← Тараджим

Тараджим · id 950

أسماء المغتالين من الأشراف وأسماء من قتل من الشعراء - ضمن نوادر المخطوطات

محمد بن حبيب

Полный текст (168 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أسقني دمه. قال: اضرب عنقه. فضرب قبيصة عنق معين الخارجي. فمضى المغيرة، وولي بعده زياد بن أبيه، وبعده عبيد الله بن زياد، ثم خالد ابن أسيد، ثم الضحاك بن قيس الفهري، ثم عبد الرحمن بن أم الحكم، ثم النعمان بن بشير - إلى أن ولي بشر بن مروان بن الحكم، فأكرم هذا الحي من قيس - وكانوا أخواله - ثم بني عامر خاصة، وأكرم قبيصة بن القين الهلالي، فتقدم رجل (١) من عمان يرى رأي الخوارج فدخل مسجد الكوفة، فأتى حلقة فيها قبيصة بن القين في صدر المجلس، فقال العماني ليفهم: من هذا؟ فقال: قبيصة بن القين خال الأمير. قال: ما أعرفه. فقال الرجل المسؤول: هذا قاتل معين الخارجي المحاربي! فأقبل على الذي يليه فسأله كما سأل الأول، فقال له مثل قول صاحبه، حتى سأل أربعة نفر، فاتفقوا على قول واحد، فلما اجتمعوا على منطق واحد انطلق إلى الصياقلة، وفي كمه نفيقة (٢) له، فطلب سيفاً صارماً، فأتى بسيف من البيض، فهزّه فإذا هو شديد المتن فاشتراه وكانت الأمراء تعشي عند العصر فلا تفرغ إلا عند احمرار الشمس. فخرج قبيصة بن القين من عند بشر، فعرض له العماني فقال: أصلحك الله، إني رجل غريب ظلمني عاملي ولا أحد لي، وقد أخبرت بمكانك من الأمير. فقال: هي! - وطولها وهو يسير رويداً، والعماني يتلفت يريد الخلوة من الطريق، وقبيصة يسير رويداً حتى انتهى إلى دار السمط بن مسلم (٣)، إلى زقاق يأخذ إلى بني دهن من بجيلة، فخلا له الطريق فطرح بته وقال: لا حكم إلا الله، يا ثارات معين (٤)! ثم ضربه

стр. 72

ضربة أطن منها فخذه، ثم ولي العماني وأقبل الناس إليه، فنادى قبيصة: إنه لا بأس علي، أدركوا الرجل. فلما سمع العماني قوله: «لا بأس علي» رجع على الناس فصاح بهم: أفرجوا. ففرجوا له وضربه حتى قتله، ومضى العماني فطلب فلم يوجد. فذكروا أنه خرج بعد ذلك مع شبيب بن يزيد الشيباني، وكان بشر أخذ بالعماني يومئذ البريء والسقيم. فلما دخل شبيب الكوفة والحجاج أمير العراق جعل العمانىّ يصيح: يا أهل الكوفة، يا فسقة، تأخذون البريء بالسقيم، أنا قاتل قبيصة بن القين! ومنهم: بجير بن الورقاء السعدي (١) وكان عبد الملك استعمل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص على خراسان حيث اجتمع الناس عليه. فولى أمية بجيرا شرطه (٢)، وولى بكير ابن وشاح (٣) السعدي أيضاً ساقته، فغدر بكير بن وشاح (٣) بأمية بن عبد اللّه وقد عبر أميّة نهر بلخ يريد سمرقند، فعمد بكير فحرق المعابر ورجع إلى مرو فغلب عليها وجعل يجبيها، فرجع أمية فلم يجد ما يعبر عليه، فمضى إلى الترمذ (٤) ليعبر من هناك، وحاصر بكيراً، ثم أعطاه الأمان، ففتح له مدينة مرو.

стр. 73

وإن بجيرا وشى ببكير وقال له إنه على الوثوب بك. فقال له أمية: أنا أولّيك من أمره ما تولّيت فكن أنت قاتله. فقال له بكير: يا بجير، دع أمية يولّى قتلى غيرك، فإني أخاف إن فعلت أفسدت بين قومنا. فقدّمه بجير فضرب عنقه. وبلغ بجيرا أنّ عشرة من بنى سعد يطلبونه بدم بكير، فكان لا يفارق الدّرع وإنّ رجلا من قومه أتى عامل سجستان فانتمى له إلى بنى حنيفة وسأله أن يكتب له كتابا إلى بجير بالوصاة. فكتب له وهو لا يظنّه إلا حنفيا. فلما قدم على بجير أدناه، فجعل الجشمي يطلب من بجير غرّة فلا يجدها، فلبث كذلك حتى عزل عبد الملك أمية وولى الحجاج العراق، فولّى الحجاج المهلّب بن أبي صفرة خراسان، فقال بجير عند رواق المهلب، وهم في عسكر وقد أتى بجير والناس يطلبون الإذن على المهلّب إذ جاءه العوفىّ من خلفه، الذي ذكر أنه حنفىّ، كأنه يسارّه، فأصغى إليه بجير فطعنه بخنجر كان معه فنحره به، ونادى الناس: الحرورىّ الحروري! فرمى بالخنجر ونادى: واللّه ما أنا بحرورى، ولكني اخز (١) يا لثارات بكير بن وشاح (٢)! وأخذ الرجل، وكان عيّره رجل بالبادية بأن قال له: إنك لنئوم عن طلب وترك في بكير بن وشاح (٢)! فجعل على نفسه أن لا يأكل لحما، ولا يدهن رأسه حتى يقتل قاتل بكير.

стр. 74

ومنهم: يزيد بن الحصين بن نمير السّكسكى وكان سبب ذلك أنّ الحجاج أخبر عن راهب بطريق الشام بعلم بارع فوفد الحجاج إلى عبد الملك فأتى الراهب فقال له: يا راهب، أنا الحجّاج، وإني لأعلم أنّى بين موت وعزل فمن ترى يلي مكاني؟ فنظر الراهب فقال: بلى مكانك يزيد. فسأل الحجاج سفيان منجّمه عما قال الراهب فقال له: صدقك. فقال الحجاج: أمّا يزيد بن أبي مسلم (١) فليس العبد هناك. وأما يزيد بن المهلب فخليق أن يكون، أو يزيد بن الحصين بن نمير، فإنه سيد الشام. فلم يزل يحمل عبد الملك والوليد بعده على آل المهلب حتى أمكن فيهم فعذّبهم وأغرمهم ستّة آلاف، ودسّ سفيان منجّمه إلى يزيد بن الحصين فقال: اكفنيه! فأتاه سفيان فلاطفه حتى أنس به واطمأن إليه واختلط به، ثم سقاه سمّا فقتله، فولّى العراق بعده الوليد بن عبد الملك يزيد بن أبي كبشة، ثم وليه لسليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب.

стр. 75

ومنهم: نجدة بن عامر الحنفي وكان رئيس الخوارج، فوجدوا عليه بأنه ظفر ببنت عمرو بن عثمان بن عفان فردها إلى قريش. وفي أنه أمر لمالك بن مسمع، وكان هرب إليه من مصعب، بمائة ناقة. وأعطى عبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة وكان هرب إليه أيضاً - مثل ذلك. فرأسوا عليهم أبا فديك، وخلعوا نجدة، فجلس في منزله وخلاهم. ثم إن أصحاب أبي فديك تذامروا بينهم قالوا: لا نأمن أصحاب نجدة أن يغاوروه (١) لقدر نجدة - كان - فيهم. فاغتالوه حتى قتلوه في منزله. ومنهم: أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب (٢) وكان من رجال قريش، وأنه وفد إلى سليمان بن عبد الملك، ومعه عدة من الشيعة، وكان من أشد أهل زمانه عارضة وأبينهم بياناً، فلما كلمه سليمان عجب منه وقال: ما كلمت قرشياً قط يشبه هذا، ما أظنه إلا الذي كنا نحدث عنه! وأحسن جائزته وجوائز من معه، وقضى حوائجه وحوائجهم، ثم شخص يريد فلسطين، فبعث سليمان قوماً إلى بلاد لخم وجذام، فضربوا أبنية، بين كل بناءين ميل وأكثر من ميل، ومعهم اللبن المسموم، فلما مر بهم أبو هاشم وهو على بغلة له قالوا: يا أبا عبد الله، هل لك في الشراب (٣)؟ فقال: جزيتم خيرا.

стр. 76

ثم مر بآخرين فعزموا عليه أيضاً، ففعل ذلك مراراً حتى مر بقوم أيضاً فعزموا عليه فقال: هلموا. فلما شرب واستقر في جوفه اللبن قال: يا هؤلاء، أنا والله ميت فانظروا هؤلاء القوم من هم. فنظروا فإذا القوم قد قوضوا أبنيتهم وذهبوا، فقال: ميلوا بي إلى ابن عمي محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وما أظنّنى مدركه. فأغذّوا به السّير حتى أنوا كداداً من الشراة (١) وبها محمد بن علي بالحميمة، فنزل عنده ومات بها. ومنهم: عمر بن عبد العزيز بن مروان رضي الله تعالى عنه وكان أراد أن يجعل الخلافة في بني هاشم، فكتب إلى الآفاق ليأتيه فقهاؤهم فيشاوروه، وجعل يرد المظالم وينصف من بني أمية، حتى أسرع ذلك في ضياعهم. وكان بنو مروان يعظمون أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص ذكر محمد ابن الحسين قال: أخبرنا نوفل بن الفرات (٢) قال: كانت أم البنين إذا دخلت على خلفاء بني أمية نزلت على أبواب مجالسهم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز دخلت عليه فتلقاها وأنزلها، فلما جلست جعل يكلمها ويقول: يا عمّة، أما رأيت الحرس بالباب - مازحاً - أي إنه لا حرس لي. فلما رأى أنها لا تكلمه قال: يا عمة، إن رسول الله ﷺ قبض والناس على نهر مورود، فولي بعده رجل قبض ولم يستقض (٣) منه شيئاً، ثم ولّى رجل آخر قبض ولم

стр. 77

يستقض منه شيئا، ثم ولي رجل آخر كرى فيه ساقية، ثم كريت السَّواقي حتى جفَّ ماؤه وذهب، وإن قدرت لأعيدنّ ذلك النهر إلى مجراه. قال: فقالت: فلا يسبّوا عندك أهل بيته. قال: ومن يسبهم؟ إنما هو الرجل (١) يرفع المظلمة، فآمر بردها. ومن غير حديث ابن معين (٢) قال: فلما رأى ذلك بنو مروان دسُّوا حاضنه وأعطوه ألف دينار على أن يسمه. ففعل. فلما أحس عمر من نفسه دعا الخادم فسأله فأقر، فقال له: كم أعطيت؟ قال: ألف دينار. فأخذها عمر منه فطرحها في بيت المال وقال للخادم: أنج لا تقتل. فمضى الخادم، ومات عمر (٣). وذكر ابن أبي شيخ، أن مجاهداً دخل على عمر في مرضه، فقال له: ما يقول الناس يا مجاهد؟ قال: يقولون إنك مسحور. فقال: لست مسحوراً ولكني مسموم، سمَّني غلامي هذا. ثم قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: جعل لي عتقي وألف دينار. قال: هات الألف. فأخذها فجعلها في بيت المال، وقال: أذهب فأنت حرّ.

стр. 78

ومنهم: عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي (١) وكان يلي البصرة مرة، ويليها مالك بن المنذر بن الجارود مرة، وكان صديقاً لمالك، فدخل بينهما رجل من بني كريز فأفسد ذلك، فولى مالك بن المنذر فحبس (٢) الفرزدق وادعى عليه أنه هجا نهر المبارك (٣)، وكتب إلى خالد ابن عبد الله القسري وهو عامل العراق يحمله على عمر بن يزيد، فكتب إليه خالد يأمره بحبسه، فبعث إليه فحبسه في داره: ثم دس إليه من لوى عنقه فقتله. فلما كان الغد حمل على دابة، وركب وراءه رجل يمسك ظهره، فجعل (٤) رأس عمر يتذبذب، فجاء (٥) الذي وراءه عنقه ويقول: أقم رأسك فإنك نجاث (٦)! وأدخل فلما أصبحوا من غد قالوا: مصَّ خاتمه وفيه سمٌّ ومات. وكان الفرزدق محبوساً في غير السجن الذي كان فيه عمر فاتى الفرزدق ابنه لبطة فقال: أما علمت أن عمر بن يزيد مصَّ خاتمه فوجدوه ميّتا؟ فقال له

стр. 79

الفرزدق: وأعلم أن ذلك معمول وأنه قتل، وأبوك، والله، إن لم يلحق واسط، سيمصُّ خاتمه! ومنهم: قتادة بن سابة (١) بن ثابت بن معبد أخو بنى أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان أصاب دماً في بني شريك، فمشت السفراء حتى صلح الأمر، فمشوا بذلك ما شاء الله. ثم إن حريث بن أسود بن شريك ومولى له يقال له يقظان لقيا قتادة بالبصرة وقد أسلم خفين له إلى إسكاف، فجعلا للإسكاف جعلاً على أن يحبس خفيه إلى الليل، ففعل ذلك وقال لقتادة: ائتني صلاة المغرب حتى أعطيك خفَّيك: فلما جاء ليأخذها وقد كمنا له شداً عليه فقتلاه، وهاج بينهما الناس فصاحا: إنما نحن ثائران (٢)! فأحجم الناس عنهما فنجيا. وقال حريث في قتله: فقلت له صبراً حريثُ (٣) فإنَّنا … كذلك نجزى قرضَكم آلَ مرثدِ قتادةُ يعلو رهطه وعلوتُه … بأبيض من ماء الحديد مهنّد (٤)

стр. 80

ومنهم: عمرو بن محمد الثقفي (١) وكان عاملاً على السند، فوجه إليه منصور بن جمهور الكلبيّ - وكان منصور بن جمهور افتعل عهداً فولى العراق، وهو الذي يقول له الناس: «منصور ابن جمهور، أمير غير مأمور» - وذلك في فتنة مروان بن محمد - فوجه إلى عمرو بن محمد بن القاسم الثقفي، وكان عامل مروان، رجلاً من أهل الشام يقال [له] فلان ابن عمران (٢) يأخذ عمراً بالحساب، فحبسه ودسّ إليه من قتله فأصبح ميتاً، وأشاع أنه قتل نفسه من خوف المحاسبة. ومنهم: منظور بن جمهور، أخو منصور وكان منصور ضم إلى أخيه منظور رجلاً من أهل الشام من أهل اليمن يقال له رفاعة بن ثابت بن نعيم، فكان الغالب على أمر منظور، وكان يسامره وينادمه. فلما ضبط أبو مسلم خراسان وجه على السند رجلاً من بكر بن وائل، يقال له معلّس (٣)، فبلغ ذلك رفاعة بن ثابت. وأن معلساً (٤) قد دنا من السند، فقعد هو ومنظور ووصيفٌ لمنظور يشربون، فلما أخذ فيهم الشراب نام منظور ووصيفه، وخرج رفاعة فأتى منزله وجاء بسيفه وبمولى له معه، وأخذ سكّة فرسه، وأتى حائطا يفضى إلى درجة الغرفة التي منظور ووصيفه فيها، فنقبه هو ومولاه حتى أفضيا

стр. 81

إلى الدرجة، فصعدا إلى السطح فإذا منظور ووصيفه نائمان، فقتل منظورا وجاء إلى الوصيف ليقتله فانتبه الوصيف حين وجد مسَّ الحديد، فقال: يا منظور، تسامرني من أول الليل وتقتلني من آخره؟! وهو يظنه منظوراً، فأجهز عليه. وقال لوصيف لمنظور: افعل ما آمرك به وإلا قتلتك. فقال: مرني بما شئت. فقال: ادع لي صاحب الحرس على لسان مولاك - وكان رجلاً من بني أسد - فأشرف الغلام وقال: الأمير يدعوك. فلما أطلع رأسه قام رفاعة ومولاه فقتلاه، وجعل يقتل الرجل من الوجوه هكذا، حتى قتل ثمانية نفر. قال الشاعر: يا رفاعَ بن ثابت بن نعيمٍ … ما جزيتَ الإحسانَ بالإحسان ولقد أتلفت يمينك خرقاً … أريحيا وفارسَ الفرسانِ فأدال المليك منك فقد أص … بحت في كف ثائر حرانِ وظفر منصور برفاعة فقتله. ومنهم: عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وكان عامل مروان على العراق قبل ابن هبيرة، فغلبت الخوارج على الكوفة ثم مضوا إلى واسط فحصروه بها، وكان رئيس الخوارج الضحاك بن قيس الشيباني، فلما طال حصاره بعث إليه عبد اللّه بن عمر: إني عاملك فامض إلى مروان فقاتله فإن ظفرت به أو قتلته فأنا عاملك وداعٍ لك. فمضى الضحاك فقتله مروان. وولى يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق. فقتل الخوارج. وبعث إليه بعبد الله بن عمر فحبسه بحران. ثم دسَّ إليه قوماً فوضعوا على وجهه مرفقته فأصبح في السجن ميّتا.

стр. 82

ومنهم: الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وكان نصر بن سيار كتب إلى مروان يعلمه بخروج أبى مسلم وكثرة تبعه وأنه يخاف أن يستولي على خراسان. وأن الدعوة لإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله. فألقى الكتاب إلى مروان، وقد (١) أتى إبراهيم رسول أبى مسلم بكتاب. فسأل إبراهيم الرسول: ممن هو؟ قال: من العرب. فردّ جواب كتاب أبى مسلم يلعنه فيه أن ترك المواثبة لجديع الكرماني (٢) ونصر بن سيار. ويأمره فيه ألا يدع بخراسان عربياً إلا قتله. فانطلق الرجل إلى مروان بالكتاب فوضعه في يده، فكتب مروان إلى معاوية بن الوليد بن عبد الملك (٣) - وهو عامله على دمشق - أن اكتب إلى عامل البلقاء فليسر إلى كداد (٤) والحميمة، فليأخذ إبراهيم بن محمد فليشَّده وثاقاً وليبعث به إليه مع خيل كثيفة، ثم وجه به إلى أمير المؤمنين. قال: فأتى وهو جالس في مسجد القرية، فأخذ فلف رأسه وحمل فأدخل على مروان، فأنبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم عليه وقال: يا أمير المؤمنين، ما أظن ما يروى الناس عليك إلا حقّا، في بغض بني هاشم، وما لي وما تصف؟

стр. 83

فقال له مروان: أدركك الله بأعمالك الخبيثة، فان الله لا يأخذ على أول ذنب؛ اذهبا به إلى السجن. فحبسه أياماً، ثم أمر قوماً فدخلوا إلى السجن بعد ما مر صدرٌ من الليل. فغم إبراهيم في جراب نورة، وغمّ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بمرفقةٍ، فأصبحا ميتين في غداة واحدة. رحمهما الله تعالى. ومنهم: أبو سلمة حفص بن سليمان مولى بني مسلية (١)، وكان يقال له وزير آل محمد (٢). وكان أبو سلمة لما اسقتبّ الأمر واستقامت خراسان والجبال وفارس وجه أبو سلمة للعمال في السهل والجبل، ثم أقام أبو سلمة نحواً من أربعين يوماً لا يظهر أمر أبي العباس، وأبو جعفر وعبد الله وإسماعيل وعيسى وداود بنو علىٍ قد قدموا من الشام، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعيد (٣) في بني أود (٤). وكان القواد الذين قدموا من خراسان يقولون لأبي سلمة: أين الإمام؟ فيقول: لا تعجلوا. وكان أبو سلمة يدبرها لبني فاطمة ﵂، فجعل يريثهم ويقول: نعم اليوم، غداً! حتى خرج أبو حميد، وهو يريد الكناسة، فلقي مولّى لهم أسود (٥) قد كان يعرفه حيث كان يأتي إبراهيم بالشام. فلما رآه احتضنه وقال: ويلك، ما فعل الإمام ومواليك؟ قال: هم هاهنا واللّه مذ (٦) أكثر من شهرين.

стр. 84

قال: وأين هم؟ قال: في دار الوليد بن سعيد (١) في بني أود. قال: فانطلق فأرنيهم. فخرج الأسود بين يديه وأبو حميد يتبعه في موكبه حتى دخل فقال: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله. ثم أرسل عينيه بالبكاء وقال: ما لكم هاهنا؟ قالوا: تركنا أبو سلمة هاهنا منذ شهرين. فقال: يا أمير المؤمنين، منذ شهرين أركب. فحمله وأهل بيته ثم أقبل بهم إلى المسجد، وعلم أبو سلمة ما وقع فيه فقال: إنما أخّرت أمركم لإحكام ما أريد منه. ثم إن أبا العباس تنكر لأبي سلمة، فلما هموا به كرهوا الإقدام عليه دون مشاورة أبي مسلم، فكتب إليه يعلمه بغشه وما أراد من صرف الأمر إلى غيره وما يتخوف منه. فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس: فليقتله أمير المؤمنين. فقال له داود بن علي: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج عليك أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك، وحاله عندهم حاله، ولكن اكتب إلى أبي مسلم أن يبعث إليه من يقتله. فكتب إليه بذلك، فوجه أبو مسلم مرار بن أنس الضبي، فقدم على أبي العباس فأعلمه قدومه. وكان أبو سلمة يسمر عند أبي العباس، فجاء مرار الضبيُّ فجلس على باب أبي العباس، فلما خرج أبو سلمة وتنحى عن الباب شدّ عليه فقتله. فلما أصبح لعن على باب الخليفة، وذكروا فسقه وغشه وغدره، فقال سليمان ابن المهاجر البجلىّ: إنّ الوزير وزيرَ آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا (٢)

стр. 85

ومنهم: عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكان عبد الله خرج بالكوفة في ولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز على العراق فقاتله فهزمه، فسار إلى المدائن فتبعه بها قومٌ فساروا إلى حلوان فأخذ الجبال ودعا لنفسه، ثم مضى إلى أصبهان فأقام بها، ثم سار إلى إصطخر فجبي كور فارس (١)، وضرب دراهم عليها: «قلْ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودةَ في القربى». فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة عاملاً على العراق بعد عبد الله بن عمر وجه إليه ابن ضبارة (٢) فهزمه إلى سجستان، ثم صار إلى هراة وقد استتب أمر خراسان لأبي مسلم، وأخذوا أخويه الحسن ويزيد ابني معاوية، فاعتقل في الحبس ثم وجد ميتاً فيه. ومنهم: يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى أمير العراق لمروان بن محمد. وكان أبو جعفر المنصور حاصره بواسط، ومعه حميد والحسن ابنا قحطبة، ومالك بن الهيثم الخزاعى، فطلب الأمان، فكتب إلى أبي العباس بذلك فأعطاه الأمان على نفسه وقراباته وحاشيته وقوّاده، فمكث كتاب الأمان يقرأ على الفقهاء أكثر من أربعين يوما حتى أكّد (٣)، وأراد

стр. 86

أبو جعفر الوفاء به، وأن داود بن علي ولى الحجاز وصاحب مقدّمته أبو حماد (١) فأخذ أبو حمّاد رجلاً فقال له: أين تريد؟ قال: العراق. قال: ممن أنت؟ قال: من موالي بني هاشم. ففتشه فلم يجد معه كتاباً، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل وفتق قباءً محشواً، فأخرج منه حريرة فيها كتاب من محمد بن عبد الله بن الحسن، جواب كتاب ابن هبيرة، كتب إليه: «لا تعجل بالخروج، وما طلهم حتى يستتب أمرنا؛ فقد ذكرت أن قبلك من فرسان العرب ثلاثين ألفاً. فدافع القوم بتأكيد الأمان». فرفع الرجل والحريرة إلى داود (٢)، فقتل الرجل وبعث بالحريرة إلى أبي العباس، فكتب أبو العباس (٣) إلى أبى جعفر يأمره بقتله، فراجعه أبو جعفر وأراد الوفاء له فكتب إليه: «إن أنت فعلت، وإلاَّ أمرتُ على عسكرك الحسنَ ابن قحطبة». وقد كان أبو جعفر أحرز الخزائن والأموال، وجعل ابن هبيرة يركب غباً إلى أبي جعفر في قواد أهل الشام، فلما همّ بذلك بعث خازم (٤) بن خزيمة النهشلي، والهيثم بن شعبة، والأغلب بن سالم، وكلٌّ من بني تميم (٥)، في جماعة أصحابهم، فدخلوا رحبة القصر وأرسلوا إلى ابن هبيرة: «إنا نريد أن ننظر إلى الخزائن ونحمل ما فيها». فأذن لهم فدخلوا وطافوا ساعة وجعلوا يخلّفون عند كلّ باب جماعة من أصحابهم، ثم انصرفوا إليه فقالوا: أرسل معنا من يدلنا على المواضع التي فيها الخزائن وبيوت الأموال، فقال: أو ليس قد ختمتم

стр. 87

عليها وأحرزتموها؟! يا أبا عثمان - يريد كاتبه - اذهب معهم فادللهم على الذي يريدون، أو أرسل معهم. فأرسل معهم، فطاف خازمٌ (١) وأصحابه في القصر، ثم أقبل على ابن هبيرة وعليه قميص مصري، وملاءة مؤزرة، وهو مسند ظهره إلى حائط المسجد، وبنيه صبح غلام صغير في حجره، فقتلوا داود ابنه (٢) وكاتبه وحاجبه وأربعة من مواليه، ثم مشوا نحوه فخر ساجداً وقال: نحُّوا عَّني هذا الصبي. فقتلوه وهو ساجدٌ. وبعث أبو جعفر إلى قواده وهم لا يعلمون بأمر ابن هبيرة، فلما أدخلوا الرواق كتفوا ودفعوا إلى القواد فقتلوهم في منازلهم. ومنهم: عليّ وعثمان، ابنا جديع الكرماني (٣) الأزديّ وكانا سارا إلى أبي مسلم بعد قتل نصر بن سيّار أباهما غيلة وغدراً، فناصحا أبا مسلم وأحسنا معونته، حتى إذا استقامت خراسان دعا أبو مسلم عليا فقال له: سم لي أصحابك فقد نصحت وأحسنت وقضيت ما عليك، وبقى ما علينا. فسماهم له، فولى عثمان أخاه طخارستان، ففرق عنه فرسانه ثم قال له: أحضر لي أصحابك لأجيزهم. فقال لهم عليّ: اغدوا على جوائز أبي مسلم. فغدوا وغدا، فأدخلوا داراً فأعطوا فيها الجوائز، ثم قيل: ادخلوا فتشكروا لأبي مسلم. فلما خرجوا أدخلوا داراً أخرى قُمطوا (٤) وأخذت الجوائز منهم فقتلوا، وكتب إلى أبى داود الذّهلى،

стр. 88

وهو خالد بن إبراهيم: «لا يغلبنك عثمان بن الكرماني». فاتخذ له (١) طعاماً، وبعث إليه فأتاه في قواده ووجوه فرسانه - وكان أبو داود عاملا على ما وراء النهر. فلما أتوه وحضر الطعام أخذوا فضربت أعناقهم، ثم ركب إلى عسكرهم فقتل فيه تسعمائة رجل، وتتبع من كان أبو مسلم ولاه منهم فقتله (٢). ومنهم: عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس وكان عبد الله لما بلغه موت أبي العباس خلع أبا جعفر ودعا إلى نفسه وكان أبو جعفر حاجّا، وثار عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فأحرز الخزائن وضبط الأمر حتى قدم أبو جعفر، فوجه أبا مسلم لحربه، فحاربه فهزمه، فلجأ إلى أخيه سليمان بن علي، وهو عامل على البصرة، فأخذ له الأمان المؤكد. ثم إن أبا جعفر دفعه إلى عيسى بن موسى فكان محبوساً عنده (٣)، فجعل يرفه عنه ويشتري له الجارية بعد الجارية. ولما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بالمدينة أمر عيسى بن موسى بالخروج إليه، وأن يدفعه إلى أبي الأزهر عبد الملك بن عبيثر المهرى، فجاء به حتى أدخله بيتاً في قصر أبي جعفر، وخرج أبو جعفر إلى أوانا (٤)، وسقط البيت على عبد اللّه ابن علي، ﵀.

стр. 89

ومنهم: أبو مسلم صاحب الدولة وكان أبو جعفر وجهه أبو العباس في ثلاثين من وجوه قريش والعرب إلى خراسان زائراً أبا مسلم، فرأى منهم استخفافاً احتقنها (١) أبو جعفر عليه، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه قبله. فكان أبو جعفر يقول لأبي العباس كثيراً: إنه لا ملك لك وأبو مسلم حيّ، فتغدَّه قبل أن يتعشى بك! وكان أبو العباس يأبى ذلك لقدره في أهل خراسان. فلما أفضى الأمر إلى أبي جعفر وكان أبو مسلم حاجا فقدم ووجهه أبو جعفر فحارب عبد الله بن علي واستباح عسكره، ثم وجه أبو جعفر إلى أبي مسلم يقطين ابن موسى لقبض ما صار في يد أبي مسلم من عسكر عبد الله، فغضب أبو مسلم وقال: لا يوثق بي في هذا القدر! وشتم شتماً قبيحاً، ومضى من الأنبار يريد خراسان مخالفاً، ومضى أبو جعفر إلى المدائن فنزل الرومية (٢). وقد كان قيل لأبي مسلم: إنك تقتل بالروم (٣). فوجه أبو جعفر إلى أبي مسلم جرير بن يزيد ابن جرير بن عبد الله البجلي، وكان أرجل أهل زمانه (٤). وكتب معه فلم يلتفت إلى كتابه فلم يزل جريرٌ يفتل أبا مسلم في الذروة والغارب حتى أقبل إلى أبي جعفر، فلما قدم عليه أمر القواد والناس أن يتلقوه، ثم أذن له فدخل على دابته وعانقه وأكرمه وقال: كدت تخرج قبل أن أفضى إليك ما أريد. قال:

стр. 90

يا أمير المؤمنين، قد أتيتك فمر بأمرك. قال: انصرف إلى منزلك فضع ثيابك، وادخل الحمام يذهب عنك كلال السفر. فجعل أبو جعفر ينتظر به الفرص، فمكث به أياماً يأتي أبا جعفر كلَّ يوم فيريه من الإكرام أكثر مما أراه قبل ذلك، ويتزيد في القرب واللطف، حتى إذا مضت له أيامٌ أقبل على التجني عليه، فأتى أبو مسلم عيسى بن موسى فقال: اركب معي إلى أمير المؤمنين، فإني أريد عتابه بحضرتك. فقال له: تقدم حتى آتيك. فقال: إني أخافه. فقال له عيسى: أنت في ذمتي. وأقبل أبو مسلم فقيل له: ادخل. فدخل حتى إذا صار إلى الرواق قيل: أمير المؤمنين يتوضأ، فلو جلست؟ فجلس وأبطأ عيسى عليه، وقد هيأ أبو جعفر عثمان بن نهيك العكيّ - وهو على حرسه - في عدةٍ فيهم شبيب بن واج (١)، وأبو حنيفة (٢)، وتقدم إلى عثمان فقال: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تحرَّكوا، فإذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان! وقد صيَّر عثمان وأصحابه في رواقٍ خلف أبي جعفر، ثم قيل لأبي مسلم: قد جلس أمير المؤمنين فقم. فقام ليدخل فقيل له: انزع سيفك. فقال: ما كان يصنع هذا بي. قالوا: وما عليك؟ فنزع سيفه وعليه قباءٌ أسود على جبة خزٍ بنفسجية، فدخل فسلم وجلس على وسادةٍ ليس في المجلس غيرها (٣)، وخلف ظهره القوم، فقال: يا أمير المؤمنين صنع بي ما لم يصنع بأحد، نزع سيفي من عنقي. قال: ومن فعل ذلك بك قبحه الله؟! ثم أقبل يعاتبه: فعلت وفعلتَ. فقال أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني! فقال: يا ابن الخبيثة،

стр. 91

لو كانت أمة مكانك لأجزأت ناحيتها. إنما عملت ما عملت في دولتنا، ألست الكاتب إلىَّ تبدأ بنفسك، والكاتب إلىّ تخطب أمينة بنت علي بن عبد الله بن العباس، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن العباس؟ لقد ارتقيت لا أمَّ لك مرتقى صعباً - وهو يفرك بيديه (١) - فلما رأى أبو مسلم عينيه قال: يا أمير المؤمنين، لا تدخل على نفسك؛ فإن قدرى أصغر من أن يبلغ هذا منك. ثم صفق بيديه، فيضربه عثمان ضربة خفيفة، فأخذ برجل أبي جعفر وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين! فدفعه برجله وضربه شبيب بن واجٍ ضربةً على حبل العاتق، فأسرعت فيه، فصاح: وا نفساه! ألا قوة، ألا مغيث؟! وخرج القوم فاعتوروه بأسيافهم، ولحق بأمّه الهاوية. ومنهم: معن بن زائدة الشَّيباني وكان أبو جعفر ولاه اليمن، فلما صار إلى الكوفة بعث إلى محمد بن سهل، راوية شعر الكميت بن زيد، فأتاه فقال: أنشدني قصيدة الكميت التي يدعو فيها ربيعة إلى قطع حلفها مع اليمن. وهي: • ألم تلممِ على الطَّلل المحيلِ … فأنشده إياها حتى أتى عليها، وأمر بعمامةٍ فلويت ومدت بين رجلين، ثم قام معنٌ فضربها بالسيف فقطعها، وقال: أشهدوا أني قد قطعت حلف اليمن وربيعة كما قطعت هذه العمامة.

стр. 92

ثم سار إلى اليمن فأوعث فيها، فلما ولى سجستان ابتنى بها داراً، فدخل عليه قوم متشبّهة بالفعلة وهو مغترّ (١) قد احتجم، فمالوا عليه فقتلوه (٢). ومنهم: عقبة بن سلم الهنائي (٣) وكان أبو جعفر ولاه البحرين، فجعل يبارى معناً بالقتل حتى أثخن في ربيعة، فلما كان زمان المهدي تبعه رجل فاغتاله وهو راكب، فوجأه وجاة بخنجر مسموم فوقع في منطقته حتى وصل إلى جوفه، فأخذ فأتى به المهدي فسأله ممن هو؟ فلم يجبه من هو ولا من أي البلدان هو. فسأله: أين كان يأوي وأين كان يطعم؟ فقال: كنت آوى المساجد، وأطعم في سوق البقالين. فقتله المهدي. فيه تضرب العامة المثل: «أخسر من قاتل عقبة!». ومنهم: الربيع بن يونس الحاجب وكان هو أهدى إلى موسى الهادي أمة العزيز (٤)، فوقعت منه بالموقع الذي لم يقع أحد عنده مثله، فبلغه أن الربيع يقول: ما خلوت بامرأة أطيب خلوة من

стр. 93

أمة العزيز. فدعاه فتغدّى معه وقال له: اشرب على غدائك أقداحاً. وأمر صاحب شرابه فجدح (١) له في قدحه سما، فلما صار في جوفه انصرف فمات من تحت ليلته (٢). ومنهم: إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان خرج على موسى الهادي [هو] والحسن والحسين ابنا عليّ بن الحسن بن الحسن (٣)، فقتلا بفخ، وانضم إدريس إلى أهل المغرب، فحملوه إلى بلادهم، واشتملوا عليه وأعظموه وأمروه عليهم. فلما ولي هارون الرشيد وولى هرثمة إفريقية دسَّ هرثمة رجلاً من أهل المدينة (٤) لإدريس، وجعل له بقتله مائة ألف درهم، فقدم المدني عليه فأنس به إدريس وجعل يسأله عن أهله فيخبره بمعرفة حتى غلب عليه ووثق به، وجعل يهتبل الفرصة ويضع الخيل (٥) في القرى فيما بينه وبين إفريقية. وإن إدريس اشتهى سمكاً طرياً فقال له المدني: أنا حسن العلاج له. فعالجه وسمه ثم خرج يريد حاجة، ودعا إدريس بالسمك، فلما أكله واستقر في جوفه ركب، فجعل يركب من قرية إلى قرية ويحلف ما تحته (٦) حتى وصل

стр. 94

إلى إفريقية، وكانت جاريته حاملاً فولدت غلاماً فسمي إدريس بن إدريس. ومنهم: الفضل بن سهل وزير عبد الله المأمون (١). وكان قد ضيق على المأمون، وحال بينه وبين كثير من لذاته، وكان أخذ عليه ألاَّ ينظر في قصة أحدٍ، حتى صار كالوصيِّ الحاجر عليه، فدسَّ المأمون غالباً الروميَّ (٢) مولاه فدخل عليه الحمام فقتله فيه ومضي، فأتى به المأمون فقتله. وقتل بسبب الفضل على بن أبي سعد (٣)، وعبد العزيز بن عمران الطائي، وخلف المصري، ومؤنس البصري (٤). ومنهم: إسحاق بن موسى الهادي وقد كانت الحربية (٥) اشتملت عليه وأمّرته، والمأمون بخراسان، حين خرج

стр. 95

إبراهيم بن المهدي، فاستولى على الأمر، فدس إليه المأمون ابنه وخادماً له فقتلاه، ثم أقاد به ابنه وقتل الخادم بالسياط. ومنهم: حميد بن عبد الحميد الطوسي وكان حميد كثيراً ما يقول: ما للمأمون عندي يدٌ، إنما الأيادي عندي لأبي محمد الحسن بن سهل! فيرفع إليه. وإنه دعاه المأمون يوماً فأتاه وعنده أحمد بن أبي خالد الأحول. وكان الذي بين حميد وبين أحمد بن أبي خالد سيِّئاً. فلما قربت المائدة أجلس المأمون ابن أبي خالد معه على المائدة، فساء ذلك حميداً فقال له: يا أمير المؤمنين، لا أماتني الله حتى يريني الدنيا عليك سهلة حتى نرى أيُّنا أنفع لك. فقال له ابن أبي خالد: يا أمير المؤمنين، إنّما يتمنى فساد ملكك والفتنة. فقام المأمون عن المائدة ولم يتم غداءه واحتقنها عليه. وإنه لما أراد المأمون الخروج للبناء ببوران ابنة الحسن بن سهل قال لحميد: يا أبا غانم، قد أذنت لك في الحج. فانصرف حميد مسروراً، فدعا قهارمته (١) فأمرهم بآلات السفر، ثم أتاه جبريل بن بختيشوع فقال: يا أبا غانم طرِّ بدنك فإني أرجو أن تأتي بكل جارية معك حاملاً. وكان حميد مغرماً بالنكاح، حلالا وغيره، فسقاه شربة، وكان عنده متطبِّب يقال له عبد الله الطَّيفوري، فلما رأى الشَّربة قال لجبريل: أبو غانم اليوم قد ضعف عن هذه. فقال له جبريل: قد نسيت اليوم! وعرف الطّيفوريُّ قصة الشَّربة فلم يكشف له أمرها، فلما شربها أخلفَتْه (٢) مائتي مرة، وجعل

стр. 96

الطَّيفوريُّ يطفئها حتى تماثل قليلاً. ثم أقام بعد ذلك فشكا إليه ما أصابه من الشَّربة، فقال له: ادخل الساعة الحمام. فدخل من ساعته الحمام فانتقضت به. فمكث مبطوناً شهر رمضان كله، ومات ليلة الفطر سنة عشر ومائتين. فخبرني أبو عصام - وكان صدوقا - أن الطَّيفوريَّ كان يطيف بقبر حميد ويقول: يا حميد، قد نهيتك عن الشّربة فعصيتني! ومنهم: عبد الله بن موسى الهادي وكان قد عضَّل بالمأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه، فأمر به فجعل حبسه في منزله، وأقعد على بابه حرساً. ثم إنه تذمم (١) من ذلك فأظهر له الرضاء وصرف الحرس عن بابه، وكان عبد الله مغرماً بالصيد، فدس إلى خادم من خدمه يقال له حسين فسقاه سماً في درَّاج (٢) وهو بموسى باد (٣)، فدعا عبد اللّه بالعشاء فأتاه حسين بذلك الدّرّاج، فلما أحس به ركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما تروني (٤): وقد أكل معه من الدُّرَّاج خادمان: فأما أحدهما فمات، وأما الآخر فضني حتى مات. ومات عبد اللّه بعد أيّام.

стр. 97

ومنهم: أحمد بن علي بن هارون الرشيد وكان له غلام يقال له نفيس وكان قد غلب عليه، وأنّ نفيسا وأربعة من غلمانه أجمعوا على قتل احمد، وكان بين أحمد وبين عياله ثلاثة أبواب كلها تغلق دونهم، وأن أحمد أمر بإغلاق الأبواب عند القيلولة كما كان يفعل، فدخل عليه نفيس بمشملٍ (١) وهو نائم، فضربه ضربتين إحداهما على رأسه، والأخرى على فمه، وأن أحمد تناول المشمل من يد نفيس فخرطه نفيس من يده (٢)، فقطع أصابعه غير أنها لم تبن. ثم عاد نفيس فأجهز له بسكين، وأخذ خاتمه فبعث به إلى أهله وقال لهم: هذا خاتم الأمير يأمركم أن تبعثوا إليه بصندوق المال ليعطي الحشم أرزاقهم. فدفعوا إليه الصندوق، فاقتسموا ما فيه من الدنانير ومضوا. ومنهم: علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي وكان المأمون قد بايع له بالعهد بعده (٣)، وضربت الدراهم باسمه، وجعل على شرطه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، وكان ابنه خليفته، وعلى حرسه سعيد بن صيلم، وعلى حجابته يحيى بن معاذ بن مسلم، وأنه سقط عند المأمون بكلام في الفضل بن سهل فأخبر به المأمون الفضل؛ للموثق الذي كان الفضل أخذه على المأمون.

стр. 98

وذكر روح بن السكن عن عبيد الله بن الحسن العلوي ثم العباسي، أن الفضل قال يوماً وعنده الناس: ما تقولون في بقرة جعلت لها قرنين من ذهب وكنت أوّل من نطحته بهما؟! فلم يمض بعد ذلك إلاَّ قليل حتى اعتل فمات. ومنهم: العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وكان قدم على هارون الرقة فحباه حباء كثيراً، وعظمه أشدّ تعظيم، وأنّ العباس اعتلّ فدس له شربة، فلما استودعه إياها أذن له في الانحدار إلى مدينة السلام، وكانت سبب موته. ومنهم: إسماعيل بن هبار بن الأسود بن المطَّلب بن أسد دخل الحمام بالمدينة وفيه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وكان جميلاً بارعاً، فأمر يده على ظهره وعجيزته، وتكلم بكلام فيه بعض ما فيه، فضحك مصعب في وجهه ليونسه، حتى إذا كان الليل جمع مصعب رجالاً فيهم القتّال الكلابي، وبعث مولى له أسود، يكنى أبا عجوة، إلى ابن هبار، فدعاه فلما خرج إليه تنحى به إليهم، فوثب عليه القتال فضربه حتى قتله (١). وهو قول ابن قيس الرُّقيات:

стр. 99

فلن أجيب بليلٍ داعياً أبداً … أخشى الغرور كما غرَّ (١) ابن هبار باتوا يجرونه في الحشِّ منجدلاً … بئس الهديةُ لابن العمِّ والجارِ وطلب القتال فهرب وقال: تركت ابن هبار يصدّع رأسه … وأصبح دونى شابة وأروم (٢) بسيفِ أمرئٍ لن أخبر الدهر باسمه … ولو حفزت نفسي إلىّ هموم ودونى من الدّهنا بساط كأنه … إذا انجاب ضوء الصبح عنه أديم (٣) القتال: عبادة بن محبب بن المضرحيّ، وعبد الرحمن بن صبحان المحاربي (٤).

стр. 100

أسماء من قتل حميمة من الملوك عمرو بن تبَّع قتل أخاه حسان بن تبَّع. وسلمة بن الحارث الملك بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي قتل أخاه «شرحبيل بن الحارث» وكان الحارث ملك ولده سلمة على حنظلة وتغلب، وشرحبيل على الرِّباب وبكر بن وائل، وحجراً على كنانة وأسد ابني خزيمة، ومعد يكرب على قيس عيلان. فوثبت بنو أسد فقتلوا حجراً، وسعى المفسدون بين سلمة وشرحبيل حتى احتربا، فقتل سلمة شرحبيل. ومنهم: عبد الله بن الزبير قتل أخاه «عمرو بن الزبير»، وكان عامل المدينة (١) وجّهه لمحاربة أخيه ففضَّ جيشه وأسره، وكان عمروٌ بدنا (٢)، فأقامه عبد اللّه للناس وقال: من كان له عنده حقٌ فليقتص منه. فضرب حتى مات (٣).

стр. 101

ومنهم: عبد الملك قتل «عمرو بن سعيد بن العاص» - وأمّه أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص ابن أمية - وكان نازع عبد الملك وحاربه حتى جرت بينهما السفراء على أن يجعل عمرو مع كل عامل لعبد الملك عاملاً له، ففعل، فلم يزل عبد الملك يلطف له حتى قتله. وله حديث طويل (١). ومنهم: يزيد بن الوليد بن عبد الملك ويزيد الناقص (٢)، وثب على ابن عمّه «الوليد بن يزيد بن عبد الملك» فقتله واستولى على ملكه (٣). ومنهم: أبو جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وثب عليه عمه عبد الله ابن علي، وخلعه ودعا إلى نفسه، فظفر به فحبسه في بيتٍ فسقط عليه البيت. ومنهم: هارون الرشيد حبس عمه «جعفر بن المنصور (٤)»، المعروف بابن الكردية، فذكروا أنه أصابه زحير فمات منه.

стр. 102

ومنهم: عبد الله المأمون قتل أخاه «محمداً الأمين» واستولى على ملكه. ومنهم: أبو إسحاق المعتصم كان بلغه أن «العباس بن المأمون» قد مالأ ملك الروم على أهل الإسلام عام فتح المعتصم عمورية (١)، وأنه أراد الوثوب على المعتصم، فحبسه وأثقله بالحديد فمات في حديده.

стр. 103

وممن قتل غيلة زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي من بنى الحارث بن كعب، وكان خال أبي العباس أمير المؤمنين، وإنه ولاّه مكة والمدينة (١) فلم يزل عليهما حتى مات، فأقره أبو جعفر على عمله، ثم كتب إليه أن يقتل أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وكان شيخ بني أمية، فقتله. فلما تغيب محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضى اللّه عنهم، كتب إليه أبو جعفر أن يوثق عبد الله بن الحسن حديدا، ويضيّق عليه. فكان زيادٌ يرفه عن (٢) عبد الله ويحسن إليه في حبسه. ثم إن أبا جعفر كتب إليه يأمره بقتله، فلم يفعل، فعزله وأغرمه ثمانين ألف دينار، وكره أن يكشف قتله، لموضعه كان من أبي العباس. فلما أخرج أبو جعفر ابنه المهدي إلى الرىِّ. قال لزياد: سر مع ابن أخيك. فسار ثلاث مراحل. وإنّ زيادا تغدّى مع المهدي ثم انصرف إلى فسطاط، ثم أتى بقدح فشربه ولم يعلم المهدي بذلك. فلما ترحل الناس قام المهدي على باب سرادقه فقال: ويلك يا غلام (٣).

стр. 104

[ مهلهل بن ربيعة ] وإن (١) فتياناً من بني قيس بن ثعلبة اتخذوا طعاماً وابتاعوا خمراً، ثم أتوا عوفا فقالوا: إنا نحب أن تأذن لمهلهل يأتينا فيتحدث معنا اليوم. ففعل عوفٌ ذلك، فأتاهم مهلهل، فلما أخذت فيه الخمر جعل ينشد ما قال في بكر بن وائل وما ذكرهم به، فبلغ ذلك عوفاً فغضب، فحلف لا يذوق عنده قطرة شراب ولا ماء حتى يرد «دنيب (٢)» - وكان دنيب جملاً لعوف لا يرد إلاَّ خمساً - وشد عليه القدود (٣)، ثم تركه، فمات مهلهل قبل أن يرد دنيب (٢). وفي ذلك قال مهلهل: جللوني جِلد حوبٍ بازلٍ … يرتقى النفس موهناً للتراقى (٤) عند عوفِ بن مالكٍ لست أرجو … لذَّةَ العيش ما عصبت بساقى (٥)

стр. 105

وإليك ابنةَ المجلل عنِّي … لا يواتي العناقُ من في الوثاق (١) ومنهم: عامر بن جوين بن عبد رضا (٢) بن قمران (٣) الطائي أحد بني جرم بن عمرو بن الغوث، وكان سيداً شاعراً فارساً شريفاً، وهو الذي نزل به امرؤ القيس بن حجر. وكان سبب قتله أن كلباً غزت بني جرمٍ (٤) فأسر بشر بن حارثة، وهبيرة بن صخر الكلبي عامر بن جوين، وهو شيخ كبير، فجعلوا يتدافعونه لكبره، فقال عامر بن جوين: لا يكن لعامر بن جوين الهوان! فقالوا له: وإنك لهو؟ قال: نعم. فذبحوه ومضوا، وأقبل الأسود بن عامر، فلما رأى أباه قتيلاً بينهم أخذ منهم ثمانية نفر - وكانوا قتلوا عامراً وقد هبَّت الصَّبا - فكعمهم ووضع أيديهم في جفانٍ فيها ماء (٥)، وجعل كلما هبت الصَّبا ذبح واحدا

стр. 106

حتى أتى عليهم. وكان الذي ولى قتل عامر مسعود بن شداد، فقالت أخته عمرة بنت شداد: يا عين بكّى لمسعود بن شدادِ … بكاءُ ذي عبراتٍ حزنهُ بادِ (١) من لا يمارُ له لحم الجزورِ ولا … يجفُو الضَّيوفَ إذا ما ضُنَّ بالزاد ولا يحلُّ إذا ما حلَّ منتبذاً … خوفَ الرزيَّة بين الحضر والبادِ ألاَّ سقيتم بني جرمْ أسيركمُ … نفسي فداُؤك من ذي كربةٍ صاد يا فارساً ما قتلتم، غيرَ جعثنةٍ … ولا بخيلٍ على ذي الحاجة الجادى (٢) قد يطعن الطعنة النَّجْلاء يتبعها … مضرّج بعدها تغلي بإزباد ويترك القرن مصفراً أناملهُ … كانَّ أثوابه مجَّت بفرصادِ ومنهم: عنترة بن معاوية (٣) العبسي وكان أغار على بني نبهان فأطرد طريدة وهو شيخ كبير، فجعل يطردها ويقول: حظُّ بني نبهانَ منها الأثلبْ (٤) … كأنَّما آثارها لا تحجبْ آثار ظلمان بقاع مجدب (٥)

стр. 107

وكان وزر بن جابر بن سدوس بن أصمع النبهاني في منزه (١)، فرماه وقال: خذها وأنا ابن سلمى فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله فمات. فقال وهو مجروح: فإنَّ ابن سلمى عنده، فاطلبوا، دمي … وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي يظلّ يمشّى بين أجبال طيّئ … مكان الثريَّا ليس بالمتهضَّم (٢) ومنهم: عبيد بن الأبرص وكان المنذر بن امرئ القيس اللخمي، ابن ماء السماء، وهو الذي يسمى ذا القرنين، له يومٌ يخرج فيه فيقتل أول من يلقى في ذلك اليوم، فخرج فلقى عبيد ابن الأبرص. فأتى به، فلما رآه قال: ويلك، ما أتاني بك؟ قال: «المنايا على الحوايا (٣)». فذهبت مثلاً. فقال: أنشدني: • أقفرَ من أهله ملحوب … فقال: • أقفر من أهله عبيدُ … فقال: أنشدني: • أقفر من أهله ملحوب … فقال: «حال الجريضُ دون القريض». فذهب قوله مثلا، وقتله (٤).

стр. 108

ومنهم: طرفة بن العبد أخو بني قيس بن ثعلبة. وكان عمرو بن هند مضرط الحجارة (١) اللخمى جعل طرفة والمتلمس في صحابة قابوس أخيه، فكان قابوس يتصيد يوماً ويشرب يوماً. فكان إذا خرج إلى الصّيد خرجا معه، فنصبا وركضا يومهما، فإذا كان يوم لهوه وقفا على بابه يومهما كله، فلما طال عليهما ذكره طرفة فقال: فليت لنا مكان الملك عمرو … رغوثاً حول قبتنا تخور يشاركنا لنا رخلانِ فيها … وتعلوها الكباشُ فما تثورُ (٢) لعمرك إنَّ قابوس بن هندٍ … ليجمع ملكهَ نوكٌ كثير (٣) قسمتَ العيشَ في زمنٍ رخىٍ … كذاك الحكمُ يعدل أو يجورُ لنا يومٌ وللكروانِ يومٌ … تطيرُ البائساتِ وما نطيرُ (٤) فأما يومهن فيومُ سوءِ … يطاردهن بالحدب الصقور وأمَّا يومنا فنظلُّ ركباً … وقوماً ما نحلُّ وما نسير وقد كان طرفة هجا ابن عمّ له وصهرا يقال له عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد، فقال: لا عيبَ فيه غير أن قيل واجدٌ … وأنَّ له كشحا إذا قام أهضما (٥)

стр. 109

وكان عبد عمرو نديماً لعمرو بن هند وجليسا وإنساً (١)، فدخل معه الحمام، فلما تجرد نظر إليه عمرٌو فقال: كأن ابن عمك كان يراك حين يقول: لا عيب فيه غير أن قيل واجدٌ … وأنَّ له كشحا إذا قام أهضما (٢) حتى أتى على الشعر. فقال: ما قال فيك أيها الملك أشدُّ! قال: وما قال؟ قال: فأنشده: • فليت لنا مكان الملك عمروٍ … إلى آخرها. فقال: لا أصدقك عليه؛ لما بينك وبينه. واحتملها في قلبه على طرفة. فلما كان بعد ذلك بيسير قال لطرفة وللمتلمس: أظنكما قد اشتقتما أهلكما، فهل لكما في أن أكتب لكما إلى عامل البحرين بصلةٍ وجائزة؟ قالا: نعم. فكتب إليه بقتلهما، فأخذا كتابهما ومضيا، وأحسَّ المتلمسُ بالشر وخاف الداهية، فقال لطرفة: إنَّ حملنا هذين الكتابين ولا ندري ما فيهما عجز، فهل لك أن ننظر فيهما؟ فقال طرفة: لم يكن ليقدم على ولا على قومي، وما بينهما إلّا خير! فمرّا بنهر الحيرة فإذا بغلمان يلعبون، ففكّ المتلمس صحيفته ودفعها إلى غلامٍ منهم فقرأها فإذا الشرُّ، فألقاها في الماء وقال لطرفة: اعلم أنَّ في كتابك ما في كتابي. فقال: لم يكن ليفعل ولا يجترئَ على قومي. فقال المتلمس: قذفت بها بالثّنى من جنب كافرٍ … كذلك أقنو كلَّ قطٍ مضللِ (٣) رضيت لها بالماء لما رأيتها … يجول بها التّيّار في كلّ جدول

стр. 110

ومضى المتلمس إلى الشام، ومضى طرفة بكتابه إلى عامل البحرين، وهو عبد هند بن جرد بن جرى بن جروة بن عمير التغلبي، فلما قرأ الكتاب قال: أترى ما في كتابك؟ قال: لا. قال: فإن فيه قتلك، وأنت رجلٌ شريف، وبيني وبين أهلك إخاءٌ قديم فانج قبل أن يعلم بمكانك؛ فإني إن قرأت كتابك لم أجد بدَّا من قتلك! فخرج ولقيه شباب (١) من عبد القيس، فجعلوا يسقونه ويقول الشعر، فلما علم بمكانه قدمه فضرب عنقه. وهو قول المتلمس: وطريفةُ بن العبدِ كان هديهم … ضربوا صميم قذاله بمهندِ (٢) ومنهم: بشر بن أبي خازم الأسدى وكان أغار في مقنبٍ من قومه على الأبناء من بني صعصعة بن معاوية - وكان بنو صعصعة (٣) إلّا عامر بن صعصعة يدعون «الأبناء»، وهم وائلة (٤)، ومازن، وسلول - فلما جالت الخيل بموضع يقال له الردة (٥) مرَّ بشر بغلام من بني وائلة (٤)، فقال له بشر: أعط بيدك (٦). فقال له الوائلي (٧): لتتنحين أو لأشعرنك سهماً من كنانتي (٨)! فأبى بشرٌ إلاَّ أسره، فرماه بسهم على
следующие страницы →