← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الْمِيرَاثِ فِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ كَحَفْرِ الْبِئْرِ، وَنَحْوِهِ. (وَالشَّاهِدُ إذَا رَجَعَ) أَيْ شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالْقَتْلِ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَ هُوَ عَنْ شَهَادَتِهِ لَمْ يُحْرَمْ مِيرَاثَهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ حِرْمَانَ الْإِرْثِ (جَزَاءُ الْمُبَاشَرَةِ، وَحُقُوقٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ، وَالْعُقُوبَةُ كَالْكَفَّارَاتِ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَبِّبِ) كَحَافِرِ الْبِئْرِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْكَفَّارَاتِ (جَزَاءُ الْفِعْلِ، وَالصَّبِيِّ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَاتُ عَلَى الصَّبِيِّ (لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِمَا) أَيْ فِي السَّبَبِ وَالصَّبِيِّ (لِأَنَّهَا عِنْدَهُ ضَمَانُ الْمُتْلَفِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا الْكَافِرِ) أَيْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَاتُ عَلَى الْكَافِرِ (لِوَصْفِ الْعِبَادَةِ، وَهِيَ) أَيْ الْعِبَادَةُ (فِيهَا غَالِبَةٌ) أَيْ فِي الْكَفَّارَاتِ ــ [التلويح] إنَّمَا يَصْلُحُ جِهَةً لِكَوْنِهِ جِنَايَةً عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ لِلطَّلَاقِ، وَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ لِلْكَرَامَةِ، وَلِهَذَا يَدْخُلُ قُصُورٌ فِي الْجِنَايَةِ فَيَصْلُحُ لِإِيجَابِ الْحُقُوقِ الدَّائِرَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ جَزَاؤُهُ عُقُوبَةً مَحْضَةً وَأَيْضًا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الظِّهَارُ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْعَوْدُ الَّذِي هُوَ إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَقْضٌ لِلْقَوْلِ الزُّورِ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَطَفَ الْعَوْدَ عَلَى الظِّهَارِ ثُمَّ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ جُوِّزَ أَدَاؤُهَا قَبْلَ الْعَوْدِ لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ إنْهَاءً لِلْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالظِّهَارِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْفِعْلِ لِتَنْتَهِيَ الْحُرْمَةُ بِهَا فَيَقَعَ الْفِعْلُ بِصِفَةِ الْحِلِّ، وَذَكَرَ فِي الطَّرِيقَةِ الْمَعْنِيَّةِ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ فِي جَعْلِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ الَّتِي حُكْمُهَا تَكْفِيرُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِذْهَابُ السَّيِّئَةِ خُصُوصًا إذَا صَارَ مَعْنَى الزَّجْرِ فِيهَا مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ تُجْعَلَ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا مَعَ حُكْمِهَا الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ الْمُوصِلُ إلَى الْجَنَّةِ تَصِيرُ مِنْ أَحْكَامِ الْمَعْصِيَةِ فَتَصِيرُ الْمَعْصِيَةُ بِوَاسِطَةِ حُكْمِهَا سَبَبًا لِلْوُصُولِ إلَى الْجَنَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُونَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ، وَغَيْرِهَا أَنَّ دَاعِيَةَ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ قَوِيَّةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ شَهْوَةَ الْبَطْنِ أَمْرٌ مُعَوَّدٌ لِلنَّفْسِ اُحْتِيجَ فِيهَا إلَى زَاجِرٍ فَوْقَ مَا فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ فَصَارَ الزَّجْرُ فِيهَا أَصْلًا، وَالْعِبَادَةُ تَبَعًا فَإِنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى الْإِفْطَارِ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ فَتَأَمَّلَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ انْزَجَرَ لَا مَحَالَةَ وَفِي بَاقِي الْكَفَّارَاتِ بِالْعَكْسِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ، وَأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ شُرِعَتْ فِيمَا يُنْدَبُ إلَى تَحْصِيلِ مَا تَعَلَّقَتْ الْكَفَّارَةُ بِهِ تَعَلُّقَ الْأَحْكَامِ بِالْعِلَلِ، وَهُوَ الْعَوْدُ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ شُرِعَتْ فِيمَا يَجِبُ تَحْصِيلُ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ تَعَلُّقَ الْأَحْكَامِ بِالشُّرُوطِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ أَبَاهُ، وَشُرِعَ الزَّاجِرُ فِيمَا يُنْدَبُ أَوْ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ) يَعْنِي أَنَّ الْعُقُوبَةَ غَالِبَةٌ فِيهِ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» فَعَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ كَوْنِ الْعُقُوبَةِ غَالِبَةً فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَقِيلَ: وَجْهُهُ أَنَّهُ قَيَّدَ الْإِفْطَارَ بِصِفَةِ التَّعَمُّدِ الَّذِي بِهِ

стр. 737

(إلَّا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) فَإِنَّ وَصْفَ الْعُقُوبَةِ فِيهَا غَالِبَةٌ (لِأَنَّهُ) أَيْ الظِّهَارَ (مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ، وَكَذَا كَفَّارَةُ الْفِطْرِ) أَيْ وَصْفُ الْعُقُوبَةِ غَالِبَةٌ فِيهَا (لِقَوْلِهِ ﵇ «فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» ) ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْخَاطِئِ، وَلِأَنَّ الْإِفْطَارَ عَمْدًا لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ ثُمَّ وَرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّ الْإِفْطَارَ عَمْدًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ عُقُوبَةً مَحْضَةً فَلِدَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ: (لَكِنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ حَقًّا لَيْسَ مُسَلَّمًا إلَى صَاحِبِهِ مَا دَامَ فِيهِ) فَلَا يَكُونُ الْإِفْطَارُ إبْطَالَ حَقٍّ ثَابِتٍ بَلْ هُوَ مَنْعٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَأَوْجَبْنَا الزَّاجِرَ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ (عُقُوبَةٌ وُجُوبًا، وَعِبَادَةٌ أَدَاءً وَقَدْ وَجَدْنَا فِي الشَّرْعِ مَا هَذَا شَأْنُهُ) أَيْ مَا يَكُونُ عُقُوبَةً وُجُوبًا ــ [التلويح] تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الْعُقُوبَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ. الثَّانِي الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ خَطَأً بِأَنْ سَبَقَ الْمَاءُ حَلْقَهُ فِي الْمَضْمَضَةِ فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي سَبَبِهَا كَمَالُ الْجِنَايَةِ لَمَا سَقَطَتْ بِالْخَطَأِ كَكَفَّارَةِ الْخَطَأِ، وَفِي كَمَالِ الْجِنَايَةِ كَمَالُ الْعُقُوبَةِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِفْطَارِ عَمْدًا شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ بِوَجْهٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِنَايَتَهُ كَامِلَةً حَتَّى كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَفَّارَتُهُ عُقُوبَةً مَحْضَةً إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَنْعًا عَنْ تَسْلِيمِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ لَا إبْطَالًا لِلْحَقِّ الثَّابِتِ إذْ لَا تُتَصَوَّرُ الْجِنَايَةُ بِالْإِفْطَارِ بَعْدَ التَّمَامِ تَحَقَّقَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قُصُورُ مَا فِي الْجِنَايَةِ فَلَمْ يُجْعَلْ الزَّاجِرُ عُقُوبَةً مَحْضَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ مُتَقَارِبَةٌ جِدًّا. (قَوْلُهُ: وَهِيَ: أَيْ الْكَفَّارَاتُ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا) بِمَعْنَى أَنَّهَا وَجَبَتْ أَجِزْيَةً لِأَفْعَالٍ يُوجَدُ فِيهَا مَعْنَى الْخَطَرِ كَالْعُقُوبَاتِ، وَعِبَادَةِ أَدَاءً بِمَعْنَى أَنَّهَا تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ، وَالْإِعْتَاقِ، وَالصَّدَقَةِ، وَهِيَ قُرَبٌ، وَتُؤَدَّى بِطَرِيقِ الْفَتْوَى كَالْعِبَادَاتِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ كَالْعُقُوبَاتِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ خَاصَّةً يَعْنِي أَنَّهَا وَجَبَتْ قَصْدًا إلَى الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ فِيهَا تَبَعٌ إذْ لَا مَعْنَى لِلزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ مَثَلًا، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. (قَوْلُهُ كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ) فَإِنَّ الْحُدُودَ وَاجِبَةٌ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ، وَيُؤَدِّيهَا الْإِمَامُ عِبَادَةً لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِقَامَتِهَا، وَأَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَجِبَ الشَّيْءُ عِبَادَةً، وَقُرْبَةً، وَيَكُونَ أَدَاؤُهُ عُقُوبَةً لِلْمُكَلَّفِ، وَزَجْرًا فَلَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ. (قَوْلُهُ فَتَسْقُطُ) هَذِهِ تَفْرِيعَاتٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ غَالِبَةٌ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ إلَّا أَنَّ تَوَسُّطَ قَوْلِهِ وَهِيَ عُقُوبَةٌ وُجُوبًا عِبَادَةٌ أَدَاءً مُخْرِجٌ لِلنَّظْمِ عَنْ نِظَامِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ، وَهِيَ عُقُوبَةٌ لِلْكَفَّارَاتِ لَكِنَّا نَجْعَلُهُ لِكَفَّارَةِ الْفِطْرِ فَيَحْسُنُ النَّظْمُ وَيَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى لِلتَّفْرِيعِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ كَفَّارَةُ الْفِطْرِ تَسْقُطُ بِشُبْهَةٍ تُورِثُ جِهَةَ إبَاحَةٍ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ

стр. 738

وَعِبَادَةً أَدَاءً (كَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَلَمْ نَجِدْ عَلَى الْعَكْسِ أَيْ لَمْ نَجِدْ فِي الشَّرْعِ مَا هُوَ عُقُوبَةٌ أَدَاءً، وَعِبَادَةٌ وُجُوبًا) ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا لِمَنْ يَقُولُ لِمَ يُعْكَسُ (حَتَّى تَسْقُطَ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ عُقُوبَةٌ (وَبِشُبْهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمُنْفَرِدِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ إذَا رَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ وَقَضَى أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ شَعْبَانَ فَأَفْطَرَ بِالْوِقَاعِ عَامِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فَتَسْقُطُ إذَا أَفْطَرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ مَرِضَتْ، وَكَذَا إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى وَمَا اجْتَمَعَا فِيهِ، وَالْأَوَّلُ غَالِبُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَمَا اجْتَمَعَا فِيهِ، وَالثَّانِي غَالِبُ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَخَالِصُ حَقِّ ــ [التلويح] الْجِنَايَةِ كَمَا إذَا جَامَعَ عَلَى ظَنِّ عَدَمِ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ، وَأَمَّا جِمَاعُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَكْلُ طَعَامِهِ فَلَا يُورِثُ شُبْهَةً فِي إبَاحَةِ الْإِفْطَارِ كَمَنْ قُتِلَ بِسَيْفِهِ أَوْ شُرِبَ خَمْرُهُ. الثَّانِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِشُبْهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي كَمَا إذَا رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي فَرَدَّ شَهَادَتَهُ لِتَفَرُّدِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ فَصَامَ لِقَوْلِهِ ﵊ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» ثُمَّ أَفْطَرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَلَوْ بِالْجِمَاعِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا نَافِذٌ ظَاهِرًا فَيُورِثُ شُبْهَةَ حِلِّ الْإِفْطَارِ إذْ لَوْ كَانَ نَافِذًا ظَاهِرًا، وَبَاطِنًا لَأَوْرَثَ حَقِيقَةَ الْحِلِّ، وَزَعْمُهُ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَرُدُّ شَهَادَتَهُ خَطَأً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ شُبْهَةً كَمَا إذَا شَهِدُوا بِالْقِصَاصِ عَلَى رَجُلٍ فَقَضَى الْقَاضِي بِهِ فَقَتَلَهُ الْوَلِيُّ، وَهُوَ عَالِمٌ بِكَذِبِ الشُّهُودِ ثُمَّ جَاءَ الْمَشْهُودُ بِقَتْلِهِ حَيًّا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْوَلِيِّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ فِي حَقِّهِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَجَهْلُ الْغَيْرِ لَا يُورِثُ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ كَمَا إذَا شَرِبَ جَمَاعَةٌ عَلَى مَائِدَةٍ، وَعَلِمَ بِهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَفْطَرَتْ عَمْدًا حَتَّى لَزِمَهَا الْكَفَّارَةُ ثُمَّ حَاضَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ مَرِضَتْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْكَفَّارَةُ، وَكَذَا الرَّجُلُ إذَا أَفْطَرَ ثُمَّ مَرِضَ أَمَّا الْحَيْضُ فَلِأَنَّهُ يُعْدِمُ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَمَّا الْمَرَضُ فَلِأَنَّهُ يُزِيلُ اسْتِحْقَاقَ الصَّوْمِ فَيَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ أَوْ اسْتِحْقَاقَهُ فَيَكُونُ شُبْهَةً. الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فَأَفْطَرَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْإِفْطَارُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ السَّفَرَ الْمُبِيحَ فِي نَفْسِهِ يُورِثُ شُبْهَةً، وَأَمَّا إذَا أَنَشَأَ السَّفَرَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ فَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ الْحَيْضِ أَوْ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ. قَوْلُهُ (وَمَا اجْتَمَعَا) أَيْ وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبٌ حَدَّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ زَاجِرٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى عَامَّةِ الْعِبَادِ، وَفِيهِ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَلِغَلَبَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ حَتَّى لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ، وَلَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ، وَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ، وَيُفَوَّضُ

стр. 739

اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَهَذِهِ الْحُقُوقُ تَنْقَسِمُ إلَى أَصْلٍ، وَخَلَفٍ فَفِي الْإِيمَانِ أَصْلُهُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ ثُمَّ صَارَ خَلَفًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا) أَيْ صَارَ الْإِقْرَارُ الْمُجَرَّدُ قَائِمًا مَقَامَ الْأَصْلِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا (ثُمَّ صَارَ أَدَاءً أَحَدِ أَبَوِيِّ الصَّغِيرِ خَلَفًا عَنْ أَدَائِهِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ التَّبَعِيَّةُ إذَا وُجِدَ أَدَاؤُهُ) أَيْ لَمَّا كَانَ أَدَاؤُهُ أَصْلًا، وَأَدَاءُ الْأَبَوَيْنِ خَلَفًا فَإِذَا وُجِدَ الْأَصْلُ، وَهُوَ أَدَاءُ الصَّغِيرِ الْعَاقِلِ لَا تُعْتَبَرُ التَّبَعِيَّةُ فَيُحْكَمُ بِإِيمَانِهِ أَصَالَةً لَا بِكُفْرِهِ تَبَعِيَّةً (ثُمَّ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ، وَالْغَانِمِينَ خَلَفًا عَنْ أَدَاءِ أَحَدِهِمَا إذَا عَدِمَا) أَيْ إذَا عَدِمَ الْأَبَوَانِ (، وَكَذَا الطَّهَارَةُ وَالتَّيَمُّمُ لَكِنَّهُ) أَيْ التَّيَمُّمَ (خَلَفٌ مُطْلَقٌ عِنْدَنَا بِالنَّصِّ أَيْ إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) يَكُونُ التَّيَمُّمُ خَلَفًا عَنْ الْمَاءِ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ كَمَا يَجُوزُ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ (وَعِنْدَهُ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ) أَيْ ــ [التلويح] اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْإِمَامِ، وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ فِيهِ غَالِبٌ الْقِصَاصَ فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْعَبْدِ حَقَّ الِاسْتِعْبَادِ، وَلِلْعَبْدِ حَقَّ الِاسْتِمْتَاعِ فَفِي شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ إبْقَاءٌ لِلْحَقَّيْنِ وَإِخْلَاءٌ لِلْعَالِمِ عَنْ الْفَسَادِ إلَّا أَنَّ وُجُوبَهُ بِطَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُنْبِئَةِ عَنْ مَعْنَى الْجَبْرِ وَفِيهِ مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ بِالْمَحَلِّ فَكَانَ حَقُّ الْعَبْدِ رَاجِحًا، وَلِهَذَا فُوِّضَ اسْتِيفَاؤُهُ إلَى الْوَلِيِّ، وَجَرَى فِيهِ الِاعْتِيَاضُ بِالْمَالِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا حَدُّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَخَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) قَطْعًا كَانَ أَوْ قَتْلًا لِأَنَّ سَبَبَهُ مُحَارَبَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى جَزَاءً، وَالْجَزَاءُ الْمُطْلَقُ بِمَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِمُقَابَلَةِ الْفِعْلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ الْحَدُّ قَتْلًا فَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَدٌّ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ دُونَ الْوَلِيِّ، وَلَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ حَيْثُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَتْلِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ) أَيْ بَعْدَ مَا صَارَ أَدَاءُ أَحَدِ أَبَوَيْ الصَّغِيرِ خَلَفًا عَلَى أَدَائِهِ صَارَ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ خَلَفًا عَنْ أَدَاءِ أَحَدِهِمَا أَيْ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ إذَا لَمْ يُوجَدْ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ تَبَعِيَّةُ أَهْلِ الدَّارِ صَارَتْ تَبَعِيَّةُ الْغَانِمِينَ خَلَفًا مَثَلًا إذَا سُبِيَ صَبِيٌّ فَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ بِنَفْسِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَاقِلًا فَهُوَ الْأَصْلُ وَإِلَّا فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَهُوَ تَبَعٌ لَهُ وَإِلَّا فَإِنْ أُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بَلْ قُسِمَ أَوْ بِيعَ مِنْ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ تَبَعٌ لِمَنْ سَبَاهُ فِي الْإِسْلَامِ فَلَوْ مَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ لَيْسَتْ التَّبَعِيَّةُ خَلَفًا عَنْ أَدَاءِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ بَلْ عَنْ أَدَاءِ الصَّبِيِّ نَفْسِهِ كَابْنِ الْمَيِّتِ خَلَفٌ عَنْهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَعِنْدَ عَدَمِهِ يَكُونُ ابْنُ الِابْنِ خَلَفًا عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ ابْنِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ لِلْخَلَفِ خَلَفٌ فَيَكُونَ الشَّيْءُ خَلَفًا وَأَصْلًا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا امْتِنَاعَ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ وَخَلَفًا مِنْ وَجْهٍ. (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ أَيْ التَّيَمُّمُ خَلَفٌ مُطْلَقٌ) يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إلَى غَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] نَقَلَ الْحُكْمَ فِي حَالِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ إلَى التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا عِنْدَ

стр. 740

التَّيَمُّمُ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَ الْعَجْزِ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ (حَتَّى لَمْ يَجُزْ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَقَالَ) أَيْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ (فِي إنَاءَيْنِ نَجِسٍ وَطَاهِرٍ يَتَحَرَّى وَلَا يَتَيَمَّمُ) فَيَتَوَضَّأُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَتُهُ، وَلَا يَتَيَمَّمُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا (وَعِنْدَنَا يَتَيَمَّمُ إذَا ثَبَتَ الْعَجْزُ بِالتَّعَارُضِ) أَيْ بَيْنَ النَّجِسِ، وَالطَّاهِرِ، وَلَا احْتِيَاجَ إلَى الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ خَلَفٌ مُطْلَقٌ لَا ضَرُورِيٌّ. (ثُمَّ عِنْدَنَا التُّرَابُ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ) فَبَعْدَ حُصُولِ الطَّهَارَةِ كَانَ شَرْطُ الصَّلَاةِ مَوْجُودًا فِي كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ (فَيَجُوزُ إمَامَةُ الْمُتَيَمِّمِ لِلْمُتَوَضِّئِ) كَإِمَامَةِ الْمَاسِحِ لِلْغَاسِلِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ــ [التلويح] إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ فِي تَأْدِيَةِ الْفَرَائِضِ بِهِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ جَعَلَ التُّرَابَ خَلَفًا عَنْ الْمَاءِ فَحُكْمُ الْأَصْلِ إفَادَةُ الطَّهَارَةِ وَإِزَالَةُ الْحَدَثِ فَكَذَا حُكْمُ الْخَلَفِ إذْ لَوْ كَانَ لَهُ حُكْمٌ بِرَأْسِهِ لَمَا كَانَ خَلَفًا بَلْ أَصْلًا، وَإِنْ جَعَلَ التَّيَمُّمَ خَلَفًا عَنْ التَّوَضُّؤِ فَحُكْمُ التَّوَضُّؤِ إبَاحَةُ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِوَاسِطَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ بِطَهَارَةٍ حَصَلَتْ بِهِ لَا مَعَ الْحَدَثِ فَكَذَا التَّيَمُّمُ إذْ لَوْ كَانَ خَلَفًا فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ مَعَ الْحَدَثِ لَكَانَ لَهُ حُكْمٌ بِرَأْسِهِ هُوَ الْإِبَاحَةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ فَلَمْ يَكُنْ خَلَفًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ خَلَفِيَّتُهُ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ، وَلَا أَدَاءُ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَمَّا قَبْلَ الْوَقْتِ فَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَمْ تَبِنْ، وَأَمَّا بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضٍ وَاحِدٍ فَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ انْعَدَمَتْ، وَحَتَّى قَالَ فِيمَنْ لَهُ إنَاءَانِ مِنْ الْمَاءِ أَحَدُهُمَا طَاهِرٌ وَالْآخَرُ نَجِسٌ، وَقَدْ اشْتَبَهَا عَلَيْهِ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَرِّي، وَالِاجْتِهَادُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذْ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِدَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ التَّحَرِّي فَلَا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي لِأَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ مُطْلَقٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ بِالتَّعَارُضِ الْمُوجِبِ لِلتَّسَاقُطِ حَتَّى كَانَ الْإِنَاءَانِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، وَاعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ التَّحَرِّي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ آخَرُ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ، وَأَمَّا إذَا وُجِدَ فَالتَّحَرِّي جَائِزٌ فَلِهَذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَيَّدَ جَوَازَ التَّحَرِّي فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءَيْنِ بِحَالَةِ السَّفَرِ أَيْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى مَاءٍ طَاهِرٍ بِيَقِينٍ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ التَّحَرِّي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِلتَّيَمُّمِ بِدُونِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ خَلَفًا ضَرُورِيًّا أَوْ خَلَفًا مُطْلَقًا، وَلَا عَجْزَ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرِّي، وَلِذَا جُوِّزَ التَّيَمُّمُ فِيمَا إذَا تَحَيَّرَ فَتَفْرِيعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى كَوْنِ التَّيَمُّمِ خَلَفًا ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ ضَرُورَةَ إسْقَاطِ الْفَرْضِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي وَإِنْ أُرِيدَ

стр. 741

وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى التَّيَمُّمُ خَلَفٌ عَنْ التَّوَضُّؤ فَلَا يَجُوزُ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ صَاحِبُ أَصْلٍ، وَالْمُتَيَمِّمَ صَاحِبُ خَلَفٍ فَلَا يَبْنِي صَاحِبُ الْأَصْلِ الْقَوِيِّ صَلَاتَهُ عَلَى صَاحِبِ الْخَلَفِ الضَّعِيفِ كَمَا لَا يَبْنِي الْمُصَلِّي بِرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ عَلَى الْمُومِئِ. (وَشَرْطُ الْخَلَفِيَّةِ إمْكَانُ الْأَصْلِ لِيَصِيرَ السَّبَبُ مُنْعَقِدًا لَهُ ثُمَّ عَدَمُهُ بِعَارِضٍ) كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَسِّ السَّمَاءِ بِخِلَافِ الْغَمُوسِ . (بَابٌ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحُكْمِ، وَهِيَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْعَقْلِ قَالُوا: هُوَ نُورٌ يُضِيءُ بِهِ طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَرْكُ الْحَوَاسِّ فَيَتَبَدَّى الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ أَيْ نُورٌ يَحْصُلُ بِإِشْرَاقِ الْعَقْلِ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﵇ أَنَّهُ مِنْ أَوَائِلِ الْمَخْلُوقَاتِ فَكَمَا أَنَّ الْعَيْنَ مُدْرِكَةٌ بِالْقُوَّةِ فَإِذَا وُجِدَ النُّورُ ــ [التلويح] بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ ضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَهَذَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ نِزَاعٌ. (قَوْلُهُ ثُمَّ عِنْدَنَا) أَيْ بَعْدَ مَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى كَوْنِ الْخَلَفِ خَلَفًا مُطْلَقًا اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ الْخَلَفِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْخَلَفِيَّةُ فِي الْآلَةِ بِمَعْنَى أَنَّ التُّرَابَ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ عِنْدَ النَّقْلِ إلَى التَّيَمُّمِ عَلَى عَدَمِ الْمَاءِ، وَكَوْنُ التُّرَابِ مُلَوَّثًا فِي نَفْسِهِ لَا يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحَلِّ حُكْمِيَّةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَطْهِيرُ الْآلَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﵊ «التُّرَابُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ إلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ» يُؤَيِّدُ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ فِي الْآلَةِ لَافْتَقَرَتْ إلَى الْإِصَابَةِ كَالْمَاءِ إذْ مِنْ شَرْطِ الْخَلَفِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِالْحَجَرِ الْمَلْسَاءِ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الزِّيَادَةُ فِي الْحُكْمِ، وَتَرَتُّبِ الْآثَارِ، أَلَا يُرَى أَنَّ اسْتِغْنَاءُ التَّيَمُّمِ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلِ لَا يُوجِبُ زِيَادَتَهُ عَلَى الْوُضُوءِ فَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إمَامَةُ الْمُتَيَمِّمِ لِلْمُتَوَضِّئِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُتَوَضِّئُ مَاءً لِأَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا مَوْجُودٌ بِكَمَالِهِ فَيَجُوزُ بِنَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَالْغُسْلِ عَلَى الْمَاسِحِ مَعَ أَنَّ الْخَلَفَ بَدَلٌ مِنْ الرِّجْلِ فِي قَبُولِ الْحَدَثِ، وَرَفْعِهِ، وَأَمَّا إذَا وَجَدَ الْمُتَوَضِّئُ مَاءً فَإِنْ كَانَ فِي زَعْمِهِ أَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَأَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ كَمَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ إمَامَهُ مُخْطِئٌ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: الْخَلَفِيَّةُ فِي الْفِعْلِ بِمَعْنَى أَنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ عَنْ التَّوَضُّؤِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْوُضُوءِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ كَاقْتِدَاءِ غَيْرِ الْمُومِئِ بِالْمُومِئِ، وَمَا ذُكِرَ أَنَّ زُفَرَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ وَجَدَ الْمُتَوَضِّئُ مَاءً. (قَوْلُهُ وَشَرْطُ الْخَلَفِيَّةِ) أَيْ لَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ الْخَلَفِ عَنْ إمْكَانِ الْأَصْلِ لِيَصِيرَ السَّبَبُ مُنْعَقِدًا لِلْأَصْلِ ثُمَّ مَنْ عَدِمَ الْأَصْلَ فِي الْحَالِ لِعَارِضٍ إذْ لَا مَعْنَى

стр. 742

الْحِسِّيُّ يَخْرُجُ إدْرَاكُهَا إلَى الْفِعْلِ فَكَذَا الْقَلْبُ) أَيْ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ مَعَ هَذَا النُّورِ الْعَقْلِيِّ وَقَوْلُهُ (طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ فَابْتِدَاءُ دَرْكِ الْحَوَاسِّ ارْتِسَامُ الْمَحْسُوسِ فِي الْحَاسَّةِ الظَّاهِرَةِ وَنِهَايَتُهُ ارْتِسَامُهُ فِي الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ، وَحِينَئِذٍ بِدَايَةُ تَصَرُّفِ الْقَلْبِ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ بِأَنْ يُدْرِكَ مِنْ الشَّاهِدِ أَوْ يَنْتَزِعَ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ، وَلِهَذَا التَّصَرُّفِ مَرَاتِبُ: اسْتِعْدَادُهُ لِهَذَا الِانْتِزَاعِ ثُمَّ عِلْمُ الْبَدِيهِيَّاتِ عَلَى وَجْهٍ يُوصِلُ إلَى النَّظَرِيَّاتِ ثُمَّ عِلْمُ النَّظَرِيَّاتِ مِنْهَا ثُمَّ اسْتِحْضَارُهَا بِحَيْثُ لَا تَغِيبُ وَهَذَا نِهَايَتُهُ، وَيُسَمَّى الْعَقْلَ الْمُسْتَفَادَ وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ) اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعْرِيفِ الْعَقْلِ أَوْرَدَهُ مَشَايِخُنَا فِي كُتُبِهِمْ، وَمَثَّلُوهُ بِالشَّمْسِ كَمَا ــ [التلويح] لِلْمَصِيرِ إلَى الْخَلَفِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ مَثَلًا إرَادَةُ الصَّلَاةِ انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِلْوُضُوءِ لِإِمْكَانِ حُصُولِ الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ ثُمَّ لِظُهُورِ الْعَجْزِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَى التَّيَمُّمِ، وَهَذَا كَمَا إذَا حَلَفَ لَيَمَسَّنَّ السَّمَاءَ فَإِنَّ الْيَمِينَ قَدْ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلْبِرِّ لِإِمْكَانِ مَسِّ السَّمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّهُ مَعْدُومٌ عُرْفًا وَعَادَةً فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ إلَى الْخَلْفِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِ مَا كَانَ أَوْ ثُبُوتِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْكَفَّارَةَ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبِرِّ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ [بَابُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ] . (قَوْلُهُ بَابُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِفِعْلِهِ، وَأَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْلِ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْحُكَمَاءُ وَغَيْرُهُمْ لَفْظَ الْعَقْلِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْجَوْهَرُ الْمُجَرَّدُ فِي ذَاتِهِ وَفِعْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ جِسْمًا، وَلَا جُسْمَانِيًّا، وَلَا تَتَوَقَّفُ أَفْعَالُهُ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِجِسْمٍ، وَهَذَا مَعْنَى الْجَوْهَرِ الْمُجَرَّدِ الْغَيْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقِ بِالْجِسْمِ لَكَانَ أَنْسَبَ لِيُخْرِجَ النُّفُوسَ الْفَلَكِيَّةَ إذْ الْبَدَنُ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى بِنْيَةِ الْحَيَوَانِ وَادَّعَى الْحُكَمَاءُ أَنَّ الْعَقْلَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَوَّلُ مَا صَدَرَ عَنْ الْوَاجِبِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﵊ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلُ» ، وَإِنَّمَا قَالَ: ادَّعُوا لِأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِدَلَائِلَ وَاهِيَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ فَاسِدَةٍ مِثْلُ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا الْوَاحِدُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَمِنْهَا قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، وَهَذَا مَعْنَى الْأَثَرِ الْفَائِضِ عَلَيْهَا مِنْ الْعَقْلِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَمِنْهَا مَرَاتِبُ قُوَى النَّفْسِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهَا، وَمِنْهَا الْغَرِيزَةُ الَّتِي يَلْزَمُهَا الْعِلْمُ بِالضَّرُورِيَّاتِ أَوْ نَفْسُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ، وَمِنْهَا مَلَكَةٌ حَاصِلَةٌ بِالتَّجَارِبِ يُسْتَنْبَطُ بِهَا الْمَصَالِحُ وَالْأَغْرَاضُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْوُقُوفُ عَلَى الْعَوَاقِبِ، وَمِنْهَا قُوَّةٌ مُمَيِّزَةٌ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ، وَالْقَبِيحَةِ، وَمِنْهَا هَيْئَةٌ مَحْمُودَةٌ لِلْإِنْسَانِ فِي حَرَكَاتِهِ، وَسَكَنَاتِهِ، وَكَلَامِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الْمُتَفَاوِتَةِ، وَالْمُقَارِبَةِ فَاحْتُجَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ إلَى تَفْسِيرِ الْعَقْلِ

стр. 743

ذَكَرْنَا فِي الْمَتْنِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِمَا قَالَهُ الْحُكَمَاءُ، وَالتَّمْثِيلُ بِعَيْنِهِ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْحِكْمَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْعَقْلَ عَلَى جَوْهَرٍ مُجَرَّدٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالْبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ وَالصَّرْفِ، وَقَدْ ادَّعَوْا أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْجَوْهَرُ وَقَدْ قَالَ ﵇: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلُ» فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ هَذَا الْجَوْهَرُ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﵊ أَنَّهُ مِنْ أَوَائِلِ الْمَخْلُوقَاتِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالنُّورِ الْمُنَوَّرِ كَمَا فُسِّرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وَأَيْضًا قَدْ يُطْلَقُ الْعَقْلُ عَلَى الْأَثَرِ الْفَائِضِ مِنْ هَذَا الْجَوْهَرِ فِي الْإِنْسَانِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ هَذَا الْمَعْنَى، وَبَيَانُهُ أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ مُدْرِكَةٌ بِالْقُوَّةِ فَإِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهَا ــ [التلويح] فَقَالُوا: هُوَ نُورٌ يُضِيءُ بِهِ طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ دَرْكُ الْحَوَاسِّ فَيَتَبَدَّى الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ فَيُدْرِكُهُ الْقَلْبُ بِتَأَمُّلِهِ، وَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ بِهَا يَنْتَقِلُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ إلَى النَّظَرِيَّاتِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَخْفَى مِنْ الْعَقْلِ احْتَاجَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى تَوْضِيحِهِ، وَتَبْيِينِ الْمُرَادِ مِنْهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَقْلِ هَاهُنَا ذَلِكَ الْجَوْهَرُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى أَنْ يَكُونَ النُّورُ بِمَعْنَى الْمُنَوِّرِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الِاحْتِمَالِ عَنْ الصَّوَابِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْعَقْلَ مِنْ صِفَاتِ الرَّاوِي، وَالْمُكَلَّفِ ثُمَّ فَسَرُّوهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَثَرُ الْفَائِضُ مِنْ هَذَا الْجَوْهَرِ عَلَى نَفْسِ الْإِنْسَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُكَمَاءُ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ، وَيَعُدُّهَا لِلْإِدْرَاكِ، وَحَالُ نُفُوسِنَا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ حَالُ أَبْصَارنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّمْسِ فَكَمَا أَنَّ بِإِفَاضَةِ نُورِ الشَّمْسِ تُدْرَكُ الْمَحْسُوسَاتُ كَذَلِكَ بِإِفَاضَةِ نُورِهِ تُدْرَكُ الْمَعْقُولَاتُ فَقَوْلُهُ نُورٌ أَيْ قُوَّةٌ شَبِيهَةٌ بِالنُّورِ فِي أَنَّهُ بِهَا يَحْصُلُ الْإِدْرَاكُ. يُضِيءُ أَيْ يَصِيرُ ذَا ضَوْءٍ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ النُّورِ. طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَفْكَارُ، وَتَرْتِيبُ الْمَبَادِئِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْمَطَالِبِ، وَمَعْنَى إضَاءَتِهَا صَيْرُورَتُهَا بِحَيْثُ يَهْتَدِي الْقَلْبُ إلَيْهَا، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ تَرْتِيبِهَا وَسُلُوكِهَا تَوْصِيلًا إلَى الْمَطْلُوبِ، وَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ مُتَعَلِّقُ يُبْتَدَأُ، وَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ عَائِدٌ إلَى حَيْثُ أَيْ مِنْ مَحَلٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ إدْرَاكُ الْحَوَاسِّ فَيَتَبَدَّى أَيْ يَظْهَرُ الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ أَيْ الرُّوحُ الْمُسَمَّى بِالْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ، وَالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ فَيُدْرِكُهُ الْقَلْبُ بِتَأَمُّلِهِ أَيْ الْتِفَاتِهِ إلَيْهِ، وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلْهَامِهِ لَا بِتَأْثِيرِ النَّفْسِ أَوْ تَوْلِيدِهَا فَإِنَّ الْأَفْكَارَ مُعِدَّاتٌ لِلنَّفْسِ، وَفَيَضَانُ الْمَطْلُوبِ إنَّمَا هُوَ بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي يَحْصُلُ الْإِدْرَاكُ بِإِشْرَاقِهِ، وَإِفَاضَةِ نُورِهِ، وَيَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى النُّفُوسِ نِسْبَةَ الشَّمْسِ إلَى الْأَبْصَارِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحُكَمَاءُ هُوَ الْعَقْلُ الْعَاشِرُ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ لَا الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَسَامُحٌ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُطْلَقُ الْعَقْلُ عَلَى قُوَّةٍ لِلنَّفْسِ بِهَا

стр. 744

الْجَوْهَرُ الْمَذْكُورُ خَرَجَ إدْرَاكُهَا مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ إذَا أَشْرَقَتْ خَرَجَ إدْرَاكُ الْعَيْنِ مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ فَالْمُرَادُ بِالْعَقْلِ هَذَا النُّورُ الْمَعْنَوِيُّ الَّذِي حَصَلَ بِإِشْرَاقِ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْعَقْلُ عَلَى قُوَّةٍ لِلنَّفْسِ بِهَا تَكْسِبُ الْعُلُومَ، وَهِيَ قَابِلِيَّةُ النَّفْسِ لِإِشْرَاقِ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ كَمَا ذَكَرْتُ فِي الْمَتْنِ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ الْعَقْلَ الْهَيُولَانِيَّ، وَالثَّانِي الْعَقْلَ بِالْمَلَكَةِ، وَالثَّالِثُ الْعَقْلَ بِالْفِعْلِ وَالرَّابِعُ الْعَقْلَ الْمُسْتَفَادَ، وَأَيْضًا يُطْلَقُ عَلَى بَعْضِ الْعُلُومِ فَقِيلَ: عِلْمٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ، وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ، وَقَوْلُهُ يُبْتَدَأُ بِهِ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ لِدَرْكِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ بِدَايَةٌ، وَنِهَايَةٌ، وَكَذَا لِلْإِدْرَاكِ الْعَقْلِيِّ بِدَايَةٌ، وَنِهَايَةٌ ــ [التلويح] تُكْسَبُ الْعُلُومُ) إشَارَةٌ إلَى مَعْنًى آخَرَ لِلْعَقْلِ بِاعْتِبَارِهِ يُحَصِّلُ لِلنَّفْسِ مَرَاتِبَهَا الْأَرْبَعَ فَعَلَى مَا سَبَقَ كَانَ حَاصِلُ مَعْنَاهُ حُصُولَ شَرَائِطِ الْوُصُولِ إلَى الْمَطْلُوبِ، وَانْكِشَافَ الْحُجُبِ عَنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطَالِبِ، وَالتَّهَدِّي إلَى طَرِيقِ التَّوَصُّلِ إلَى الْمَقَاصِدِ، وَأَمَّا عَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ قَابِلِيَّةُ النَّفْسِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي فَإِنْ قِيلَ: مِنْ شَأْنِ الْقُوَّةِ التَّأْثِيرُ وَالْعَقْلُ، وَمَعْنَى الْقَابِلِيَّةِ التَّأَثُّرُ وَالِانْفِعَالُ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِهَا قُلْتُ هِيَ قُوَّةٌ بِاعْتِبَارِ تَرْتِيبِ الْمَبَادِئِ وَتَهْيِئَةِ الْمُعَدَّاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ فِيهَا وَقَابِلِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ حُصُولَ الْمَطْلُوبِ إنَّمَا هُوَ بِالْإِلْهَامِ وَبِتَوْفِيقِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ فَإِنْ قُلْتَ: الْقُوَّةُ الَّتِي بِهَا تَكْتَسِبُ النَّفْسُ الْعُلُومَ تَشْتَمِلُ مَرَاتِبَهَا الْأَرْبَعَ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِقَابِلِيَّةِ الْإِشْرَاقِ الَّتِي هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى أَعْنِي الْعَقْلَ الْهَيُولَانِيَّ قُلْتُ: الْمُرَادُ قَابِلِيَّةُ الْإِشْرَاقِ إلَى أَنْ يَكْمُلَ جَمِيعُ الْآثَارِ، وَيَحْصُلَ غَايَةُ الْمَطْلُوبِ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَعَلَ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ فِي الشَّرْحِ مَرَاتِبَ قُوَّةِ النَّفْسِ وَقَابِلِيَّتَهَا لِلْإِشْرَاقِ، وَفِي الْمَتْنِ مَرَاتِبُ تَصَرُّفِ الْقَلْبِ بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ فِيمَا ارْتَسَمَ فِي الْحَوَاسِّ؟ قُلْتُ: حَاصِلُهُمَا وَاحِدٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ مَرَاتِبُ لِلنَّفْسِ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهَا فِي اكْتِسَابِ الْعُلُومِ، وَتَصَرُّفِهَا فِي الْمَبَادِئِ لِحُصُولِ الْمَطَالِبِ فَيُجْعَلُ تَارَةً مَرَاتِبَ النَّفْسِ، وَتَارَةً مَرَاتِبَ قُوَّتِهَا النَّظَرِيَّةِ أَيْ الَّتِي بِهَا يُتَمَكَّنُ مِنْ اكْتِسَابِ الْعُلُومِ، وَتَارَةً مَرَاتِبَ تَصَرُّفَاتِهَا فِي الْمَبَادِئِ وَمَعْنَى تَصَرُّفِ الْقَلْبِ فِيمَا ارْتَسَمَ فِي الْحَوَاسِّ أَنْ يُدْرِكَ الْغَائِبَ مِنْ الشَّاهِدِ أَيْ يَسْتَدِلُّ مِنْ الْآثَارِ وَاللَّوَازِمِ عَلَى الْمُؤَثِّرَاتِ، وَالْمَلْزُومَاتِ مِثْلَ اسْتِدْلَالِهِ مِنْ الْعَالَمِ، وَتَغَيُّرَاتِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ صَانِعًا قَدِيمًا غَنِيًّا عَمَّنْ سِوَاهُ بَرِيئًا عَنْ النَّقَائِصِ وَأَنْ يَنْتَزِعَ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ وَأَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ الْإِحْسَاسِ بِحَرَارَةِ هَذِهِ النَّارِ أَنَّ كُلَّ نَارٍ حَارَّةٌ، وَكَذَا فِي جَانِبِ التَّصَوُّرَاتِ مَثَلًا يَنْتَزِعُ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ الْمُكْتَنِفَةِ بِالْعَوَارِضِ الْمُشَخِّصَةِ وَاللَّوَاحِقِ الْخَارِجِيَّةِ حَقَائِقَهَا الْكُلِّيَّةَ وَأَمَّا تَحْقِيقُ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعِ فَهُوَ أَنَّ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ قُوَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا مَبْدَأُ الْإِدْرَاكِ، وَهِيَ بِاعْتِبَارِ تَأَثُّرِهَا عَمَّا فَوْقَهَا مُسْتَكْمَلَةٌ فِي ذَاتِهَا، وَتُسَمَّى عَقْلًا نَظَرِيًّا، وَالثَّانِيَةُ مَبْدَأُ الْفِعْلِ، وَهِيَ بِاعْتِبَارِ تَأْثِيرِهَا فِي الْبَدَنِ الْمَوْضُوعِ مُكَمِّلَةٌ إيَّاهُ تَأْثِيرًا اخْتِيَارِيًّا، وَتُسَمَّى عَقْلًا عَمَلِيًّا

стр. 745

فَنِهَايَةُ دَرْكِ الْحَوَاسِّ هِيَ بِدَايَةُ الْإِدْرَاكِ الْعَقْلِيِّ فَاعْلَمْ أَنَّ بِدَايَةَ دَرْكِ الْحَوَاسِّ ارْتِسَامُ الْمَحْسُوسَاتِ فِي إحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَنِهَايَتُهُ ارْتِسَامُهُ فِي الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحَوَاسَّ الْبَاطِنَةَ خَمْسٌ: الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ فِي مُقَدَّمِ الدِّمَاغِ، وَهُوَ الَّذِي يَرْتَسِمُ فِيهِ صُوَرُ الْمَحْسُوسَاتِ ثُمَّ الْخَيَّالُ، وَهُوَ خِزَانَةُ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ ثُمَّ الْوَهْمُ فِي مُؤَخَّرِ الدِّمَاغِ يَرْتَسِمُ فِيهِ الْمَعَانِي الْجُزْئِيَّةُ ثُمَّ بَعْدَهُ الْحَافِظَةُ، وَهِيَ خِزَانَةُ الْوَهْمِ ثُمَّ الْمُفَكِّرَةُ فِي وَسَطِ الدِّمَاغِ تَأْخُذُ الْمُدْرَكَاتِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا، وَتُرَكِّبُ بَيْنَهَا تَرْكِيبًا، وَتُسَمَّى مُخَيِّلَةً أَيْضًا فَهَذَا نِهَايَةُ إدْرَاكِ الْحَوَاسِّ فَإِذَا تَمَّ هَذَا انْتَزَعَ ــ [التلويح] وَلِلْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فِي تَصَرُّفَاتِهَا فِي الضَّرُورِيَّاتِ، وَتَرْتِيبِهَا لِاكْتِسَابِ الْكِمَالَاتِ أَرْبَعُ مَرَاتِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ مَبْدَأَ الْفِطْرَةِ خَالِيَةٌ عَنْ الْعُلُومِ مُسْتَعِدَّةٌ لَهَا، وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ عَقْلًا هَيُولَانِيًّا تَشْبِيهًا لَهَا بِالْهُيُولِيِّ الْأُولَى الْخَالِيَةِ فِي نَفْسِهَا عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ الْقَابِلَةِ لَهَا، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِعْدَادِ الطِّفْلِ لِلْكِتَابَةِ ثُمَّ إذَا أَدْرَكَتْ الضَّرُورِيَّاتِ، وَاسْتَعَدَّتْ لِحُصُولِ النَّظَرِيَّاتِ سُمِّيَتْ عَقْلًا بِالْمَلَكَةِ لِحُصُولِ مَلَكَةِ الِانْتِقَالِ كَاسْتِعْدَادِ الْأُمِّيِّ لِتَعَلُّمِ الْكِتَابَةِ ثُمَّ إذَا أَدْرَكَتْ النَّظَرِيَّاتِ، وَحَصَلَ لَهَا الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِحْضَارِهَا مَتَى شَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ سُمِّيَتْ عَقْلًا بِالْفِعْلِ لِشِدَّةِ قُرْبِهِ مِنْ الْفِعْلِ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِعْدَادِ الْقَادِرِ عَلَى الْكِتَابَةِ الَّذِي لَا يَكْتُبُ، وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَتَى شَاءَ، وَإِذَا كَانَتْ النَّظَرِيَّاتُ حَاضِرَةً عِنْدَهَا مُشَاهِدَةً لَهَا سُمِّيَتْ عَقْلًا مُسْتَفَادًا لِاسْتِفَادَةِ هَذِهِ الْقُوَّةِ وَالْحَالَةِ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ حِينَمَا يَكْتُبُ بِالْفِعْلِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْعَقْلَ الْمُسْتَفَادَ هُوَ حُضُورُ الْيَقِينِيَّاتِ، وَحُصُولُ صُوَرِ الْمَعْقُولَاتِ لِلنَّفْسِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِالْمُسْتَفَادِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الْهَيُولَانِيَّ يَكُونُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ، وَإِدْرَاكِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَالْعَقْلَ بِالْمَلَكَةِ بَعْدَهُ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ الْهَيُولَانِيَّ اسْتِعْدَادَ النَّفْسِ لِلِانْتِزَاعِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَحْسُوسَاتِ. وَالْعَقْلُ بِالْمَلَكَةِ عِلْمُ الْبَدِيهَاتِ عَلَى وَجْهٍ يُوصِلُ إلَى النَّظَرِيَّاتِ أَيْ مُتَرَتِّبَةٌ لِلتَّأَدِّي إلَى الْمَجْهُولَاتِ النَّظَرِيَّةِ، وَأَمَّا جَعْلُ الْمُسْتَفَادِ نِهَايَةً، وَمَرْتَبَةً رَابِعَةً فَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ، وَكَوْنِهِ الرَّئِيسَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَخْدُمُهُ سَائِرُ الْقُوَى، وَإِلَّا فَالْمُسْتَفَادُ مُقَدَّمٌ بِحَسَبِ الْوُجُودِ عَلَى الْعَقْلِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّحْصِيلِ، وَالْإِحْضَارِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ ثُمَّ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ اسْتِعْدَادَاتٌ لِلنَّفْسِ مُخْتَلِفَةٌ بِالشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ كَالثَّلَاثِ الْأُوَلِ أَوْ كَمَالٌ لَهَا كَالرَّابِعَةِ وَتُطْلَقُ عَلَى النَّفْسِ بِحَسَبِ مَا لَهَا مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلنَّفْسِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ قُوَّةً لَمْ تَكُنْ قَبْلُ فَيُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ الْقُوَى أَيْضًا، وَنَعْنِي بِالْقُوَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ يَصِيرُ الشَّيْءُ فَاعِلًا أَوْ مُنْفَعِلًا، وَجَعَلُوا الْمَرْتَبَةَ الثَّانِيَةَ، وَهِيَ أَنْ تُدْرِكَ الْبَدِيهَاتِ مُرَتَّبَةً عَلَى وَجْهٍ تُوصِلُ إلَى النَّظَرِيَّاتِ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ إذْ بِهَا يَرْتَفِعُ الْإِنْسَانُ عَنْ دَرَجَةِ الْبَهَائِمِ، وَيُشْرِقُ

стр. 746

النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ مِنْ الْمُفَكِّرَةِ عُلُومًا فَهَذَا بِدَايَةُ تَصَرُّفِ النَّفْسِ بِوَاسِطَةِ إشْرَاقِ الْعَقْلِ، وَلَهُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (ثُمَّ مَعْلُومَاتُ النَّفْسِ إمَّا أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا الْعَمَلُ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَتُسَمَّى عُلُومًا نَظَرِيَّةً وَإِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ، وَتُسَمَّى عِلْمِيَّةً فَإِذَا اُكْتُسِبَتْ الْعِلْمِيَّةُ حَرَّكَتْ الْبَدَنَ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ، وَعَمَّا هُوَ شَرٌّ فَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَعَدَمِهَا) أَيْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا التَّحْرِيكِ عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْقُوَّةِ، وَهِيَ قَابِلِيَّةُ النَّفْسِ لِإِشْرَاقِ ــ [التلويح] عَلَيْهَا نُورُ الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَتَجَاوَزُ إدْرَاكَ الْمَحْسُوسَاتِ. (قَوْلُهُ: فَاعْلَمْ أَنَّ بِدَايَةَ دَرْكِ الْحَوَاسِّ) يَعْنِي لَمَّا ذَكَرَ فِي تَعْرِيفِ الْعَقْلِ لِدَرْكِ الْحَوَاسِّ نِهَايَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِدَايَةٌ وَلَمَّا ذَكَرَ لِطَرِيقِ إدْرَاكِ الْعَقْلِ بِدَايَةً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِهَايَةٌ لِأَنَّ إدْرَاكَاتِنَا أُمُورٌ حَادِثَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، وَلَمَّا جَعَلَ قَوْلَهُ مِنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقًا بِيُبْتَدَأُ، وَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ عَائِدٌ إلَى حَيْثُ أَيْ طَرِيقٌ يُبْتَدَأُ بِهِ مِنْ الْمَقَامِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ إدْرَاكُ الْحَوَاسِّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ نِهَايَةَ دَرْكِ الْحَوَاسِّ بِدَايَةَ دَرْكِ الْعَقْلِ فَذَكَرَ أَنَّ بِدَايَةَ دَرْكِ الْحَوَاسِّ هُوَ ارْتِسَامُ الْمَحْسُوسِ فِي إحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ اللَّمْسُ أَعْنِي قُوَّةً سَارِيَةً فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ بِهَا يُدْرَكُ الْحَارُّ، وَالْبَارِدُ وَالرَّطْبُ، وَالْيَابِسُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالذَّوْقُ وَهِيَ قُوَّةٌ مُنْبَثَّةٌ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى جُرْمِ اللِّسَانِ يُدْرَكُ بِهَا الطُّعُومُ، وَالشَّمُّ وَهُوَ قُوَّةٌ مَرْتَبَةٌ فِي زَائِدَتَيْ مُقَدَّمِ الدِّمَاغِ الشَّبِيهَتَيْنِ بِحَلَمَتَيْ الثَّدْيِ يُدْرَكُ بِهَا الرَّوَائِحُ، وَالسَّمْعُ وَهُوَ قُوَّةٌ مَرْتَبَةٌ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ عَلَى سَطْحِ بَاطِنِ الصِّمَاخِ يُدْرَكُ بِهَا الْأَصْوَاتُ، وَالْبَصَرُ هُوَ قُوَّةٌ مَرْتَبَةٌ فِي الْعَصْبَتَيْنِ الْمُجَوَّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَلَاقَيَانِ فِي مُقَدَّمِ الدِّمَاغِ فَيَفْتَرِقَانِ إلَى الْعَيْنَيْنِ يُدْرَكُ بِهَا الْأَلْوَانُ، وَالْأَضْوَاءُ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمُرْتَسِمَ فِيهَا هُوَ صُورَةُ الْمَحْسُوسِ لَا نَفْسُهُ فَإِنَّ الْمَحْسُوسَ هُوَ هَذَا اللَّوْنُ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ مَثَلًا وَهُوَ لَيْسَ بِمُرْتَسِمٍ فِي الْبَاصِرَةِ بَلْ صُورَتُهُ كَمَا أَنَّ الْمَعْلُومَ هُوَ ذَلِكَ الْمَوْجُودُ، وَالْحَاصِلُ فِي النَّفْسِ صُورَتُهُ، وَمَعْنَى مَعْلُومِيَّتِهِ حُصُولُ صُورَتِهِ لَا حُصُولُ نَفْسِهِ، وَنِهَايَةُ دَرْكِ الْحَوَاسِّ ارْتِسَامُ الْمَحْسُوسِ فِي الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا أَيْضًا خَمْسٌ الْحِسُّ الْمُشْتَرَكُ وَهِيَ قُوَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي التَّجْوِيفِ الْأَوَّلِ مِنْ الدِّمَاغِ، وَمَبَادِئِ عَصَبِ الْحِسِّ يَجْتَمِعُ فِيهَا صُوَرُ جَمِيعِ الْمَحْسُوسَاتِ فَيُدْرِكُهَا وَالْخَيَالُ هُوَ قُوَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي آخِرِ التَّجْوِيفِ الْمُقَدَّمِ يَجْتَمِعُ فِيهَا مِثْلُ الْمَحْسُوسَاتِ، وَتَبْقَى فِيهَا بَعْدَ الْغَيْبَةِ عَنْ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ فَهِيَ خِزَانَتُهُ، وَالْوَهْمُ وَهِيَ قُوَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي آخِرِ التَّجْوِيفِ الْأَوْسَطِ مِنْ الدِّمَاغِ لَا فِي مُؤَخَّرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِهَا يُدْرَكُ الْمَعَانِي الْجُزْئِيَّةُ الْغَيْرُ الْمَحْسُوسَةِ أَعْنِي الَّتِي لَمْ يَتَأَدَّ إلَيْهَا مِنْ طُرُقِ الْحَوَاسِّ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَعَدَاوَةِ زَيْدٍ، وَصَدَاقَةِ عَمْرٍو، وَالْحَافِظَةُ وَهِيَ قُوَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي التَّجْوِيفِ الْأَخِيرِ مِنْ الدِّمَاغِ تَحْفَظُ

стр. 747

ذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا مَحَالَةَ آمِرَةٌ لِلْبَدَنِ مُحَرِّكَةٌ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ عِنْدَهَا، وَعَمَّا هُوَ شَرٌّ عِنْدَهَا، وَالْجَوْهَرُ الْمَذْكُورُ دَائِمُ الْإِشْرَاقِ فَإِذَا حَرَّكَتْهُ إلَى الْخَيْرِ، وَعَنْ الشَّرِّ عُلِمَ مَعْرِفَتُهَا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَابِلِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا لَمْ تُحَرِّكْهُ إلَى الْخَيْرِ وَعَنْ الشَّرِّ عُلِمَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهَا بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ إذْ لَوْ كَانَتْ عَارِفَةً لَحَرَّكَتْهُ ثُمَّ عَدَمُ مَعْرِفَتِهَا لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهَا إذْ لَوْ كَانَتْ قَابِلَةً وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ الْجَوْهَرَ دَائِمُ الْإِشْرَاقِ لَكَانَتْ عَارِفَةً فَعُلِمَ أَنَّ وُجُودَ ــ [التلويح] الْمَعَانِيَ الْجُزْئِيَّةَ الَّتِي أَدْرَكَهَا الْوَهْمُ فَهِيَ خِزَانَةٌ لِلْوَهْمِ بِمَنْزِلَةِ الْخَيَالِ لِلْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُفَكِّرَةُ وَهِيَ قُوَّةٌ مُرَتَّبَةٌ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّجْوِيفِ الْأَوْسَطِ مِنْ الدِّمَاغِ بِهَا يَقَعُ التَّرْكِيبُ وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمَعَانِي الْمُدْرَكَةِ بِالْوَهْمِ كَإِنْسَانٍ لَهُ رَأْسَانِ، وَإِنْسَانٍ عَدِيمِ الرَّأْسِ، وَهَذَا مَعْنَى أَخْذِ الْمُدْرَكَاتِ عَنْ الطَّرَفَيْنِ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ تَسْتَعْمِلُهَا النَّفْسُ عَلَى أَيِّ نِظَامٍ تُرِيدُ فَإِنْ اسْتَعْمَلَتْهَا بِوَاسِطَةِ الْقُوَّةِ الْوَهْمِيَّةِ وَحْدَهَا سُمِّيَتْ مُتَخَلِّيَةً، وَإِنْ اسْتَعْمَلَتْهَا بِوَاسِطَةِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْوَهْمِيَّةِ سُمِّيَتْ مُفَكِّرَةً، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَحَالَّ لِلْقُوَى هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّشْرِيعِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ الْآفَةَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ تُوجِبُ الْآفَةَ فِي فِعْلِ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَلَفْظُ ثُمَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِتَرْتِيبِ هَذِهِ الْقُوَى فِي الْوُجُودِ وَالْمَحَلِّ بَلْ لِتَرْتِيبِ تَصَرُّفَاتِهَا، وَأَفْعَالِهَا فَإِنَّهُ يَرْتَسِمُ أَوَّلًا صُورَةُ الْمَحْسُوسِ ثُمَّ تُخْزَنُ ثُمَّ تَرْتَسِمُ مِنْهُ الْمَعَانِي ثُمَّ تُحْفَظُ ثُمَّ يَقَعُ بَيْنَهُمَا التَّرْكِيبُ وَالتَّفْصِيلُ فَلِذَا قَالَ: ثُمَّ بَعْدَهُ الْحَافِظَةُ فَأَشَارَ بِلَفْظِ بَعْدَ إلَى أَنَّ مَحَلَّهَا بَعْدَ مَحَلِّ الْوَهْمِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا تَمَّ هَذَا) أَيْ ارْتِسَامُ الصُّوَرِ وَالْمَعَانِي وَأَخَذُ الْمُفَكِّرَةِ إيَّاهُمَا مِنْ الطَّرَفَيْنِ تَنْتَزِعُ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ مِنْ الْمُفَكِّرَةِ عُلُومًا أَيْ صُوَرًا أَوْ مَعَانِيَ كُلِّيَّةً لِأَنَّهَا بِالتَّصَرُّفِ وَالتَّفَكُّرِ فِي الْأَشْخَاصِ الْجُزْئِيَّةِ تَكْتَسِبُ اسْتِعْدَادًا نَحْوُ قَبُولِ صُورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مَثَلًا، وَصُورَةِ الصَّدَاقَةِ الْكُلِّيَّتَيْنِ الْمُجَرَّدَتَيْنِ عَنْ الْعَوَارِضِ الْمَادِّيَّةِ قَبُولًا عَنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ الْمُتَنَفَّسِ بِهِمَا لِمُنَاسَبَةِ مَا بَيْنَ كُلِّ كُلِّيٍّ وَجُزْئِيَّاتِهِ، وَهَذَا هُوَ تَمَامُ التَّقْرِيبِ فِي أَنَّ نِهَايَةَ دَرْكِ الْحَوَاسِّ هُوَ بِدَايَةُ إدْرَاكِ الْعَقْلِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ لِلْعَقْلِ، وَأَمَّا تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فَمِمَّا لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّارِحِينَ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ، وَأَنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَى حَيْثُ، وَهُوَ لَازِمُ الظَّرْفِيَّةِ مِمَّا لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَرَبِيَّةِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَقْلَ نُورٌ يُضِيءُ بِهِ الطَّرِيقُ الَّذِي يُبْتَدَأُ بِهِ فِي الْإِدْرَاكَاتِ مِنْ جِهَةِ انْتِهَاءِ إدْرَاكِ الْحَوَاسِّ إلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا مَجَالَ فِيهِ لِدَرْكِ الْحَوَاسِّ، وَهُوَ طَرِيقُ إدْرَاكِ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْمُغَيَّبَاتِ مِنْ الْمُشَاهَدَاتِ فَإِنَّ

стр. 748

الْعَقْلِ، وَعَدَمَهُ يُعْرَفَانِ بِالْأَفْعَالِ (ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْعَقْلُ مُتَفَاوِتًا فِي أَفْرَادِ النَّاسِ) ، وَذَلِكَ التَّفَاوُتُ إنَّمَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ قَابِلِيَّةِ بَعْضِ النُّفُوسِ ذَلِكَ الْفَيْضَ وَالْإِشْرَاقَ لِشِدَّةِ صَفَائِهَا وَلَطَافَتِهَا فِي مَبْدَأِ الْفِطْرَةِ، وَنُقْصَانِ قَابِلِيَّةِ بَعْضِهَا لِكُدُورَتِهَا، وَكَثَافَتِهَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ (مُتَدَرِّجًا مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ) بِوَاسِطَةِ كَثْرَةِ الْعُلُومِ، وَرُسُوخِ الْمَلَكَاتِ الْمَحْمُودَةِ فِيهَا فَتَصِيرُ أَشَدَّ تَنَاسُبًا بِذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَيَزْدَادُ اسْتِضَاءَتُهَا بِأَنْوَارِهِ، وَاسْتِفَادَتِهَا مَغَانِمَ آثَارِهِ فَالْقَابِلِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ ــ [التلويح] طَرِيقَ إدْرَاكِ الْمَحْسُوسَاتِ مِمَّا يَسْلُكُهُ الْعُقَلَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ بَلْ الْبَهَائِمُ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْعَقْلِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ ثُمَّ انْتَهَى ذَلِكَ الطَّرِيقُ، وَأُرِيدَ سُلُوكُ طَرِيقِ إدْرَاكِ الْكُلِّيَّاتِ، وَاكْتِسَابِ النَّظَرِيَّاتِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قُوَّةٍ بِهَا يُتَمَكَّنُ مِنْ سُلُوكِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَهِيَ نُورٌ لِلنَّفْسِ بِهِ تَهْتَدِي أَيْ سُلُوكُهُ بِمَنْزِلَةِ نُورِ الشَّمْسِ فِي إدْرَاكِ الْمُبْصِرَاتِ فَإِذَا ابْتَدَأَ الْإِنْسَانُ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَشَرَعَ فِيهِ، وَرَتَّبَ الْمُقَدَّمَاتِ عَلَى مَا يَنْبَغِي يَتَبَدَّى الْمَطْلُوبُ لِلْقَلْبِ بِفَيْضِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَعْلُومَاتُ النَّفْسِ) يُرِيدُ بِهَذَا الْكَلَامِ الْإِشَارَةَ إلَى طَرِيقِ مَعْرِفَةِ حُصُولِ ذَلِكَ النُّورِ فِي الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْجُودَ إذَا لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِنَا أَثَرٌ فِي وُجُودِهِ يُسَمَّى الْعِلْمُ بِهِ نَظَرِيًّا، وَإِلَّا فَعِلْمِيًّا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَمَلٌ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ عِلْمٌ بِأَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَنْقَسِمُ الْحِكْمَةُ إلَى النَّظَرِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَيَحْصُلُ لِلنَّفْسِ الْقُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ وَالْقُوَّةُ الْعَمَلِيَّةُ، وَالْأُولَى مُكَمِّلَةٌ لِلنَّفْسِ وَالثَّانِيَةُ مُكَمِّلَةٌ لِلنَّفْسِ وَالْبَدَنِ بِتَحْرِيكِ الْبَدَنِ عَنْ الشُّرُورِ إلَى الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا التَّحْرِيكُ يَسْتَلْزِمُ الْمَعْرِفَةَ بِالْخَيْرِ، وَالشَّرِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَبِالْعَكْسِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الشُّرُورَ مُسْتَلَذَّاتُ الْبَدَنِ، وَمُلَاءَمَاتُ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبُ وَالْخَيْرَاتُ مَشَاقٌّ وَتَكَالِيفُ وَمُخَالِفَاتٌ لِلْهَوَى فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَيْلُ عَنْ الْمُلَائِمِ إلَى الْمُنَافِرِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرٌّ وَالثَّانِيَ خَيْرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْكَمَالَ مَحْبُوبٌ بِالذَّاتِ، وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إلَى الْكَمَالَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِتَطْوِيعِ الْقُوَى وَأَمْرِهَا بِالْخَيْرَاتِ فَإِذَا اكْتَسَبَتْ الْعِلْمَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَعَرَفَتْهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا خَيْرٌ وَشَرٌّ حَرَّكَتْ الْبَدَنَ نَحْوَ الْخَيْرِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ مَعْرِفَةُ الْخَيْرَاتِ وَالشُّرُورِ تَسْتَلْزِمُ قَابِلِيَّةَ النَّفْسِ لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ عَلَيْهَا بِمَعْنَى حُصُولِ الشَّرَائِطِ، وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ مِنْ جَانِبِهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَالْقَابِلِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْمَعْرِفَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَوْهَرَ الْمُفِيضَ دَائِمُ الْإِشْرَاقِ لَا انْقِطَاعَ لِفَيْضِهِ، وَلَا ضِنَّةَ مِنْ جَانِبِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ فِي الْإِضَاءَةِ فَيَكُونُ بَيْنَ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الشُّرُورِ وَبَيْنَ الْقَابِلِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْعَقْلِ تَلَازُمٌ فَيُسْتَدَلُّ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ عَلَى وُجُودِ الْعَقْلِ اسْتِدْلَالًا بِوُجُودِ الْمَلْزُومِ عَلَى وُجُودِ اللَّازِمِ وَيُسْتَدَلُّ مِنْ تَرْكِ الْخَيْرَاتِ عَلَى عَدَمِ الْعَقْلِ اسْتِدْلَالًا مِنْ عَدَمِ اللَّازِمِ عَلَى عَدَمِ الْمَلْزُومِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ لَمَّا كَانَ) يَعْنِي أَنَّ الْعَقْلَ مُتَفَاوِتٌ فِي أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ حُدُوثًا، وَبَقَاءً أَمَّا حُدُوثًا فَلِأَنَّ النُّفُوسَ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ الْفِطْرَةِ فِي الْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ بِاعْتِبَارِ زِيَادَةِ اعْتِدَالِ الْبَدَنِ

стр. 749

سَبَبٌ لِحُصُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ثُمَّ حُصُولُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ تِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ. (وَالِاطِّلَاعُ عَلَى حُصُولِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ مُتَعَذِّرٌ قَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْبُلُوغِ إذْ عِنْدَهُ يَتِمُّ التَّجَارِبُ بِتَكَامُلِ الْقُوَى الْجُسْمَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَرَاكِبُ لِلْقُوَى الْعَقْلِيَّةِ، وَمُسَخَّرَةٌ لَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ الْخِلَافُ فِي إيجَابِهِ الْحُسْنَ، وَالْقُبْحَ فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهٌ بِنَفْسِ ــ [التلويح] وَنُقْصَانِهِ فَكُلَّمَا كَانَ الْبَدَنُ أَعْدَلَ، وَبِالْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ أَشْبَهَ كَانَتْ النَّفْسُ الْفَائِضَةُ عَلَيْهِ أَكْمَلَ، وَإِلَى الْخَيْرَاتِ أَمْيَلَ، وَلِلْكِمَالَاتِ أَقْبَلَ وَهَذَا مَعْنَى صِفَاتِهَا، وَلِطَاقَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمِرْآةِ فِي قَبُولِ النُّورِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ فَبِالْعَكْسِ، وَهَذَا مَعْنَى كُدُورَتِهَا، وَكَثَافَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ فِي قَبُولِ النُّورِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ النَّفْسَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْمَلَ، وَأَقْبَلَ كَانَ النُّورُ الْفَائِضُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ الْمُسَمَّى بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ أَكْثَرَ. وَأَمَّا بَقَاءً وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ مُتَدَرِّجًا مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ فَلِأَنَّ النَّفْسَ كُلَّمَا ازْدَادَتْ فِي اكْتِسَابِ الْعُلُومِ بِتَكْمِيلِ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وَفِي تَحْصِيلِ الْمَلَكَاتِ الْمَحْمُودَةِ بِتَكْمِيلِ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ ازْدَادَتْ تَنَاسُبًا بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ الْكَامِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَازْدَادَتْ إفَاضَةُ نُورِهِ عَلَيْهَا لِازْدِيَادِ الِاسْتِفَاضَةِ بِازْدِيَادِ الْمُنَاسَبَةِ، وَلَمَّا تَفَاوَتَتْ الْعُقُولُ فِي الْأَشْخَاصِ تَعَذَّرَ الْعِلْمُ بِأَنَّ عَقْلَ كُلِّ شَخْصٍ هَلْ بَلَغَ الْمَرْتَبَةَ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ؟ فَقَدَّرَ الشَّارِعُ تِلْكَ الْمَرْتَبَةَ بِوَقْتِ الْبُلُوغِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ حُكْمِهِ كَمَا فِي السَّفَرِ، وَالْمَشَقَّةِ، وَذَلِكَ لِحُصُولِ شَرَائِطِ كَمَالِ الْعَقْلِ وَأَسْبَابِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى تَمَامِ التَّجَارِبِ الْحَاصِلَةِ بِالْإِحْسَاسَاتِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْإِدْرَاكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ، وَتَكَامُلِ الْقُوَى الْجُسْمَانِيَّةِ مِنْ الْمُدْرَكَةِ، وَالْمُحَرَّكَةِ الَّتِي هِيَ مَرَاكِبُ لِلْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهَا بِوَاسِطَتِهَا تَسْتَفِيدُ الْعُلُومَ ابْتِدَاءً، وَتَصِلُ إلَى الْمَقَاصِدِ، وَبِمَعُونَتِهَا يَظْهَرُ آثَارُ الْإِدْرَاكِ، وَهِيَ مُسَخَّرَةٌ، وَمُطِيعَةٌ لِلْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ تَأْمُرُهَا بِالْأَخْذِ، وَالْإِعْطَاءِ، وَاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ، وَالتَّحَرُّكِ لِلْإِدْرَاكَاتِ قَدْرَ مَا تَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فَتَحْصُلُ الْكَمَالَاتُ. (قَوْلُهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَمْرِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُهِمَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَحْرِيرُ الْمَبْحَثِ، وَتَلْخِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ لِيَتَأَتَّى النَّظَرُ فِي أَدِلَّةِ الْجَانِبَيْنِ، وَيَظْهَرَ صِحَّةُ الْمَطْلُوبِ، وَلَا نِزَاعَ لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى تَفَاصِيلِهَا مِثْلَ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي آخِرِ رَمَضَانَ، وَحُرْمَتِهِ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ، وَلَا نِزَاعَ لِلْأَشَاعِرَةِ فِي أَنَّ الشَّرْعَ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَقْلِ وَأَنَّ لِلْعَقْلِ مَدْخَلًا فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ حَتَّى صَرَّحُوا بِأَنَّ الدَّلِيلَ إمَّا عَقْلِيٌّ صِرْفٌ، وَإِمَّا مُرَكَّبٌ مِنْ عَقْلِيٍّ، وَسَمْعِيٍّ، وَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُ سَمْعِيًّا صِرْفًا لِأَنَّ صِدْقَ الشَّارِعِ بَلْ وُجُودُهُ، وَكَلَامُهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ الْعَاقِلَ إذَا لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَخِطَابُ الشَّارِعِ إمَّا لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَفْعَالِ، وَيَحْرُمُ بَعْضُهَا بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا

стр. 750

الْعَقْلِ) هَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْأَمْرِ (فَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ، وَشَاهِقُ الْجَبَلِ مُكَلَّفَانِ بِالْإِيمَانِ حَتَّى إنْ لَمْ يَعْتَقِدَا كُفْرًا، وَلَا إيمَانًا يُعَذَّبَانِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ يُعْذَرَانِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ كُفْرُ شَاهِقِ الْجَبَلِ فَيَضْمَنُ قَاتِلُهُ، وَلَا إيمَانُ الصَّبِيِّ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا إذْ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُ الْعَقْلِ بِالْعَقْلِ، وَلَا بِالشَّرْعِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ) أَيْ الشَّرْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَقْلِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيِّتِهِ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ دَالَّةٌ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا تُعْرَفُ شَرْعًا بَلْ عَقْلًا قَطْعًا لِلدُّورِ (لَكِنْ قَدْ يَتَطَرَّقُ الْخَطَأُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ) فَإِنَّ مَبَادِئَ الْإِدْرَاكَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الْحَوَاسُّ فَيَقَعُ الِالْتِبَاسُ بَيْنَ الْقَضَايَا الْوَهْمِيَّةِ، وَالْعَقْلِيَّةِ فَيَتَطَرَّقُ ــ [التلويح] فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ نَعَمْ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لَا إذْ لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، وَلَا تَعْذِيبَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ قَطْعًا لِلدَّوْرِ) يَعْنِي أَنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِهِ، وَبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِدَلَالَةِ الْمُعْجِزَاتِ فَلَوْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الشَّرْعِ لَزِمَ الدَّوْرُ. (قَوْلُهُ: وَثَانِيهِمَا مُعَارَضَةُ الْوَهْمِ الْعَقْلَ) فَإِنْ قِيلَ: الْوَهْمُ لَا يُدْرِكُ إلَّا الْمَعَانِيَ الْجُزْئِيَّةَ، وَالْعَقْلُ لَا يُدْرِكُ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ فَكَيْفَ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُمَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مُدْرِكَ الْكُلِّ هُوَ النَّفْسُ لَكِنَّهَا تُدْرِكُ الْكُلِّيَّاتِ بِالْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ وَالْجُزْئِيَّاتِ بِالْحَوَاسِّ، وَمَعْنَى الْمُعَارَضَةِ انْجِذَابُ النَّفْسِ إلَى آلَةِ الْوَهْمِ دُونَ الْعَقْلِ فِيمَا مَنْ حَقُّهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ الْعَقْلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إلْفَهَا بِالْحِسِّ، وَالْوَهْمِ، وَمُدْرَكَاتُهُمَا أَكْثَرُ. (قَوْلُهُ: فَهُوَ) أَيْ الْعَقْلُ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ فِي جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ النَّفْسِ، وَوَرَدَ بِهِ أَمْرُ الشَّارِعِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَطَرُّقِ الْخَطَأِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ فِي إدْرَاكِ شَيْءٍ، وَاكْتِسَابِ حُكْمٍ أَلْبَتَّةَ عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْإِسْمَاعِيلِيَّة فِي إثْبَاتِ الْحَاجَةِ إلَى الْمُعَلِّمِ. (قَوْلُهُ فَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ لَا يُكَلَّفُ بِالْإِيمَانِ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ حَتَّى الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ إلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا بِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَالْبَالِغُ وَالصَّبِيُّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عُذِرَ فِي عَمَلِ الْجَوَارِحِ لِضَعْفِ الْبِنْيَةِ بِخِلَافِ عَمَلِ الْقَلْبِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كَمَالَ الْعَقْلِ مُعَرِّفٌ لِلْوُجُوبِ، وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْعَقْلَ عِنْدَهُمْ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ كَمَا أَنَّ الْعَبْدَ مُوجِدٌ لِأَفْعَالِهِ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ كَفَرَتْ) أَيْ الْمُرَاهِقَةُ تَبِينُ عَنْ الزَّوْجِ لِأَنَّا إنَّمَا، وَضَعْنَا الْبُلُوغَ مَوْضِعَ كَمَالِ الْعَقْلِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ إذَا لَمْ تَعْرِفْ ذَلِكَ حَقِيقَةً أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ التَّوَجُّهُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ وَالْكُفْرِ فَلَا عُذْرَ فَإِنْ قِيلَ: إذَا نِيطَ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ دَارَ مَعَهُ وُجُودًا، وَعَدَمًا، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِحَقِيقَةِ السَّبَبِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْذَرَ الْمُرَاهِقَةُ الَّتِي كَفَرَتْ كَالْمُسَافِرِ سَفَرًا عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ أَصْلًا فَإِنَّهُ تَبْقَى الرُّخْصَةُ بِحَالِهَا قُلْنَا ذَاكَ فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا فِي الْأُصُولِ لَا سِيَّمَا فِي الْإِيمَانِ فَيَجِبُ إذَا وُجِدَ

стр. 751

الْغَلَطُ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَفْكَارِ كَمَا تَرَى مِنْ اخْتِلَافَاتِ الْعُقَلَاءِ بَلْ اخْتِلَافِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ فِي زَمَانَيْنِ فَصَارَ دَلِيلُنَا عَلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ أَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا التَّوَسُّطُ الْمَذْكُورُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَثَانِيهِمَا مُعَارَضَةُ الْوَهْمِ الْعَقْلَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ وَتَطَرُّقِ الْخَطَأِ فِيهَا (فَهُوَ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ) أَيْ الْعَقْلُ وَحْدَهُ غَيْرُ كَافٍ فِيمَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْرَيْنِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إمَّا إرْشَادٌ أَوْ تَنْبِيهٌ لِيَتَوَجَّهَ الْعَقْلُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ أَوْ إدْرَاكِ زَمَانٍ يَحْصُلُ لَهُ التَّجْرِبَةُ فِيهِ فَتُعِينُهُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ فَلِهَذَا اخْتَرْنَا التَّوَسُّطَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ، وَهِيَ قَوْلُهُ (فَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ لَا يُكَلَّفُ بِالْإِيمَانِ) لِعَدَمِ اسْتِيفَاءِ مُدَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عِلْمًا لِحُصُولِ ــ [التلويح] السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ أَوْ دَلِيلُهُ لِعِظَمِ خَطَرِهِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا) أَيْ مِثْلُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الشَّاهِقُ فِي الْجَبَلِ إذَا لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِالْإِيمَانِ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِفْ إيمَانًا، وَلَا كُفْرًا، وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ آمَنَ صَحَّ إيمَانُهُ، وَلَوْ وَصَفَ الْكُفْرَ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَ زَمَانَ التَّجْرِبَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا فَإِنْ، وُجِدَ زَمَانَ التَّجْرِبَةِ، وَالتَّمَكُّنِ فَلَيْسَ بِمَعْذُورٍ، وَإِلَّا فَمَعْذُورٌ، وَلَيْسَ فِي تَقْدِيرِ الزَّمَانِ دَلَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ أَوْ سَمْعِيَّةٌ بَلْ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنْ تَحَقَّقَ يُعْذَرُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا مُرَادُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ: لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ يُخَالِفُهُ لِمَا يَرَى فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ وَأَمَّا فِي الشَّرَائِعِ فَيُعْذَرُ إلَى قِيَامِ الْحُجَّةِ فَإِنْ قِيلَ: الشَّاهِقُ لَمَّا لَمْ يُكَلَّفْ بِالْإِيمَانِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُهْدَرَ دَمُهُ بَلْ يَضْمَنُ قَاتِلُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِصْمَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا فَقُتِلَ لَمْ يَضْمَنْ قَاتِلُهُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ إذَا قُتِلَا فِي دَارِ الْحَرْبِ [فَصْلٌ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً] . (قَوْلُهُ فَصْلٌ ثُمَّ الْأَهْلِيَّةُ) يَعْنِي بَعْدَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِيَّتِهِ لِلْحُكْمِ، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْعَقْلِ فَإِنَّ الْأَهْلِيَّةَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ أَيْ صَلَاحِيَّتُهُ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ، وَعَلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ أَيْ صَلَاحِيَّتُهُ لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا، وَالْأَوْلَى بِالذِّمَّةِ، وَلَمَّا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْبَعْضِ أَنَّ الذِّمَّةَ أَمْرٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الْفُقَهَاءِ يُعَبِّرُونَ عَنْ وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ حَاوَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ الذِّمَّةِ لُغَةً، وَشَرْعًا وَإِثْبَاتِهَا بِالنُّصُوصِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الذِّمَّةَ فِي اللُّغَةِ الْعَهْدُ فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِنْسَانَ مَحَلَّ أَمَانَتِهِ أَكْرَمَهُ بِالْعَقْلِ، وَالذِّمَّةِ حَتَّى صَارَ أَهْلًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ، وَعَلَيْهِ، وَثَبَتَ لَهُ حُقُوقُ الْعِصْمَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ كَمَا إذَا عَاهَدْنَا الْكُفَّارَ، وَأَعْطَيْنَاهُمْ الذِّمَّةَ تَثْبُتُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا

стр. 752

التَّجَارِبِ، وَكَمَالِ الْعَقْلِ (وَلَكِنْ يَصِحُّ مِنْهُ) اعْتِبَارًا لِأَصْلِ الْعَقْلَ، وَرِعَايَةً لِلتَّوَسُّطِ فَجَعَلْنَا مُجَرَّدَ الْعَقْلِ كَافِيًا لِلصِّحَّةِ وَشَرَطْنَا الِانْضِمَامَ الْمَذْكُورَ لِلْوُجُوبِ (وَالْمُرَاهِقَةُ إنْ غَفَلَتْ عَنْ الِاعْتِقَادَيْنِ لَا تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَإِنْ كَفَرَتْ تَبِينُ) فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تُدْرِكْ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ يُجْعَلْ مُجَرَّدُ عَقْلِهَا كَافِيًا فِي التَّوَجُّهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ لَكِنْ إنْ تَوَجَّهَتْ عُلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهَا أَدْرَكَتْ مُدَّةَ إفَادَتِهَا التَّوَجُّهَ فَجَعَلْنَا مُجَرَّدَ عَقْلِهَا كَافِيًا إذَا حَصَلَ التَّوَجُّهُ، وَشَرَطْنَا الِانْضِمَامَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّوَجُّهُ. (وَكَذَا الشَّاهِقُ) أَيْ لَا يُكَلَّفُ (قَبْلَ مُضِيِّ زَمَانٍ يَحْصُلُ فِيهِ التَّجْرِبَةُ) ، وَبَعْدَهُ يُكَلَّفُ فَلَا يَضْمَنُ قَاتِلُ الشَّاهِقِ، وَلَوْ قَبْلَ مُدَّةِ التَّجْرِبَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْجِبْ ــ [التلويح] هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِبَادِهِ يَوْمَ الْمِيثَاقِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَوَالَدُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي أَدْنَى مُدَّةٍ كَمَوْتِ الْكُلِّ بِالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ، وَحَيَاةِ الْكُلِّ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ فَصَوَّرَهُمْ، وَاسْتَنْطَقَهُمْ، وَأَخَذَ مِيثَاقَهُمْ ثُمَّ أَعَادَهُمْ جَمِيعًا فِي صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ أَنْسَانَا تِلْكَ الْحَالَةَ ابْتِلَاءً لِنُؤْمِنَ بِالْغَيْبِ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَاتِ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ خُصَّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِوُجُوبِ أَشْيَاءَ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَتَكَالِيفَ يُؤَاخَذُ بِهَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ بِهَا يَصِيرُ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ فَهِيَ وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِمَا لَهُ، وَمَا عَلَيْهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا صَادِقٌ عَلَى الْعَقْلِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيمَا سَبَقَ وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ وَصْفٍ مُغَايِرٍ لِلْعَقْلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَقْلَ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ الْعَقْلُ إنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّدِ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَالْوُجُوبُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَصْفِ الْمُسَمَّى بِالذِّمَّةِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ ثُبُوتُ الْعَقْلِ بِدُونِ ذَلِكَ الْوَصْفِ كَمَا لَوْ رُكِّبَ الْعَقْلُ فِي حَيَوَانٍ غَيْرِ الْآدَمِيِّ لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ لِكَوْنِ الْإِنْسَانِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَهُ، وَعَلَيْهِ، وَالْعَقْلُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ وَجَبَ أَوْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا قُلْتُ مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَلَمَّا كَانَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِهِ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ ظَرْفٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْوُجُوبُ دَلَالَةً عَلَى كَمَالِ التَّعَلُّقِ، وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا الْوُجُوبَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ الْمَاضِي كَمَا يُقَالُ وَجَبَ فِي الْعَهْدِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّمَّةِ فِي الشَّرْعِ نَفْسٌ، وَرَقَبَةٌ لَهَا ذِمَّةٌ وَعَهْدٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ، وَجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِذَلِكَ الْعَهْدِ فَالرَّقَبَةُ تَفْسِيرٌ لِلنَّفْسِ، وَالْعَهْدُ تَفْسِيرٌ لِلذِّمَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَحَلِّ بِاسْمِ الْحَالِ، وَالْمَقْصُودُ وَاضِحٌ. (قَوْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]

стр. 753

عِصْمَةً بِدُونِ دَارِ الْإِسْلَامِ . (فَصْلٌ) ثُمَّ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ: أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ أَمَّا الْأُولَى فَبِنَاءً عَلَى الذِّمَّةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْعَهْدُ، وَفِي الشَّرْعِ وَصْفٌ يَصِيرُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِمَا لَهُ، وَعَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] هَذِهِ الْآيَةُ إخْبَارٌ عَنْ عَهْدٍ جَرَى بَيْنَ اللَّهِ، وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ، وَعَنْ إقْرَارِهِمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِمْ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقٍ تَجِبُ لِلرَّبِّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَصْفٍ يَكُونُونَ بِهِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ فَيَثْبُتُ لَهُمْ الذِّمَّةُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. (وَقَالَ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] الْعَرَبُ كَانُوا يَنْسُبُونَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ إلَى الطَّائِرِ فَإِنْ مَرَّ سَانِحًا يَتَيَمَّنُونَ بِهِ وَإِنْ مَرَّ بَارِحًا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ ــ [التلويح] ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّهُ تَمْثِيلٌ وَالْمُرَادُ نَصْبُ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّة الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الضَّلَالِ، وَالْهُدَى وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ [الإسراء: ١٣] الْآيَةُ تَمْثِيلٌ لِلُزُومِ الْعَمَلِ لَهُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ لِلْعُنُقِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ اسْتِعَارَةٍ فِي الْعُنُقِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا يُقَالُ جُعِلَ الْقَضَاءُ فِي عُنُقِهِ لَا يُرَادُ وَصْفٌ بِهِ صَارَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مُجَرَّدُ الْإِلْزَامِ، وَالِالْتِزَامِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ إلَى عُلَمَاءِ الْبَيَانِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] فَالْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ الطَّاعَةُ الْوَاجِبَةُ الْأَدَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا لِعِظَمِهَا بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَتْ عَلَى هَذِهِ الْأَجْرَامِ الْعِظَامِ، وَكَانَتْ ذَاتَ شُعُورٍ وَإِدْرَاكٍ لَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ مَعَ ضَعْفِ بِنْيَتِهِ، وَرَخَاوَةِ قُوَّتِهِ لَا جَرَمَ فَإِذَا الرَّاعِي لَهَا، وَالْقَائِمُ بِحُقُوقِهَا بِخَيْرِ الدَّارَيْنِ أَنَّهُ كَانَ ظَلُومًا حَيْثُ لَمْ يَفِ بِهَا، وَلَمْ يُرَاعِ حُقُوقَهَا جَهُولًا بِكُنْهِ عَاقِبَتِهَا، وَهَذَا وَصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ، وَقِيلَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَجْرَامَ خَلَقَ فِيهَا فَهْمًا، وَقَالَ لَهَا إنِّي فَرَضْتُ فَرِيضَةً، وَخَلَقْتُ جَنَّةً لِمَنْ أَطَاعَنِي وَنَارًا لِمَنْ عَصَانِي فَقُلْنَ نَحْنُ مُسَخَّرَاتٌ عَلَى مَا خُلِقْنَا لَا نَحْمِلُ فَرِيضَةً، وَلَا نَبْغِي ثَوَابًا، وَلَا عِقَابًا، وَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَرَضَ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَحَمَلَهُ، وَكَانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ بِتَحَمُّلِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا جَهُولًا بِوَخَامَةِ عَاقِبَتِهِ، وَقِيلَ: الْأَمَانَةُ الْعَقْلُ وَالتَّكْلِيفُ، وَعَرَضُهَا عَلَيْهِنَّ اعْتِبَارُهَا بِالْإِضَافَةِ إلَى اسْتِعْدَادِهِنَّ، وَإِبَاؤُهُنَّ عَدَمُ اللِّيَاقَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَحَمَلَ الْإِنْسَانَ قَابِلِيَّتُهُ وَاسْتِعْدَادُهُ، وَكَوْنُهُ ظَلُومًا جَهُولًا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَالشَّهَوِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحَمْلِ عَلَيْهِ فَإِنَّ مِنْ فَوَائِدِ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ مُهَيْمِنًا عَلَى الْقُوَّتَيْنِ حَافِظًا لَهُمَا عَنْ التَّعَدِّي، وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، وَالْعِظَمِ. مَقَاصِدُ التَّكْلِيفِ تَعْدِيلُهُمَا، وَكَسْرُ سَوْرَتِهِمَا فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ وَصْفًا بِهِ يَصِيرُ أَهْلًا لِمَا عَلَيْهِ، وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ دَلَالَةٍ لِلْعِتْقِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى اعْتِبَارِ الِاسْتِعَارَةِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْكَلَامِ، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ مَبْنَى هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَلْزَمُهُ

стр. 754

فَاسْتُعِيرَ الطَّائِرُ لِمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَهُوَ قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدَرُهُ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا وَسِيلَةٌ لَهُمْ إلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَالْمَعْنَى أَلْزَمْنَاهُ مَا قُضِيَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍ، وَأَلْزَمْنَاهُ عَمَلَهُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ أَوْ الْغُلِّ الْعُنُقَ أَيْ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَبَدًا فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى لُزُومِ الْعَمَلِ لِلْإِنْسَانِ فَمَحَلُّ ذَلِكَ اللُّزُومُ، وَهُوَ الذِّمَّةُ فَقَوْلُهُ فِي عُنُقِهِ اسْتَعَارَ الْعُنُقَ لِذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي بِهِ يَلْزَمُ التَّكْلِيفُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ أَوْ الْغُلِّ الْعُنُقَ. (وَقَالَ: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِحَمْلِ أَعْبَاءِ التَّكْلِيفِ أَيْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ وَصْفًا هُوَ بِهِ يَصِيرُ أَهْلًا لِمَا عَلَيْهِ وَقَدْ فَسَّرَ الذِّمَّةَ بِوَصْفٍ يَصِيرُ هُوَ بِهِ أَهْلًا لِمَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَلَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى وَصْفٍ يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِمَا لَهُ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا إثْبَاتُ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذَا كَافِيًا فِي إثْبَاتِ الْمَقْصُودِ، وَأَمَّا الدَّلَائِلُ ــ [التلويح] وَيَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ وَصْفٍ بِهِ يَصِيرُ أَهْلًا لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى هَذِهِ التَّكَالِيفِ بَلْ دَلَالَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَظْهَرُ، وَكَذَا ثُبُوتُ الْحُقُوقِ لَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ وَصْفًا هُوَ الذِّمَّةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِذَاتِ الْإِنْسَانِ عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الرِّزْقِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْإِنْسَانِ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الذِّمَّةِ لِكُلِّ دَابَّةٍ. (قَوْلُهُ فَإِنْ مَرَّ سَانِحًا) السَّانِحُ مَا وَلَّاكَ مَيَامِنَهُ أَيْ يَمُرُّ مِنْ مَيَاسِرِكَ إلَى مَيَامِنِكَ وَالْبَارِحُ بِالْعَكْسِ، وَالْعَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِالْبَارِحِ، وَتَتَفَاءَلُ بِالسَّانِحِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَرْمِيَهُ حَتَّى يَنْحَرِفَ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ اُسْتُعِيرَ الطَّائِرُ لِمَا هُوَ سَبَبُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدَرِهِ، وَعَمَلِ الْعَبْدِ فَإِنَّ مَا قُدِّرَ لِلْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ طَائِرٍ يَطِيرُ إلَيْهِ مِنْ عُشِّ الْغَيْبِ وَوَكْرِ الْقَدَرِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ التَّسَامُحِ حَيْثُ جَعَلَ الطَّائِرَ اسْتِعَارَةً لِسَبَبِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَيْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ، وَأَعْمَالِ الْعِبَادِ، ثُمَّ قَالَ فَالْمَعْنَى أَلْزَمْنَاهُ مَا قُضِيَ لَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَشَرٍّ فَجُعِلَ الطَّائِرُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ الْمَقْضِيِّ بِهِ ثُمَّ الْقَضَاءُ هُوَ الْحُكْمُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَمْرُ أَوَّلًا، وَالْقَدَرُ هُوَ التَّقْدِيرُ، وَالتَّفْصِيلُ بِالْإِظْهَارِ، وَالْإِيجَادُ ثَانِيًا، وَفِي كَلَامِ الْحُكَمَاءِ أَنَّ الْقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، وَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مُجْتَمِعَةً مُجْمَلَةً عَلَى سَبِيلِ الْإِبْدَاعِ، وَالْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِهَا مُفَصَّلَةً مُنَزَّلَةً فِي الْأَعْيَانِ بَعْدَ حُصُولِ الشَّرَائِطِ كَمَا قَالَ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا يُقَالُ إنَّ الْقَضَاءَ مَا فِي الْعِلْمِ وَالْقَدَرَ مَا فِي الْإِرَادَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ فَهُنَاكَ شَيْئَانِ: الْإِرَادَةُ وَالْقَوْلُ فَالْإِرَادَةُ قَضَاءٌ، وَالْقَوْلُ قَدَرٌ. (قَوْلُهُ: فَقَبْلَ الْوِلَادَةِ) يَعْنِي أَنَّ الْجَنِينَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْأُمِّ جُزْءٌ مِنْهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا، وَيَقِرُّ بِقَرَارِهَا وَمُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ التَّفَرُّدِ بِالْحَيَاةِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلِانْفِصَالِ فَيَكُونُ لَهُ ذِمَّةٌ مِنْ وِجْهَةٍ حَتَّى يَصِلَ وُجُوبُ الْحُقُوقِ لَهُ كَالْإِرْثِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّسَبِ لَا لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى الْوَلِيُّ لَهُ شَيْئًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ

стр. 755

الدَّالَّةُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِمَا لَهُ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وَنَحْوِهِمَا. (فَقَبْلَ الْوِلَادَةِ لَهُ ذِمَّةٌ مِنْ وَجْهٍ يَصْلُحُ لِيَجِبَ لَهُ الْحَقُّ لَا لِيَجِبَ عَلَيْهِ فَإِذَا وُلِدَ تَصِيرُ ذِمَّتُهُ مُطْلَقَةً لَكِنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِنَفْسِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ حُكْمُهُ، وَهُوَ الْأَدَاءُ فَكُلُّ مَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ وَمَا لَا يُمْكِنُ فَلَا فَحُقُوقُ الْعِبَادِ مَا كَانَ مِنْهَا غُرْمًا، وَعَرَضًا يَجِبُ) أَيْ عَلَى الصَّبِيِّ، وَهَذَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا وُلِدَ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَالُ وَأَدَاؤُهُ يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ، وَكَذَا مَا كَانَ صِلَةً تُشْبِهُ الْمُؤَنَ أَوْ الْأَعْوَاضَ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ) نَظِيرُ الصِّلَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْمُؤَنَ (وَالزَّوْجَةِ) نَظِيرُ الصِّلَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْأَعْوَاضَ (لَا صِلَةً تُشْبِهُ الْأَجْزِيَةَ) أَيْ لَا يَجِبُ (فَلَا يَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ) أَيْ لَا يَتَحَمَّلُ الصَّبِيُّ الدِّيَةَ. (وَإِنْ ــ [التلويح] وَأَمَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْ الْأُمِّ فَيَصِيرُ ذِمَّتُهُ مُطْلَقَةً لِصَيْرُورَتِهِ نَفْسًا مُسْتَقِلَّةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَصِيرُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ حَتَّى كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ كُلُّ حَقٍّ يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْأَدَاءِ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوُجُوبِ هُوَ الْأَدَاءُ اخْتَصَّ وَاجِبَاتِهِ بِمَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ عَنْهُ فَلِهَذَا اُحْتِيجَ إلَى تَفْصِيلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَمَيُّزِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَمَّا لَا يَجِبُ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ. (قَوْلُهُ كَنَفَقَةِ الْقُرْبِ) فَإِنَّهَا صِلَةٌ تُشْبِهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ كِفَايَةً لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَقَارِبُهُ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجِ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الْأَعْرَاضَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا وَجَبَتْ جَزَاءً لِلِاحْتِبَاسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا عِنْدَ الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ صِلَةً لَا عِوَضًا مَحْضًا لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بِطَرِيقِ التَّسْمِيَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْأَعْوَاضِ فَلِكَوْنِهَا صِلَةً تَسْقُطُ بِمَعْنَى الْمُدَّةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْتِزَامٌ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وَلِشَبَهِهَا بِالْأَعْوَاضِ تَصِيرُ دِينًا بِالِالْتِزَامِ. (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا) أَيْ الصَّبِيُّ لَا يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ وَإِنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ، وَتَمْيِيزٍ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَإِنْ كَانَتْ صِلَةً إلَّا أَنَّهَا تُشْبِهُ جَزَاءَ التَّقْصِيرِ فِي حِفْظِ الْقَاتِلِ عَنْ فِعْلِهِ، وَالصَّبِيُّ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا إيهَامُ أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَاقِلَةِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الدِّيَةِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الْعَاقِلَةِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَاقِلَةِ. (قَوْلُهُ فَالْعِبَادَاتُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصَّبِيِّ فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ الْإِيمَانُ، وَهُوَ لَيْسَ بِبَدَنِيٍّ، وَلَا مَالِيٍّ لِكَوْنِهِ عَمَلُ الْقَلْبِ قُلْتُ: جَعَلَهُ مِنْ الْبَدَنِيَّةِ تَغْلِيبًا أَوْ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ اللِّسَانِ، وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا عَقَلَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفْسُ الْإِيمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ لِأَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ يَثْبُتُ بِأَسْبَابِهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ إذَا لَمْ يَخْلُ عَنْ فَائِدَةٍ، وَحُدُوثُ الْعَالَمِ وَهُوَ السَّبَبُ مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا الْخِطَابُ فَإِنَّمَا هُوَ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ فَلَوْ أَدَّى الْإِيمَانَ بِالْإِقْرَارِ مَعَ التَّصْدِيقِ

стр. 756

كَانَ عَاقِلًا) فِي هَذَا الْكَلَامِ إبْهَامٌ (لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جَزَاءَ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْهُ عَمَّا فَعَلَ، وَلَا الْعُقُوبَةَ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ الْعُقُوبَةُ (كَالْقِصَاصِ، وَلَا الْأَجْزِيَةَ كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ عَلَى مَا مَرَّ) فِي بَابِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ بِالْقَتْلِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ. (وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَالْعِبَادَاتُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ أَمَّا الْبَدَنِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ) ؛ لِأَنَّ الصِّبَا سَبَبُ الْعَجْزِ (وَأَمَّا الْمَالِيَّةُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْأَدَاءُ لَا الْمَالُ فَلَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ) فَصَارَتْ كَالْبَدَنِيَّةِ (وَلَا الْعُقُوبَاتُ كَالْحُدُودِ وَلَا عِبَادَةٌ فِيهَا مُؤْنَةٌ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِرُجْحَانِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَيَجِبُ عِنْدَهُمَا اجْتِزَاءً) أَيْ اكْتِفَاءً (بِالْأَهْلِيَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَمَا كَانَ مُؤْنَةً مَحْضَةً كَالْعُشْرِ، وَالْخَرَاجِ يَجِبُ، وَعَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ) وَهُوَ أَنَّ مَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ، وَمَا لَا ــ [التلويح] وَقَعَ فَرْضًا لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّفَلَ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّ الصِّبَا يَصْلُحُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرِ النَّوْمِ، وَالْإِغْمَاءِ بِخِلَافِ نَفْسِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ، وَالصِّبَا لَا يُنَافِيهِ فَيَبْقَى نَفْسُ الْوُجُوبِ وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ الصَّبِيِّ، وَهُوَ يَأْبَاهُ بَعْدَ مَا عَرَضَهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَذَهَبَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ، وَإِنْ عَقَلَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ حُكْمِهِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ لَكِنْ إذَا أَدَّى يَكُونُ الْإِيمَانُ الْمُؤَدَّى فَرْضًا لِأَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ إنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ عَدَمِ الْحُكْمِ فَقَطْ، وَإِلَّا فَالسَّبَبُ وَالْمَحَلُّ قَائِمٌ فَإِذَا وُجِدَ وُجِدَ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَعُ فَرْضًا. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْمَالِيَّةُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْأَدَاءُ) يَعْنِي أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ شَرْعِيَّةِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ مَثَلًا هُوَ الْأَدَاءُ لِيَظْهَرَ الْمُطِيعُ عَنْ الْعَاصِي لَا الْمَالُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ الْأَدَاءَ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ عَدَمِ أَدَاءِ الْبَعْضِ خِلَافُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُحَالٌ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِمَعْرِفَتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْبَعْضِ خِلَافُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى هَذِهِ الْإِجَابَةُ إلَى مَا قِيلَ: إنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ هُوَ الْأَدَاءُ فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ الِائْتِمَارَ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَالْمَقْصُودُ الِابْتِلَاءُ، وَإِلْزَامُ الْحُجَّةِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَجْرِي النِّيَابَةُ فِي الْمَالِيَّةِ كَمَا إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ بِأَدَاءِ زَكَاتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَى الصَّبِيِّ وَيُؤَدِّيَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَ النَّائِبِ فِي النِّيَابَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ فَيَصْلُحُ عِبَادَةً بِخِلَافِ النِّيَابَةِ الْجَبْرِيَّةِ كَنِيَابَةِ الْوَلِيِّ. (قَوْلُهُ: مُؤْنَةٌ مَحْضَةٌ كَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ) يَعْنِي بِالْمَحْضِ أَنَّهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَالْقَصْدُ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي الْعُشْرِ وَالْعُقُوبَةِ فِي الْخَرَاجِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَصْفِ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ. (قَوْلُهُ وَالْكَامِلَةُ) أَيْ الْقُدْرَةُ الْكَامِلَةُ تَكُونُ بِالْعَقْلِ الْكَامِلِ أَيْ الْمَقْرُونُ بِقُوَّةِ الْبَدَنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَهْمِ الْخِطَابِ بَلْ مَعَ قُدْرَةِ الْعَمَلِ

стр. 757

فَلَا. (قُلْنَا لَوْ وَجَبَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْحَيْضُ يُنَافِيهَا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ، وَفِي قَضَائِهَا حَرَجٌ فَيَسْقُطُ أَصْلُ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ إذْ لَيْسَ فِي الْقَضَاءِ حَرَجٌ، وَالْأَدَاءُ مُحْتَمَلٌ) أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَدَاءُ الصَّوْمِ مِنْ الْحَائِضِ وَاجِبًا (لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ، وَعَدَمُ جَوَازِهِ مِنْهَا) أَيْ عَدَمُ جَوَازِ الصَّوْمِ مِنْ الْحَائِضِ (خِلَافُ الْقِيَاسِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْخَلَفِ) أَيْ يَنْتَقِلُ الْوُجُوبُ إلَى الْخَلَفِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ (وَالْجُنُونُ الْمُمْتَدُّ بِوُجُوبِ الْحَرَجِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَذَا الْإِغْمَاءُ الْمُمْتَدُّ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِغْمَاءُ (يَنْدُرُ مُسْتَوْعِبًا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ) أَيْ أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ (فَقَاصِرَةٌ، وَكَامِلَةٌ، وَكُلٌّ تَثْبُتُ بِقُدْرَةٍ كَذَلِكَ) أَيْ أَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ الْقَاصِرَةِ تَثْبُتُ بِقُدْرَةٍ قَاصِرَةٍ ــ [التلويح] بِهِ، وَهُوَ بِالْبَدَنِ فَإِذَا كَانَتْ كِلْتَا الْقُدْرَتَيْنِ مُنْحَطَّةً عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ كَمَا فِي الصَّبِيِّ الْغَيْرِ الْعَاقِلِ أَوْ إحْدَاهُمَا كَمَا فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ الْبَالِغِ كَانَتْ الْأَهْلِيَّةُ نَاقِصَةً. (قَوْلُهُ فَمَا يَثْبُتُ) بِالْقُدْرَةِ النَّاقِصَةِ أَقْسَامٌ لِأَنَّهَا إمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حُقُوقُ الْعِبَادِ، وَالْأَوَّلُ إمَّا حَسَنٌ لَا يَحْتَمِلُ الْقُبْحَ، وَإِمَّا قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ الْحُسْنَ وَإِمَّا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، وَالثَّانِي إمَّا نَفْعٌ مَحْضٌ أَوْ ضَرَرٌ مَحْضٌ أَوْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا صَارَتْ سِتَّةً وَأَحْكَامُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمَتْنِ. (قَوْلُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فِيمَا هُوَ حَسَنٌ، وَفِيهِ نَفْعٌ مَحْضٌ) يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ وَفُرُوعَهُ حَسَنٌ، وَفِيهِ نَفْعٌ مَحْضٌ فَلَا يَلِيقُ بِالشَّارِعِ الْحَكِيمِ الْحَجْرُ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ: هُوَ يَحْتَمِلُ الضَّرَرَ بِالِالْتِزَامِ، وَالْعُهْدَةِ حَيْثُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ إلَّا مِنْ جِهَةِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، وَلُزُومُ الْأَدَاءِ هُوَ مَوْضُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعُذْرِ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْإِكْرَاهِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْأَدَاءِ وَصِحَّتُهُ فَنَفْعٌ مَحْضٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ: نَفْسُ الْأَدَاءِ أَيْضًا يَحْتَمِلُ الضَّرَرَ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ عَنْ مُوَرِّثِهِ الْكَافِرِ، وَالْفُرْقَةِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الْمُشْرِكَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا مُضَافَانِ إلَى إسْلَامِ الصَّبِيِّ بَلْ إلَى كُفْرِ الْمُوَرِّثِ وَالزَّوْجَةِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُمَا مِنْ ثَمَرَاتِ إسْلَامِهِ وَأَحْكَامُهُ اللَّازِمَةُ مِنْهُ ضِمْنًا لَا مِنْ أَحْكَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ الْمَوْضُوعَةِ هُوَ لَهَا لِظُهُورِ أَنَّ الْإِيمَانَ إنَّمَا وُضِعَ لِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَصِحَّةُ الشَّيْءِ إنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي وُضِعَ هُوَ لَهُ لَا مِمَّا يَلْزَمُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ وَرِثَ قَرِيبَهُ أَوْ وُهِبَ مِنْهُ قَرِيبُهُ فَقَبِلَهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلْإِرْثِ، وَالْهِبَةِ هُوَ الْمِلْكُ بِلَا عِوَضٍ لَا الْعِتْقُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا) أَيْ حِرْمَانُ الْإِرْثِ عَنْ الْمُوَرَّثِ الْكَافِرِ، وَالْفُرْقَةُ عَنْ الزَّوْجَةِ الْوَثَنِيَّةِ يَثْبُتَانِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ إيمَانُ الصَّبِيِّ تَبَعًا بِأَنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَلَمْ يُعَدَّ إضْرَارًا يَمْنَعُ صِحَّةَ ثُبُوتِ الْإِيمَانِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ الثَّمَرَاتِ وَاللَّوَازِمِ

стр. 758

وَأَهْلِيَّةُ الْأَدَاءِ الْكَامِلَةِ تَثْبُتُ بِقُدْرَةٍ كَامِلَةٍ. (وَالْقُدْرَةُ الْقَاصِرَةُ تَثْبُتُ بِالْعَقْلِ الْقَاصِرِ، وَهُوَ عَقْلُ الصَّبِيِّ، وَالْمَعْتُوهِ وَالْكَامِلَةُ بِالْعَقْلِ الْكَامِلِ، وَهُوَ عَقْلُ الْبَالِغِ غَيْرِ الْمَعْتُوهِ فَمَا يَثْبُتُ بِالْقَاصِرَةِ أَقْسَامٌ فَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى كَالْإِيمَانِ وَفُرُوعِهِ تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ لِقَوْلِهِ ﵊ «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ) بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغُوا سَبْعًا وَاضْرِبُوهُمْ إذَا بَلَغُوا عَشْرًا» (وَإِنَّمَا الضَّرْبُ لِلتَّأْدِيبِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ يُضْرَبُ، وَالضَّرْبُ عُقُوبَةٌ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الضَّرْبَ لِلتَّأْدِيبِ، وَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ (وَلِأَنَّهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ (أَهْلٌ لِلثَّوَابِ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا وُجِدَ لَا يَنْعَدِمُ شَرْعًا إلَّا بِحَجْرِهِ) أَيْ بِحَجَرِ الشَّرْعِ، وَهُوَ بَاطِلٌ فِيمَا هُوَ حَسَنٌ، وَفِيهِ نَفْعٌ مَحْضٌ وَلَا ضَرَرَ إلَّا فِي لُزُومِ أَدَائِهِ، وَهُوَ عَنْهُ مَوْضُوعٌ (وَأَمَّا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ، وَالْفُرْقَةُ فَيُضَافَانِ إلَى كُفْرِ الْآخَرِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ ــ [التلويح] لَا مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْإِيمَانِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُعْتَبَرُ) مِنْ الصَّبِيِّ أَيْضًا كَمَا يُعْتَبَرُ مِنْهُ الْإِيمَانُ إذْ لَوْ عُفِيَ عَنْهُ الْكُفْرُ، وَجُعِلَ مُؤْمِنًا لَصَارَ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا بِهِ لِأَنَّ الْكُفْرَ جَهْلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَامِهِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْجَهْلُ لَا يُجْعَلُ عِلْمًا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَكَيْفَ فِي حَقِّ رَبِّ الْأَرْبَابِ فَيَصِحُّ ارْتِدَادُ الصَّبِيِّ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْكُفْرِ، وَدُخُولَ الْجَنَّةِ مَعَ الشِّرْكِ مِمَّا لَمْ يَرِدُ بِهِ شَرْعٌ، وَلَا حَكَمَ بِهِ عَقْلٌ كَذَا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى تَبِينَ مِنْهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ، وَيَحْرُمَ الْمِيرَاثُ مِنْ مُوَرِّثِهِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الرِّدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَحْظُورٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمَشْرُوعِيَّةَ بِحَالٍ، وَلَا يَسْقُطُ بِعُذْرٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِارْتِدَادِ بَلْ بِالْمُحَارَبَةِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَلْ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ حَالَ الصِّبَا شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ. (قَوْلُهُ بِلَا عُهْدَةٍ) أَيْ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ، وَالْعَبْدَ بِتَصَرُّفَاتِهِمَا بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ عُهْدَةٌ لِأَنَّ مَا فِيهِ احْتِمَالَ الضَّرَرِ لَا يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْوَلِيُّ فَيَنْدَفِعَ قُصُورُ رَأْيِهِ بِانْضِمَامِ رَأْيِ الْوَلِيِّ فَيَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ. (قَوْلُهُ: وَلَا مُبَاشَرَتُهُ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْوَلِيِّ نَظَرِيَّةٌ، وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إثْبَاتُ الْوِلَايَةِ فِيمَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْحَقُّ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي إثْبَاتِ أَصْلِ الْحُكْمِ حَتَّى يَمْلِكَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ الزَّوْجَةُ، وَأَبَى الزَّوْجُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا إذَا ارْتَدَّ الزَّوْجُ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: إلَّا الْقَرْضَ) أَيْ الْإِقْرَاضَ إذْ اسْتِقْرَاضُ مَالِ الصَّبِيِّ يَجُوزُ لِلْأَبِ دُونَ الْقَاضِي، وَأَمَّا الْإِقْرَاضُ فَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ قَطْعُ الْمِلْكِ عَنْ الْعَيْنِ بِبَدَلِهِ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَلِيٍّ فِي الْغَالِبِ فَيُشْبِهُ التَّبَرُّعَ فَلَا يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ، وَأَمَّا الْقَاضِي فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَطْلُبَ مَلِيًّا، وَيُقْرِضَهُ مَالَ الْيَتِيمِ، وَيَكُونَ الْبَدَلُ مَأْمُونَ

стр. 759

لُزُومَ أَدَاءِ الْإِسْلَامِ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا عَنْ الصَّبِيِّ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِإِسْلَامِهِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ عَنْ مُوَرِّثِهِ الْكَافِرِ، وَلَا الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الْوَثَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَرَرٌ فَأَجَابَ بِأَنَّهُمَا يُضَافَانِ إلَى كُفْرِ الْآخَرِ لَا إلَى إسْلَامِهِ (وَأَيْضًا هُمَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ) وَإِنَّمَا يُعْرَفُ صِحَّةُ الشَّيْءِ بِحُكْمِهِ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وَهُوَ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَثْبُتَانِ تَبَعًا، وَلَمْ يُعَدَّا ضَرَرًا حَتَّى لَوْ كَانَ ضَرَرًا لَا يَلْزَمُ بِتَبَعِيَّةِ الْأَبِ إذْ تَصَرُّفَاتُ الْأَبِ لَا تَلْزَمُ الصَّغِيرَ فِيمَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ (وَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُعْتَبَرُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ لَا يُعَدُّ عِلْمًا فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ فَيَلْزَمُ أَحْكَامُ الْآخِرَةِ) لِأَنَّهَا تَتْبَعُ الِاعْتِقَادِيَّات وَالِاعْتِقَادِيَّات أُمُورٌ مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً لَا مَرَدَّ لَهَا بِخِلَافِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ (وَكَذَا أَحْكَامُ الدُّنْيَا لِأَنَّهَا تَثْبُتُ ضِمْنًا) أَيْ لِأَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا تَثْبُتُ بِالْكُفْرِ ضِمْنًا وَالْأَحْكَامُ الْقَصْدِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ هِيَ الْأَحْكَامُ الْأُخْرَوِيَّةُ، وَلَمَّا كَانَتْ ثَابِتَةً ضِمْنًا تَثْبُتُ، وَإِنْ كَانَتْ ضَرَرًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدًا مَا هُوَ ضَرَرٌ دُنْيَوِيٌّ (عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ تَبَعًا ــ [التلويح] التَّلَفِ بِاعْتِبَارِ الْمُلَاءَةِ، وَعِلْمِ الْقَاضِي وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّحْصِيلِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَبَيِّنَةٍ وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الْقَاضِي أَقْدَرَ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ وَمَا كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا) أَيْ مُحْتَمِلًا لِلنَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ، وَيَحْتَمِلُ الرِّبْحَ، وَالْخُسْرَانَ، وَكَذَا الشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ، وَالنِّكَاحُ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَ احْتِمَالَ الضَّرَرِ بِاعْتِبَارِ خُرُوجِ الْبَدَلِ عَنْ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ بَاعَ الشَّيْءَ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ كَانَ ضَرَرًا وَنَفْعًا، وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَنْدَفِعَ الضَّرَرُ بِحَالٍ قَطُّ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ احْتِمَالَ الضَّرَرِ يَنْدَفِعُ بِانْضِمَامِ رَأْيِ الْوَلِيِّ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَيْ الصَّبِيَّ أَهْلٌ لِحُكْمِهِ) أَيْ حُكْمِ مَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ إذَا بَاشَرَهُ الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمْلِكُ الثَّمَنَ إذَا بَاعَ الْوَلِيُّ مَالَهُ، وَيَمْلِكُ الْعَيْنَ إذَا اشْتَرَاهَا لَهُ، وَيَمْلِكُ الْأُجْرَةَ إذَا أَجَّرَ عَيْنًا لَهُ. (قَوْلُهُ وَتَوْسِيعُ طَرِيقِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ) حَيْثُ يَثْبُتُ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ، وَمُبَاشَرَةِ الصَّبِيِّ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا) أَيْ تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّفْعَ وَالضَّرَرَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ أَنَّهُ يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ حَتَّى كَانَ الصَّبِيُّ آلَةً فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ تَصَرُّفُ الْوَلِيِّ، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَأْيَ الْوَلِيِّ شَرْطٌ لِلْجَوَازِ، وَعُمُومُ رَأْيِهِ كَخُصُوصِهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْوَلِيَّ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ يَعْنِي أَنَّ رَأْيَ الْوَلِيِّ شَرْطٌ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالصَّبِيِّ، وَرَأْيَهُ فِيمَا إذَا تَصَرَّفَ الصَّبِيُّ عَامٌّ حَيْثُ جَاوَزَ تَصَرُّفَهُ إلَى تَصَرُّفِ الْغَيْرِ، وَفِيمَا إذَا بَاشَرَ بِنَفْسِهِ خَاصٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ فَيُجْعَلُ عُمُومُ رَأْيِهِ بِأَنْ عَمِلَ بِيَدِ الْغَيْرِ كَخُصُوصِهِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِيَدِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْوَلِيَّ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا وَصِيَّتُهُ فَبَاطِلَةٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ نَفْعٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمَالِ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّ

стр. 760

أَيْضًا) أَيْ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ تَلْزَمُ الصَّبِيَّ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهُ تَصَرُّفَاتُهُمَا الضَّارَّةُ قَصْدًا. (، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَمَا كَانَ نَفْعًا مَحْضًا كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَنَحْوِهِ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ، وَلِيُّهُ فَإِنْ آجَرَ الْمَحْجُورُ) أَيْ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ أَوْ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ (نَفْسَهُ وَعَمِلَ يَجِبُ الْأَجْرُ اسْتِحْسَانًا) ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ كَانَ لِحَقِّ الْمَحْجُورِ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ ضَرَرٌ فَإِذَا عَمِلَ فَوُجُوبُ الْأُجْرَةِ نَفْعٌ مَحْضٌ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ لَكِنْ فِي الْعَبْدِ يُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ حَتَّى إنْ تَلِفَ فِيهِ يَضْمَنُ أَيْ إنْ تَلِفَ الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ (بِخِلَافِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْحُرِّ، وَإِذَا قَاتَلَا لَا يَسْتَحِقَّانِ الرَّضْخَ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورَيْنِ، وَالرَّضْخُ عَطَاءٌ لَا يَكُونُ كَثِيرًا أَيْ لَا يَبْلُغُ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ (وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا وَكِيلَيْنِ بِلَا عُهْدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْوَلِيُّ إذْ فِي الصِّحَّةِ اعْتِبَارُ الْآدَمِيَّةِ وَتَوَسُّلٌ إلَى إدْرَاكِ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ، وَاهْتِدَاءٌ فِي التِّجَارَةِ بِالتَّجْرِبَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] ــ [التلويح] فِيهِمَا تَضَرُّرُ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي الْحَيَاةِ فَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ هَذَا عَقِيبَ الْحُكْمِ بِأَنَّ مَا فِيهِ نَفْعٌ مَحْضٌ يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِمَّا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ، وَالضَّرَرِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ فِي جِهَةِ الْخَيْرِ لِحُصُولِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ تَضَرُّرِ إبْطَالِ الْإِرْثِ الَّذِي هُوَ نَفْعٌ لِلْمُوَرَّثِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتِمَّ جَوَابُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ غَايَتَهُ بَيَانُ التَّضَرُّرِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ صِحَّتُهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَلَا رِوَايَةَ فِي ذَلِكَ بَلْ طَرِيقُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَتَضَمَّنُ نَفْعًا يُعْتَدُّ بِهِ بَلْ هِيَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَالنَّفْعُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ إنَّمَا وَقَعَ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَالَةُ الْمَوْتِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ لَمْ يَجُزْ، وَكَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْمُعْسِرَةَ الشَّوْهَاءَ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا الْمُوسِرَةَ الْحَسْنَاءَ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ، وَيُمْكِنُ تَطْبِيقُ جَوَابِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى التَّقْرِيرِ الثَّانِي بِأَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّ ضَرَرَهَا أَكْثَرُ لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ عَقْلًا، وَشَرْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْوَرَثَةِ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِمْ فُقَرَاءَ بِالنَّصِّ، وَتَرْكُ الْأَفْضَلِ فِي حُكْمِ الضَّرَرِ الْمَحْضِ، وَبِهَذَا يُشْعِرُ قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَالطَّلَاقِ يَعْنِي أَنَّ الضَّرَرَ الْمَحْضَ قَدْ يُشْرَعُ لِلْبَالِغِ لِكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ كَالطَّلَاقِ، وَفِي كَوْنِهِ ضَرَرًا مَحْضًا نَظَرٌ [فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ] [الْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ] [الْجُنُونُ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) لَمَّا ذَكَرَ الْأَهْلِيَّةَ بِنَوْعَيْهَا شَرَعَ فِيمَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِمَا فَيُزِيلُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ يُوجِبُ تَغْيِيرًا فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِمَا، وَيُسَمَّى الْعَوَارِضُ جَمْعُ عَارِضٍ عَلَى أَنَّهُ جُعِلَ اسْمًا بِمَنْزِلَةِ كَاتِبٍ، وَكَاهِلٍ مِنْ عَرَضَ لَهُ كَذَا أَيْ ظَهَرَ، وَتَبَدَّى، وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَوَارِضَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ كَمَا يُقَالُ: الْبَيَاضُ مِنْ عَوَارِضِ الثَّلْجِ، وَلَوْ أُرِيدَ بِالْعُرُوضِ الطَّرَيَانُ، وَالْحُدُوثُ بَعْدَ الْعَدَمِ لَمْ يَصِحَّ فِي الصِّغَرِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ ثُمَّ الْعَوَارِضُ نَوْعَانِ: سَمَاوِيَّةٌ إنْ

стр. 761

وَمَا كَانَ ضَرَرًا مَحْضًا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَمَا كَانَ نَفْعًا (كَالطَّلَاقِ، وَالْهِبَةِ وَالْقَرْضِ، وَنَحْوِهَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَإِنْ أَذِنَ وَلِيُّهُ وَلَا مُبَاشَرَتُهُ) أَيْ لَا يَصِحُّ مُبَاشَرَةُ الْوَلِيِّ الطَّلَاقَ، وَالْهِبَةَ، وَالْقَرْضَ مِنْ قِبَلِ الصَّبِيِّ (إلَّا الْقَرْضَ لِلْقَاضِي) ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ إقْرَاضُ مَالِ الصَّبِيِّ لِلْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَقْدَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ (فَإِنَّ عَلَيْهِ صِيَانَةَ الْحُقُوقِ، وَالْعَيْنُ لَا يُؤْمَنُ هَلَاكُهَا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ لَمَّا كَانَ صِيَانَةُ الْحُقُوقِ عَلَى الْقَاضِي، وَالْحَالُ أَنَّ الْعَيْنَ رُبَّمَا تَهْلَكُ فَيُقْرِضُهَا الْقَاضِي لِتَلْزَمَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَيَأْمَنَ هَلَاكَهَا. (وَمَا كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَنَحْوِهِمَا فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَدْخُلُ الْمُشْتَرَى فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي نَفْعٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَخْرُجُ الْبَدَلُ مِنْ مِلْكِهِ ضَرَرٌ (يَصِحُّ شَرْطُ رَأْيِ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ) أَيْ الصَّبِيَّ (أَهْلٌ لِحُكْمِهِ إذَا بَاشَرَ وَلِيُّهُ فَكَذَا إذَا بَاشَرَ بِنَفْسِهِ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ، وَيَحْصُلُ بِهَذَا) أَيْ بِمُبَاشَرَةِ الصَّبِيِّ بِرَأْيِ ــ [التلويح] لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِيهَا اخْتِيَارٌ، وَاكْتِسَابٌ: وَمُكْتَسَبَةٌ إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا دَخْلٌ بِاكْتِسَابِهَا أَوْ تَرْكِ إزَالَتِهَا، وَالسَّمَاوِيَّةُ أَكْثَرُ تَغْيِيرًا، وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فَقُدِّمَتْ، وَهِيَ أَحَدَ عَشَرَ: الْجُنُونُ وَالصِّغَرُ وَالْعَتَهُ وَالنِّسْيَانُ وَالنَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ وَالرِّقُّ وَالْمَرَضُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْمَوْتُ فَالْجُنُونُ اخْتِلَالُ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ، وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ آثَارُهَا، وَبِتَعَطُّلِ أَفْعَالِهَا إمَّا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَإِمَّا لِخُرُوجِ مِزَاجِ الدِّمَاغِ عَنْ الِاعْتِدَالِ بِسَبَبِ خَلْطٍ أَوْ آفَةٍ، وَإِمَّا لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، وَإِلْقَاءِ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَفْرَحُ، وَيَفْزَعُ مِنْ غَيْرِ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا. (قَوْلُهُ: لِمُنَافَاتِهِ) أَيْ: لِمُنَافَاةِ الْجُنُونِ الْقُدْرَةَ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إنْشَاءِ الْعِبَادَاتِ عَلَى النَّهْجِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ، وَبِانْتِفَاءِ الْقُدْرَةِ تَنْتَفِي الْأَهْلِيَّةُ، فَيَنْتَفِي وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَيَنْتَفِي نَفْسُ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُمْ) قَالُوا الْجُنُونُ إمَّا مُمْتَدٌّ أَوْ غَيْرُ مُمْتَدٍّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَصْلِيٌّ بِأَنْ يَبْلُغَ مَجْنُونًا أَوْ طَارِئٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَالْمُمْتَدُّ مُطْلَقًا مُسْقِطٌ لِلْعِبَادَاتِ، وَغَيْرُ الْمُمْتَدِّ إنْ كَانَ طَارِئًا فَلَيْسَ بِمُسْقِطٍ اسْتِحْسَانًا لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ الْإِلْحَاقُ بِالنَّوْمِ، وَالْإِغْمَاءِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ عُذْرًا عَارِضًا زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ مَعَ عَدَمِ الْحَرَجِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ نَفْسِ الْوُجُوبِ لِبَقَاءِ الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرِثُ، وَيَمْلِكُ، وَالْإِرْثُ، وَالْمِلْكُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ، وَلَا وِلَايَةَ بِدُونِ الذِّمَّةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْأَدَاءُ تَحْقِيقًا، وَتَقْدِيرًا بِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي الْقَضَاءِ يَنْعَدِمُ الْوُجُوبُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَجْنُونَ أَهْلُ لِلثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا بَعْدَ الْجُنُونِ، وَالْمُسْلِمُ يُثَابُ، وَالثَّوَابُ مِنْ أَحْكَامِ الْوُجُوبِ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا حَرَجَ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ، فَيَكُونُ الْأَدَاءُ ثَابِتًا تَقْدِيرًا بِتَوَهُّمِهِ فِي الْوَقْتِ، وَرَجَائِهِ بَعْدَ الْوَقْتِ هَذَا إذَا كَانَ الْجُنُونُ الْغَيْرُ الْمُمْتَدِّ طَارِئًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَصْلِيًّا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُسْقِطٌ بِنَاءً لِلْإِسْقَاطِ عَلَى

стр. 762

الْوَلِيِّ (مَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ) أَيْ بِمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ (مَعَ فَضْلِ تَصْحِيحِ عِبَارَتِهِ، وَتَوْسِيعِ طَرِيقِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ ثُمَّ هَذَا) أَيْ تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ النَّفْعِ، وَالضَّرَرِ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِطَرِيقِ أَنَّ احْتِمَالَ الضَّرَرِ فِي تَصَرُّفِهِ يَزُولُ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ فَيَصِيرُ كَالْبَالِغِ حَتَّى يَصِحَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ مِنْ الْأَجَانِبِ، وَلَا يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ فَأَمَّا مِنْ الْوَلِيِّ) أَيْ بَيْعُ الصَّبِيِّ مِنْ الْوَلِيِّ مَعَ غَبْنٍ فَاحِشٍ (فَفِي رِوَايَةٍ يَصِحُّ لِمَا قُلْنَا) أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْبَالِغِ (وَفِي رِوَايَةٍ لَا لِأَنَّهُ) أَيْ الصَّبِيُّ (فِي الْمِلْكِ أَصِيلٌ، وَفِي الرَّأْيِ أَصِيلٌ مِنْ، وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَصْلَ الرَّأْيِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْعَقْلِ دُونَ وَصْفِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ كَمَالُ الْعَقْلِ فَثَبَتَ شُبْهَةُ النِّيَابَةِ) أَيْ شُبْهَةُ أَنَّهُ نَائِبُ الْوَلِيِّ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ كَأَنَّ الْوَلِيَّ يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ مَالَ الصَّبِيِّ بِالْغَبْنِ (فَاعْتُبِرَتْ) أَيْ شُبْهَةُ النِّيَابَةِ ــ [التلويح] الْأَصَالَةِ أَوْ الِامْتِدَادِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ بِمُسْقِطٍ بِنَاءً لِلْإِسْقَاطِ عَلَى الِامْتِدَادِ فَقَطْ، وَالِاخْتِلَافُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ مَذْكُورٌ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَجْهُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ، وَالطَّارِئِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجُنُونِ الْحُدُوثُ وَالطَّرَيَانُ إذْ السَّلَامَةُ عَنْ الْآفَاتِ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْجِبِلَّةِ، فَيَكُونُ أَصَالَةُ الْجُنُونِ أَمْرًا عَارِضًا، فَيَلْحَقُ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ الْجُنُونُ الطَّارِئُ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ زَوَالَ الْجُنُونِ بَعْدَ الْبُلُوغِ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُصُولَهُ كَانَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ عَلَى أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فَكَانَ مِثْلَ الطَّارِئِ، وَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَيْضًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الطَّرَيَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ رَجَّحَ جَانِبَ الْعُرُوضِ فَجُعِلَ عَفْوًا عِنْدَ عَدَمِ الِامْتِدَادِ إلْحَاقًا بِسَائِرِ الْعَوَارِضِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا فَزَالَ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصِّغَرِ فَلَا يُوجِبُ قَضَاءَ مَا مَضَى، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَصْلِيَّ يَكُونُ لِآفَةٍ فِي الدِّمَاغِ مَانِعَةٍ عَنْ قَبُولِ الْكَمَالِ، فَيَكُونُ أَمْرًا أَصْلِيًّا لَا يَقْبَلُ اللِّحَاقَ بِالْعَدَمِ، وَالطَّارِئُ قَدْ اعْتَرَضَ عَلَى مَحَلٍّ كَامِلٍ لِلُحُوقِ آفَةٍ، فَيَلْحَقُ بِالْعَدَمِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الِامْتِدَادُ فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي: أَنَّ الِامْتِدَادَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَاقُبِ الْأَزْمِنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ فَقَدَّرُوهُ بِالْأَدْنَى، وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْجُنُونُ وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْيَوْمُ، وَاللَّيْلَةُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِنْسِ الصَّلَاةِ، وَجَمِيعِ الشَّهْرِ فِي الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ أَفَاقَ بَعْضَ لَيْلَةٍ يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَقِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إذْ اللَّيْلُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّوْمِ فَالْجُنُونُ، وَالْإِفَاقَةُ فِيهِ سَوَاءٌ، ثُمَّ اشْتَرَطُوا فِي الصَّلَاةِ التَّكْرَارَ لِيَتَأَكَّدَ الْكَثْرَةَ، فَيَتَحَقَّقُ الْحَرَجُ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا اعْتَبَرَ نَفْسَ الْوَاجِبِ أَعْنِي: جِنْسَ الصَّلَاةِ فَاشْتَرَطَ تَكْرَارَهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تَصِيرَ الصَّلَوَاتُ سِتًّا وَهُمَا اعْتَبَرَا نَفْسَ الْوَقْتِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ أَعْنِي: الْوَقْتَ مَقَامَ الْحُكْمِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ فَلَوْ جُنَّ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَأَفَاقَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ الظُّهْرِ يَجِبُ الْقَضَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعَدَمِ تَكَرُّرِ جِنْسِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ لَمْ تَصِرْ الصَّلَوَاتُ سِتًّا، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ لِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ بِزِيَادَتِهِ عَلَى الْيَوْمِ

стр. 763

(فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ) ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الصَّبِيُّ مِنْ الْوَلِيِّ (وَسَقَطَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا) أَيْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التُّهْمَةِ، وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ مِنْ الْأَجَانِبِ (وَعِنْدَهُمَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ثُمَّ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِطَرِيقِ أَنَّهُ) أَيْ تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ (يَصِيرُ بِرَأْيِهِ) أَيْ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ (كَمُبَاشَرَتِهِ) أَيْ الْوَالِي (فَلَا يَصِحُّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ أَصْلًا) أَيْ لَا مِنْ الْوَلِيِّ، وَلَا مِنْ الْأَجَانِبِ، (وَأَمَّا، وَصِيَّتُهُ) أَيْ، وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ (فَبَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ شُرِعَ نَفْعًا لِلْمُوَرِّثِ) قَالَ ﵊: «لَأَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ فُقَرَاءَ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» أَيْ يَمُدُّونَ أَكُفَّهُمْ سَائِلِينَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ لِأَنَّهَا تُرَادُ إشْكَالًا، وَهُوَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ نَفْعٌ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَزُولُ الْمُوصَى بِهِ مَا دَامَ حَيًّا مِنْ مِلْكِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ وَصِيَّتُهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْإِرْثَ شُرِعَ نَفْعًا لِلْمُوَرِّثِ وَفِي الْوَصِيَّةِ إبْطَالُ الْإِرْثِ (حَتَّى شُرِعَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ) فَرْعٌ عَلَى أَنَّ الْإِرْثَ شُرِعَ نَفْعًا لِلْمُوَرَّثِ حَتَّى لَوْ كَانَ ضَرَرًا لَمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ (إلَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْبَالِغِ كَالطَّلَاقِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ ضَرَرًا لِكَوْنِهَا إبْطَالًا لِلْإِرْثِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ مِنْ الْبَالِغِ فَأَجَابَ بِأَنَّهَا شُرِعَتْ مِنْ الْبَالِغِ وَإِنْ كَانَ ضَرَرًا كَالطَّلَاقِ (فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ سَمَاوِيَّةٌ، وَمُكْتَسَبَةٌ أَوْ السَّمَاوِيَّةُ فَمِنْهَا الْجُنُونُ) وَهُوَ اخْتِلَالُ ــ [التلويح] وَاللَّيْلَةِ بِحَسَبِ السَّاعَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ بِحَسَبِ الْوَاجِبَاتِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الصَّوْمِ التَّكْرَارَ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَصِيرِ إلَى التَّكْرَارِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْأَصْلِ، وَوَظِيفَةُ الصَّوْمِ لَا تَدْخُلُ إلَّا بِمُضِيِّ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، فَيَصِيرَ التَّبَعُ أَضْعَافَ الْأَصْلِ، وَلَا يَلْزَمُنَا زِيَادَةُ الْمَرَّتَيْنِ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ تَأْكِيدًا لِلْفَرْضِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ، وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تُمَاثِلُ الْفَرِيضَةَ، وَإِنْ قَلَّتْ فَضْلًا عَلَى أَنْ تَزِيدَ عَلَيْهَا، وَالِامْتِدَادُ فِي الزَّكَاةِ بِاسْتِيعَابِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْهُ يُقَامُ الْأَكْثَرُ مَقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا، وَتَخْفِيفًا فِي سُقُوطِ الْوَاجِبِ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَجْرًا) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ هُوَ أَنْ يَتِمَّ الْفِعْلُ بِرُكْنِهِ، وَيَقَعَ فِي مَحَلِّهِ، وَيَصْدُرَ عَنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ لَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ، وَإِيمَانُ الْمَجْنُونِ اسْتِقْلَالًا إنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ لِعَدَمِ رُكْنِهِ، وَهُوَ الِاعْتِقَادُ بِخِلَافِ إيمَانِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لَيْسَ رُكْنًا لَهُ، وَلَا شَرْطًا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ غَايَةَ أَمْرِ التَّبَعِ أَنْ يُجْعَلَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بِفِعْلِ نَفْسِهِ لِعَدَمِ صُلُوحِهِ لِذَلِكَ فَبِفِعْلِ غَيْرِهِ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَإِذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ) لَوْ ذُكِرَ بِالْفَاءِ عَلَى أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى صِحَّةِ إيمَانِهِ تَبَعًا لَكَانَ أَنْسَبَ يَعْنِي: لَوْ أَسْلَمَتْ كِتَابِيَّةٌ تَحْتَ مَجْنُونٍ كِتَابِيٍّ، لَهُ وَلِيٌّ كِتَابِيٌّ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْوَلِيِّ فَإِنْ أَسْلَمَ صَارَ الْمَجْنُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهُ، وَبَقِيَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ الْقِيَاسُ التَّأْخِيرَ إلَى الْإِفَاقَةِ كَمَا فِي الصِّغَرِ إلَّا أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ لِلصِّغَرِ حَدًّا مَعْلُومًا بِخِلَافِ الْجُنُونِ فَفِي التَّأْخِيرِ ضَرَرٌ لِلزَّوْجَةِ مَعَ مَا فِيهِ

стр. 764

الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الْأَفْعَالِ، وَالْأَقْوَالِ عَلَى نَهْجِ الْعَقْلِ إلَّا نَادِرًا (وَهُوَ فِي الْقِيَاسِ مُسْقِطٌ لِكُلِّ الْعِبَادَاتِ لِمُنَافَاتِهِ الْقُدْرَةَ؛ وَلِهَذَا عُصِمَ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْهُ، وَحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْتَدَّ لَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ الْحَرَجِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ يَرِثُ، وَيَمْلِكُ لِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلثَّوَابِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ إذَا لَمْ يَمْتَدَّ الْجُنُونُ (إذَا اعْتَرَضَ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَمَّا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مُطْلَقًا، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يُفَرِّقْ) مَا بَيْنَ عَرَضَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَبَيْنَ مَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا فَالْمُمْتَدُّ مُسْقِطٌ، وَغَيْرُ الْمُمْتَدِّ مُسْقِطٌ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ الْمُمْتَدُّ مُسْقِطٌ، وَغَيْرُ الْمُمْتَدِّ غَيْرُ مُسْقِطٍ عِنْدَهُ (ثُمَّ الِامْتِدَادُ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَاعَةٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِصَلَاةٍ فَتَصِيرُ الصَّلَاةُ سِتًّا، وَفِي الصَّوْمِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَبِالزَّكَاةِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ الْحَوْلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَكْثَرُهُ كَافٍ) أَيْ الْجُنُونُ فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ كَافٍ لِسُقُوطِ الزَّكَاةِ (وَأَمَّا إيمَانُهُ فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ لِعَدَمِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَجْرًا) ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا لِسُؤَالٍ وَهُوَ: أَنَّ ــ [التلويح] مِنْ الْفَسَادِ لِقُدْرَةِ الْمَجْنُونِ عَلَى الْوَطْءِ (قَوْلُهُ: وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ) فِيمَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا، وَأَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ فَارْتَدَّا، وَلَحِقَا مَعَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِوَاسِطَةِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلدَّارِ، وَكَذَا إذَا بَلَغَ مُسْلِمًا، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أَسْلَمَ عَاقِلًا فَجُنَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ صَارَ أَهْلًا لِلْإِيمَانِ بِتَقَرُّرِ رُكْنِهِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِالتَّبَعِيَّةِ أَوْ عُرُوضِ الْجُنُونِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ) أَيْ: الْمَجْنُونُ يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْأَفْعَالِ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ لِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ حِسًّا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَالُ، وَأَدَاؤُهُ يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ بِخِلَافِ أَقْوَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا شَرْعًا لِانْتِفَاءِ تَعَقُّلِ الْمَعَانِي فَلَا تَصِحُّ أَقَارِيرُهُ، وَعُقُودُهُ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَلِيُّ [الصِّغَرُ] . (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْحِرْمَانُ بِالْكُفْرِ، وَالرِّقِّ) كَمَا إذَا ارْتَدَّ الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ أَوْ اُسْتُرِقَّ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ أَمَّا الْكَافِرُ؛ فَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَهِيَ السَّبَبُ لِلْإِرْثِ عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ حَالِ زَكَرِيَّا ﵊ ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ [الْعَتَهُ] . (قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ) أَيْ: حُكْمُ الْعَتَهِ حُكْمُ الصِّبَا مَعَ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ فِي أَوَّلِ حَالِهِ عَدِيمُ الْعَقْلِ فَأُلْحِقَ بِهِ الْمَجْنُونُ، وَفِي الْآخَرِ نَاقِصُ الْعَقْلِ فَأُلْحِقَ بِهِ الْمَعْتُوهُ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ حَتَّى يَصِحَّ إسْلَامُهُ، وَتَوْكِيلُهُ فِي بَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ، وَالشِّرَاءِ لَهُ، وَفِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ، وَيَمْنَعُ مَا يُوجِبُ إلْزَامَ شَيْءٍ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ، وَإِعْتَاقُ عَبْدِهِ، وَلَوْ بِإِذْنِ

стр. 765

عَدَمَ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمَجْنُونِ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْحَجْرِ وَالْحَجْرُ إنَّمَا شُرِعَ بِطَرِيقِ النَّظَرِ، وَلَا نَظَرَ فِي الْحَجْرِ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ فَلَا يَصِحُّ الْحَجْرُ عَنْهُ، فَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ صِحَّتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْحَجْرِ (وَيَصِحُّ تَبَعًا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا يَصِحُّ (وَإِذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى وَلِيِّهِ، وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْأَفْعَالِ فِي الْأَمْوَالِ لِمَا قُلْنَا فِي الصَّبِيِّ) فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَحُقُوقُ الْعِبَادِ مَا كَانَ مِنْهَا غُرْمًا وَعِوَضًا يَجِبُ (وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ أَهْلٌ لَكِنَّ هَذَا الْعَارِضَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ الْأَقْوَالِ فَتَفْسُدُ عِبَارَاتُهُ) . وَمِنْهَا الصِّغَرُ إنَّمَا جَعَلَ الصِّغَرَ مِنْ الْعَوَارِضِ مَعَ أَنَّهُ حَالَةٌ أَصْلِيَّةٌ لِلْإِنْسَانِ فِي مَبْدَأِ الْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّ الصِّغَرَ لَيْسَ لَازِمًا لِمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ إذْ مَاهِيَّةُ الْإِنْسَانِ لَا تَقْتَضِي الصِّغَرَ فَنَعْنِي بِالْعَوَارِضِ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ هَذَا الْمَعْنَى أَيْ: حَالَةً لَا تَكُونُ لَازِمَةً لِلْإِنْسَانِ، وَتَكُونُ مُنَافِيَةً لِلْأَهْلِيَّةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ لِحَمْلِ أَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ، وَلِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْأَصْلُ أَنْ يَخْلُقَهُ عَلَى صِفَةٍ تَكُونُ وَسِيلَةً إلَى حُصُولِ مَا قَصَدَهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبْدَأِ الْفِطْرَةِ وَافِرَ الْعَقْلِ تَامَّ الْقُدْرَةِ كَامِلَ الْقُوَى، وَالصِّغَرُ حَالَةٌ مُنَافِيَةٌ لِهَذِهِ ــ [التلويح] الْوَلِيِّ، وَلَا بَيْعُهُ، وَلَا شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِدُونِ إذْنِ الْوَلِيِّ، وَيُطَالَبُ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالْإِتْلَافِ، لَا بِالْعُقُودِ كَثَمَنِ الْمُشْتَرَى، وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَاتُ، وَالْعِبَادَاتُ، وَفِي التَّقْوِيمِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتُ احْتِيَاطًا. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ امْرَأَةَ الْمَعْتُوهِ إذَا أَسْلَمَتْ لَا يُؤَخَّرُ عَرْضُ الْإِسْلَامِ) عَلَى الْمَعْتُوهِ إلَى كَمَالِ الْعَقْلِ هَذَا الِاسْتِدْرَاكَ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْتُوهِ، وَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي عَدَمِ تَأْخِيرِ عَرْضِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُمَا صَحِيحٌ فَصَحَّ خِطَابُهُمَا، وَإِلْزَامُهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ الْعَبْد، وَهُوَ الزَّوْجَةُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُمَا خِطَابُ الْأَدَاءِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً، وَإِنَّمَا التَّأْخِيرُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ خَاصَّةً كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَغَيْرِهِ [النِّسْيَانُ] . (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا النِّسْيَانُ) ، وَهُوَ عَدَمُ مَا فِي الصُّورَةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ الْعَقْلِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْمُلَاحَظَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ مُلَاحَظَتِهَا أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَيُسَمَّى هَذَا ذُهُولًا، وَسَهْوًا أَوْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ مُلَاحَظَتِهَا إلَّا بَعْدَ تَجَشُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ، وَهَذَا هُوَ النِّسْيَانُ فِي عُرْفِ الْحُكَمَاءِ، وَالنِّسْيَانُ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ بِكَمَالِ الْعَقْلِ، وَيَكُونُ عُذْرًا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهَا مُحْتَرَمَةٌ لِحَاجَتِهِمْ لَا لِلِابْتِلَاءِ، وَبِالنِّسْيَانِ لَا يَفُوتُ هَذَا الِاحْتِرَامُ فَلَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ نَاسِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ الْمَرْءُ فِي النِّسْيَانِ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ كَالْأَكْلِ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ لَمْ يَتَذَكَّرْ مَعَ وُجُودِ الْمُذَكِّرِ، وَهُوَ هَيْئَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا، وَإِمَّا لَا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ، فَيَكُونُ عُذْرًا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ مَا يَكُونُ دَاعِيًا إلَى النِّسْيَانِ، وَمُنَافِيًا لِلتَّذَكُّرِ كَالْأَكْلِ فِي

стр. 766

الْأُمُورِ فَتَكُونُ مِنْ الْعَوَارِضِ (فَقَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ كَالْمَجْنُونِ أَمَّا بَعْدَهُ، فَيَحْدُثُ لَهُ ضَرْبٌ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ لَكِنَّ الصِّبَا عُذْرٌ مَعَ ذَلِكَ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْبَالِغِ فَلَا يَسْقُطُ نَفْسُ الْوُجُوبِ فِي الْإِيمَانِ حَتَّى إذَا أَدَّاهُ كَانَ فَرْضًا لَا نَفْلًا حَتَّى إذَا بَلَغَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لَكِنَّ التَّكْلِيفَ، وَالْعُهْدَةَ عَنْهُ سَاقِطَانِ فَلَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ بِالْقَتْلِ) تَعْقِيبٌ لِقَوْلِهِ: لَكِنَّ التَّكْلِيفَ وَالْعُهْدَةَ عَنْهُ سَاقِطَانِ بِالْقَتْلِ (وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْحِرْمَانُ بِالْكُفْرِ وَالرِّقِّ؛ لِأَنَّهُمَا يُنَافِيَانِ الْإِرْثَ فَعَدَمُ الْحَقِّ لِعَدَمِ سَبَبِهِ أَوْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يُعَدُّ جَزَاءً) إنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْحِرْمَانَ بِسَبَبِ الْقَتْلِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْجَزَاءِ فَإِنَّ الْقَاتِلَ تَعَجَّلَ بِأَخْذِ الْمِيرَاثِ فَجُوزِيَ بِحِرْمَانِهِ لَكِنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَزَاءِ بِالشَّرِّ فَلَمْ يُحْرَمْ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا الْحِرْمَانُ ــ [التلويح] الصَّوْمِ لِمَا فِي الطَّبِيعَةِ مِنْ النُّزُوعِ إلَى الْأَكْلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَتَرْكِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ لَا دَاعِيَ إلَى تَرْكِهَا لَكِنْ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يَذْكُرُ إخْطَارَهَا بِالْبَالِ، وَإِجْرَاءَهَا عَلَى اللِّسَانِ فَسَلَامُ النَّاسِي فِي الْقَعْدَةِ يَكُونُ عُذْرًا حَتَّى لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْ جِهَتِهِ، وَالنِّسْيَانُ غَالِبٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِكَثْرَةِ تَسْلِيمِ الْمُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ فَهِيَ دَاعِيَةٌ إلَى السَّلَامِ [النَّوْمُ] . (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ: النَّوْمُ لَمَّا كَانَ عَجْزًا عَنْ الْإِدْرَاكَاتِ أَيْ: الْإِحْسَاسَاتِ الظَّاهِرَةِ إذْ الْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ لَا تَسْكُنُ فِي النَّوْمِ، وَعَنْ الْحَرَكَاتِ الْإِرَادِيَّةِ أَيْ: الصَّادِرَةِ عَنْ قَصْدٍ، وَاخْتِيَارٍ بِخِلَافِ الْحَرَكَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ كَالتَّنَفُّسِ، وَنَحْوِهَا أَوْجَبَ تَأْخِيرَ الْخِطَابِ بِالْأَدَاءِ إلَى وَقْتِ الِانْتِبَاهِ لِامْتِنَاعِ الْفَهْمِ، وَإِيجَادِ الْفِعْلِ حَالَةَ النَّوْمِ، وَلَمْ يُوجِبْ تَأْخِيرَ نَفْسِ الْوُجُوبِ، وَأَسْقَطَهَا حَالَ النَّوْمِ لِعَدَمِ إخْلَالِ النَّوْمِ بِالذِّمَّةِ، وَالْإِسْلَامِ، وَلِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً بِالِانْتِبَاهِ أَوْ خَلَفًا بِالْقَضَاءِ، وَالْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ، إنَّمَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ حَيْثُ يَتَحَقَّقُ الْحَرَجُ بِتَكْثِيرِ الْوَاجِبَاتِ، وَامْتِدَادِ الزَّمَانِ، وَالنَّوْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَادَةً، وَاسْتَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ نَفْسِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً لَمَا أَمَرَ بِقَضَائِهَا قِيلَ: وَفِي لَفْظِ " عَنْ " إشَارَةُ إلَى وُجُوبِهَا حَالَ النَّوْمِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ نَائِمًا عَنْ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ وَأَبْطَلَ) أَيْ: النَّوْمَ عِبَارَاتُ النَّائِمِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الِاخْتِيَارُ كَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالرِّدَّةِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ لِانْتِفَاءِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ فِي النَّوْمِ حَتَّى أَنَّ كَلَامَهُ بِمَنْزِلَةِ أَلْحَانِ الطُّيُورِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلَا إنْشَاءٍ، وَلَا يَتَّصِفُ بِصِدْقٍ، وَلَا كَذِبٍ. (قَوْلُهُ: فَإِذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ نَائِمًا لَا تَصِحُّ) هَذَا هُوَ مُخْتَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ قِرَاءَةَ النَّائِمِ تَنُوبُ عَنْ الْفَرْضِ، وَفِي النَّوَازِلِ إنْ تَكَلَّمَ النَّائِمُ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ النَّائِمَ كَالْمُسْتَيْقِظِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، وَذُكِرَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ عَامَّةَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ قَهْقَهَةَ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ

стр. 767

بِالْكُفْرِ، وَالرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْحِرْمَانَ بِهِمَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْجَزَاءِ بَلْ لِعَدَمِ سَبَبِهِ فِي الْكُفْرِ، وَعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فِي الرِّقِّ. (وَمِنْهَا الْعَتَهُ) وَهُوَ اخْتِلَالٌ فِي الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَخْتَلِطُ كَلَامُهُ فَيُشْبِهُ مَرَّةً كَلَامَ الْعُقَلَاءِ، وَمَرَّةً كَلَامَ الْمَجَانِينِ (وَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ مَعَ الْعَقْلِ فِيمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ امْرَأَةَ الْمَعْتُوهِ إذَا أَسْلَمَتْ لَا يُؤَخَّرُ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُؤَخَّرُ عَرْضُهُ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْفَرْقُ أَنَّهُمَا) أَيْ: الْجُنُونَ وَالْعَتَهَ (غَيْرُ مُقَدَّرَيْنِ وَالصِّبَا مُقَدَّرٌ) . (وَمِنْهَا النِّسْيَانُ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ يَكُونُ عُذْرًا فِي حَقِّهِ) أَيْ: فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ (فِيمَا يَقَعُ فِيهِ غَالِبًا لَا فِي حَقِّ الْعِبَادِ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَقَعَ فِيهِ الْمَرْءُ بِتَقْصِيرِهِ كَالْأَكْلِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا فَإِنَّ حَالَهَا مُذَكِّرَةٌ، وَإِمَّا لَا بِتَقْصِيرِهِ إمَّا بِأَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ الطَّبْعُ كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ أَوْ بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ مَرْكُوز فِي الْإِنْسَانِ كَمَا هُوَ فِي تَسْمِيَةِ الذَّبِيحَةِ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِعُذْرٍ بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ فَسَلَامُ النَّاسِي يَكُونُ عُذْرًا؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ الْوُجُودِ) . (وَمِنْهَا النَّوْمُ، وَهُوَ لَمَّا كَانَ عَجْزًا عَنْ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْإِرَادِيَّةِ أَوْجَبَ تَأْخِيرَ الْخِطَابِ لَا الْوُجُوبِ) أَيْ: نَفْسَ الْوُجُوبِ (لِاحْتِمَالِ الْأَدَاءِ بَعْدَهُ بِلَا حَرَجٍ لِعَدَمِ امْتِدَادِهِ قَالَ ﵊ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» الْحَدِيثَ، وَأَبْطَلَ عِبَارَاتِهِ) أَيْ: أَبْطَلَ النَّوْمُ عِبَارَاتِ النَّائِمِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْجَبَ تَأْخِيرَ الْخِطَابِ (لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ فَإِذَا قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ نَائِمًا لَا تَصِحُّ الْقِرَاءَةُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ لَا تَفْسُدُ، وَإِذَا قَهْقَهَ لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ وَلَا الصَّلَاةُ) . (وَمِنْهَا الْإِغْمَاءُ) وَهُوَ تَعَطُّلُ الْقُوَى الْمُدْرِكَةِ، وَالْمُحَرِّكَةِ حَرَكَةً إرَادِيَّةً بِسَبَبِ مَرَضٍ يَعْرِضُ لِلدِّمَاغِ أَوْ الْقَلْبِ (وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْمَرَضِ) حَتَّى لَمْ يُعْصَمْ مِنْهُ النَّبِيُّ ﵊ وَهُوَ فَوْقَ النَّوْمِ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ النَّوْمَ حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ يَتَعَطَّلُ مَعَهَا الْقُوَى الْمُدْرِكَةُ بِسَبَبِ تَرَقِّي الْبُخَارَاتِ إلَى الدِّمَاغِ، وَلَمَّا كَانَ النَّوْمُ حَالَةً طَبِيعِيَّةً كَثِيرَةَ الْوُقُوعِ، وَسَبَبُهُ شَيْءٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الزَّوَالِ وَالْإِغْمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ الْإِغْمَاءُ فَوْقَ النَّوْمِ أَلَا تَرَى ــ [التلويح] وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا أَمَّا الْوُضُوءُ فَبِالنَّصِّ الْغَيْرِ الْفَارِقِ بَيْنَ النَّوْمِ، وَالْيَقِظَةِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلِأَنَّ النَّائِمَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَيْقِظِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُفْسِدُ الْوُضُوءَ دُونَ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَيَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِالْقَهْقَهَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْكَلَامِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِزَوَالِ الِاخْتِيَارِ فِي النَّوْمِ بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاخْتِيَارِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَكْسِ، وَلَمَّا كَانَ فِي الْقَهْقَهَةِ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ حَتَّى كَأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْعِبَارَاتِ صَحَّ تَفْرِيعُ مَسْأَلَةِ الْقَهْقَهَةِ عَلَى إبْطَالِ النَّوْمِ عِبَارَاتُ النَّائِمِ [الْإِغْمَاءُ] . (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْإِغْمَاءُ) اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَعِثُ عَنْ الْقَلْبِ بُخَارٌ لَطِيفٌ يَتَكَوَّنُ مِنْ أَلْطَفِ أَجْزَاءِ الْأَغْذِيَةِ يُسَمَّى رُوحًا حَيَوَانِيًّا، وَقَدْ أُفِيضَتْ

стр. 768

أَنَّ التَّنْبِيهَ وَالِانْتِبَاهَ مِنْ النَّوْمِ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ أَمَّا التَّنْبِيهُ مِنْ الْإِغْمَاءِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ (، فَيُبْطِلُ الْعِبَادَاتِ وَيُوجِبُ الْحَدَثَ فِي كُلِّ حَالٍ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا بِخِلَافِ النَّوْمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قُوَّةِ سَبَبِ الْإِغْمَاءِ وَكَثَافَتِهِ، وَلَطَافَةِ سَبَبِ النَّوْمِ فَمُنَافَاةُ الْإِغْمَاءِ تَمَاسُكُ الْيَقَظَةِ أَشَدُّ مِنْ مُنَافَاةِ النَّوْمِ إيَّاهُ فَجُعِلَ الْإِغْمَاءُ حَدَثًا فِي كُلِّ حَالٍ لَا النَّوْمُ، وَأَيْضًا كَثْرَةُ وُقُوعِ النَّوْمِ وَقِلَّةُ الْإِغْمَاءِ تُوجِبُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَلَمَّا كَانَ نَادِرًا فِي الصَّلَاةِ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَهُوَ فِي الْقِيَاسِ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ ــ [التلويح] عَلَيْهِ قُوَّةٌ تَسْرِي بِسَرَيَانِهِ فِي الْأَعْصَابِ السَّارِيَةِ فِي أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ، فَيَنْتَشِرُ فِي كُلِّ عُضْوٍ قُوَّةٌ تَلِيقُ بِهِ، وَيَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى مُدْرِكَةٍ، وَمُحَرِّكَةٍ، أَمَّا الْمُدْرِكَةُ فَهِيَ: الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ، وَالْبَاطِنَةُ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَمَّا الْمُحَرِّكَةُ فَهِيَ الَّتِي تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ بِتَمْدِيدِ الْأَعْصَابِ أَوْ إرْخَائِهَا لِيَنْبَسِطَ إلَى الْمَطْلُوبِ أَوْ يَنْقَبِضَ عَنْ الْمُنَافِي فَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إلَى جَلْبِ الْمَنَافِعِ، وَيُسَمَّى قُوَّةً شَهْوَانِيَّةً، وَمِنْهَا مَا هِيَ مَبْدَأُ الْحَرَكَةِ إلَى دَفْعِ الْمَضَارِّ، وَيُسَمَّى قُوَّةً غَضَبِيَّةً، وَأَكْثَرُ تَعَلُّقِ الْمُدْرِكَةِ بِالدِّمَاغِ، وَالْمُحَرِّكَةِ بِالْقَلْبِ فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْقَلْبِ أَوْ الدِّمَاغِ آفَةٌ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ تِلْكَ الْقُوَى عَنْ أَفْعَالِهَا أَوْ إظْهَارِ آثَارِهَا كَانَ ذَلِكَ إغْمَاءً فَهُوَ مَرَضٌ، وَلَيْسَ زَوَالًا لِلْعَقْلِ كَالْجُنُونِ، وَإِلَّا لَعُصِمَ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ثُمَّ الْإِغْمَاءُ فَوْقَ النَّوْمِ فِي إيجَابِ تَأْثِيرِ الْخِطَابِ، وَإِبْطَالِ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ حَالَةٌ طَبِيعِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ حَتَّى عَدَّهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَوَانِ اسْتِرَاحَةً لِقُوَاهُ، وَالْإِغْمَاءُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ أَشَدَّ فِي الْعَارِضِيَّةِ، وَلِأَنَّ تَعَطُّلَ الْقُوَى، وَسَلْبَ الِاخْتِيَارِ فِي الْإِغْمَاءِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ مَوَادَّهُ غَلِيظَةٌ بَطِيئَةُ التَّحَلُّلِ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّنْبِيهُ، وَيَبْطُؤُ الِانْتِبَاهُ بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّ سَبَبَهُ تَصَاعُدُ أَبْخِرَةٍ لَطِيفَةٍ سَرِيعَةِ التَّحَلُّلِ إلَى الدِّمَاغِ فَلِذَا يَنْتَبِهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ، وَلِقِلَّةِ وُقُوعِ الْإِغْمَاءِ، وَنُدْرَتِهِ لَا سِيَّمَا فِي الصَّلَاةِ كَانَ مَانِعًا لِلْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالْإِغْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ بِجَوَازِ الْبِنَاءِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَدَثِ الْغَالِبِ الْوُقُوعِ [الرِّقُّ] . (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الرِّقُّ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الضَّعْفُ، وَمِنْهُ رِقَّةُ الْقَلْبِ، وَثَوْبٌ رَقِيقٌ ضَعِيفُ النَّسْجِ، وَفِي الشَّرْعِ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْهُ أَهْلًا لِكَثِيرٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ الْحُرُّ مِثْلَ الشَّهَادَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْوِلَايَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ جَزَاءً لِلْكُفْرِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا اسْتَنْكَفُوا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلْحَقُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْبَهَائِمِ فِي عَدَمِ النَّظَرِ، وَالتَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ التَّوْحِيدِ جَازَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِجَعْلِهِمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ مُتَمَلَّكِينَ مُبْتَذَلِينَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الرِّقُّ عَلَى الْمُسْلِمِ

стр. 769

كَالنَّوْمِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَسْقُطُ مَا فِيهِ حَرَجٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ يَمْتَدَّ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُجُودُهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً) . (وَمِنْهَا الرِّقُّ وَهُوَ عَجْزٌ حُكْمِيٌّ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ جَزَاءً عَنْ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ بِهِ يَصِيرُ الْمَرْءُ عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَقَّ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ حَتَّى إنْ أَقَرَّ مَجْهُولُ النَّسَبِ أَنَّ نِصْفَهُ مِلْكُ فُلَانٍ يُجْعَلُ عَبْدًا فِي شَهَادَتِهِ، وَجَمِيعِ أَحْكَامِهِ وَكَذَا الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ) أَيْ: لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّي (لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَجَزِّيهِ تَجَزِّي الرِّقِّ، وَكَذَا الْإِعْتَاقُ عِنْدَهُمَا لِعَدَمِ تَجَزِّي لَازِمِهِ اتِّفَاقًا فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُعْتَقُ الْكُلِّ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُتَجَزِّئٌ إذْ الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّهِ ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ إزَالَةِ كُلِّهِ زَوَالُ الرِّقِّ، وَهُوَ الْعِتْقُ فَإِعْتَاقُ الْبَعْضِ إيجَادُ شَطْرِ الْعِلَّةِ، فَفِي الِابْتِدَاءِ ثُبُوتُ حَقِّ الْعَبْدِ يَتْبَعُ ثُبُوتَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْبَقَاءِ عَلَى الْعَكْسِ حَتَّى أَنَّ زَوَالَهُ يَتْبَعُ زَوَالَ حَقِّ الْعَبْدِ) أَيْ: زَوَالَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَتْبَعُ زَوَالَ حَقِّ الْعَبْدِ (فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُكَاتَبٌ عِنْدَهُ إلَّا فِي الرَّدِّ إلَى الرِّقِّ وَالرِّقُّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الْحَجُّ) أَيْ: مِنْ الرَّقِيقِ وَالْمُكَاتَبِ حَتَّى إذَا أُعْتِقَا وَوَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِمَا لَا يَقَعُ الْمُؤَدَّى قَبْلَ الْعِتْقِ مِنْ ــ [التلويح] ابْتِدَاءً، ثُمَّ صَارَ حَقًّا لِلْعَبْدِ بَقَاءً بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الرَّقِيقَ مِلْكًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَعْنَى الْجَزَاءِ، وَجِهَةِ الْعُقُوبَةِ حَتَّى إنَّهُ يَبْقَى رَقِيقًا، وَإِنْ أَسْلَمَ، وَاتَّقَى. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ: الرِّقُّ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ بِأَنْ يَصِيرَ الْمَرْءُ بَعْضُهُ رَقِيقًا، وَيَبْقَى الْبَعْضُ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْكُفْرِ، وَنَتِيجَةُ الْقَهْرِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا التَّجَزِّي وَكَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إيجَابُ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْبَعْضِ مَشَاعًا وَكَذَا الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرِّقِّ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّي بِأَنْ يُعْتَقَ بَعْضُ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى بَعْضُهُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَجَزِّي الرِّقِّ ضَرُورَةً، وَقَدْ يُقَالُ: سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ تَجَزِّي الرِّقِّ ابْتِدَاءً لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَهُ بَقَاءً؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْمِلْكِ يَقْبَلُ التَّجَزِّيَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ الشَّرْعُ لِلْمَوْلَى حَقَّ الْخِدْمَةِ فِي الْبَعْضِ، وَيَعْمَلُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ مُشَاعًا، وَلَا يُثْبِتُ الشَّهَادَةَ، وَالْوِلَايَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّجَزِّيَ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَمَالِ الْأَهْلِيَّةِ فَتَنْعَدِمُ بِرِقِّ الْبَعْضِ فَإِنْ قِيلَ الرِّقُّ، وَالْحُرِّيَّةُ مُتَضَادَّانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِالْحُرِّيَّةِ بِعَيْنِهِ مَوْصُوفًا بِالرِّقِّ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ بَلْ الْمَحَلُّ مُتَّصِفٌ بِهِمَا مُشَاعًا كَمَا إذَا مَلَكَ زَيْدٌ نِصْفَ الْعَبْدِ مُشَاعًا فَإِنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ مِلْكِيَّةُ زَيْدٍ، وَعَدَمُ مِلْكِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ النِّصْفَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْإِعْتَاقُ) اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ تَجَزِّي الْعِتْقِ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إلَى عَدَمِ تَجَزِّيهِ بِمَعْنَى أَنَّ إعْتَاقَ الْبَعْضِ إعْتَاقٌ لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَازِمُ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُطَاوَعَةٌ يُقَالُ أَعْتَقْتُهُ فَعَتَقَ مِثْلُ كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ، وَالْمُطَاوَعَةُ هِيَ حُصُولُ الْأَثَرِ مِنْ تَعَلُّقِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي بِمَفْعُولِهِ، وَأَثَرُ

стр. 770

الْوَاجِبِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ (لِأَنَّ مَنَافِعَ بَدَنِهِمَا مِلْكُ الْمَوْلَى إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَيَصِحُّ مِنْ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقُدْرَةِ ثَابِتٌ لَهُ، وَإِنَّمَا الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ لِنَفْيِ الْحَرَجِ وَلَا يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ غَيْرِ الْمَالِ كَالنِّكَاحِ وَالدَّمِ وَالْحَيَاةِ، فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَبِالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلِكَةِ) سَوَاءٌ كَانَ أَقَرَّ بِهَا الْمَأْذُونُ أَوْ الْمَحْجُورُ إذْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْقَطْعُ (وَبِالْقَائِمَةِ الْمَأْذُونُ، وَأَمَّا مِنْ الْمَحْجُورِ، فَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُطْلَقًا) أَيْ: فِي الْقَطْعِ وَرَدِّ الْمَالِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ــ [التلويح] الشَّيْءِ لَازِمٌ لَهُ، وَالْعِتْقُ لَيْسَ بِمُنْجَزٍ اتِّفَاقًا بَيْنَ عُلَمَائِنَا فَكَذَا الْإِعْتَاقُ إذْ لَوْ تَجَزَّأَ الْإِعْتَاقُ بِأَنْ يَقَعَ مِنْ الْمَحَلِّ عَلَى جُزْءٍ دُونَ جُزْءٍ لَزِمَ تَجَزِّي الْعِتْقِ ضَرُورَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِعْتَاقِ، وَالْعِتْقِ هُوَ الْعَبْدُ، وَتَجَزِّيهُمَا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ فَتَجَزِّي أَحَدِهِمَا تَجَزِّي الْآخَرِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ مُتَجَزِّي، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِتْقَ حَتَّى لَوْ أُعْتِقَ الْبَعْضُ لَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْبَعْضِ، وَلَا فِي الْكُلِّ بَلْ يَكُونُ رَقِيقًا فِي الشَّهَادَةِ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ إذْ لَوْ ثَبَتَ الْعِتْقُ لَثَبَتَ فِي الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي، وَلَا سَبَبَ لِذَلِكَ مَعَ تَضَرُّرِ الْمَالِكِ بِهِ، فَيَتَوَقَّفُ فِي الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ، وَيَسْقُطُ الْمِلْكُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيُعْتَقُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ الْمِلْكِ إذْ لَا تَصَرُّفَ لِلْمَوْلَى فِي حَقِّهِ، وَحَقُّهُ فِي الرَّقِيقِ هُوَ الْمَالِيَّةُ، وَالْمِلْكُ، وَهُوَ مُتَجَزِّئٌ فَكَذَا إزَالَتُهُ كَمَا إذَا بَاعَ نِصْفَ الْعَبْدِ ثُمَّ زَوَالُ الْمِلْكِ بِالْكُلِّيَّةِ يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَازِمٌ لَهُ إذْ الرِّقُّ إنَّمَا يَثْبُتُ جَزَاءً لِلْكُفْرِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِقِيَامِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ، وَزَوَالُ بَعْضِ الْمِلْكِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعِتْقَ لِبَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ زَوَالُ بَعْضِ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِهِ إلَى مَالِكٍ آخَرَ يَكُونُ إيجَادًا لِلْبَعْضِ مِنْ عِلَّةِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ كَالْقِنْدِيلِ لَا يَسْقُطُ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَسْكَةِ فَإِنْ قِيلَ فَفِي إزَالَةِ كُلِّ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقِيقِ إزَالَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ: أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِلْعَبْدِ إزَالَةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَصْدًا، وَأَصْلًا لَا ضِمْنًا، وَتَبَعًا، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ أَصْلًا فِي ابْتِدَاءِ الرِّقِّ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ لَكِنَّهُ تَبَعٌ بَقَاءً، فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمِلْكِيَّةُ، وَالْمَالِيَّةُ، وَلِهَذَا لَا يَزُولُ الرِّقُّ بِالْإِسْلَامِ فَفِي الْإِعْتَاقِ إزَالَةُ حَقِّ الْعَبْدِ قَصْدًا، وَأَصْلًا، وَلَزِمَ مِنْهُ زَوَالُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ضِمْنًا، وَتَبَعًا، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا، وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَفِي الِابْتِدَاءِ ثُبُوتُ حَقِّ الْعَبْدِ يَتْبَعُ ثُبُوتَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي الْبَقَاءِ بِالْعَكْسِ فَإِنْ قِيلَ، فَأَيُّ أَثَرٍ لِلْإِعْتَاقِ عِنْدَ إزَالَةِ بَعْضِ الْمِلْكِ أُجِيبَ بِأَنَّ أَثَرَهُ فَسَادُ الْمِلْكِ فِي الْبَاقِي حَتَّى لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى بَيْعَ مُعْتَقِ الْبَعْضِ، وَلَا إبْقَاءَ فِي مِلْكِهِ، وَيَصِيرُ هُوَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ، وَيَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ يَصِيرُ

стр. 771

يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، وَيُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالذِّمَّةِ وَالْحِلِّ وَالْوِلَايَةِ فَيُضْعِفُ الذِّمَّةَ حَتَّى لَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ إلَّا إذَا ضَمِنْت إلَيْهَا مَالِيَّةَ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ فَيُبَاعُ فِي دَيْنٍ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهِ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ) أَيْ: اسْتِهْلَاكِ مَالِ الْإِنْسَانِ (وَالتِّجَارَةِ لَا فِيمَا كَانَ فِي ثُبُوتِهِ تُهْمَةٌ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمَحْجُورُ أَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، وَدَخَلَ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى عِتْقِهِ، وَيُنَصَّفُ الْحِلُّ بِتَنْصِيفِ الْمَحَلِّ فِي حَقِّ الرِّجَالِ) أَيْ: يَحِلُّ لِلْحُرِّ أَرْبَعٌ، وَلِلرَّقِيقِ ثِنْتَانِ (وَبِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ كَمَا سَبَقَ) أَيْ: فِي فَصْلِ التَّرْجِيحِ أَيْ: تَحِلُّ الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْحُرَّةِ، وَلَا تَحِلُّ إذَا كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْهَا أَوْ مُقَارِنَةً (وَيُنَصَّفُ الْحَدُّ ــ [التلويح] كَالْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَهَذَا لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إلَى أَحَدٍ، وَهِيَ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُكَاتَبٌ عِنْدَهُ أَيْ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا فِي الرَّدِّ إلَى الرِّقِّ. (قَوْلُهُ:، وَالرِّقُّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَكُونُ مَالِكًا؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ، وَالْمَالِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ، وَالِابْتِذَالِ، وَالْمَالِكِيَّةِ عَنْ الْقُدْرَةِ، وَالْكَرَامَةِ، فَيَتَنَافَيَانِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ فَلَا يَصِيرُ مَالِكًا لِمَالٍ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَالٌ مُبْتَذَلٌ، وَمَالِكًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَرَّمٌ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةَ، وَالْمَمْلُوكِيَّة بِالْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُتْعَةً، وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ مَالًا، وَبِالْعَكْسِ فَالرَّقِيقُ، وَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ مِلْكِ الْمَالِ، وَلَوْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ لِابْتِنَائِهِ عَلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمُتْعَةِ، وَخُصَّ الْمُكَاتَبُ، وَالتَّسَرِّي بِالذِّكْرِ لِيُعْلَمَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الْمُكَاتَبِ الرِّقَّ نَاقِصٌ حَتَّى إنَّهُ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ، وَفِي التَّسَرِّي مَظِنَّةُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ كَالنِّكَاحِ، وَلِهَذَا صَحَّ عِنْدَ مَالِكٍ. (قَوْلُهُ:، وَلَا يُبْطِلُ) أَيْ: الرِّقُّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَالْحَيَاةِ، وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي النِّكَاحِ إلَى إذْنِ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ بِوُجُوبِ الْمَهْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ، وَالدَّمَ حَقُّهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِمَا فِي الْبَقَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إتْلَافَهُمَا، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ الْقَائِمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، فَيَصِحُّ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فَيُقْطَعَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مِلْكُهُ، وَيُرَدُّ الْمَالُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ، وَرَدِّ الْمَالِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 772

وَالْعِدَّةُ وَالْقَسَمُ وَالطَّلَاقُ لَكِنَّ الْوَحْدَةَ لَا تَقْبَلُهُ) أَيْ: التَّنْصِيفَ (فَيَتَكَامَلُ، وَعَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فَاعْتُبِرَ بِالنِّسَاءِ فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ اتِّسَاعُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا فَكَمَا يُعْتَبَرُ بِالنِّسَاءِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا قُلْنَا قَدْ اُعْتُبِرَ مَالِكِيَّةُ الزَّوْجِ مَرَّةً حَتَّى انْتَقَصَ عَدَدُ الزَّوْجَاتُ فَإِنْ انْتَقَصَ مَالِكِيَّتُهُ فِي هَذَا الْعَدَدِ النَّاقِصِ يَلْزَمُ النُّقْصَانُ مِنْ الْمُنَصَّفِ، وَلَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ وَهُوَ مِلْكُ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ ثَابِتًا لَهُ عَلَى الْكَمَالِ، وَالْمِلْكُ الْآخَرُ وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِ نَاقِصًا غَيْرَ مُنْتَفٍ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْيَدَ لَا الرَّقَبَةَ أَوْجَبَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي قِيمَتِهِ فَانْتَقَصَتْ دِيَتُهُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِشَيْءٍ هُوَ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فِي الْمَهْرِ، وَالسَّرِقَةِ وَهُوَ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَالِكَةٌ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَالُ دُونَ الْآخَرِ فَتُنَصَّفُ دِيَتُهَا) اعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ نَوْعَانِ: مِلْكُ الْمَالِ ــ [التلويح] يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ الْقَطْعِ، وَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ دَمَهُ، فَيَثْبُتُ، وَالْمَالِ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ وَلِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ بَاطِلٌ لِكَوْنِهِ عَلَى الْمَوْلَى، فَيَبْقَى الْمَالُ لِلْمَوْلَى، وَلَا قَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ فِي سَرِقَةِ مَالِ مَوْلَاهُ، وَأَيْضًا الْمَالُ أَصْلٌ، وَالْقَطْعُ تَبَعٌ فَإِذَا بَطَلَ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ التَّبَعُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَطْعِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ دَمَهُ، فَيَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَطْعِ قَدْ لَاقَى حَالَةَ الْبَقَاءِ، وَالْمَالُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ تَابِعٌ لِلْقَطْعِ حَتَّى يَسْقُطَ عِصْمَةُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ، وَيُسْتَوْفَى الْقَطْعُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى، وَقَالَ: الْمَالُ مَالِي، وَإِنْ صَدَّقَهُ يُقْطَعُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا. (قَوْلُهُ: وَيُنَافِي) يَعْنِي: أَنَّ الرِّقَّ يُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ، وَالْمَذَلَّةِ فَيُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَالْحِلِّ، وَالْوِلَايَةِ أَمَّا الذِّمَّةُ؛ فَلِأَنَّهَا صِفَةٌ بِهَا صَارَ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ، وَالِاسْتِيجَابِ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَمَّا الْحِلُّ؛ فَلِأَنَّ اسْتِفْرَاشَ الْحَرَائِرِ، وَالسَّكَنَ، وَالِازْدِوَاجَ، وَالْمَحَبَّةَ، وَتَحْصِينَ النَّفْسِ، وَالتَّوْسِعَةَ فِي تَكْثِيرِ النَّسْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُهُ إثْمٌ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، وَلِهَذَا زَادَ النَّبِيُّ ﵊ إلَى التِّسْعِ، وَجَازَ لَهُ مَا فَوْقَهَا، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّ تَنْفِيذَ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ غَايَةُ الْكَرَامَةِ، وَنِهَايَةُ السَّلْطَنَةِ، وَإِذَا انْتَفَى كَمَالُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ ضَعُفَتْ ذِمَّةُ الرَّقِيقِ عَنْ احْتِمَالِ الدَّيْنِ حَتَّى لَا يُطَالَبَ بِهِ إلَّا إذَا انْضَمَّ إلَى الذِّمَّةِ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ، وَالْكَسْبِ جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِهَا فَيُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ، وَالْكَسْبِ بِأَنْ يُصْرَفَ أَوَّلًا إلَى الدَّيْنِ الْكَسْبُ الْمَوْجُودُ فِي يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ لَمْ يَفِ يُصْرَفُ إلَيْهِ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ بِأَنْ يُبَاعَ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا، فَيَسْتَسْعِي كَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوتِ الدَّيْنِ تُهْمَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ كَالدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمَحْجُورُ، وَالْعُقْرُ الَّذِي لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يُبَاعُ فِيهِ الرَّقِيقُ، وَلَا يُصْرَفُ

стр. 773

وَمِلْكُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي ثَابِتٌ لِلْعَبْدِ، وَالْأَوَّلُ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكَ الْيَدِ لَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ فَتَكُونُ قِيمَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ قِيمَةِ الْحُرِّ أَيْ: عَنْ دِيَتِهِ لَا نِصْفُهَا أَيْ: إذَا بَلَغَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ خَطَأً عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَالِ ثَابِتٌ لَهَا دُونَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ هَذَا مَا ذَكَرُوا، وَقَدْ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فِي خَاطِرِي اعْتِرَاضٌ فَقُلْت (لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا تَخْتَصُّ بِالدِّيَةِ، وَأَيْضًا تُوجِبُ الْإِكْمَالَ فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ) أَيْ: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِنُقْصَانِ دِيَةِ الْعَبْدِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ هَذَا الْأَمْرُ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِالدِّيَةِ بَلْ يَكُونُ مُطَّرِدًا فِي ــ [التلويح] إلَيْهِ كَسْبُهُ بَلْ يُؤَخَّرُ أَدَاؤُهُ إلَى أَنْ يُعْتَقَ، وَيَحْصُلَ لَهُ مَالٌ أَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْعُقْرُ فَلِأَنَّهُ قِيمَةُ الْبُضْعِ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ، وَلَا شُبْهَةَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِعَدَمِ رِضَاهُ فَلَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْعُقْرِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ، وَلَا مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقُّ الْمَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَيُنَصَّفُ الْحَدُّ) ؛ لِأَنَّ تَغْلِيظَ الْعُقُوبَةِ بِتَغْلِيظِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُنْعِمِ، وَذَلِكَ بِتَوَافُرِ النِّعَمِ، وَكَمَالِ الْكَرَامَةِ، وَهِيَ نَاقِصَةٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحُرِّ فَيُنَصَّفُ حَدُّهُ الْقَابِلُ لِلتَّنْصِيفِ كَالْجَلْدِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَكَذَا الْعِدَّةُ تَعْظِيمٌ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، فَتُنَصَّفُ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَنْتَصِفُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّكَامُلِ احْتِيَاطِيًّا، وَكَذَا فِي الْقَسَمِ يَكُونُ لِلْأَمَةِ نِصْفُ الْحُرَّةِ، وَفِي الطَّلَاقِ يَكُونُ طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَنْصِيفُ الثَّلَاثَةِ عَلَى السَّوَاءِ فَجُعِلَ نِصْفُ الثَّلَاثَةِ ثِنْتَيْنِ اعْتِبَارًا لِجَانِبِ الْوُجُودِ، وَذَهَابًا إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ بَقَاءِ الْحِلِّ، وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَنْصِيفِ الطَّلَاقِ رِقُّ الزَّوْجِ حَتَّى كَأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ ثِنْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً أَوْ حُرَّةً لِقَوْلِهِ ﵊ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ كَالنِّكَاحِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ رِقَّ الزَّوْجَةِ بِأَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ يَعْنِي: أَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِتَفْوِيتِ الْحِلِّ الَّذِي صَارَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فَمَحَلُّ التَّصَرُّفِ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ فَمَتَى كَانَ حِلُّ الْمَرْأَةِ أَزْيَدَ كَانَ مَحَلِّيَّةُ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهَا أَوْسَعَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ كَمَا أَنَّ حِلَّ الْعَبْدِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرِّ عَلَى التَّنَاصُفِ فَيَفُوتُ حِلُّ مَحَلِّيَّةُ الْأَمَةِ بِنِصْفِ مَا يَفُوتُ بِهِ حِلُّ مَحَلِّيَّةِ الْحُرَّةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنْ لَيْسَ عَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ تَعَدُّدَ الطَّلَاقِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ حَتَّى يَنْقُصَ بِطَلَاقٍ وَاحِدٍ شَيْءٌ مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ الْمُتَّسِعَةِ، وَبِالثِّنْتَيْنِ أَكْثَرُ، وَبِالثَّلَاثِ الْكُلُّ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي عَدَدِهِ رِعَايَةُ جَانِبِ الْمَمْلُوكِيَّةِ لَا الْمَالِكِيَّةِ، وَمَعْنَى الْمَمْلُوكِيَّةِ هَاهُنَا حِلُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، وَالْأَمَةُ نَاقِصَةٌ فِيهِ لَا الْمَمْلُوكِيَّةُ الْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْأَمَةِ أَقْوَى فَإِنْ قِيلَ: الْمَمْلُوكِيَّةُ

стр. 774

جَمِيعِ الصُّوَرِ وَلَا يَكُونُ الرِّقُّ مُنَصِّفًا لِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بَلْ يُوجِبُ نُقْصَانًا، وَالْوَاقِعُ خِلَافُ هَذَا، وَأَيْضًا لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّ أَحَدَ الْمِلْكَيْنِ ثَابِتٌ لِلرَّقِيقِ، وَهُوَ الِازْدِوَاجُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ كَامِلًا فِي الْأَرِقَّاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ لِنُقْصَانِ دِيَتِهِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ لَيْسَتْ مَا ذَكَرُوا أَرَدْت أَنْ أُبَيِّنَ مَا هُوَ الْعِلَّةُ لِثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ فَقُلْت (وَإِنَّمَا انْتَقَصَ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَبْدِ (الْمَالِيَّةُ فَلَا تُنَصَّفُ لَكِنْ فِي الْإِكْمَالِ شُبْهَةُ الْمُسَاوَاةِ بِالْحُرِّ فَيُنْتَقَصُ وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ حَتَّى أَنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَلْ هُوَ كَالْوَكِيلِ) وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أُذِنَ الْعَبْدُ ــ [التلويح] لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِكِيَّةِ فَكُلَّمَا زَادَتْ الْمَمْلُوكِيَّةُ زَادَتْ الْمَالِكِيَّةُ، فَيَكُونُ اتِّسَاعُ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُسْتَلْزِمًا لِاتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ مَالِكِيَّةَ ثَلَاثَةِ عَبِيدٍ أَوْسَعُ مِنْ مَالِكِيَّةِ عَبْدَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكِيَّةَ الْحُرِّ أَوْسَعُ مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقِيقِ، فَيَلْزَمُ تَنْصِيفُ الطَّلَاقِ بِرِقِّ الرَّجُلِ أَيْضًا لِنُقْصَانِ مَالِكِيَّتِهِ، فَيَكُونُ طَلَاقُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ثِنْتَيْنِ كَطَلَاقِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ حَالَ الزَّوْجِ فِي الِاتِّسَاعِ، وَالتَّضْيِيقِ قَدْ اُعْتُبِرَتْ مَرَّةً حَيْثُ تُنَصَّفُ عَدَدُ زَوْجَاتِ الرَّقِيقِ مِنْ الْأَرْبَعِ إلَى الثِّنْتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ الطَّلَقَاتِ أَيْضًا لَزِمَ النُّقْصَانُ مِنْ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَلْقَةً بِحَسَبِ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدُ سِتَّ طَلَقَاتٍ يُوقِعُهَا عَلَى زَوْجَتَيْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّنْصِيفِ، وَلَوْ تَنَصَّفَ الطَّلَاقُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ إلَّا أَرْبَعَ تَطْلِيقَاتٍ، وَهَذَا أَقَلُّ مِنْ السِّتِّ الَّتِي هِيَ نِصْفُ اثْنَيْ عَشَرَ. (قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ) يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَفَرَّغَ عَلَى مُنَافَاةِ الرِّقِّ لِكَمَالِ الْكَرَامَاتِ نُقْصَانُ دِيَةِ الرَّقِيقِ حَتَّى، لَوْ قُتِلَ خَطَأً يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى بِشَرْطِ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَضْعَافَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الرَّقِيقِ جِهَةَ الْمَالِيَّةِ، وَجِهَةَ النَّفْسِيَّةِ؛ فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةَ الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى، وَمِلْكُهُ فِي الْعَبْدِ مِلْكُ مَالٍ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ النُّقُودُ دُونَ الْإِبِلِ، وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ مِنْ الْحُسْنِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَغَيْرِهِمَا، وَالصِّفَاتُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ دُونَ النُّفُوسِ، وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةَ النَّفْسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَالْمَالِيَّةُ تَبَعٌ يَزُولُ بِزَوَالِ النَّفْسِيَّةِ كَمَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا إذَا أُعْتِقَ، وَضَمَانُ النَّفْسِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ خَطَرِهَا، وَذَلِكَ بِالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَمَالُ حَالِ الْإِنْسَانِ، وَالْمَالِكِيَّةُ نَوْعَانِ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ، وَكَمَالُهَا بِالْحُرِّيَّةِ، وَمَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ، وَثُبُوتُهَا بِالذُّكُورَةِ فَالْمَرْأَةُ قَدْ انْتَفَتْ فِيهَا إحْدَى الْمَالِكِيَّتَيْنِ، وَثَبَتَتْ الْأُخْرَى بِكَمَالِهَا فَانْتَقَصَتْ دِيَتُهَا بِالتَّنْصِيفِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ مَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى دَفْعًا

стр. 775

فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ فَعِنْدَنَا يَعُمُّ إذْنُهُ لِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَعِنْدَهُ لَا بَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِمَا أُذِنَ فِيهِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ، وَقُلْنَا هُوَ أَهْلٌ لِلتَّكَلُّمِ وَالذِّمَّةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ مَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ وَأَدْنَى طُرُقِهِ الْيَدُ عَلَى أَنَّهَا) أَيْ: الْيَدَ (لَيْسَتْ بِمَالٍ) فَلَا يَكُونُ الرِّقُّ مُنَافِيًا لِمِلْكِ الْيَدِ لَكِنَّهُ مُنَافٍ لِمِلْكِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا حَالَ كَوْنِهِ مَالًا (وَهِيَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ) أَيْ: الْيَدُ هِيَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِبَقَائِهِ وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ ــ [التلويح] لِلضَّرَرِ فِي مَالِهِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي مَالِكِيَّةِ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَنْتَفِ فِيهِ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يُنَاسِبَ تَنْصِيفَ دِيَتِهِ بَلْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا نُقْصَانٌ؛ لِأَنَّهَا بِشَيْئَيْنِ: مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ لِلْعَبْدِ، وَمِلْكُ الْيَدِ أَعْنِي: التَّصَرُّفَ، وَهُوَ ثَابِتٌ لَهُ فَلَزِمَ بِوَاسِطَةِ نُقْصَانِ مِلْكِ الْيَدِ نُقْصَانُ شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي أَقَلَّ مَا يُسْتَوْلَى بِهِ عَلَى الْحُرَّةِ اسْتِمْتَاعًا، وَهُوَ الْمَهْرُ، وَفِي أَقَلَّ مَا يُقْطَعُ بِهِ الْيَدُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ نِصْفِ الْبَدَنِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ دِيَةُ الْحُرِّ، وَيُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَإِنْ قِيلَ: الْمُنْتَفَى فِي الْعَبْدِ هُوَ أَحَدُ شِقَّيْ مَالِكِيَّةِ الْمَالِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ الرُّبُعُ تَوْزِيعًا عَلَى مَا بِهِ خَطَرُ الْمَحَلِّ أَعْنِي: مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَمَالِكِيَّةَ الْمَالِ رَقَبَةً، وَيَدًا قُلْنَا: مَالِكِيَّةُ الْيَدِ أَقْوَى مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقَبَةِ إذْ الِانْتِفَاعُ وَالتَّصَرُّفُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَسِيلَةٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ مِلْكِ الْمَالِ، وَمِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ، فَكَانَا عَلَى التَّنَاصُفِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِمْ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَزِمَ أَنْ لَا يَجْرِيَ التَّنْصِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعَبْدِ إذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي كَمَالِهِ إلَّا نُقْصَانُ مَا أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ بَلْ مِنْ الرُّبْعِ عَلَى مَا مَرَّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا: وَثَانِيهِمَا أَنَّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلرَّقِيقِ بِكَمَالِهَا لَزِمَ، أَنْ لَا يَجْرِيَ النُّقْصَانُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ، وَالِازْدِوَاجِ كَعَدَدِ الزَّوْجَاتِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْقَسَمِ، وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ، وَهِيَ كَامِلَةٌ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: أَنَّ تَنْصِيفَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ خَطَرِ النَّفْسِ أَعْنِي: الْمَالِكِيَّةَ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ كَمَا فِي الدِّيَةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْحِلِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْكَرَامَةِ، وَالرَّقِيقُ نَاقِصٌ فِيهِ نُقْصَانًا لَا يَتَعَيَّنُ قَدْرُهُ فَقَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِالنِّصْفِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا بِاعْتِبَارِ خَطَرِ النَّفْسِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ، وَنُقْصَانُ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّقْصَانَ فِي الشَّيْءِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ لَا فِي حُكْمٍ لَا يُلَائِمُهُ فَالنُّقْصَانُ فِي الْمَالِكِيَّةِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الدِّيَةِ لَا فِي
следующие страницы →