعْقُولَةٍ فَيَجِبُ أَنْ لَا تَحْصُلَ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ أُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَإِنَّ دَفْعَ الْحَرَجِ إسْقَاطُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ فِي الْحَدَثِ الَّذِي يُعْتَادُ تَكَرُّرُهُ وَيَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِالْأَعْضَاءِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ حُدُودِ الْأَعْضَاءِ وَنِهَايَتِهَا طُولًا وَعَرْضًا أَوْ بِمَنْزِلَةِ أُصُولِهَا وَأُمَّهَاتِهَا لِكَوْنِهَا مَجْمَعَ الْحَوَاسِّ وَمَظْهَرَ الْأَفْعَالِ مَعَ أَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِإِصَابَةِ النَّجَسِ وَمَئِنَّةٌ لِسُهُولَةِ الْغُسْلِ أَمْرٌ مَعْقُولُ الشَّأْنِ مَقْبُولُ الْأَذْهَانِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ وَاحْتِرَازٌ بِالْمُعْتَادِ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَالْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْوُقُوعِ فَلَا حَرَجَ فِي غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فَلَا يُكْتَفَى بِالْبَعْضِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ) حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَلَامَيْ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي هَذَا الْمُقَامِ وَإِيرَادُ الْإِشْكَالِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْكَلَامَيْنِ ثُمَّ دَفْعُ الْمُنَافَاةِ وَحَلُّ الْإِشْكَالِ، أَمَّا الْمُنَافَاةُ فَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ تَغَيُّرَ وَصْفِ مَحَلِّ الْغُسْلِ وَانْتِقَالَهُ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى الْخَبَثِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّ تَأْثِيرَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ مَعْقُولٌ، وَأَمَّا وُرُودُ الْإِشْكَالِ عَلَى كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى السَّبِيلَيْنِ فِي الْحُكْمِ بِكَوْنِ الْخَارِجِ النَّجَسِ مِنْهُ سَبَبًا لِلْحَدَثِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فَلَا يُوجِبُ صِحَّةَ قِيَاسِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ عَلَى الْمَاءِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ كَمَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَيْهِ فِي رَفْعِ الْخَبَثِ إذْ لَا مَانِعَ سِوَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ النَّصِّ، وَأَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَدَفْعُ الْمُنَافَاةِ فَهُوَ أَنَّ مُرَادَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِعَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ زَوَالِ الطَّهَارَةِ عَنْ مَحَلِّ الْغُسْلِ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ إذَا لَا يُعْقَلُ أَنَّ تَنَجُّسَ الْيَدِ أَوْ الْوَجْهِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَمُرَادُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِمَعْقُولِيَّةِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا حَكَمَ

стр. 628

مُطَهِّرَةٌ فَلَا يُقَاسُ فِي الْحَدَثِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ مُرَادَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْقُولٍ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهِ، وَمُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِكَوْنِهِ مَعْقُولًا أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ قَدْ وُجِدَ وَأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ حَكَمَ بِهَذَا الْحُكْمِ يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ هَذَا الْوَصْفِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ كَوْنُ الْحُكْمِ مَعْقُولًا بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَانْدَفَعَ عَنْ قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِشْكَالِ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ ــ [التلويح] بِزَوَالِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْبَدَنِ عِنْدَ خُرُوجِ النَّجَسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَدْرَكَ الْعَقْلُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ هَذَا الْوَصْفِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِتَعَبُّدٍ مَحْضٍ لَا يَقِفُ الْعَقْلُ عَنْ سَبَبِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ بِدَرْكِ شَيْءٍ، وَبَيْنَ إدْرَاكِهِ إيَّاهُ بِمَعُونَةِ الشَّرْعِ وَبَعْدَ وُرُودِهِ، وَأَمَّا حَلُّ الْإِشْكَالَيْنِ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ هُوَ الْمَعْقُولِيَّةُ بِمَعْنَى أَنْ يُدْرِكَ الْعَقْلُ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِذَلِكَ أَوْ يَتَوَقَّفَ عَلَى وُرُودِ الشَّرْعِ وَهَذَا حَاصِلٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ النَّجَسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَيَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَفِي الثَّانِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَائِعَاتِ عَلَى الْمَاءِ فِي رَفْعِ الْخَبَثِ إنَّمَا يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا قَالِعَةٌ مُزِيلَةٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ لَا يُتَصَوَّرُ قَلْعُهُ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مُطَهِّرَةٌ لِلْمَحَلِّ أَيْ مُغَيِّرَةٌ لَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى يَصِحَّ قِيَاسُ الْمَائِعَاتِ عَلَى الْمَاءِ فِي تَطْهِيرِ الْمَحَلِّ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ مُطَهِّرًا عَنْ الْحَدَثِ غَيْرُ مَعْقُولٍ إذْ لَيْسَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ لِتُزَالَ، وَإِذْ لَا إزَالَةَ حَقِيقَةً وَعَقْلًا فَلَا تَعْدِيَةَ إلَى سَائِرِ الْمَائِعَاتِ بِخِلَافِ الْخَبَثِ فَإِنَّ إزَالَتَهُ بِالْمَاءِ أَمْرٌ مَعْقُولٌ فَيَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَائِعَاتِ بِجَامِعِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةِ الْحِسِّيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَإِزَالَتَهَا بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى النِّيَّةِ لَا يُقَالُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ مَعْقُولٌ فِي الْخَبَثِ وَالْحَدَثِ إلَّا أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْخَبَثِ هِيَ الْقَلْعُ الْمَوْجُودُ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ وَفِي الْحَدَثِ هِيَ التَّطْهِيرُ لَا الْقَلْعُ وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّطْهِيرُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَا الْعِلَّةُ تَطْهِيرُ الْحَدَثِ إنْ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ كَوْنُ الْمَاءِ مُزِيلًا يَلْزَمُ صِحَّةُ قِيَاسِ الْمَائِعَاتِ الْأُخَرِ كَمَا فِي الْخُبْثِ وَإِنْ كَانَ وَصْفًا غَيْرَهُ يَجِبُ أَنْ يُبَيَّنَ حَتَّى يُنْظَرَ أَنَّهُ هَلْ يُوجَدُ فِي سَائِرِ الْمَائِعَاتِ أَمْ لَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا يَلْزَمُ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، ثُمَّ هَاهُنَا نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي وَجْهِ التَّوْفِيقِ بَعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا أَوْرَدَ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي

стр. 629

قِيَاسُ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى السَّبِيلَيْنِ (وَفِي هَذَا الْفَصْلِ فُرُوعٌ أُخَرُ طَوَيْتهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ) . (فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ) أَيْ الِانْتِقَالُ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ (وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ عِلَّتِهِ أَوْ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ــ [التلويح] مَعْرِضِ الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْوُضُوءَ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَيَجِبُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ النِّيَّةُ كَالتَّيَمُّمِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ؛ لِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالنَّصِّ الَّذِي لَا يُعْقَلُ وَصْفَ مَحَلِّ الْغُسْلِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى الْخَبَثِ يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّصِّ الْغَيْرِ الْمَعْقُولِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَغَيُّرِ الْمَحَلِّ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ لَا النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنَّمَا يُغَيَّرُ بِالنَّصِّ أَيْ أَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ الْغَيْرِ الْمَعْقُولِ هُوَ تَغَيُّرُ الْمَحَلِّ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ هُوَ الْمَعْقُولِيَّةُ بِمَعْنَى أَنْ يُدْرِكَ الْعَقْلُ مَعْنَى الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ وَعِلَّتِهِ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي الْمَقَامِ لِذِكْرِ اسْتِقْلَالِ الْعَقْلِ بِدَرْكِ الْحُكْمِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ هِيَ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ أَيْ السَّبِيلَيْنِ مَعْقُولٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْأَوَّلِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ اتِّصَافُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَهَذَا الْقَدْرُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَعْقُولَ هَاهُنَا هُوَ مُجَرَّدُ تَأْثِيرِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ فِي زَوَالِ الطَّهَارَة لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي لَا سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّ اتِّصَافَ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنَّجَاسَةِ مَعْقُولٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ إذَا ثَبَتَتْ فِي ذَاتٍ كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهَا جَمِيعَ الذَّاتِ كَمَا فِي السَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ الْجُنُبِ أَوْ الْمُحْدِثِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ بَلْ السَّرَيَانُ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الشَّارِعِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقِلَ مَعْنَاهُ وَلِهَذَا لَمْ يَتَّصِفْ بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ جَمِيعُ الْبَدَنِ حَيْثُ لَمْ يَحْكُمْ الشَّارِعُ بِذَلِكَ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ اتَّصَفَ الْبَدَنُ بِالنَّجَاسَةِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ هَاهُنَا حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا زَوَالُ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ النَّجَسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَالثَّانِي زَوَالُ الْحَدَثِ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَحِينَ ذَهَبَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَعْقُولٌ دُونَ الثَّانِي حَتَّى جَازَ إلْحَاقُ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِالسَّبِيلَيْنِ وَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُ سَائِرِ الْمَانِعَاتِ بِالْمَاءِ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْإِشْكَالَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ بِزَوَالِ الْحَدَثِ الثَّابِتِ بِخُرُوجِ النَّجَسِ

стр. 630

أَوْ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ أَوْ يَنْتَقِلُ إلَى حُكْمٍ كَذَلِكَ) أَيْ حُكْمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَالِانْتِقَالُ مُنْحَصِرٌ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فِي الْعِلَّةِ فَقَطْ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ لِإِثْبَاتِ عِلَّتِهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ أَوْ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ وَهُوَ الثَّانِي حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنْهُمَا كَانَ كَلَامًا حَشْوًا وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَقَطْ وَهُوَ الرَّابِعُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا لَكَانَ كَلَامًا حَشْوًا وَأَمَّا فِيهِمَا وَهُوَ الثَّالِثُ (فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى فَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ) كَمَا إذَا قَالَ الصَّبِيُّ الْمُودَعُ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَدِيعَةَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ ــ [التلويح] مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ بِطَرِيقِ التَّعْدِيَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْقُولٍ إلَّا أَنَّ تَعْدِيَتَهُ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ تَعْدِيَةِ حُكْمٍ مَعْقُولٍ هُوَ ثُبُوتُ الْحَدَثِ بِخُرُوجِ النَّجَسِ وَهُوَ جَائِزٌ كَاسْتِوَاءِ الْجَيِّدِ مَعَ الرَّدِيءِ فِي بَابِ الرِّبَا يَتَعَدَّى فِي ضِمْنِ الْحُكْمِ الْمَعْقُولِ الَّذِي هُوَ حُرْمَةُ الْبَيْعِ عِنْدَ التَّفَاضُلِ وَإِبَاحَتُهَا عِنْدَ التَّسَاوِي. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ تَمَاثُلَ الْحُكْمَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِخُرُوجِ النَّجَسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ حَدَثٌ يَرْتَفِعْ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حُكِمَ كَذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْمُمَاثَلَةِ وَيَرِدُ كَلَا الْإِشْكَالَيْنِ عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ تَغْيِيرَ مَحَلِّ الْغَسْلِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَأَنَّ تَطْهِيرَهَا بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعْقُولٌ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الْمَعْقُولِيَّةِ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ حِينَئِذٍ لَا يَنْطَبِقُ الْجَوَابُ عَلَى دَلِيلِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ أَوْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا هُوَ كَوْنُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ تَعَبُّدِيًّا أَوْ مَعْقُولًا بِمَعْنَى أَلَّا يُدْرِكَ الْعَقْلُ مَعْنَاهُ أَيْ عِلَّتَهُ أَوْ يُدْرِكَ لَا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَسْتَقِلَّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِ الْحُكْمِ أَوْ يَسْتَقِلَّ وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَكِنَّ تَطْهِيرَهَا بِالْمَاءِ مَعْقُولٌ أَنَّ الْحُكْمَ بِتَطْهِيرِ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مِمَّا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِإِدْرَاكِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي فَسَادِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ) أَيْ فِي فَصْلِ دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ فُرُوعٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ أَيْ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَقْصُودِ لَا لِفَائِدَةٍ فَإِنَّ مَقْصُودَ الْأُصُولِ لَيْسَ مَعْرِفَةَ فُرُوعِ الْأَحْكَامِ وَيَكْفِي فِي تَوْضِيحِ الْمَطْلُوبِ إيرَادُ مِثَالٍ أَوْ مِثَالَيْنِ. [فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ) أَيْ فِي انْتِقَالِ الْقَائِسِ فِي قِيَاسِهِ مِنْ كَلَامٍ إلَى كَلَامٍ آخَرَ وَالْكَلَامُ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ إنْ كَانَ غَيْرَ عِلَّةٍ أَوْ حُكْمٍ فَهُوَ حَشْوٌ فِي الْقِيَاسِ خَارِجٌ عَنْ الْمَبْحَثِ وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْعِلَّةِ فَقَطْ أَوْ الْحُكْمِ فَقَطْ أَوْ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا، وَالِانْتِقَالُ فِي الْعِلَّةِ فَقَطْ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ عِلَّةِ الْقِيَاسِ أَوْ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ إذْ لَوْ كَانَ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ لَكَانَ انْتِقَالًا فِي الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا وَالِانْتِقَالُ فِي الْحُكْمِ

стр. 631

عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ. فَلَمَّا أَنْكَرَهُ الْخَصْمُ احْتَاجَ إلَى إثْبَاتِهِ فَهَذَا لَا يُسَمَّى انْتِقَالًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَشْتَغِلَ بِآخَرَ كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ ﵇ وَإِنَّمَا أُطَلِّقَ الِانْتِقَالُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْكَلَامَ وَاشْتَغَلَ بِكَلَامٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ دَلِيلًا عَلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ (وَكَذَا الثَّانِي عِنْدَ الْبَعْضِ كَقِصَّةِ الْخَلِيلِ ﵊ حَيْثُ قَالَ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَلِأَنَّ الْغَرَضَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فَلَا يُبَالِي بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ لَا عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى يُعَدُّ انْقِطَاعًا ــ [التلويح] فَقَطْ إنْ كَانَ إلَى حُكْمٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حُكْمُ الْقِيَاسِ فَهُوَ حَشْوٌ فِي الْقِيَاسِ خَارِجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ إلَى حُكْمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ حُكْمُ الْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُهُ بِعِلَّةِ الْقِيَاسِ وَإِلَّا لَكَانَ انْتِقَالًا فِي الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا وَالِانْتِقَالُ فِي الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ حُكْمُ الْقِيَاسِ وَإِلَّا لَكَانَ حَشْوًا فِي الْقِيَاسِ فَصَارَتْ أَقْسَامُ الِانْتِقَالَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمُنَاظَرَةِ أَرْبَعَةً: الْأَوَّلُ الِانْتِقَالُ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ عِلَّةِ الْقِيَاسِ الثَّانِي الِانْتِقَالُ إلَى عِلَّةٍ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْقِيَاسِ الثَّالِثُ الِانْتِقَالُ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ حُكْمُ الْقِيَاسِ الرَّابِعُ الِانْتِقَالُ إلَى حُكْمٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ حُكْمُ الْقِيَاسِ بِأَنْ يَثْبُتَ بِعِلَّةِ الْقِيَاسِ. (قَوْلُهُ يُعَدُّ انْقِطَاعًا فِي عُرْفِ النُّظَّارِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُصْطَلَحَاتِ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ وَآدَابِهِمْ فِي الْبَحْثِ كَيْ لَا يَطُولَ الْكَلَامُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ وَإِلَّا فَالِانْتِقَالُ مِنْ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِمَنْزِلَةِ انْتِقَالٍ مِنْ بَيِّنَةٍ إلَى بَيِّنَةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ حُقُوقِ النَّاسِ وَهُوَ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ صِيَانَةً لِلْحُقُوقِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ إظْهَارُ الصَّوَابِ فَلَوْ جَوَّزْنَا الِانْتِقَالَ لَطَالَتْ الْمُنَاظَرَةُ بِانْتِقَالِ الْمُعَلِّلِ مِنْ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ وَلَمْ يَظْهَرْ الصَّوَابُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ إظْهَارَ الصَّوَابِ لَزِمَ جَوَازُ الِانْتِقَالِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ الْحَقِّ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ وَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُعَلِّلِ الِانْتِقَالُ مِنْ دَلِيلٍ إلَى آخَرَ لَا إلَى نِهَايَةٍ نَعَمْ لَوْ انْتَقَلَ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِدْلَالِ إلَى مَا لَا يُنَاسِبُ الْمَطْلُوبَ دَفْعًا لِظُهُورِ إفْحَامِهِ فَهُوَ يَكُونُ انْقِطَاعًا. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قِصَّةُ الْخَلِيلِ) جَوَابٌ عَنْ تَمَسُّكِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ كَلَامَنَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا بَانَ بُطْلَانُ دَلِيلِ الْمُعَلِّلِ وَانْتَقَلَ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ أَمَّا إذَا صَحَّ دَلِيلُهُ وَكَانَ قَدْحُ الْمُعْتَرِضِ فَاسِدًا إلَّا أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى تَلْبِيسٍ رُبَّمَا يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَإِنَّ مُعَارَضَةَ اللَّعِينِ كَانَتْ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَسْجُونِ وَتَرْكَ إزَالَةِ حَيَاتِهِ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إعْطَاءُ الْحَيَاةِ وَجَعْلُ الْجَمَادِ حَيًّا إلَّا أَنَّ الْخَلِيلَ ﵇ انْتَقَلَ إلَى دَلِيلٍ أَوْضَحَ وَحُجَّةٍ أَبْهَرَ لِيَكُونَ

стр. 632

فِي عُرْفِ النُّظَّارِ وَأَمَّا قِصَّةُ الْخَلِيلِ فَإِنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] (كَانَتْ مَلْزُومَةً وَاللَّعِينُ عَارَضَهُ بِأَمْرٍ بَاطِلٍ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] (فَالْخَلِيلُ ﵇ لَمَّا خَافَ الِاشْتِبَاهَ وَالتَّلْبِيسَ عَلَى الْقَوْمِ انْتَقَلَ إلَى الْعِلَّةِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا اشْتِبَاهٌ أَصْلًا وَالثَّالِثُ كَقَوْلِنَا الْكِتَابَةُ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ فَلَا تَمْنَعُ الصَّرْفَ إلَى الْكَفَّارَةِ) أَيْ إنْ أَعْتَقَ الْمُكَاتِبَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ يَجُوزُ (كَالْبَيْعِ بِالْخِيَارِ وَالْإِجَارَةِ) أَيْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَجُوزُ إعْتَاقُهُ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ، وَكَذَا إذَا آجَرَ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ (فَإِنْ قِيلَ عِنْدِي لَا يَمْنَعُ هَذَا الْعَقْدُ بَلْ نُقْصَانُ الرِّقِّ) أَيْ نُقْصَانُ الرِّقِّ يَمْنَعُ الصَّرْفَ إلَى الْكَفَّارَةِ عِنْدِي (فَنَقُولُ الرِّقُّ لَمْ يَنْقُصْ وَنُثْبِتْ هَذَا) أَيْ عَدَمَ نُقْصَانِ الرِّقِّ (بِعِلَّةٍ أُخْرَى) وَهِيَ قَوْلُهُ الْكِتَابَةُ عَقْدٌ يَحْتَمِل الْفَسْخَ فَيَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْكَفَّارَةِ كَمَا نَقُولُ ــ [التلويح] نُورًا عَلَى نُورٍ وَإِضَاءَةً غِبَّ إضَاءَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ انْتِقَالُهُ خُلُوًّا عَنْ تَأْكِيدٍ لِلْأَوَّلِ وَتَوْضِيحٍ وَتَبْكِيتٍ لِلْخَصْمِ وَتَفْضِيحٍ كَأَنَّهُ قَالَ الْمُرَادُ بِالْإِحْيَاءِ إعَادَةُ الرُّوحِ إلَى الْبَدَنِ فَالشَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ رُوحِ الْعَالَمِ لِإِضَاءَتِهِ بِهَا وَإِظْلَامِهِ بِغُرُوبِهَا فَإِنْ كُنْت تَقْدِرُ عَلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى فَأَعِدْ رُوحَ الْعَالَمِ إلَيْهِ بِأَنْ تَأْتِيَ الشَّمْسُ مِنْ جَانِبِ الْمَغْرِبِ. [فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) عَقَّبَ مَبَاحِثَ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا الْبَعْضُ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ لِيَتَبَيَّنَ فَسَادُهَا لِيَظْهَرَ انْحِصَارُ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ وَهَذَا غَيْرُ التَّمَسُّكَاتِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّهَا تَمَسُّكٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ بِطَرِيقٍ فَاسِدَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ لِلتَّمَسُّكِ فَمِنْ الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ الِاسْتِصْحَابُ وَهُوَ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ أَمْرٍ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كُلِّ شَيْءٍ أَيْ كُلِّ أَمْرٍ نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا ثَبَتَ وُجُودُهُ أَيْ تَحَقُّقُهُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ثُمَّ وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَقَائِهِ أَيْ لَمْ يَقَعْ ظَنٌّ بِعَدَمِهِ وَعِنْدَنَا حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ دُونَ الْإِثْبَاتِ فَإِنْ قِيلَ إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً لَزِمَ شُمُولُ الْوُجُودِ أَعْنِي كَوْنَهُ حُجَّةً لِلْإِثْبَاتِ وَالدَّفْعِ وَإِلَّا لَزِمَ شُمُولُ الْعَدَمِ أُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى الدَّفْعِ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمٌ وَعَدَمُ الْحُكْمِ مُسْتَنِدٌ إلَى عَدَمِ دَلِيلِهِ فَالْأَصْلُ فِي الْعَدَمِ الِاسْتِمْرَارُ حَتَّى يَظْهَرَ دَلِيلُ الْوُجُودِ وَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَا يُحَقِّقُ وُجُودَهُ أَوْ عَدَمَهُ فِي زَمَانٍ وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ يُزِيلُهُ فَإِنَّ لُزُومَ ظَنِّ بَقَائِهِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ وَلِهَذَا يُرَاسِلُ الْعُقَلَاءُ أَهَالِيهِمْ وَبِلَادَهُمْ رُبَّمَا كَانُوا يُشَافِقُونَهُمْ وَيُرْسِلُونَ الْوَدَائِعَ وَالْهَدَايَا وَيُعَامِلُونَ بِمَا يَقْتَضِي زَمَانًا مِنْ التِّجَارَاتِ وَالْقُرُوضِ وَالدُّيُونِ وَالْآخَرُونَ اسْتَبْعَدُوا دَعْوَى الضَّرُورَةِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ فَتَمَسَّكُوا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمَا وَقَعَ الْجَزْمُ بَلْ الظَّنُّ بِبَقَاءِ الشَّرَائِعِ لِاحْتِمَالِ طَرَيَانِ النَّاسِخِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِبَقَاءِ شَرْعِ عِيسَى ﵊ -

стр. 633

الْكِتَابَةُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا تُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الرِّقِّ (وَإِنْ أَثْبَتْنَاهُ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى فَهُوَ نَظِيرُ الرَّابِعِ كَمَا نَقُولُ احْتِمَالُهُ الْفَسْخَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّقَّ لَمْ يَنْقُصْ وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ وَالرَّابِعُ أَحَقُّ) (؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا تَكُونُ تَامَّةً فِي قَطْعِ الشُّبُهَاتِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى حُكْمٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَوْ إلَى عِلَّةٍ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ كَذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ) . (فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ) الِاسْتِصْحَابُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كُلِّ شَيْءٍ ثَبَتَ وُجُودُهُ بِدَلِيلٍ ثُمَّ وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَقَائِهِ وَعِنْدَنَا حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ لَا لِلْإِثْبَاتِ لَهُ أَنَّ بَقَاءَ الشَّرَائِعِ بِالِاسْتِصْحَابِ وَلِأَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَثِ يَحْكُمُ بِالْوُضُوءِ وَفِي الْعَكْسِ بِالْحَدَثِ. إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِلْمُدَّعِي فَإِنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَلَنَا أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُوجِبَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فَبَقَاءُ ــ [التلويح] إلَى زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ وَبَقَاءِ شَرْعِهِ أَبَدًا. وَثَانِيهِمَا الْإِجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِ الِاسْتِصْحَابِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ مِثْلُ بَقَاءِ الْوُضُوءِ وَالْحَدَثِ وَالْمِلْكِيَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي طَرَيَانِ الضِّدِّ وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْلَا الِاسْتِصْحَابُ لَمَا حَصَلَ الْجَزْمُ بِبَقَاءِ الشَّرَائِعِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الْجَزْمُ بِبَقَائِهَا وَالْقَطْعُ بِعَدَمِ نَسْخِهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ فِي شَرِيعَةِ عِيسَى ﵇ تَوَاتُرُ نَقْلِهَا وَتَوَاطُؤُ جَمِيعِ قَوْمِهِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا إلَى زَمَنِ نَبِيِّنَا ﵊ وَفِي شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﵊ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا نَسْخَ لِشَرِيعَتِهِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊، وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ انْتِسَاخِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ لَا غَيْرُ قُلْنَا قَدْ سَبَقَ فِي بَحْثِ النَّسْخِ أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةٍ مُوجِبَةٍ قَطْعًا إلَى زَمَانِ نُزُولِ النَّاسِخِ وَعَدَمُ بَيَانِ النَّبِيِّ ﵊ لِلنَّاسِخِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ نُزُولِهِ إذْ لَوْ نَزَلَ لَبَيَّنَهُ قَطْعًا لِوُجُوبِ التَّبْلِيغِ وَالتَّبْيِينِ عَلَيْهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْفُرُوعَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ بَلْ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ وَالْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يُوجِبُ أَحْكَامًا مُمْتَدَّةً إلَى زَمَانِ ظُهُورِ الْمُنَاقِضِ كَجَوَازِ الصَّلَاةِ وَحِلِّ الِانْتِفَاعِ وَالْوَطْءِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ وَضْعِ الشَّارِعِ فَبَقَاءُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ مُسْتَنِدَةٌ إلَى تَحَقُّقِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ الْمُنَاقِضِ لَا إلَى كَوْنِ الْأَصْلِ فِيهَا هُوَ الْبَقَاءُ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْمُزِيلُ وَالْمُنَافِي عَلَى مَا هُوَ قَضِيَّةُ الِاسْتِصْحَابِ وَهَذَا مَا يُقَالُ إنَّ الِاسْتِصْحَابَ حُجَّةٌ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَا لِإِثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ، وَلَا لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِثْبَاتِ بِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ضَرُورَةَ أَنَّ بَقَاءَ الشَّيْءِ غَيْرُ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ بَعْدَ الْحُدُوثِ وَرُبَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ مُوجِبًا لِحُدُوثِ الشَّيْءِ دُونَ اسْتِمْرَارِهِ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ عَدَمُ الدَّلَالَةِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَلَا نِزَاعَ

стр. 634

الشَّرَائِعِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊ لَيْسَ بِالِاسْتِصْحَابِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسْخَ لِشَرِيعَتِهِ وَفِي حَيَاتِهِ فَقَدْ مَرَّ جَوَابُهُ فِي النَّسْخِ وَالْوُضُوءِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَنَحْوُهَا يُوجِبُ حُكْمًا مُمْتَدًّا إلَى زَمَانِ ظُهُورِ مُنَاقِضٍ فَيَكُونُ الْبَقَاءُ لِلدَّلِيلِ وَكَلَامُنَا فِيمَا لَا دَلِيلَ عَلَى الْبَقَاءِ كَحَيَاةِ الْمَفْقُودِ فَيَرِثُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ مِنْ بَابِ الْإِثْبَاتِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ وَلَا يُوَرَّثُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِرْثِ مِنْ بَابِ الدَّفْعِ فَيَثْبُتُ بِهِ وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ فَجَعَلَ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَهِيَ الْأَصْلُ حُجَّةً عَلَى الْمُدَّعِي فَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ كَمَا بَعْدَ الْيَمِينِ وَعِنْدَنَا يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا إنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَا يَصِحُّ حُجَّةً لِلْإِثْبَاتِ فَلَا يَكُونُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حُجَّةً عَلَى الْمُدَّعِي فَيَصِحُّ الصُّلْحُ وَ (تَجِبُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّفِيعِ عِنْدَنَا عَلَى مِلْكِ الْمَشْفُوعِ بِهِ إذَا أَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الشَّفِيعِ الدَّارَ ــ [التلويح] وَإِنْ أُرِيدَ بِطَرِيقِ الظَّنِّ فَمَمْنُوعٌ وَدَعْوَى الضَّرُورَةِ وَالظُّهُورِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ خُصُوصًا فِيمَا يَدَّعِي الْخَصْمُ بَدَاهَةً نَقِيضَهُ وَأَيْضًا لَا نَدَّعِي أَنَّ مُوجِبَ الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ بَلْ إنَّ سَبْقَ الْوُجُودِ مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الْمُنَافِي الْمَدَافِعِ يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الْبَقَاءِ وَالظَّنُّ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَكَلَامُنَا فِيمَا لَا دَلِيلَ عَلَى الْبَقَاءِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْخَصْمِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ وَكَيْفَ يُحْكَمُ بِالشَّيْءِ بِدُونِ دَلِيلٍ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ سَبْقَ الْوُجُودِ مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الْمُنَافِي وَالْمُدَافِعِ هَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْبَقَاءِ. (قَوْلُهُ: وَالصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ) أَيْ مَعَ إنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَصْلِ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ حُجَّةٌ عَلَى الْمُدَّعِي بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا حُجَّةٌ لَدَفْعِ حَقِّ الْمُدَّعِي فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا بِالِاتِّفَاقِ قُلْنَا بَلْ لِإِلْزَامِ الْمُدَّعِي وَإِثْبَاتِ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. [التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ) كَمَا يُقَالُ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْحَدِّ وَكَمَا يُقَالُ الْأَخُ لَا يُعْتِقُ عَلَى أَخِيهِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي مِلِكِهِ لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ كَابْنِ الْعَمِّ فَإِنَّ عَدَمَ الْمَالِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الثُّبُوتِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، وَكَذَا عَدَمُ الْبَعْضِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الْعِتْقِ لِجَوَازِ أَنْ يَتَحَقَّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعِلَّةٍ أُخْرَى اللَّهُمَّ إلَّا إذَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ فَقَطْ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُ الْحُكْمِ كَمَا يُقَالُ وَلَدُ الْمَغْصُوبِ لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَغْصُوبٍ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ الضَّمَانُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الضَّمَانِ هَاهُنَا هُوَ الْغَصْبُ لَا غَيْرُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالنَّفْيِ إحْدَى الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِصْحَابِ حَتَّى يُعَدَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَلْ هُوَ تَمَسُّكٌ بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ بِمَنْزِلَةِ الْأَقْيِسَةِ الطَّرْدِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَبِمَنْزِلَةِ التَّمَسُّكَاتِ الْفَاسِدَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَنَّ الْعِلَّةَ وَاحِدَةٌ فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ مَرْجِعُهُ إلَى النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ كَمَا إذَا ثَبَتَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ تَلَازُمٌ أَوْ تَنَافٍ فَيُسْتَدَلُّ مِنْ

стр. 635

الْمَشْفُوعَ بِهَا ثَابِتٌ بِالِاسْتِصْحَابِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُشْتَرِي فَتَجِبُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّفِيعِ عَلَى مِلْكِ الْمَشْفُوعِ بِهَا لَا عِنْدَهُ (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ دَخَلَ أَمْ لَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى عِنْدَنَا) فَإِنَّ الْعَبْدَ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدُّخُولِ فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ عَلَى الْمَوْلَى. (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ (التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ) أَيْ فِي الْمُمَانَعَةِ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ وَالْأَخُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْوُجُودُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ لَهُ عِلَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي وَلَدِ الْغَصْبِ إنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ الْوَلَدَ وَمِنْهَا الِاحْتِجَاجُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ كَقَوْلِ زُفَرَ إنَّ غَسْلَ الْمَرَافِقِ لَيْسَ بِفَرْضٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْغَايَاتِ مَا يَدْخُلُ وَمَا لَا يَدْخُلُ فَلَا يَدْخُلُ بِالشَّكِّ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَيِّ الْقِسْمَيْنِ. (بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ إذَا وَرَدَ دَلِيلَانِ يَقْتَضِي أَحَدُهُمْ عَدَمَ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَإِنْ تَسَاوَيَا قُوَّةً، أَوْ ــ [التلويح] وُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ أَوْ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ أَوْ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِ الْمُتَنَافِيَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ الْآخَرِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ فَإِنَّهُ تَرْجِيحٌ فَاسِدٌ لِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ لَا حُجَّةٌ بِرَأْسِهَا. [بَابُ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ] (قَوْلُهُ: بَابُ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ) لَمَّا كَانَتْ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ قَدْ تَتَعَارَضُ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِهَا إلَّا بِالتَّرْجِيحِ ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ جِهَاتِهِ عَقِبَ مَبَاحِثِ الْأَدِلَّةِ بِمَبَاحِثِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ تَتْمِيمًا لِلْمَقْصُودِ، وَتَعَارُضُ الدَّلِيلَيْنِ كَوْنُهُمَا بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا ثُبُوتَ أَمْرٍ وَالْآخَرُ انْتِفَاءَهُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بِشَرْطِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ، أَوْ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا بِوَصْفٍ هُوَ تَابِعٌ. وَاحْتَرَزَ بِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ عَمَّا يَقْتَضِي حِلَّ الْمَنْكُوحَةِ وَحُرْمَةَ أُمِّهَا وَبِاتِّحَادِ الزَّمَانِ عَنْ مِثْلِ حِلِّ وَطْءِ الْمَنْكُوحَةِ قَبْلَ الْحَيْضِ وَحُرْمَتِهِ عِنْدَ الْحَيْضِ وَبِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى بِالذَّاتِ كَالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ اقْتِضَاءُ أَحَدِهِمَا عَدَمَ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ بِعَيْنِهِ حَتَّى يَكُونَ الْإِيجَابُ وَارِدًا عَلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّفْيُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ لِتَغَايُرِ حِلِّ الْمَنْكُوحَةِ وَحِلِّ أُمِّهَا، وَكَذَا الْحِلُّ قَبْلَ الْحَيْضِ، وَعِنْدَهُ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ أُمُورٍ أُخْرَى مِثْلَ اتِّحَادِ الْمَكَانِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحَقُّقِ التَّنَاقُضِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ وَتَنْصِيصٍ عَلَى مَا هُوَ مِلَاكُ الْأَمْرِ فِي بَابِ التَّنَاقُضِ، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْدَفِعُ التَّرْجِيحُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَالزَّمَانِ، ثُمَّ التَّعَارُضُ لَا يَقَعُ بَيْنَ الْقَطْعِيَّيْنِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ الْمُتَنَافِيَيْنِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّرْجِيحُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ التَّفَاوُتِ فِي احْتِمَالِ النَّقِيضِ، فَلَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الظَّنِّيَّيْنِ. وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنْ تَسَاوَيَا قُوَّةً إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ تَحَقُّقِ التَّعَارُضِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ
следующие страницы →