Полный текст (833 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، وَيُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالذِّمَّةِ وَالْحِلِّ وَالْوِلَايَةِ فَيُضْعِفُ الذِّمَّةَ حَتَّى لَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ إلَّا إذَا ضَمِنْت إلَيْهَا مَالِيَّةَ الرَّقَبَةِ وَالْكَسْبِ فَيُبَاعُ فِي دَيْنٍ لَا تُهْمَةَ فِي ثُبُوتِهِ كَدَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ) أَيْ: اسْتِهْلَاكِ مَالِ الْإِنْسَانِ (وَالتِّجَارَةِ لَا فِيمَا كَانَ فِي ثُبُوتِهِ تُهْمَةٌ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمَحْجُورُ أَوْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، وَدَخَلَ بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى عِتْقِهِ، وَيُنَصَّفُ الْحِلُّ بِتَنْصِيفِ الْمَحَلِّ فِي حَقِّ الرِّجَالِ) أَيْ: يَحِلُّ لِلْحُرِّ أَرْبَعٌ، وَلِلرَّقِيقِ ثِنْتَانِ (وَبِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ كَمَا سَبَقَ) أَيْ: فِي فَصْلِ التَّرْجِيحِ أَيْ: تَحِلُّ الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْحُرَّةِ، وَلَا تَحِلُّ إذَا كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْهَا أَوْ مُقَارِنَةً (وَيُنَصَّفُ الْحَدُّ
ــ
[التلويح]
كَالْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَهَذَا لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ لَا إلَى أَحَدٍ، وَهِيَ لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَمُعْتَقُ الْبَعْضِ مُكَاتَبٌ عِنْدَهُ أَيْ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا فِي الرَّدِّ إلَى الرِّقِّ.
(قَوْلُهُ:، وَالرِّقُّ يُبْطِلُ مَالِكِيَّةَ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَكُونُ مَالِكًا؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ، وَالْمَالِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ، وَالِابْتِذَالِ، وَالْمَالِكِيَّةِ عَنْ الْقُدْرَةِ، وَالْكَرَامَةِ، فَيَتَنَافَيَانِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ فَلَا يَصِيرُ مَالِكًا لِمَالٍ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَالٌ مُبْتَذَلٌ، وَمَالِكًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آدَمِيٌّ مُكَرَّمٌ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةَ، وَالْمَمْلُوكِيَّة بِالْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُتْعَةً، وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ مَالًا، وَبِالْعَكْسِ فَالرَّقِيقُ، وَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِ مِلْكِ الْمَالِ، وَلَوْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ التَّسَرِّيَ لِابْتِنَائِهِ عَلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمُتْعَةِ، وَخُصَّ الْمُكَاتَبُ، وَالتَّسَرِّي بِالذِّكْرِ لِيُعْلَمَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الْمُكَاتَبِ الرِّقَّ نَاقِصٌ حَتَّى إنَّهُ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ، وَفِي التَّسَرِّي مَظِنَّةُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ كَالنِّكَاحِ، وَلِهَذَا صَحَّ عِنْدَ مَالِكٍ.
(قَوْلُهُ:، وَلَا يُبْطِلُ) أَيْ: الرِّقُّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَالْحَيَاةِ، وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي النِّكَاحِ إلَى إذْنِ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَالِيَّةِ بِوُجُوبِ الْمَهْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالسَّرِقَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ، وَالدَّمَ حَقُّهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِمَا فِي الْبَقَاءِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى إتْلَافَهُمَا، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ الْقَائِمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ، فَيَصِحُّ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فَيُقْطَعَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مِلْكُهُ، وَيُرَدُّ الْمَالُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ، وَرَدِّ الْمَالِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 772
وَالْعِدَّةُ وَالْقَسَمُ وَالطَّلَاقُ لَكِنَّ الْوَحْدَةَ لَا تَقْبَلُهُ) أَيْ: التَّنْصِيفَ (فَيَتَكَامَلُ، وَعَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ فَاعْتُبِرَ بِالنِّسَاءِ فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ اتِّسَاعُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا فَكَمَا يُعْتَبَرُ بِالنِّسَاءِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا قُلْنَا قَدْ اُعْتُبِرَ مَالِكِيَّةُ الزَّوْجِ مَرَّةً حَتَّى انْتَقَصَ عَدَدُ الزَّوْجَاتُ فَإِنْ انْتَقَصَ مَالِكِيَّتُهُ فِي هَذَا الْعَدَدِ النَّاقِصِ يَلْزَمُ النُّقْصَانُ مِنْ الْمُنَصَّفِ، وَلَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ وَهُوَ مِلْكُ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ ثَابِتًا لَهُ عَلَى الْكَمَالِ، وَالْمِلْكُ الْآخَرُ وَهُوَ مِلْكُ الْمَالِ نَاقِصًا غَيْرَ مُنْتَفٍ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْيَدَ لَا الرَّقَبَةَ أَوْجَبَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي قِيمَتِهِ فَانْتَقَصَتْ دِيَتُهُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِشَيْءٍ هُوَ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فِي الْمَهْرِ، وَالسَّرِقَةِ وَهُوَ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَالِكَةٌ لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَالُ دُونَ الْآخَرِ فَتُنَصَّفُ دِيَتُهَا) اعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ نَوْعَانِ: مِلْكُ الْمَالِ
ــ
[التلويح]
يَصِحُّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ دُونَ الْمَالِ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ الْقَطْعِ، وَهُوَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ دَمَهُ، فَيَثْبُتُ، وَالْمَالِ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يَصِحُّ وَلِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ بَاطِلٌ لِكَوْنِهِ عَلَى الْمَوْلَى، فَيَبْقَى الْمَالُ لِلْمَوْلَى، وَلَا قَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ فِي سَرِقَةِ مَالِ مَوْلَاهُ، وَأَيْضًا الْمَالُ أَصْلٌ، وَالْقَطْعُ تَبَعٌ فَإِذَا بَطَلَ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ التَّبَعُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَطْعِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ دَمَهُ، فَيَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْقَطْعِ قَدْ لَاقَى حَالَةَ الْبَقَاءِ، وَالْمَالُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ تَابِعٌ لِلْقَطْعِ حَتَّى يَسْقُطَ عِصْمَةُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ، وَيُسْتَوْفَى الْقَطْعُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَذَّبَهُ الْمَوْلَى، وَقَالَ: الْمَالُ مَالِي، وَإِنْ صَدَّقَهُ يُقْطَعُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُنَافِي) يَعْنِي: أَنَّ الرِّقَّ يُنْبِئُ عَنْ الْعَجْزِ، وَالْمَذَلَّةِ فَيُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ الذِّمَّةِ، وَالْحِلِّ، وَالْوِلَايَةِ أَمَّا الذِّمَّةُ؛ فَلِأَنَّهَا صِفَةٌ بِهَا صَارَ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ، وَالِاسْتِيجَابِ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَمَّا الْحِلُّ؛ فَلِأَنَّ اسْتِفْرَاشَ الْحَرَائِرِ، وَالسَّكَنَ، وَالِازْدِوَاجَ، وَالْمَحَبَّةَ، وَتَحْصِينَ النَّفْسِ، وَالتَّوْسِعَةَ فِي تَكْثِيرِ النَّسْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُهُ إثْمٌ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، وَلِهَذَا زَادَ النَّبِيُّ ﵊ إلَى التِّسْعِ، وَجَازَ لَهُ مَا فَوْقَهَا، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَلِأَنَّ تَنْفِيذَ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ غَايَةُ الْكَرَامَةِ، وَنِهَايَةُ السَّلْطَنَةِ، وَإِذَا انْتَفَى كَمَالُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ ضَعُفَتْ ذِمَّةُ الرَّقِيقِ عَنْ احْتِمَالِ الدَّيْنِ حَتَّى لَا يُطَالَبَ بِهِ إلَّا إذَا انْضَمَّ إلَى الذِّمَّةِ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ، وَالْكَسْبِ جَمِيعًا فَحِينَئِذٍ يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِهَا فَيُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ، وَالْكَسْبِ بِأَنْ يُصْرَفَ أَوَّلًا إلَى الدَّيْنِ الْكَسْبُ الْمَوْجُودُ فِي يَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ لَمْ يَفِ يُصْرَفُ إلَيْهِ مَالِيَّةُ الرَّقَبَةِ بِأَنْ يُبَاعَ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا، فَيَسْتَسْعِي كَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ثُبُوتِ الدَّيْنِ تُهْمَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ كَالدَّيْنِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمَحْجُورُ، وَالْعُقْرُ الَّذِي لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَلَا يُبَاعُ فِيهِ الرَّقِيقُ، وَلَا يُصْرَفُ
стр. 773
وَمِلْكُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي ثَابِتٌ لِلْعَبْدِ، وَالْأَوَّلُ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكَ الْيَدِ لَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ فَتَكُونُ قِيمَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ قِيمَةِ الْحُرِّ أَيْ: عَنْ دِيَتِهِ لَا نِصْفُهَا أَيْ: إذَا بَلَغَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ خَطَأً عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَالِ ثَابِتٌ لَهَا دُونَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ هَذَا مَا ذَكَرُوا، وَقَدْ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فِي خَاطِرِي اعْتِرَاضٌ فَقُلْت (لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا تَخْتَصُّ بِالدِّيَةِ، وَأَيْضًا تُوجِبُ الْإِكْمَالَ فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ) أَيْ: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ لِنُقْصَانِ دِيَةِ الْعَبْدِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ هَذَا الْأَمْرُ وَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِالدِّيَةِ بَلْ يَكُونُ مُطَّرِدًا فِي
ــ
[التلويح]
إلَيْهِ كَسْبُهُ بَلْ يُؤَخَّرُ أَدَاؤُهُ إلَى أَنْ يُعْتَقَ، وَيَحْصُلَ لَهُ مَالٌ أَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْعُقْرُ فَلِأَنَّهُ قِيمَةُ الْبُضْعِ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ، وَلَا شُبْهَةَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِعَدَمِ رِضَاهُ فَلَا يَظْهَرُ ثُبُوتُ الْعُقْرِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ، وَلَا مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُمَا حَقُّ الْمَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَيُنَصَّفُ الْحَدُّ) ؛ لِأَنَّ تَغْلِيظَ الْعُقُوبَةِ بِتَغْلِيظِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُنْعِمِ، وَذَلِكَ بِتَوَافُرِ النِّعَمِ، وَكَمَالِ الْكَرَامَةِ، وَهِيَ نَاقِصَةٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحُرِّ فَيُنَصَّفُ حَدُّهُ الْقَابِلُ لِلتَّنْصِيفِ كَالْجَلْدِ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَكَذَا الْعِدَّةُ تَعْظِيمٌ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، فَتُنَصَّفُ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَنْتَصِفُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّكَامُلِ احْتِيَاطِيًّا، وَكَذَا فِي الْقَسَمِ يَكُونُ لِلْأَمَةِ نِصْفُ الْحُرَّةِ، وَفِي الطَّلَاقِ يَكُونُ طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَنْصِيفُ الثَّلَاثَةِ عَلَى السَّوَاءِ فَجُعِلَ نِصْفُ الثَّلَاثَةِ ثِنْتَيْنِ اعْتِبَارًا لِجَانِبِ الْوُجُودِ، وَذَهَابًا إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ بَقَاءِ الْحِلِّ، وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَنْصِيفِ الطَّلَاقِ رِقُّ الزَّوْجِ حَتَّى كَأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ ثِنْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً أَوْ حُرَّةً لِقَوْلِهِ ﵊ «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» ، وَلِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلطَّلَاقِ كَالنِّكَاحِ فَيُعْتَبَرُ حَالُهُ. وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ رِقَّ الزَّوْجَةِ بِأَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ يَعْنِي: أَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِتَفْوِيتِ الْحِلِّ الَّذِي صَارَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ مَحَلًّا لِلنِّكَاحِ فَمَحَلُّ التَّصَرُّفِ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ فَمَتَى كَانَ حِلُّ الْمَرْأَةِ أَزْيَدَ كَانَ مَحَلِّيَّةُ الطَّلَاقِ فِي حَقِّهَا أَوْسَعَ، وَظَاهِرٌ أَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ كَمَا أَنَّ حِلَّ الْعَبْدِ أَنْقَصُ مِنْ حِلِّ الْحُرِّ عَلَى التَّنَاصُفِ فَيَفُوتُ حِلُّ مَحَلِّيَّةُ الْأَمَةِ بِنِصْفِ مَا يَفُوتُ بِهِ حِلُّ مَحَلِّيَّةِ الْحُرَّةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنْ لَيْسَ عَدَدُ الطَّلَاقِ عِبَارَةً عَنْ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ تَعَدُّدَ الطَّلَاقِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْمَمْلُوكِيَّةِ حَتَّى يَنْقُصَ بِطَلَاقٍ وَاحِدٍ شَيْءٌ مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ الْمُتَّسِعَةِ، وَبِالثِّنْتَيْنِ أَكْثَرُ، وَبِالثَّلَاثِ الْكُلُّ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي عَدَدِهِ رِعَايَةُ جَانِبِ الْمَمْلُوكِيَّةِ لَا الْمَالِكِيَّةِ، وَمَعْنَى الْمَمْلُوكِيَّةِ هَاهُنَا حِلُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، وَالْأَمَةُ نَاقِصَةٌ فِيهِ لَا الْمَمْلُوكِيَّةُ الْمَالِيَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْأَمَةِ أَقْوَى فَإِنْ قِيلَ: الْمَمْلُوكِيَّةُ
стр. 774
جَمِيعِ الصُّوَرِ وَلَا يَكُونُ الرِّقُّ مُنَصِّفًا لِشَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بَلْ يُوجِبُ نُقْصَانًا، وَالْوَاقِعُ خِلَافُ هَذَا، وَأَيْضًا لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّ أَحَدَ الْمِلْكَيْنِ ثَابِتٌ لِلرَّقِيقِ، وَهُوَ الِازْدِوَاجُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ كَامِلًا فِي الْأَرِقَّاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ لِنُقْصَانِ دِيَتِهِ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ لَيْسَتْ مَا ذَكَرُوا أَرَدْت أَنْ أُبَيِّنَ مَا هُوَ الْعِلَّةُ لِثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ فَقُلْت (وَإِنَّمَا انْتَقَصَ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَبْدِ (الْمَالِيَّةُ فَلَا تُنَصَّفُ لَكِنْ فِي الْإِكْمَالِ شُبْهَةُ الْمُسَاوَاةِ بِالْحُرِّ فَيُنْتَقَصُ وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ حَتَّى أَنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَلْ هُوَ كَالْوَكِيلِ) وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أُذِنَ الْعَبْدُ
ــ
[التلويح]
لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِكِيَّةِ فَكُلَّمَا زَادَتْ الْمَمْلُوكِيَّةُ زَادَتْ الْمَالِكِيَّةُ، فَيَكُونُ اتِّسَاعُ الْمَمْلُوكِيَّةِ مُسْتَلْزِمًا لِاتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ مَالِكِيَّةَ ثَلَاثَةِ عَبِيدٍ أَوْسَعُ مِنْ مَالِكِيَّةِ عَبْدَيْنِ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالرِّجَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكِيَّةَ الْحُرِّ أَوْسَعُ مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقِيقِ، فَيَلْزَمُ تَنْصِيفُ الطَّلَاقِ بِرِقِّ الرَّجُلِ أَيْضًا لِنُقْصَانِ مَالِكِيَّتِهِ، فَيَكُونُ طَلَاقُ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ثِنْتَيْنِ كَطَلَاقِ الْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ حَالَ الزَّوْجِ فِي الِاتِّسَاعِ، وَالتَّضْيِيقِ قَدْ اُعْتُبِرَتْ مَرَّةً حَيْثُ تُنَصَّفُ عَدَدُ زَوْجَاتِ الرَّقِيقِ مِنْ الْأَرْبَعِ إلَى الثِّنْتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي حَقِّ الطَّلَقَاتِ أَيْضًا لَزِمَ النُّقْصَانُ مِنْ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَلْقَةً بِحَسَبِ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدُ سِتَّ طَلَقَاتٍ يُوقِعُهَا عَلَى زَوْجَتَيْنِ تَحْقِيقًا لِلتَّنْصِيفِ، وَلَوْ تَنَصَّفَ الطَّلَاقُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ إلَّا أَرْبَعَ تَطْلِيقَاتٍ، وَهَذَا أَقَلُّ مِنْ السِّتِّ الَّتِي هِيَ نِصْفُ اثْنَيْ عَشَرَ.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ) يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَفَرَّغَ عَلَى مُنَافَاةِ الرِّقِّ لِكَمَالِ الْكَرَامَاتِ نُقْصَانُ دِيَةِ الرَّقِيقِ حَتَّى، لَوْ قُتِلَ خَطَأً يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي قِيمَتُهُ لِلْمَوْلَى بِشَرْطِ أَنْ تَنْقُصَ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَضْعَافَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الرَّقِيقِ جِهَةَ الْمَالِيَّةِ، وَجِهَةَ النَّفْسِيَّةِ؛ فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةَ الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى، وَمِلْكُهُ فِي الْعَبْدِ مِلْكُ مَالٍ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ النُّقُودُ دُونَ الْإِبِلِ، وَلِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ مِنْ الْحُسْنِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَغَيْرِهِمَا، وَالصِّفَاتُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ الْأَمْوَالِ دُونَ النُّفُوسِ، وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جِهَةَ النَّفْسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَالْمَالِيَّةُ تَبَعٌ يَزُولُ بِزَوَالِ النَّفْسِيَّةِ كَمَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا إذَا أُعْتِقَ، وَضَمَانُ النَّفْسِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ خَطَرِهَا، وَذَلِكَ بِالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهَا كَمَالُ حَالِ الْإِنْسَانِ، وَالْمَالِكِيَّةُ نَوْعَانِ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ، وَكَمَالُهَا بِالْحُرِّيَّةِ، وَمَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ، وَثُبُوتُهَا بِالذُّكُورَةِ فَالْمَرْأَةُ قَدْ انْتَفَتْ فِيهَا إحْدَى الْمَالِكِيَّتَيْنِ، وَثَبَتَتْ الْأُخْرَى بِكَمَالِهَا فَانْتَقَصَتْ دِيَتُهَا بِالتَّنْصِيفِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ مَالِكِيَّةُ النِّكَاحِ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى دَفْعًا
стр. 775
فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ فَعِنْدَنَا يَعُمُّ إذْنُهُ لِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَعِنْدَهُ لَا بَلْ يَخْتَصُّ الْإِذْنُ بِمَا أُذِنَ فِيهِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ (لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ، وَقُلْنَا هُوَ أَهْلٌ لِلتَّكَلُّمِ وَالذِّمَّةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ مَا يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ وَأَدْنَى طُرُقِهِ الْيَدُ عَلَى أَنَّهَا) أَيْ: الْيَدَ (لَيْسَتْ بِمَالٍ) فَلَا يَكُونُ الرِّقُّ مُنَافِيًا لِمِلْكِ الْيَدِ لَكِنَّهُ مُنَافٍ لِمِلْكِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا حَالَ كَوْنِهِ مَالًا (وَهِيَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ) أَيْ: الْيَدُ هِيَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِبَقَائِهِ وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ
ــ
[التلويح]
لِلضَّرَرِ فِي مَالِهِ لَا لِنُقْصَانٍ فِي مَالِكِيَّةِ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَنْتَفِ فِيهِ مَالِكِيَّةُ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يُنَاسِبَ تَنْصِيفَ دِيَتِهِ بَلْ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا نُقْصَانٌ؛ لِأَنَّهَا بِشَيْئَيْنِ: مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ لِلْعَبْدِ، وَمِلْكُ الْيَدِ أَعْنِي: التَّصَرُّفَ، وَهُوَ ثَابِتٌ لَهُ فَلَزِمَ بِوَاسِطَةِ نُقْصَانِ مِلْكِ الْيَدِ نُقْصَانُ شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ فَقَدَّرْنَاهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي أَقَلَّ مَا يُسْتَوْلَى بِهِ عَلَى الْحُرَّةِ اسْتِمْتَاعًا، وَهُوَ الْمَهْرُ، وَفِي أَقَلَّ مَا يُقْطَعُ بِهِ الْيَدُ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ نِصْفِ الْبَدَنِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ دِيَةُ الْحُرِّ، وَيُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَإِنْ قِيلَ: الْمُنْتَفَى فِي الْعَبْدِ هُوَ أَحَدُ شِقَّيْ مَالِكِيَّةِ الْمَالِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ الرُّبُعُ تَوْزِيعًا عَلَى مَا بِهِ خَطَرُ الْمَحَلِّ أَعْنِي: مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ، وَمَالِكِيَّةَ الْمَالِ رَقَبَةً، وَيَدًا قُلْنَا: مَالِكِيَّةُ الْيَدِ أَقْوَى مِنْ مَالِكِيَّةِ الرَّقَبَةِ إذْ الِانْتِفَاعُ وَالتَّصَرُّفُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَسِيلَةٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ مِلْكِ الْمَالِ، وَمِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ، فَكَانَا عَلَى التَّنَاصُفِ هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِمْ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَزِمَ أَنْ لَا يَجْرِيَ التَّنْصِيفُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْعَبْدِ إذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي كَمَالِهِ إلَّا نُقْصَانُ مَا أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ بَلْ مِنْ الرُّبْعِ عَلَى مَا مَرَّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا: وَثَانِيهِمَا أَنَّ مَالِكِيَّةَ النِّكَاحِ لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلرَّقِيقِ بِكَمَالِهَا لَزِمَ، أَنْ لَا يَجْرِيَ النُّقْصَانُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ، وَالِازْدِوَاجِ كَعَدَدِ الزَّوْجَاتِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْقَسَمِ، وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ، وَهِيَ كَامِلَةٌ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: أَنَّ تَنْصِيفَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ نُقْصَانِ خَطَرِ النَّفْسِ أَعْنِي: الْمَالِكِيَّةَ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ النُّقْصَانُ بِأَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ كَمَا فِي الدِّيَةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الْحِلِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْكَرَامَةِ، وَالرَّقِيقُ نَاقِصٌ فِيهِ نُقْصَانًا لَا يَتَعَيَّنُ قَدْرُهُ فَقَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِالنِّصْفِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا بِاعْتِبَارِ خَطَرِ النَّفْسِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ، وَنُقْصَانُ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ النِّصْفِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّقْصَانَ فِي الشَّيْءِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ لَا فِي حُكْمٍ لَا يُلَائِمُهُ فَالنُّقْصَانُ فِي الْمَالِكِيَّةِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الدِّيَةِ لَا فِي
стр. 776
فَشَرَعَ التَّصَرُّفَاتِ كَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ لِحُصُولِ مِلْكِ الْيَدِ ثُمَّ مِلْكُ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِيَكُونَ وَسِيلَةً إلَى مِلْكِ الْيَدِ فَإِنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ هُوَ اخْتِصَاصُ الْمَالِكِ بِالشَّيْءِ، فَيَقْطَعُ طَمَعَ الطَّامِعِينَ وَالْإِفْضَاءَ إلَى التَّنَازُعِ وَالتَّقَاتُلِ، وَنَحْوِهِمَا فَثَبَتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِلْكُ الْيَدِ، فَأَمَّا مِلْكُ الرَّقَبَةِ فَإِنَّمَا يُثْبِتُ ضَرُورَةَ إكْمَالِ مِلْكِ الْيَدِ، فَيَبْطُلُ مَا قَالَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ سَبَبِ الْمِلْكِ لَا تَكُونُ خَالِيَةً عَنْ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ حَاصِلٌ لِلْعَبْدِ (فَأَمَّا الْمِلْكُ) أَيْ: مِلْكُ الرَّقَبَةِ (فَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ ضَرُورِيٌّ) أَيْ: لَيْسَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا أَيْ: مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةَ أَنْ يَثْبُتَ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَعَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ يُوجِبُ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا شُرِعَ لِأَجْلِهِ أَمَّا عَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ
ــ
[التلويح]
عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ، وَالنُّقْصَانُ فِي الْحِلِّ بِالْعَكْسِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ تَنْصِيفَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَيْسَ لِنُقْصَانِ الْمَالِكِيَّةِ بَلْ لِنُقْصَانِ الْحِلِّ، وَكَمَالُ مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ نُقْصَانَ عَدَدِ الزَّوْجَاتِ لَكِنَّهُ لَا يُنَافِي أَنْ يُوجِبَهُ أَمْرٌ آخَرُ هُوَ نُقْصَانُ الْحِلِّ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ثُبُوتَ كَمَالِ مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ فِي الرَّقِيقِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الِازْدِوَاجِ كَامِلًا فِي الْأَرِقَّاءِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْقَسَمِ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الزَّوْجَةِ، وَالْأَمَةُ لَا تَمْلِكُ النِّكَاحَ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ كَمَالِ الْمَالِكِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا انْتَقَصَ) يُرِيدُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي نُقْصَانِ دِيَةِ الْعَبْدِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ جَانِبُ الْمَالِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ التَّنْصِيفُ بَلْ الْقِيمَةُ لَكِنَّهَا إذَا بَلَغَتْ دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا يُنْتَقَصُ مِنْهَا شَيْءٌ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ احْتِرَازًا عَنْ شُبْهَةِ مُسَاوَاةِ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ شُبْهَةَ الشَّيْءِ مُعْتَبَرَةٌ بِحَقِيقَتِهِ، وَكَمَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُسَاوَاةِ مُنْتَفِيَةٌ فَكَذَلِكَ شُبْهَتُهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شُبْهَةَ الْمُسَاوَاةِ لَا حَقِيقَتَهَا؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ إنَّمَا تَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَالِابْتِذَالِ، وَدِيَةُ الْحُرِّ بِاعْتِبَارِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْكَرَامَةِ، وَالْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي حَقِيقَةً، وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ صُورَةً فَلَا مُسَاوَاةَ حَقِيقَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ ضَمَانُ النَّفْسِ، وَلَكِنْ فِي جَانِبِ الْمُسْتَحِقِّ هُوَ ضَمَانُ مَالٍ، فَيَظْهَرُ حُكْمُ الْمَالِيَّةِ فِي حَقِّ السَّيِّدِ وَإِلَّا فَنَفْسُ الْعَبْدِ مَعْصُومَةٌ مَصُونَةٌ عَنْ الْهَدَرِ مُعْتَبَرَةٌ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْقِصَاصِ، وَالْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَالِيَّةُ قَائِمَةٌ بِهَا تَابِعَةٌ لَهَا تَزُولُ بِزَوَالِهَا كَمَا فِي الْمَوْتِ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ فِي الْإِتْلَافِ فِي الْقَتْلِ هُوَ النَّفْسِيَّةُ عَادَةً لَا الْمَالِيَّةُ، وَالضَّمَانُ لِلْمُتْلَفِ، وَأَيْضًا الضَّمَانُ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ دُونَ الْجَانِي، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ النَّفْسِيَّةُ، وَكَوْنُ الدِّيَةِ لِلْمَوْلَى لَا يُنَافِي ذَلِكَ كَالْقِصَاصِ يَسْتَوْفِيهِ الْمَوْلَى، وَالْمَالُ يَجِبُ لِلْعَبْدِ، وَلِهَذَا تُقْضَى دُيُونُهُ
стр. 777
لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْغَيْرِ فَلَا يُوجِبُ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ كَمِلْكِ الْيَدِ فِي مَسْأَلَتِنَا (فَالْيَدُ تَثْبُتُ لَهُ وَالْمِلْكُ لِلْمَوْلَى خِلَافَةٌ عَنْهُ) أَيْ: يَكُونُ الْمَوْلَى قَائِمًا مَقَامَ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْمُبَاشِرِ (وَهُوَ كَالْوَكِيلِ فِي الْمِلْكِ) أَيْ: الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ أَيْ: إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى كَمَا يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ فِي شِرَاءِ الْوَكِيلِ (وَفِي بَقَاءِ الْإِذْنِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ) أَيْ: الْمَأْذُونِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَهُمَا مَرَضُ الْمَوْلَى، وَعَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ أَمَّا مَرَضُ الْمَوْلَى فَصُورَتُهُ أَنَّ الْمَأْذُونَ إنْ تَصَرَّفَ فِي حَالَ مَرَضِ الْمَوْلَى وَحَابَى مُحَابَاةً فَاحِشَةً وَعَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا
ــ
[التلويح]
مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ فَهُوَ يَسْتَوْفِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ) يَعْنِي: أَنَّ الرِّقَّ لَا يُنَافِيهِ مَالِكِيَّةُ الْيَدِ، وَالتَّصَرُّفُ حَتَّى إنَّ الْمَأْذُونَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْيَدُ عَلَى اكْتِسَابِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجْرِ الثَّابِتِ بِالرِّقِّ، وَرَفْعُ الْمَانِعِ مِنْ التَّصَرُّفِ حُكْمًا، وَإِثْبَاتُ الْيَدِ لِلْعَبْدِ فِي كَسْبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ حَتَّى إنَّ الْإِذْنَ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ إذْنًا فِي الْكُلِّ، وَلَا يَصِحُّ الْحَجْرُ فِي الْبَعْضِ بَعْدَ الْإِذْنِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ، وَلَا يَقْبَلُ الْإِذْنُ التَّأْقِيتَ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفَادَةِ عَنْ الْمَوْلَى كَالْوَكِيلِ، وَيَدُهُ فِي الِاكْتِسَابِ يَدُ نِيَابَةٍ كَالْمُودَعِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ لَكَانَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ، وَسِيلَةٌ إلَى الْمِلْكِ، وَسَبَبٌ لَهُ، وَالسَّبَبُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا لِحُكْمِهِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا فَكَذَا الْمَلْزُومُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ إذْ الْيَدُ إنَّمَا تُسْتَفَادُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ أَوْ التَّصَرُّفِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ تَمْلِيكٌ، وَتَمَلُّكٌ، وَمَعْنَى التَّمَلُّكِ الصَّيْرُورَةُ مَالِكًا، وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ الْإِخْرَاجُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَا مِلْكَ إلَّا لِلْمَوْلَى، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مِلْكُ الْيَدِ، وَهُوَ حَاصِلٌ لِلْعَبْدِ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَعَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوَسِيلَةِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْمَقْصُودِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَى الْمَقْصُودِ طَرِيقٌ إلَّا بِتِلْكَ الْوَسِيلَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّقِيقَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَمِلْكِ الْيَدِ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّكَلُّمِ، وَالذِّمَّةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ تُقْبَلُ رِوَايَاتُهُ فِي الْأَخْبَارِ، وَالدِّيَانَاتِ، وَشَهَادَتُهُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْإِيجَابِ، وَالِاسْتِيجَابِ، وَلِذَا يُخَاطَبُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَالدَّيْنِ، وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى ذِمَّتَهُ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا إقْرَارُهُ عَلَى الْعَبْدِ بِدَيْنٍ فَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ كَالْوَارِثِ يُقِرُّ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالدَّيْنِ
стр. 778
يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَهُوَ فِي حَالِ مَرَضِ الْمَوْلَى كَالْوَكِيلِ وَلَوْ كَانَ هَذَا التَّصَرُّفُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَصِحُّ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَفِي حَالِ صِحَّةِ الْمَوْلَى لَيْسَ كَالْوَكِيلِ وَأَمَّا عَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ فَكَمَا إذَا أَذِنَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ، وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ مِنْ كَسْبِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ حَجَرَ الْمَوْلَى الْمَأْذُونَ الْأَوَّلَ لَا يَنْحَجِرُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ إذَا وَكَّلَ غَيْرَهُ، وَعَزَلَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْعَزِلْ الثَّانِي، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْمَأْذُونُ الْأَوَّلُ لَا يَنْحَجِرُ الثَّانِي كَالْوَكِيلِ إذَا مَاتَ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي بَقَاءِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الْإِذْنِ لَيْسَ كَالْوَكِيلِ عِنْدَنَا، فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَثْبُتُ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا فِيمَا وُكِّلَ بِهِ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لَكِنْ فِي بَقَاءِ الْإِذْنِ هُوَ (كَالْوَكِيلِ وَهُوَ مَعْصُومُ الدَّمِ كَالْحُرِّ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ: الْعِصْمَةَ وَقَدْ فُهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ مَعْصُومُ الدَّمِ (بِنَاءً عَلَى الْإِسْلَامِ وَدَارِهِ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالرِّقُّ يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْجِهَادِ عَلَى مَا قُلْنَا
ــ
[التلويح]
وَإِذَا كَانَ أَهْلًا لِلتَّكَلُّمِ، وَالذِّمَّةِ صَحَّ أَنْ يَلْتَزِمَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ، فَيَجِبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى قَضَائِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ اللَّازِمِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَأَدْنَى طُرُقِ الْقَضَاءِ مِلْكُ الْيَدِ، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُهُ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ قِيلَ: الرَّقِيقُ مَمْلُوكٌ فَلَا يَكُونُ مَالِكًا لَا يَدًا، وَلَا رَقَبَةً أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَالًا فَلَا يَكُونُ مَالِكًا مَالًا، وَالْيَدُ لَيْسَتْ بِمَالٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَةِ الْيَدِ كَمَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَمِثْلُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ فَلَا يَثْبُتُ بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنْ قِيلَ: مِلْكُ الرَّقَبَةِ حُكْمٌ لِلتَّصَرُّفِ، وَمُسَبَّبٌ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ يَقَعُ لِنَفْسِهِ فَكَيْفَ يَقَعُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لِلْمَوْلَى؟ أُجِيبَ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَنْعَقِدُ لِلْعَبْدِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ تَصَرُّفِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ بَعْدَمَا أُوقِعَ الْمِلْكُ لَهُ اسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَالِكَ رَقَبَتِهِ فَالْمَوْلَى إنَّمَا يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ كَالْوَارِثِ مَعَ الْمُوَرِّثِ فَلِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ أَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجْرِ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُكْمُ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَاقِعٌ لِلْعَبْدِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالنَّفَقَةِ، وَمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ يَخْلُفُهُ الْمَالِكُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ الْمَأْذُونَ كَالْوَكِيلِ فِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْمَوْلَى كَمَا يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ يَعْنِي: أَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى مَالًا كَمَا يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي بَقَاءِ الْإِذْنِ فَمَعْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَأْذُونَ كَالْوَكِيلِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى، وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ حَتَّى يَكُونَ تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِهِ يَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ، وَيَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي حَالِ بَقَاءِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الْإِذْنِ لَيْسَ
стр. 779
فِي الْحَجِّ) إنَّ مَنَافِعَهُ مِلْكُ الْمَوْلَى إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ الْكَامِلَ (وَيُنَافِي الْوِلَايَاتِ كُلَّهَا فَلَا يَصْلُحُ أَمَانُ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ عَلَى النَّاسِ ابْتِدَاءً وَأَمَّا أَمَانُ الْمَأْذُونِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَوَّلًا فِي حَقِّهِ إذْ هُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ ثُمَّ يَتَعَدَّى كَمَا فِي شَهَادَتِهِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ) فَإِنَّ صَوْمَ رَمَضَانِ يَثْبُتُ أَوَّلًا فِي حَقِّهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى كَافَّةِ النَّاسِ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْوِلَايَةُ لِمِثْلِ هَذَا (وَيُنَافِي ضَمَانَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ بَلْ يَجِبُ دَفْعُهُ جَزَاءً) أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ ضَمَانُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ صِلَةٌ وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمَحَارِمِ فَلَا يَجِبُ الدِّيَةُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ خَطَأً؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ صِلَةٌ فِي حَقِّ الْجَانِي كَأَنَّهُ يَهَبُ ابْتِدَاءً وَعُوِّضَ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَكَوْنُ الْمُتْلَفِ غَيْرَ مَالٍ يُنَافِي الْوُجُوبَ عَلَى الْعَبْدِ، وَكَوْنُ الدَّمِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْدَرَ يُوجِبُ الْحَقَّ لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ فَصَارَتْ رَقَبَتُهُ جَزَاءً (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ، فَيَصِيرَ الْوُجُوبُ عَائِدًا إلَى الْأَصْلِ فَإِنَّ الْأَرْشَ أَصْلٌ فِي
ــ
[التلويح]
كَالْوَكِيلِ إذْ الْوَكَالَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، وَالْإِذْنُ يَعُمُّ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي حَالِ مَرَضِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ صِحَّةِ الْمَوْلَى لَيْسَ كَالْوَكِيلِ إذْ يَصِحُّ مِنْهُ الْمُحَابَاةُ الْفَاحِشَةُ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ، وَإِنَّمَا قَالَ عَامَّةُ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْوَكِيلِ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ بِالِاشْتِرَاءِ إذَا اشْتَرَى بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْمَأْذُونِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِذَلِكَ أَيْ: وَلِأَنَّ الْمَوْلَى خَلَفٌ عَنْ الْعَبْدِ فِي مِلْكِ الرَّقَبَةِ جَعَلْنَا الْعَبْدَ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ، وَفِي حُكْمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ كَالْوَكِيلِ فِي مَسَائِلِ مَرَضِ الْمَوْلَى، وَعَامَّةِ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ يَعْنِي: يَكُونُ لِلْمَوْلَى حَجْرُ الْمَأْذُونِ بِدُونِ رِضَاهُ كَمَا أَنَّ لَهُ عَزْلَ الْوَكِيلِ بِدُونِ رِضَاهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَالْوَكِيلِ فِي حُكْمِ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ إذْ لَيْسَ لِلْمَوْلَى عَزْلُهُ بِدُونِ تَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ: الرَّقِيقُ مَعْصُومُ الدَّمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالْإِتْلَافِ حَقًّا لَهُ، وَلِصَاحِبِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ: نَوْعَانِ مُؤَثِّمَةٌ تُوجِبُ الْإِثْمَ فَقَطْ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَرُّضِ لِلدَّمِ، وَهِيَ بِالْإِسْلَامِ، وَمُقَوِّمَةٌ تُوجِبُ مَعَ الْإِثْمِ الضَّمَانَ أَيْ: الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ، وَهِيَ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْعَبْدُ يُسَاوِي الْحُرَّ فِي الْأَمْرَيْنِ فَيُسَاوِيهِ فِي الْعِصْمَتَيْنِ فَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ قِصَاصًا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الضَّمَانِ عَلَى الْعِصْمَتَيْنِ، وَالْمَالِيَّةُ لَا تُخِلُّ بِهِمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقِصَاصُ مُنْبِئٌ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ، وَالْمُسَاوَاةِ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى الْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةُ تُخِلُّ بِذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ:، وَالرِّقُّ يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْجِهَادِ) ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مَالِكِيَّةَ مَنَافِعِ الْبَدَنِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْقِتَالُ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَإِذَا قَاتَلَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ الْكَامِلَ
стр. 780
الْبَابِ حَتَّى لَا يَبْطُلَ بِالْإِفْلَاسِ وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ كَالْحَوَالَةِ) أَيْ: الْأَرْشُ أَصْلٌ فِي بَابِ الْجِنَايَاتِ خَطَأً لَكِنْ الْعَبْدُ لَيْسَ أَهْلًا لَأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ صِلَةٌ وَلَمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْأَرْشُ لَا يُمْكِنُ تَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ عَنْهُ فَصَارَتْ رَقَبَتُهُ جَزَاءً لَكِنْ لَمَّا اخْتَارَ الْمَوْلَى الْأَرْشَ فِدَاءً عَنْ الْعَبْدِ لِئَلَّا يُفَوِّتَهُ الْعَبْدُ صَارَ وُجُوبُ الْفِدَاءِ عَائِدًا إلَى الْأَصْلِ لَا كَالْحَوَالَةِ حَتَّى إذَا أَفْلَسَ الْمَوْلَى بَعْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ كَالْحَوَالَةِ حَتَّى يَعُودَ حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي الدَّفْعِ. .
(وَمِنْهَا الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ وَهُمَا لَا يُعْدِمَانِ الْأَهْلِيَّةَ إلَّا أَنَّ الطَّهَارَةَ عِنْدَهُمَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى مَا مَرَّ) .
(وَمِنْهَا الْمَرَضُ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ لَكِنَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ شُرِعَتْ الْعِبَادَاتُ فِيهِ لِلْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ وَلَمَّا كَانَ سَبَبَ الْمَوْتِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْخِلَافَةِ كَانَ سَبَبَ تَعَلُّقِ الْوَارِثِ وَالْغَرِيمِ فَيُوجِبُ الْحَجْرَ إذَا اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ) الضَّمِيرُ فِي، وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْمَوْتِ وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ، وَفِي يُوجِبُ وَفِي اتَّصَلَ يَعُودُ إلَى الْمَرَضِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْتَ عِلَّةٌ لَأَنْ يَقُومَ الْغَيْرُ مَقَامَهُ (مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِهِ) أَيْ: أَوَّلُ الْمَرَضِ وَهُوَ حَالٌ عَنْ قَوْلِهِ فَيُوجِبُ الْحَجْرَ فَإِنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ
ــ
[التلويح]
بَلْ يُرْضَخُ لَهُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْغَنِيمَةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ كَانَ ﵊ يَرْضَخُ لِلْمَمَالِيكِ، وَلَا يُسْهِمُ لَهُمْ» ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَنْفِيلِ الْإِمَامِ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ السَّلَبِ إنَّمَا هُوَ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْإِيجَابِ مِنْ الْإِمَامِ، وَالْعَبْدُ يُسَاوِي الْحُرَّ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَيُنَافِي الْوِلَايَاتِ كُلَّهَا) بِمَنْزِلَةِ التَّفْسِيرِ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ يُنَافِي كَمَالَ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ وِلَايَةً ضَعِيفَةً كَالذِّمَّةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ تَصَرُّفٌ عَلَى النَّاسِ ابْتِدَاءً بِإِسْقَاطِ حُقُوقِهِمْ فِي أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، وَأَنْفُسِهِمْ اغْتِنَامًا، وَاسْتِرْقَاقًا، وَالتَّصَرُّفُ عَلَى الْغَيْرِ وِلَايَةٌ بِخِلَافِ أَمَانِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بِوَاسِطَةِ الْإِذْنِ صَارَ شَرِيكًا لِلْغُزَاةِ فِي الْغَنِيمَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنْسَانٌ مُخَاطَبٌ يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى يَخْلُفُهُ فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَا فِي سَائِرِ أَكْسَابِهِ فَإِذَا أَمِنَ الْكَافِرُ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ فِي الْغَنِيمَةِ أَعْنِي: الرَّضْخَ فَصَحَّ فِي حَقِّهِ أَوَّلَا ثُمَّ تَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ، وَلَزِمَ سُقُوطُ حُقُوقِهِمْ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الثُّبُوتِ، وَالسُّقُوطِ، وَهَذَا كَمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْغَيْرِ ضَرُورَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ضَرُورَةِ الْوِلَايَةِ فَإِنْ قِيلَ: فَالْمَحْجُورُ أَيْضًا يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ أَمَانُهُ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَحْجُورَ يَسْتَحِقُّ الرَّضْخَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ الِاكْتِسَابِ، وَعَمَّا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ فَإِذَا فَرَغَ عَنْ الْقِتَالِ سَالِمًا، وَزَالَ ضَرَرُ الْمَوْلَى، وَأُصِيبَتْ الْغَنِيمَةُ ثَبَتَ الْإِذْنُ مِنْ
стр. 781
يُوجِبُ الْحَجْرَ وَلَا يَظْهَرُ أَنَّهُ مَرَضُ الْمَوْتِ إلَّا بِاتِّصَالِهِ بِالْمَوْتِ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ يَثْبُتُ الْحَجْرُ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ (فِي قَدْرِ مَا يُصَانُ بِهِ حَقُّهُمَا فَقَطْ) أَيْ: حَقُّ الْغَرِيمِ وَالْوَارِثِ، وَقَوْلُهُ فِي قَدْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالْحَجْرِ (فَيَجُوزُ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ) فَفِي مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ، وَالْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مُحْتَاجٌ إلَى النِّكَاحِ لِبَقَاءِ نَسْلِهِ، وَفِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ هُوَ إلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُمَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَجْرِ عَنْ النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ صِيَانَةُ حَقِّهِمَا إذْ لَا حَقَّ لَهُمَا فِيهِ (وَكُلُّ تَصَرُّفٍ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ يَصِحُّ فِي الْحَالِ ثُمَّ يُنْقَضُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ: الْفَسْخَ كَالْإِعْتَاقِ (يَصِيرُ كَالْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ) إذْ لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ يَنْفُذُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الدَّائِنِ، فَيَجِبُ السِّعَايَةُ فِي الْكُلِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ يَنْفُذُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْوَارِثِ
ــ
[التلويح]
الْمَوْلَى دَلَالَةً فَصَارَ شَرِيكًا بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الْقِتَالِ لَا حَالَ الْقِتَالِ أَوْ قَبْلَهُ حَتَّى يَكُونَ الْأَمَانُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ حَالَ الْأَمَانِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ) يَعْنِي: إذَا كَانَتْ خَطَأً، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، وَيَكُونُ هَذَا ضَمَانًا عَلَى الْمَوْلَى بِأَنْ يُقَالَ: عَلَيْك تَسْلِيمُ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ إلَى وَلِيِّهَا صِلَةً فِي جَانِبِ الْمَوْلَى، وَعِوَضًا فِي جَانِبِ الْمُتْلَفِ عَلَيْهِ أَعْنِي: الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ غَيْرَ الْقَتْلِ، وَالْوَرَثَةِ إذَا كَانَتْ الْقَتْلَ فَتَكُونُ رَقَبَةُ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْشِ فَإِنْ قِيلَ الْمَهْرُ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَهُوَ مِلْكُ النِّكَاحِ أَوْ مَنَافِعُ الْبُضْعِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَمَانٍ إذْ لَا تَلَفَ، وَلَا صِلَةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ عِوَضًا عَمَّا اسْتَوْفَاهُ مِنْ الْمِلْكِ أَوْ الْمَنَافِعِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الْعَبْدِ، وَإِنْ أَفْلَسَ، وَعَجَزَ عَنْ الْفِدَاءِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ أَصْلٌ فِي الْجِنَايَةِ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا صِيرَ إلَى الدَّفْعِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلصِّلَةِ، وَقَدْ ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِاخْتِيَارِ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ فَعَادَ الْأَمْرُ إلَى الْأَصْلِ، وَلَمْ يَبْطُلْ بِالْإِفْلَاسِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَصِيرُ اخْتِيَارُ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْحَوَالَةِ كَأَنَّ الْعَبْدَ أَحَالَ بِالْوَاجِبِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِنَايَةِ أَنْ يُصْرَفَ الْجَانِي إلَيْهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ، وَقَدْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ مِنْ الْحُرِّ لِتَعَذُّرِ الصَّرْفِ فَصَارَ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْلِ إلَى الْعَارِضِ كَمَا فِي الْحَوَالَةِ فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ عَادَ إلَى الْأَصْلِ
[الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]
. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْحَيْضُ، وَالنِّفَاسُ) جَعْلُهُمَا مَعًا أَحَدُ الْعَوَارِضِ لِاتِّحَادِهِمَا صُورَةً، وَحُكْمًا، وَهُمَا لَا يُسْقِطَانِ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ، وَلَا أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ لِبَقَاءِ الذِّمَّةِ، وَالْعَقْلِ، وَقُدْرَةِ الْبَدَنِ إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْهُمَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ
стр. 782
فِي الثُّلُثَيْنِ (وَالْقِيَاسُ فِي الْوَصِيَّةِ الْبُطْلَانُ لَكِنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَهَا نَظَرًا لَهُ) أَيْ: لِلْمَرِيضِ (لِيَتَدَارَكَ بِتَقْصِيرَاتِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ فِي الْقَلِيلِ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْحَجْرَ، وَتَرْكَ إيثَارِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْوَارِثِ أَصْلٌ وَلَمَّا أَبْطَلَ الشَّرْعُ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ إذْ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ) اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى فَرَضَ أَوَّلًا الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] ثُمَّ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] فَنَسَخَ الْأَوَّلَ (بَطَلَتْ) أَيْ: الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ (صُورَةً) بِأَنْ يَبِيعَ الْمَرِيضُ عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِصُورَةِ الْعَيْنِ لَا بِمَعْنَاهُ (وَمَعْنًى) بِأَنْ يُقِرَّ لِأَحَدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ فَإِنَّهُ وَصِيَّةٌ مَعْنًى (وَحَقِيقَةً) بِأَنْ أَوْصَى لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ (وَشُبْهَةً) بِأَنْ بَاعَ الْجَيِّدَ مِنْ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بِرَدِيءٍ مِنْهَا
ــ
[التلويح]
وَالْأَنْجَاسِ، وَلِلصَّوْمِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِتَأَدِّيهِ مَعَ الْحَدَثِ، وَالنَّجَاسَةِ، ثُمَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجٌ لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ فَسَقَطَ وُجُوبُهَا حَتَّى لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، وَلَا حَرَجَ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ، وَالنِّفَاسُ يَنْدُرُ فِيهِ فَلَمْ يَسْقُطْ إلَّا وُجُوبُ أَدَائِهِ، وَلُزُومُ الْقَضَاءِ، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي بَحْثِ الْوَقْتِ
[الْمَرَضُ]
. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْمَرَضُ) يَعْنِي: غَيْرَ مَا سَبَقَ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاءِ. (قَوْلُهُ: مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِهِ) أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْحَجْرِ مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَجْرِ مَرَضٌ مُمِيتٌ، وَسَبَبَ الْمَوْتِ هُوَ الْمَرَضُ عَنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِضَعْفِ الْقُوَى، وَتَرَادُفِ الْآلَامِ. (قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ: الْفَسْخُ كَالْإِعْتَاقِ الْوَاقِعِ عَلَى حَقِّ الْغَرِيمِ بِأَنْ يُعْتِقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا مِنْ مَالِهِ الْمُسْتَغْرَقِ بِالدَّيْنِ أَوْ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ بِأَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا لَهُ، وَلِيُعْلَمَ كِلَاهُمَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ، جَوَّزَهَا إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ تَعْلِيلٌ لِتَجْوِيزِ الْوَصِيَّةِ، وَالثَّانِي لِتَقْيِيدِهِ بِالْقَلِيلِ، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنَّ الشَّرْعَ جَوَّزَ ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ اسْتِخْلَاصًا عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْقَلِيلِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَجْرَ وَالتُّهْمَةَ فِيهِ أَصْلٌ فَقَوْلُهُ نَظَرًا لَهُ عِلَّةً لِلتَّجْوِيزِ، وَقَوْلُهُ اسْتِخْلَاصًا أَيْ: اسْتِيثَارًا مِنْ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْقَلِيلِ عِلَّةً لِتَقْيِيدِ التَّجْوِيزِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَقَوْلُهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَجْرَ، وَالتُّهْمَةَ أَيْ: تُهْمَةَ إيثَارِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَقَارِبِ بِاعْتِبَارِ ضَغِينَتِهِ لَهُ أَصْلٌ فِي بَابِ الْإِيصَاءِ عِلَّةً لِتَقْيِيدِ الِاسْتِخْلَاصِ بِالْقَلِيلِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَبِيعَ) يَعْنِي: لَوْ بَاعَ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ كَانَ وَصِيَّةً صُورَةً حَيْثُ آثَرَ الْوَارِثَ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ بِمُقَابِلِهِ لَا مَعْنَى الِاسْتِرْدَادِ الْعِوَضِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِثُلُثَيْ الْمَالِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا إذْ لَا حَجْرَ لِلْمَرِيضِ مِنْ التَّصَرُّفِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فِيمَا لَا يُخِلُّ بِالثُّلُثَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ
стр. 783
(وَتَقَوَّمَتْ الْجَوْدَةُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بَطَلَتْ (فِي حَقِّهِ) أَيْ: فِي حَقِّ الْوَارِثِ (كَمَا فِي الصِّغَارِ) أَيْ: إنْ بَاعَ الْوَلِيُّ مَالَ الصَّبِيِّ مِنْ نَفْسِهِ تَقَوَّمَتْ الْجَوْدَةُ حَتَّى لَا يَجُوزَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ (وَلَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ، وَالْغُرَمَاءِ بِمَا لَهُ صُورَةً، وَمَعْنًى فِي حَقِّهِمْ) أَيْ: فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذَ التَّرِكَةَ وَيُعْطِيَ بَاقِي الْوَرَثَةِ الْقِيمَةَ وَلَوْ قَضَى الْمَرِيضُ حَقَّ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ شَارَكَهُمْ الْبَقِيَّةَ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ الْبَيْعُ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ أَوْ الْغُرَمَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ (وَمَعْنَى فَقَطْ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ) حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُ الْمَرِيضِ مِنْ الْأَجَانِبِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ (لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُ الْمَرِيضِ) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَمَعْنَى فَقَطْ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَإِنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ، وَالْوَرَثَةِ لَمَّا تَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَقَطْ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ وَالْعَبْدُ غَيْرُهُمْ فَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِيَّتِهِ
ــ
[التلويح]
لِلْمَرِيضِ الْبَيْعُ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ أَوْ الْغُرَمَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ) هَذَا مِمَّا لَا يُوجَدُ لَهُ رِوَايَةٌ بَلْ الرِّوَايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبِيعَ الْعَيْنَ مِنْ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ مُخْتَصٌّ بِالْوَرَثَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ لَا بِالصُّورَةِ حَتَّى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتَخْلِصَ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ، وَيَقْضِيَ الدَّيْنَ مِنْ مَالٍ آخَرَ بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ حَقَّهُمْ يَتَعَلَّقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْمَالِيَّةِ، وَالْعَيْنِيَّةِ جَمِيعًا حَتَّى لَا يَجُوزَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ التَّرِكَةَ، وَيُعْطِيَ الْبَاقِينَ الْقِيمَةَ، وَأَمَّا إذَا قَضَى الْمَرِيضُ حَقَّ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّمَا يُشَارِكُهُ الْبَاقُونَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ عَنْ إيثَارِ الْبَعْضِ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَالِ فِيمَا بَيْنَهُمْ
[الْمَوْتُ]
. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْمَوْتُ) هُوَ آخِرُ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ فَقِيلَ: هُوَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدًّا لِلْحَيَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] ، وَقِيلَ: هُوَ عَدِيمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ أَوْ زَوَالُ الْحَيَاةِ، وَمَعْنَى الْخَلْقِ فِي الْآيَةِ التَّقْدِيرُ.، وَالْأَحْكَامُ فِي حَقِّ الْمَوْتِ إمَّا دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ أُخْرَوِيَّةٌ، وَالدُّنْيَوِيَّةُ إمَّا تَكْلِيفَاتٌ، وَحُكْمُهَا السُّقُوطُ إلَّا فِي حَقِّ الْإِثْمِ أَوْ غَيْرِهَا، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِحَاجَةِ غَيْرِهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، وَحُكْمُهُ أَنْ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْعَيْنِ أَوْ بِالذِّمَّةِ، وَوُجُوبُهُ إمَّا بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَحُكْمُهُ السُّقُوطُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ، أَوَّلًا بِطَرِيقِ الصِّلَةِ، وَحُكْمُهُ الْبَقَاءُ بِشَرْطِ انْضِمَامِ الْمَالِ أَوْ الْكَفِيلِ إلَى الذِّمَّةِ، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَصْلُحَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَحُكْمُهُ أَنْ يَبْقَى مَا تَنْقَضِي بِهِ الْحَاجَةُ أَوْ لَا، وَحُكْمُهُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْوَرَثَةِ، وَالْأُخْرَوِيَّةُ حُكْمُهَا الْبَقَاءُ سَوَاءٌ يَجِبُ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ أَوْ لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَالْمَظَالِمِ أَوْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بِوَاسِطَةِ الطَّاعَاتِ أَوْ عِقَابٍ وَاسِطَة الْمَعَاصِي، وَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا فَصَّلَهُ فِي الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَا يَبْقَى بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ ضَعُفَتْ
стр. 784
لَا بِصُورَتِهِ، فَيَصِحُّ إعْتَاقُ الْمَرِيضِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ، فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مُسْتَحِقًّا لِلْحُرِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُ الْإِعْتَاقِ لَكِنْ لَا يَنْفُذُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهِيَ الْمَالِيَّةُ حَتَّى يَجِبَ السِّعَايَةُ فِي الْكُلِّ إذَا اسْتَغْرَقَ الدَّيْنَ، وَفِيمَا وَرَاءَ ثُلُثِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ (بِخِلَافِ إعْتَاقِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنَ فِي مِلْكِ الْيَدِ فَقَطْ) فَإِنَّ إعْتَاقَ الرَّاهِنِ يَنْفُذُ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَنِيًّا فَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يُسَمَّى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ لَكِنْ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ غِنَاءٍ، فَعِتْقُ الرَّاهِنِ حُرٌّ مَدْيُونٌ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ السِّعَايَةِ، وَمُعْتَقُ الْمَرِيضِ قَبْلَ السِّعَايَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(وَمِنْهَا الْمَوْتُ وَهُوَ عَجْزٌ ظَاهِرٌ كُلُّهُ وَالْأَحْكَامُ هُنَا دُنْيَوِيَّةٌ وَأُخْرَوِيَّةٌ أَمَّا الْأُولَى فَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ
ــ
[التلويح]
بِالْمَوْتِ فَوْقَ مَا تَضْعُفُ بِالرِّقِّ إذْ الرِّقُّ يُرْجَى زَوَالُهُ بِخِلَافِ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ أَثَرَ الدَّيْنِ فِي تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ، وَيَسْتَحِيلُ مُطَالَبَةُ الْمَيِّتِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَى الذِّمَّةِ مَالٌ أَوْ كَفِيلٌ تَقْوَى الذِّمَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَحَلٌّ لِلِاسْتِيفَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَذِمَّةُ الْكَفِيلِ مُقَوِّيَةٌ لِذِمَّةِ الْأَصِيلِ، وَمُتَهَيِّئَةٌ لِتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَالٌ، وَلَا كَفِيلٌ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمَيِّتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ، وَلَا مُطَالَبَةَ فَلَا الْتِزَامَ، وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُبْرِئُ الذِّمَّةَ عَنْ الْحُقُوقِ، وَلِهَذَا يُطَالَبُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ إجْمَاعًا، وَفِي الدُّنْيَا أَيْضًا إذَا ظَهَرَ لَهُ الْمَالُ، وَيَثْبُتُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ لَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْعَجْزُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْمَيِّتِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ حَيًّا مُفْلِسًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ فَقَالُوا: نَعَمْ دِرْهَمَانِ أَوْ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ أَوْ أَبُو قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ» ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَاقِطَةٌ هَاهُنَا لِضَعْفِ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ الْعِدَةَ احْتِمَالًا ظَاهِرًا إذْ لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ لِلْغَائِبِ الْمَجْهُولِ عَلَى أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ، وَمَعْنَى الْمُطَالَبَةِ فِي الْآخِرَةِ رَاجِعٌ إلَى الْإِثْمِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى بَقَاءِ الذِّمَّةِ فَضْلًا عَنْ قُوَّتِهَا، وَإِذَا ظَهَرَ لَهُ مَالٌ، فَالذِّمَّةُ تَتَقَوَّى بِهِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الِاسْتِيفَاءِ، وَالتَّبَرُّعُ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَإِنْ كَانَ سَاقِطًا فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِالْمَوْتِ إنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ فَوْتِ الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ لَهُ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَرَتَّبَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ التَّرِكَةِ حُقُوقُ الْمَيِّتِ كَمُؤَنِ تَجْهِيزِهِ، ثُمَّ قَضَاءِ دُيُونِهِ، ثُمَّ تَنْفِيذِ، وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ التَّجْهِيزُ عَلَى الدَّيْنِ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ كَالْمَرْهُونِ، وَالْمُسْتَأْجَرِ، وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَبْدِ الْجَانِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ
стр. 785
يَسْقُطُ بِهِ إلَّا فِي حَقِّ الْإِثْمِ وَمَا شُرِعَ عَلَيْهِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ إنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ يَبْقَى بِبَقَائِهَا كَالْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ: الْعَيْنَ (هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَا يَبْقَى بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ إلَّا أَنْ يُضَمَّ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الذِّمَّةِ (مَالٌ أَوْ كَفِيلٌ فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ عَنْ مَيِّتٍ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْكَفَالَةُ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبْقَى عَنْهُ مَالٌ أَوْ كَفِيلٌ (وَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ صَحَّ فِي حَيَاتِهِ كَمَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فَوَقَعَ فِيهَا حَيَوَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَأَمَّا مَا شُرِعَ صِلَةً كَنَفَقَةِ الْمَحَارِمِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ، فَيَصِحَّ مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا مَا شُرِعَ لَهُ لِحَاجَتِهِ فَتَبْقَى مَا تَنْقَضِي بِهِ الْحَاجَةُ فَتَبْقَى التَّرِكَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ حَتَّى يَتَرَتَّبَ مِنْهَا حُقُوقُهُ، وَلِهَذَا تَبْقَى الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى لِحَاجَتِهِ إلَى الثَّوَابِ، وَكَذَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ عَنْ وَفَاءٍ لِحَاجَتِهِ إلَى انْقِطَاعِ أَثَرِ الْكُفْرِ، وَإِلَى
ــ
[التلويح]
صَاحِبُ الْحَقِّ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِحَاجَتِهِ) أَيْ: لِحَاجَةِ الْمَوْلَى إلَى الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِالْإِعْتَاقِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ الَّتِي هِيَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ حَاصِلَةٌ فِي عَوْدِ الْمُكَاتَبِ إلَى الرِّقِّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ حَاجَةَ الْمُكَاتَبِ فَوْقَ حَاجَةِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى صَيْرُورَتِهِ مُعْتَقًا مُنْقَطِعًا عَنْهُ أَثَرُ الْكُفْرِ بَاقِيًا عَلَيْهِ أَثَرُ الْحَيَاةِ لِحُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِ إذْ الرِّقُّ أَثَرُ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ فَتَبْقَى الْكِتَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ كَمَا تَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى بَلْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَمْلُوكِيَّةُ فَتَابِعَةٌ) يَعْنِي: أَنَّ مَمْلُوكِيَّةَ الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ حُكِمَ بِبَقَائِهَا فِي الْمُكَاتَبِ ضِمْنًا، وَتَبَعًا لِبَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ يَدًا ضَرُورَةَ أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بِدُونِ بَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ رَقَبَةً إذْ الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ حُرِّيَّةَ الْمُكَاتَبِ الْمَيِّتِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى زَمَانٍ فَإِنْ حُكِمَ بِبَقَاءِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَمْلُوكِيَّة بَعْدَ الْمَوْتِ لَزِمَ اسْتِنَادُ الْعِتْقِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ، وَإِنْ جَعَلَ الْحُرِّيَّةَ مُسْتَنِدَةً إلَى آخِرِ أَجْزَاءِ الْحَيَاةِ عَلَى مَا قِيلَ أَنَّ بِالْمَوْتِ يَتَحَوَّلُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى التَّرِكَةِ، فَيَحْصُلُ فَرَاغُ ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا مَا لَمْ يَصِلْ الْمَالُ إلَى الْمَوْلَى، فَإِذَا وَصَلَ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ فَقَدْ اسْتَنَدَتْ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْمَمْلُوكِيَّة، وَتَقَرَّرَ الْعِتْقُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ فَلَا تَكُونُ الْمَمْلُوكِيَّةُ بَاقِيَةً بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ بَاقِيًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى بَقَاءِ الْكِتَابَةِ حُرِّيَّةُ الْأَوْلَادِ، وَسَلَامَةُ الِاكْتِسَابِ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْوَرَثَةِ الْمَالَ إلَى الْمَوْلَى، وَنُفُوذُ الْعِتْقِ فِي الْمُكَاتَبِ شَرْطٌ لِذَلِكَ، فَيَثْبُتُ ضِمْنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ قَابِلًا كَالْمِلْكِ فِي الْمَغْصُوبِ لَمَّا ثَبَتَ شَرْطًا لِمِلْكِ الْبَدَلِ ثَبَتَ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَدَلِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ، وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ حَالَ أَدَاءِ الْبَدَلِ هَالِكًا.
(قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ الْإِرْثُ) أَيْ: وَلِأَنَّهُ بِبَقَاءِ مَا تَنْقَضِي بِهِ حَاجَةُ الْمَيِّتِ يَثْبُتُ الْإِرْثُ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ نَظَرًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَخْلُفُهُ فِي أَمْوَالِهِ فَفَوَّضَ الشَّرْعُ ذَلِكَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ نَظَرًا لَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ انْتِفَاعَ أَقَارِبِهِ بِأَمْوَالِهِ بِمَنْزِلَةِ
стр. 786
حُرِّيَّةِ أَوْلَادِهِ، وَأَمَّا الْمَمْلُوكِيَّةُ فَتَابِعَةٌ هُنَا فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْعَقْدِ ثُبُوتُ الْيَدِ) أَيْ: تَابِعَةٌ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِ ضَرُورَةَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَكُلُّ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَا يَبْقَى لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ بَقَائِهِ، وَالضَّرُورَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْبَقَاءِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ إنَّمَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إذَا بَقِيَ مَمْلُوكِيَّةُ الْمَيِّتِ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى بَقَاءِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، فَلَا يَبْقَى فَبَعْدَ الْكِتَابَةِ لَا يَبْقَى، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ تَابِعَةٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ بَقَاءِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ يَدًا، وَالْمَمْلُوكِيَّة رَقَبَةً تَبْقَى ضِمْنًا لَا قَصْدًا (وَيَثْبُتُ الْإِرْثُ نَظَرًا لَهُ خِلَافَةٌ، وَالْخِلَافَةُ إذَا ثَبَتَ سَبَبُهَا، وَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ يَحْجُرُ الْمَيِّتُ عَنْ إبْطَالِهَا فَكَذَا إذَا ثَبَتَتْ) أَيْ: الْخِلَافَةُ (نَصًّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِهِ) أَيْ:
ــ
[التلويح]
انْتِفَاعِهِ نَفْسِهِ بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْخِلَافَةُ إذَا ثَبَتَ سَبَبُهَا، وَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ) فَإِنَّهُ مُفْضٍ إلَى الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ حَقِيقَةً يَصِيرُ الْمَيِّتُ أَيْ: الْمَرِيضُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تُبْطِلُهَا تِلْكَ الْخِلَافَةُ فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَتْ الْخِلَافَةُ بِتَنْصِيصِ الْأَصْلِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِكَذَا أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ إذَا مِتُّ، فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْإِيصَاءِ، وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ اسْتِخْلَافٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الْإِيصَاءَ إثْبَاتُ عَقْدِ الْخِلَافَةِ فِي مِلْكِهِ لِلْمُوصَى لَهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَارِثِ فَاعْتَبَرَ لِلْحَالِ سَبَبًا لِإِثْبَاتِ الْخِلَافَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ السَّبَبَ عَنْ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِحَالِ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْعَقِدَ السَّبَبُ حَالَ بَقَاءِ الْمِلْكِ، وَيَثْبُتَ الْحَقُّ عَلَى سَبِيلِ التَّأْجِيلِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِغَيْرِ الْمَوْتِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ كَدُخُولِ الدَّارِ أَوْ مِنْ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ بِيَقِينٍ كَمَجِيءِ الْغَدِ مَثَلًا لَيْسَ اسْتِخْلَافًا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ انْعِقَادُ السَّبَبِ فِي الْحَالِ فَفِي الصُّورَتَيْنِ أَعْنِي: الْوَصِيَّةَ، وَالتَّعْلِيقَ بِالْمَوْتِ تَثْبُتُ الْخِلَافَةُ إلَّا أَنَّ الْحَقَّ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَالْعِتْقِ بِحَجْرِ الْأَصْلِ عَنْ إبْطَالِ الْخِلَافَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ كَالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ كَانَ لَهُ إبْطَالُ الْخِلَافَةِ بِالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالرُّجُوعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ لَازِمٍ فَلَمْ يَلْزَمْ سَبَبُهُ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْوَصِيَّةُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ اسْتِخْلَافًا إلَّا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ، وَوَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَهُوَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَالْإِبْطَالَ.
(قَوْلُهُ: دُونَ سُقُوطِ التَّقَوُّمِ) أَيْ: الْمُدَبَّرُ لَا يَصِيرُ كَأُمِّ الْوَلَدِ فِي سُقُوطِ التَّقَوُّمِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَازَ لِلْمَالِيَّةِ أَصْلٌ فِي الْأَمَةِ، وَالتَّمَتُّعُ تَبَعٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْمُدَبَّرِ مَا يُوجِبُ بُطْلَانَ هَذَا الْأَصْلِ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا لَمَّا اسْتُفْرِشَتْ، وَاسْتُوْلِدَتْ صَارَتْ مُحْرَزَةً لِلْمُتْعَةِ، وَصَارَتْ الْمَالِيَّةُ تَبَعًا فَسَقَطَ تَقَوُّمُهَا حَتَّى لَا تُضْمَنَ بِالْغَصْبِ، وَبِإِعْتَاقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ) أَيْ: حَاجَةِ الْمَيِّتِ كَالْقِصَاصِ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى حَقِّ أَوْلِيَاءِ
стр. 787
بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِلَافَةُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَالْمُوصَى لَهُ خَلِيفَةٌ لِلْمَيِّتِ فِي الْمُوصَى بِهِ (، فَيَكُونُ سَبَبًا) أَيْ: التَّعْلِيقُ بِالْمَوْتِ سَبَبًا (فِي الْحَالِ لِلْعِتْقِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْمَوْتَ (كَائِنٌ بِيَقِينٍ) فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ عَبْدٍ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ يَقِينًا قُلْنَا بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِالْمَوْتِ إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الِاسْتِخْلَافِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي التَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ لَا مَحَالَةَ فَصَارَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ عِلَّةً لِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ جُزْءُ الْعِلَّةِ (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَيَصِيرُ كَأُمِّ الْوَلَدِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ دُونَ سُقُوطِ التَّقَوُّمِ؛ لِأَنَّ تَقَوُّمَهَا إنَّمَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَفْرَشَهَا صَارَ التَّمَتُّعُ فِيهَا أَصْلًا وَالْمَالُ تَبَعًا عَلَى عَكْسِ مَا كَانَ قَبْلُ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ يَبْقَى دُونَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (قُلْنَا الْمَرْأَةُ تُغَسِّلُ الزَّوْجَ فِي عِدَّتِهَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ مَالِكِيَّتَهُ حَقٌّ
ــ
[التلويح]
الْمَيِّتِ لِانْتِفَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُمْ الْقِصَاصُ ابْتِدَاءً تَشَفِّيًا لِلصُّدُورِ، وَدَرْكًا لِلثَّأْرِ لَا انْتِقَالًا مِنْ الْمَيِّتِ فَإِنْ قِيلَ: الْمُتْلَفُ نَفْسُ الْمَيِّتِ، وَقَدْ كَانَ انْتِفَاعُهُ بِحَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِفَاعِ غَيْرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْقِصَاصُ حَقًّا لَهُ قُلْنَا نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عِنْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، فَيَثْبُتُ ابْتِدَاءً لِلْوَلِيِّ الْقَائِمِ مَقَامَهُ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ كَمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً عِنْدَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ فَالسَّبَبُ انْعَقَدَ فِي حَقِّ الْمُوَرِّثِ، وَالْحَقُّ وَجَبَ لِلْوَارِثِ فَصَحَّ عَفْوُ الْمُوَرِّثِ رِعَايَةً لِجَانِبِ السَّبَبِ، وَصَحَّ عَفْوُ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْوَاجِبِ مَعَ أَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ، فَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِمَا فِيهِ مِنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ ثُبُوتِهِ سِيَّمَا إسْقَاطُ الْمُوَرِّثِ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَنْتَصِبَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْبَقِيَّةِ) يَعْنِي: لَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْحَاضِرُ بَيِّنَةً عَلَى الْقِصَاصِ فَحُبِسَ الْقَاتِلُ ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ كُلِّفَ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ، وَلَا يُقْضَى لَهُمَا بِالْقِصَاصِ قَبْلَ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُمَا ابْتِدَاءً فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْقِصَاصِ كَأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، وَلَيْسَ الثُّبُوتُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ثُبُوتًا فِي حَقِّ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا يَكُونُ مَوْرُوثًا كَالْمَالِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْقِصَاصُ مَوْرُوثٌ؛ لِأَنَّ خَلَفَهُ، وَهُوَ الْمَالُ مَوْرُوثٌ إجْمَاعًا، وَالْخَلَفُ لَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً إنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ عَدَمِ صُلُوحِهِ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ فَإِذَا انْقَلَبَ مَالًا بِالصُّلْحِ أَوْ بِالْعَفْوِ، وَالْمَالُ يَصْلُحُ لِحَوَائِجِ الْمَيِّتِ مِنْ التَّجْهِيزِ، وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ، وَصَارَ الْوَاجِبُ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَالُ إذْ الْخَلَفُ إنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ، فَيَثْبُتُ الْفَاضِلُ مِنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ خِلَافَةً لَا أَصَالَةً
[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ]
[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ]
[الْجَهْلُ]
. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ) أَيْ: الَّتِي يَكُونُ لِكَسْبِ الْعِبَادِ مَدْخَلٌ فِيهَا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ
стр. 788
لَهُ فَتَبْقَى بِخِلَافِ مَمْلُوكِيَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ كَالْقِصَاصِ) ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ وَجَبَتْ لِدَرْكِ الثَّأْرِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيَاةِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا بَلْ الْوَرَثَةُ مُحْتَاجُونَ إلَيْهِ (فَإِنَّهُ يَجِبُ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَصِحَّ عَفْوُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ لَكِنَّ السَّبَبَ انْعَقَدَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ حَتَّى يَصِحَّ عَفْوُهُ أَيْضًا؛ وَلِهَذَا) أَيْ: وَلِأَجْلِ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقِصَاصُ غَيْرُ مُوَرَّثٍ حَتَّى لَا يَنْتَصِبَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْبَقِيَّةِ لَكِنْ (إذَا انْقَلَبَ) أَيْ: الْقِصَاصُ (مَالًا وَهُوَ يَصْلُحُ لِحَوَائِجِ الْمَيِّتِ يُصْرَفُ إلَى حَوَائِجِهِ وَيُورَثُ مِنْهُ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الْآخِرَةِ فَكُلُّهَا ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِ) .
، (وَأَمَّا الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ فَهِيَ إمَّا مِنْ نَفْسِهِ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِنْهَا الْجَهْلُ، وَهُوَ إمَّا جَهْلٌ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا كَجَهْلِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ مُكَابَرَةٌ بَعْدَمَا وَضَحَ الدَّلِيلُ فَدِيَانَةُ الْكَافِرِ) أَيْ: اعْتِقَادُهُ (فِي
ــ
[التلويح]
كَالسُّكْرِ أَوْ بِالتَّقَاعُدِ عَنْ الْمُزِيلِ كَالْجَهْلِ، وَهِيَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ كَالسُّكْرِ، وَالْجَهْلِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ كَالْإِكْرَاهِ فَمِنْ الْأَوْلَى أَيْ: الَّتِي تَكُونُ مِنْ الْمُكَلَّفِ الْجَهْلُ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ فَإِنْ قَارَنَ اعْتِقَادُ النَّقِيضِ فَمُرَكَّبٌ هُوَ الْمُرَادُ بِالشُّعُورِ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَإِلَّا فَبَسِيطٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الشُّعُورِ، وَأَقْسَامُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَقَامِ أَرْبَعَةٌ: جَهْلٌ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا، وَلَا شُبْهَةً، وَهُوَ فِي الْغَايَةِ، وَجَهْلٌ هُوَ دُونَهُ، وَجَهْلٌ لَا يَصِحُّ شُبْهَةً، وَجَهْلٌ يَصْلُحُ عُذْرًا فَالْأَوَّلُ جَهْلُ الْكَافِرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَصِفَاتِ كَمَالِهٍ، وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ فَإِنَّهُ مُكَابَرَةٌ أَيْ: تَرَفُّعٌ عَنْ انْقِيَادِ الْحَقِّ، وَاتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إنْكَارًا بِاللِّسَانِ، وَإِبَاءً بِالْقَلْبِ بَعْدَ وُضُوحِ الْحُجَّةِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ فَإِنْ قُلْت: الْكَافِرُ الْمُكَابِرُ قَدْ يَعْرِفُ الْحَقَّ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ جُحُودًا، وَاسْتِكْبَارًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ جَهْلًا قُلْت: مِنْ الْكُفَّارِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ، وَمُكَابَرَتُهُ تَرْكُ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ، وَالتَّأَمُّلِ فِي الْآيَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ، وَيُنْكِرُهُ مُكَابَرَةً، وَعِنَادًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] الْآيَةَ، وَمَعْنَى الْجَهْلِ فِيهِمْ عَدَمُ التَّصْدِيقِ الْمُفَسَّرِ بِالْإِذْعَانِ، وَالْقَبُولِ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوَهَا) أَيْ: مِثْلُ الْمَذْكُورَاتِ كَهِبَةِ الْخَمْرِ، وَالْوَصِيَّةِ بِهَا، وَالتَّصَدُّقِ بِهَا، وَأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهَا، وَكَذَا الْخِنْزِيرُ.
(قَوْلُهُ: فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ) أَيْ: قَاذِفُ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَطِئَ فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ حَالَ الْكُفْرِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ وَقَوْلُهُ، وَتَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ تَفْرِيعٌ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ لَا عَلَى ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ، فَلَا يَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ بَلْ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَلَا يُفْسَخُ أَيْ: نِكَاحُ الْمَحَارِمِ بِرَفْعِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي، وَطَلَبِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ
стр. 789
حُكْمٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَدُّلَ) كَعِبَادَةِ الصَّنَمِ مَثَلًا (بَاطِلَةٌ فَلَا يَكُونُ لِلْكُفْرِ حُكْمُ الصِّحَّةِ أَصْلًا بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْقَابِلَةِ لِلتَّبَدُّلِ كَبَيْعِ الْخَمْرِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُمْ، وَأَمَّا فِي حُكْمٍ يَحْتَمِلُهُ فَدَافِعَةٌ لِلتَّعَرُّضِ لَهُمْ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) أَيْ: دِيَانَتُهُ دَافِعَةٌ لِلتَّعَرُّضِ لَهُمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «اُتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ» (فَلَا يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ دَافِعَةٌ لَهُ) أَيْ: لِلتَّعَرُّضِ (وَلِدَلِيلِ الشَّرْعِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجًا وَمَكْرًا وَزِيَادَةً لِإِثْمِهِمْ وَعَذَابِهِمْ كَأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ فِيهَا) أَيْ: فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا: اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْرَاجَ تَقْرِيبُ اللَّهِ تَعَالَى الْعَبْدَ إلَى الْعُقُوبَةِ بِالتَّدْرِيجِ فَتَكُونُ دِيَانَتُهُمْ دَافِعَةً لِدَلِيلِ الشَّرْعِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَيُوهِمُ تَخْفِيفًا لَكِنَّهُ تَغْلِيظٌ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا بَيَّنَّا فِي فَصْلِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالشَّرَائِعِ أَنَّ الطَّبِيبَ يُعْرِضُ عَنْ مُدَاوَاةِ الْعَلِيلِ عِنْدَ الْيَأْسِ، وَصُورَةُ التَّخْفِيفِ، وَالْإِمْهَالِ تُوقِعُهُمْ فِي
ــ
[التلويح]
يَجْتَمِعَ الزَّوْجَانِ عَلَى التَّرَافُعِ فَحِينَئِذٍ يُفْسَخُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْفُرُوعُ الثَّلَاثَةُ مُتَعَلِّقَةً بِثُبُوتِ الْإِحْصَانِ كَانَ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْهُ ثُمَّ إيرَادِ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ مُنْضَمًّا إلَى الدَّلِيلِ عَلَى تَقَوُّمِ الْخَمْرِ نَوْعُ تَعْقِيدٍ، وَسُوءُ تَرْتِيبٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ لِتَغْيِيرِهِ أُسْلُوبَ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ جَوَابًا عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ دِيَانَتَهُمْ تُعْتَبَرُ دَافِعَةً لِلتَّعَرُّضِ لَا لِلْخِطَابِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْجَهْلِ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا فَكَيْفَ الْمُكَابَرَةُ، وَالْعِنَادُ.؟ ، لَكِنْ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ، مَا يَدِينُونَ، وَعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِهَذَا بِسَبَبِ عَقْدِ الذِّمَّةِ فَلَا يُحَدُّ شَارِبُهُمْ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى مُتْلِفِ الْخَمْرِ، وَلَا صِحَّةُ بَيْعِهَا، وَلَا إيجَابُ النَّفَقَةِ عَلَى نَاكِحِي الْمَحَارِمِ، وَلَا الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ تَقَوُّمَ الْمَالِ، وَإِحْصَانَ النَّفْسِ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْعِصْمَةِ، وَهِيَ الْحِفْظُ عَلَى التَّعَرُّضِ فَكَانَتْ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَأَكْلِهِمْ الرِّبَا، وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) مِنْ سَهْوِ الْقَلَمِ، وَالصَّوَابِ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ [النساء: ١٦١] . (قَوْلُهُ: فَإِنَّ دِيَانَةَ الْكَافِرِ) يَعْنِي: مَا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِهِ مُخَالِفًا لِلْإِسْلَامِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً بِخِلَافِ مَا يُوَافِقُ الْإِسْلَامَ كَحُرْمَةِ الزِّنَا، وَحُرْمَةِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(قَوْلُهُ: بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مُعْتَقَدَهُمْ) أَيْ: مَا كَانَ شَائِعًا مِنْ دِينِهِمْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ سَوَاءٌ وَرَدَتْ بِهِ شَرِيعَتُهُمْ أَوْ لَمْ تَرِدْ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا دَافِعٌ كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ فِي دِينِ الْمَجُوسِيِّ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا غَيْرَ ثَابِتٍ فِي كِتَابِهِمْ إلَّا أَنَّهُ شَائِعٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَتُهُ عِنْدَهُمْ، فَيَكُونُ دِيَانَةً لَهُمْ بِخِلَافِ الرِّبَا عِنْدَ الْيَهُودِ فَإِنَّ حُرْمَتَهُ ثَابِتَةٌ فِي التَّوْرَاةِ فَارْتِكَابُهُ فِسْقٌ مِنْهُمْ لَا دِيَانَةٌ اعْتَقَدُوا حِلَّهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُعْتَقَدِهِمْ مَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضٌ مِنْهُمْ كَمَا إذَا اعْتَقَدُوا حَدَّ جَوَازِ السَّرِقَةِ أَوْ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ دَافِعًا أَصْلًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّيَانَةِ الدَّافِعَةِ هُوَ الْمُعْتَقَدُ الشَّائِعُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى شَرْعٍ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ
стр. 790
زِيَادَةِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَفِي تَوَهُّمِ الْإِهْمَالِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «أَمْهَلْنَاهُمْ فَظَنُّوا أَنَّنَا أَهْمَلْنَاهُمْ» وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] وَقَالَ ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وَقَالَ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] الْآيَةَ (فَيَثْبُتُ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (تَقَوُّمُ الْخَمْرِ وَالضَّمَانُ بِإِتْلَافِهَا، وَجَوَازُ الْبَيْعِ) وَنَحْوِهَا (وَصِحَّةُ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ حَتَّى إنْ وَطِئَ فِيهِ) أَيْ: فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ (ثُمَّ أَسْلَمَ يَكُونُ مُحْصَنًا فَإِنَّ الْعِفَّةَ عَنْ الزِّنَا شَرْطٌ لِإِحْصَانِ الْقَذْفِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ وَطْأَهُ فِي هَذَا النِّكَاحِ لَا يَكُونُ زِنًا فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ وَتَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ) أَيْ: بِنِكَاحِ الْمَحَارِمِ (وَلَا يُفْسَخُ) أَيْ: نِكَاحُ الْمَحَارِمِ مَا دَامَ الزَّوْجَانِ كَافِرَيْنِ (إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا) ثُمَّ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ فِي حَقِّهِمْ وَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ بِنِكَاحِ الْمَحَارِمِ بِقَوْلِهِ؛ (لِأَنَّ تَقَوُّمَ
ــ
[التلويح]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَبْسُوطِ إنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ، وَإِنْ حُكِمَ بِصِحَّتِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ جَوَازُ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵊، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلْمِيرَاثِ فِي دِينِهِ فَلَا يَثْبُتُ سَبَبًا لِلْمِيرَاثِ بِاعْتِقَادِهِمْ، وَدِيَانَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ لِدِيَانَةِ الذِّمِّيِّ فِي حُكْمٍ إذَا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَرْعٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا كَذَلِكَ مَنْ لَيْسَ فِي نِكَاحِهَا) إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى مَجُوسِيٍّ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ إحْدَاهُمَا زَوْجَتُهُ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ فِي نِكَاحِ الْمُتَنَاكِحَيْنِ يَعْنِي: الْبِنْتَ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَارِثِ الْآخَرِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ زَوْجِ الْمَحْرَمِ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِدِيَانَتِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ مِنْهُ، فَيَكُونُ تَعْدِيَةً بِخِلَافِ تَضَرُّرِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّهُ بِالْتِزَامِهِ فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تُؤَاخَذَ الْبِنْتُ الْغَيْرُ الْمَنْكُوحَةِ بِدِيَانَتِهَا، وَاعْتِقَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مَجُوسِيَّةٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نِزَاعِهَا فِي زِيَادَةِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نِزَاعِ الزَّوْجِ فِي النَّفَقَةِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِزَاعُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ هَذِهِ الدِّيَانَةَ حَيْثُ نَكَحَ الْمَحْرَمُ بِخِلَافِ الْبِنْتِ الْغَيْرِ الْمَنْكُوحَةِ. (قَوْلُهُ: وَغِنَاهَا) يَعْنِي: أَنَّ الْمَالَ فِي نَفْسِهِ إنْ قَلَّ، وَإِنْ كَثُرَ، وَالْحَاجَةُ دَائِمَةٌ لِإِمْكَانِ الْحَيَاةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(قَوْلُهُ كَجَهْلِ صَاحِبِ الْهَوَى) مِثْلُ جَهْلِ الْمُعْتَزِلَةِ بِزِيَادَةِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الذَّاتِ، وَكَوْنِهِ تَعَالَى مَرْئِيًّا فِي الْجَنَّةِ بِالْأَبْصَارِ، وَكَوْنِهِ خَالِقًا لِلشُّرُورِ، وَالْقَبَائِحِ، وَبِجَوَازِ الشَّفَاعَةِ لِحَطِّ الْكَبَائِرِ، وَجَوَازِ الْعَفْوِ عَمَّا دُونَ الْكُفْرِ، وَعَدَمِ خُلُودِ الْفُسَّاقِ فِي النَّارِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْجَهْلُ عُذْرًا لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلدَّلِيلِ الْوَاضِحِ مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْقُولِ، وَإِنَّمَا كَانَ دُونَ جَهْلِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْهَوَى مُؤَوِّلٌ لِلْقُرْآنِ أَيْ: يَصْرِفُهُ عَنْ ظَوَاهِرِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَقِيضِ مُعْتَقَدِهِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى وَفْقِ مُعْتَقَدِهِ لَا أَنْ يَنْبِذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ مِثْلَ الْكَافِرِ، وَفِي عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ بِالْقُرْآنِ أَيْ: مُتَمَسِّكٌ بِهِ صَارِفٌ
стр. 791
الْمَالِ وَإِحْصَانَ النَّفْسِ مِنْ بَابِ الْعِصْمَةِ، وَهِيَ الْحِفْظُ، فَيَكُونُ فِي ثُبُوتِهِمَا الْحِفْظُ عَنْ التَّعَرُّضِ) تَقْرِيرُهُ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ تَصْلُحُ دَافِعَةً لِلتَّعَرُّضِ اتِّفَاقًا وَدَافِعَةً لِدَلِيلِ الشَّرْعِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَيْ: فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَصْلُحُ دِيَانَتُهُمْ دَافِعَةً لَهَا لَا يَتَنَاوَلُهُمْ دَلِيلُ الشَّرْعِ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ عِنْدَنَا فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَتَقَوُّمُ الْخَمْرِ وَإِحْصَانُ النَّفْسِ مِنْ بَابِ دَفْعِ التَّعَرُّضِ لَا مِنْ بَابِ التَّعَدِّي إلَى الْغَيْرِ، فَيَثْبُتَانِ (وَلَا يَلْزَمُ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا عَنْهُ) هَذَا جَوَابُ إشْكَالٍ عَلَى أَنَّ دِيَانَتَهُمْ مُعْتَبَرَةٌ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُتْرَكُوا عَلَى دِيَانَتِهِمْ فِي بَابِ الرِّبَا أَيْضًا، فَأَجَابَ بِأَنَّ مُعْتَقَدَهُمْ فِي الرِّبَا لَيْسَ هُوَ الْحِلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِي عَلَى هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: دِيَانَتُهُمْ دَافِعَةٌ لِلتَّعَرُّضِ اتِّفَاقًا، وَدَلِيلُ الشَّرْعِ لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ الصَّحِيحَةَ دَافِعَةٌ لَهُمَا فَإِنَّ دِيَانَةَ الْكَافِرِ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ مُعْتَقَدَهُمْ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا دَافِعٌ كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ فِي شَرِيعَةٍ مِنْ الشَّرَائِعِ؛ لِأَنَّ حِلَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵊ لِلضَّرُورَةِ ثُمَّ نُسِخَ فِي شَرِيعَةِ نُوحٍ ﵊ فَارْتِكَابُ الْمَجُوسِ ذَلِكَ، وَارْتِكَابُ أَهْلِ الْكِتَابِ الرِّبَا سِيَّانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا صَعْبٌ جِدًّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ
ــ
[التلويح]
إيَّاهُ إلَى مَا يُوَافِقُ اعْتِقَادَهُ، وَإِنَّمَا لَزِمَنَا مُنَاظَرَتُهُ، وَإِلْزَامُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ مُعْتَرِفٌ بِحَقِّيَّةِ الْقُرْآنِ، وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊.
(قَوْلُهُ: وَكَجَهْلِ الْبَاغِي) هُوَ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْحَقِّ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، وَشُبْهَةٍ طَارِئَةٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنَعَةٌ، فَقَدْ سَقَطَتْ؛ وَلِأَنَّهُ الْإِلْزَامُ لِتَعَذُّرِهِ حِسًّا، وَحَقِيقَةً، فَيَعْمَلُ بِتَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ مَا أُتْلِفَ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنْ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ مَا كَانَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُفْتَى بِوُجُوبِ أَدَاءِ الضَّمَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَكِنَّهُمْ لَا يُلْزَمُونَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ تَبْلِيغَ الْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ انْقَطَعَتْ بِمَنَعَةٍ قَائِمَةٍ حِسًّا فِيمَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِخِلَافِ الْإِثْمِ، فَإِنَّ الْمَنَعَةَ لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ، وَلَا تَسْقُطُ حُقُوقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنَعَةٌ، فَلَا مَانِعَ مِنْ تَبْلِيغِ الْحُجَّةِ، وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ فَيُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا مُحَارَبَةُ الْبَاغِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وَلِأَنَّ الْبَغْيَ مَعْصِيَةٌ، وَمُنْكَرٌ، وَنَهْيُ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ، وَذَلِكَ بِالْقِتَالِ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَجِبُ مُحَارَبَتُهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا، وَعَزَمُوا عَلَى الْقِتَالِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ بِقَتْلِهِ) أَيْ: قَتْلِ الْبَاغِي لِوُجُودِ السَّبَبِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ إذْ الْقَتْلُ إنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا إذَا كَانَ مَحْظُورًا لِيَكُونَ الْحِرْمَانُ جَزَاءً، وَعُقُوبَةً عَلَيْهِ لَا إذَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ كَقَتْلِ الْبَاغِي، وَالْقَتْلِ رَجْمًا أَوْ قِصَاصًا، وَكَذَا لَا يُحْرَمُ الْبَاغِي الْمِيرَاثَ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِ الْعَادِلِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَقٌّ فِي زَعْمِ الْبَاغِي بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِهِ، وَتَمَسُّكِهِ بِمَا عُرِضَتْ لَهُ مِنْ الشُّبْهَةِ، وَوِلَايَتُنَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْهُ لِمَكَانِ الْمَنَعَةِ فَكَانَ قَتْلُهُمْ أَهْلَ الْحَقِّ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ لَا فِي
стр. 792
حُرْمَةُ الرِّبَا مَذْكُورَةٌ فِي التَّوْرَاةِ فَارْتِكَابُهُمْ ذَلِكَ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْفِسْقِ وَحُرْمَةُ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي كُتُبِ الْمَجُوسِ وَلَا يُمْكِنُ لَنَا إلْزَامُهُمْ بِمَا فِي كُتُبِنَا فَافْتَرَقَا (فَإِنْ قِيلَ دِيَانَتُهُمْ لَيْسَتْ حُجَّةً مُتَعَدِّيَةً إجْمَاعًا فَلَا تُوجِبُ ضَمَانَ الْخَمْرِ وَحَدَّ الْقَذْفِ، وَالنَّفَقَةَ كَمَا فِي مَجُوسِيٍّ غَلَبَ بِنْتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَا تَرِثُ بِالزَّوْجِيَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَقِيسِ عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَعَدَمُ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ وَعَدَمُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْحُكْمَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَدَمُ الْإِرْثِ فَالْحُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَكِنَّهُمَا مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ حُكْمٍ وَاحِدٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ لَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ دِيَانَتَهُمْ غَيْرُ مُتَعَدِّيَةٍ (قُلْنَا يَثْبُتُ بِدِيَانَتِهِمْ بَقَاءُ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ عَلَى مَا كَانَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا دَفْعُ دَلِيلِ الشَّرْعِ ثُمَّ هُوَ) أَيْ: التَّقَوُّمُ (شَرْطٌ لِلضَّمَانِ لَا عِلَّتُهُ، وَكَذَا الْإِحْصَانُ) أَيْ: إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ (فَلَا يَكُونُ فِي إثْبَاتِهِمَا) أَيْ: فِي إثْبَاتِ التَّقَوُّمِ، وَالْإِحْصَانِ (إثْبَاتُ الضَّمَانِ وَالْحَدِّ) بَلْ الضَّمَانُ وَالْحَدُّ إنَّمَا يَثْبُتَانِ بِإِتْلَافِ الْخَمْرِ، وَبِالْقَذْفِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِتَعَدِّي دِيَّاتِهِمْ لَوْ أَثْبَتْنَا الضَّمَانَ وَالْحَدَّ بِاعْتِقَادِهِمْ التَّقَوُّمَ، وَالْإِحْصَانَ وَلَمْ نَفْعَلْ كَذَلِكَ (وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ دَفْعُهَا لِلْهَلَاكِ فَتَكُونُ دَافِعَةً لَا مُتَعَدِّيَةً، وَلِأَنَّهُمَا لَمَّا تَنَاكَحَا دَانَا بِصِحَّتِهِ
ــ
[التلويح]
حَقِّ الْأَثَامِ بِمَنْزِلَةِ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّ انْضِمَامَ الْمَنَعَةِ، وَانْقِطَاعَ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ إلَى التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْجِهَادِ الصَّحِيحِ فِي حَقِّ التَّوْرِيثِ كَمَا فِي حَقِّ الضَّمَانِ، وَهَذَا إذَا قَالَ الْوَارِثُ كُنْت عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَا الْآنَ عَلَى الْحَقِّ، وَإِلَّا فَيُحْرَمُ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الدَّارُ وَاحِدَةً) يَعْنِي: أَنَّ تَمَلُّكَ الْمَالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِيلَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَمَالِ اخْتِلَافِ الدَّارِ، وَوُجُوبِ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ يُنْبِئُ عَنْ كَمَالِ الْعِصْمَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الدَّارِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ مَالَ الْبَاغِي حَتَّى إذَا انْكَسَرَتْ شَوْكَةُ الْبُغَاةِ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ لِاتِّحَادِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ لَا تَضْمَنُ أَمْوَالَهُمْ بِالْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّيَانَةِ مَعَ وُجُودِ الْمَنَعَةِ يُوجِبُ شُبْهَةَ اخْتِلَافِ الدَّارِ فَيُوجِبُ سُقُوطَ الْعِصْمَةِ مِنْ وَجْهٍ فَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَبِوُجُوبِ الضَّمَانِ جَعَلْنَا الْعِصْمَةَ مِنْ وَجْهٍ بِمَنْزِلَةِ الْعِصْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالْمِلْكِ، وَعَدَمِ الضَّمَانِ جَعَلْنَا اتِّحَادَ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِهَا، وَلَوْ قُلْنَا بِالْمِلْكِ، وَالضَّمَانِ كَانَ مُتَنَاقِضًا؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْمِلْكِ مَعْنَاهُ عَدَمُ الضَّمَانِ فَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْمِلْكِ مَعَ عَدَمِ الضَّمَانِ كَمَا فِي غَصْبِ غَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ فَإِنْ قِيلَ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمِلْكِ، وَضَمَانِ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ قُلْنَا لَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ الْعَيِّنَةَ، وَالْمِلْكُ بِالضَّمَانِ إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِنَادًا لَا ابْتِدَاءً.
(قَوْلُهُ:، وَكَجَهْلِ مَنْ خَالَفَ فِي اجْتِهَادِهِ الْكِتَابَ) يُرِيدُ أَنَّ الْجَهْلَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الدِّينِ، وَأُصُولِهِ، وَهُوَ الْغَايَةُ أَوْ لَا، وَهُوَ دُونَهُ، وَذَلِكَ إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أُصُولِ الْمَذْهَبِ كَمَا مَرَّ أَوْ فِي فُرُوعِهِ، وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَيَصْلُحُ عُذْرًا أَوْ لِلْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ
стр. 793
فَيُؤْخَذُ الزَّوْجُ بِدِيَانَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ مَنْ لَيْسَ فِي نِكَاحِهِمَا كَالْوَارِثِ الْآخَرِ) لِأَنَّ تَقَوُّمَ الْمَالِ وَإِحْصَانَ النَّفْسِ مِنْ بَابِ الْعِصْمَةِ وَهِيَ الْحِفْظُ فَيَكُونُ فِي ثُبُوتِهِمَا الْحِفْظُ عَنْ التَّعَرُّضِ وَلَا يَلْزَمُ الرِّبَا لِأَنَّ هُمْ قَدْ نُهُوا عَنْهُ جَوَابٌ عَنْ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَجُوسِيٍّ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ فِي إرْثِ الْبِنْتِ الَّتِي هِيَ زَوْجَتُهُ ضَرَرًا بِالْوَارِثِ الْآخَرِ أَيْ: الْبِنْتِ الَّتِي هِيَ لَيْسَتْ زَوْجَتَهُ، فَتَكُونُ مُتَعَدِّيَةً هُنَا (وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ) اعْلَمْ أَمَّا مَا ذُكِرَ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَكَذَلِكَ (أَيْضًا) أَيْ: دِيَانَتُهُمْ دَافِعَةٌ لِلتَّعَرُّضِ وَلِدَلِيلِ الشَّرْعِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا (إلَّا أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ لَيْسَ حُكْمًا أَصْلِيًّا بِخِلَافِ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ بَلْ كَانَ ضَرُورِيًّا إذْ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵊ لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُ الْأُخْتِ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ) أَيْ: نِكَاحُ الْمَحَارِمِ كَانَ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵊ حُكْمًا ضَرُورِيًّا إذْ لَوْلَا جَوَازُهُ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ لَا يَحْصُلُ النَّسْلُ أَصْلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ نِكَاحَ الْأُخْتِ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا فِي شَرِيعَةِ آدَمَ ﵇ وَكَانَتْ السُّنَّةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وِلَادَةَ ذَكَرٍ مَعَ أُنْثَى مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ وَالْمَشْرُوعُ أَنْ يَتَزَوَّجَ كُلَّ أُنْثَى ذَكَرٌ مِنْ بَطْنٍ آخَرَ، فَكَانَ النِّكَاحُ بَيْنَ التَّوْأَمَيْنِ حَرَامٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّوْأَمَيْنِ مَخْلُوقَانِ مِنْ مَاءٍ انْدَفَقَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَالْوَلَدَانِ مِنْ بَطْنَيْنِ مَخْلُوقَانِ مِنْ مَاءَيْنِ انْدَفَقَا دَفْعَتَيْنِ فَالْأُخْتُ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ أَقْرَبُ مِنْ أُخْتٍ لَا تَكُونُ
ــ
[التلويح]
وَالْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ مِثْلَ جَهْلِ صَاحِبِ الْهَوَى، وَقَيَّدَ السُّنَّةَ بِالْمَشْهُورَةِ، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْمُتَوَاتِرِ تَكُونُ كُفْرًا لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ أَيْضًا كَذَلِكَ فَمُخَالَفَتُهُ إنَّمَا لَا تَكُونُ كُفْرًا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَتْنُ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ قَطْعِيَّةِ الْمَتْنِ، وَالدَّلَالَةِ فَالْمُخَالِفُ كَافِرٌ لَا مَحَالَةَ فَلَا بُدَّ هَاهُنَا مِنْ تَقْيِيدِ الْكِتَابِ بِأَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَتَقْيِيدُ السُّنَّةِ بِأَنْ تَكُونَ مَشْهُورَةً أَوْ تَكُونَ مُتَوَاتِرَةً غَيْرَ قَطْعِيَّةِ الدَّلَالَةِ فَمِنْ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ الْقَوْلُ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا عِنْدَ ذَبْحِهِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ ﵊ «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ، وَبِأَنَّ الْمُؤْمِنَ ذَاكِرٌ بِقَلْبِهِ التَّسْمِيَةَ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لِقَوْلِهِ ﵊ «تَسْمِيَةُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» ، وَمِنْهَا الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ، وَيَمِينٍ تَمَسُّكًا بِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ قَضَى بِشَاهِدٍ، وَيَمِينٍ» ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ قِيَامِ نَصِّ الْكِتَابِ خَطَأٌ فِي الِاجْتِهَادِ إلَّا أَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، فَيَكُونَ قَيْدًا لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ أَوْ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَإِنَّ الْفِسْقَ هُوَ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِحَصْرِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ الشَّهَادَةُ الْمَحْضَةُ فِي رَجُلَيْنِ، وَرَجُلٍ، وَامْرَأَتَيْنِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي ثُبُوتَ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْبَيِّنَةِ هِيَ
стр. 794
كَذَلِكَ وَلَمَّا كَانَتْ الضَّرُورَةُ تَنْقَضِي بِالْبُعْدِ لَمْ تَحِلَّ الْقُرْبَى فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ الْحُرْمَةُ، وَقَدْ ثَبَتَ الْحِلُّ بِالضَّرُورَةِ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِكَثْرَةِ النَّسْلِ نُسِخَ حِلُّ الْأَخَوَاتِ فَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ دِيَانَتِهِمْ دَافِعَةً لِدَلِيلِ الشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حِلُّ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ إذْ بَعْدَ قَصْرِ دَلِيلِ الشَّرْعِ عَنْهُمْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ الْحُرْمَةُ فِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ إذْ بَعْدَ قَصْرِ دَلِيلِنَا عَنْهُمْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ الْحِلُّ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنِكَاحُ الْمَحَارِمِ لَا يَكُونُ مُثْبِتًا لِلْإِحْصَانِ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ مَنْ نَكَحَ الْمَحَارِمَ وَوَطِئَ ثُمَّ أَسْلَمَ (وَأَيْضًا حَدُّ الْقَذْفِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ) أَيْ: سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِمْ لَكِنَّ شُبْهَةَ عَدَمِ الصِّحَّةِ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ، فَيَنْدَرِئُ حَدُّ الْقَذْفِ بِهَا، فَقَوْلُهُ وَأَيْضًا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ إلَخْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِ مَنْ نَكَحَ الْمَحَارِمَ وَوَطِئَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ وَأَيْضًا (وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ أَيْضًا) عَطْفٌ عَلَى الْحُكْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَنَعْنِي بِالْحُكْمِ الْمَفْهُومِ عَدَمَ وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ (أَمَّا عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ) وَهُوَ أَنَّ حِلَّ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ لَيْسَ حُكْمًا أَصْلِيًّا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ يُوجِبُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ (وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي)
ــ
[التلويح]
شَهَادَةُ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ، وَمِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَعْنِي: قَوْلَهُ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ، وَهِيَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ لَا يُدْرَى قَاتِلُهُ، وَادَّعَى الْوَلِيُّ قَتْلَهُ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَ لَوْثٌ أَيْ: عَلَامَةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ دَعْوَاهُ يُسْتَحْلَفُ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ يُقْضَى لَهُ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ فِي صُورَةِ الْخَطَأِ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ الْعَمْدِ فَفِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَفِي الْقَدِيمِ بِالْقِصَاصِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ ﵇ لِأَوْلِيَاءِ مَقْتُولٍ وُجِدَ فِي خَيْبَرَ «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَيْ: دَمَ قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَقْرِيرِ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَأَنَّهُ لَا جِهَةَ لِتَخْصِيصِ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَمِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ الْقَوْلُ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ تَمَسُّكًا بِمَا رُوِيَ عَنْ «جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ» ، وَبِأَنَّ الْمَالِيَّةَ ثَبَتَتْ بِيَقِينٍ، وَارْتِفَاعُهَا بِالْوِلَادَةِ مَشْكُوكٌ، فَإِنَّ الْآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا قَدْ اشْتَهَرَتْ، وَتَلَقَّاهَا الْقَرْنُ الثَّانِي بِالْقَبُولِ فَصَارَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ) أَوْرَدَ مَسْأَلَتَيْنِ: أُولَاهُمَا مِثَالٌ لِلْجَهْلِ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ، وَالثَّانِيَةُ تَتْمِيمٌ، وَتَكْمِيلٌ لِلْأُولَى لَا مِثَالٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ فِيهَا مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ صَحِيحًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْضِ الظُّهْرَ بِنَاءً) أَيْ: بَنَى عَدَمَ
стр. 795
وَهُوَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ (فَالنِّكَاحُ، وَإِنْ صَحَّ لَكِنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ فَلَا تَجِبُ كَالْمِيرَاثِ إذْ لَوْ وَجَبَتْ تَصِيرُ الدِّيَانَةُ مُتَعَدِّيَةً) ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشُّبْهَةِ لِدَرْءِ حَدِّ الْقَذْفِ شُبْهَةُ عَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ، فَهَذَا الدَّلِيلُ مُشْعِرٌ بِتَسْلِيمِ صِحَّةِ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ، وَكَوْنِهَا حُكْمًا أَصْلِيًّا فِي حَقِّهِمْ (وَالْجَوَابُ) أَيْ: جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّفَقَةِ (أَنَّهَا لِدَفْعِ الْهَلَاكِ) فَإِيجَابُ النَّفَقَةِ بِنَاءً عَلَى دِيَانَتِهِمْ لَا يَكُونُ قَوْلًا بِأَنَّ دِيَانَتَهُمْ مُتَعَدِّيَةٌ بَلْ دِيَانَتُهُمْ دَافِعَةٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ حَابِسٌ لِلزَّوْجَةِ فَإِنْ حَبَسَهَا بِلَا نَفَقَةٍ يَكُونُ مُتَعَرِّضًا لَهَا بِالْإِهْلَاكِ فَإِيجَابُ النَّفَقَةِ دَفْعٌ لِهَذَا التَّعَرُّضِ ثُمَّ وَرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّ إيجَابَ النَّفَقَةِ لَيْسَ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا مَعَ غِنَى الْمَرْأَةِ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَغِنَاهَا لَا يَدْفَعُ الْحَاجَةَ الدَّائِمَةَ بِدَوَامِ الْحَبْسِ، وَأَمَّا جَهْلٌ كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ: لَا يَصْلُحُ عُذْرًا، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَأَمَّا جَهْلٌ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا (لَكِنَّهُ دُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْجَهْلِ الْأَوَّلِ (كَجَهْلِ صَاحِبِ الْهَوَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلِ الْوَاضِحِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُؤَوِّلًا لِلْقُرْآنِ كَانَ دُونَ الْأَوَّلِ وَلَمَّا كَانَ مُسْلِمًا لَزِمَنَا مُنَاظَرَتُهُ وَإِلْزَامُهُ، فَلَا يُتْرَكُ عَلَى دِيَانَتِهِ فَلَزِمَهُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَكَجَهْلِ الْبَاغِي، فَيَضْمَنُ بِإِتْلَافِ مَالِ الْعَادِلِ أَوْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنَعَةٌ، فَتَسْقُطُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ وَتَجِبُ عَلَيْنَا مُحَارَبَتُهُ وَلَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ بِقَتْلِهِ
ــ
[التلويح]
قَضَاءِ الظُّهْرِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُضُوءِ حِينَ صَلَّى، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الْمُؤَدَّاةَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِذَلِكَ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ، وَاقْتَصَّ الْآخَرُ) بِجَهْلِهِ بِالْعَفْوِ أَوْ بِأَنَّ عَفْوَ أَحَدِ الْأَوْلِيَاءِ يُسْقِطُ الْقَوَدَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ هَذَا جَهْلٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ؛ وَلِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا ثَبَتَ لِوَلِيَّيْنِ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ التَّفَرُّدُ بِالْقَتْلِ حَتَّى لَوْ عَفَا أَحَدُهُمَا كَانَ لِلْآخَرِ الْقَتْلُ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يَكُونُ اجْتِهَادًا صَحِيحًا بَلْ هُوَ جَهْلٌ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ لِأَنَّهُ عُلِمَ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَمَا ثَبَتَ فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ وَأَيْضًا الظَّاهِرُ عَدَمُ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ فَيَكُونُ مَحَلَّ الِاشْتِبَاهِ، وَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ.
(قَوْلُهُ: إذْ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ) يَعْنِي: كَفَّارَةَ الصَّوْمِ تَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْعُقُوبَةِ فِيهَا، وَهَذَا إذَا اسْتَفْتَى فَقِيهًا، فَأَفْتَاهُ بِفَسَادِ الصَّوْمِ فَحَصَلَ لَهُ الظَّنُّ بِذَلِكَ أَوْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ أَعْنِي: قَوْلَهُ ﵇ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ، وَالْمَحْجُومُ» ، وَلَمْ يَعْرِفْ نَسْخَهُ، وَلَا تَأْوِيلَهُ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ اتِّفَاقًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَ ظَنُّهُ مُسْتَنِدًا إلَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَامِّيِّ الْأَخْذُ بِظَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ، وَإِنَّمَا التَّمَسُّكُ بِهَا لِلْفُقَهَاءِ، وَالْقَوْلُ بِفَسَادِ الصَّوْمِ بِالْحِجَامَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ اجْتِهَادًا صَحِيحًا لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ.
(وَقَوْلُهُ وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ وَالِدِهِ يَظُنُّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَالَ الزَّوْجَةِ مَالُ الزَّوْجِ مِنْ وَجْهٍ لِفَرْطِ الِاخْتِلَاطِ أَوْ حِلِّ الزَّوْجَةِ يُوجِبُ حِلَّ مَمْلُوكَتِهَا، وَأَنَّ مِلْكَ الْأَصْلِ
стр. 796
لِأَنَّ الْإِسْلَامَ جَامِعٌ) أَيْ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَاغِي، فَيَكُونُ سَبَبُ الْإِرْثِ مَوْجُودًا (وَالْقَتْلُ حَقٌّ) فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ الْإِرْثِ (وَكَذَا إنْ قَتَلَ عَادِلًا) أَيْ: لَا يُحْرَمُ الْبَاغِي الْإِرْثَ إنْ قَتَلَ عَادِلًا (لِأَنَّهُ حَقٌّ فِي زَعْمِهِ وَوِلَايَتُنَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْهُ وَلَمَّا كَانَ الدَّارُ وَاحِدَةً وَالدِّيَانَةُ مُخْتَلِفَةً تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ مِنْ وَجْهٍ فَلَا نَمْلِكُ مَالَهُ لَكِنْ لَا نَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ) كَمَا فِي غَصْبِ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ فَإِنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَأَمَّا إذَا أَتْلَفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْكَسْ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالَهُ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالَهُ مَعَ التَّنَاقُضِ (وَكَجَهْلِ مَنْ خَالَفَ فِي اجْتِهَادِهِ الْكِتَابَ كَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا) فَإِنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] (وَالْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ) أَيْ: يَمِينِ الْمُدَّعِي فَإِنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ كَالتَّحْلِيلِ بِدُونِ الْوَطْءِ) عَلَى مَذْهَبِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَإِنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ حَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ (وَالْقِصَاصِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ) فَإِنَّهُ إنْ وُجِدَ لَوْثٌ أَيْ: عَلَامَةُ الْقَتْلِ اُسْتُحْلِفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ يُقْضَى بِالْقَوَدِ إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَمْدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِيهِ خِلَافُ قَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهَذَا وَحَدِيثُ الْعُسَيْلَةِ مِنْ الْمَشَاهِيرِ (أَوْ الْإِجْمَاعِ كَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ) فَإِنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ انْعَقَدَ عَلَى بُطْلَانِهِ (حَتَّى لَا يَنْفُذَ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْبَحْثِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَهْلَ لَيْسَ بِعُذْرٍ حَتَّى إنْ قَضَى الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ (، وَأَمَّا جَهْلٌ يَصْلُحُ شُبْهَةً) عَطْفٌ عَلَى النَّوْعَيْنِ
ــ
[التلويح]
مِلْكُ الْجُزْءِ أَوْ حَلَالٌ لَهُ فَهَذَا شُبْهَةُ اشْتِبَاهٍ أَعْنِي: الشُّبْهَةَ فِي الْفِعْلِ، وَهِيَ أَنْ يَظُنَّ مَا لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحِلِّ دَلِيلًا، فَيَظُنُّ الْحِلَّ، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ تَمَحَّضَ زِنًا بِخِلَافِ شُبْهَةِ الْحِلِّ، وَتُسَمَّى شُبْهَةَ الدَّلِيلِ، وَهِيَ أَنْ يُوجَدَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ النَّافِي لِلْحُرْمَةِ لَكِنْ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ لِمَانِعٍ كَمَا إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ الِابْنِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ، وَالْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَتَمَحَّضْ زِنًا نَظَرًا إلَى الدَّلِيلِ أَعْنِي: قَوْلَهُ ﵇ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، وَأَمَّا شُبْهَةُ جَارِيَةِ الْأَخِ أَوْ الْأُخْتِ فَلَيْسَتْ مَحَلًّا لِلِاشْتِبَاهِ لَا شُبْهَةَ فِعْلٍ، وَلَا شُبْهَةَ مَحَلٍّ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا جَهْلٌ يَصْلُحُ عُذْرًا) كَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَجَهْلُهُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ يَكُونُ عُذْرًا لَهُ فِي التَّرْكِ حَتَّى لَا يَجِبَ بَعْدَ الْمُهَاجَرَةِ قَضَاءُ مُدَّةِ اللُّبْثِ فِي دَارِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الْخِطَابِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا بِشُهْرَتِهِ فِي مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] الْمَذْكُورُ
стр. 797
الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْجَهْلِ (كَالْجَهْلِ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ) أَيْ: غَيْرِ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ (أَوْ فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ ثُمَّ الْعَصْرَ بِهِ) أَيْ: بِالْوُضُوءِ زَاعِمًا صِحَّةَ ظُهْرِهِ (ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ) ثُمَّ قَضَى الظُّهْرَ (بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّذَكُّرِ) ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْعَصْرَ جَائِزٌ بِنَاءً عَلَى جَهْلِهِ بِفَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ (يَصِحُّ الْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ) فَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا يَجِبُ قَضَاءُ الْعَصْرِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ زَاعِمًا صِحَّةَ ظُهْرِهِ وَهَذَا زَعْمٌ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجِبُ قَضَاءُ الْعَصْرِ لِعَدَمِ فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ عِنْدَهُ هَذَا إذَا كَانَ يَزْعُمُ وَقْتَ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ أَنَّ عَصْرَهُ جَائِزٌ أَمَّا لَوْ عَلِمَ وَقْتَ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ أَنَّ عَصْرَهُ لَمْ يَجُزْ كَانَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ كَمَا يَجِبُ قَضَاءُ الْعَصْرِ (وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الظُّهْرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ أَنَّ الظُّهْرَ جَائِزٌ) أَيْ: صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ ثُمَّ الْعَصْرَ بِوُضُوءٍ زَاعِمًا صِحَّةَ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَقْضِ الظُّهْرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِعَدَمِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ وُضُوءٍ جَاهِلًا أَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى فَرْضًا آخَرَ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَالْفَرْضُ الثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ خِلَافًا لِحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ فَإِنَّ عِنْدَهُ إنَّمَا يَجِبُ رِعَايَةُ التَّرْتِيبِ عَلَى مَنْ يَعْلَمُهُ، وَأَيْضًا فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ الْفَرْضَ الْأَوَّلَ يُجْزِيهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّاسِي لِلْفَائِتَةِ فَيُجْزِيهِ الْفَرْضُ الثَّانِي (لَمْ يَصِحَّ الْعَصْرُ) أَيْ: صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ ثُمَّ الْعَصْرَ بِوُضُوءٍ زَاعِمًا صِحَّةَ الظُّهْرِ وَلَمْ يَقْضِ الظُّهْرَ لَمْ يَصِحَّ الْعَصْرُ؛ لِأَنَّ زَعْمَهُ مُخَالِفٌ (لِلْإِجْمَاعِ، وَالْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهَا هِيَ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةُ وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ ثُمَّ اقْتَصَّ الْآخَرُ
ــ
[التلويح]
فِي عَامَّةِ التَّفَاسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ نُزُولِ آيَةِ التَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ فَقَالُوا: كَيْفَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ التَّحْوِيلِ مِنْ إخْوَانِنَا؟ .
(قَوْلُهُ: وَقِصَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ) هِيَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَشَرِبُوا الْخَمْرَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحُرْمَتِهَا فَنَزَلَ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ، وَعَنْ ابْنِ كَيْسَانَ «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَالْمَيْسِرِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا، وَقَدْ شَرِبُوا الْخَمْرَ، وَأَكَلُوا الْمَيْسِرَ، وَكَيْفَ بِالْغَائِبِينَ عَنَّا فِي الْبُلْدَانِ لَا يَشْعُرُونَ بِتَحْرِيمِهَا، وَهُمْ يَطْعَمُونَهَا فَنَزَلَتْ» .
(قَوْلُهُ: وَالْبِكْرُ) أَيْ:، وَكَجَهْلِ الْبِكْرِ بِالنِّكَاحِ فِيمَا إذَا زَوَّجَهَا، وَلِيٌّ غَيْرِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ مِنْ الْكُفْءِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ زَوَّجَهَا الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ أَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ عُذْرًا حَتَّى يَكُونَ لَهَا الْفَسْخُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالنِّكَاحِ، وَأَمَّا إذَا زَوَّجَهَا الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ مِنْ الْكُفْءِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ لِكَمَالِ النَّظَرِ، وَوُفُورِ الشَّفَقَةِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُ الْأَبِ، وَالْجَدِّ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ أَوْ بِغَبْنٍ
стр. 798
عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْقِصَاصَ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْكَمَالِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الِاجْتِهَادِ) فَإِنَّ عِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فَصَارَ هَذَا شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ قَاتِلِ الْقَاتِلِ (وَكَذَا الْمُحْتَجِمُ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ، فَأَكَلَ عَمْدًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» صَارَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْكَفَّارَةِ إذْ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ وَكَذَا الْقِصَاصُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ (وَمَنْ زَنَى بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ وَالِدِهِ بِظَنِّ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الِاشْتِبَاهِ فَتَصِيرُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ) حَتَّى يَنْدَرِئَ الْحَدُّ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ (إلَّا فِي النَّسَبِ، وَالْعِدَّةِ) أَيْ: لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَا يَثْبُتَانِ بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ. (وَكَذَا حَرْبِيٌّ أَسْلَمَ فَدَخَلَ دَارَنَا فَشَرِبَ خَمْرًا جَاهِلًا بِالْحُرْمَةِ) أَيْ: لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ يَكُونُ شُبْهَةً (لَا إنْ زَنَى هُوَ) أَيْ: زَنَى حَرْبِيٌّ أَسْلَمَ حَيْثُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ فِي حُرْمَةِ الزِّنَا لَا يَكُونُ شُبْهَةً؛ لِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ (أَوْ شَرِبَ ذِمِّيٌّ أَسْلَمَ) أَيْ: يَجِبُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ شَائِعَةٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالذِّمِّيُّ سَاكِنٌ فِيهَا فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ بِحُرْمَةِ الْخَمْرِ فَلَا يَصِيرُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ (، وَأَمَّا جَهْلٌ يَصْلُحُ عُذْرًا) هَذَا هُوَ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ الْجَهْلِ (كَجَهْلِ مُسْلِمٍ لَمْ يُهَاجِرْ بِالشَّرَائِعِ وَكَذَا إذَا نَزَلَ خِطَابٌ، وَلَمْ يَنْتَشِرْ بَعْدَ فِي دَارِنَا كَمَا فِي قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ) فَإِنَّهُمْ إذْ بَلَغَهُمْ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ وَكَانُوا فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ فَاسْتَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊
ــ
[التلويح]
فَاحِشٍ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ نَقْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَكِنْ يَكُونُ لَهَا الْفَسْخُ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي شَرْحِهِ لِلْوِقَايَةِ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ رِوَايَةٌ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْبِكْرِ، وَتَقْرِيرُ الْقَوْمِ أَنَّ جَهْلَ الْبِكْرِ بِالْخِيَارِ لَيْسَ بِعُذْرٍ لِاشْتِهَارِ الْعِلْمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ التَّعَلُّمِ فِي جَانِبِهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَإِنَّ اشْتِغَالَهَا بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ مَانِعٌ، وَعَلَى هَذَا الْإِيرَادِ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الْبِكْرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ تُكَلَّفْ بِالشَّرَائِعِ لَا سِيَّمَا بِالْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يُشْتَرَطَ لِلْقَضَاءِ ثَمَّةَ) أَيْ: فِي فَسْخِ الْبِكْرِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا هُنَا أَيْ: لَا فِي فَسْخِ الْمُعْتَقَةِ؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْبِكْرِ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ، وَتَوَهُّمِ تَرْكِ النَّظَرِ مِنْ الْوَلِيِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْفَسْخِ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَرِثُهُ الْآخَرُ، وَفَسْخُ الْمُعْتَقَةِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لِدَفْعِ زِيَادَةِ الْمِلْكِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا بِدَفْعِ أَصْلِ الْمِلْكِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَضَاءِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُبْطِلُ حَقًّا مُشْتَرَكًا لِدَفْعِ زِيَادَةِ حَقٍّ عَلَيْهَا، وَالزَّوْجُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ حَقٍّ عَلَيْهَا لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ مُشْتَرَكٍ فَلِهَذَا جَعَلْنَا الدَّفْعَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ قَصْدًا، وَإِبْطَالَ الْمِلْكِ ضِمْنًا، وَفِي حَقِّ الزَّوْجِ زِيَادَةُ الْمِلْكِ أَصْلًا، وَاسْتِيفَاءً ضِمْنًا
[السُّكْرُ]
. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا) أَيْ:، وَمِنْ الْعَوَارِضِ
стр. 799
وَكَانُوا يَقُولُونَ كَيْفَ صَلَاتُنَا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ عِلْمِنَا بِالتَّحْوِيلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ: صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَقِصَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ) «لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ الصَّحَابَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيَأْكُلُونَ مَالَ الْمَيْسِرِ أَيْ: بَعْدَ التَّحْرِيمِ قَبْلَ بُلُوغِ الْخِطَابِ إلَيْهِمْ؟ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] » (فَأَمَّا إذَا انْتَشَرَ التَّبْلِيغُ فِي دِيَارِنَا فَقَدْ تَمَّ التَّبْلِيغُ فَمَنْ جَهِلَ هُنَا يَكُونُ لِتَقْصِيرِهِ كَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمَاءَ فِي الْعُمْرَانَاتِ فَتَيَمَّمَ وَكَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا لَا يَصِحُّ، وَكَذَا الْجَهْلُ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ أَوْ مَأْذُونٌ) أَيْ: يَكُونُ عُذْرًا (حَتَّى إنْ تَصَرَّفَ لَا يَصِحُّ) أَيْ: مِنْ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ يَقَعُ عَنْ الْوَكِيلِ وَلَوْ بَاعَ مَالَ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ يَتَوَقَّفُ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ (وَكَذَا جَهْلُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، وَالْمَأْذُونِ بِالْحَجْرِ وَالْمَوْلَى بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَالشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ وَالْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ بِالْخِيَارِ وَالْبَكْرِ بِالنِّكَاحِ لَا بِالْخِيَارِ) أَيْ: جَهْلُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ وَجَهْلُ الْمَأْذُونِ بِالْحَجْرِ عُذْرٌ حَتَّى إنْ تَصَرَّفَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ وَالْحَجْرِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا
ــ
[التلويح]
الْمُكْتَسَبَةِ السُّكْرُ، وَهِيَ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ امْتِلَاءِ دِمَاغِهِ مِنْ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ إلَيْهِ، فَيَتَعَطَّلُ مَعَهُ عَقْلُهُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ، وَالْقَبِيحَةِ، وَالسُّكْرُ حَرَامٌ إجْمَاعًا إلَّا أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُفْضِيَ إلَيْهِ قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَسُكْرِ الْمُضْطَرِّ إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسُّكْرُ الْحَاصِلُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، وَالْأَغْذِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ، وَالْغِذَاءُ مَا يَنْفَعِلُ عَنْ الطَّبِيعَةِ فَتَنْصَرِفُ فِيهِ، وَتُحِيلُهُ إلَى مُشَابَهَةِ الْمُتَغَذِّي، فَيَصِيرُ جُزْءًا مِنْهُ، وَبَدَلًا عَمَّا يَتَحَلَّلُ، وَالدَّوَاءُ مَا يَكُونُ فِيهِ كَيْفِيَّةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الِاعْتِدَالِ بِهَا تَنْفَعِلُ الطَّبِيعَةُ عَنْهُ، وَتَعْجِزُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَحْظُورًا كَالسُّكْرِ الْحَاصِلِ مِنْ الْخَمْرِ الَّتِي يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا أَوْ مِنْ الْمُثَلَّثِ، وَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ ثُمَّ رُقِّقَ بِالْمَاءِ، وَتُرِكَ حَتَّى اشْتَدَّ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ لِاسْتِمْرَاءِ الطَّعَامِ، وَالتَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيَالِي، وَصِيَامِ الْأَيَّامِ، وَأَمَّا عَلَى قَصْدِ السُّكْرِ فَلَا حَتَّى لَوْ سَكِرَ مِنْهُ يُحَدُّ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا نَقِيعُ الزَّبِيبِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ الزَّبِيبُ لِيُخْرِجَ مِنْهُ حَلَاوَتَهُ فَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى اشْتَدَّ، وَغَلَا، وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ يَحِلُّ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ) صَرَّحَ بِذَلِكَ نَفْيًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ عَالِمًا بِفِعْلِ الْبَنْجِ، فَأَكَلَهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَعَتَاقُهُ.
(قَوْلُهُ: فَهَذَا خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِحَالَةِ السُّكْرِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قَيْدٌ لِلْخِطَابِ أَعْنِي: لَا تَقْرَبُوا حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ فِي حَالَةِ سُكْرِهِمْ بَلْ هُوَ قَيْدٌ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ الْمَنْعِ
стр. 800
وَكَذَا جَهْلُ الْمَوْلَى بِجِنَايَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي عُذْرٌ حَتَّى لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ لَا يَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ وَكَذَا جَهْلُ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ حَتَّى لَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ الدَّارَ الْمَشْفُوعَ بِهَا بَعْدَ مَا بِيعَتْ دَارٌ بِجَنْبِهَا لَكِنْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِبَيْعِهَا لَا يَكُونُ مُسَلِّمًا لِلشُّفْعَةِ، وَالْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ إذَا جَهِلَتْ أَنَّ الْمَوْلَى أَعْتَقَهَا فَسَكَتَتْ عَنْ فَسْخِ النِّكَاحِ فَجَهْلُهَا عُذْرٌ حَتَّى لَا يَبْطُلَ خِيَارُهَا، وَكَذَا إذَا عَلِمَتْ بِالْإِعْتَاقِ، وَلَكِنْ جَهِلَتْ أَنَّ لَهَا خِيَارَ الْعِتْقِ فَجَهْلُهَا عُذْرٌ حَتَّى لَا يَبْطُلَ خِيَارُهَا وَإِذَا بَلَغَتْ الْبِكْرُ الَّتِي زَوَّجَهَا غَيْرُ الْأَبِ، وَالْجَدِّ جَاهِلَةً بِالنِّكَاحِ فَسَكَتَتْ فَجَهْلُهَا عُذْرٌ فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهَا رِضًى أَمَّا إذَا عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ وَجَهِلَتْ بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ لَا يَكُونُ جَهْلُهَا عُذْرًا حَتَّى يَبْطُلَ خِيَارُهَا إذْ جَهْلُهَا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَيْسَ بِعُذْرٍ (لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَشْهُورٌ فِي حَقِّهَا) ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَاجِبٌ عَلَيْهَا فَدَلَائِلُ الشَّرْعِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَشْهُورَةً فِي حَقِّهَا فَبِالْجَهْلِ لَا تُعْذَرُ (وَفِي حَقِّ الْأَمَةِ مَخْفِيٌّ) ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ الْمَوْلَى تُشْغِلُهَا عَنْ التَّعَلُّمِ فَالدَّلِيلُ مَخْفِيٌّ فِي حَقِّهَا فَتُعْذَرُ بِالْجَهْلِ (وَلِأَنَّ الْبِكْرَ تُرِيدُ إلْزَامَ الْفَسْخِ وَالْأَمَةَ تُرِيدُ دَفْعَ زِيَادَةِ الْمِلْكِ) ، هَذَا فَرْقٌ آخَرُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْأَمَةِ فِي أَنَّ الْأَمَةَ تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لَا الْبِكْرَ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْبِكْرَ تُرِيدُ إلْزَامَ الْفَسْخِ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمُعْتَقَةَ
ــ
[التلويح]
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالَ فِي مِثْلِ، صَلِّ، وَأَنْتَ صَالِحٌ أَوْ لَا تُصَلِّ، وَأَنْتَ سَكْرَانُ لَيْسَ قَيْدًا لِلْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ بَلْ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمَعْنَى أَطْلُبُ مِنْكَ صَلَاةً مَقْرُونَةً بِالصَّحْوِ، وَكُفَّ النَّفْسَ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَقْرُونَةِ بِالسُّكْرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْحَالِ هُوَ فِعْلُ الْمَذْكُورِ لَا فِعْلُ الطَّلَبِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] فِيمَنْ جَعَلَهُ حَالًا مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَوْفُوا﴾ [المائدة: ١] يَكُونُ قَيْدًا لِلْإِيفَاءِ لَا لِطَلَبِهِ حَتَّى يَلْزَمَ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِيفَاءِ عِنْدَ كَوْنِهِمْ مُحِلِّينَ لِلصَّيْدِ أَيْ: مُعْتَرِضِينَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ خُوطِبُوا فِي حَالَةِ الصَّحْوِ بِأَنْ لَا يَقْرَبُوا الصَّلَاةَ حَالَةَ السُّكْرِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُمْ مُخَاطَبِينَ أَيْ: مُكَلَّفِينَ بِذَلِكَ حَالَ السُّكْرِ فَلَا يَكُونُ السُّكْرُ مُنَافِيًا لِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ، وَوُجُوبِ الِانْتِهَاءِ فَالسُّكْرُ مِنْ الشَّرَابِ الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمُثَلَّثِ لَا يُبْطِلُ أَهْلِيَّةَ الْخِطَابِ أَصْلًا لِتَحَقُّقِ الْعَقْلِ، وَالْبُلُوغِ إلَّا أَنَّهُ يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَ الْعَقْلِ بِوَاسِطَةِ غَلَبَةِ السُّرُورِ، فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ التَّكَالِيفِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْأَدَاءُ، وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ فِي الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْبَيْعِ، وَالْإِقْرَارِ وَتَزْوِيجِ الصِّغَارِ، وَالتَّزَوُّجِ، وَالْإِقْرَاضِ، وَالِاسْتِقْرَاضِ، وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ سَوَاءٌ شَرِبَ مُكْرَهًا أَوْ طَائِعًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْخِطَابِ عَلَى اعْتِدَالِ الْحَالِ، وَقَدْ أُقِيمَ الْبُلُوغُ عَنْ الْعَقْلِ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا، وَبِالسُّكْرِ لَا يَفُوتُ إلَّا قُدْرَةُ فَهْمِ الْخِطَابِ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْصِيَةٌ فَيُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ زَجْرًا لَهُ، وَيَبْقَى التَّكْلِيفُ مُتَوَجِّهًا فِي حَقِّ الْإِثْمِ، وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَالنَّوْمِ فَإِنَّهُ يَصْلُحُ عُذْرًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَسْلَمَ) أَيْ:
стр. 801
تُرِيدُ بِالْفَسْخِ دَفْعَ زِيَادَةِ الْمِلْكِ فَإِنَّ طَلَاقَ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَطَلَاقَ الْحُرَّةِ ثَلَاثَةٌ، وَالْجَهْلُ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلْإِلْزَامِ، وَهَذَا الْفَرْقُ أَحْسَنُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَمْ تُكَلَّفْ بِالشَّرَائِعِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إلَّا أَحْذَقُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْقَضَاءُ ثَمَّةَ لَا هُنَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ إلْزَامٌ ضَرُورَةً وَبِخِيَارِ الْعِتْقِ دَفْعُ ضَرَرٍ.
(وَمِنْهَا السُّكْرُ هُوَ وَإِمَّا بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ كَسُكْرِ الْمُضْطَرِّ، وَالسُّكْرُ بِدَوَاءٍ، كَالْبَنْجِ، وَالْأَفْيُونِ) وَبِمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ أَوْ الْعَسَلِ وَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ (يَمْنَعُ صِحَّةَ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ حَتَّى الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَأَمَّا بِطَرِيقٍ مَحْظُورٍ كَالسُّكْرِ مِنْ شَرَابٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مُثَلَّثٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ) أَيْ: الْمُثَلَّثُ (بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسْكِرَ فَالسُّكْرُ بِهِ يَصِيرُ كَالسُّكْرِ بِالْمُحَرَّمِ فَيُحَدُّ بِهِ) أَيْ: بِالسُّكْرِ مِنْ الْمُثَلَّثِ (وَهُوَ) أَيْ: الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ السُّكْرِ، وَهُوَ السُّكْرُ بِشَرَابٍ مُحَرَّمٍ أَوْ بِالْمُثَلَّثِ (لَا يُنَافِي الْخِطَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فَهَذَا خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِحَالِ السُّكْرِ فَهُوَ لَا يُبْطِلُ الْأَهْلِيَّةَ أَصْلًا، فَيَلْزَمُهُ كُلُّ الْأَحْكَامِ، وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِهِ الْقَصْدُ حَتَّى إنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا يَرْتَدُّ اسْتِحْسَانًا لِعَدَمِ رُكْنِهِ وَهُوَ الْقَصْدُ كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُك فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَكْسُهُ لَا يَرْتَدُّ وَإِذَا أَسْلَمَ يَصِحُّ كَالْمُكْرَهِ وَإِذَا أَقَرَّ بِمَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ كَالزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا يُحَدُّ حَتَّى يَصْحُوَ فَيُقِرَّ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ دَلِيلُ الرُّجُوعِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَالْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ
ــ
[التلويح]
السَّكْرَانُ إنْ أَسْلَمَ يَصِحُّ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِيمَانِ، وَكَوْنِ الْأَصْلِ هُوَ الِاعْتِقَادُ فَلَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا يَرْتَدُّ؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْقَصْدِ إلَى تَبَدُّلِهِ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرًا وَهُوَ التَّكَلُّمُ فِي حَالَةٍ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ، وَهِيَ حَالَةُ الصَّحْوِ، وَهَذَا كَالْمُكْرَهِ يَصِحُّ إسْلَامُهُ، وَلَا يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ السُّكْرَ دَلِيلُهُ الرُّجُوعُ) إذْ السَّكْرَانُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى أَمْرٍ فَيُقَامُ مَقَامَ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ كَالْقِصَاصِ، وَالْقَذْفِ أَوْ بَاشَرَ سَبَبَ الْحَدِّ بِأَنْ زَنَى أَوْ قَذَفَ فِي حَالَةِ السُّكْرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ أَمَّا فِي الْإِقْرَارِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ فَلِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِصَرِيحِ الرُّجُوعِ فَكَيْفَ بِدَلِيلِهِ، وَأَمَّا فِي الْمُبَاشَرَةِ فَلِأَنَّهُ مُعَايِنٌ، فَلَا أَثَرَ لِدَلِيلِ الرُّجُوعِ لَكِنْ يُتَوَقَّفُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ إلَى الصَّحْوِ لِيَحْصُلَ الِانْزِجَارُ فَإِنْ قُلْت: السُّكْرُ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ فَإِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ سَكْرَانُ فَمَا مَعْنَى إقْرَارِهِ بِالشُّرْبِ، ثُمَّ تَوَقُّفِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى إقْرَارِهِ فِي الصَّحْوِ قُلْت: السُّكْرُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ الشَّرَابِ الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمُثَلَّثِ وَالسُّكْرُ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ بِالشُّرْبِ كُرْهًا أَوْ اضْطِرَارًا، فَيَتَوَقَّفُ الْحَدُّ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ شَرِبَ الشَّرَابَ الْمُحَرَّمَ أَوْ الْمُثَلَّثَ طَوْعًا فَيُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ حَالَ الصَّحْوِ.
(قَوْلُهُ: وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) يَعْنِي: اعْتَبَرَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْحَدِّ السُّكْرَ بِمَعْنَى زَوَالِ الْعَقْلِ بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ إذْ لَوْ مَيَّزَ فَفِي السُّكْرِ نُقْصَانٌ، وَفِي النُّقْصَانِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ
стр. 802
وَغَيْرِهِمَا أَوْ بَاشَرَ سَبَبَ الْحَدِّ يَلْزَمُهُ لَكِنْ إنَّمَا يُحَدُّ إذَا صَحَا وَحَدُّهُ اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ أَيْ: حَدُّ السُّكْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَالَةُ الْمُمَيِّزَةُ بَيْنَ السُّكْرِ، وَالصَّحْوِ (وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ لِوُجُوبِ الْحَدِّ فَقَطْ) .
(وَمِنْهَا الْهَزْلُ وَهُوَ أَنْ لَا يُرَادَ بِاللَّفْظِ مَعْنَاهُ لَا الْحَقِيقِيُّ وَلَا الْمَجَازِيُّ، وَهُوَ ضِدُّ الْجِدِّ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَشَرْطُهُ أَنْ يُشْتَرَطَ بِاللِّسَانِ لَا يُعْتَبَرُ دَلَالَتُهُ) أَيْ: دَلَالَةُ الْهَزْلِ أَيْ: شَرْطُ الْهَزْلِ أَنْ تَجْرِيَ الْمُوَاضَعَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ بِأَنْ يُقَالَ: نَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِلَفْظِ الْعَقْدِ هَازِلًا (وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) أَيْ: كَوْنُ الشَّرْطِ وَهُوَ الْمُوَاضَعَةُ (فِي نَفْسِ الْعَقْدِ) بَلْ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ الْمُوَاضَعَةُ سَابِقَةً عَلَى الْعَقْدِ (وَهُوَ) أَيْ: الْهَزْلُ (لَا يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ أَصْلًا وَلَا اخْتِيَارَ الْمُبَاشَرَةِ وَالرِّضَى بِهَا بَلْ اخْتِيَارَ الْحُكْمِ، وَالرِّضَى بِهِ فَوَجَبَ النَّظَرُ بِالتَّصَرُّفَاتِ كَيْفَ تَنْقَسِمُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الِاخْتِيَارِ، وَالرِّضَى (وَهِيَ إمَّا مِنْ الْإِنْشَاءَاتِ أَوْ الْإِخْبَارَاتِ أَوْ الِاعْتِقَادَاتِ: أَمَّا الْإِنْشَاءَاتُ فَإِمَّا أَنْ تَحْتَمِلَ النَّقْضَ أَوْ لَا، فَمَا يَحْتَمِلُهُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِمَّا أَنْ يَتَوَاضَعَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ) أَيْ: تَجْرِيَ الْمُوَاضَعَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ بِأَنَّا نَتَكَلَّمُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عِنْدَ النَّاسِ وَلَا نُرِيدُ الْبَيْعَ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ) أَيْ: فَالْأَبْعَدُ الْبَيْعُ إنَّا قَدْ أَعْرَضْنَا وَقْتَ الْبَيْعِ عَنْ الْهَزْلِ وَبِعْنَا بِطَرِيقِ الْجِدِّ (صَحَّ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الْهَزْلُ لِإِعْرَاضِهِمَا وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ صَارَ كَخِيَارِ الشَّرْطِ لَهُمَا مُؤَبَّدًا) أَيْ: لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ
ــ
[التلويح]
فَيَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ مِنْ الْأَحْكَامِ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ أَيْضًا اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ حَتَّى لَا يَرْتَدَّ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ
[الْهَزْلُ]
. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْهَزْلُ) فَسَّرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِاللَّعِبِ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَفْظٌ فَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ ظَاهِرِهِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَجَازَ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَضْعِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى، وَمِنْ وَضْعِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَحْكَامِهَا، وَأَرَادَ بِوَضْعِ اللَّفْظِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ كَوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِمَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ النَّوْعِيِّ كَوَضْعِهَا لِمَعَانِيهَا الْمَجَازِيَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا يُقَالُ: إنَّ الْوَضْعَ أَعَمُّ مِنْ الْعَقْلِيِّ، وَالشَّرْعِيِّ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ لِمَعَانِيهَا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا وَأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لِأَحْكَامِهَا وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْضَحَ الْمَقْصُودَ فَفَسَّرَ الْهَزْلَ بِعَدَمِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ بِاللَّفْظِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفَاتُ الشَّرْعِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا صِيَغٌ، وَأَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ لِأَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَيَلْزَمُ مَعَانِيهَا بِحَسَبِ الشَّرْعِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) يَعْنِي: لَا يَجِبُ أَنْ تَجْرِيَ الْمُوَاضَعَةُ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ لُزُومَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لِدَفْعِ الْغَبْنِ، وَمَنْعِ الْحُكْمِ عَنْ الثُّبُوتِ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْعَقْدِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا اخْتِيَارَ الْمُبَاشَرَةِ
стр. 803
(لِوُجُودِ الرِّضَى بِالْمُبَاشَرَةِ لَا بِالْحُكْمِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ إذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ فَالرِّضَى بِالْمُبَاشَرَةِ حَاصِلٌ لَا بِالْحُكْمِ وَهُوَ الْمِلْكُ (فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ) كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (لَكِنْ لَا يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ فِيهِ لِعَدَمِ الرِّضَى بِالْحُكْمِ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فَإِنَّ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (فَإِنْ نَقَضَهُ أَحَدُهُمَا انْتَقَضَ، وَإِنْ أَجَازَاهُ فِي الثَّلَاثِ جَازَ) أَيْ: إنْ أَجَازَاهُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَيْ: يَنْقَلِبُ جَائِزَ الِارْتِفَاعِ الْمُفْسَدُ، كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (إلَّا إنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِمَا (وَعِنْدَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّلَاثِ) أَيْ: عِنْدَهُمَا لَا تَنْتَهِي الْإِجَازَةُ بِالثَّلَاثَةِ فَكُلَّمَا أَجَازَاهُ جَازَ الْبَيْعُ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ لَا يَحْضُرَهُمَا شَيْءٌ) أَيْ: لَمْ يَقَعْ فِي خَاطِرَيْهِمَا وَقْتَ الْعَقْدِ أَنَّهُمَا بَنَيَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوْ أَعْرَضَا (أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ يَصِحُّ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَمَلًا بِالْعَقْدِ وَهُوَ
ــ
[التلويح]
وَالرِّضَى بِهَا) يَعْنِي: أَنَّ الْهَازِلَ يَتَكَلَّمُ بِصِيغَةِ الْعَقْدِ مَثَلًا بِاخْتِيَارِهِ، وَرِضَاهُ لَكِنَّهُ لَا يَخْتَارُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ، وَلَا يَرْضَاهُ الِاخْتِيَارُ هُوَ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ، وَإِرَادَتُهُ، وَالرِّضَى هُوَ إيثَارُهُ، وَاسْتِحْسَانُهُ فَالْمُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ مَثَلًا يَخْتَارُ ذَلِكَ، وَلَا يَرْضَاهُ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالُوا: إنَّ الْمَعَاصِيَ، وَالْقَبَائِحَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَرْضَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] .
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ: التَّصَرُّفَاتُ إمَّا إنْشَاءَاتٌ أَوْ إخْبَارَاتٌ أَوْ اعْتِقَادَاتٌ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ إنْ كَانَ إحْدَاثَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْشَاءٌ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهَا إلَى بَيَانِ الْوَاقِعِ فَإِخْبَارَاتٌ، وَإِلَّا فَاعْتِقَادَاتٌ، وَالْإِنْشَاءُ إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ الْفَسْخَ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَتَوَاضَعَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى أَصْلِ الْعَقْدِ أَوْ الثَّمَنِ بِحَسَبِ قَدْرِهِ أَوْ جِنْسِهِ، وَعَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الْهَزْلِ، وَالْمُوَاضَعَةِ أَوْ عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَحْضُرَهُمَا شَيْءٌ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا الْإِعْرَاضَ، وَالْآخَرُ الْبِنَاءَ أَوْ عَدَمَ حُضُورِ شَيْءٍ أَوْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا الْبِنَاءَ، وَالْآخَرُ عَدَمَ حُضُورِ شَيْءٍ، وَأَحْكَامُ الْأَقْسَامِ بَعْضُهَا مَشْرُوحٌ فِي الْكِتَابِ، وَبَعْضُهَا مَتْرُوكٌ لِانْسِيَاقِ الذِّهْنِ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الرِّضَى بِالْحُكْمِ) لَوْ قَالَ لِعَدَمِ اخْتِيَارِ الْحُكْمِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْمَانِعُ عَنْ الْمِلْكِ لَا عَدَمُ الرِّضَا كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الرِّضَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَقَضَهُ) أَيْ: الْعَقْدَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَحَدُهُمَا أَيْ: أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ انْتَقَضَ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ وِلَايَةَ النَّقْضِ لَكِنَّ الصِّحَّةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِجَازَةُ أَحَدِهِمَا لَا تُبْطِلُ خِيَارَ الْآخَرِ، وَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُدَّةَ الْخِيَارِ بِثَلَاثَةِ
стр. 804
أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ) أَيْ: بِالْعَقْدِ (لَا عِنْدَهُمَا) أَيْ: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا (فَاعْتَبَرَ الْعَادَةَ) تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ مَا أَمْكَنَ (عَلَى أَنَّ الْمُوَاضَعَةَ أَسْبَقُ، قُلْنَا: الْأَخِيرُ نَاسِخٌ) أَيْ: الْأَخِيرُ وَهُوَ الْعَقْدُ نَاسِخٌ لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَمْضِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَ بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ قِسْمَانِ لَمْ يُذْكَرَا وَهُمَا: إذَا أَعْرَضَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ، أَوْ بَنَى أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ فَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْإِعْرَاضِ وَعَلَى أَصْلِهِمَا كَالْبِنَاءِ (وَإِمَّا أَنْ يَتَوَاضَعَا عَلَى الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ فَهُمَا يَعْمَلَانِ بِالْمُوَاضَعَةِ إلَّا فِي صُورَةِ إعْرَاضِهِمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْمَلُ بِظَاهِرِ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبِنَاءِ هُنَا، وَثَمَّةَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ هُنَا
ــ
[التلويح]
أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِالْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ حَتَّى يَتَقَرَّرَ الْفَسَادُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ الِاخْتِيَارُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ النَّقْضُ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الثَّلَاثِ دُونَ الثَّلَاثَةِ اعْتِبَارًا بِاللَّيَالِيِ.
(قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالْعَقْدِ) يَعْنِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ اللُّزُومُ، وَالصِّحَّةُ حَتَّى يَقُومَ الْمُعَارِضُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمِلْكِ، وَالْجِدُّ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ فَاعْتِبَارُ الْعَقْدِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَعْنِي: صُورَةَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنْ يَبْنِيَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ كَيْ لَا يَكُونَ الِاشْتِغَالُ بِهَا عَيْنًا فَإِنَّهُمَا إنَّمَا تَوَاضَعَا لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ صَوْنًا لِلْمَالِ عَنْ يَدِ الْمُتَغَلِّبِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ الصِّحَّةُ، وَاللُّزُومُ، وَالْمُعَارِضُ بِأَنَّ الْمُوَاضَعَةَ سَابِقَةٌ، وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَقْدَ مُتَأَخِّرٌ، وَالْمُتَأَخِّرُ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُغَيِّرُهُ كَمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ، وَهَاهُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُغَيِّرُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَدَّعِي عَدَمَ الْمُضِيِّ فَالْعَقْدُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَصْلَهُ الْجِدُّ، وَاللُّزُومُ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ مُعَارِضٍ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْإِعْرَاضِ) عَمَلًا بِالْعَقْدِ، فَيَصِحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْبِنَاءِ تَرْجِيحًا لِلْمُوَاضَعَةِ بِالْعَادَةِ، وَالسَّبْقِ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ صُورَةِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْرَاضِ وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ، وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ انْحِصَارَ الْأَقْسَامِ فِي السِّتَّةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ الِاتِّفَاقِ، وَالِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ، وَالذُّهُولِ أَيْ: عَدَمِ الْحُضُورِ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِهِمَا فِي ادِّعَاءِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْأَقْسَامُ ثَمَانِيَةٌ، وَسَبْعُونَ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا أَوْ يَخْتَلِفَا فَإِنْ اتَّفَقَا فَالِاتِّفَاقُ إمَّا عَلَى إعْرَاضِهِمَا، وَإِمَّا عَلَى بِنَائِهِمَا، وَإِمَّا عَلَى ذُهُولِهِمَا، وَإِمَّا عَلَى بِنَاءِ أَحَدِهِمَا، وَإِعْرَاضِ الْآخَرِ
стр. 805
يَجْعَلُ قَبُولَ أَحَدِهِمَا الْأَلْفَيْنِ شَرْطًا لِوُقُوعِ الْبَيْعِ بِالْآخَرِ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَقَدْ جَدَّا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ مِنْ الْوَصْفِ) .
أَيْ: أَصْلُ الْعَقْدِ أَوْلَى بِالتَّرْجِيحِ مِنْ الْوَصْفِ فَإِنَّ اعْتِبَارَ أَصْلِ الْعَقْدِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ جَدَّا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا الْهَزْلُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ فَإِنْ اُعْتُبِرَ الْمُوَاضَعَةُ وَالْهَزْلُ فِي الْوَصْفِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَقْدُ بِالْأَلْفِ يَلْزَمُ فَسَادُ الْعَقْدِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْمَتْنِ (وَأَمَّا أَنْ يَتَوَاضَعَا عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ جِنْسٌ آخَرُ فَالْعَمَلُ بِالْعَقْدِ اتِّفَاقًا وَالْفَرْقُ لَهُمَا بَيْنَ هَذَا وَالْمُوَاضَعَةِ فِي الْقَدْرِ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ مُمْكِنٌ ثَمَّةَ لَا هُنَا، وَالْهَزْلُ بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ ثَمَّةَ شَرْطٌ لَا طَالِبَ لَهُ فَلَا يَفْسُدُ) وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا عَمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ يَجْعَلُ قَبُولَ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ شَرْطًا لِوُقُوعِ الْبَيْعِ بِالْآخَرِ، وَإِنَّمَا قَالَ إنَّهُ لَا طَالِبَ لَهُ لِاتِّفَاقِ
ــ
[التلويح]
أَوْ ذُهُولِهِ، وَإِمَّا عَلَى إعْرَاضِ أَحَدِهِمَا، وَذُهُولِ الْآخَرِ فَصُوَرُ الِاتِّفَاقِ سِتٌّ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَدَعْوَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَكُونُ إمَّا إعْرَاضُهُمَا، وَإِمَّا بِنَاؤُهُمَا، وَإِمَّا ذُهُولُهُمَا، وَإِمَّا بِنَاؤُهُ مَعَ إعْرَاضِ الْآخَرِ أَوْ ذُهُولُهُ، وَإِمَّا إعْرَاضُهُ مَعَ بِنَاءِ الْآخَرِ أَوْ ذُهُولِهِ، وَإِمَّا ذُهُولُهُ مَعَ بِنَاءِ الْآخَرِ أَوْ إعْرَاضُهُ يَصِيرُ تِسْعَةً، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ التَّقَادِيرِ التِّسْعَةِ يَكُونُ اخْتِلَافُ الْخَصْمِ بِأَنْ يَدَّعِيَ إحْدَى الصُّوَرِ الثَّمَانِيَةِ الْبَاقِيَةِ فَتَصِيرَ أَقْسَامُ الِاخْتِلَافِ اثْنَيْنِ، وَسَبْعِينَ حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ التِّسْعَةِ فِي الثَّمَانِيَةِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ تَمَسُّكَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ الصِّحَّةُ، وَتَمَسُّكَهُمَا بِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَحْقِيقِ الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي دَعْوَى الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ مَثَلًا، وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ بِأَنْ يُقِرَّ كِلَاهُمَا بِإِعْرَاضِ أَحَدِهِمَا، وَبِنَاءِ الْآخَرِ فَلَا قَائِلَ بِالصِّحَّةِ، وَاللُّزُومِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبِنَاءِ هُنَا، وَثَمَّةَ) يَعْنِي: إذَا وَقَعَتْ الْمُوَاضَعَةُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَبَنَيَا عَلَيْهَا، فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَعْتَبِرُ الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ، وَيَحْكُمُ بِلُزُومِ الْأَلْفَيْنِ لَا الْأَلْفِ الْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ يَعْتَبِرُ الْبِنَاءَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَيَحْكُمُ بِفَسَادِ الْعَقْدِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِنَاءِ هُنَا أَيْ: فِي صُورَةِ الْمُوَاضَعَةِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَالْبِنَاءُ ثَمَّةَ أَيْ: فِي صُورَةِ الْمُوَاضَعَةِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُوَاضَعَةَ السَّابِقَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهَا، وَيُدَافِعُهَا، وَهَاهُنَا قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ اُعْتُبِرَتْ يَلْزَمُ فَسَادُ الْعَقْدِ لِتَوَقُّفِ انْعِقَادِهِ عَلَى شَرْطٍ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ قَبُولُ الْعَقْدِ فِيمَا لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ كَأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ، وَالْمُوَاضَعَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفًا، وَلَوْ قُلْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ يَلْزَمُ تَرْجِيحُ الْوَصْفِ عَلَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَدْ جَدَّا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، فَيَلْزَمُ صِحَّتُهُ، وَإِنَّمَا هَزَلَا فِي الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ، وَصْفٌ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً لَا مَقْصُودًا فَلَوْ
стр. 806
الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفٌ لَا أَلْفَانِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّرْطِ طَالِبٌ لَا يَفْسُدُ كَمَا إذَا اشْتَرَى حِمَارًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُ حَمْلًا خَفِيفًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِعَدَمِ الطَّالِبِ لَكِنَّ الْجَوَابَ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّرْطَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَقَعَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الطَّالِبُ لَكِنْ لَا يُطَالَبُ هُنَا لِلْمُوَاضَعَةِ وَعَدَمُ الطَّلَبِ بِوَاسِطَةِ الرِّضَا لَا يُفِيدُ الصِّحَّةَ كَالرِّضَى بِالرِّبَا ثُمَّ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقْضَ قَوْلُهُ: (وَإِمَّا أَنْ لَا يَحْتَمِلَ النَّقْضَ فَمِنْهُ مَا لَا مَالَ فِيهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْيَمِينِ، وَالنَّذْرِ وَكُلُّهُ صَحِيحٌ، وَالْهَزْلُ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ
ــ
[التلويح]
اعْتَبَرْنَاهُ، وَحَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ لَزِمَ إهْدَارُ الْأَصْلِ لِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَلُزُومِ الْأَلْفَيْنِ اعْتِبَارًا لِلتَّسْمِيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمُوَاضَعَةِ فِي الثَّمَنِ، وَتَصْحِيحَ أَصْلِ الْعَقْدِ مُتَنَافِيَانِ، وَقَدْ ثَبَتَ الثَّانِي تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ، فَيَنْتَفِي الْأَوَّلُ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ: إنَّهُمَا قَصَدَا بِذِكْرِ الْأَلْفِ الْآخَرِ السُّمْعَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْتَاجَ إلَى اعْتِبَارِهِ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ فَكَانَ ذِكْرُهُ، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ سَوَاءً كَمَا فِي النِّكَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ لَهُمَا) يَعْنِي: إذَا وَقَعَتْ الْمُوَاضَعَةُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ بِأَنْ بَاعَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَدْ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَاللَّازِمُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَسَوَاءٌ بَنَيَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوْ عَرَضَا أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ، وَتَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ بِمَا سَمَّيَا مِنْ الْبَدَلِ ضَرُورَةَ افْتِقَارِهِ إلَى تَسْمِيَةِ الْبَدَلِ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ احْتَجَّا إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوَاضَعَةِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، وَالْمُوَاضَعَةِ فِي قَدْرِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ مَعَ صِحَّةِ الْبَيْعِ مُمْكِنٌ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُمْكِنٌ فِي صُورَةِ الْبِنَاءِ لَا يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الْبَدَلِ فَإِذَا اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاضَعَةُ كَانَ الْبَدَلُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْعَقْدِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ يَكُونُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَهِيَ غَيْرُ الْبَدَلِ بِخِلَافِ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْقَدْرِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ مَعَ اعْتِبَارِهَا بِأَنْ يَنْعَقِدَ بِالْأَلْفِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَلْفَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقْضَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقْضَ، وَفِي الْكَلَامِ خَلَلٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَمَّا الْإِنْشَاءَاتُ فَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقْضَ أَوْ لَا فَذَكَرَ الْمَعْطُوفَ، وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ فَمَا يَحْتَمِلُهُ كَالْبَيْعِ فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ هَا هُنَا، وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ أَيْ: النَّقْضُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْفَسْخُ، وَالْإِقَالَةُ فَثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَالٌ بِأَنْ يَثْبُتَ بِدُونِ شَرْطٍ، وَذِكْرٍ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ تَبَعًا أَوْ مَقْصُودًا.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّهُ صَحِيحٌ) اسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْكُلِّ، وَبُطْلَانِ الْهَزْلِ بِالْحَدِيثِ، وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْحَدِيثُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ صِحَّةِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَطْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ صِحَّتِهَا
стр. 807
- ﵊ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» وَلِأَنَّ الْهَازِلَ رَاضٍ بِالسَّبَبِ لَا الْحُكْمِ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَحْتَمِلُ التَّرَاخِي وَالرَّدَّ حَتَّى لَا يَحْتَمِلَ خِيَارَ الشَّرْطِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ تَبَعًا كَالنِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ الْهَزْلُ فِي الْأَصْلِ فَالْعَقْدُ لَازِمٌ أَوْ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَالْمَهْرُ أَلْفَانِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ، فَأَلْفٌ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ) لَكِنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ (وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَهْرُ أَلْفٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودٌ بِالْإِيجَابِ فَتَرَجَّحَ بِهِ) أَيْ: بِالثَّمَنِ، فَيَتَرَجَّحُ الثَّمَنُ بِالْإِيجَابِ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَلْفَانِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَفِي جِنْسِ الْبَدَلِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَالْمُسَمَّى، وَعَلَى الْبِنَاءِ فَمَهْرُ الْمِثْلِ إجْمَاعًا وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا
ــ
[التلويح]
عِبَارَةً، وَصِحَّةُ غَيْرِهَا دَلَالَةً، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَيُفِيدُ صِحَّةَ الْكُلِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ السَّبَبِ، وَعِنْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ يُوجِدُ حُكْمُهُ ضَرُورَةَ عَدَمِ التَّرَاخِي، وَالرَّدُّ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَاعْتُرِضَ بِالطَّلَاقِ الْمُضَافِ مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَابِ الْعِلَلُ، وَالطَّلَاقُ الْمُضَافُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ بَلْ سَبَبٌ مُفْضٍ، وَإِلَّا لَاسْتَنَدَ إلَى وَقْتِ الْإِيجَابِ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي قَدْرِ الْبَدَلِ) يَعْنِي: إذَا وَقَعَتْ الْمُوَاضَعَةُ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ بِأَنْ يُذْكَرَ فِي الْعَقْدِ أَلْفَانٍ، وَيَكُونُ الْمَهْرُ أَلْفًا فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ فَاللَّازِمُ هُوَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَعْنِي: الْأَلْفَيْنِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَاللَّازِمُ أَلْفٌ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ حَيْثُ يَعْتَبِرُ فِي النِّكَاحِ الْمُوَاضَعَةَ دُونَ التَّسْمِيَةِ، وَفِي الْبَيْعِ بِالْعَكْسِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَدَلَ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ وَصْفًا، وَتَبَعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَيْعِ إلَّا أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِإِيجَابٍ لِكَوْنِهِ أَحَدَ رُكْنَيْ الْبَيْعِ، وَلِهَذَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِفَسَادِهِ أَوْ جَهَالَتِهِ، وَبِدُونِ ذِكْرِهِ، فَيَتَرَجَّحُ الْبَيْعُ بِالثَّمَنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ لِتَصْحِيحِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْبَدَلِ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْمَحَلِّ لَا مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ ثُبُوتُ الْحِلِّ فِي الْجَانِبَيْنِ لِلتَّوَالُدِ، وَالتَّنَاسُلِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى الْبِنَاءِ) يَعْنِي: أَنَّ وَقْتَ الْمُوَاضَعَةِ فِي جِنْسِ الْبَدَلِ بِأَنْ يَذْكُرَا فِي الْعَقْدِ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فَاللَّازِمُ مَهْرُ الْمِثْلِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّزَوُّجِ بِدُونِ الْمَهْرِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى ثُبُوتِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَثْبُتُ بِالْهَزْلِ، وَلَا إلَى ثُبُوتِ الْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْقَدْرِ فَإِنَّ الْمُتَوَاضَعَ عَلَيْهِ قَدْ يُسَمَّى فِي الْعَقْدِ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَبِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً إلَى اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ
стр. 808
أَوْ اخْتَلَفَا فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَهْرُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بُطْلَانُ الْمُسَمَّى عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَعَدَمِ الْحُضُورِ فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَكَذَا فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي جِنْسٍ فِي الْمَهْرِ لَكِنَّ الْمُوَاضَعَةَ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ مَا تَوَاضَعَا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَلْفُ دَاخِلٌ فِي الْمُسَمَّى وَهُوَ الْأَلْفَانِ أَمَّا فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي الْجِنْسِ فَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَمَّا بَطَلَ الْمُسَمَّى وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الْمُسَمَّى وَعِنْدَهُمَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا كَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ عَمْدٍ سَوَاءٌ هَزَلَا فِي الْأَصْلِ أَوْ الْقَدْرِ أَوْ الْجِنْسِ فَفِي الْإِعْرَاضِ يَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَالْمَالُ
ــ
[التلويح]
لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ، وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ فَاللَّازِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى عَمَلًا بِالْهَزْلِ لِئَلَّا يَصِيرَ الْمَهْرُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَلَمَّا بَطَلَ الْمُسَمَّى لَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ الْمُسَمَّى قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَعِنْدَهُمَا اللَّازِمُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا مِنْ تَرْجِيحِ الْمُوَاضَعَةِ بِالسَّبْقِ وَالْعَادَةِ فَلَا يَثْبُتُ الْمُسَمَّى لِرُجْحَانِ الْمُوَاضَعَةِ، وَعَدَمِ ثُبُوتِ الْمَالِ بِالْهَزْلِ، وَلَا الْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ، فَيَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ: مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ مَا يَكُونُ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا حَتَّى لَا يَثْبُتَ بِدُونِ الذِّكْرِ كَمَا إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَالَ أَلْفٌ أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَالَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَكَذَا فِي الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ فَفِي صُورَةِ الْإِعْتَاقِ عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ عَلَى أَنَّ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِعْرَاضِ، وَالْبِنَاءِ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَجِبُ الْمَالُ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِتَرْجِيحِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْمَرْأَةِ شَرْطٌ لِلْيَمِينِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْخِيَارَ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّكِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ: قَبِلْت فَعِنْدَهُمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَلْزَمُ الْمَالُ، وَعِنْدَهُ إنْ رَدَّتْ الطَّلَاقَ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ بَطَلَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ أَجَازَتْ أَوْ لَمْ تَرُدَّ حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ، وَالْأَلْفُ لَازِمٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ فَمَسْأَلَةُ الْهَزْلِ فِي الْخُلْعِ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَلَى مَذْهَبِهِمَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ فَعِنْدَهُمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَيَلْزَمُ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرُ لِلْهَزْلِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت
стр. 809
وَكَذَا فِي الِاخْتِلَافِ وَعَدَمِ الْحُضُورِ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِتَرْجِيحِ الْإِيجَابِ) أَيْ: تَرْجِيحِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْخِيَارِ) فَإِنَّهُ إذَا شُرِطَ فِي الْخُلْعِ الْخِيَارُ لَهَا فَعِنْدَهُمَا الطَّلَاقُ وَاقِعٌ، وَالْمَالُ وَاجِبٌ وَالْخِيَارُ بَاطِلٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ (وَكَذَا فِي الْبِنَاءِ عِنْدَهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ يَلْزَمُ تَبَعًا) اعْلَمْ أَنَّ الْمَالَ فِي الْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ عَمْدٍ يَجِبُ عِنْدَهُمَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَالْمَقْصُودُ هُوَ الطَّلَاقُ، وَالْعِتْقُ وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ وَالْهَزْلُ لَا يُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، فَيَثْبُتُ ثُمَّ يَجِبُ الْمَالُ ضِمْنًا لَا قَصْدًا فَلَا يُؤَثِّرُ الْهَزْلُ فِي وُجُوبِ
ــ
[التلويح]
الْهَزْلُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي التَّصَرُّفِ كَالطَّلَاقِ، وَنَحْوِهِ إلَّا أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي الْمَالِ حَتَّى لَمْ يَثْبُتْ بِالْهَزْلِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَالَ هَاهُنَا يَجِبُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فِي ضِمْنِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِيهِ، وَالشُّرُوطُ اتِّبَاعٌ، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا، وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، وَالتَّبَعِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تُنَافِي كَوْنَهُ مَقْصُودًا بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالذِّكْرِ، فَإِنْ قُلْت الْمَالُ فِي النِّكَاحِ أَيْضًا تَبَعٌ، وَقَدْ أَثَّرَ الْهَزْلُ فِيهِ. قُلْت تَبَعِيَّتُهُ فِي النِّكَاحِ لَيْسَتْ فِي حَقِّ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْحِلُّ، وَالتَّنَاسُلُ لَا الْمَالُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأَصَالَةَ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ بِدُونِ الذِّكْرِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ عَلَى مَشِيئَةِ الْمَرْأَةِ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَالْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ، وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ) أَيْ: طَلَبُ الشُّفْعَةِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ طَلَبَ مُوَاثَبَةٍ، بِأَنْ يَطْلُبَهَا كَمَا عَلِمَهَا حَتَّى تَبْطُلَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ طَلَبَ تَقْرِيرٍ بِأَنْ يَنْتَهِضَ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَيُشْهِدَ، وَيَقُولَ: إنِّي طَلَبْت الشُّفْعَةَ، وَأَطْلُبُهَا الْآنَ أَوْ طَلَبَ خُصُومَةٍ بِأَنْ يَقُومَ بِالْأَخْذِ، وَالتَّمَلُّكِ فَتَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ بِطَرِيقِ الْهَزْلِ قَبْلَ الْمُوَاثَبَةِ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ بِمَنْزِلَةِ السُّكُوتِ، وَبَعْدَهُ يُبْطِلُ التَّسْلِيمَ فَتَكُونُ الشُّفْعَةُ بَاقِيَةً؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِالْخِيَارِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ لِكَوْنِهِ اسْتِبْقَاءَ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ عَلَى الْمِلْكِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا بِالْحُكْمِ وَكُلٌّ مِنْ الْخِيَارِ وَالْهَزْلِ يَمْنَعُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، فَيَبْطُلُ بِهِ التَّسْلِيمُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْإِبْرَاءُ) أَيْ: إبْرَاءُ الْغَرِيمِ أَوْ الْكَفِيلِ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمَلُّكِ، وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِخْبَارَاتُ فَيُبْطِلُهَا الْهَزْلُ) سَوَاءٌ كَانَتْ إخْبَارًا عَمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ أَوْ لَا يَحْتَمِلُهُ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ إخْبَارًا شَرْعًا وَلُغَةً كَمَا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُقِرَّا بِأَنَّ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا أَوْ بِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا فِي هَذَا الشَّيْءِ بِكَذَا أَوْ لُغَةً فَقَطْ كَمَا إذَا أَقَرَّ بِأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ كَذَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ أَيْ: تَحَقَّقَ الْحُكْمُ الَّذِي صَارَ الْخَبَرُ عِبَارَةً عَنْهُ، وَإِعْلَامًا بِثُبُوتِهِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالْهَزْلُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فَكَمَا أَنَّهُ
стр. 810
الْمَالِ (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَتِهَا وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ فَقَبْلَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ يَكُونُ كَالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَغَلَ بِالْهَزْلِ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ فَقَدْ سَكَتَ عَنْ الطَّلَبِ فَتُطْلَبُ الشُّفْعَةُ، وَبَعْدَهُ التَّسْلِيمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِالْخِيَارِ) حَتَّى لَوْ قَالَ: سَلَّمْت الشُّفْعَةَ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَبْطُلُ التَّسْلِيمُ وَيَكُونُ طَلَبُ الشُّفْعَةِ بَاقِيًا (وَكَذَا الْإِبْرَاءُ) أَيْ: يَبْطُلُ إبْرَاءُ الْغَرِيمِ هَازِلًا كَمَا يَبْطُلُ الْإِبْرَاءُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (وَأَمَّا الْإِخْبَارَاتُ فَالْهَزْلُ يُبْطِلُهَا سَوَاءٌ كَانَ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ، أَلَا يُرَى بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مُكْرَهًا بَاطِلٌ فَكَذَا هَازِلًا، وَأَمَّا الِاعْتِقَادَاتُ فَالْهَزْلُ بِالرِّدَّةِ كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ، فَيَكُونُ مُرْتَدًّا بِعَيْنِ الْهَزْلِ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ) أَيْ: لَيْسَ كُفْرُهُ بِسَبَبِ مَا هَزَلَ بِهِ وَهُوَ اعْتِقَادُ مَعْنَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا هَازِلًا، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ مَعْنَاهَا بَلْ كُفْرُهُ بِعَيْنِ الْهَزْلِ فَإِنَّهُ اسْتِخْفَافٌ
ــ
[التلويح]
يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ مُكْرَهًا كَذَلِكَ يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِهِمَا هَازِلًا؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ دَلِيلُ الْكَذِبِ كَالْإِكْرَاهِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ شَيْئًا مُنْعَقِدًا يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ، وَالْبُطْلَانُ بِالْإِجَازَةِ لَا يُصَيِّرُ الْكَذِبَ صِدْقًا، وَهَذَا بِخِلَافِ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ فِيهِ لِلْهَزْلِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ) أَيْ: الْهَازِلُ بِالرِّدَّةِ مُرْتَدًّا بِنَفْسِ الْهَزْلِ لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ، وَهُوَ مِنْ أَمَارَاتِ تَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةِ ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] الْآيَةَ، وَفِي هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الِارْتِدَادَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ، وَالْهَزْلُ يُنَافِيهِ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْإِيمَانِ) يَعْنِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِنْسَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالِاعْتِقَادُ
[السَّفَهُ]
. (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ السَّفَهُ فَإِنَّ السَّفِيهَ بِاخْتِيَارِهِ يَعْمَلُ عَلَى خِلَافِ مُوجِبِ الْعَقْلِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْلِ فَلَا يَكُونُ سَمَاوِيًّا، وَعَلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ كُلُّ فَاسِقٍ سَفِيهًا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْلِ أَنْ لَا يُخَالِفَ الشَّرْعَ لِلْأَدِلَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ، وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْخِفَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجِبِ الْعَقْلِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَاللُّغَوِيِّ فَإِنَّ السَّفَهَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْخِفَّةُ، وَالْحَرَكَةُ، وَمِنْهُ زِمَامٌ سَفِيهٌ، وَتَخْصِيصًا لَهُ بِمَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْفُقَهَاءِ مِنْ السَّفَهِ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ مَنْعُ الْمَالِ، وَوُجُوبُ الْحَجْرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّبْذِيرَ أَصْلُهُ مَشْرُوعٌ) التَّبْذِيرُ هُوَ تَفْرِيقُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْإِسْرَافِ أَيْ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَالْمُرَادُ بِأَصْلِ التَّبْذِيرِ نَفْسُ تَفْرِيقِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَالِهِ) يَعْنِي: إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ سَفِيهًا يُمْنَعُ عَنْهُ مَالُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] أَيْ: لَا تُؤْتُوا الْمُبَذِّرِينَ أَمْوَالَهُمْ الَّذِينَ يُنْفِقُونَهَا فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَإِضَافَةُ الْأَمْوَالِ إلَى الْأَوْلِيَاءِ عَلَى
следующие страницы →