← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا قَدْ تُوجَدُ مَعَ مُشَابَهَتِهَا السَّبَبَ كَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ تُوجَدُ بِدُونِهَا كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ وَقَدْ تُوجَدُ مُشَابَهَةُ السَّبَبِ بِدُونِهَا أَيْ بِدُونِ الْعِلَّةِ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ عِلَّةً اسْمًا وَمَعْنًى الْقَرِيبَ الْمَحْرَمَ وَأَظُنُّ أَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ يَكُونُ حُكْمًا لَكِنَّهُ يُشَابِهُ السَّبَبَ. (وَأَمَّا مَا لَهُ شَبَهُ الْعِلِّيَّةِ كَجُزْءِ الْعِلَّةِ فَيَثْبُتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ كَرِبَا النَّسِيئَةِ يَثْبُتُ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ) ، وَهُوَ إمَّا الْقَدْرُ، أَوْ الْجِنْسُ. (وَإِمَّا مَعْنًى وَحُكْمًا كَالْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْعِلَّةِ كَالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ لِلْعِتْقِ، فَإِذَا تَأَخَّرَ الْمِلْكُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ) أَيْ ــ [التلويح] لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَثَرًا فِي إيجَابِ الصِّلَاتِ وَلِهَذَا يَجِبُ صِلَةُ الْقَرَابَاتِ وَنَفَقَةُ الْعَبِيدِ إلَّا أَنَّ لِلْأَخِيرِ تَرْجِيحًا بِوُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَهُ فَيُجْعَلُ وَصْفًا لَهُ شُبْهَةُ الْعِلِّيَّةِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ عِلَّةً مَعْنًى وَحُكْمًا وَيَصِيرُ الْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فَيُجْعَلُ وَصْفًا لَهُ شُبْهَةُ الْعِلِّيَّةِ. وَفِي كَوْنِ الْمِلْكِ عِلَّةً مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الْمِلْكِ وَثُبُوتَهُ بِهِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ شَائِعٌ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَرِيحٌ فِيهِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ عِلَّةً اسْمًا. وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَيَصِيرُ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْجُزْءِ الْأَخِيرِ كَالْمَنِّ الْأَخِيرِ فِي أَثْقَالِ السَّفِينَةِ وَالْقَدَحِ الْأَخِيرِ فِي السُّكْرِ وَذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَصِيرُ مُوجَبًا بِالْأَخِيرِ، ثُمَّ الْحُكْمُ يَجِبُ بِالْكُلِّ فَيَصِيرُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ كَعِلَّةِ الْعِلَّةِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ عِلَّةَ الْعِلَّةِ يَكُونُ عِلَّةً اسْمًا لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يَجِبُ فِيمَا هُوَ عِلَّةٌ اسْمًا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلْحُكْمِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُ وَالْمِلْكُ لَمْ يُوضَعْ فِي الشَّرْعِ لِلْعِتْقِ، وَإِنَّمَا الْمَوْضُوعُ لَهُ مِلْكُ الْقَرَابَةِ وَشِرَاءُ الْقَرِيبِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى تُصْبِحَ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ) . فَإِنْ قُلْت: الْجُزْءُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمِلْكُ دُونَ الشِّرَاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّفْرِيعُ. قُلْت: عِلَّةُ الشِّرَاءِ عِلَّةٌ لِلْمِلْكِ وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ غَيْرُ مُتَرَاخٍ هَاهُنَا فَالنِّيَّةُ عِنْدَ الشِّرَاءِ نِيَّةٌ عِنْدَ إيجَادِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ لِلْإِعْتَاقِ إذْ لَا إضَافَةَ إلَى الْقَرَابَةِ الَّتِي هِيَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: وَيَضْمَنُ) أَيْ لَوْ اشْتَرَى رَجُلَانِ قَرِيبًا مَحْرَمًا لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ اشْتَرَى الْأَجْنَبِيُّ شِقْصًا، ثُمَّ الْقَرِيبُ بَعْدَهُ ضَمِنَ الْقَرِيبُ نَصِيبَ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاتِّفَاقِ مُوسِرًا كَانَ الْقَرِيبُ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ نَصِيبَهُ بِمَا هُوَ عِلَّةٌ، وَهُوَ الشِّرَاءُ، وَإِنْ اشْتَرَيَاهُ مَعًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا يَضْمَنُ لِمَا مَرَّ سَوَاءٌ عَلِمَ الْأَجْنَبِيُّ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ رَضِيَ بِفَسَادِ نَصِيبِهِ حَيْثُ جَعَلَ الْقَرِيبَ شَرِيكًا لَهُ فِي الشِّرَاءِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْقَرَابَةَ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ تَقْصِيرٌ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى الْأَجْنَبِيُّ نَصِيبَهُ، أَوَّلًا، فَإِنَّهُ لَا رِضَا مِنْهُ بِالْفَسَادِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ

стр. 702

الْعِتْقُ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ لِلْعِلَّةِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهِ (حَتَّى تُصْبِحَ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الشِّرَاءِ) فَإِنَّ نِيَّةَ الْكَفَّارَةِ تُعْتَبَرُ عِنْدَ الْإِعْتَاقِ فَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ عِنْدَ الشِّرَاءِ (وَيَضْمَنُ إذَا كَانَ شَرِيكًا عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَلَا يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا اشْتَرَيَاهُ مَعًا أَمَّا إذَا اشْتَرَى الْأَجْنَبِيُّ نِصْفَهُ، ثُمَّ الْقَرِيبُ يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِي الْأَوَّلِ رَضِيَ الْأَجْنَبِيُّ بِفَسَادِ نَصِيبِهِ حَيْثُ اشْتَرَكَ مَعَ الْقَرِيبِ، وَلَا يُعْتَبَرُ جَهْلُهُ وَفِي الثَّانِي لَمْ يَرْضَ. (وَأَنَّ تَأَخُّرَ الْقَرَابَةِ يَثْبُتُ بِهَا) أَيْ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِالْقَرَابَةِ حَتَّى يَضْمَنَ مُدَّعِي الْقَرَابَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْقَرَابَةُ مَعْلُومَةً لَمْ يَضْمَنْ. (كَمَا إذَا وَرِثَا عَبْدًا، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَرِيبُهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ) أَيْ إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ، ثُمَّ وَاحِدٌ لَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الشَّهَادَةِ الْأَخِيرَةِ بَلْ إلَى الْمَجْمُوعِ فَأَيُّهُمَا رَجَعَ يَضْمَنُ النِّصْفَ (فَإِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَعْمَلُ بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ يَقَعُ بِهِمَا وَإِمَّا اسْمًا وَحُكْمًا لَا مَعْنًى وَهِيَ إمَّا بِإِقَامَةِ السَّبَبِ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ) فَإِنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ الْمَشَقَّةِ (وَالنَّوْمُ) أُقِيمَ مَقَامَ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ (وَالْمَسُّ وَالنِّكَاحُ مَقَامَ الْوَطْءِ) أَيْ الْمَسُّ وَالنِّكَاحُ يَقُومَانِ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ وَحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، أَمَّا فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَتْنِ الْمَدْعُوَّ إلَيْهِ ــ [التلويح] الرِّضَا فِي صُورَةِ الْجَهْلِ بِالْقَرَابَةِ كَيْفَ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الرِّضَا أَمْرٌ بَاطِنٌ فَأُدِيرَ الْحُكْمُ مَعَ السَّبَبِ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الِاشْتِرَاكُ وَمُبَاشَرَةُ الشِّرَاءِ وَأَيْضًا لَمَّا لَمْ يُعْتَبَرْ جَهْلُهُ وَجُعِلَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ صَارَ كَأَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ. وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يُعْتَبَرُ جَهْلُهُ إشَارَةٌ إلَى هَذَا. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَضْمَنَ مُدَّعِي الْقَرَابَةِ) يَعْنِي إذَا اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنُهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنْ الْعِلَّةِ أَعْنِي الْقَرَابَةَ قَدْ حَصَلَ بِصُنْعِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْعِلَّةَ، وَلَوْ كَانَتْ الْقَرَابَةُ مَعْلُومَةً قَبْلَ الشِّرَاءِ لَمْ يَضْمَنْ مُدَّعِي الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ بِصُنْعِهِ، وَقَدْ رَضِيَ الْأَجْنَبِيُّ بِفَسَادِ نَصِيبِهِ فَقَوْلُهُ: لَمْ يَضْمَنْ. قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُخَصُّ بِصُورَةِ الشِّرَاءِ مَعًا حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْأَجْنَبِيُّ، أَوَّلًا ضَمِنَ الْقَرِيبُ حِصَّتَهُ لِعَدَمِ الرِّضَا، وَأَمَّا إذَا وَرِثَا عَبْدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَرِيبُهُ يَضْمَنُ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ بِصُنْعِهِ، فَلَوْ كَانَتْ الْقَرَابَةُ مَعْلُومَةً لَمْ يَضْمَنْ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ لَيْسَ مِنْ صُنْعِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ) السَّبَبُ الدَّاعِي هُوَ الَّذِي يُفْضِي إلَى الشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ فَلَا بُدَّ مَنْ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ وَالدَّلِيلُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ فَرُبَّمَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا فِي الْوُجُودِ كَالْإِخْبَارِ عَنْ الْمَحَبَّةِ وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِخْبَارِهَا بِمَنْزِلَةِ تَخَيُّرِهَا، وَهُوَ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمَجْلِسِ. (قَوْلُهُ: وَالطُّهْرُ مَقَامُ الْحَاجَةِ) يَعْنِي أَنَّ

стр. 703

لِلظُّهُورِ (أَوْ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ مَقَامَ الْمَدْلُولِ كَالْخَبَرِ عَنْ الْمَحَبَّةِ أُقِيمَ مَقَامَهَا فِي قَوْلِهِ: إنْ أَحْبَبْتنِي فَأَنْتَ كَذَا وَالطُّهْرُ مَقَامَ الْحَاجَةِ فِي إبَاحَةِ الطَّلَاقِ وَاسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ مَقَامَ الشُّغْلِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَالدَّاعِي إلَى ذَلِكَ) أَيْ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِإِقَامَةِ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ وَالدَّلِيلِ مَقَامَ الْمَدْلُولِ أَحَدُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ. (إمَّا دَفْعُ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي إنْ أَحْبَبْتنِي وَكَمَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِمَّا الِاحْتِيَاطُ كَمَا فِي تَحْرِيمِ الدَّوَاعِي فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَإِمَّا دَفْعُ الْحَرَجِ كَالسَّفَرِ وَالطُّهْرِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ دَفْعِ الْحَرَجِ وَدَفْعِ الضَّرُورَةِ أَنَّ فِي دَفْعِ الضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْمَحَبَّةِ فَإِنَّ وُقُوفَ الْغَيْرِ عَلَيْهَا مُحَالٌ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى إقَامَةِ الْخَبَرِ عَنْ الْمَحَبَّةِ مَقَامَ الْمَحَبَّةِ. أَمَّا الْمَشَقَّةُ فِي السَّفَرِ وَالْإِنْزَالُ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِمَا مُمْكِنٌ لَكِنْ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِمَا حَرَجٌ لِخَفَائِهِمَا ــ [التلويح] الطَّلَاقَ أَمْرٌ مَحْظُورٌ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الْمَسْنُونِ إلَّا أَنَّهُ شُرِعَ ضَرُورَةَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَالْحَاجَةُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فَأُقِيمَ دَلِيلُهَا، وَهُوَ زَمَانٌ تَتَجَدَّدُ فِيهِ الرَّغْبَةُ أَعْنِي الطُّهْرَ الْخَالِيَ عَنْ الْجِمَاعِ مَقَامَ الْحَاجَةِ تَيْسِيرًا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ دَلِيلَ الْحَاجَةِ هُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ لَا الطُّهْرُ نَفْسُهُ. (قَوْلُهُ: وَاسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ فِي الْأَمَةِ عِنْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى انْقِضَاءِ حَيْضَةٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا هُوَ كَوْنُ الرَّحِمِ مَشْغُولًا بِمَاءِ الْغَيْرِ احْتِرَازًا عَنْ خَلْطِ الْمَاءِ بِالْمَاءِ وَسَقْيِ الْمَاءِ زَرْعَ الْغَيْرِ إلَّا أَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ فَأُقِيمَ دَلِيلُهُ، وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ مِلْكِ الْوَاطِئِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَقَامَهُ، فَإِنَّ الِاسْتِحْدَاثَ يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ مَنْ اُسْتُحْدِثَ مِنْهُ وَتُلُقِّيَ مِنْ جِهَتِهِ وَمِلْكُهُ يُمَكِّنُهُ مِنْ الْوَطْءِ الْمُؤَدِّي إلَى الشُّغْلِ فَالِاسْتِحْدَاثُ يَدُلُّ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ عَلَى الشُّغْلِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مِنْ إقَامَةِ السَّبَبِ إذْ الشُّغْلُ إنَّمَا هُوَ بِالْوَطْءِ وَالْمِلْكُ مُمَكِّنٌ مِنْهُ مُؤَدٍّ إلَيْهِ وَدَاعٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشُّغْلَ إنَّمَا هُوَ بِوَطْءِ الْبَائِعِ وَالْمِلْكُ مُمَكِّنٌ مِنْ وَطْءِ الْمُشْتَرِي وَالْأَظْهَرُ مَا فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ عِلَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ صِيَانَةُ الْمَاءِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَاءٍ قَدْ وُجِدَ وَاسْتِحْدَاثُ مِلْكِ الْوَاطِئِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ سَبَبٌ مُؤَدٍّ إلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِحْدَاثَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ يَلْزَمُ مِنْ الْبَائِعِ، وَمِنْ غَيْرِ ظُهُورِ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا عَنْ مَائِهِ، فَلَوْ أَبَحْنَا الْوَطْءَ لِلثَّانِي بِنَفْسِ الْمِلْكِ لَأَدَّى إلَى الْخَلْطِ فَكَانَ الْإِطْلَاقُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ سَبَبًا مُؤَدِّيًا إلَيْهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ دَلِيلٌ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ وَلِهَذَا سَمَّاهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السَّبَبَ الظَّاهِرَ وَالدَّلِيلَ عَلَى الْعِلَّةِ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي تَحْرِيمِ الدَّوَاعِي) أَيْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ مِنْ الْمَسِّ وَالتَّقْبِيلِ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ حَيْثُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الزِّنَا فِي الْحُرْمَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذَا كَانَتْ مَعَ

стр. 704

(وَبِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ بَقِيَ قِسْمَانِ عِلَّةٌ مَعْنًى فَقَطْ وَعِلَّةٌ حُكْمًا فَقَطْ، وَلَمَّا جَعَلُوا الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنْ الْعِلَّةِ عِلَّةً مَعْنًى وَحُكْمًا لَا اسْمًا يَكُونُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عِلَّةً مَعْنًى لَا اسْمًا، وَلَا حُكْمًا) فَالْقِسْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ مَا لَهُ شُبْهَةُ الْعِلِّيَّةِ كَجُزْءِ الْعِلَّةِ يَكُونُ هَذَا الْقِسْمُ بِعَيْنِهِ. (وَالْعِلَّةُ اسْمًا وَحُكْمًا إنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً فَالْجُزْءُ الْأَخِيرُ عِلَّةٌ حُكْمًا فَقَطْ) كَالدَّاعِي مَثَلًا وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ جُزْأَيْنِ فَالْجُزْءُ الْأَخِيرُ عِلَّةٌ حُكْمًا لَا اسْمًا وَمَعْنًى أَيْضًا لَمَّا أَرَادُوا بِالْعِلَّةِ حُكْمًا مَا يُقَارِنُهُ الْحُكْمُ فَالشَّرْطُ كَدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا عِلَّةٌ حُكْمًا. (وَأَمَّا السَّبَبُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عِلَّةٌ فَإِنْ كَانَتْ مُضَافَةً إلَيْهِ) أَيْ إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُضَافَةً إلَى السَّبَبِ كَوَطْءِ الدَّابَّةِ شَيْئًا فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِهَلَاكِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُضَافَةٌ إلَى سَوْقِهَا، وَهُوَ السَّبَبُ (فَالسَّبَبُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِسَوْقِ الدَّابَّةِ وَقَوْدِهَا وَبِالشَّهَادَةِ بِالْقِصَاصِ إذَا رَجَعَ ــ [التلويح] الْأَجْنَبِيَّةِ وَأُقِيمَتْ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي الْحُرْمَةِ حَالَتَيْ الِاعْتِكَافِ وَالْإِحْرَامِ إذَا كَانَتْ مَعَ الزَّوْجَةِ، أَوْ الْأَمَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَمَّا جَعَلُوا الْجُزْءَ الْأَخِيرَ) يَعْنِي أَنَّ الْقَوْمَ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْعِلَّةِ مَعْنًى فَقَطْ وَالْعِلَّةِ حُكْمًا فَقَطْ إلَّا أَنَّ التَّقْسِيمَ الْعَقْلِيَّ يَقْتَضِيهِمَا وَالْأَحْكَامُ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ الْعِلَّةِ لَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعَ تَأْثِيرِهِ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَكُونُ عِلَّةً مَعْنًى لِوُجُودِ التَّأْثِيرِ لَا اسْمًا، وَلَا حُكْمًا لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ وَالْمُقَارَنَةِ فَمَا لَهُ شُبْهَةُ الْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الْغَيْرُ الْأَخِيرِ مِنْ الْعِلَّةِ يَكُونُ هَذَا الْقِسْمُ بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ حُكْمًا فَقَطْ إلَّا مَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ وَيَتَّصِلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ وَلَا تَأْثِيرٍ فَالْجُزْءُ الْأَخِيرِ مِنْ السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى الْحُكْمِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَتَّصِلُ بِهِ الْحُكْمُ يَكُونُ عِلَّةً حُكْمًا لِوُجُودِ الْمُقَارَنَةِ لَا اسْمًا لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَلَا مَعْنًى لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلسَّبَبِ الدَّاعِي فَكَيْفَ لِجُزْئِهِ، وَكَذَا الشَّرْطُ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ كَدُخُولِ الدَّارِ فِيمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَّصِلُ بِهِ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ، وَلَا تَأْثِيرٍ فَيَكُونُ عِلَّةً حُكْمًا فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّبَبُ) هُوَ لُغَةً مَا يَتَّصِلُ بِهِ إلَى الشَّيْءِ. وَاصْطِلَاحًا مَا يَكُونُ طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ. وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يُذْكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَقْسَامُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّبَبِ حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا وَيَعْتَبِرُ تَعَدُّدُ الْأَقْسَامِ اخْتِلَافَ الْجِهَاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْأَقْسَامُ بِحَسَبِ الذَّوَاتِ وَلِذَا ذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ أَقْسَامَ السَّبَبِ أَرْبَعَةٌ سَبَبٌ مَحْضٌ كَدَلَالَةِ السَّارِقِ وَسَبَبٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ كَسَوْقِ الدَّابَّةِ لِمَا يَتْلَفُ بِهَا وَسَبَبٌ مَجَازِيٌّ كَالْيَمِينِ وَسَبَبٌ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَّةِ كَالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ. وَلَمَّا رَأَى الْمُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ الرَّابِعَ هُوَ بِعَيْنِهِ السَّبَبُ الْمَجَازِيُّ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَنَّ عَدَّ الْمَجَازِيِّ مِنْ الْأَقْسَامِ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ قَسَّمَ السَّبَبَ إلَى مَا فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ وَإِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَيُسَمَّى الثَّانِي سَبَبًا حَقِيقِيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ السَّبَبِ مَا هُوَ

стр. 705

لَا الْقِصَاصُ عِنْدَنَا) أَيْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَنَا عَلَى الشَّاهِدِ إذَا شَهِدَ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا فَاقْتُصَّ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ (لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ وَشَهَادَتُهُ إنَّمَا صَارَتْ قَتْلًا بِحُكْمِ الْقَاضِي وَاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُضَافَةً إلَيْهِ) أَيْ الْعِلَّةُ مُضَافَةً إلَى السَّبَبِ. (نَحْوُ أَنْ تَكُونَ) أَيْ الْعِلَّةُ (فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا فَسَبَبٌ حَقِيقِيٌّ) لَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ (فَلَا يَضْمَنُ، وَلَا يَشْتَرِكُ فِي الْغَنِيمَةِ الدَّالُّ عَلَى مَالِ السَّرِقَةِ وَعَلَى حِصْنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ) أَيْ لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ عَلَى مَالٍ يَسْرِقُهُ السَّارِقُ، وَلَا يَشْتَرِكُ فِي الْغَنِيمَةِ الدَّالُّ عَلَى حِصْنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ تَوَسَّطَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْحُكْمِ عِلَّةٌ هِيَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ وَهُوَ السَّارِقُ فِي فَصْلِ السَّرِقَةِ وَالْغَازِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحِصْنِ فَتَقْطَعُ هَذِهِ الْعِلَّةُ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ (وَلَا أَجْنَبِيٌّ) أَيْ، وَلَا يَضْمَنُ قِيمَةَ ــ [التلويح] سَبَبٌ مَجَازِيٌّ أَيْ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّبَبِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسَّبَبِ الَّذِي فِيهِ شُبْهَةُ الْعِلَلِ. (قَوْلُهُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ) اعْتِرَاضٌ بَيْنَ أَمَّا وَجَوَابِهِ، وَتَمْهِيدٌ لِتَقْسِيمِ السَّبَبِ إلَى مَا يُضَافُ إلَيْهِ الْعِلَّةُ وَإِلَى مَا لَا يُضَافُ يَعْنِي أَنَّ السَّبَبَ مُفْضٍ إلَى الْحُكْمِ وَطَرِيقٌ إلَيْهِ لَا مُؤَثِّرٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ فِيهِ مَوْضُوعَةٍ لَهُ فَالسَّبَبُ إمَّا أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ الْعِلَّةُ، أَوْ لَا. فَالْأَوَّلُ: السَّبَبُ الَّذِي فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ كَسَوْقِ الدَّابَّةِ، فَإِنْ لَمْ يُوضَعْ لِلتَّلَفِ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ وَالْعِلَّةُ هُوَ وَطْءُ الدَّابَّةِ بِقَوَائِمِهَا ذَلِكَ الشَّخْصَ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى السَّوْقِ وَحَادِثٌ بِهِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْعِلَّةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى بَدَلِ الْمَحَلِّ لَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى جَزَاءِ الْمُبَاشَرَةِ فَيَجِبُ عَلَى السَّائِقِ الدِّيَةُ لَا الْحِرْمَانُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَلَا الْكَفَّارَةُ، وَلَا الْقِصَاصُ وَكَالشَّهَادَةِ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ، وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ طَرِيقٌ إلَيْهِ وَالْعِلَّةُ مَا تَوَسَّطَ مِنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الَّذِي هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ إلَّا أَنَّهُ سَبَبٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقَاتِلِ مُضَافَةٌ إلَى الشَّهَادَةِ حَادِثَةٌ بِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ فَيَصْلُحُ لِإِيجَابِ ضَمَانِ الْمَحَلِّ دُونَ جَزَاءِ الْمُبَاشَرَةِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ، وَلَا مُبَاشَرَةَ مِنْ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ إنَّمَا صَارَتْ قَتْلًا أَيْ مُؤَدِّيَةً بِوَاسِطَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَاخْتِيَارِ الْوَلِيِّ الْقِصَاصَ عَلَى الْعَفْوِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ الْقِصَاصُ إذَا قَالُوا: عِنْدَ الرُّجُوعِ تَعَمَّدْنَا الْكَذِبَ وَعُلِمَ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّبَبَ الْقَوِيَّ الْمُؤَكَّدَ بِالْقَصْدِ الْكَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ مَبْنَى الْقِصَاصِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ، وَإِنْ قَوِيَ وَتَأَكَّدَ. وَالثَّانِي السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ بِأَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عِلَّةٌ هِيَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى السَّبَبِ كَفِعْلِ السَّارِقِ بَيْنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَالِ وَبَيْنَ سَرِقَتِهِ، وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ

стр. 706

الْوَلَدِ أَجْنَبِيٌّ (قَالَ لِآخَرَ تَزَوَّجْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهَا حُرَّةٌ فَفَعَلَ وَاسْتَوْلَدَهَا، فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ لَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ) (بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهَا الْوَكِيلُ، أَوْ الْوَلِيُّ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ. وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْمُودَعَ، أَوْ الْمُحْرِمَ إذَا دَلَّا عَلَى الْوَدِيعَةِ وَالصَّيْدِ يَضْمَنَانِ مَعَ أَنَّهُمَا سَبَبَانِ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ الَّذِي الْتَزَمَ وَالْمُحْرِمُ بِإِزَالَةِ الْأَمْنِ إذَا تَقَرَّرَتْ بِإِفْضَائِهَا إلَى الْقَتْلِ) أَيْ إذَا تَقَرَّرَتْ إزَالَةُ الْأَمْنِ وَإِنَّمَا قَالَ هَذِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ إنَّ الْمُحْرِمَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِزَالَةِ الْأَمْنِ. وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ إزَالَةُ الْأَمْنِ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ فَقَالَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِزَالَةِ الْأَمْنِ إذَا تَقَرَّرَتْ بِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى الْقَتْلِ إذْ قِيلَ: الْإِفْضَاءُ لَمْ يَصِرْ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، فَلَا يَضْمَنُ، ثُمَّ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ الْأَمْنِ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ الصَّيْدَ مَحْفُوظٌ بِالْبُعْدِ عَنْ النَّاسِ بِخِلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ) أَيْ إذْ دَلَّ رَجُلٌ سَارِقًا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ لَا يَضْمَنُ فَإِنَّ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا لَيْسَ لِأَجْلِ الْبُعْدِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فَدَلَالَتُهُ لَا تَكُونُ إزَالَةَ الْأَمْنِ. (وَصَيْدِ الْحَرَمِ) ــ [التلويح] مُجَرَّدُ كَوْنِ الْعِلَّةِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْقِصَاصِ. وَقَوْلُهُ: فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ فَالسَّبَبُ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَهَا) يَعْنِي لَوْ زَوَّجَ الْمَرْأَةَ وَكِيلُهَا، أَوْ وَلِيُّهَا عَلَى شَرْطِ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ يَضْمَنُ الْوَكِيلُ، أَوْ الْوَلِيُّ لِلْمُتَزَوِّجِ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِيلَادِ وَطَلَبِ النَّسْلِ فَيَكُونُ الْمُزَوِّجُ صَاحِبَ الْعِلَّةِ وَأَيْضًا الِاسْتِيلَادُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّزْوِيجِ الْمَشْرُوطِ بِالْحُرِّيَّةِ وَصْفًا لَازِمًا لَهُ فَيَصِيرُ وَصْفُ الْحُرِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ كَالتَّزْوِيجِ فَيَكُونُ الشَّارِطُ صَاحِبَ عِلَّةٍ. (قَوْلُهُ: إزَالَةُ الْأَمْنِ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ) أَيْ إزَالَةُ الْمُحْرِمِ إلَّا مِنْ الْمُلْتَزِمِ بِعَقْدِ الْإِحْرَامِ إذَا تَقَرَّرَتْ حَالَ كَوْنِهِ مُحْرِمًا عِلَّةٌ لِلضَّمَانِ وَمُوجِبَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الدَّالُّ مُحْرِمًا حِينَ قَتَلَ الْمَدْلُولُ الصَّيْدَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ وَحَقِيقَةُ الدَّلَالَةِ الْإِعْلَامُ أَيْ إحْدَاثُ الْعِلْمِ فِي الْغَيْرِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ وَأَنْ لَا يَكْذِبَ الدَّالُّ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَصَيْدِ الْحَرَمِ) أَيْ بِخِلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُحْرِمِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَإِنَّ الدَّالَّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ سَبَبٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ صَيْدِ الْحَرَمِ مَحْفُوظًا لَيْسَ بِالْبُعْدِ عَنْ النَّاسِ حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ إزَالَةً لِلْأَمْنِ وَمُوجِبَةً لِلضَّمَانِ بَلْ هُوَ مَحْفُوظٌ بِكَوْنِهِ صَيْدَ الْحَرَمِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى آمِنًا لِيَبْقَى مُدَّةَ بَقَاءِ الدُّنْيَا فَتَعَرُّضُ الصَّيْدِ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِ الْأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَوْقُوفَةِ وَلِهَذَا يَكُونُ ضَمَانُهُ ضَمَانَ الْمَحَلِّ حَتَّى لَا يَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْجَانِي بِخِلَافِ الضَّمَانِ الْوَاجِبِ بِالْإِحْرَامِ، فَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ كَانَ الضَّمَانُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ لَا بِإِزَالَةِ الْأَمْنِ. فَإِنْ قُلْت: السِّعَايَةُ إلَى السُّلْطَانِ الظَّالِمِ سَبَبٌ مَحْضٌ، وَقَدْ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى السَّاعِي. قُلْت: مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ أَفْتَوْا فِيهَا بِغَيْرِ الْقِيَاسِ اسْتِحْسَانًا لِغَلَبَةِ السِّعَايَةِ. (قَوْلُهُ: فَوَجَأَ بِهِ) هُوَ

стр. 707

أَيْ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَحْفُوظًا لَيْسَ لِلْبُعْدِ عَنْ النَّاسِ بَلْ لِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ. (وَمَنْ دَفَعَ إلَى صَبِيٍّ سِكِّينًا لِيَمْسِكَهُ لِلدَّافِعِ فَوَجَأَ بِهِ نَفْسَهُ لَا يَضْمَنُ الدَّافِعُ) ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ السَّبَبِ، وَهُوَ دَفْعُ السِّكِّينِ إلَى الصَّبِيِّ وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَهُوَ قَصْدُ الصَّبِيِّ قَتْلَ نَفْسِهِ. (وَإِنْ سَقَطَ عَنْ يَدِهِ السِّكِّينُ فَجَرَحَهُ ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ هُنَاكَ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَى السَّبَبِ، وَهُوَ الدَّفْعُ. (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّبَبِ (مَا هُوَ سَبَبٌ مَجَازًا كَالتَّطْلِيقِ وَالْإِعْتَاقِ وَالنَّذْرِ الْمُعَلَّقَةُ) فَالْمُعَلَّقَةُ صِفَةٌ لِلتَّطْلِيقِ وَالْإِعْتَاقِ وَالنَّذْرِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت فَعَبْدُهُ حُرٌّ وَإِنْ دَخَلْت فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا (لِلْجَزَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مَا هُوَ سَبَبٌ فَالْجَزَاءُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَلُزُومُ الْمَنْذُورِ (لِأَنَّهَا رُبَّمَا لَا تُوَصِّلُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَعْدُومٌ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ) أَيْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمُعَلَّقَةَ رُبَّمَا لَا تُوَصِّلُ إلَى الْجَزَاءِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهَا سَبَبًا مَجَازًا. (وَكَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ لِلْكَفَّارَةِ) أَيْ سَبَبٍ لِلْكَفَّارَةِ مَجَازًا (لِأَنَّهَا) أَيْ الْيَمِينَ (لِلْبِرِّ، فَلَا تُوَصِّلُ إلَى الْكَفَّارَةِ) إذْ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ عِنْدَ الْحِنْثِ، فَلَا يَكُونُ الْيَمِينُ ــ [التلويح] مِنْ الْوَجْءِ، وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْيَدِ، أَوْ السِّكِّينِ. (قَوْلُهُ: كَالتَّطْلِيقِ) أَيْ كَالصِّيَغِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ، أَوْ الْعَتَاقِ، أَوْ النَّذْرِ شَيْءٌ، فَإِنَّهَا قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَسْبَابٌ مَجَازِيَّةٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْجَزَاءِ، وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، أَوْ الْعَتَاقِ، أَوْ لُزُومُ الْمَنْذُورِ بِهِ لِإِفْضَائِهَا إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَسْبَابٌ حَقِيقِيَّةٌ إذْ رُبَّمَا لَا تُفْضِي إلَيْهِ بِأَنْ لَا يَقَعَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: لِلْجَزَاءِ حَالٌ مِنْ التَّطْلِيقِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْ كَالتَّطْلِيقِ وَنَحْوِهِ حَالَ كَوْنِهَا أَسْبَابًا لِلْجَزَاءِ، وَلَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ مَا هُوَ سَبَبٌ عَلَى مَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكَانَ الْمَعْنَى، وَمِنْهُ مَا هُوَ سَبَبٌ مَجَازًا لِلْجَزَاءِ كَإِطْلَاقِ الْمُعَلَّقِ وَنَحْوِهِ وَالْيَمِينِ لِلْكَفَّارَةِ، وَفَسَادُهُ وَاضِحٌ، ثُمَّ تَسْمِيَةُ هَذِهِ الصِّيَغِ سَبَبًا مَجَازِيًّا إنَّمَا هِيَ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ كَدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَتَصِيرُ تِلْكَ الْإِيقَاعَاتُ عِلَلًا حَقِيقِيَّةً لِتَأْثِيرِهَا فِي وُقُوعِ الْأَجْزِيَةِ مَعَ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَالِاتِّصَالِ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِلْمِلْكِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْطَ كَانَ مَانِعًا لِلْعِلَّةِ عَنْ الِانْعِقَادِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ انْعَقَدَتْ عِلَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْإِيقَاعَاتِ الْمُنَجَّزَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا، فَإِنَّ عِلَّةَ الْكَفَّارَةِ لَا تَصِيرُ هِيَ الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْبِرِّ وَالْبِرُّ لَا يُفْضِي إلَى الْكَفَّارَةِ، وَإِنَّمَا يُفْضِي إلَيْهَا الْحِنْثُ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ وَالْبِرُّ مَانِعٌ عَنْهُ فَكَيْفَ يَصْلُحُ عِلَّةً لِثُبُوتِهِ وَإِنَّمَا عِلَّةُ الْكَفَّارَةِ هِيَ الْحِنْثُ؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَثِّرُ فِيهَا، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي بَحْثِ الشَّرْطِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ اُعْتُبِرَ فِي حَقِيقَةِ السَّبَبِ الْإِفْضَاءُ وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ فَكَمَا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ جُعِلَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْإِفْضَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ السَّبَبَ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ أَيْضًا مَجَازًا لِوُجُودِ التَّأْثِيرِ. قُلْت: نَعَمْ إلَّا أَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ لَمَّا كَانَ قَيْدًا عَدَمِيًّا وَكَانَ حَقِيقَةُ السَّبَبِ فِي اللُّغَةِ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إلَى الشَّيْءِ وَمُوَصِّلًا إلَيْهِ خَصُّوا هَذَا الْقِسْمَ الَّذِي

стр. 708

مُوَصِّلَةً إلَى الْكَفَّارَةِ، فَلَا تَكُونُ سَبَبًا لَهَا حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا. (ثُمَّ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ) أَيْ فِي صُورَةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ بِالشَّرْطِ (يَصِيرُ الْإِيجَابُ السَّابِقُ عِلَّةً حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْيَمِينِ لِلْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الْحِنْثَ عِلَّتُهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ أَسْبَابٌ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ حَتَّى أَبْطَلَ التَّعْلِيقَ بِالْمِلْكِ) أَيْ إنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ نَكَحْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لِعَبْدٍ إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ يَكُونُ بَاطِلًا لِعَدَمِ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ. (وَجُوِّزَ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ قَبْلَ الْحِنْثِ) لِجَوَازِ التَّعْجِيلِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ إذَا وُجِدَ السَّبَبُ كَالزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ إذَا وُجِدَ السَّبَبُ، وَهُوَ النِّصَابُ. (ثُمَّ عِنْدَنَا لِهَذَا الْمَجَازِ شُبْهَةُ الْحَقِيقَةِ) هَذَا الْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: وَمِنْهُ مَا هُوَ سَبَبٌ مَجَازًا (وَهَذَا يَتَبَيَّنُ فِي أَنَّ التَّنْجِيزَ هَلْ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ وَالْحِلُّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ قَطْعِيَّ الْوُجُودِ لِيَصِحَّ التَّعْلِيقُ شَرَطْنَا وُجُودَهُمَا فِي الْحَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْوُجُودِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَكَمَا لَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْحِلِّ) . صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ ــ [التلويح] يَنْتَفِي فِيهِ الْإِيصَالُ وَالْإِفْضَاءُ بِاسْمِ الْمَجَازِ وَنَبَّهُوا عَلَى مَجَازِيَّةِ مَا فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ بِأَنْ سَمَّوْا السَّبَبَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ سَبَبًا حَقِيقِيًّا وَأَيْضًا هَذَا الْقِسْمُ مَجَازٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فَخَصُّوهُ بِاسْمِ الْمَجَازِ وَالْعَلَاقَةُ أَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى السَّبَبِيَّةِ بِأَنْ يَصِيرَ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إلَى الْحُكْمِ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَآلِ لَا يَصِيرُ سَبَبًا حَقِيقِيًّا بَلْ عِلَّةً عَلَى مَا سَبَقَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ السَّبَبُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْعَلَاقَةُ هِيَ مُشَابَهَةُ السَّبَبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَهُ نَوْعَ إفْضَاءٍ إلَى الْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ عِنْدَنَا لِهَذَا الْمَجَازِ) أَيْ لِلْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ سَبَبًا مَجَازًا يُشْبِهُ الْحَقِيقَةَ أَيْ جِهَةَ كَوْنِهِ عِلَّةً حَقِيقِيَّةً مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ، وَهَذَا الْخِلَافُ يَظْهَرُ فِي مَسْأَلَةِ إبْطَالِ تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَتَعْلِيقِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ اسْتِدْلَالَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى عَدَمِ الْإِبْطَالِ أَوَّلًا وَدَلِيلَهُمْ عَلَى الْإِبْطَالِ ثَانِيًا وَجَوَابَهُمْ عَنْ اسْتِدْلَالِ زُفَرَ ثَالِثًا، وَأَمَّا وَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُجُودُ الْمِلْكِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ حَالَةَ التَّعْلِيقِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ بِالتَّزَوُّجِ. مِثْلُ: إنْ نَكَحْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ بَلْ إنَّمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِيَظْهَرَ فَائِدَةُ الْيَمِينِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْيَمِينِ تَأْكِيدُ الْبِرِّ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ، أَوْ مُتَحَقِّقَهُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ لِيَحْمِلَهُ خَوْفُ نُزُولِهِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْبِرِّ وَذَلِكَ بِقِيَامِ الْمِلْكِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَإِنْ عَلَّقَهُ بِالْمِلْكِ كَمَا فِي إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ كَانَ الْمِلْكُ مُتَحَقِّقَ الْوُجُودِ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ فَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْيَمِينِ تَحْقِيقًا، وَإِنْ عَلَّقَهُ

стр. 709

لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَعِنْدَنَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ حَتَّى إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ التَّحْلِيلِ، ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ هُوَ يَقُولُ: شَرْطُ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ وُجُودُ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا عِنْدَ وُجُودِ التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ زَمَانَ وُجُودِ الشَّرْطِ هُوَ زَمَانُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ، فَلَا افْتِقَارَ لَهُ إلَى الْمِلْكِ حَالَ التَّعْلِيقِ، فَإِذَا عَلَّقَ بِالْمِلْكِ نَحْوَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالْمِلْكُ قَطْعِيُّ الْوُجُودِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ وَإِنْ عَلَّقَ بِغَيْرِ الْمِلْكِ نَحْوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَشَرْطُ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ وُجُودُ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ــ [التلويح] بِغَيْرِهِ كَدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا فَوُجُودُ الْمِلْكِ وَعَدَمُهُ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ وَفَوَاتُ الْبِرِّ غَيْرُ مَعْلُومِ التَّحَقُّقِ فَاشْتُرِطَ الْمِلْكُ حَالَ التَّعْلِيقِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ وُجُودِ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّابِتِ بَقَاؤُهُ فَيَظْهَرُ فَائِدَةُ الْيَمِينِ بِحَسَبِ غَالِبِ الْوُجُودِ فَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ وَيَنْعَقِدُ الْكَلَامُ يَمِينًا وَبَعْدَمَا صَحَّ التَّعْلِيقُ بِنَاءً عَلَى نَصْبِ دَلِيلِ وُجُودِ الْمِلْكِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ فَزَوَالُ الْمِلْكِ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا مَا دُونَ الثَّلَاثِ لَا يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ بِنَاءً عَلَى احْتِمَالِ حُدُوثِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ اتِّفَاقًا فَكَذَا لَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْحِلِّ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّلَاثَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ أَيْضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ابْتِدَاءِ التَّعْلِيقِ بَقَاءُ الْحِلِّ كَمَا إذَا قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الزَّوْجِ الثَّانِي يَقَعُ الطَّلَاقُ فَلَأَنْ لَا يُشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي بَقَاءِ التَّعْلِيقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ. وَأَمَّا دَلِيلُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّنْجِيزَ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْيَمِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ بِاَللَّهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْبِرِّ أَيْ تَحْقِيقِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْفِعْلِ، أَوْ التَّرْكِ وَتَقْوِيَةِ جَانِبِهِ عَلَى جَانِبِ نَقِيضِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ أَيْ بِلُزُومِ الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْعَتَاقِ، أَوْ نَحْوِهِ كَمَا أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالْكَفَّارَةِ تَحْقِيقًا لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ مِنْ الْحَمْلِ، أَوْ الْمَنْعِ، وَإِذَا كَانَ الْبِرُّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ كَانَ لِلْجَزَاءِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ أَيْ قَبْلَ فَوَاتِ الْبِرِّ إذْ لِلضَّمَانِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ قَبْلَ فَوَاتِ الْمَضْمُونِ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْفَوَاتِ فَيَكُونُ لِلْغَصْبِ شُبْهَةُ إيجَابِ الْقِيمَةِ قَبْلَ الْفَوَاتِ حَتَّى يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْ الْقِيمَةِ وَالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَالْكَفَالَةِ حَالَ قِيَامِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْأَحْكَامُ قَبْلَ الْغَصْبِ وَلِأَنَّ الْبِرَّ فِي التَّعْلِيقِ إنَّمَا وَجَبَ لِخَوْفِ لُزُومِ الْجَزَاءِ، وَالْوَاجِبُ لِغَيْرِهِ يَكُونُ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَكُونُ لَهُ عَرَضِيَّةُ الْفَوَاتِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالْجَزَاءُ حُكْمٌ يَلْزَمُ عِنْدَ فَوَاتِ الْبِرِّ فَيَلْزَمُ عِنْدَ عَرَضِيَّةِ الْفَوَاتِ لِلْبِرِّ عَرَضِيَّةُ الْوُجُودِ لِلْجَزَاءِ يُلْزِمُ عَرَضِيَّةَ الْوُجُودِ لِسَبَبِهِ لِيَكُونَ الْمُسَبَّبُ ثَابِتًا

стр. 710

فَيُسْتَدَلُّ بِالْمِلْكِ حَالَ التَّعْلِيقِ عَلَى الْمِلْكِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِالِاسْتِصْحَابِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمِلْكُ حَالَ التَّعَلُّقِ صَحَّ التَّعْلِيقُ، ثُمَّ لَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ فَكَمَا لَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْحِلِّ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِزَوَالِ الْحِلِّ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الثَّالِثِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . (قُلْنَا الْيَمِينُ شُرِعَتْ لِلْبِرِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْبِرُّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ فَيَكُونُ لِلْجَزَاءِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَحَلِّ) فَإِنَّهُ إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالْغَرَضُ أَنْ لَا تَدْخُلَ الدَّارَ؛ لِأَنَّهَا إنْ دَخَلَتْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ الْمَخُوفُ أَيْ: الْجَزَاءُ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ، وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مَانِعًا مِنْ تَفْوِيتِ الْبِرِّ كَالضَّمَانِ يَكُونُ مِنْ ــ [التلويح] عَلَى قَدْرِ السَّبَبِ، وَهَذَا مَعْنَى شُبْهَةِ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ وَكَمَا لَا بُدَّ لِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ مِنْ الْمَحَلِّ كَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِشُبْهَتِهِ وَلِهَذَا لَا تَثْبُتُ شُبْهَةُ النِّكَاحِ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الشُّبْهَةِ قِيَامُ الدَّلِيلِ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَدْلُولِ لِمَانِعٍ وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ فَيُبْطِلُ التَّعْلِيقُ زَوَالَ الْحِلِّ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْجَزَاءِ كَمَا يُبْطِلُهُ بُطْلَانُ مَحَلِّ الشَّرْطِ بِأَنْ يَجْعَلَ الدَّارَ بُسْتَانًا، وَلَا يُبْطِلُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا مَا دُونَ الثَّلَاثِ لِقِيَامِ الْمَحَلِّ مِنْ وَجْهٍ بِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ إلَيْهَا. فَإِنْ قُلْت: فَلْيُعْتَبَرْ إمْكَانُ الرُّجُوعِ فِيمَا إذَا فَاتَ الْمَحَلُّ. قُلْت: لَمَّا فَاتَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ تَحَقَّقَ الْبُطْلَانُ وَالْمِلْكُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الِابْتِدَاءِ لِيَتَحَقَّقَ بِفَوَاتِهِ الْبُطْلَانُ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ مِنْهُ بُدٌّ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ، وَقَدْ أَمْكَنَ عَوْدُهُ حِينَئِذٍ، فَلَا جِهَةَ لِلْبُطْلَانِ. وَفِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْعَرِيَّةِ إنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاءُ الْمِلْكِ لِبَقَاءِ التَّعْلِيقِ كَمَا شُرِطَ الْمَحَلُّ؛ لِأَنَّ مَحَلِّيَّةَ الطَّلَاقِ تَثْبُتُ بِمَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ وَهِيَ تَفْتَقِرُ إلَى بَقَاءِ الْمَحَلِّ لَا إلَى بَقَاءِ الْمِلْكِ فَحَاصِلُ هَذَا الطَّرِيقِ هُوَ أَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ شَرْطٌ لِلْيَمِينِ انْعِقَادًا وَبَقَاءً فَتَبْطُلُ بِفَوَاتِهَا بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ طَلَقَاتِ هَذَا الْمِلْكِ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَزَاءِ فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ بِفَوَاتِهَا، فَإِنَّمَا هُوَ حَاصِلُ طَرِيقٍ آخَرَ لِلْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ إنَّمَا تَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ الْقَائِمِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهَا كُلَّهَا بَطَلَ الْجَزَاءُ فَيَبْطُلُ الْيَمِينُ كَمَا إذَا فَاتَ الشَّرْطُ بِأَنْ جَعَلَ الدَّارَ بُسْتَانًا، أَوْ حَمَّامًا إذْ الْيَمِينُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بَلْ افْتِقَارُهَا إلَى الْجَزَاءِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا بِهِ تُعْرَفُ كَيَمِينِ الطَّلَاقِ وَيَمِينِ الْعَتَاقِ وَنُوقِضَ هَذَا الطَّرِيقُ بِمَا إذَا عَلَّقَ الثَّلَاثَ بِالشَّرْطِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَوَقَعَ الشَّرْطُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَوْ تَعَيَّنَ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهَا الْبَاقِيَةُ فَقَطْ وَلِذَا صَرَّحَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ بُطْلَانَ التَّعْلِيقِ بِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ لَا بِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ تَطْلِيقَاتُ

стр. 711

الْغَصْبِ فَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْبِرِّ مَضْمُونًا (هَذَا فَيُبْطِلُهُ زَوَالُ الْحِلِّ لَا زَوَالُ الْمِلْكِ) أَيْ يُبْطِلُ التَّعْلِيقَ زَوَالُ الْحِلِّ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الثَّلَاثُ لَا زَوَالُ الْمِلْكِ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ مَا دُونَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا. فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ عَلَى وُجُودِ النِّكَاحِ فَيَكُونُ مُقْتَصِرًا عَلَى الطَّلَقَاتِ الَّتِي يَمْلِكُهَا بِهَذَا النِّكَاحِ أَمَّا الطَّلْقَاتُ الَّتِي يَمْلِكُهَا بِالنِّكَاحِ بَعْدَ الثَّلَاثِ فَالْمَرْأَةُ أَجْنَبِيَّةٌ عَنْ الزَّوْجِ فِي تِلْكَ الطَّلَقَاتِ. (فَأَمَّا التَّعَلُّقُ بِالتَّزَوُّجِ فَإِنَّ الْبِرَّ فِيهِ مَضْمُونٌ بِوُجُودِ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ) فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ وَلَيْسَ لِلْجَزَاءِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ قَبْلَهَا (فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ لِيَكُونَ الْبِرُّ مَضْمُونًا) . الْمُرَادُ ــ [التلويح] ذَلِكَ الْعَقْدِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِ زُفَرَ ﵀، فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَطَ فِي التَّعْلِيقِ بِغَيْرِ الْمِلْكِ شُبْهَةَ الْحَقِيقَةِ فِي السَّبَبِ لِيَلْزَمَ مِنْهُ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ لِلْجَزَاءِ فِي الْحَالِ فَيَلْزَمَ اشْتِرَاطُ الْمَحَلِّ فِي الْحَالِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُ الْبِرِّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي التَّعْلِيقِ بِالتَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمِلْكِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُتَحَقِّقٌ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ عَيْنُ تَحَقُّقِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ الْبِرُّ مَضْمُونًا بِالْجَزَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى إثْبَاتِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مُسْتَغْنٍ عَمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ أَيْ فِي هَذَا التَّعْلِيقِ بِمَعْنًى لِعِلَّةٍ وَلَيْسَ لِلْجَزَاءِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ قَبْلَهَا أَيْ قَبْلَ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ آخَرُ تَقْرِيرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ هَاهُنَا أَعْنِي فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِالتَّزَوُّجِ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الطَّلَاقِ إنَّمَا يُسْتَفَادُ بِالنِّكَاحِ وَلَيْسَ لِلْجَزَاءِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ قَبْلَ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلَّتِهِ كَالطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فَكَذَا شُبْهَتُهُ اعْتِبَارًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَلِأَنَّ شُبْهَةَ الشَّيْءِ لَا تَثْبُتُ حَيْثُ لَا تَثْبُتُ حَقِيقَتُهُ كَشُبْهَةِ النِّكَاحِ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا يُبْطِلُ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ تَعْلِيقُ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ حُكْمِ الظِّهَارِ هُوَ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ هُوَ الْمَنْعُ عَنْ الْوَطْءِ وَذَلِكَ فِي الرَّجُلِ، وَهُوَ قَائِمٌ لَمْ يَتَجَدَّدْ وَلِأَنَّ عَمَلَهُ لَيْسَ إبْطَالَ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ حَتَّى يَنْعَدِمَ بِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ بَلْ فِي مَنْعِ الزَّوْجِ عَنْ الْوَطْءِ الْحَلَالِ إلَى وَقْتِ التَّكْفِيرِ وَالْمَنْعُ ثَابِتٌ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فَيَثْبُتُ الظِّهَارُ إلَّا أَنَّ ابْتِدَاءَ الظِّهَارِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ) قَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْقَوْمِ بِأَنْ يُورِدُوا فِي آخِرِ مَبَاحِثِ أَقْسَامِ النَّظْمِ بِالْبَيَانِ أَسْبَابَ الشَّرَائِعِ أَيْ الْأَحْكَامَ الْمَشْرُوعَةَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا ضَبَطَ مَا تَفَرَّقَ مِنْ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْرَدَ هَذَا الْبَحْثَ بَعْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ وَصَدَّرَهُ بِكَلِمَةِ اعْلَمْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ بَابٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ فِي فَنِّ الْأُصُولِ يَجِبُ ضَبْطُهُ وَعِلْمُهُ لَا كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْأَسْبَابِ أَصْلًا وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى صَرِيحًا، وَدَلَالَةً بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ وَالْعِلْمُ لَنَا إنَّمَا حَصَلَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهَا

стр. 712

بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شُبْهَةِ الْحَقِيقَةِ لِيَكُونَ لِلْجَزَاءِ شُبْهَةُ الثُّبُوتِ فِي الْحَالِ لِيَكُونَ الْبِرُّ مَضْمُونًا. (وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ سَبَبًا ظَاهِرًا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْأَمْرِ فَسَبَبُ وُجُودِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى حُدُوثُ الْعَالَمِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا السَّبَبُ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ مَوْجُودًا دَائِمًا يَصِحُّ إيمَانُ الصَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ وَلِلصَّلَاةِ الْوَقْتُ عَلَى مَا مَرَّ وَلِلزَّكَاةِ مِلْكُ الْمَالِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبِيَّةِ النِّصَابِ لِلزَّكَاةِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ تَكَرُّرَ الْوُجُوبِ بِتَكَرُّرِ وَصْفٍ يَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَهُنَا الْوُجُوبُ يَتَكَرَّرُ بِالْحَوْلِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَوْلُ سَبَبًا لَا النِّصَابُ فَلِدَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ: (إلَّا أَنَّ الْغِنَى لَا يَكْمُلُ إلَّا بِمَالٍ ــ [التلويح] مُضَافَةٌ إلَى إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ شَارِعُ الشَّرَائِعِ إجْمَاعًا، فَلَوْ أُضِيفَتْ إلَى أَسْبَابٍ أُخَرَ لَزِمَ تَوَارُدُ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ وَأَيْضًا لَوْ كَانَتْ الْمَذْكُورَاتُ عِلَلًا وَأَسْبَابًا لَمَا انْفَكَّتْ الْأَحْكَامُ عَنْهَا، وَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ خَاصَّةً إذْ الْمَقْصُودُ فِيهَا الْفِعْلُ فَقَطْ وَوُجُوبُهُ بِالْخِطَابِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ، فَإِنَّهَا تَتَرَتَّبُ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ وُجُوبُ أَدَاءِ الْأَمْوَالِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِلْعُقُوبَاتِ إلَى الْأَسْبَابِ وَنَفْسُ الْوُجُوبِ إلَى الْخِطَابِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ شَارِعَ الشَّرَائِعِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِإِيجَابِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَنَّا نُضِيفُ ذَلِكَ إلَى مَا هُوَ سَبَبٌ فِي الظَّاهِرِ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَحْكَامَ مُتَرَتِّبَةً عَلَيْهَا تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ بِمَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ عَلَى أَنَّهَا أَمَارَاتٌ وَعَلَامَاتٌ لَا مُؤَثِّرَاتٌ وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ كَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ وَالْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ وَالزِّنَا لِلْحَدِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: سَبَبًا ظَاهِرًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: فَسَبَبُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) أَيْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ بِوُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّقْلُ وَشَهِدَ بِهِ الْعَقْلُ هُوَ حُدُوثُ الْعَالَمِ أَيْ كَوْنُ جَمِيعِ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَالَمًا؛ لِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ بِهِ يُعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ وُجُوبَ الْإِيمَانِ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ نُسِبَ إلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ وَقَطْعًا لِحُجَجِ الْمُعَانِدِينَ وَإِلْزَامًا لَهُمْ لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ تَشَبُّثٌ بِعَدَمِ ظُهُورِ السَّبَبِ. وَمَعْنَى سَبَبِيَّةِ حُدُوثِ الْعَالَمِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ لَا لِوُجُودِ الصَّانِعِ، أَوْ وَحْدَانِيِّتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَزَلِيٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَادِثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُحْدِثًا صَانِعًا قَدِيمًا غَنِيًّا عَمَّا سِوَاهُ وَاجِبًا لِذَاتِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، ثُمَّ وُجُوبُ الْوُجُودِ يُنْبِئُ عَنْ جَمِيعِ الْكَمَالَاتِ وَيَنْفِي جَمِيعَ النُّقْصَانَاتِ لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْحُدُوثُ الزَّمَانِيُّ عَلَى

стр. 713

نَامٍ وَالنَّمَاءُ بِالزَّمَانِ فَأُقِيمَ الْحَوْلُ مَقَامَ النَّمَاءِ فَيَتَجَدَّدُ الْمَالُ تَقْدِيرًا بِتَجَدُّدِ الْحَوْلِ فَيَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ الْمَالِ تَقْدِيرًا. وَلِلصَّوْمِ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ كُلُّ يَوْمٍ لِصَوْمِهِ وَلِصَدَقَةِ الْفِطْرِ رَأْسٌ يُمَوِّنُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْفِطْرُ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: ﵊ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَعَنْ " إمَّا لِانْتِزَاعِ الْحُكْمِ عَنْ السَّبَبِ، أَوْ لَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيَ عَنْهُ كَمَا فِي الْعَاقِلَةِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْكَافِرِ فَيَثْبُتُ الْأَوَّلُ وَأَيْضًا يَتَضَاعَفُ الْوَاجِبُ بِتَضَاعُفِ الرَّأْسِ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْفِطْرِ تُعَارِضُهَا الْإِضَافَةُ إلَى الرَّأْسِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ أَيْضًا بِخِلَافِ تَضَاعُفِ الْوُجُوبِ) . هَذَا جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ الْإِضَافَةَ آيَةُ السَّبَبِيَّةِ وَالصَّدَقَةُ تُضَافُ إلَى الْفِطْرِ فَيَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْفِطْرِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُضَافُ إلَى ــ [التلويح] مَا فَسَّرْتُمْ لَمَا كَانَ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ بِالزَّمَانِ وَحُدُوثِهِ بِالذَّاتِ بِمَعْنَى الْمَسْبُوقِيَّةِ بِالْغَيْرِ وَالِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ قَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ مِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ صَانِعُ الْعَالَمِ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَأَثَرُ الْمُخْتَارِ لَا يَكُونُ إلَّا حَادِثًا وَهُمْ يَنْفُونَ ذَلِكَ، وَلَوْ سَلِمَ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ السَّبَبَ بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ هُوَ حُدُوثُ الْعَالَمِ فَقَطْ بَلْ مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] الْآيَةَ إلَّا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ هُوَ أَشَدُّ الْمَرَاتِبِ وُضُوحًا وَأَكْثَرُهَا وُقُوعًا وَأَثْبَتُهَا دَوَامًا إذْ كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ نَفْسَهُ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ فَكَانَ مُلَازِمًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَلِذَا صَحَّ إيمَانُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ، وَهُوَ الْآفَاقُ وَالْأَنْفُسُ وَوُجُودُ رُكْنِهِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِفْرَادُ الصَّادِرُ عَنْ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ إذْ الْكَلَامُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ، فَلَوْ امْتَنَعَ صِحَّتُهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِحُجَجٍ شَرْعِيَّةٍ وَذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْمَشْرُوعِيَّةِ أَصْلًا نَعَمْ هُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِإِيمَانٍ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْخِطَابِ فَسَقَطَ عَنْهُ الْأَدَاءُ الَّذِي يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا إذَا أَرَادَ الْكَافِرُ أَنْ يُؤْمِنَ فَأُكْرِهَ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَقْلِ الْكَامِلِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَلَى الْخِطَابِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي شَاهِقِ الْجَبَلِ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَمَاتَ، وَلَمْ يُسْلِمْ كَانَ مَعْذُورًا عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إذْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْخِطَابُ إذَا كَانَ فِي حُكْمٍ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالرَّفْعَ وَالْإِيمَانُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا يُبْتَنَى صِحَّةُ الْأَدَاءِ عَلَى كَوْنِهِ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ الْمُؤَدِّي كَمَا فِي جُمُعَةِ الْمُسَافِرِ. (قَوْلُهُ: لِلصَّلَاةِ) أَيْ سَبَبُ الْوُجُوبِ لِلصَّلَاةِ هُوَ الْوَقْتُ عَلَى مَا مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْمَعْقُودِ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَأْمُورَ

стр. 714

الرَّأْسِ أَيْضًا، فَإِذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا. وَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ عَلَى سَبَبِيَّةِ الرَّأْسِ بِالتَّضَاعُفِ فَهَذَا الدَّلِيلُ أَقْوَى مِنْ الْإِضَافَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُضَافُ إلَى غَيْرِ السَّبَبِ مَجَازًا، وَهَذَا الْمَجَازُ لَا يَجْرِي فِي التَّضَاعُفِ (وَأَيْضًا وَصْفُ الْمُؤْنَةِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: ﵇ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» (يُرَجِّحُ سَبَبِيَّةَ الرَّأْسِ. وَلِلْحَجِّ الْبَيْتُ، وَأَمَّا الْوَقْتُ وَالِاسْتِطَاعَةُ فَشَرْطٌ. وَلِلْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ وَبِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ، وَهُوَ تَبَعُ الْأَرْضِ) . قَوْلُهُ: " وَهُوَ تَبَعُ " حَالٌ مِنْ الْخَارِجِ. (عِبَادَةٌ) أَيْ الْعُشْرُ عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ جُزْءٌ مِنْ الْخَارِجِ فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ فَإِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ. (وَكَذَا الْخَرَاجُ) أَيْ سَبَبِيَّةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ. (إلَّا أَنَّ النَّمَاءَ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرًا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ فَصَارَ مُؤْنَةً بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ) ، وَهُوَ الْأَرْضُ (عُقُوبَةً بِاعْتِبَارِ ــ [التلويح] بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ. (قَوْلُهُ: وَلِلزَّكَاةِ) أَيْ سَبَبُ الْوُجُوبِ لِلزَّكَاةِ مِلْكُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ نِصَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ لِإِضَافَتِهَا إلَيْهِ. مِثْلُ قَوْلِهِ: ﵊ «هَاتُوا رُبُعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ» وَلِتَضَاعُفِ الْوُجُوبِ بِتَضَاعُفِ النِّصَابِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَاعْتَبَرَ الْغَنِيَّ؛ لِأَنَّهُ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي الْغِنَى مُخْتَلِفَةٌ فَقَدَّرَهُ الشَّارِعُ بِالنِّصَابِ إلَّا أَنَّ تَكَامُلَ الْغِنَى يَكُونُ بِالنَّمَاءِ لِيُصْرَفَ إلَى الْحَاجَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ فَيَبْقَى أَصْلُ الْمَالِ فَيَحْصُلُ الْغِنَى وَيَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ فَصَارَ النَّمَاءُ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ تَحْقِيقًا لِلْغِنَى وَالْيُسْرِ إلَّا أَنَّ النَّمَاءَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ السَّبَبُ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ، وَهُوَ الْحَوْلُ الْمُسْتَجْمِعُ لِلْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي النَّمَاءِ بِالدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَبِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ بِتَفَاوُتِ الرَّغَبَاتِ فِي كُلِّ فَصْلٍ إلَى مَا يُنَاسِبُهُ فَصَارَ الْحَوْلُ شَرْطًا، وَتَجَدُّدُهُ تَجَدُّدٌ لِلنَّمَاءِ وَتَجَدُّدُ النَّمَاءِ تَجَدُّدٌ لِلْمَالِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمَالُ بِوَصْفِ النَّمَاءِ وَالْمَالُ بِهَذَا النَّمَاءِ غَيْرُهُ بِذَلِكَ (٧) النَّمَاءِ فَيَكُونُ تَكَرُّرُ الْوُجُوبِ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ وَتَكَرُّرُ الْحُكْمِ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ لَا بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: وَلِلصَّوْمِ) اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَان هُوَ الشَّهْرُ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ السَّرَخْسِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَهَبَ إلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ مُطْلَقُ شُهُودِ الشَّهْرِ أَعْنِي الْأَيَّامَ بِلَيَالِيِهَا؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ وَسَبَبِيَّتُهُ بِاعْتِبَارِ إظْهَارِ شَرَفِ الْوَقْتِ وَذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي جَمِيعًا وَلِهَذَا لَزِمَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ كَانَ أَهْلًا فِي اللَّيْلِ، ثُمَّ جُنَّ وَأَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلِهَذَا صَحَّ نِيَّةُ الْأَدَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَصِحَّ قَبْلَهُ وَلَيْسَ مِنْ حُكْمِ السَّبَبِ جَوَازُ الْأَدَاءِ فِيهِ بَلْ فِي وَقْتِ الْوَاجِبِ وَوَقْتُ الصَّوْمِ هُوَ النَّهَارُ لَا غَيْرُ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ الْيَوْمِ سَبَبٌ لِصَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ عَلَى حِدَةٍ مُخْتَصٌّ

стр. 715

الْوَصْفِ) ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ عِمَارَةُ الدُّنْيَا وَإِعْرَاضٌ عَنْ الْجِهَادِ فَصَارَ سَبَبًا لِلْمَذَلَّةِ. (وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْتَمِعَا عِنْدَنَا) أَيْ لِأَجْلِ ثُبُوتِ وَصْفِ الْعِبَادَةِ فِي الْعُشْرِ وَثُبُوتِ وَصْفِ الْعُقُوبَةِ فِي الْخَرَاجِ، لَمْ يَجْتَمِعْ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. وَلِلطَّهَارَةِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ وَالْحَدَثُ شَرْطٌ وَلِلْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مَا نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنْ سَرِقَةٍ وَقَتْلٍ وَلِلْكَفَّارَاتِ مَا نُسِبَتْ إلَيْهِ مِنْ أَمْرٍ دَائِرٍ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ (وَلِشَرْعِيَّةِ الْمُعَامَلَاتِ الْبَقَاءُ الْمُقَدَّرُ) أَيْ لِلْعَالَمِ (وَلِلِاخْتِصَاصَاتِ الشَّرْعِيَّةِ التَّصَرُّفَاتُ الْمَشْرُوعَةُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا) . (وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ تَأْثِيرَهُ، وَلَا يَكُونُ بِصُنْعِ ــ [التلويح] بِشَرَائِطِ وُجُودِهِ مُنْفَرِدٌ بِالِانْتِقَاضِ بِطَرَيَانِ نَوَاقِضِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَمَّا جَوَازُ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ، فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: " وَعَنْ " إمَّا لِانْتِزَاعِ الْحُكْمِ) يَعْنِي أَنَّ كَلِمَةَ عَنْ تَدُلُّ عَلَى انْتِزَاعِ الشَّيْءِ عَنْ الشَّيْءِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا لِلْبُعْدِ وَالْمُجَاوَزَةِ، فَإِذَا وَقَعَتْ صِلَةً لِلْأَدَاءِ فَهِيَ بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَارِ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِانْتِزَاعِ الْحُكْمِ عَنْ السَّبَبِ كَمَا يُقَالُ: أَدَّى الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ وَالْخَرَاجَ عَنْ أَرْضِهِ، أَوْ تَكُونُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى مَحَلٍّ قَدْ أَدَّاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ كَأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ كَمَا يُقَالُ: أَدَّى الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ عَنْ الْقَاتِلِ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَنْ الْمَعْنَى الثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْفَقِيرِ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي مُؤْنَةِ الْمُكَلَّفِ ضَرُورَةَ دُخُولِهِمْ فِيمَنْ تَمُونُونَ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَلَا يُكَلَّفُ بِوُجُوبٍ مَالِيٍّ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، وَالْفَقِيرُ مِمَّنْ يَجِبُ لَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُصْرَفُ إلَيْهِ، فَلَا يُصْرَفُ عَنْهُ، إذْ لَا خَرَاجَ عَلَى الْخَرَابِ وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ مُخَاطَبٌ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ وَالْمَوْلَى يَنُوبُ عَنْهُ وَلَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْبَهِيمَةِ فِيمَا مُلِكَ عَلَيْهِ فَعَلَى أَصْلِ الْخِلْقَةِ الْوُجُوبُ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى اعْتِبَارِ عَارِضِ الْمَمْلُوكِيَّةِ الْوُجُوبُ عَلَى الْمَوْلَى فَوَقَعَتْ كَلِمَةُ " عَنْ " إشَارَةً إلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الصَّبِيِّ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَخَارِجٌ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ تَضَاعُفِ الْوُجُوبِ) ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ حَقِّيٌّ لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِعَارَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ كَذَا قِيلَ: وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ بِالِاسْتِعَارَةِ أَنَّهُ كَمَا جَازَ الْإِضَافَةُ إلَى غَيْرِ السَّبَبِ مَجَازًا فَلْيَجُزْ تَضَاعُفُ الْوُجُوبِ بِتَضَاعُفِ غَيْرِ السَّبَبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُشْبِهُ السَّبَبَ فِي احْتِيَاجِ الْحُكْمِ إلَيْهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى غَيْرِ السَّبَبِ وَارِدٌ فِي الشَّرْعِ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَتَضَاعُفُ الْوُجُوبِ بِتَضَاعُفِ غَيْرِ السَّبَبِ لَيْسَ بِوَارِدٍ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ تَضَاعُفًا لِلسَّبَبِ كَالْحَوْلِ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَمَّا تَكَرُّرُ الْوَاجِبِ

стр. 716

الْمُكَلَّفِ كَالْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ يُخَصُّ بِاسْمِ السَّبَبِ وَإِنْ كَانَ بِصُنْعِهِ فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنْ وَضْعِهِ ذَلِكَ الْحُكْمَ كَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ، فَهُوَ عِلَّةٌ وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّبَبِ أَيْضًا مَجَازًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْغَرَضُ) كَالشِّرَاءِ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ تَأْثِيرَ لَفْظِ اشْتَرَيْت فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ بِصُنْعِ الْمُكَلَّفِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ الشِّرَاءِ مِلْكَ الْمُتْعَةِ بَلْ مِلْكَ الرَّقَبَةِ (فَهُوَ سَبَبٌ وَإِنْ أَدْرَكَ الْعَقْلُ تَأْثِيرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِيَاسِ يُخَصُّ بِاسْمِ الْعِلَّةِ) . (وَأَمَّا الشَّرْطُ، فَهُوَ إمَّا شَرْطٌ مَحْضٌ، وَهُوَ حَقِيقِيٌّ) كَالشَّهَادَةِ لِلنِّكَاحِ وَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ أَوْ جَعْلِيٌّ، وَهُوَ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ، أَوْ دَلَالَتِهَا. نَحْوُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَثَرَ التَّعْلِيقِ عِنْدَنَا مَنْعُ الْعِلِّيَّةِ، وَعِنْدَهُ مَنْعُ الْحُكْمِ ــ [التلويح] بِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ فَتَكَرُّرٌ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الرَّأْسُ بِصِفَةِ الْمُؤْنَةِ وَالْمُؤْنَةُ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا بِتَكَرُّرِ الْحَاجَةِ، وَالشَّرْعُ جَعَلَ مِثْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَقْتَ الْحَاجَةِ فَتَجَدُّدُهُ مُتَجَدِّدٌ لِلْحَاجَةِ. (قَوْلُهُ: فَهَذَا الدَّلِيلُ أَقْوَى) إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ أَنَّ دَلِيلَ سَبَبِيَّةِ الْفِطْرِ هُوَ الْإِضَافَةُ فَقَطْ وَدَلِيلَ سَبَبِيَّةِ الرَّأْسِ هُوَ الْإِضَافَةُ وَغَيْرُهَا فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ بِالْقُوَّةِ. (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا وَصْفُ الْمُؤْنَةِ يُرَجِّحُ سَبَبِيَّةَ الرَّأْسِ) لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِوَصْفِ الْمُؤْنَةِ فِي قَوْلِهِ: ﵇ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ تَجِبُ وُجُوبَ الْمُؤَنِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْمُؤَنِ رَأْسٌ يَلِي عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَبِيدِ وَالْبَهَائِمِ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَيْضًا عَلَى اعْتِبَارِ الْمُؤْنَةِ وَالْوِلَايَةِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْحَجِّ) أَيْ سَبَبُ الْوُجُوبِ لِلْحَجِّ هُوَ الْبَيْتُ بِدَلِيلِ الْإِضَافَةِ لَا الْوَقْتُ أَوْ الِاسْتِطَاعَةُ إذْ لَا إضَافَةَ إلَيْهِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ مَعَ صِحَّةِ الْأَدَاءِ بِدُونِ الِاسْتِطَاعَةِ كَمَا فِي الْفَقِيرِ بَلْ الْوَقْتُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْأَدَاءِ وَالِاسْتِطَاعَةُ لِوُجُوبِهِ إذْ لَا جَوَازَ بِدُونِ الْوَقْتِ، وَلَا وُجُوبَ بِدُونِ اسْتِطَاعَةٍ. (قَوْلُهُ: وَلِلْعُشْرِ) يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ كُلٍّ مِنْ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ هُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ إلَّا أَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعُشْرِ بِالنَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَلِلْخَرَاجِ بِالنَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ، وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَالِانْتِفَاعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُشْرَ مُقَدَّرٌ بِجِنْسِ الْخَارِجِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَقِيقَتِهِ وَالْخَرَاجُ مُقَدَّرٌ بِالدَّرَاهِمِ فَيَكْفِي النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ فَقَوْلُهُ: بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّامِيَةِ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ مُؤْنَةٌ لِلْأَرْضِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعَالَمِ إلَى الْحِينِ الْمَوْعُودِ وَذَلِكَ بِالْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَتَجِبُ عِمَارَتُهَا وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ فَيَلْزَمُ الْخَرَاجُ لِلْمُقَاتِلَةِ الذَّابِّينَ عَنْ الدَّارِ الْحَامِينَ لَهَا عَنْ الْأَعْدَاءِ وَالْعُشْرُ لِلْمُحْتَاجِينَ وَالضُّعَفَاءِ الَّذِينَ بِهِمْ يُسْتَنْزَلُ النَّصْرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيُسْتَمْطَرُ فِي السَّنَةِ الشَّهْبَاءِ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ نَفَقَةً عَلَى الْأَرْضِ تَقْدِيرًا، ثُمَّ بِاعْتِبَارِ النَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ الْعُشْرُ عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْ النَّمَاءِ أَعْنِي الْخَارِجَ مِنْ الْأَرْضِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ

стр. 717

وَإِمَّا شَرْطٌ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ شَرْطٌ لَا يُعَارِضُهُ عِلَّةٌ تَصْلُحُ أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَيْهَا فَيُضَافُ إلَيْهِ كَمَا إذَا رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَحْدَهُمْ ضَمِنُوا وَإِنْ رَجَعُوا مَعَ شُهُودِ الْيَمِينِ يَضْمَنُ الثَّانِي فَقَطْ كَمَا إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ (كَشُهُودِ التَّخْيِيرِ وَالِاخْتِيَارِ) كَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى ــ [التلويح] بِمَنْزِلَةِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ النَّامِي وَبِاعْتِبَارِ النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ الْخَرَاجُ عُقُوبَةٌ لِمَا فِي الِاشْتِغَالِ بِالزِّرَاعَةِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْمَبْغُوضِ الْمَذْمُومِ بِلِسَانِ الشَّرْعِ وَالدُّنُوِّ مِنْ رَأْسِ الْخَطِيئَاتِ، أَوْ هَذَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ وَضَرْبِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ وَالنَّمَاءَ وَصْفٌ وَتَبَعٌ فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ مِنْهُمَا مُؤْنَةً وَبِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الْعُشْرُ عِبَادَةٌ وَالْخَرَاجُ عُقُوبَةٌ فَيَتَنَافَيَانِ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي سَبَبٍ وَاحِدٍ هُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ الْعُشْرُ مِنْ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْخَرَاجُ مِنْ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ عِنْدَهُ الْأَرْضُ وَسَبَبَ الْعُشْرِ الْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ. (قَوْلُهُ: وَلِلطَّهَارَةِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ) لِتَرَتُّبِهَا عَلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] أَيْ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ وَمِثْلُ هَذَا مُشْعِرٌ بِالسَّبَبِيَّةِ، وَأَمَّا إضَافَتُهَا إلَى الصَّلَاةِ وَثُبُوتُهَا بِثُبُوتِهَا وَسُقُوطُهَا بِسُقُوطِهَا، فَإِنَّمَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى سَبَبِيَّةِ الصَّلَاةِ دُونَ إرَادَتِهَا وَالْحَدَثُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الطَّهَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْ الرَّبِّ بِصِفَةِ الطَّهَارَةِ، فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهَا وَذَلِكَ بِالْحَدَثِ فَيَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْحَدَثِ فَيَكُونُ شَرْطًا وَلِهَذَا لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَاسْتَدَامَ إلَى الْوَقْتِ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّرْطِ هُوَ الْوُجُودُ قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ وَلَيْسَ الْحَدَثُ بِسَبَبٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ مَا يُفْضِي إلَيْهِ وَيُلَائِمُهُ وَالْحَدَثُ يُزِيلُ الطَّهَارَةَ وَيُنَافِيهَا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ سَبَبًا لِنَفْسِ الطَّهَارَةِ بَلْ لِوُجُوبِهَا، وَهُوَ لَا يُنَافِيهِ بَلْ يُفْضِي إلَيْهِ، لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الْحَدَثُ شَرْطًا لِوُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ لَكَانَ الْحَدَثُ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّرْطِ شَرْطٌ وَأَيْضًا الصَّلَاةُ مَشْرُوطَةٌ بِالطَّهَارَةِ فَيَتَأَخَّرُ عَنْهَا، فَلَوْ كَانَتْ سَبَبًا لِلطَّهَارَةِ لَتَقَدَّمَتْ عَلَيْهَا، وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ وُجُودُ الطَّهَارَةِ لَا وُجُوبُهَا وَالْمَشْرُوطُ بِالْحَدَثِ وُجُوبُهَا لَا وُجُودُهَا. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَشْرُوطَ هُوَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَمَشْرُوعِيَّتهَا وَالشَّرْطُ وُجُودُ الطَّهَارَةِ وَالسَّبَبُ هُوَ إرَادَةُ الصَّلَاةِ لَا نَفْسُهَا وَالْمُسَبَّبُ هُوَ وُجُوبُ الطَّهَارَةِ لَا وُجُودُهَا فَالْمُتَقَدِّمُ غَيْرُ الْمُتَأَخِّرِ. (قَوْلُهُ: وَلِلْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ) يُرِيدُ أَنَّ السَّبَبَ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْحُكْمِ فَأَسْبَابُ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ الْمَحْضَةِ تَكُونُ مَحْظُورَاتٍ مَحْضَةً كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ وَأَسْبَابُ الْكَفَّارَاتِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ تَكُونُ

стр. 718

أَنَّ الزَّوْجَ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ وَآخَرَانِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَضَى الْقَاضِي بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ الْفَرِيقَانِ يَضْمَنُ شُهُودُ الِاخْتِيَارِ فَشُهُودُ التَّخْيِيرِ سَبَبٌ وَشُهُودُ الِاخْتِيَارِ عِلَّةٌ. (فَإِنْ قَالَ إنْ كَانَ قَيْدُ عَبْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ، فَهُوَ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ حَلَّهُ آخَرُ، فَهُوَ حُرٌّ، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِعِتْقِهِ، ثُمَّ حَلَّهُ، فَإِذَا هُوَ ثَمَانِيَةٌ يَضْمَنَانِ قِيمَتَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ــ [التلويح] أُمُورًا دَائِرَةً بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. مَثَلًا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُلَاقِي فِعْلَ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ مُبَاحٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْعِبَادَةِ مَحْظُورٌ، وَكَذَا الظِّهَارُ وَالْقَتْلُ الْخَطَأُ وَصَيْدُ الْحَرَمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهَا كُلِّهَا جِهَةً مِنْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ مِثْلِ الشُّرْبِ وَالزِّنَا، فَإِنَّهُ يُلَاقِي حَرَامًا مَحْضًا. فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ سَبَبَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هُوَ الْيَمِينُ، وَأَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ السَّبَبَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْحِنْثُ وَالْيَمِينُ سَبَبٌ مَجَازًا قُلْنَا: بَنَى الْكَلَامَ هَاهُنَا عَلَى السَّبَبِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ حَتَّى ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشْفِ أَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ هِيَ الْيَمِينُ بِلَا خِلَافٍ لِإِضَافَتِهَا إلَيْهَا إلَّا أَنَّهَا سَبَبٌ بِصِفَةِ كَوْنِهَا مَعْقُودَةً؛ لِأَنَّهَا الدَّائِرَةُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لَا الْغَمُوسُ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا فَوَاتُ الْبِرِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْيَمِينِ هُوَ الْبِرُّ احْتِرَازًا عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَفَّارَةُ خَلَفٌ عَنْ الْبِرِّ لِيَصِيرَ كَأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ فَيُشْتَرَطُ فَوَاتُ الْبِرِّ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْخَلَفِ وَالْأَصْلِ، وَالْيَمِينُ وَإِنْ انْعَدَمَتْ بَعْدَ الْحِنْثِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ أَعْنِي الْبِرَّ لَكِنَّهَا قَائِمَةٌ فِي حَقِّ الْخَلَفِ وَالسَّبَبُ فِي الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ: وَلِشَرْعِيَّةِ الْمُعَامَلَاتِ) يَعْنِي أَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَقَاءَ الْعَالَمِ إلَى حِينٍ عَلِمَهُ وَزَمَانٍ قَدَّرَهُ سَبَبٌ لِشَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِهَذَا النِّظَامِ الْمَنُوطِ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ بَقَاءً إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حِفْظِ الْأَشْخَاصِ إذْ بِهَا بَقَاءُ النَّوْعِ وَالْإِنْسَانُ لِفَرْطِ اعْتِدَالِ مِزَاجِهِ يَفْتَقِرُ فِي الْبَقَاءِ إلَى أُمُورٍ صِنَاعِيَّةٍ فِي الْغِذَاءِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى مُعَاوَنَةٍ وَمُشَارَكَةٍ بَيْنَ أَفْرَادِ النَّوْعِ، ثُمَّ يَحْتَاجُ لِلتَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ إلَى ازْدِوَاجٍ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَقِيَامٍ بِالْمَصَالِحِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى أُصُولٍ كُلِّيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِنْ عِنْدِ الشَّارِعِ بِهَا يُحْفَظُ الْعَدْلُ فِي النِّظَامِ بَيْنَهُمْ فِي بَابِ الْمُنَاكَحَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَقَاءِ النَّوْعِ وَالْمُبَايَعَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَقَاءِ الشَّخْصِ إذْ كُلُّ أَحَدٍ يَشْتَهِي مَا يُلَائِمُهُ وَيَغْضَبُ عَلَى مَنْ يُزَاحِمُهُ فَيَقَعُ الْجَوْرُ وَيَخْتَلُّ أَمْرُ النِّظَامِ فَلِهَذَا السَّبَبِ شُرِعَتْ الْمُعَامَلَاتُ. (قَوْلُهُ: وَلِلِاخْتِصَاصَاتِ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا هُوَ أَثَرٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ وَالْحِلِّ فِي النِّكَاحِ وَالْحُرْمَةِ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى الِاخْتِصَاصَاتِ الشَّرْعِيَّةَ فَسَبَبُهَا الْأَفْعَالُ الَّتِي هِيَ آثَارُهَا وَهِيَ التَّصَرُّفَاتُ الْمَشْرُوعَةُ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَثَلًا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ

стр. 719

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِتْقِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عِنْدَهُ فَالْعِلَّةُ لَا تَصْلُحُ لِضَمَانِ الْعِتْقِ) ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ قَضَاءُ الْقَاضِي وَإِنَّمَا لَا تَصْلُحُ لِلضَّمَانِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَإِنَّهُ قَضَى بِنَاءً عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ. (بِخِلَافِ رُجُوعِ الْفَرِيقَيْنِ) أَيْ شُهُودِ الشَّرْطِ وَشُهُودِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْعِلَّةَ تَصْلُحُ ــ [التلويح] بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ فَهِيَ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَهِيَ الْعِبَادَاتُ، أَوْ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَهِيَ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِبَقَاءِ الشَّخْصِ وَهِيَ الْمُعَامَلَاتُ، أَوْ بِبَقَاءِ النَّوْعِ بِاعْتِبَارِ الْمَنْزِلِ وَهِيَ الْمُنَاكَحَاتُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَدَنِيَّةِ وَهِيَ الْعُقُوبَاتُ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالتَّرْتِيبِ جَعَلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْفِقْهَ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَأَسْبَابُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُنَاسِبُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ) أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُتَعَارَفُ فِي الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ مَا يَكُونُ لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ مَا جُعِلَ عِلَّةً وَسَبَبًا لِلْأَحْكَامِ وَكَانَ الْمُصْطَلَحُ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ لِلْعِلَّةِ تَأْثِيرًا دُونَ السَّبَبِ وَكَانَ بَعْضُ مَا سَمَّاهُ هَاهُنَا سَبَبًا قَدْ جَعَلَهُ فِيمَا سَبَقَ عِلَّةً وَنَفَى كَوْنَهُ سَبَبًا أَشَارَ هَاهُنَا إلَى اخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحَاتِ إزَالَةً لِلِاسْتِبْعَادِ وَنَفْيًا لِوَهْمِ الِاعْتِرَاضِ، وَهَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ إطْلَاقَاتِ الْقَوْمِ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الشَّرْطُ، فَهُوَ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَرْبَعَةٌ: شَرْطٌ مَحْضٌ وَشَرْطٌ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ وَشَرْطٌ فِيهِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَشَرْطٌ مَجَازًا أَيْ اسْمًا وَمَعْنًى لَا حُكْمًا. وَوَجْهُ الضَّبْطِ أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُضَافًا إلَيْهِ، فَهُوَ الرَّابِعُ كَأَوَّلِ الشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ عُلِّقَ بِهِمَا الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ وَكَانَ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِالْحُكْمِ، فَهُوَ الثَّالِثُ كَحَلِّ قَيْدِ الْعَبْدِ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تُعَارِضْهُ عِلَّةٌ تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا، فَهُوَ الثَّانِي كَشَقِّ الزِّقِّ، وَإِنْ عَارَضَتْهُ، فَهُوَ الْأَوَّلُ كَدُخُولِ الدَّارِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ. وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قِسْمًا خَامِسًا سَمَّاهُ شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعَلَامَةِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ نَفْسُهَا لِمَا أَنَّ الْعَلَامَةَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرْطِ وَلِذَا سَمَّى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْإِحْصَانَ شَرْطًا مَحْضًا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَامَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِلِّيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الشَّرْطَ إنْ لَمْ تُعَارِضْهُ عِلَّةٌ فَهِيَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ، وَإِنْ عَارَضَتْهُ، فَإِنْ كَانَ سَابِقًا كَانَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا، أَوْ مُتَرَاخِيًا، فَهُوَ الشَّرْطُ الْمَحْضُ. وَفِيهِ نَظَرٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ الْمَحْضُ إمَّا حَقِيقِيٌّ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الْوَاقِعِ، أَوْ بِحُكْمِ الشَّارِعِ حَتَّى لَا يَصِحَّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ أَصْلًا كَالشُّهُودِ لِلنِّكَاحِ، أَوْ يَصِحَّ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَإِمَّا جَعْلِيٌّ يَعْتَبِرُهُ الْمُكَلَّفُ وَيُعَلِّقُ عَلَيْهِ تَصَرُّفَاتِهِ إمَّا بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ. مِثْلُ: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ بِدَلَالَةِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ بِأَنْ يَدُلَّ الْكَلَامُ عَلَى التَّعْلِيقِ دَلَالَةَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ. مِثْلُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ

стр. 720

لِلضَّمَانِ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ الْعِتْقَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي. (وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنَانِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَنْفُذُ فِي الْبَاطِنِ فَيَعْتِقُ بِحَلِّ الْقَيْدِ. وَكَذَا حَافِرُ الْبِئْرِ) عَطْفٌ عَلَى الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا رُجُوعُ شُهُودِ الشَّرْطِ وَمَسْأَلَةُ الْقَيْدِ وَالتَّشْبِيهُ فِي أَنَّ هُنَاكَ شَرْطًا لَا تُعَارِضُهُ عِلَّةٌ تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ ــ [التلويح] عَلَى الْوَصْفِ تَعْلِيقٌ لَهُ بِهِ كَالشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ) إشَارَةٌ إلَى بَيَانِ الشَّرْطِ الْجَعْلِيِّ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ الْحَقِيقِيِّ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ. (قَوْلُهُ: فَيُضَافُ) أَيْ إذَا لَمْ يُعَارِضْ الشَّرْطَ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يُشَابِهُ الْعِلَّةَ فِي تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَتْ حَقِيقَةُ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ، فَإِنَّهُ لَا عِبْرَةَ حِينَئِذٍ بِالشَّبَهِ وَالْحَلِفِ، فَلَوْ شَهِدَ قَوْمٌ بِأَنَّ رَجُلًا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ الْغَيْرِ الْمَدْخُولَةِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَآخَرُونَ بِأَنَّهَا دَخَلَتْ الدَّارَ وَقَضَى الْقَاضِي بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلُزُومِ نِصْفِ الْمَهْرِ، فَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ دُخُولِ الدَّارِ وَحْدَهُمْ ضَمِنُوا لِلزَّوْجِ مَا أَدَّاهُ إلَى الْمَرْأَةِ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُمْ شُهُودُ الشَّرْطِ السَّالِمِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ دُخُولِ الدَّارِ وَشُهُودُ الْيَمِينِ أَيْ التَّعْلِيقِ جَمِيعًا فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُمْ شُهُودُ الْعِلَّةِ إمَّا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعِلَّةَ أَعَمُّ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَمِمَّا فِيهِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَعْدَ شَهَادَةِ الْفَرِيقَيْنِ وَقَضَاءِ الْقَاضِي اتَّصَلَ الْحُكْمُ بِالْعِلَّةِ فَكَمَّلَ الْعِلِّيَّةَ وَمَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا لَا جِهَةَ لِلْإِضَافَةِ إلَى الشَّرْطِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ شَهِدَ قَوْمٌ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بِأَلْفٍ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ دَخَلَ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ الْفَرِيقَانِ فَالضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الدُّخُولِ مَعَ أَنَّهُ شَرْطٌ وَالتَّزَوُّجُ عِلَّةٌ. قُلْنَا: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شُهُودَ الدُّخُولِ أَبْرَءُوا شُهُودَ النِّكَاحِ عَنْ الضَّمَانِ حَيْثُ أَدْخَلُوا فِي مِلْكِ الزَّوْجِ عِوَضَ مَا غَرِمَ مِنْ الْمَهْرِ، وَهُوَ اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: كَشُهُودِ التَّخْيِيرِ) ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى الْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ وَالِاخْتِيَارُ عِلَّةٌ يَحْصُلُ بِهَا لُزُومُ الْمَهْرِ فَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ دُونَ السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ) لَمَّا شَرَطَ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الشَّرْطِ أَنْ لَا تُعَارِضَهُ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا، أَوْرَدَ مِثَالًا لَيْسَ فِيهِ مُعَارَضَةُ الْعِلَّةِ أَصْلًا، وَهُوَ مَا إذَا رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ فَقَطْ وَحُكْمُهُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَبِي الْيُسْرِ فَهُوَ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ شَيْئًا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِثَالًا يُوجِبُ فِيهِ مُعَارَضَةَ الْعِلَّةِ الصَّالِحَةِ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَهُوَ مَا إذَا رَجَعَ شُهُودُ الشَّرْطِ وَالْيَمِينِ جَمِيعًا ثُمَّ مِثَالًا يُوجَدُ فِيهِ مُعَارَضَةُ الْعِلَّةِ لَكِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا وَهُوَ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ إنْ كَانَ قَيْدُ عَبْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ فَعَبْدُهُ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ حَلَّ أَحَدٌ قَيْدَ الْعَبْدِ، فَهُوَ حُرٌّ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ الْقَيْدَ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ وَقَضَى الْقَاضِي بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَحَلَّ الْمَوْلَى قَيْدَ الْعَبْدِ، فَإِذَا هُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 721

الْحُكْمِ إلَيْهَا وَالشَّرْطُ هُوَ الْحَفْرُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ السُّقُوطِ هُوَ الثِّقَلُ لَكِنَّ الْأَرْضَ مَانِعَةٌ عَنْ السُّقُوطِ فَبِإِزَالَةِ الْمَانِعِ صَارَتْ شَرْطًا لِلسُّقُوطِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الضَّمَانُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ الثِّقَلَ عِلَّةُ السُّقُوطِ، وَهُوَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ، فَلَا يَصْلُحَانِ ــ [التلويح] يَضْمَنُ الشَّاهِدَانِ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي نَافِذٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِابْتِنَائِهِ عَلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَاجِبِ الْعَمَلِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ صِيَانَتِهِ عَنْ الْبُطْلَانِ بِإِثْبَاتِ التَّصَرُّفِ الْمَشْهُودِ بِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقَضَاءِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَانَ الشُّهُودُ عَبِيدًا، أَوْ كُفَّارًا، فَإِنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْقَضَاءِ حِينَئِذٍ لِإِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ. وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ قَدْ سَقَطَ حَقِيقَةُ مَعْرِفَةِ وَزْنِ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِحَلِّ الْقَيْدِ، وَإِذَا حَلَّهُ يَعْتِقُ الْعَبْدُ، وَإِذَا نَفَذَ الْقَضَاءُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَحَقَّقَ الْعِتْقُ قَبْلَ الْحِلِّ، فَلَمْ يُمْكِنْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ وَالْعِلَّةُ أَعْنِي التَّعْلِيقَ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ مِنْ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، وَلَا جِنَايَةٍ كَمَا إذَا بَاعَ مَالَ نَفْسِهِ، أَوْ أَكَلَ طَعَامَ نَفْسِهِ فَتَعَيَّنَ الْإِضَافَةُ إلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ كَوْنُ الْقَيْدِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَالشُّهُودُ قَدْ تَعَدَّوْا بِالْكَذِبِ الْمَحْضِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ. وَعِنْدَهُمَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُجَّةِ الْبَاطِلَةِ إلَّا أَنَّ الْعَدَالَةَ الظَّاهِرَةَ دَلِيلُ الصِّدْقِ ظَاهِرًا فَيُعْتَبَرُ حُجَّةً فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ بَاطِنًا كَانَ الْعَبْدُ رَقِيقًا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَيَعْتِقُ بِحَلِّ الْمَوْلَى قَيْدَهُ، فَلَا يَضْمَنُ الشُّهُودُ. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ يَمِينُ الْمَالِكِ أَعْنِي تَعْلِيقَهُ الْعِتْقَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ عِلَلَ الِاخْتِصَاصَاتِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ التَّصَرُّفَاتُ الْمَشْرُوعَةُ حَتَّى لَوْ ادَّعَى شِرَاءَ الدَّارِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَقَضَى الْقَاضِي كَانَتْ عِلَّةُ الْمِلْكِ هِيَ الشِّرَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ فَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ قَضَاءُ الْقَاضِي بِوُقُوعِ الْعِتْقِ مَحَلُّ نَظَرٍ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي مَسْأَلَةِ رُجُوعِ الْفَرِيقَيْنِ أَعْنِي شُهُودَ التَّعْلِيقِ وَشُهُودَ الشَّرْطِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ شُهُودُ التَّعْلِيقِ وَهِيَ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الضَّمَانِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ الْعِتْقَ بِطَرِيقِ التَّعَدِّي حَيْثُ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ بِالرُّجُوعِ فَلِمَ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي مَسْأَلَةِ حَلِّ الْقَيْدِ هِيَ قَضَاءُ الْقَاضِي دُونَ تَعْلِيقِ الْمَالِكِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ بَانَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا فِي الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي الْمَبْنِيِّ عَلَى الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ، وَهُوَ حُكْمٌ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ الْمَالِ فَفِي صُورَةِ رُجُوعِ الْفَرِيقَيْنِ شُهُودِ التَّعْلِيقِ عِلَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الضَّمَانِ إلَيْهَا، فَلَا يُضَافُ إلَى شُهُودِ الشَّرْطِ أَعْنِي وُقُوعَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ. وَفِي مَسْأَلَةِ حَلِّ الْقَيْدِ الْعِلَّةُ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِإِضَافَةِ الضَّمَانِ إلَيْهَا لِخُلُوِّهَا عَنْ مَعْنَى التَّعَدِّي فَيُضَافُ إلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ شُهُودُ كَوْنِ الْقَيْدِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ لِتَعَدِّيهِمْ بِالْكَذِبِ الْمَحْضِ إذْ لَا مُسَاغَ لِلْإِضَافَةِ إلَى الْحَلِّ لِتَحَقُّقِ الْعِتْقِ قَبْلَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مَعَ

стр. 722

لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ فَيُضَافُ إلَى الشَّرْطِ) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْطِ مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيمَا إذَا حَفَرَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ. (بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْقَعَ نَفْسَهُ. وَأَمَّا وَضْعُ الْحَجَرِ وَإِشْرَاعُ الْجَنَاحِ وَالْحَائِطِ الْمَائِلِ بَعْدَ الْإِشْهَادِ، فَمِنْ قِسْمِ الْأَسْبَابِ. وَأَمَّا شَرْطٌ فِي حُكْمِ السَّبَبِ، وَهُوَ شَرْطٌ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ كَمَا إذَا حَلَّ قَيْدَ عَبْدِ الْغَيْرِ فَأَبَقَ الْعَبْدُ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا فَإِنَّ الْحَلَّ لَمَّا سَبَقَ الْإِبَاقَ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ التَّلَفِ صَارَ كَالسَّبَبِ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ ــ [التلويح] أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ شُهُودِ الْعِلَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ وَزْنَ الْقَيْدِ مُتَحَقِّقُ الْوُجُودِ وَالشَّرْطُ مَا يَكُونُ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ التَّعْلِيقَ لَمَّا كَانَ مُقَدَّرًا يَعْتَرِفُ بِهِ الْمَالِكُ، وَالشُّهُودُ قَدْ شَهِدُوا بِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ بِالتَّنْجِيزِ فَكَانُوا شُهُودَ الْعِلَّةِ لِإِثْبَاتِهِمْ الْعِتْقَ فِي الْحَقِيقَةِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُثْبِتُ الضَّمَانَ حَتَّى يُضَافَ إلَى الْعِلَّةِ أَوْ الشَّرْطِ بَلْ نُثْبِتُ الْعِتْقَ بِلَا شَيْءٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْعِتْقَ حُكْمٌ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ الْمَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ الضَّمَانِ، وَالْعِتْقُ بِلَا شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ عَلَى السَّيِّدِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَشْيُ مُبَاحٌ) يَعْنِي أَنَّ الْمَشْيَ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا، وَهُوَ يُشَارِكُ الْعِلَّةَ فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْحُكْمِ وَالِاتِّصَالِ بِهِ فَعِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ إلَى الْعِلَّةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ الْحُكْمُ إلَيْهِ دُونَ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّ الضَّمَانَ ضَمَانُ عُدْوَانٍ فَلَا بُدَّ فِيمَا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ صِفَةِ التَّعَدِّي، وَلَا تَعَدِّيَ فِي السَّبَبِ أَعْنِي الْمَشْيَ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مَحْضٌ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَاشِي أَيْضًا مُتَعَدِّيًا كَمَا إذَا كَانَ الْحَفْرُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَسَقَطَ الْمَاشِي بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ لَمْ يَكُنْ الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ، وَلَا رِوَايَةَ فِي ذَلِكَ بَلْ الرِّوَايَةُ مُطْلَقَةٌ فِي ضَمَانِ الْحَافِرِ الْمُتَعَدِّي. لَا يُقَالُ: مُرَادُهُ أَنَّ الْمَشْيَ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ حَرُمَ بِالْغَيْرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا إذَا كَانَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَفْرُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمَشْيِ بِالْإِبَاحَةِ احْتِرَازٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ فَفِي بَعْضِ الْوُجُوهِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ عِنْدَ تَعَدِّي الْمَشْيِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْقَعَ نَفْسَهُ) فِي بِئْرِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ عِلَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْإِضَافَةِ، فَلَا يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا وَضْعُ الْحَجَرِ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ طُرُقٌ مُفْضِيَةٌ إلَى التَّلَفِ فَتَكُونُ أَسْبَابًا لَهَا حُكْمُ الْعِلَلِ بِخِلَافِ الْحَفْرِ، فَإِنَّهُ إزَالَةٌ لِلْمَانِعِ أَعْنِي إمْسَاكَ الْأَرْضِ فَيَكُونُ شَرْطًا وَهَاهُنَا نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلسَّبَبِيَّةِ إلَّا الْإِفْضَاءُ إلَى الْحُكْمِ وَالتَّأَدِّي إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ، وَهَذَا حَاصِلٌ فِي الْحَفْرِ وَحَلِّ الْقَيْدِ وَفَتْحِ الْبَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ الَّذِي فِي حُكْمِ السَّبَبِ شَرْطٌ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ أَيْ حَصَلَ بَعْدَ حُصُولِهِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ ذَلِكَ الْفِعْلُ إلَى الشَّرْطِ فَخَرَجَ الشَّرْطُ الْمَحْضُ. مِثْلُ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ

стр. 723

وَالشَّرْطُ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا، وَكَذَا إذَا فَتَحَ بَابَ قَفَصٍ، أَوْ إصْطَبْلٍ. خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ أَنَّ فِعْلَ الطَّيْرِ وَالْبَهِيمَةِ هَدَرٌ، فَإِذَا خَرَجَا عَلَى فَوْرِ الْفَتْحِ يَجِبُ الضَّمَانُ كَمَا فِي سَيْلَانِ مَاءِ الزِّقِّ فَإِنَّ النِّفَارَ طَبِيعِيٌّ لِلطَّيْرِ كَالسَّيَلَانِ لِلْمَاءِ وَلَهُمَا أَنَّهُ هَدَرٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ لَا فِي قَطْعِهِ عَنْ الْغَيْرِ كَالْكَلْبِ يَمِيلُ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ، وَإِذَا قَالَ الْوَلِيُّ سَقَطَ وَقَالَ الْحَافِرُ أَسْقَطَ نَفْسَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلْحَافِرِ (لِأَنَّهُ يَدَّعِي صَلَاحِيَّةَ الْعِلَّةِ لِلْإِضَافَةِ وَقَطَعَ الْإِضَافَةَ عَنْ الشَّرْطِ، فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ بِخِلَافِ الْجَارِحِ إذَا ادَّعَى الْمَوْتَ بِسَبَبٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ عِلَّةٍ. وَأَمَّا شَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا ــ [التلويح] إذْ التَّعْلِيقُ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُخْتَارِ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى الشَّرْطِ بَلْ بِالْعَكْسِ وَخَرَجَ مَا إذَا اعْتَرَضَ عَلَى الشَّرْطِ فِعْلُ فَاعِلٍ غَيْرِ مُخْتَارٍ بَلْ طَبِيعِيٍّ كَمَا إذَا شَقَّ زِقَّ الْغَيْرِ فَسَالَ الْمَائِعُ فَتَلِفَ، وَخَرَجَ مَا إذَا كَانَ فِعْلُ الْمُخْتَارِ مَنْسُوبًا إلَى الشَّرْطِ كَمَا إذَا فَتَحَ الْبَابَ عَلَى وَجْهٍ يَفِرُّ الطَّائِرُ فَخَرَجَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى السَّبَبِ بَلْ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ وَلِهَذَا يَضْمَنُ، وَأَمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ فِي صُورَةِ فَتْحِ بَابِ الْقَفَصِ فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ طَيَرَانَ الطَّائِرِ مَنْسُوبٌ إلَى الْفَتْحِ بَلْ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الطَّائِرِ هَدَرٌ فَيَلْحَقُ بِالْأَفْعَالِ الْغَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَسَيَلَانِ الْمَائِعِ. (قَوْلُهُ: لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا) مُشْعِرٌ بِالْخِلَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْحَلَّ) بَيَانٌ لِكَوْنِ حَلِّ الْقَيْدِ فِي حُكْمِ السَّبَبِ لَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الضَّمَانِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ الْمَحْضَ يَتَأَخَّرُ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبُ يَتَقَدَّمُهَا؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى الْحُكْمِ وَمُفْضٍ إلَيْهِ بِأَنْ تَتَوَسَّطَ الْعِلَّةُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا قَالَ صُورَةُ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمَحْضَ يَتَقَدَّمُ عَلَى انْعِقَادِهَا عِلَّةً لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَمْنَعُ الْعِلِّيَّةَ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ الشَّرْطُ حَتَّى تَنْعَقِدَ الْعِلَّةُ فَحَلُّ الْقَيْدِ لَمَّا كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِبَاقِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ التَّلَفِ كَانَ شَرْطًا فِي مَعْنَى السَّبَبِ لَا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هَاهُنَا مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَى السَّبَبِ، وَلَا حَادِثَةٍ بِهِ بِخِلَافِ سَوْقِ الدَّابَّةِ. وَأَمَّا إذَا أَمَرَ عَبْدَ الْغَيْرِ بِالْإِبَاقِ فَأَبَقَ، فَإِنَّمَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ غَصْبٌ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا اسْتَخْدَمَهُ فَخَدَمَهُ. وَمَا يُقَالُ: فِي بَيَانِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ أَنَّ مَا هُوَ مُفْضٍ إلَى الشَّيْءِ وَوَسِيلَةٌ إلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى الْحُكْمِ وَالْمَطْلُوبُ تَقَدُّمُهُ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ وَهَاهُنَا نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ تَأَخُّرِ الشَّرْطِ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْطِ التَّعْلِيقِيِّ لَا الْحَقِيقِيِّ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْعَقْلِ فِي التَّصَرُّفَاتِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ. (قَوْلُهُ: لَهُ) أَيْ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ فِعْلَ الطَّيْرِ وَالْبَهِيمَةِ هَدَرٌ شَرْعًا، فَلَا يَصْلُحُ لِإِضَافَةِ التَّلَفِ إلَيْهِ فَيُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وَأَيْضًا هُمَا لَا يَصْبِرَانِ عَنْ الْخُرُوجِ عَادَةً فَفِعْلُهُمَا يَلْتَحِقُ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ سَيَلَانِ الْمَائِعِ فَظَهَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ كَوْنِ فِعْلِهِمَا هَدَرًا وَكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ

стр. 724

إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطَيْنِ فَأَوَّلُهُمَا وُجُودًا شَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا حَتَّى إذَا وُجِدَ الْأَوَّلُ فِي الْمِلْكِ لَا الثَّانِي لَا تُطْلَقُ وَبِالْعَكْسِ تُطْلَقُ خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) . صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ، وَهَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبَانَهَا فَدَخَلَتْ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ الْأُخْرَى يَقَعُ الطَّلَاقُ، عِنْدَنَا (لِأَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِصِحَّةِ الْجَزَاءِ لَا لِصِحَّةِ الشَّرْطِ فَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْعَلَامَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي نَظِيرِهَا الْإِحْصَانَ لِلرَّجْمِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ إلَى أَنْ يُوجَدَ هُوَ وَوُجُودُهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ وُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ كَدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا وَهُنَا عِلِّيَّةُ الزِّنَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إحْصَانٍ يَحْدُثُ مُتَأَخِّرًا أَقُولُ مَا ذَكَرُوا) وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ أَمْرٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْ وُجُودِ صُورَةِ الْعِلَّةِ وَيَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ إلَى أَنْ يُوجَدَ هُوَ ــ [التلويح] الْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ مُسْتَقِلٌّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الضَّمَانِ فَسَوْقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ فِعْلَ الطَّيْرِ وَالْبَهِيمَةِ هَدَرٌ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَهُ فِي قَطْعِ الْحُكْمِ عَنْ الشَّرْطِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ هَدَرٌ مُطْلَقًا حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِي قَطْعِ الْحُكْمِ عَنْ الْغَيْرِ فَمَمْنُوعٌ كَمَا إذَا أَرْسَلَ شَخْصٌ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَمَال عَنْ سُنَنِ الصَّيْدِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ فَأَخَذَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنْ السُّنَنِ هَدَرٌ فِي إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ بَهِيمَةً لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي مَنْعِ إضَافَةِ الْفِعْلِ عَنْ الْمُرْسِلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَوَابٌ عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَقَطْ مِنْ اسْتِدْلَالِ مُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا سَاقَ كَلَامَهُ مِنْ أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ وَاحِدٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّ فَتْحَ الْبَابِ شَرْطٌ لَا عِلَّةٌ لَكِنْ سَبَقَ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْبَهِيمَةِ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلضَّمَانِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلضَّمَانِ عَلَى الْمَالِكِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْحُكْمُ هَاهُنَا هُوَ التَّلَفُ لَا الضَّمَانُ، وَلَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ إضَافَتِهِ إلَى فِعْلِ الْبَهِيمَةِ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ الطَّبِيعِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ فِي صُورَةِ شَقِّ الزِّقِّ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا قَالَ الْوَلِيُّ) فَإِنْ عُورِضَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُلْقِي نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّاهِرِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَالْوَلِيُّ مُحْتَاجٌ إلَى اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا شَرْطٌ اسْمًا لَا حُكْمًا) كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ وَهَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَوَّلُ الشَّرْطَيْنِ بِحَسَبِ الْوُجُودِ شَرْطٌ اسْمًا لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَا حُكْمًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ عِنْدَهُ، فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَيْنِ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ طَلُقَتْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ الدَّارَيْنِ، أَوْ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فَأَبَانَهَا فَدَخَلَتْ الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ الْأُخْرَى تَطْلُقُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْمِلْكِ حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ وُجُودِ الْجَزَاءِ لَا لِصِحَّةِ وُجُودِ الشَّرْطِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ دَخَلَتْ الدَّارَيْنِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ، وَلَا لِبَقَاءِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْيَمِينِ هِيَ الذِّمَّةُ فَيَبْقَى بِبَقَائِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ إلَّا عِنْدَ الشَّرْطِ

стр. 725

(هُوَ تَفْسِيرُ الشَّرْطِ التَّعْلِيقِيِّ لَا الشَّرْطِ الْحَقِيقِيِّ كَالشَّهَادَةِ لِلنِّكَاحِ وَالْعَقْلِ لِلتَّصَرُّفَاتِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ لَهَا فَالشَّرْطُ التَّعْلِيقِيُّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ. أَمَّا الشَّرْطُ الْحَقِيقِيُّ، فَلَا يَجِبُ تَأَخُّرُهُ عَنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ كَالْعَقْلِ وَالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا فَكَوْنُ الْإِحْصَانِ مُتَقَدِّمًا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ. (وَهَذَا الْإِشْكَالُ اخْتَلَجَ فِي خَاطِرِي. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الشَّرْطَ إمَّا تَعْلِيقِيٌّ وَإِمَّا حَقِيقِيٌّ وَالْحَقِيقِيُّ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعِلَّةِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَقَطْعِ حَبْلِ الْقِنْدِيلِ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ) وَالْعَقْلِ لِلتَّصَرُّفَاتِ، فَأَمَّا مَا هُوَ مُتَأَخِّرٌ أَقْوَى مِمَّا هُوَ مُتَقَدِّمٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُقَارِنُ الشَّرْطَ الَّذِي هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي مَعْنَى ــ [التلويح] الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حَالَ نُزُولِ الْجَزَاءِ الْمُفْتَقِرِ إلَى الْمِلْكِ وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ وَجْهِ قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الشَّرْطَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي وُجُودِ الْجَزَاءِ، وَفِي أَحَدِهِمَا يُشْتَرَطُ الْمِلْكُ، وَكَذَا فِي الْآخَرِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَلَامَةُ) هِيَ عَلَى مُقْتَضَى تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ فِيهِ، وَلَا تَوَقُّفٍ لَهُ عَلَيْهِ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيُبَايِنُ الشَّرْطَ وَالسَّبَبَ وَالْعِلَّةَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَا يَكُونُ عَلَمًا عَلَى الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبٌ وَلَا وُجُودٌ، إلَّا أَنَّهُمْ مَثَّلُوا فِيهِ بِالْإِحْصَانِ مَعَ أَنَّ وُجُوبَ الرَّجْمِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ شَرْطًا فِيهِ مَعْنَى الْعَلَامَةِ وَبَعْضُهُمْ شَرْطًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَقَدُّمُهُ عَلَى وُجُودِ الزِّنَا، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، فَإِنَّ تَأَخُّرَ الشَّرْطِ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يَتَقَدَّمُهَا كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَشُهُودِ النِّكَاحِ كَذَا فِي الْكَشْفِ، وَهُوَ حَاصِلُ الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ لُزُومَ التَّأَخُّرِ عَنْ صُورَةِ الْعِلَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّرْطِ التَّعْلِيقِيِّ، وَأَمَّا الْحَقِيقِيُّ أَعْنِي مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، فَقَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ كَشُرُوطِ الصَّلَاةِ وَشُهُودِ النِّكَاحِ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ كَالْحَفْرِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ وُجُودِ ثِقْلِ زَيْدٍ وَقَطْعِ الْحَبْلِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ وُجُودِ ثِقْلِ الْقِنْدِيلِ، وَالْمُتَأَخِّرُ لِكَوْنِهِ أَقْوَى بِوَاسِطَةِ اتِّصَالِهِ بِالْحُكْمِ يُسَمَّى شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ، وَالْمُتَقَدِّمُ لِعَدَمِ مُقَارَنَةِ الْحُكْمِ يُسَمَّى عَلَامَةً. وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْإِحْصَانَ شَرْطٌ إلَّا أَنَّهُ سُمِّيَ عَلَامَةً لِمُشَابَهَتِهِ الْعَلَامَةَ فِي عَدَمِ الِاتِّصَالِ بِالْحُكْمِ، ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَحَلُّ نَظَرٍ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الشَّرْطَ التَّعْلِيقَيَّ قَدْ يَكُونُ مُتَقَدِّمًا، وَإِنَّمَا الْمُتَأَخِّرُ ظُهُورُهُ وَالْعِلْمُ بِهِ كَمَا فِي تَعْلِيقِ عِتْقِ الْعَبْدِ بِكَوْنِ قَيْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَرْطٍ مُتَقَدِّمٍ يُسَمَّى عَلَامَةً كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَلَا كُلُّ شَرْطٍ مُتَأَخِّرٍ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ كَشُهُودِ الْيَمِينِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ

стр. 726

الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مُتَقَدِّمٌ فَالْإِحْصَانُ هُوَ الشَّرْطُ الَّذِي يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْعِلَّةِ وَيُسَمَّى هَذَا الشَّرْطُ عَلَامَةً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْعِلَّةَ وَهِيَ الزِّنَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَمَّا كَانَ لِي نَظَرٌ فِي كَوْنِ الْإِحْصَانِ عَلَامَةً لَا شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ قُلْت: (ثُمَّ إنْ كَانَ الْإِحْصَانُ عَلَامَةً لَا شَرْطًا) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَلَامَةً لَا شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ (يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ أَيْضًا بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ شَهِدَا عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ زَنَى وَمَوْلَاهُ كَافِرٌ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ) أَيْ لَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِحْصَانَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ مَعَ أَنَّ الزِّنَا لَا يُثْبِتُ الْإِحْصَانَ بِشَهَادَةِ الْكَافِرَيْنِ أَيْضًا إذَا شَهِدَا عَلَى ــ [التلويح] الشَّرْطَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ قَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى صُورَةِ الْعِلَّةِ كَمَا إذَا كَانَ وِلَادَةُ مَنْ سَقَطَ فِي الْبِئْرِ بَعْدَ حَفْرِ الْبِئْرِ، فَإِنَّ ثِقْلَهُ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ الشَّرْطِ أَعْنِي إزَالَةَ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَرْضِ. (قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ لِي نَظَرٌ فِي كَوْنِ الْإِحْصَانِ عَلَامَةً لَا شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ عَلَامَةً، وَإِنْ صَلَحَ مَحَلًّا لِلنَّظَرِ إلَّا أَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ. إذْ الشَّرْطُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ عِلَّةٌ صَالِحَةٌ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا كَالزِّنَا هَاهُنَا مَعَ أَنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ خِصَالٍ حَمِيدَةٍ بَعْضُهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَبَعْضُهَا مَأْمُورٌ بِهِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ الْمَحْضَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ:) مَبْنَى هَذَا السُّؤَالِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَسْرَارِ وَهِيَ أَنَّ عِتْقَ هَذَا الْعَبْدِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا حُجَّةً عَلَى هَذَا الْعِتْقِ لَوْلَا الزِّنَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الْإِعْتَاقِ قَبْلَ: الزِّنَا يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ الرَّجْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْإِحْصَانِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الْعِتْقُ تَضَرُّرًا عَلَى الْمَوْلَى الْكَافِرِ، وَلَا يَثْبُتُ سَبْقُ تَارِيخِ الْإِعْتَاقِ عَلَى الزِّنَا فِيهِ مِنْ تَضَرُّرِ الْمُسْلِمِ بِوُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَيْهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا تَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ الْعِتْقِ وَتَقَدُّمَهُ عَلَى الزِّنَا وَضَرَرُ الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إلَى الْكَافِرِ فَتُقْبَلُ وَالثَّانِي إلَى الْمُسْلِمِ، فَلَا تُقْبَلُ. (قَوْلُهُ: وَهُنَا لَا يُثْبِتُهَا) أَيْ فِي صُورَةِ ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ لَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ الْعُقُوبَةُ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ عَلَامَةٌ لَا عِلَّةٌ، أَوْ سَبَبٌ، أَوْ شَرْطٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ لِيَكُونَ إثْبَاتُهُ إثْبَاتَ الْعُقُوبَةِ. قَوْلُهُ: " وَهُوَ " يَصْلُحُ الضَّمِيرُ لِلشَّهَادَةِ تَذْكِيرُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَصْدَرَ فِي مَعْنَى أَنْ مَعَ الْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا ذُكِرَ) أَيْ إضْرَارُ الْمُسْلِمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَكْذِيبُهُ فِي ادِّعَائِهِ الرِّقَّ وَدَفْعُ إنْكَارِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الرَّجْمَ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ امْتِنَاعَ قَبُولِ شَهَادَةِ

стр. 727

عَبْدٍ مُسْلِمٍ زَنَى بِأَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ وَالْحَالُ أَنَّ مَوْلَاهُ كَافِرٌ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمَوْلَى الْكَافِرِ فَتُقْبَلُ فَيَثْبُتُ عِتْقُهُ وَالْحُرِّيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ فَيَثْبُتُ إحْصَانُهُ بِشَهَادَةِ الْكَافِرِ. (قُلْنَا لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ خُصُوصٌ بِالْمَشْهُودِ بِهِ دُونَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) أَيْ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ لَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ (فَإِنَّهَا لَا تُثْبِتُ الْعُقُوبَةَ وَهُنَا لَا تُثْبِتُهَا؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَيْسَ إلَّا عَلَامَةً لَكِنْ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُ وَرَفْعُ إنْكَارِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَافِرِ (وَهِيَ تَصْلُحُ لِذَلِكَ) أَيْ شَهَادَةُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ تَصْلُحُ لِلضَّرَرِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ. (وَشَهَادَةُ الْكُفَّارِ بِالْعَكْسِ) فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِ أَيْ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَتَضَمَّنُ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْعَبْدُ الَّذِي أَثْبَتُوا حُرِّيَّتَهُ لِيَثْبُتَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ (فَلَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ) أَيْ لَا تَصْلُحُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ لِلْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ ــ [التلويح] النِّسَاءِ لِخُصُوصِيَّةٍ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَهُوَ الْحَدُّ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الْإِحْصَانِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ لَا مُوجِبٌ وَامْتِنَاعُ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ لِخُصُوصِيَّةٍ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، فَلَا يُقْبَلُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِتَضَرُّرِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّ الرِّقَّ مَعَ الْحَيَاةِ خَيْرٌ مِنْ الْعِتْقِ مَعَ الرَّجْمِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ) شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ فِي حَقِّنَا لَيْسَتْ بِعَلَامَةٍ بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِلنَّسَبِ ضَرُورَةَ أَنَّا لَا نَعْلَمُ ثُبُوتَ النَّسَبِ إلَّا بِهَا فَيُشْتَرَطُ لِإِثْبَاتِهَا كَمَالُ الْحُجَّةِ رَجُلًا، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ الْفِرَاشُ الْقَائِمُ، أَوْ الْحَبَلُ الظَّاهِرُ، أَوْ إقْرَارُ الزَّوْجِ بِالْحَبَلِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يُسْتَدَلُّ إلَيْهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ فَتَكُونُ الْوِلَادَةُ عَلَامَةَ مَعْرِفَةٍ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا عَلَّقَ بِالْوِلَادَةِ طَلَاقَ) يَعْنِي فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَبَلُ ظَاهِرًا، وَلَا الزَّوْجُ مُقِرًّا بِهِ إذْ لَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهَا بِالْوِلَادَةِ كَمَا فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْحَيْضِ وَوَجْهُ إيرَادِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَاهُنَا أَنَّ الْوِلَادَةَ عَلَامَةٌ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَإِنْ جُعِلَتْ شَرْطًا تَعْلِيقًا فَيُعْتَبَرُ عِنْدَهُمَا جَانِبُ كَوْنِهِ عَلَامَةً حَتَّى يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فَيَثْبُتَ مَا يَتْبَعُهَا مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ، وَعِنْدَهُ يُعْتَبَرُ جَانِبُ الشَّرْطِيَّةِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي ثُبُوتِ الْوِلَادَةِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا لَا فِي حَقِّ وُقُوعِ الطَّلَاقِ كَمَا أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي ثُبُوتِ ثِيَابَةِ الْأَمَةِ فِي نَفْسِهَا لَا فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَمَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّهَا ثَيِّبٌ وَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ بِذَلِكَ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْوِلَادَةِ أَصْلًا وَوَصْفًا، وَهُوَ كَوْنُهَا شَرْطًا وَالثَّابِتُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدَةِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، وَأَمَّا ثُبُوتُ النَّسَبِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ وَبِالْوِلَادَةِ يَظْهَرُ أَنَّ النَّسَبَ كَانَ ثَابِتًا بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ وَقْتَ الْعُلُوقِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجَلْدِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ الْجَلْدَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ قَدْ رُتِّبَا عَلَى الرَّمْيِ وَالْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]

стр. 728

مِنْ تَكْذِيبِهِ وَرَفْعِ إنْكَارِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَافِرِ. (وَعَلَى هَذَا) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَلَامَةَ لَيْسَتْ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِلَّةُ. (قَالَا إنَّ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ فِرَاشٍ) أَيْ فِي الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (وَلَا حَبَلٍ ظَاهِرٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ فِرَاشٍ (وَلَا إقْرَارٍ بِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا حَبَلٍ أَيْ بِلَا إقْرَارِ الزَّوْجِ بِالْحَبَلِ (لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ) هُنَا (أَيْ فِي شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ) إلَّا تَعْيِينُ الْوَلَدِ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ فِيهِ أَيْ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ مَقْبُولَةٌ فِي تَعْيِينِ الْوَلَدِ، (فَأَمَّا النَّسَبُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ السَّابِقِ فَيَكُونُ انْفِصَالُهُ عَلَامَةً لِلْعُلُوقِ السَّابِقِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ ظَاهِرٌ كَانَ النَّسَبُ مُضَافًا إلَى الْوِلَادَةِ فَشَرَطَ لِإِثْبَاتِهَا كَمَالَ الْحُجَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ) ، وَهُوَ إمَّا الْفِرَاشُ وَإِمَّا الْحَبَلُ الظَّاهِرُ وَإِمَّا إقْرَارُ الزَّوْجِ بِالْحَبَلِ. (وَإِذَا عُلِّقَ بِالْوِلَادَةِ طَلَاقٌ تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَلَيْهَا فِي حَقِّهِ) أَيْ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ (عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْوِلَادَةُ بِهَا ــ [التلويح] الْآيَةَ، فَإِذَا كَانَ الْعَجْزُ عَلَامَةً فِي حَقِّ رَدِّ الشَّهَادَةِ فَكَذَا فِي حَقِّ الْجَلْدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْجَلْدُ عَلَى الْعَجْزِ لَا سِيَّمَا أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ [النور: ٤] عَطْفٌ عَلَى: ﴿يَرْمُونَ﴾ [النور: ٤] فَيَكُونُ شَرْطًا مِثْلَهُ كَمَا إذَا قِيلَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، ثُمَّ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ كَانَ تَكَلُّمُ زَيْدٍ شَرْطًا لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ جَمِيعًا مِثْلَ الدُّخُولِ فِي الدَّارِ، فَلَوْ جَعَلَ مُجَرَّدَ الدُّخُولِ شَرْطًا فِي حَقِّ الْعِتْقِ لَزِمَ إلْغَاءُ الشَّرْطِ الثَّانِي فِي حَقِّهِ قُلْنَا لَوْ سَلِمَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: وَلَا تَقْبَلُوا عَطْفٌ عَلَى: فَاجْلِدُوهُمْ لَا عَلَى مَجْمُوعِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، فَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْعَجْزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَغْوًا فِي حَقِّ رَدِّ الشَّهَادَةِ لِمَا لَاحَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ فِي حَقِّهِ عَلَامَةٌ لَا شَرْطٌ حَقِيقِيٌّ، وَفِي حَقِّ الْجَلْدِ شَرْطٌ لَا عَلَامَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقَذْفَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرَةٌ فَيَكْفِي فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ. وَتَقَدُّمُ الْجَلْدِ عَلَى الْعَجْزِ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ شَرْطًا. (قَوْلُهُ: قُلْنَا) يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَذْفَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ بَلْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةً فَيَكُونَ فِسْقًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى مَنْعًا لِلْفَاحِشَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرَةً وَفَاحِشَةً لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مَقْبُولَةً أَصْلًا. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا احْتَمَلَ الْحِسْبَةَ، وَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً مَحْضَةً كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ. قُلْنَا: هُوَ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حِسْبَةً إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا إلَّا أَنْ يُوجَدَ الشُّهُودُ فِي الْبَلَدِ، فَإِذَا مَضَى زَمَانٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ، وَهُوَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ الْمَجْلِسُ الثَّانِي فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَلَمْ يُحْضِرْهُمْ صَارَ الْقَذْفُ كَبِيرَةً مُقْتَصِرَةً عَلَى الْحَالِ لَا مُسْتَنِدَةً إلَى الْأَصْلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَذْفٌ وَلَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ إلَّا

стр. 729

يَثْبُتُ مَا كَانَ تَبَعًا لَهَا. لَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ شَرْطٌ لِلطَّلَاقِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُودُ فَيُشْتَرَطُ لِإِثْبَاتِهِ) أَيْ لِإِثْبَاتِ الشَّرْطِ (مَا يُشْتَرَطُ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ) ، وَهُوَ الطَّلَاقُ (كَمَا فِي الْعِلَّةِ) فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ مَا يُشْتَرَطُ لِإِثْبَاتِ حُكْمِهَا. (عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ ضَرُورِيَّةٌ، فَلَا تَتَعَدَّى) أَيْ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا تُقْبَلُ إلَّا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ، فَلَا تَتَعَدَّى عَنْهُ إلَى مَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ. (كَمَا فِي شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى ثِيَابَةِ أَمَةٍ بِيعَتْ عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ) فِي حَقِّ الرَّدِّ فَإِنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ لَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَتْ مَقْبُولَةً فِي حَقِّ الْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ فَكَذَا هُنَا (بَلْ يُحَلَّفُ الْبَائِعُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ الْعِفَّةُ وَالْقَذْفُ كَبِيرَةٌ، ثُمَّ الْعَجْزُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يُعَرِّفُ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنَهَا كَبِيرَةً أَيْ يَتَبَيَّنُ بِالْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْقَذْفَ حِينَ وُجِدَ كَانَ كَبِيرَةً (لَا أَنَّهُ يَصِيرُ كَبِيرَةً عِنْدَ الْعَجْزِ فَيَكُونُ الْعَجْزُ عَلَامَةً لِجِنَايَةٍ فَيَثْبُتُ سُقُوطُ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ــ [التلويح] أَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِمْ لِمَوْتِهِمْ، أَوْ غَيْبَتِهِمْ، أَوْ امْتِنَاعِهِمْ عَنْ الْأَدَاءِ، وَإِذَا كَانَ ثُبُوتُ الْفِسْقِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ مُقْتَصِرًا عَلَى حَالِ الْعَجْزِ كَانَ الْعَجْزُ شَرْطًا لَا عَلَامَةً. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْقَذْفُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالْجِنَايَةِ فَكَمَا اُعْتُبِرَ جِهَةُ الْجِنَايَةِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَقْذُوفِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ جِهَةُ الْحِسْبَةِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْقَاذِفِ. قُلْنَا: قَدْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي أَنَّهُ إنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ قَبْلَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَهُ بَطَلَ رَدُّ شَهَادَةِ الْقَذْفِ وَصَارَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ لَكِنْ لَمْ يُقَمْ الْحَدُّ عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ التَّقَادُمِ فَأَشَارَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَفَوَّضَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى رَأْيِ الْقَاضِي فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ. [بَابُ الْمَحْكُوم بِهِ] (قَوْلُهُ بَابُ الْمَحْكُومِ بِهِ وَهُوَ) الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الشَّارِعِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ حِسًّا أَيْ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْوَاقِعِ بِحَيْثُ يُدْرَكُ بِالْحِسِّ أَوْ بِالْعَقْلِ إذْ الْخِطَابُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يَكُونُ لَهُ وُجُودٌ أَصْلًا وَالْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الْحِسِّيِّ مَا يَعُمُّ مُدْرَكَاتِ الْعَقْلِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِيَدْخُلَ فِيهِ مِثْلُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَالنِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ ثُمَّ مَعَ وُجُودِهِ الْحِسِّيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ أَوْ لَا وَكُلٌّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ لَا وَمَعْنَى الْوُجُودِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّارِعُ أَرْكَانًا وَشَرَائِطَ يَحْصُلُ مِنْ اجْتِمَاعِهَا مَجْمُوعٌ مُسَمًّى بِاسْمٍ خَاصٍّ يُوجَدُ بِوُجُودِ تِلْكَ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا كَالصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ وَمَعْنَى سَبَبِيَّةِ الْفِعْلِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ ذَلِكَ الْفِعْلَ بِالتَّعْيِينِ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ صِفَةٌ لِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ كَالزِّنَا لِوُجُوبِ الْحَدِّ أَوْ أَثَرٌ لَهُ كَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْهُ بِالتَّعْيِينِ سَبَبًا لِبُطْلَانِ الصَّوْمِ مَثَلًا بَلْ جَعَلَ الْإِمْسَاكَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّوْمِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُهُ بِانْتِفَائِهِ ثُمَّ مَا لَهُ

стр. 730

سَابِقٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَمُجَرَّدُ الْقَذْفِ يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ لَمْ يُجْلَدْ، وَعِنْدَنَا لَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ بَلْ إنَّمَا تَسْقُطُ إذَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْجَلْدُ. (بِخِلَافِ الْجَلْدِ إذْ هُوَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ) أَيْ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْجَلْدِ سَابِقًا عَنْ الْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا مَرَدَّ لَهُ فَإِنْ أُقِيمَ الْجَلْدُ قَبْلَ الْعَجْزِ فَرُبَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يُمْكِنُ سَبْقُهُ فَإِنْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ يَظْهَرُ أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَانَ ثَابِتًا حِينَ الْقَذْفِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَجْزُ يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ وَكَانَ صَادِقًا فِي ذَلِكَ الْقَذْفِ. (قُلْنَا الْقَذْفُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ كَبِيرَةً فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ مَقْبُولَةٌ حِسْبَةً) أَيْ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى، (وَهُوَ) أَيْ الْقَذْفُ (لَا يَحِلُّ إلَى أَنْ يُوجَدَ الشُّهُودُ، فَإِذَا مَضَى زَمَانٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ إحْضَارِهِمْ، وَلَمْ يُحْضِرْهُمْ صَارَ كَبِيرَةً فَيَكُونُ الْعَجْزُ شَرْطًا) أَيْ لِرَدِّ الْقَاضِي شَهَادَةَ الرَّامِي (وَالْعِفَّةُ أَصْلٌ لَكِنْ لَا تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ رَدِّ الشَّهَادَةِ) ــ [التلويح] وُجُودٌ شَرْعِيٌّ إنْ وُجِدَ بِجَمِيعِ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ مَعَ أَوْصَافٍ أُخَرَ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا ذَاتِيَّةٌ لَهَا فَهُوَ صَحِيحٌ بِالْأَصْلِ وَالْوَصْفِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالصَّحِيحِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ وُجِدَتْ الْأَرْكَانُ وَالشَّرَائِطُ دُونَ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ الْغَيْرِ الذَّاتِيَّةِ كَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ يُسَمَّى فَاسِدًا مِنْ قَوْلِهِمْ فَسَدَ الْجَوْهَرُ إذَا ذَهَبَ رَوْنَقُهُ وَطَرَاوَتُهُ وَبَقِيَ أَصْلُهُ وَإِنْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ يُسَمَّى بَاطِلًا كَبَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ لِانْتِفَاءِ الرُّكْنِ وَكَالنِّكَاحِ بِلَا شُهُودٍ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَكَثِيرًا مَا يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ كَمَا قَالُوا: بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ فَاسِدٌ أَيْ بَاطِلٌ وَأَطْلَقُوا عَلَى الْبَيْعِ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ تَارَةً لَفْظَ الْفَاسِدِ وَأُخْرَى لَفْظَ الْبَاطِلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْمَحْكُومُ بِهِ إمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى) الْمُرَادُ بِحَقِّ اللَّهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِأَحَدٍ فَيُنْسَبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِعِظَمِ خَطَرِهِ وَشُمُولِ نَفْعِهِ وَإِلَّا فَبِاعْتِبَارِ التَّخْلِيقِ الْكُلُّ سَوَاءٌ فِي الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وَبِاعْتِبَارِ التَّضَرُّرِ أَوْ الِانْتِفَاعِ هُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الْكُلِّ وَمَعْنَى حَقِّ الْعَبْدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ كَحُرْمَةِ مَالِ الْغَيْرِ فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ قِسْمٌ آخَرُ اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ عَلَى التَّسَاوِي فِي اعْتِبَارِ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَثَمَانِيَةٌ: عِبَادَاتٌ خَالِصَةٌ كَالْإِيمَانِ) وَعُقُوبَاتٌ خَالِصَةٌ كَالْحُدُودِ وَقَاصِرَةٌ كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ وَحُقُوقٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَالْكَفَّارَاتِ وَعِبَادَاتٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَمُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ كَالْعُشْرِ وَمُؤْنَةٌ فِيهَا شُبْهَةُ الْعُقُوبَةِ كَالْخَرَاجِ وَحَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ كَخُمْسِ الْغَنَائِمِ وَذَلِكَ بِحُكْمِ

стр. 731

لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْأَصْلَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلْإِثْبَاتِ بَلْ لِلدَّفْعِ فَقَطْ. (ثُمَّ إنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ) عَلَى الزِّنَا مِنْ غَيْرِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ (بَعْدَمَا جُلِدَ يَبْطُلُ رَدُّ شَهَادَتِهِ وَيُحَدُّ الزَّانِي وَإِنْ تَقَادَمَ الْعَهْدُ) أَيْ إنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا بَعْدَمَا جُلِدَ الرَّامِي لَكِنْ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ (يُبْطِلُ الرَّدَّ) أَيْ رَدَّ شَهَادَةِ الرَّامِي (وَلَا يُثْبِتُ الْحَدَّ) أَيْ حَدَّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ تَقَادُمَ الْعَهْدِ صَارَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ. (بَابُ الْمَحْكُومُ بِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ مَا لَيْسَ لَهُ إلَّا وُجُودٌ حِسِّيٌّ وَمَا لَهُ وُجُودٌ آخَرُ شَرْعِيٌّ فَالْأَوَّلُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُكْمٍ آخَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالزِّنَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَهُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ، وَكَالْأَكْلِ، وَنَحْوِهِ، وَكَذَا الثَّانِي كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، وَهُوَ سَبَبٌ لِحُكْمٍ آخَرَ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَكَالصَّلَاةِ) الْمَحْكُومُ بِهِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ قِسْمَانِ: مَا لَيْسَ لَهُ إلَّا وُجُودٌ حِسِّيٌّ كَالزِّنَا، وَالْأَكْلِ، وَنَحْوِهِ، وَمَا لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ مَعَ الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ فَالْمَحْكُومُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَبَعْدَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ آخَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَحَصَلَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَا لَيْسَ لَهُ إلَّا وُجُودٌ حِسِّيٌّ ــ [التلويح] الِاسْتِقْرَاءِ. (قَوْلُهُ وَكُلٌّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِيمَانِ وَفُرُوعِهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَصْلِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ وَالزَّوَائِدِ بِمَعْنَى أَنَّ فِي جُمْلَةِ الْفُرُوعِ أَصْلًا وَمُلْحَقًا بِهِ وَزَوَائِدَ لَا بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفُرُوعِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالْمُرَادُ بِالْفُرُوعِ مَا سِوَى الْإِيمَانِ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِابْتِنَائِهَا عَلَى الْإِيمَانِ وَاحْتِيَاجِهَا إلَيْهِ ضَرُورَةً أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِاَللَّهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ وَكَوْنُ الطَّاعَاتِ مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ وَزَوَائِدِهِ لَا يُنَافِي كَوْنَهَا فِي نَفْسِهَا مِمَّا لَهُ أَصْلٌ، وَمُلْحَقٌ بِهِ، وَزَوَائِدُ، فَأَصْلُ الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَعْنَى إذْعَانِ الْقَلْبِ، وَقَبُولِهِ لِوُجُودِ الصَّانِعِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِهِ، وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵇، وَجَمِيعِ مَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ بِالضَّرُورَةِ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَى الْإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ إلَّا أَنَّهُ قُيِّدَ بِأَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ» الْحَدِيثَ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَإِنَّمَا الِاخْتِصَاصُ فِي الْمُؤْمِنِ بِهِ فَمَعْنَى التَّصْدِيقِ هُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بكر يَثْلُغُوا يُفَضِّلُهُ مَطْرَقُ داشتن، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ أَحَدَ قِسْمَيْ الْعِلْمِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ رَئِيسُهُمْ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ السَّلَفُ بِالِاعْتِقَادِ، وَالْمَعْرِفَةِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ كَانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﵇ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وَيَسْتَيْقِنُونَ أَمْرَهُ لَا أَنَّهُمْ اسْتَكْبَرُوا، وَلَمْ يُذْعِنُوا فَلَمْ يَكُونُوا مُصَدِّقِينَ، وَالْمُلْحَقُ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ لِكَوْنِهِ تَرْجَمَةً عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، وَدَلِيلًا عَلَى تَصْدِيقِ الْقَلْبِ، وَلَيْسَ بِأَصْلٍ لِأَنَّ مَعْدِنَ التَّصْدِيقِ هُوَ الْقَلْبُ، وَلِهَذَا قَدْ يَسْقُطُ الْإِقْرَارُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ كَمَا فِي الْأَخْرَسِ أَوْ تَعَسُّرِهِ كَمَا فِي الْمُكْرَهِ، وَكَوْنُ الْإِقْرَارِ رُكْنًا مِنْ الْإِيمَانِ

стр. 732

وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَسَبَبٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ آخَرَ كَالزِّنَا فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَسَبَبٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَالثَّانِي مَا لَيْسَ لَهُ إلَّا وُجُودٌ حِسِّيٌّ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَكِنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَالْأَكْلِ أَمَّا كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَلِأَنَّ الْأَكْلَ تَارَةً وَاجِبٌ، وَأُخْرَى حَرَامٌ، وَالثَّالِثُ مَا لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَسَبَبٌ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، وَسَبَبٌ لِلْمِلْكِ وَالرَّابِعُ مَا لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ، وَمُتَعَلِّقٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَلَيْسَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَالصَّلَاةِ (وَالْوُجُودُ الشَّرْعِيُّ بِحَسَبِ أَرْكَانٍ وَشَرَائِطَ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فَإِنْ وُجِدَتْ فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا الْأَوْصَافُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا الْغَيْرُ الذَّاتِيَّةُ يُسَمَّى صَحِيحًا، وَإِلَّا فَاسِدًا) أَيْ أَنْ لَمْ يَحْصُلْ مَعَهَا الْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ يُسَمَّى فَاسِدًا (وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ) أَيْ الْأَرْكَانُ، وَالشَّرَائِطُ (يُسَمَّى بَاطِلًا وَالْفَاسِدُ صَحِيحٌ بِأَصْلِهِ دُونَ وَصْفِهِ فَأَمَّا الصَّحِيحُ الْمُطْلَقُ فَيُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ) أَيْ مَا وُجِدَتْ الْأَرْكَانُ، وَالشَّرَائِطُ، وَحَصَلَتْ الْأَوْصَافُ الْمَذْكُورَةُ. (ثُمَّ الْمَحْكُومُ بِهِ إمَّا حُقُوقُ اللَّهِ أَوْ حُقُوقُ الْعِبَادِ أَوْ مَا اجْتَمَعَا فِيهِ وَالْأَوَّلُ غَالِبٌ أَوْ مَا اجْتَمَعَا ــ [التلويح] مُلْحَقًا بِأَصْلِهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَالْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَحْدَهُ، وَالْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى لَوْ صَدَّقَ بِالْقَلْبِ، وَلَمْ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ كَانَ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَوْفَقُ بِاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ إلَّا أَنَّ فِي عَمَلِ الْقَلْبِ خَفَاءً فَنِيطَتْ الْأَحْكَامُ بِدَلِيلِهِ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَا لِابْتِنَائِهَا عَلَى الظَّاهِرِ حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ الْحَرْبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ فَأَقَرَّ صَحَّ إيمَانُهُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا مَعَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُؤْمِنُ عَلَى الرِّدَّةِ أَيْ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَتَكَلَّمَ بِهَا لَمْ يَصِرْ مُرْتَدًّا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ دَلِيلُ الْكُفْرِ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ، وَهُوَ الْإِكْرَاهُ، وَرُكْنُهُ إنَّمَا هُوَ تَبَدُّلُ الِاعْتِقَادِ، وَزَوَائِدُ الْإِيمَانِ هِيَ الْأَعْمَالُ لِمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَا إيمَانَ بِدُونِ الْأَعْمَالِ نَفْيًا لِصِفَةِ الْكَمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْإِيمَانِ، وَمُكَمِّلَاتِهِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَالْأَصْلُ فِيهَا الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ، وَتَالِيَةُ الْإِيمَانِ شُرِعَتْ شُكْرًا لِلنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَأَفْعَالِ الْقَلْبِ، وَالْمُلْحَقُ بِهِ الصَّوْمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ خَالِصَةٌ فِيهَا تَطْوِيعُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِخِدْمَةِ خَالِقِهَا، لَا مَقْصُودَةٌ بِالذَّاتِ وَزَوَائِدُهَا مِثْلُ الِاعْتِكَافِ الْمُؤَدِّي إلَى تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ، وَتَكْثِيرِ الصَّلَاةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِالِانْتِظَارِ عَلَى شَرِيطَةِ الِاسْتِعْدَادِ. (قَوْلُهُ وَعِبَادَةٌ فِيهَا مُؤْنَةٌ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ) ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ جِهَةَ الْمُؤْنَةِ فِيهَا هِيَ وُجُوبُهَا عَلَى الْإِنْسَانِ بِسَبَبِ رَأْسِ الْغَيْرِ كَالنَّفَقَةِ،

стр. 733

فِيهِ، وَالثَّانِي غَالِبٌ أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَثَمَانِيَةُ عِبَادَاتٍ خَالِصَةٍ كَالْإِيمَانِ، وَفُرُوعِهِ، وَكُلِّ مُشْتَمِلٍ عَلَى الْأَصْلِ، وَالْمُلْحَقِ بِهِ، وَالزَّوَائِدِ فَالْإِيمَانُ أَصْلُهُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ مُلْحَقٌ بِهِ حَتَّى إنَّ مَنْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِنْدَ النَّاسِ، وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ عُلَمَائِنَا أَمَّا عِنْدَ الْبَعْضِ فَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي حَقِّهَا) أَيْ الْإِقْرَارُ أَصْلٌ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ (اتِّفَاقًا حَتَّى صَحَّ إيمَانُ الْمَكْرُوهِ فِي حَقِّ الدُّنْيَا، وَلَا يَصِحُّ رِدَّتُهُ لِأَنَّ الْأَدَاءَ دَلِيلٌ مَحْضٌ لَا رُكْنٌ، وَزَوَائِدُ الْإِيمَانِ الْأَعْمَالُ، وَعِبَادَةٌ فِيهَا مُؤْنَةٌ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ، وَمُؤْنَةٌ فِيهَا عُقُوبَةٌ كَالْخَرَاجِ فَلَا يُبْتَدَأُ عَلَى الْمُسْلِمِ لَكِنَّهُ يَبْقَى لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْخَرَاجَ (لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ) أَيْ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْمُؤْنَةِ (لَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْأَوَّلَ) ، وَهُوَ الْمُؤْنَةُ (غَالِبٌ) عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ مُؤْنَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْأَرْضُ عُقُوبَةً ــ [التلويح] وَجِهَاتُ الْعِبَادَةِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ تَسْمِيَتِهَا صَدَقَةً وَكَوْنِهَا طُهْرَةً لِلصَّائِمِ، وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي أَدَائِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَمَارَاتِ الْعِبَادَةِ وَلِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ لَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الْخَالِصَةِ فَوَجَبَتْ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ اعْتِبَارًا لِجَانِبِ الْمُؤْنَةِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ جَانِبَ الْعِبَادَةِ لِكَوْنِهَا أَرْجَحَ. (قَوْلُهُ وَمُؤْنَةٌ فِيهَا عُقُوبَةٌ) لَمَّا كَانَتْ الْمُؤْنَةُ فِي الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْأَرْضُ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي بَحْثِ السَّبَبِ، وَالْعِبَادَةُ وَالْعُقُوبَةُ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ، وَهُوَ النَّمَاءُ فِي الْعُشْرِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ فِي الْخَرَاجِ سُمِّيَا مُؤْنَةً فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَلَمَّا كَانَ فِي الْخَرَاجِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَالذُّلِّ، وَالْمُسْلِمُ أَهْلٌ لِلْكَرَامَةِ، وَالْعِزِّ لَمْ يَصِحَّ ابْتِدَاءُ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ طَوْعًا أَوْ قُسِمَتْ الْأَرَاضِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَصِحَّ وَضْعُ الْخَرَاجِ عَلَيْهِمْ لَكِنْ صَحَّ إبْقَاءُ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ مِنْ كَافِرٍ أَرَضَ خَرَاجٍ كَانَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لَا الْعُشْرُ لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ الْغَيْرِ اللَّائِقَةِ بِالْمُسْلِمِ وَالْمُؤْنَةِ اللَّائِقَةِ بِهِ لَمْ يَصِحَّ إبْطَالُهُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ جِهَةَ الْمُؤْنَةِ رَاجِحَةٌ فِيهِ لِكَوْنِهَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ أَعْنِي الْأَرْضَ، وَالْمُؤْمِنُ مِنْ أَهْلِ الْمُؤْنَةِ فَيَصِحُّ بَقَاءً، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ ابْتِدَاءً، وَلَمَّا كَانَ فِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَمْ يَصِحَّ ابْتِدَاءً عَلَى الْكَافِرِ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِي الْقُرْبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِأَنَّ فِي الْعُشْرِ ضَرْبَ كَرَامَةٍ، وَالْكُفْرُ مَانِعٌ عَنْهُ مَعَ إمْكَانِ الْخَرَاجِ كَمَا أَنَّ فِي الْخَرَاجِ ضَرْبَ إهَانَةٍ وَالْإِسْلَامُ مَانِعٌ عَنْهُ مَعَ إمْكَانِ الْعُشْرِ، وَأَمَّا بَقَاءً كَمَا إذَا مَلَكَ ذِمِّيٌّ أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَبْقَى عَلَى الْعُشْرِ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ الْأَرْضِ، وَالْكَافِرُ أَهْلٌ لِلْمُؤْنَةِ، وَمَعْنَى الْقُرْبَةِ تَابِعٌ فَيَسْقُطُ فِي حَقِّهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُضَاعَفُ الْعُشْرُ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُنَافٍ لِلْقُرْبَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِ الْعُشْرِ، وَالتَّضْعِيفُ تَغْيِيرٌ لِلْوَصْفِ فَقَطْ فَيَكُونُ أَسْهَلَ مِنْ إبْطَالِ الْعُشْرِ

стр. 734

بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ (وَمُؤْنَةٌ فِيهَا عِبَادَةٌ كَالْعُشْرِ فَلَا يُبْتَدَأُ عَلَى الْكَافِرِ لَكِنْ يَبْقَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَالْخَرَاجِ عَلَى السَّلَمِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُضَاعَفُ؛ لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ فِي الْعُشْرِ (مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يُنَافِي الْعُقُوبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيُضَاعَفُ) أَيْ الْعُشْرُ (إذْ هِيَ) أَيْ الْمُضَاعَفَةُ (أَسْهَلُ مِنْ الْإِبْطَالِ أَصْلًا) اعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَاسَ إبْقَاءَ الْعُشْرِ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى إبْقَاءِ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ فِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَيَجِبُ تَغْيِيرُ الْعُشْرِ أَمَّا الْخَرَاجُ فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يُنَافِي الْعُقُوبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَبْقَى الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِ قَوْلُهُ فَيُضَاعَفُ كَلِمَةُ التَّعْقِيبِ، وَهِيَ الْفَاءُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ، وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِ الْعُشْرِ، وَالْمُضَاعَفَةُ أَسْهَلُ ــ [التلويح] وَوُضِعَ الْخَرَاجُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفِ جَمِيعًا، وَالتَّضْعِيفُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَصَدَقَاتِ بَنِي تَغْلِبَ، وَمَا يَمُرُّ بِهِ الذِّمِّيُّ عَلَى الْعَاشِرِ لَا يُقَالُ فِيهِ تَضْعِيفٌ لِلْقُرْبَةِ، وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا لِأَنَّا نَقُولُ: بَعْدَ التَّضْعِيفِ صَارَ فِي حُكْمِ الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْكَفَّارَةِ، وَخَلَا عَنْ وَصْفِ الْقُرْبَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْقَلِبُ الْعُشْرُ خَرَاجًا لِأَنَّ الْعُشْرَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بِوَصْفِ الْقُرْبَةِ، وَالْكُفْرُ يُنَافِيهِ فَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ، وَالتَّضْعِيفُ أَمْرٌ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ تَعَذَّرَ إيجَابُ الْجِزْيَةِ أَوْ الْخَرَاجِ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَقُرْبِهِمْ مِنْ الرُّومِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ مَا هُوَ أَصْلٌ فِي الْكَافِرِ، وَهُوَ الْخَرَاجُ. (قَوْلُهُ: وَحَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ) أَيْ ثَابِتٌ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذِمَّةِ عَبْدٍ يُؤَدِّيهِ بِطَرِيقِ الطَّاعَةِ كَخُمْسِ الْغَنَائِمِ وَالْمَعَادِنِ فَإِنَّ الْجِهَادَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إعْزَازًا لِدِينِهِ، وَإِعْلَاءً لِكَلِمَتِهِ فَالْمُصَابُ بِهِ كُلُّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِلْغَانِمِينَ امْتِنَانًا وَاسْتَبْقَى الْخُمْسَ حَقًّا لَهُ لَا حَقًّا لَزِمَنَا أَدَاؤُهُ طَاعَةً، وَكَذَا الْمَعَادِنُ، وَلِهَذَا جَازَ صَرْفُ خُمْسِ الْمَغْنَمِ إلَى الْغَانِمِينَ، وَإِلَى آبَائِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ وَخُمْسِ الْمَعْدِنِ إلَى الْوَاجِدِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. (قَوْلُهُ: وَقَاصِرَةٌ كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ) فَإِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمَقْتُولِ ثُمَّ إنَّهُ عُقُوبَةٌ لِلْقَاتِلِ لِكَوْنِهِ غُرْمًا لَحِقَهُ بِجِنَايَتِهِ حَيْثُ حُرِّمَ مَعَ عِلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ الْقُرَابَةُ لَكِنَّهَا قَاصِرَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَائِلَ لَمْ يَلْحَقْهُ أَلَمٌ فِي بَدَنِهِ وَلَا نُقْصَانٌ فِي مَالِهِ بَلْ امْتَنَعَ ثُبُوتُ مِلْكِهِ فِي تَرِكَةِ الْمَقْتُولِ، وَلَمَّا كَانَ الْحِرْمَانُ عُقُوبَةً، وَجَزَاءً لِلْقَتْلِ أَيْ لِمُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَتَّصِلَ فِعْلُهُ بِالْمَقْتُولِ، وَيَحْصُلُ أَثَرُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الْفِعْلِ حَيْثُ قَالَ: لَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ إذَا قَتَلَ مُوَرِّثَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يُوصَفُ بِالْحَظْرِ، وَالتَّقْصِيرِ لِعَدَمِ الْخِطَابِ، وَالْجَزَاءُ يَسْتَدْعِي ارْتِكَابَ مَحْظُورٍ، وَلَا فِي الْقَتْلِ بِالسَّبَبِ بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ

стр. 735

مِنْ الْإِبْطَالِ فَيُضَاعَفُ إذْ هِيَ فِي حَقِّهِ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْقَلِبُ خَرَاجًا إذْ التَّضْعِيفُ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ) ، وَهُوَ الْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الطَّائِفَةَ كُفَّارٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَلَا يَكُونُونَ فِي حُكْمِهِمْ (وَحَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ) أَيْ لَا يَجِبُ فِي ذِمَّةِ أَحَدٍ (كَخُمْسِ الْغَنَائِمِ، وَالْمَعَادِنِ، وَعُقُوبَاتٌ كَامِلَةٌ كَالْحُدُودِ، وَقَاصِرَةٌ كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ بِالْقَتْلِ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْبَالِغُ الْخَاطِئُ مُقَصِّرٌ فَلَزِمَهُ الْجَزَاءُ الْقَاصِرُ وَلَا فِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ) أَيْ لَا يَثْبُتُ حِرْمَانُ ــ [التلويح] مِلْكِهِ فَوَقَعَ فِيهَا مُوَرِّثُهُ، وَهَلَكَ أَوْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالْقَتْلِ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَ هُوَ عَنْ شَهَادَتِهِ فَإِنَّ السَّبَبَ لَيْسَ بِقَتْلٍ حَقِيقَةً، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ عَلَى الْحَفْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي مَعْنَى السَّبَبِ أَيْ الْعِلَّةِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ الْحِرْمَانُ بِدُونِ التَّقْصِيرِ كَمَنْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ خَطَأً فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَالِغَ الْخَاطِئَ يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْخِطَابِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ حُكْمَ الْخَطَأِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَفَضُّلًا مِنْهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ فِي الْقَتْلِ لِعِظَمِ خَطَرِ الدَّمِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الْكَفَّارَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ضَمَانُ الْمُتْلَفِ، وَلَا فَرْقَ فِي التَّلَفِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ، وَالتَّسَبُّبِ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفِ لَا يَصِحُّ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُ خُسْرَانٌ مُحْتَاجٌ إلَى جَبْرِهِ بَلْ الضَّمَانُ فِي حُقُوقِهِ جَزَاءٌ لِلْفِعْلِ قَتْلُ الْمُرَادِ بِالْمُتْلَفِ هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ الْفَائِتِ بِفِعْلٍ يُضَادُّهُ كَالِاسْتِعْبَادِ الْفَائِتِ بِالْقَتْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُتْلَفِ هُوَ الْمَحَلُّ أَمَّا فِي الْقَتْلِ فَلِأَنَّ ضَمَانَهُ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْعِبَادَةُ غَالِبَةٌ فِي الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّهَا صَوْمٌ أَوْ إعْتَاقٌ أَوْ صَدَقَةٌ يُؤْمَرُ بِهَا بِطَرِيقِ الْفَتْوَى دُونَ الْجَبْرِ، وَاسْتَثْنَى الْقَوْمُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ فَإِنَّ جِهَةَ الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبَةٌ مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» فَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوا التَّشْبِيهَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ جِهَةِ الْعُقُوبَةِ غَالِبَةً لَزِمَ أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ أَيْضًا كَذَلِكَ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَتَكُونُ جِهَةُ الْجِنَايَةِ غَالِبَةً فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ فِي جَزَائِهَا جِهَةُ الْعُقُوبَةِ غَالِبَةً، وَهَذَا فَاسِدٌ نَقْلًا وَحُكْمًا وَاسْتِدْلَالًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السَّلَفَ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ جِهَةَ الْعِبَادَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ غَالِبَةٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مِنْ حُكْمِ مَا تَكُونُ الْعُقُوبَةُ فِيهِ غَالِبَةٌ أَنْ يَسْقُطَ، وَيَتَدَاخَلَ كَكَفَّارَةِ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِرَارًا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا فِي رَمَضَانَيْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ، وَلَا تَدْخُلُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ لَزِمَهُ بِكُلِّ إظْهَارٍ كَفَّارَةٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الظِّهَارِ مُنْكَرَ الْقَوْلِ وَزُورًا

стр. 736

الْمِيرَاثِ فِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ كَحَفْرِ الْبِئْرِ، وَنَحْوِهِ. (وَالشَّاهِدُ إذَا رَجَعَ) أَيْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالْقَتْلِ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَ هُوَ عَنْ شَهَادَتِهِ لَمْ يُحْرَمْ مِيرَاثَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ حِرْمَانَ الْإِرْثِ (جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ، وَحُقُوقٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ، وَالْعُقُوبَةُ كَالْكَفَّارَاتِ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَبِّبِ) كَحَافِرِ الْبِئْرِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْكَفَّارَاتِ (جَزَاءُ الْفِعْلِ، وَالصَّبِيِّ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَاتُ عَلَى الصَّبِيِّ (لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِمَا) أَيْ فِي السَّبَبِ وَالصَّبِيِّ (لِأَنَّهَا عِنْدَهُ ضَمَانُ الْمُتْلَفِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا الْكَافِرِ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَاتُ عَلَى الْكَافِرِ (لِوَصْفِ الْعِبَادَةِ، وَهِيَ) أَيْ الْعِبَادَةُ (فِيهَا غَالِبَةٌ) أَيْ فِي الْكَفَّارَاتِ ــ [التلويح] إنَّمَا يَصْلُحُ جِهَةً لِكَوْنِهِ جِنَايَةً عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ لِلطَّلَاقِ، وَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ لِلْكَرَامَةِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ قُصُورٌ فِي الْجِنَايَةِ فَيَصْلُحُ لِإِيجَابِ الْحُقُوقِ الدَّائِرَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ جَزَاؤُهُ عُقُوبَةً مَحْضَةً وَأَيْضًا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الظِّهَارُ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْعَوْدُ الَّذِي هُوَ إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَقْضٌ لِلْقَوْلِ الزُّورِ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَطَفَ الْعَوْدَ عَلَى الظِّهَارِ ثُمَّ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ جُوِّزَ أَدَاؤُهَا قَبْلَ الْعَوْدِ لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ إنْهَاءً لِلْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالظِّهَارِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْفِعْلِ لِتَنْتَهِيَ الْحُرْمَةُ بِهَا فَيَقَعَ الْفِعْلُ بِصِفَةِ الْحِلِّ، وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْمَعْنِيَّةِ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ فِي جَعْلِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ الَّتِي حُكْمُهَا تَكْفِيرُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِذْهَابُ السَّيِّئَةِ خُصُوصًا إذَا صَارَ مَعْنَى الزَّجْرِ فِيهَا مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ تُجْعَلَ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا مَعَ حُكْمِهَا الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ الْمُوصِلُ إلَى الْجَنَّةِ تَصِيرُ مِنْ أَحْكَامِ الْمَعْصِيَةِ فَتَصِيرُ الْمَعْصِيَةُ بِوَاسِطَةِ حُكْمِهَا سَبَبًا لِلْوُصُولِ إلَى الْجَنَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُونَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ، وَغَيْرِهَا أَنَّ دَاعِيَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ قَوِيَّةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ شَهْوَةَ الْبَطْنِ أَمْرٌ مُعَوَّدٌ لِلنَّفْسِ اُحْتِيجَ فِيهَا إلَى زَاجِرٍ فَوْقَ مَا فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ فَصَارَ الزَّجْرُ فِيهَا أَصْلًا، وَالْعِبَادَةُ تَبَعًا فَإِنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى الْإِفْطَارِ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ فَتَأَمَّلَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ انْزَجَرَ لَا مَحَالَةَ وَفِي بَاقِي الْكَفَّارَاتِ بِالْعَكْسِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ، وَأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ شُرِعَتْ فِيمَا يُنْدَبُ إلَى تَحْصِيلِ مَا تَعَلَّقَتْ الْكَفَّارَةُ بِهِ تَعَلُّقَ الْأَحْكَامِ بِالْعِلَلِ، وَهُوَ الْعَوْدُ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ شُرِعَتْ فِيمَا يَجِبُ تَحْصِيلُ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ تَعَلُّقَ الْأَحْكَامِ بِالشُّرُوطِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ أَبَاهُ، وَشُرِعَ الزَّاجِرُ فِيمَا يُنْدَبُ أَوْ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ) يَعْنِي أَنَّ الْعُقُوبَةَ غَالِبَةٌ فِيهِ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» فَعَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ كَوْنِ الْعُقُوبَةِ غَالِبَةً فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَقِيلَ: وَجْهُهُ أَنَّهُ قَيَّدَ الْإِفْطَارَ بِصِفَةِ التَّعَمُّدِ الَّذِي بِهِ

стр. 737

(إلَّا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) فَإِنَّ وَصْفَ الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبَةٌ (لِأَنَّهُ) أَيْ الظِّهَارَ (مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ، وَكَذَا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ) أَيْ وَصْفُ الْعُقُوبَةِ غَالِبَةٌ فِيهَا (لِقَوْلِهِ ﵇ «فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» ) ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْخَاطِئِ، وَلِأَنَّ الْإِفْطَارَ عَمْدًا لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ ثُمَّ وَرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّ الْإِفْطَارَ عَمْدًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ عُقُوبَةً مَحْضَةً فَلِدَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ: (لَكِنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ حَقًّا لَيْسَ مُسَلَّمًا إلَى صَاحِبِهِ مَا دَامَ فِيهِ) فَلَا يَكُونُ الْإِفْطَارُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ بَلْ هُوَ مَنْعٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَأَوْجَبْنَا الزَّاجِرَ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ (عُقُوبَةٌ وُجُوبًا، وَعِبَادَةٌ أَدَاءً وَقَدْ وَجَدْنَا فِي الشَّرْعِ مَا هَذَا شَأْنُهُ) أَيْ مَا يَكُونُ عُقُوبَةً وُجُوبًا ــ [التلويح] تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الْعُقُوبَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ. الثَّانِي الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ خَطَأً بِأَنْ سَبَقَ الْمَاءُ حَلْقَهُ فِي الْمَضْمَضَةِ فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي سَبَبِهَا كَمَالُ الْجِنَايَةِ لَمَا سَقَطَتْ بِالْخَطَأِ كَكَفَّارَةِ الْخَطَأِ، وَفِي كَمَالِ الْجِنَايَةِ كَمَالُ الْعُقُوبَةِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِفْطَارِ عَمْدًا شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ بِوَجْهٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِنَايَتَهُ كَامِلَةً حَتَّى كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَفَّارَتُهُ عُقُوبَةً مَحْضَةً إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَنْعًا عَنْ تَسْلِيمِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ لَا إبْطَالًا لِلْحَقِّ الثَّابِتِ إذْ لَا تُتَصَوَّرُ الْجِنَايَةُ بِالْإِفْطَارِ بَعْدَ التَّمَامِ تَحَقَّقَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قُصُورُ مَا فِي الْجِنَايَةِ فَلَمْ يُجْعَلْ الزَّاجِرُ عُقُوبَةً مَحْضَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ مُتَقَارِبَةٌ جِدًّا. (قَوْلُهُ: وَهِيَ: أَيْ الْكَفَّارَاتُ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا) بِمَعْنَى أَنَّهَا وَجَبَتْ أَجِزْيَةً لِأَفْعَالٍ يُوجَدُ فِيهَا مَعْنَى الْخَطَرِ كَالْعُقُوبَاتِ، وَعِبَادَةِ أَدَاءً بِمَعْنَى أَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ، وَالْإِعْتَاقِ، وَالصَّدَقَةِ، وَهِيَ قُرَبٌ، وَتُؤَدَّى بِطَرِيقِ الْفَتْوَى كَالْعِبَادَاتِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْعُقُوبَاتِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ خَاصَّةً يَعْنِي أَنَّهَا وَجَبَتْ قَصْدًا إلَى الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ فِيهَا تَبَعٌ إذْ لَا مَعْنَى لِلزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ مَثَلًا، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. (قَوْلُهُ كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ) فَإِنَّ الْحُدُودَ وَاجِبَةٌ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَيُؤَدِّيهَا الْإِمَامُ عِبَادَةً لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِقَامَتِهَا، وَأَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَجِبَ الشَّيْءُ عِبَادَةً، وَقُرْبَةً، وَيَكُونَ أَدَاؤُهُ عُقُوبَةً لِلْمُكَلَّفِ، وَزَجْرًا فَلَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ. (قَوْلُهُ فَتَسْقُطُ) هَذِهِ تَفْرِيعَاتٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ غَالِبَةٌ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ إلَّا أَنَّ تَوَسُّطَ قَوْلِهِ وَهِيَ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا عِبَادَةٌ أَدَاءً مُخْرِجٌ لِلنَّظْمِ عَنْ نِظَامِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ لِلْكَفَّارَاتِ لَكِنَّا نَجْعَلُهُ لِكَفَّارَةِ الْفِطْرِ فَيَحْسُنُ النَّظْمُ وَيَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى لِلتَّفْرِيعِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ تَسْقُطُ بِشُبْهَةٍ تُورِثُ جِهَةَ إبَاحَةٍ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ

стр. 738

وَعِبَادَةً أَدَاءً (كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَلَمْ نَجِدْ عَلَى الْعَكْسِ أَيْ لَمْ نَجِدْ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ عُقُوبَةٌ أَدَاءً، وَعِبَادَةٌ وُجُوبًا) ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا لِمَنْ يَقُولُ لِمَ يُعْكَسُ (حَتَّى تَسْقُطَ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ عُقُوبَةٌ (وَبِشُبْهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمُنْفَرِدِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا رَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ وَقَضَى أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ شَعْبَانَ فَأَفْطَرَ بِالْوِقَاعِ عَامِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَتَسْقُطُ إذَا أَفْطَرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ مَرِضَتْ، وَكَذَا إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَمَا اجْتَمَعَا فِيهِ، وَالْأَوَّلُ غَالِبُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَمَا اجْتَمَعَا فِيهِ، وَالثَّانِي غَالِبُ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَخَالِصُ حَقِّ ــ [التلويح] الْجِنَايَةِ كَمَا إذَا جَامَعَ عَلَى ظَنِّ عَدَمِ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ، وَأَمَّا جِمَاعُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَكْلُ طَعَامِهِ فَلَا يُورِثُ شُبْهَةً فِي إبَاحَةِ الْإِفْطَارِ كَمَنْ قُتِلَ بِسَيْفِهِ أَوْ شُرِبَ خَمْرُهُ. الثَّانِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِشُبْهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا إذَا رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي فَرَدَّ شَهَادَتَهُ لِتَفَرُّدِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ فَصَامَ لِقَوْلِهِ ﵊ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» ثُمَّ أَفْطَرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَلَوْ بِالْجِمَاعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا نَافِذٌ ظَاهِرًا فَيُورِثُ شُبْهَةَ حِلِّ الْإِفْطَارِ إذْ لَوْ كَانَ نَافِذًا ظَاهِرًا، وَبَاطِنًا لَأَوْرَثَ حَقِيقَةَ الْحِلِّ، وَزَعْمُهُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَرُدُّ شَهَادَتَهُ خَطَأً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ شُبْهَةً كَمَا إذَا شَهِدُوا بِالْقِصَاصِ عَلَى رَجُلٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ فَقَتَلَهُ الْوَلِيُّ، وَهُوَ عَالِمٌ بِكَذِبِ الشُّهُودِ ثُمَّ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْوَلِيِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فِي حَقِّهِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَجَهْلُ الْغَيْرِ لَا يُورِثُ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ كَمَا إذَا شَرِبَ جَمَاعَةٌ عَلَى مَائِدَةٍ، وَعَلِمَ بِهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَفْطَرَتْ عَمْدًا حَتَّى لَزِمَهَا الْكَفَّارَةُ ثُمَّ حَاضَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ مَرِضَتْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْكَفَّارَةُ، وَكَذَا الرَّجُلُ إذَا أَفْطَرَ ثُمَّ مَرِضَ أَمَّا الْحَيْضُ فَلِأَنَّهُ يُعْدِمُ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ فَلِأَنَّهُ يُزِيلُ اسْتِحْقَاقَ الصَّوْمِ فَيَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ أَوْ اسْتِحْقَاقَهُ فَيَكُونُ شُبْهَةً. الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْإِفْطَارُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ السَّفَرَ الْمُبِيحَ فِي نَفْسِهِ يُورِثُ شُبْهَةً، وَأَمَّا إذَا أَنَشَأَ السَّفَرَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ فَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ الْحَيْضِ أَوْ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. قَوْلُهُ (وَمَا اجْتَمَعَا) أَيْ وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبٌ حَدَّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ زَاجِرٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى عَامَّةِ الْعِبَادِ، وَفِيهِ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَلِغَلَبَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ حَتَّى لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ، وَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ، وَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ، وَيُفَوَّضُ

стр. 739

اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَنْقَسِمُ إلَى أَصْلٍ، وَخَلَفٍ فَفِي الْإِيمَانِ أَصْلُهُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ ثُمَّ صَارَ خَلَفًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا) أَيْ صَارَ الْإِقْرَارُ الْمُجَرَّدُ قَائِمًا مَقَامَ الْأَصْلِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا (ثُمَّ صَارَ أَدَاءً أَحَدِ أَبَوِيِّ الصَّغِيرِ خَلَفًا عَنْ أَدَائِهِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ التَّبَعِيَّةُ إذَا وُجِدَ أَدَاؤُهُ) أَيْ لَمَّا كَانَ أَدَاؤُهُ أَصْلًا، وَأَدَاءُ الْأَبَوَيْنِ خَلَفًا فَإِذَا وُجِدَ الْأَصْلُ، وَهُوَ أَدَاءُ الصَّغِيرِ الْعَاقِلِ لَا تُعْتَبَرُ التَّبَعِيَّةُ فَيُحْكَمُ بِإِيمَانِهِ أَصَالَةً لَا بِكُفْرِهِ تَبَعِيَّةً (ثُمَّ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ، وَالْغَانِمِينَ خَلَفًا عَنْ أَدَاءِ أَحَدِهِمَا إذَا عَدِمَا) أَيْ إذَا عَدِمَ الْأَبَوَانِ (، وَكَذَا الطَّهَارَةُ وَالتَّيَمُّمُ لَكِنَّهُ) أَيْ التَّيَمُّمَ (خَلَفٌ مُطْلَقٌ عِنْدَنَا بِالنَّصِّ أَيْ إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) يَكُونُ التَّيَمُّمُ خَلَفًا عَنْ الْمَاءِ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ كَمَا يَجُوزُ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ (وَعِنْدَهُ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ) أَيْ ــ [التلويح] اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْإِمَامِ، وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ فِيهِ غَالِبٌ الْقِصَاصَ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْعَبْدِ حَقَّ الِاسْتِعْبَادِ، وَلِلْعَبْدِ حَقَّ الِاسْتِمْتَاعِ فَفِي شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ إبْقَاءٌ لِلْحَقَّيْنِ وَإِخْلَاءٌ لِلْعَالِمِ عَنْ الْفَسَادِ إلَّا أَنَّ وُجُوبَهُ بِطَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُنْبِئَةِ عَنْ مَعْنَى الْجَبْرِ وَفِيهِ مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ بِالْمَحَلِّ فَكَانَ حَقُّ الْعَبْدِ رَاجِحًا، وَلِهَذَا فُوِّضَ اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْوَلِيِّ، وَجَرَى فِيهِ الِاعْتِيَاضُ بِالْمَالِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا حَدُّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَخَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) قَطْعًا كَانَ أَوْ قَتْلًا لِأَنَّ سَبَبَهُ مُحَارَبَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ الْمُطْلَقُ بِمَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِمُقَابَلَةِ الْفِعْلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْحَدُّ قَتْلًا فَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَدٌّ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ دُونَ الْوَلِيِّ، وَلَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ حَيْثُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَتْلِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ) أَيْ بَعْدَ مَا صَارَ أَدَاءُ أَحَدِ أَبَوَيْ الصَّغِيرِ خَلَفًا عَلَى أَدَائِهِ صَارَ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ خَلَفًا عَنْ أَدَاءِ أَحَدِهِمَا أَيْ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ إذَا لَمْ يُوجَدْ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ صَارَتْ تَبَعِيَّةُ الْغَانِمِينَ خَلَفًا مَثَلًا إذَا سُبِيَ صَبِيٌّ فَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ بِنَفْسِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَاقِلًا فَهُوَ الْأَصْلُ وَإِلَّا فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَهُوَ تَبَعٌ لَهُ وَإِلَّا فَإِنْ أُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بَلْ قُسِمَ أَوْ بِيعَ مِنْ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ تَبَعٌ لِمَنْ سَبَاهُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَوْ مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ لَيْسَتْ التَّبَعِيَّةُ خَلَفًا عَنْ أَدَاءِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ بَلْ عَنْ أَدَاءِ الصَّبِيِّ نَفْسِهِ كَابْنِ الْمَيِّتِ خَلَفٌ عَنْهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَعِنْدَ عَدَمِهِ يَكُونُ ابْنُ الِابْنِ خَلَفًا عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ ابْنِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ لِلْخَلَفِ خَلَفٌ فَيَكُونَ الشَّيْءُ خَلَفًا وَأَصْلًا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا امْتِنَاعَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ وَخَلَفًا مِنْ وَجْهٍ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ أَيْ التَّيَمُّمُ خَلَفٌ مُطْلَقٌ) يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إلَى غَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] نَقَلَ الْحُكْمَ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ إلَى التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا عِنْدَ

стр. 740

التَّيَمُّمُ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَ الْعَجْزِ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ (حَتَّى لَمْ يَجُزْ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَقَالَ) أَيْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ (فِي إنَاءَيْنِ نَجِسٍ وَطَاهِرٍ يَتَحَرَّى وَلَا يَتَيَمَّمُ) فَيَتَوَضَّأُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ، وَلَا يَتَيَمَّمُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا (وَعِنْدَنَا يَتَيَمَّمُ إذَا ثَبَتَ الْعَجْزُ بِالتَّعَارُضِ) أَيْ بَيْنَ النَّجِسِ، وَالطَّاهِرِ، وَلَا احْتِيَاجَ إلَى الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ خَلَفٌ مُطْلَقٌ لَا ضَرُورِيٌّ. (ثُمَّ عِنْدَنَا التُّرَابُ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ) فَبَعْدَ حُصُولِ الطَّهَارَةِ كَانَ شَرْطُ الصَّلَاةِ مَوْجُودًا فِي كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ (فَيَجُوزُ إمَامَةُ الْمُتَيَمِّمِ لِلْمُتَوَضِّئِ) كَإِمَامَةِ الْمَاسِحِ لِلْغَاسِلِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ــ [التلويح] إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ فِي تَأْدِيَةِ الْفَرَائِضِ بِهِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ جَعَلَ التُّرَابَ خَلَفًا عَنْ الْمَاءِ فَحُكْمُ الْأَصْلِ إفَادَةُ الطَّهَارَةِ وَإِزَالَةُ الْحَدَثِ فَكَذَا حُكْمُ الْخَلَفِ إذْ لَوْ كَانَ لَهُ حُكْمٌ بِرَأْسِهِ لَمَا كَانَ خَلَفًا بَلْ أَصْلًا، وَإِنْ جَعَلَ التَّيَمُّمَ خَلَفًا عَنْ التَّوَضُّؤِ فَحُكْمُ التَّوَضُّؤِ إبَاحَةُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِوَاسِطَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِطَهَارَةٍ حَصَلَتْ بِهِ لَا مَعَ الْحَدَثِ فَكَذَا التَّيَمُّمُ إذْ لَوْ كَانَ خَلَفًا فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ مَعَ الْحَدَثِ لَكَانَ لَهُ حُكْمٌ بِرَأْسِهِ هُوَ الْإِبَاحَةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ فَلَمْ يَكُنْ خَلَفًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ خَلَفِيَّتُهُ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ، وَلَا أَدَاءُ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَمَّا قَبْلَ الْوَقْتِ فَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَمْ تَبِنْ، وَأَمَّا بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضٍ وَاحِدٍ فَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ انْعَدَمَتْ، وَحَتَّى قَالَ فِيمَنْ لَهُ إنَاءَانِ مِنْ الْمَاءِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ، وَقَدْ اشْتَبَهَا عَلَيْهِ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي، وَالِاجْتِهَادُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذْ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِدَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ التَّحَرِّي فَلَا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي لِأَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ بِالتَّعَارُضِ الْمُوجِبِ لِلتَّسَاقُطِ حَتَّى كَانَ الْإِنَاءَانِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، وَاعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ التَّحَرِّي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ آخَرُ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَأَمَّا إذَا وُجِدَ فَالتَّحَرِّي جَائِزٌ فَلِهَذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَيَّدَ جَوَازَ التَّحَرِّي فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ بِحَالَةِ السَّفَرِ أَيْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى مَاءٍ طَاهِرٍ بِيَقِينٍ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ التَّحَرِّي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلتَّيَمُّمِ بِدُونِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ خَلَفًا ضَرُورِيًّا أَوْ خَلَفًا مُطْلَقًا، وَلَا عَجْزَ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرِّي، وَلِذَا جُوِّزَ التَّيَمُّمُ فِيمَا إذَا تَحَيَّرَ فَتَفْرِيعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى كَوْنِ التَّيَمُّمِ خَلَفًا ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ ضَرُورَةَ إسْقَاطِ الْفَرْضِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي وَإِنْ أُرِيدَ
следующие страницы →