الإمَامُ البِقَاعِيّ
جهادُه ومنهاجُ تأوِيله بلاغة
القرْآن الكَرِيم
إعداد
محمود توفيق محمد سعد أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف شبين الكوم.
الطبعة الأولى
١٤٢٤هـ
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
ملحوظة مهمة)
هذا البحث قد تمَّ نشلره في القاهرة - مكتبة وهبة
وعنواها: القاهرة شارع الجمهورية - عابدين - هاتف رقم ٣٩١٧٤٧٠
وقد وضعته هنا لمن لم يتسير له اقتناء النسخة الورقية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾
اللهمَّ صلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ كما صلّيت علَى إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنّك حميدٌ مَجيدٌ، وباركْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركت على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ
أمَّا بعدُ، فإنَّ من سنَّة الله في خلقه أنَّه ما أوغلت أمة من الأمم في البعد عن طاعة الله ورضوانه، واستهترت في الذنوب والمعاصي إلاَّ أقام فيها نبيًّا أو أرسلَ رسولا
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر:٢٤)
حتى كانت خاتم الأمم: أمَّة العربِ اتَّخذت الشرك دينا والظلم منهاجا والآثام احترافا، فأرسل فيها خاتمَ الرُّسلِ وأكرمَهم عليه ﷻ سيدنا محمد بن عبد الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وأنزل عليه"القرآن الكريم" وجعله الكتابَ المُصدِّق لما بين يديه والمُهَيْمِنَ والناسخ للشرائع التي سبقته:
стр. 2
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة:٤٨)
ولمَّا كان النبي محمد ﷺ خاتم الرسل وكانت أمته: أمة الدعوة أبسط الأمم موطنًا وأمدَّ الأممِ زمانًا، وكان لزامًا أن يُوغِل بعضُ هذه الأمةِ بل وأغلبُها في البُعد عمَّا يرضي رب العالمين ﷻ ، وليس من نبيّ آت من بعده، كان من فضل الله على هذه الأمة أن يبعث فيها على رأس كل مئة سنة من يُجدِّد لها دينها:
روى "أبو داود ﵃ في سننه في صدر كتاب الملاحم بسنده عن أبي هريرة ﵃ أنَّ رسول الله ﷺ قال:
" إنّ الله يَبْعَثُ لهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلّ مِئَةِ سَنَةٍ مَن يجَدِّدُ لها دِينَها "
أولئك المبعوثون إنَّما هم أئمة العلماء: ورثة الأنبياء، يجددون لهذه الأمَّة فقه دينها، فيتجدد لها تدينها, وحسن التزامها في سلوكها بما جاءها عن الله في كتابه وعن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا في سنته المطهرة على النحو الذي يرضي به الله
إنّ تجديد العلماء: ورثة الأنبياء للدين إنّما هو تجديد فهم للكتاب والسنة فهما يبعث الناس على حسن التديُّن بالكتاب والسنة وليس غيرهما.
стр. 3
ومن لطيف وبديع البيان النبوي أنَّ ما يكون فيه تجديد العلماء المبعوثين على رأس كل مئة سنة سمَّاه " دينًا " أي تديّنًا.
في هذا إشارة نبوية إلى أنَّ ما يكون من العلماء في فهم الدين (النَّصِّ/ الخطاب الإلهي والنبويّ للأمّة) هو من الدَّين (التَّدين) وليس شيئا خارجا عن الكتاب والسنة بل هو شيءٌ خارج منهما، فاجتهاد العالم في فهم الكتاب والسنة وفق أصول الفهم الصحيح لهما هو من الكتاب والسنة، فعَلى الأمّة ألاَّ تطمَئِنَّ إلى اجتهادٍ إلاَّ إذا كان من عالمٍ بالكتاب والسنَّة وطرائق فقههما، وأن يكونَ اطمئنانُها إلى ما جاء عن مجامعِ أهلِ العِلْمِ أقوى من اطمئنانها إلى ما جاءت به الغرائب والفرائد من اجتهادات فردية، فنحن اليوم في سياق الاجتهاد الجَمْعِىِّ الذي يتظاهر ويتعاون عليه جمعٌ من أهل العلم المتخصصين المخلصين, فإنَّ في اجتماعهم وتشاورهم وتناصحهم مأمنًا من العثرة، ومن إغواء شيطان أو جرأة سلطان.
وفي هذا أيضًا هديٌ نبويٌّ للأمّة أنَّ ما يأتي به العلماءُ من اجتهاد في فقه وفهم الكتاب والسنّة وفقَ أصولِ الفقه والفهم عن الله رب العالمين وعن رسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إنَّما فيه خير هذه الأمة، وأنّ عليها أن تقبل على هذا الخير وأن تشكر الله على أنْ أقام فيها من يجدد لها فقهها وفهمها لكتابه وسنة نبيه ﷺ ، فيكون من ذلك التجديد في الفقه والفهم تجديد التدين بالكتاب والسنة
وفي هذا هدْيُ نبويٌّ للأمة – أيضًا – أن ترعى لعلماء الكتاب والسنة العاملين بهما حقّهم، فلا يعتدى على أعراضهم وسيرهم، ولا يسمع لمقال مفسد يرمى بإفكه في آذان الدهماء بما يجرح صور علماء الأمة في أفئدة أبنائها, فيرغبون عنهم إلى غيرهم من الذين يتكسبون عرض الدنيا بالقول في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ -
стр. 4
وفي البعث على رأس كل مئة سنة إشارة إلى أن الله من فيض رحمانيته ورحيميته لم يدع هذه الأمة تقيم في الإيغال في المعصية والاستهتار في البعد عن الطاعة أمدًا طويلا بل يجعل في كل جيل من أجيالها من يُجدِّد لها دينها، فلا تتراكم الدياجير عليها، فيكون إخراجها من تلك الدياجير غير عسير؛ لأنَّ من أقام في ظلمات المعصية أمدًا بعيدًا كان غير يسير على من قام لإخراجه منها أن ينجز ما قام له،وهذا من فيض العون الإلهي لورثة النبي ﷺ
المجدد المبعوث على رأس كلِّ سنة لايكون واحدًا بل يكون البعث لأكثر من واحد في مجالات عدة، ومن ثمَّ فإنِّي أعدُّ بعضًا من أهل العلم في قرن واحد ومجالاتٍ من الفقه في الكتاب والسنَّة ممن ابتعثهم الله يجدد لهذه الأمة دينها: فهم كتابه وسنة نبيه ﷺ
في القرن التاسع الهجري مجددون لهذه الأمة منهم "برهان الدين البقاعي" صاحب تفسير" نظم الدرر"، جدّد لهذه الأمّة فهم كتاب الله
وقدرغبت في أن أعدّ هذا الكتاب عن حياة عقله وجهاد قلمه ومنهاج تأويلِه بلاغة القرآن الكريم وأنشره في طلاب العلم بالكتاب والسنة.
ومن ثَمَّ جعلتُ الكتابَ بابين:
الأول: جهاده في طلب العلم وتعليمه.
والباب الثاني جعلته لتبيان منهاجه في تأويل بلاغة القرآن الكريم
وقد حرَصْتُ على أنْ أذكر نماذج من تفسيره " نظم الدرر" لما أراه معلما من معالم منهاجه في تأويل القرآن الكريم عسى أن يكونَ في قراءة هذه النماذجِ ما يُغري القارئَ بالقراءةِ في تفسيره نفسه قراءةَ بحثٍ وعرفان جديرٍ بالصبر والمصابرة
стр. 5
في عصر تنادى شرزمة بأنّه لا يسعها ما وسع الصحابة في عهد النبوة، وبأنَّ علينا أن نعيد قراءة القرآن الكريم قراءة عصرية تتواكب مع حركة الحياة في عصر (العولمة) فتكاثرت الأسفار بتلك القراءات التى ليس من همِّها في المقام الأول إلاَّ تَسْفِيهِ التُّراثِ التأويليِّ لأهلِ السُّنَّة والجماعة واستعلاء شأن التأويل الفلسفيِّ للقرآن الكريم الذي تولى كبره شرزمة من المنسوبين إلى العلماء من أمثال "ابن عربي" وتفسيرات بعضِ المعتزلة الذين يجاهد بعض المشتغلين بالعلم في نشر منهاجهم العقلي المستعلِي على النصّ والدعوة إلى أن النصّ ليس مقدمًا على العقلِ بل للعقل المجرَّدِ من التَّبعيَّة للنصّ سلطان على النّصِّ وإن كان متواترًا.
ومن ثمَّ رأينا من يحاول مخفقا أن يطبق المناهج الأعجمية في نقد النصوص الأدبية على البيان القرآنيّ،ورأينا من ينادي في تلاميذه بوجوب دراسة القرآن الكريم " دراسة أدبية " وأنَّ أيَّ درس للقرآن الكريم لا يقوم على هذه الدراسة الأدبية هو درس عقيم وأنَّ الدرس الأدبي قائم على نزع الإيمان بقدسية النص في أثناء دراسته، فيكون محل مناقدة كمثل أي نصّ، فإذا ما انتهت الدراسة الأدبية للنصّ، فله أن يعودَ إلى إقامة قدسيّة النصّ القرآنيّ في قلبه، هكذا وكأنَّ قدسية القرآن الكريم وإقامتها في القلب رداء أو ما دونه ينزع متى شاء النازع ويُوضع متى شاء.
كلّ هذا بدعوى الموضوعيّة العلميّة في البحث العلميّ، وغير هذا كثير تموج به الصحائف المنشورة في العباد
стр. 6
ولعَلّي لأنشرُ قريبا إن شاء الله تعالى في طلاب العلم كتابًا قائما ببيان ضوابط فقه المعنى من الكتب والسنة قد فرغت بحمدالله من إعداد مسودته الأولى، وأسأل الله العون على تنقيحه وتبيضه عسي أن يكون فيه عونٌ لمن يبحث عن الحق فيَسْتَبْصِره ولعلِّى أقوِّضُ شيئًا ممَّا يبنى المفسدون من مسجد ضرار، فأكون ساعيًا إلى أداء بعض ما فرض علينا من النصيحة لكتاب الله ﷻ .
روى الإمام "مسلم" ﵁ في صحيحه من كتاب الإيمان بسنده عن"تميم الداريّ" ﵁ أنَّ النّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا قال:
" الدّينُ النَّصيحةُ. قلنا: لمن؟ قال: " لله ولكِتابِه ولرسُولِه ولأئمَّة المسلمين وعامتهم "
ولوأنَّ كلَّ طالب علم ومشتغلٍ به أقام ذلك الحديث الجليل نصب عينيه، وكان على ذُكْرٍ من أنَّ مجال الجهاد بالكلمة الحقّ والمرابطة في تحقيق الحقائق العلمية في باب العقيدة والشريعة باب وسيع من أبواب الجهاد في سبيل الله ، لاستعذب ماسيلقى في ذلك السبيل من فتن ومحن، وقد قال الله لنا:
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ (الفرقان: من الآية٢٠)
стр. 7
وإنَّ من أشدَّ الفتن التي تهلك غير قليل من طُلاَّبِ العِلْمِ في زماننا فتنة إعلاء ذوى الأمر والسلطان من شأن أهل الفسق والعصيان وتقريبهم وتوليتهم كثيرًا من شؤون البلاد والعباد، وإغداق الأموال وصنوف التكريم عليهم وإبعاد أهل العلم والتقوى والتغافل عن تكريمهم إذا ما أحسنوا، فظنَّ صغار طلابُ العلمِ أنَّ في هذا ما يشفع لهم في الإعراض عن المجاهدة في باب العلم والمرابطة في ثغور الدعوة وتنوير القلوب بمعانى الهدى من الكتاب والسنة، وفيه ما يسوغ لهم الارتماء في أخضان إخوان الشياطين وتكثير سواد أهل الحل والعقد في شؤون البلاد , فتسارعوا إلى أبواب كل ذي سلطان وأعرضوا عن أبواب وراثة سيد المرسلين صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إنَّ مما يجدر بكلٍّ داعية إلى الله مجاهد بكلمة الحقّ مصاحبة سورة " العنكبوت" ترتيلا، وفقها، وتخلقًا بما فيها من معانى الهدي إلى الصراط المستقيم هي سورة قائمة بالتحريض على المجاهدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتصدي لباطل أهل الدنيا، فإنَّهم في باطلهم وإن بَدَوا في ظاهرِ النَّظرِ أقوياءَ مَنَعَةً، فهم في حقيقتهم يحتمون بما هو أوهى من بيت العنكبوت، لايتردَّى فيه إلا من خُدِعَ به أمَّا أهل البصيرة فإنهم القادرون على اجتثاثه.
﴿ألم*أَحَسِبَ النَاسُ أن يّتْرَكُوا أن يّقُولُوا آمنَّا وَهُمْ لايُفتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:١-٢)
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:٦٩)
стр. 8
فانظر راشدًا مطلع التلاوة من تلك السورة ومقطعها، فإنَّ فيها ما يفتقر كل داعية إلى الله – وكل مسلم داعية بلسان حاله – إلى أن يقوم طويلاً في فقهِ وفهمِ ما هو مَكْنُونٌ فيها من معانى الهدى إلى الصراط المستقيم، فإنْ جمعتَ إلى ذلك فقه وفهم معانيَ الهُدَى في سورة (النحل) كان لك من ذلك زادٌ كريم لا يفنى ولا تنقضي عجائبه ولذائذه
وإنَّ مما ينفع طالب العلم ويعينه بإذن الله حسن قراءة حياة الأئمة من العلماء بالكتاب والسنة ولا سيّما في عصور الطغيان وتكاثر متاع الحياة الدنيا، ففي كل عصر من تلك العصور علماء أئمة عضّوا على الهدى بنواجذهم واستمسكوا بالهدى، وما ألقوا بجباههم من تحت نعال ذوى السلطة بل قالوا كلمة الحق واشعلوا مصابيح الهدى في دياجير الباطل.
وإنّ علينا أن نقدم حياة أولئك العلماء القائمين الشامخين في وجه الطغيان الصابرين على مناصرة الحق والصابرين عن إغراء المال والسلطة والجاه المنثور من تحت أقدام الشيطان
اللهم أني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تصلي وتسلّم وتباركَ على عبدك ونبيّك ورسولك محمد بن عبد الله وعلى آله وأزواجه وصحبه وورثته من أهل العلم في كلّ لمحة ونفسٍ عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك
وأن تجعلنى ووالديّ وذريتي وأهل بيتي من أهل القرآن الكريم ظاهرًا وباطنا في الدّارين
وأن ترفع بالقرآن الكريم بين عبادك الصالحين ذكري في الدنيا والآخرة
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: من الآية٢٠١)
стр. 9
وأن تجزي عبدك " برهان الدين البقاعي " عن القرآن الكريم خير الجزاء فقد كان فيما أحسب ولا أذكي على الله أحدًا ناصحا لكتاب الله ﷻ بما قدمه لنا من تفسيره: (نظم الدرر) ، وأن تجزيه عنى وعن طلاب العلم بكتاب الله ولسان العربية أفضلَ ما جازيت عالمًا عن طلاب علمه.
وأن تحزي عنى والديّ بما ربياني صغيرًا وأغرياني بأن أكون من أهل طلب العلم بكتاب الله وسنة رسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَىآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا
وأن تجزي عنى خيرالجزاء، وأكرمه، وأدومه شيخي": " مُحَمَّد أبو مُوسَى" الذي جلست بين يديه الكريمة بالعطاء في قاعات العلم بجامعة الأزهر الشريف، فإنَّ له يدًا باقية مجيدة حميدة في محبتي الاعتكاف على فقه لسان العربية في البيان العالى شعرا ونثرًا والبيان العَلِىّ المعجز: قرآنا وسنة وعلى نشرذلك وتعليمه للعباد، وقد علمنى - أعزّه الله - أنَّ ذلك باب رئيس من أبواب إنقاذ الأمة من براثن الجهالة والمذلة
وقد كان له - رفع الله ذكره بالقرآن الكريم في الدارين - وما يزال أثرٌ نافذٌ في كثير من طلاب علم العربية، ألقى بنور عقله وقلبه على الصراط فمهَّد وأغرى، ولا يكاد يجحد فضله ويده إلا جاهل أو حانق، وسيبقى أثره فينا إن شاء الله ما بقيت لنا على الأرض حياة وحسبه من نعيم الدنيا ذلك
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وأزواجه وصحبه وورثته من أهل العلم ومن والاه في كلّ لمحة ونفس بعدد كل معلوم لديه والحمد لله رب العالمين
وكتبه
محمود توفيق محمد سعد
الأستاذ في جامعة الأزهر
القاهرة: حدائق الزيتون
ربيع الأول ١٤٢٣
стр. 10
الباب الأول: جهاده في طلب العلم وتعليمه.
جهاده
توطئة.
إنَّ الله لمَّا جعل عبده سيّدنَا محمدًا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا خاتمَ الأنبياءِ والمرسلين،وجعل دينه:الإسلامَ خاتم الأديان، وللناس كافة:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:٢٨)
وكان من شأن الناس حاجتهم إلى من يأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُور ُ﴾ (الشورى:٥٣)
جعل ذلك رسالة العلماء من بعده ﷺ ، فكانوا نُجومَ الأُمَّةِ كما أخبر ﷺ فيما رواه "أحمد" ﵃ في مسنده عن "انس بن مالكٍ ﵃:" قال النبيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا:
" إنَّ مثَلَ العُلماء فِي الأرضِ كَمَلِ النٌّجومِ فِي السَّماءِ يُهتَدَى بِها فِي ظُلُماتِ البَّرِّ وَالبَحْرِ، فإذا انْطَمَسَتِ النُّجومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الهُداةُ "
(مسند أحمد ج٣ص١٥٧)
وجعلهم ورثة الأنبياء: روي "أحمد" ﵃ في مسنده عن "أبي الدرداء ﵃ "أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ:
" ... إنَّ العلمَاءَ هُمْ وَرَثَةٌ الأنْبِياءِ، لم يورثُوا دينَارًا وَلا دِرْهمًا،وإنّما ورّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخذه أَخذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " (مسند أحمد: ٥/١٩٦)
وعلى مقدار عقل المرء يكون مقدار سعيه إلَى أن يأخُذَ منْ ميرَاثِ النُّبوة قولاً وعمَلا، فكَثُرَ في الأُمَّة قديمًا السّاعين إلى أنْ يأخذوا من ميراثِ النّبُوّةِ؛ ليقوموا بِتِبْيانِ الصِّراطِ المستقيم في كلّ ما يَجِدُّ من حركة الحياة المُتَجَدِّدَةِ.
стр. 11
وإنَّ مما يغري - أيضًا - بالحِرْصِ على أن يكون المرء من أهل العلْمِ الوقوفَ على سيرة العلماء المَاجِدة، ولا سيّما أولئك الذين أَقبلُوا علي طَلَبِه احتسَابًا بقلب مفتوحٍ فلم يتخذوا من طلبه منهاج التكرار لما جاء
عن سلفهم بل اتخذوا منهجا نقديًّا يستثمر عَلِيَّ القول وكريمَه ويضِيفُ إليه؛ لما جاءت به الحكمة النبويّة الجليلةُ:
روى "التّرمزِيُّ ﵃ بسنده عن حذيفة ﵃ قال: قَالَ رسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا:
" لاَ تَكُونُوا إِمَّعَة:
تَقولُون:إنْ أحسنَ النّاسُ أَحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، ولكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا "
(صحيح الترمزي: كتاب: البر - حديث:٢٠٠٧)
العلماءُ هُمْ أقدرُ الأمَّة على التأدّب بهذِه الحِكْمَة النَّبويَّة المُغْرِيَةِ بمنهج نقدي لكل ما تجري به حركة الحياة، وهو منهج لا يقتدرُ عليه إلاَّ من كان طيّبَ المَنْبَتِ والمَرْعَى سامي الغاية يرى الدنيا كما هي عند خالقها، فلا يجعلها في قلبه فوق حقيقتها، فهو يَعْجَبُ لِمَنْ يُغْرِي بِها عالمًا، وقد جعله ربّه وارث نبوةٍ،لا وارثَ ملك يزول،ويعجبُ أكثر ممن ينتسب إلى أهل العِلْم ويتطلع إلى ما تلّوح به يد السّلطان من لُعضاعضة الدّنيَا.
و" برهان الدين البقاعيّ " فيما أحسب - ولا أذكي على الله أحدًا -واحدٌ منْ أؤلئك العلماء المجاهدين في طلبهم العلم وتعليمه ونشر أسفاره النافعة في الأمة.
قدَّم لأمّته كثيرًا من أسفار العلم النافع، فرغبتُ في أن أُطلِعَ طُلاَّبَ العلمِ على شيءٍ من جهاده.
стр. 12
الفصل الأول جهاده في طلبِ العِلْمِ وتعليمِه
المَنْبِت والمرعى..
في مطلع القرن التاسع الهجري وفي أرض الشام كان هنالك مَقْدَمُ رجلٍ سيكون له مع تثوير القرآن الكريم وتدبره منهاجٌ يرفع ذكرَه بين أقرانه في عصره، ثُمَّ في العصور المتتابعة من بعده، ويجعله بارزًا ذكرُه بين القائمين إلى تدبر البيان القرآني الكريم، وهم من قبله ومن بعده كثير لا يكاد يُحصَى عددُهم، ولكنَّه سيحظى بأنْ يكونَ رأسًا في منهاج من مناهج التدبُّر البيانيّ للقرآن الكريم، وهو وإن لم يكنْ المؤسِّسَ ذلك المنهاج، فإنّه الرافعُ لقواعدِه المرابطُ على ثغرِه يَزُودُ عنه، ويُكملُ بنيانَه
ذلك القادم من أرض البقاع، المنسوب إليها، فجعلها على لسان كثير من أهل العلم، فكان البارَّ بذكرها:
"إبراهيم بن عمر بن حسن الرُباط بن على بن أبي بكر " " أبو الحسن برهان الدين البقاعي" ينتهي نسبُه - كما يذكر - إلى سيدنا" سعد بن أبي وقاص الزهريّ" ﵃ (١)
стр. 13
وكان مولده في قرية " خَرْبَة رَوْحَا" من البقاع العزيزي بأرض الشام سنة تسع وثمان مئة من الهجرة، وقد تناقل ذلك التاريخ عنه من أرخوا له (١)
وقد بقي في قيد الحياة الدنيا سِتًا وسبعين سنة عانى من الكبد والكمد ما عانى حتّى رحل إلى ربه ﷻ ليلة السبت الثامن من شهر رجب سنة خمس وثمانين وثمان مئة (٨٨٥) بدمشق ودفن يوم السبت في المقبرة الحميدية من جهة قبر"عاتكة" بدمشق (٢)
***
مذهبه العقدي والفقهيّ: كان " البقاعيّ" في باب العقيده على منهاج الأشاعرة وفي فقه الشريعة على منهاج الإمام الشافعيّ ﵁
ولم يكتف بذلك بل درس المذهب المالكي على شيخه "المشدالى" بالأزهر الشريف، ودرس "الموطأ" على شيخه محمد بن على الصفوي" بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وثمان مئة (٣)
والجمع بين مذهبين فقهيين في الدرس من بعد التمكن في أحدهما معينٌ على اتساع النظر العقلى ونفاذ البصيرة
اختلاف المذاهب الفقهية أساسُه اختلافٌ في منهاج التبصُّر في نصوص الكتاب والسنة من جهة والتبصُّر في حركة الحياة والسياق الحضاريّ الذي يقوم فيه صاحب المذهب ودارسه، فليس فقيها من عكف على حفظ آراء أهل العلم وحوى صدره ما سطَّروه في أوراقهم وأسفارهم وانعزل عن حركة حياة قومه وسياق وجودهم الزماني والمكاني، فإذا ما كانت شريعة الإسلام صالحة لكلّ زمان ومكان كما هو مشهور فإنّها أيضًا مُصْلِحَةٌ كلّ زمان ومكان، فما من عصر أو مصر عمَّه الفساد فأسلم أمره إلى شريعة الإسلام إسلامَ المريض أمره إلى طبيبه إلا عوفي وعاد إليه مجده وعزّه وأمنه.
إنَّ على فقهاء الأمة في عصرنا هذا وما يردفه من العصور فريضة لازمة لا يقوم بها فرد من جمعهم:
стр. 14
عليهم الوعي البالغ بحركة الحياة المتجددة تجددًا محمومًا يستوجب أن تصاحبه حركة تفقه بالغ لتلك الحركة في نور الكتاب والسنة، والسعي إلى ما يستبقي الناس في دائرة الطاعة والتباعد بهم عن حرج التضييق والتشديد، وعن إلزامهم بمباعدة ما لم تقطع الأدلة بحرمته إذا ما حملتهم حاجة على المقاربة
الخير في أن ندع للناس - ولا سيما الدهماء - مساحة متسعة من المباح ومما لم تتواتر علي حرمته تحقيقات العلماء المحررين المتقين، فإنَّ مغريات الحياة أقوى من ركائز الإيمان في قلوب غير قليل من الناس، فإذا ما توافدت على مسامعهم كلمات التحريم غير المقطوع بدلالة النصوص عليه في كل ما يستفتون فإنّ سبل الفرار كثيرة.
ليكن فقهاؤنا ربانيين، ولن يتحقق مثل هذا إذا ما حصرت أبصارهم وبصائرهم في ما جاءت به المذاهب الفقهية الأربعة، وفي تراث علمائنا من قبل أولئك الأمة الأربعة ومعهم ومن بعدهم اجتهادات للأئمة علماء لا يقلون شأنا في علمهم واجتهادهم، ونصحهم لله ولكتابه، ولرسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَىآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وللأئمة المسلمين وعامتهم احتسابا لرضوان ربهم وجدير بنا أن نحيي درس تراثهم والاستفادة من أصول النظر عندهم.
***
رحلاته العلمية:
المرحلة الأولى: (٨٠٩ - ٨٣٥)
لمّا أدرك البقاعيّ تلقى علومًا عدة في قريته "خربة روحا" قرأ على عمه الشهاب البقاعي (٧٧٠-٨٢٠) القرآن الكريم وحفظه ولازم زاوية الشيخ " موسى" لمراجعة محفوظه من القرآن الكريم، وصلّي به (١)
стр. 15
هذا آية على إتقانه الحفظ والترتيل وهذا منهاج جليل يكشف عن تمكن الطالب من حفظ كتاب الله ، فليتنا نأخذ بمثله في تعليم طلابنا في المراحل الأولى من التعليم بأزهرنا الشريف، فيمنح طلابنا اقتدارًا على حسن ترتيل القرآن الكريم من بعد حفظه؛ لأنَّ الصلاة به في جماعة جهرية من عوامل تثبيت حفظه في الصدر.
ثُمّ كانت بلية لقومه في العام الحادى والعشرين من القرن التاسع (٨٢١) والفتى في الثانية عشرة من عمرة، تودي البلية بجمع من أهله: والده وعميه، وستة آخرين، فيغادر قريته مع أمه وجده متنقلا في قرى عدة: يدخل قرى وادي التيم، والعرقوب ويظل بها حتى دخل دمشق" سنة (٨٢٣) فينشط في طلب العلم:
يدرس الشاطبية حتى سورة المنافقون على شيخه" شرف الدين المسحراتي " (ت٨٢٥) (١)
ويقرأ النحو والتصريف والفقه والمعقولات على شيخه الأثير عنده " محمد بن بهادر" (ت:٨٣١) فلازمه (٢)
ويتلقى المنطق على الشيخ "البدر الهندي" (ت٨٣٣) تلميذ السيد الشريف (ت٨١٦) فيعجب الشيخ به، ويعده أنْ يعلمه " علم الهندسة" غير أن "البدر" غادر دمشق إلى" حماة" من قبل أن يمكن من الوفاء بوعده (٣)
وفي سنة (٨٢٨) يدرس على الشمس بن الجزري (ت:٨٣٣) القراءات العشر، ويحفظ "النشرفي القراءات العشر"، ويجيزه بكل ما يجوز للشيخ (٤)
ويرحل إلى"القدس" لأول مرة مع والدته، فيَدْرُس هناك " علم الحساب" على شيخه" العماد بن شرف" (ت:٨٥٢) ويحفظ منظومتى " ابن الهائم " في الجبر وقواعد الإعراب، ويعرضهما على شيخه "العماد"، فيعجب به، ويلقبه بالشيخ والإمام والمقرئ المجيد (٥)
стр. 16
وفي رمضان من العام نفسه توفيت والدته بالقدس، ويبقي فيه حتى شهر " ذي القعدة "، فيرتحل إلى دمشق، ويحفظ فيها كتاب" البهجة نظم الحاوي" في الفقه الشافعي، ويقرأ على "ابن قاضي شهبة" كتاب الحاوي" قراءة بحث، ويتم تأليف كتابه: " كفاية القارئ وغنية المقرئ في رواية أبي عمرو" (١)
ويقرأ على "تقي الدين الحصنى الشافعي" (ت:٨٢٨) شرحه للتنبيه، والمنهاج، ويبقي ملازما شيخه " ابن بهادر " حتى وفاة الشيخ سنة (٨٣١) فيغادر"البقاعي" دمشق مرة أخرى إلى" القدس " فيزيد في منظومته: " الباحة في علم الحساب والمساحة" التى بدأها سنة (٨٢٧)
ويدرس كتاب " الوسيلة في الحساب والفقه والفرائض " على شيخه " زين الدين ماهر بن عبد الله " تلميذ ابن الهائم، ويتلقى" النحو" على التاج الغرابيلي (ت:٨٣٥) ويدرس كتاب " التحفة " لابن حجر على " العماد بن شرف"، ويظل بالقدس مستشرفا لقيا "ابن حجر"، فلما عنَّت له حاجة في "الخليل " رحل إليها ومنها إلى"غزة" فكانت الرحلة إلى "القاهرة"، فدخلها، ومثل بين يدي " ابن حجر العسقلانيّ " في شهر صفر الخير سنة (٨٣٤) فكتب جملة من تصانيف شيخه وقرأها عليه وأذن له في التدريس (٢)
وسمع في هذه الرحلة من علماء القاهرة ولا يبقى في القاهرة طويلا فيعود إلى"القدس" مرة أخرى في العام نفسه، فيتلقى "سنن أبي داود" وغيرها على بعض شيوخ "القدس.
стр. 17
ويستشرف إلى الإقامة في القاهرة، فيرجع إليها سنة (٨٣٥) ليبقى بها خمسة وأربعين عاما، فتنتهى مرحلة من مراحل تلقيه العلم لتبدأ مرحلة أخرى يجمع فيها بين تلقيه العلم من أعلامه وتعليمه طلاب العلم ما تلقاه، حرصًا على أن يكون المتعلّم المعلّم، وذلك شأن العاقل من المنتسبين إلى هذه الأمة المحمدية غاية ومنهاجا، فلا خير في يوم لا يتعلم فيه المرء علما نافعا، ولا يعلم فيه مسلما ما ينفعه إن بلسان مقاله أو قلمه وإن بلسان حاله وفعاله وأخلاقه.
*****
المرحلة الثانية: (٨٣٥ - ٨٨٠)
اتخذ في هذه المرحلة القاهرة دارًا ووطنا، وقام ببعض الأسفار داخل الديار المصرية، وخارجها، وكان يقيم في القاهرة فوق مسجد في " رحبة باب العيد" وهي رحبة واسعة كانت أمام الباب الشرقي للقصر الفاطمي الكبير الذي أنشأه "جوهر الصقلى" للمعز الفاطمي، وهي الآن متفرعة من شارع قصر الشوق بالغورية بالأزهر، وما يزال شارع " رحبة باب العيد " قائما عامرا
تولى "البقاعي" وظيفة "معيد" بهذا المسجد، وبمسجد "الظاهر" وهي وظيفة يقوم صاحبها بتفهيم بعض الطلاب ما لم يستطيعوا فهمه من الشيخ، فيعيد الدرس عليهم بشيء من التوضيح كما يقول التاج السبكي في "معيد النعم "
стр. 18
وليت هذا المسجد: مسجد الظاهر يعتنى الآن بشأن التعليم والدعوة فيه ليكون منارًا علميا تربويا في تلك البقعة القائم فيها فإنَّ جيرانه ليفتقرون إلى أن يشرق عليهم منه نور العلم النافع، فلا يكتفى بأن يكون أثرًا إسلاميًا يشاهده غير المسلمين ولا ينتفع منه أبناء الإسلام بشيء غير إقامة الصلوات المفروضة، ثُمّ تغلّق الأبواب في وجوههم، فليست المساجد في الإسلام لإقامة الصلوات فحسب بل هي كذلك ومعاهد تربية ومجامع شورى ومنازل تراحم وتواصل، ولكن القوم مخافة على كرسيّ إماراتهم ارتعدت فرائصهم من أن يتلاقى الشباب برعاية عالم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، فغلقت المساجد في غير أوقات الفرائض، وفتحت المواخير في كل وقت ولكلّ من رغب.
ظل البقاعيّ ملازما شيخه " ابن حجرالعسقلانيّ" في حله وترحاله حتى وفاة "ابن حجر" (ت:٨٥٢) وقد نشط " البقاعي" في التأليف في هذه المرحلة
ومن رحلاته مع "ابن حجر" رحلته إلى الشام سنة (٨٣٦) في صحبة السلطان " برسباي" وهناك يقرأ على بعض شيوخ الشام كالبرهان الطرابلسي، و" ابن شيخ السوق الحنبلي" وعلى" ابن العديم" وعلى الشهاب الرملى" وسعى إلى الاجتماع بالشاعر "ابن حجة الحموي، فلم يتيسر له (١)
وفي سنة (٨٣٧) يعود مع شيخه "ابن حجر" إلى القاهرة، فيكثر من القراءة على علمائها:
يقرأ على " المقريزي" المؤرخ بعض مؤلفاته، وعلى "المشدالى" التفسير والفقه المالكي، ويتعلم منه القاعدة الكلية لتناسب آيات وسور القرآن الكريم ويقيم على أساسها تفسيره العظيم: "نظم الدّرر"
ويقرأ على " البدر البوصيري "، وعلى "ابن الصفوي" ويقرأ النحو والبلاغة وتفسير الكشاف والمنطق والفقه وأصوله على " القاياتي"
ويقرأ على "الزين المحلى "و"شهاب الدين الجوهري " وعلى" شرف الدين القرقشندي"
стр. 19
ويقرأ على بعض أهل العلم من نساء القاهرة مثل: زينب بنت الزين العراقي، وكلثوم بنت الزين البابلي (١)
ويجتهد في الأخذ عن العلماء في شتى فنون المعرفة، وقد ترجم شيوخه في كتابه القيم " عنوان الزمان " وهو في أربع مجلدات مخطوطة بدار الكتب المصرية
وطوّف في بلدان (الدلتا) من مصر ويقرأ على بعض أهل العلم فيها ويسجل تراجم بعضهم ويلقى بعضًا من شعرائها
ويسافر إلى أرض الحجاز للحجّ سنة (٨٤٨) ويمكث عاما يطوِّف في "الجزيرة" ويأخذ عن بعض علمائها، ثمّ يعود إلى القاهرة سنة (٨٤٩) مستأنفا تلقيه وملازمة شيخه ابن حجر
ويشارك في الجهاد والمرابطة في دمياط سنة (٨٥١) و (٨٥٢) ويعود إلى القاهرة مقيما بها حتى عام (٨٨٠)
وقد جرت له بمصر وقائع ومحن عديدة شديدة لتصدّيه لما رآه منكرًا لا يَحِلُّ السكوت عنه فيغادرها إلى "دمشق" (٢)
ومما كان له أثر في حياته وفي منزلته من بعد تفسيره تصديه للعبث بأصول العقيدة الإسلامية ولا سيّما صفاء عقيدة التوحيد، إذ رأى في نشر فكر الإلحاد والقول بوحدة الوجود والترويج لمقالات " ابن الفارض" و"ابن عربي" عدوانًا داخليًّا على الأمة، فرابط في هذا الثغر الذي خطره أشد من الثغور التي تهاجمها جحافل العسكر من أعداء الإسلام، فامتشق قلمه ولسانه وتصدى لإخوان الباطل، وكان له مع الفكر الإلحادي ممثلا في تراث "ابن الفارض" و "ابن عربي" منازلات سجلت في كتب التاريخ:
يقول " ابن إياس الحنفي " في تأريخ أحداث سنة خمس وسبعين وثمان مئة:
стр. 20
" وفي أوائل هذه السنة كثر القال والقيل بين العلماء بالقاهرة في أمر الشيخ العارف بالله تعالى سيدي " عمر بن الفارض " نفع الله النّاس ببركته [!!! كذا] وقد تعصب عليه جماعة من العلماء بسبب أبياتٍ قالها في قصيدته " التائية"، فاعترضوا عليه في ذلك، وصرّحوا بفسقه بل وتكفيره، ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد، وحاشاه من ذلك أن ينسب إليه هذا المعنى، ولكن قصرت أفهام جماعة من علماء هذا العصر، ولم يفهموا معنى قول الشيخ " عمر" فيما قصده من هذه الأبيات، فأخذوا بظاهرها ولم يوجهوا لها معنى، فكان كما قال المتنبيّ:
وآفته من الفهم السقيم
وكمْ من عائبٍ قولا صحيحًا
على قدر القرائح والفهوم
ولكن تأخذ الأذهان منه
فكان رأس من تعصّب على الشيخ " عمر بن الفارض": "برهان الدين البقاعيّ "، وقاضي القضاة: "محب الدين بن الشحنة "، وتبعهم جماعة كثيرة من طلبة العلم يقولون بفسقه، وأمَّا من تعصّب لابن الفارض من العلماء فهم: الشيخ محيي الدين الكافييجي الحنفي، والشيخ القاسم الحنفي....
فلمَّا زاد الرهج في هذه المسألة كُتبت الفتاوى في أمر "ابن الفارض" التى ظاهرها الخروجُ عن قواعدِ الشَّرعِ، فكتب الشيخ محيي الدين الكافييجي على هذا السؤال ما هو أحسن عبارة وأقرب إلى انصاف ٠
والف الجلال السيوطيّ في ذلك كتابًا سماه:" قمع المعارض في الرد عن ابن الفارض " وألف " البدري بن الفرس " في ذلك كتابًا شافيًا في هذا المعنى واضحا في الرد على من تعرض على " ابن الفارض" وصنف بعض العلماء كتابًا سماه:" درياق الأفاعي في الردّ على البقاعيّ"
ووقع في هذه المسألة تشاحنات بين العلماء مما يطول شرحه في هذا المعنى ثمّ هجوا " البقاعيّ " و"ابن الشحنة " وغيره ممن تعصّبوا على " ابن الفارض" وصاروا يكتبون الأوراق بِهَجْوِ المعترضين على "ابن الفارض ويلصقون تلك الأوراق في مزاره....
стр. 21
ثُمَّ إنّ بعض الأمراء تعصّب لابن الفارض بل وتعصّب له السلطان أيضًا.... وأمَّا "البقاعيّ " فكادت العوام أن تقتله، وحصل له من الأمراء ما لاخير فيه، فهرب واختفى....." (١)
رابط " البقاعي" مجاهدًا اعتداء أهل الباطل على صفاء عقيدة التوحيد فما كان إلا أن هاجر من مصر إلى " دمشق"
وهذا الذي قام له "البقاعيّ" فريضة على أهل العلم القيام لمثله في كلّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، فإنَّ أهل الباطل إذا ما علموا أنَّ جهرهم بالباطل سيلقى عنتًا بليغا من أهل الحق فإنهم لن يجاهروا بباطلهم، فلن يظهر الباطل إلا من خور أهل الحق، وسكوتهم وتساهُلهم في دفع ما ينجم من شواهد الباطل فإن الباطل وأهله أضعف من أن ينتصروا من أنفسهم إنما انتصارُهُم من خور أعدائهم أهل الحق.
هذه المرحلة من حياة "البقاعيّ " أثْرَى مراحل عمره في التَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ والتَّأليفِ، وفي اكتساب كثير من المهارات العلمية والاجتماعية، وأظن أن هذه المرحلة هي التي كان من ثمارها أن صار واحدًا مما لا يمكن أن يستغنى عن تراثه طالب علم مُجِدٍّ في علوم القرآن الكريم، فهو يمتاز في هذا على أقرانه كالسخاوي أن ما قدمه لنا من التراث العلمي لا يمكن أن يُغْنِى عنه غيره، ولا سيما تفسيره الجليل: " نظم الدررفي الآيات والسور " أما السخاويّ فإنّه وإن قدَّم لنا ما يحمد له فإنّ في ما قدمه غيره ما يغني عنه
стр. 22
والبقاعي يتميز عن تلميذه السيوطيّ بأنَّ السيوطي وإن كان أكثر شهرة وتأليفا فإنَّ ما قدمه يغلب عليه أنَّ له فيه الجمع والترتيب والتصنيف، وليس له منه ما يتفرَّدُ به على غيره، فمن حلل كثيرًا من أسفار "السيوطي" أمكنه أن يعيد ما فيها إلى أصحابها من العلماء السابقين أوالمصاحبين للسيوطيّ فلا يبقى له منها ما يمكن أن يشار إليه، وليس للمرء من أسفاره إلاَّ ما أنتجه قلبه من دقائق العلم لا ما وعته حافظته من مقولات الآخرين، ولا سيما في زماننا هذا الذي أضحت فيه أدوات حفظ المعرفة جد عديدة ويسيرة ٠
البقاعيَّ له في تفسيره على الأقل كثيرٌ جدًا مما لا تكاد تجده عند سابق عليه أو مصاحب له، فإنَّ شخصيته العلمية قائمة في تفسيره تجوبه وتقطعه طولا وعرضًا فلا يكاد يغيب عنك جرسه ونفسه، وذلك شأن العالم الماجد، ومن ثَمّ فإنّي أزعم أنّه هو وشيخه "ابن حجر" من المجددين في القرن التاسع الهجري.
*****
المرحلة الثالثة: من سنة ٨٨٠-٨٨٥
تبدأ هذه المرحلة بخروجه من القاهرة إلى دمشق، وتنتهي برحيله إلى ربِّه الرحمن الرحيم.
في دمشق يتلقاه "ابن قاضي عجلون" (ت: ٩٢٨) وتلاميذه ويبالغ في إكرامه وإجلاله لما بلغه من علمه، ويبقى في كرم ابن قاضي عجلون إلى أن تنشب فتنة تعرف بفتنة (ليس في الإمكان أبدع مما كان) وهي قضية فلسفية قال بها "الغزاليّ "، ويتصدى لها " البقاعي" ويفنِّد آراء القائلين بها ويؤلِّف في هذا ولا يرتضي منه "ابن قاضي عجلون" ذلك، تعصبا للغزاليّ
стр. 23
ولا يلين البقاعيّ، فإن الرجال بالحق وليس الحق بالرجال، وليس الغزاليّ أو غيره خلا النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا بالمعصوم من أن يُرَدَّ عليه بعضُ ما يأتي به، فينصرف "ابن قاضي عجلون " هو وتلاميذه عن "البقاعي" بل يعتدي بعض الناس على البقاعيّ بسبب ذلك (١)
يُبتلى في القاهرة بفتنة ابن عربيّ وابن الفارض، ويبتلى في دمشق بفتنة: " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ولكنه لا يخضع إلا للحق الذي يراه بالدليل من الكتاب والسنة ويؤمن به.
وفي مقامه بدمشق يؤلف بعض أسفاره ورسائله ويحرر, ويبيض نسخته الأخيرة من تفسيره " نظم الدرر"، ويفرغ من هذا التحرير في عصر يوم الأحد عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمان مئة بمنزله الملاصق للمدرسة "البادرائية" بدمشق أي من قبل وفاته بثلاث سنوات (٢)
ست وسبعون سنة عاشها البقاعيّ مكابدًا لا يلين ولا يتوانى ولا يكلّ، عرف قدر الحياة وعظيم ما هو مقدم عليه من ملاقات ربِّه ﷻ وسؤاله عن عمره فيم أنفقه، فسعى إلى أن يُعِدَّ لهذا السؤال الجليل جوابا لا يندم به ولا يخزى. ولو أنّ كلّ واحدٍ منَّا شغله البحثُ عن إجابةٍ حميدةٍ عن هذا السؤالِ الإلهيِّ له يوم القيامة لما وجدتَ مسلمًا مستهترًا بقتل أوقات فراغه، ولا مستهلكًا عمرَه فيما لا يُبقى له منه شيءٌ حميدٌ مجيدٌ عند شدِّ الرِّحال إلى مصيره.
стр. 24
قد بقي للبقاعيّ – إن شاء الله تعالى، ولا أزكي على الله أحدًا - مجاهدته في إقامة منهاج جليل لتأويل البيان القرآني تأويلا يهدي إلى العرفان ببعض معالم الإعجاز القرآني العظيم، ويهدي إلى العرفان ببعض لطائف حقائق معاني الهدى إلى الصراط المستقيم، فيرتقى المرء بهذا العرفان في مقامات القرب من رب العالمين، ويتنقل في أسنان الطاعة من مطلع الإيمان (الذين آمنوا) إلى مقطعه (المؤمنون) ومنه إلى مطلع التقوى (الذين اتقوا) ثم إلى مقطعها (المتقون) ليلج من بعد إلى سن الإحسان (الذين أحسنوا) ، فيعبد الله تعالى مُوقِنًا أنَّ الله تعالى يراه فلا يلتفت إلى سواه ثم إلى مقطع الإحسان (المحسنون) فيعبد الله كأنه يرى ربه تعالى، فيذوق لذة القرب والأنس بطاعة رب العالمين.
*******
شيوخه وتلاميذه:
ليس يخفى أنَّ العالم العامل إنّما هو من ورثة النبي ﷺ وراثة تربية وتعليم ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: من الآية٧٩)
وكلُّ طالب علم نابه ماجد إنَّمَا هو ثمرة جهد ناصح لشيخ أو شيوخ مخلصين في تعليمهم وتربيتهم، وهذا يغري بأن يكون كلّ والد الحريص على أنْ يقيم ولده بين يدي شيخ يغرس في قلب تلميذه حب العلم النافع والعمل به، واستعلاءه على كلّ متاع من متاع الحياة الدنيا، فذلك أحق بالحرص على تحقيقه لولده من حرصه على أن يحقق له متاعا زائلا, وجاهًا زائفًا.
كان سلفنا الصالح لا يلقون بأبنائهم بين يدي كل من ألقى بنفسه في ميدان التعليم، فكم من مربِّ هو أشد افتقارًا إلى أن يُربّى، وكم من معلِّمٌ هو أشد افتقارًا إلى من يعلمه، ولاسيما في عصرنا هذا الذي أضحى غير قليل من المشتغلين بالتعليم هم الخطر العظيم على أخلاق الشبيبة.
стр. 25
قد أضحى كثير من الآباء يلقون بأولادهم تحت أيدي أقوام علمانيين يتخذون مما يعرف بالتعليم الخاص للغات سبيلا إلى تنشئة أبناء الأمة تنشئة لا تتصل بكتاب الله وسنة رسوله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَىآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، يكررون على مسامعهم ما هو مناقض لصريح الكتاب والسنة دون أن يذكون لهم ما جاء في الكتاب والسنة مناقضا لتعاليمهم حتى لا يتحرج بعض أولئك الأبناء أو الأباء، فنشأ في الأمة أبناء فإذا المنكر شرْعًا عتدهم هو المعروف، وإذا المعروف شرعا هو المنكر الذي ينفرون منه نفورهم من كل بغيض إليهم.
وإذا ما بلغت أمّةٌ إلى أنْ يَسْتَحِيلَ فيها المنكرُ معروفًا يُسْعَى إليْه حثيثًا ويُفْتَخَرُ به ويَحْتَرِمُ ولاة الأمر والمنتسبون إلى العلم وطلابُه والدهماءُ أهلَه به، ويعتقدالعامّة أنَّ ذلك مِنْ فَتْحِ اللهِ على صاحِبِهِ وإكْرامِهِ لَهُ، فقد اقتربت تلك الأمَّةُ مِنْ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ قد ينْهَارَ بِهِا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وإنقاذ هذه الأمة حين ذاك يكون جدَّ عسيرٍ، ولكنَّه غيرُ متَعَذِّرٍ، مما يفرِضُ على عُلمَائها المُجاهَدَةُ والمُصابَرَةُ،والتّواصِي بالحق والصبر والمرحمة.
إنَّ علينا – نحن الآباء- أن نحسن اختيار أماكن تعليم أبنائنا واختيار شيوخهم، وانْ نعلّمهم أنَّ رسالةَ الشَّيخِ من رسالة النبيّ حسن النصيحة احتسابا، وليس من عَمَلٍ قطّ هو منسول من عمل النبوة كمثل عمل تعليم الناس الخير
ومن ثَمَّ كان جزاؤه عظيما:
روى الترمزي بسنده عن "أبي أمامة الباهِلِيّ" ﵃ أن رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَىآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا قال:
стр. 26
" إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السّمَواتِ والأَرَضِينَ حتَّى النّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وحَتَّى الحُوت ليُصَلّونَ علَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ" (صحيح الترمزي: كتاب العلم باب: ما جاء في فضل التفقه – حديث:٢٦٨٥) ...
وقارئ كتاب "القابسيّ": أبو الحسن علي بن محمد بن خلف (٣٢٤ - ٤٠٣) المسمى: "المفصّلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين" يطلع على ما فيه من منزل وأثر للشيخ في تلميذه مما يستوجب على كلّ معلم أن يتقي الله في طلابه فإنه القدوة.
وقد قال "عتبة بن أبي سفيان" لـ"عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني " وقد جاء مؤدبا ولده:
" لِيكُنْ أوّلُ ما تَبْدأ به من إصلاحِك بَنِيّ إصلاحَك نفسَك، فإنَّ أعينهم معقودةٌ بعينِك، فإنَّ الحُسنَ عندهم ما استحسنتَ والقبيحَ عندهم ما استقبحتَ، عَلِّمْهُمْ كتابَ الله ، ولا تكرِهْهُم عليه فيَمَلُّوه، ولا تَتْرُكْهُم مِنْهُ فَيَهْجُرُوهُ، ثُمّ روِّهم من الشِّعرِ أعْفََّلُه، ومن الحَدِيثِ [أي الكلام] أشْرَفَهُ، ولا تخرجْهُم من عِلمٍ إلى غيرِه حتَّى يُحْكِموه، فإنّ ازْدِحامَ الكَلامِ في السَّمعِ مَضَلَّةٌ للفَهْمِ، وعلِّمْهُم سِيَرَ الحُكماءِ، وأخْلاقَ الأدباءِ، وجنِّبهم محادثة النِّساءِ، وَتَهدَّدْهُم بِي، وأدِّبهم دُونِي [ايْ فِي غيرِ مَحْضَرِ أبيهم] ، وَكُنْ لَهُمْ كالطَّبِيبِ الذي لايَعْجَلُ بالدَّواءِ حتَّى يعرِفَ الدَّاءَ، ولا تَتَّكِلَ عَلَى عُذْرِي، فإنّي قَد اتَّكَلْتُ عَلَى كِفايَتِك، وَزِدْ فِي تَأدِيبِهِم أزِدْكَ فِي بِرّي إن شاء الله " (١)
شيوخه:
стр. 27
لقى البقاعي في مراحل تلقيه العلم التي أوجزت القول فيها كثيرًا من العلماء وتلقى على كثير منهم في كثير من البلدان التي ارتحل إليها وأكثر البلدان التي لقي فيها العلماء القاهرة ثم دمشق
وهو لم يكن في تلقيه على أولئك العلماء على درجة سواء في التلقي، ولم يكن ملازما لكثير منهم ملازمة التلمذة، ولعل أكثرهم ملازمة له شيخه ابن بهادر، وشيخه ابن حجر العسقلاني
ولست هنا بصدد تصنيفهم من حيث ما تلقاه عليهم من العلوم، فقد كان يتلقى العلم الواحد على أكثر من عالم في أكثر من بلد، بل كان يتلقى الكتاب الواحد على أكثر من شيخ، ومعجم شيوخه وأقرانه يفيض بذكر أشياخه وما تلقاه عنهم وأحواله معهم وبذكر أقرانه، فهو معجم وسيع ملأ أربع مجلدات مخطوطة
وكنت على رغبة في أن أكتفي هنا بنقل ترجمة البقاعي بعضهم من معجمه المخطوط ليكون نموذجا لمنهجه من جهة وتراجم لشيوخه وتلاميذه من أخرى ولكني لم أوفق إلى ذلك، فقد تعسر على نقل ذلك من معجمه المخطوط نقلا كاملا لضيق الوقت والجهد وكثرة الشواغل، ولا سيما أن كثيرًا من شيوخه أعلام عرضت تراجمهم مراجع عدة
وقد رأيت أن أرتب بعض شيوخه على وفق تاريخ وفاتهم،وأن أوجز الترجمة بالإشارة إليهم ومصادر تراجمهم:
شرف الدين المَسْحَراتي:
صدقة بن سلامة بن حسين بن بدران بن إبراهيم الجيدوري (٧٦٠ -٨٢٥) والمسحراتي بفتح الميم وسكون السين وفتح الحاء نسبة إلى قرية مسحرا من أعمال " الجيدور" على بعد مرحلة من دمشق
له عناية بالغة بالقراءات وانتهت إليه مشيخة الإقراء بدمشق،وأقرأ القرأءات بالجامع الأموي،وانتفع به خلائق بدمشق وتخرج به أكثر مشايخها،قرأ عليه البقاعي "الشاطبية "وجود القرآن المجيد عليه إلى سورة "المنافقون"
стр. 28
وللشرف مصنفات منها: التتمة في القراءات الثلاثة الأئمة (١)
*****
التقي الحصنى:
أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريزبن معلّى بن موسى الجعفري الحسيني الدمشقي الشافعي ينتهي نسبه بسيدنا الحسين ﵁ (٧٤٢-٨٢٩)
محدث فقيه، متعصب لمذهب الأشاعرة، بالغ في الحط على "ابن تيمية" ﵃ وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، زاهد قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يؤمن به.
له مؤلفات عدة منها:
تفسير القرآن الكريم إلى الأنعام
وشرح التنبيه في خمس مجلدات
وشرح صحيح مسلم في ثلاث مجلدات
ولخص تخريج "إحياء علوم الدين " في مجلد
وشرح الأربعين في مجلد
و"سير نساء السلف العابدات " في مجلد
و"قواعد الفقه" في مجلدين
وشرح أسماء الله الحسنى" في مجلد
كان متينا في التدين وراغبًا في التقشف والعزلة وكثُر مع ذلك اتباعه حتى امتنع عن مكالمة الناس وله في الزهد والتقلل حكايات تضاهي ما نقل عن الأقدمين، حضر جنازته عالم لا يحصيهم إلا الله (٢)
*****
سبط ابن الشهيد:
تاج الدين أبو حامد محمد بن بهادر بن عبد الله يعرف بسبط ابن الشهيد (ت: ٨٣١)
فقيه نحوي قرأ البقاعي عليه النحو والتصريف والفقه والمعقولات ويقول عنه لم يحصل لي بأحد من النفع ما حصل لي منه كان يعرف علوما كثيرة ويحلُّ أي كتاب يقرا عليه فصيح العبارة حسن التقرير صحيح الذهن دينا شديد الانجماع عن الناس (٣)
*****
الشمس بن الجزري:
أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن على بن يوسف الجزريّ نسبة إلى جزيرة"ابن عمر" (٧٥١-٨٣٣هـ)
стр. 29
قرأ على "ابن السلار" و " إبراهيم الحموي" و " ابن اللبان" وفي مصر على "أبي بكربن الجندي" و"أبي عبد الله بن الصائغ" و "ابن أميلة" و"ابن الشرجي"
كانت عنايته القصوى بالقراءات، وله في الحديث والفقه والأصول والبلاغة، وقد أجازه المحدث المؤرخ "ابن كثير" و"البلقيني"
تولى التدريس بالجامع الأموي" وقضاء الشام ونزل بلاد الروم فدرس بها القراءات وطوف ببلدان كثيرة كان يعلم فيها القراءات العشر فكثر تلاميذه.
له من التصانيف
كتاب" النشر في القراءات العشر"
و"الدرة المضية في القراءات الثلاث المرضية"
و"تحبير التيسير في القراءات العشر"
و"الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء"
و"الظرائف في رسم المصاحف"
و" غاية النهايات في أسماء رجال القراءات"
و" نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات"
وله" الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين"
و"الهداية في فنون الحديث"
و"المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد"
و"القصد الأحمد في رجال أحمد"
و"المصعد الأحمد في ختم مسانيد أحمد"
و"اسنى المطالب في مناقب الإمام على بن أبي طالب " (١)
*****
الجمال البرماوي:
عبد الله بن محب الدين خليل بن فرح بن سعيد القدسي (٧٦٠- ٨٣٣)
قرا على "ابن الشريشي" و" ابن الجابي" وغيرهما ودخل مصر وجاور بمكة مدة طويلة ثم قدم الشام
يقول "ابن حجر" في " إنباء الغمر": " وكان شديد الحط على الحنابلة وجرت له معهم وقائع" ٠
يقول عنه البقاعي في حاشية له على نسخة مخطوطة من كتاب شيخه ابن حجر": " إنباء الغمر":
" هذا شيخنا الربانيّ الصوفيّ العارف المعروف بالقلعي، كان إماما عارفا مسلكا مربيا قدوة ذا قدم راسخ في علم الباطن، مشاركا في الفقه والنحو مشاركة جيدة أستاذا في علم الكلام ذا حافظة قوية مفتوحا عليه في الكلام في الوعظ
стр. 30
وله مصنفات منها: منار سبل الهدى وعقيدة أهل التقى" بحثت عليه بعضه، وأقمت عنده مدة بزاويته بالعقبة الصغرى، ومات بدمشق (١)
*****
البدر الهندي:
حسن بن بدر الهندي (٨٣٣هـ) تلميذ السيد الشريف في المعقولات، وكان إماما فيها قرأ عليه البقاعي الشمسية في المنطق٠
وقد أعجب الشيخ بالتلميذ فوعده أن يعلمه علم الهندسة ومسائل منها يعرف من يوافق مزاجه ومن لا يوافق مزاجه، فلا يخالطه [كذا] ولكن الشيخ غادر "دمشق" إلى "حماة" (٢)
*****
المجد البرماوي:
إسماعيل بن أبي الحسن على بن عبد الله الشافعي (٧٤٩- ٨٣٤) قرأ على "السراج البليقيني" فقد جعله محط رحله وعظم اختصاصه به" كما يقول السخاوي، واخذ عن "الإسنوي"
مهر في الفقه الشافعي وتصدى للتدريس وخطب بجامع عمرو بن العاص بمصر " وشارك في عدة فنون من فقه وأصول ونحو وغير ذلك وكان من كبار الفضلاء وصار عالما علامة..
ومع صبره على الفقر كان زاهدا في الدنيا موقنا بأنَّ ذلك هو الحالة الحسنى حتى بلغنا أنه كان يسأل أن يجعل الله ثلاثة أرباع رزقه علما، فكان قرير العين بفقره وما آتاه الله من العلم بل يعتب على من يتردد إلى غَنِيٍّ لمالِه أو ذي جاه لجاهه " (٣)
وذلك شأن العالم الواثق بأن أنعام الله عليه بأن جعله من أهل العلم إنما هو من أجل النعم بعد الإيمان لأنه إنعام بوراثة النبوة، فأين من هذا دركات أهل الدنيا وإن تكاثرت أموالهم وتعددت مناصبهم واستفحل سلطانهم وطغيانهم، ولكنّ أكثرَ النَّاسِ لا يعْقِلُون.
стр. 31
وأهل العلم يستعذبون لذة العلم وطلبه، ويرونها من أجل اللذات حتى قال قائلهم: نحن في لذة لو علمها الملوك لجالدون عليها.
وإنّ من فضل الله على أهل العلم وطلابه أن الملوك والطواغيت ونساءهم وذرياتهم لا يعرفون أن للعلم لذة يستأثر بها العلماء من دونهم، وأنهم محرومون منها برغم أنَّ المتلذذين بها في سلطانهم، فاعجب لذي سلطان محروم من أجلِّ نعمةٍ يتمتع بها غيرُه في سلطانه، وليس له من سبيل وإن تظاهر جنده وقوات أمنه المركزي والقومي وحرسه الوطني والجمهوري أن يحرموهم منها!!!
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:٣٦)
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:٢٦)
*****
الشهاب البوصيري:
أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سَلِيم بن قايماز الكتاني البوصيري القاهري الشافعي (٧٦٢-٨٤٠)
قرأ على "النور الآدمي" و"البدر القدسي" و"العز بن جماعة" ويوسف إسماعيل الأنبابي" والبليقيني" لازم العراقي و"ابن حجر" له من التصانيف كثير منها:
"زوائد ابن ماجة"
و"زوائد المسانيد العشرة"
و"زوائد السنن الكبرى" للبيهقي
و"زوائد مسانيد الطيالسي"
وزوائد مسند أحمد ومسند الحميد والبزار وابن ابي شيبة وابي يعلى
وتحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في الترغيب والترهيب.
كثير السكوت والتلاوة والعبادة واعتزال الناس والإقبال على النسخ" (١)
*****
البرهان الطرابلسي:
стр. 32
إبراهيم بن محمد بن خليل الشامي الشافعي المعروف بسبط ابن العجمي (٧٥٣-٨٤١) قرأ على "ابن العجمى"و" والبليقيني" و"ابن الملقن" و"الفيروزبادي" و"الزين العراقي"، وارتحل إلى بلدان عديدة: مصر والمقدس وغزة وحمص وحماة، وجمع "النجم بن فهد " شيوخه في مجلد ٠
علت منزلته في علم الحديث، قرأ صحيح البخاري أكثر من ستين مرة، وصحيح مسلم نحوًا من عشرين مرة ٠
له من التصانيف:
شرح صحيح البخاري: "التلقيح لفهم قارئ الصحيح"
وتعليق على سنن ابن ماجة
و"المقتضى في ضبط ألفاظ الشفا"
و" نهاية السول في رواة الستة الأصول "
و" والكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث"
وبالجملة فقد كان ممن أخذ عنه الأكابر، فانتفعوا به٠ (١)
*****
علاء الدين البخاري:
محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري (٧٧٩-٨٤١)
نشأ ببخارى فتفقه بأبيه وعمه العلاء عبد الرحمن وأخذ الأدب والمعقول عن السعد التفتازاني (ت:٧٩٢) وتوجه إلى الهند، فاستوطنه مدة وعظم أمره هناك لعلمه وزهده، وكذلك عظم أمره بمصر، وما كان بالراغب في التردد على ذوي السلطة، وكان عالما في فنون المعقول والمنقول واللغة.
وفي سنة (٨٣٥) قامت فتنة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق وتعصب العلاء البخاري على الحنابلة وبالغ في الحط على "ابن تيمية" ﵃ وصرح بتكفيره، فتعصَّب جماعة لابن تيمية، ولم يناصر جمع من العلماء في مصر العلاء البخاري في إطلاق لسانه في ابن تيمية وأخرج السلطان مرسوما بعدم اعتراض أحد على مذهب غيره فسكنت الفتنة (٢)
*****
الشهاب الرملي:
أبو العباس أحمد بن حسين بن أرسلان المقدسي الشافعي، ويعرف: بابن أرسلان (٧٧٣- ٨٤٤)
стр. 33
كان في بدء أمره مشتغلا باللغة والنحو والشواهد والنظم، ثم اشتغل بالفقه والحديث والأصول قرأ الحاوي الصغير على القلقشندي، وأخذ الفرائض والحساب عن ابن الهائم وقرا على أبي حفص الزراتيتي الموطا وعلى الجمال بن الظهيرة وعلى كثير من الشيوخ الذين أشار إليهم السخاوي في" الضوء"، ومن تآليفه:
قطع في التفسير ,
و"شرح البخاري
وشرح سنن أبي داود في أحد عشر مجلدا
وشرح الأربعين النووية
وتعليق على الشفا للقاضي عياض
وتعليق على جمع الجوامع في أصول الفقه، وعلى منهاج البيضاوي
ونظم القراءات الثلاث الزوائد على السبع والثلاثة الزائدة على العشر.
وغير ذلك كثير
وكان معروفا بالصلاح والزهد وكثرة الطاعات "
حكى صهره " الحافظ التاج بن الغرابيلي" عنه أنه كان قليلا ما يهجع من الليل، وأنَّه في وقت انتباهه ينهضُ قائما كالأسد لعلّ قيامه يسبق كمال استيقاظه ويقوم كأنه مذعورًا , فيتوضأ , ويقف بين يدي ربه تعالى يناجيه بكلامه مع التأمل والتدبر، فإذا أشكل عليه معنى آية أسرع في تينك الركعتين، ونظر في التفسير حتى يعرف المعنى ثم يعود إلى الصلاة "
وبالجملة فهو ممن اشتهر بالعلم والزهد، فقصده طلاب العلم وانتفعوا به (١)
*****
تقيّ الدين المقريزي:
أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد الحنفي الشافعي "سبط ابن الصائغ منسوب إلى "المقارزة" وهي حارة في "بعلبك" ولد في القاهرة (٧٦٦-٨٤٥)
من شيوخه جده لأمه "الشمس بن الصائغ الحنفي، و " البرهان الآمدي" والبليقني"و" والعراقي" و"ابن خلدون" وقد تأثر به في إقامة "ابن خلدون بالقاهرة" وقد بلغت شيوخه ست مئة كما يقول السخاوي في "الضوء"
وكان حنفيا ثم تحول إلى المذهب الشافعي وعمل محتسبا بالقاهرة وخطيبا بمسجد "عمرو " و"جامع الحاكم" "بمدرسة السلطان حسن" ٠وجاور في مكة المكرمة خمس سنوات ٠
له من التصانيف:
" الخطط للقاهرة" المعروف بخطط المقريزي
стр. 34
و" درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة"
و" إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع"
و" عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط" أرَّخ فيه لمصر من الفتح العربي إلى الفتح الفاطمي (٢١-٣٥٨)
اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا" مؤرخا للعصر الفاطمي
ثم ألف كتابه: " السلوك لمعرفة دول الملوك" مؤرخا لمصر في العهد الأيوبي والمملوكي إلى سنة (٨٤٥)
و" البيان والإعراب عما في أرض مصر من الأعراب"
و" الإلمام فيمن تأخر بأرض الحبشة من ملوك الإسلام"
و" التاريخ الكبير المقفى" في ستة عشر مجلدا،
و" التخاصم بين بني أمية وبني هاشم"
و" ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري "
و" إغاثة الأمة بكشف الغمة"
و" الأوزان والأكيال الشرعية "
و" شذور العقود في ذكر النقود"
و"إزالة التعب والعناء في معرفة حلّ الغناء"
وغير ذلك كثير جدًا تجاوزت المئتين كما يقول السخاوي في الضوء
والغالب عليه التصنيف في علم التاريخ، وكان كثير الاستحضار للوقائع القديمة في الجاهلية وغيرها، وأما الوقائع الإسلامية ومعرفة الرجال وأسمائهم والجرج والتعديل والمراتب والسير وغير ذلك من اسرار التاريخ ومحاسنه فغير ماهر فيه، كما يقول" السخاوي"
وكانت له معرفة قليلة بالفقه والحديث والنحو واطلاع على اقوال السلف، وإلمام بمذهب أهل الكتاب حتى كان يتردد إليه أفاضلهم للاستفادة منه" (١)
*****
الشمس القاياتي:
محمد بن على بن يعقوب بن محمد القاياتى نسبة إلى"قايات، قرب الفيوم بمصرالشافعي (٧٨٥-٨٥٠)
من شيوخه "السراج البليقي"، والشمس القليوبي" و" الهمام الخوارزمي" و" العلاء البخاري" و" والشمس السنباطي"
стр. 35
عمل بالتدريس في "البرقوقية" و" الأشرفية" مدرسة ابن غراب" وكان خطيب الأزهر وكان كما يقول "السخاوي" " إماما علامة، غاية في التحقيق وجودة الفكر والتوفيق مزيحا للمشكلات بعَلِىِّ عباراته ومريحا من التعب بواضح إشاراته وفكره الثاقب غاية في الاستقامة....صار شيخ الفنون بلا مدافعة ... لايتوقف في ذلك إلا حاسد أو مفتر"
"وسئل”الكمال بن الهمام" عن التفضيل بينه وبين "الزين التفهني" في الأصول، فقال: التفهني كان عالما بأصول مذهبه وأما هذا فبالأصول كلها "
كتب على المنهاج للنووي قطعا متفرقة كثر اعتناؤه فيها بدفع كلام الأسنوي، وعمل ذيلا ونكتا على "المهمات" (١)
*****
ابن حجر العسقلاني:
أبو الفضل الشهاب: أحمد بن عليّ بن محمد بن محمد بن على بن أحمد العسقلاني المصري (٧٧٣-٨٥٢)
من شيوخه" العزبن جماعة" "وعليه أخذ غالب العلوم الآلية والأصولية كالمنهاج وجمع الجوامع، وشرح المختصر والمطول" ومن شيوخه في اللغة "الفيروزبادي" صاحب "القاموس المحيط" ولكنه أغرم بفنّ الحديث وعلوم السنة فانصرف إليها ولازم "الزبن العراقي" وحمل عنه علما عظيما نافعا سندا ومتنا وعللا واصطلاحا فكان ابن حجرالشيخ المشار إليه في هذا.
وقد ارتحل في طلب العلم شأن كثير من طلاب عصره فسافر إلى مكة واليمن والحجاز والشام، وتصدى للتأليف ونشر الحديث وعلومه
ومن أعظم شروح البخاري وأشهرها شرحه " فتح الباري"شرع في إملائه سنة سبع عشرة وثمان مئة، ثم استمر يكتب بيده ويداوله بين طلاب العلم شيئا فشيئا إلى أن انتهى منه في أول شهر رجب من سنة أربع وعشرين وثمان مئة, وفي آخر مجلس من مجالس الشرح أعدَّ "ابن حجر" وليمة عظيمة استغرقت خمس مئة دينار فاجتمع الناس وكان يوما مشهودا وقال فيه الشعراء فأكثروا وفرق عليهم الذهب، وكان "البقاعي" ممن أنشد قصيدة في هذا المحفل المهيب مطلعها:
стр. 36
دعْ عنك تهيامي وخلع عذاري
إنْ كنتَ لاتصْبُو لوَصفِ عذاري.
وقد تولى التدريس في أماكن عديدة من أهمها المدرسة الشيخونية التي كان التدريس بها إنما يكون بأمرمن السلطان إلى كبار علماء العصر
وقد عهد إليه بها السلطان فرج بن برقوق وكان خطيب الأزهر وجامع عمرو، وخازنا لمكتبة " المحمودية " , وكان معنيا بها فقد صنع لكتبها فهرسين:
أحدهما بالحروف على الترتيب الألفبائي لأسماء الكتب
والآخر فهرس موضوعي.
ومصنفاته عديدة من أشهرها كما قلت:
" شرحه صحيح البخاري"
وكتاب" الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع "
و" إنباء الغُمر بأنباء العمر"
والقول السدد في الذب عن المسند للإمام أحمد وهو من الكتب المهمة لقارئ مسند الإمام أحمد بن حنبل ٠
و" الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية"
وهو في ترجمة الإمام "الليث بن سعد" جعله في ثمانية أبواب، وهو كتاب لطيف
والإمام الليث بن سعد هو العالم الذي ضيعه أهله، فلم يأخذوا عنه كما أخذوا عن غيره وقد قال عنه الشافعي: " الليث أنفع للأثر من مالك"، وقال عنه: " الليث أفقه من مالك إلا أنّ أصحابه لم يقوموا به، وفي رواية عنه " ضيعه قومه ".
وقد استهتر البقاعي في ترجمة " ابن حجر" من كتابه "عنوان الزمان" وكذلك "السخاوي" في " الضوء اللامع " وفي الذيل على رفع الإصر عن قضاة مصر بل أفرد السخاويّ له ترجمة سماها: " الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" (١)
*****
العماد بن شرف:
أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن شرف بن مشرف المعروف بابن شرف (ت:٨٥٢)
стр. 37
تتلمذ على الشهاب بن الهائم وانتفع به كثيرا فصار ابن شرف إماما في الحساب والفرائض فتلقى البقاعيّ عليه علم الحساب، وكانت له يد في علم النحو والمعقول، وأخذ عن علماء كثير منهم الشمس القلقشندي، والبرماوي والولي العراقي، فلازمه في الفقه، ولم يكن ناظرا إلى جاه الدنيا بل إلى العلم نظره ٠
من مؤلفاته: توضيح بهجة الحاوي في مجلدين، وبدأ في شرح البهجة شرحا مطولا وصل فيه إلى صلاة الجمعة فكان الشرح أسفارا
وشرح مصنفات شيخه اين الهائم،
وكتب على ألفية شيخه البرماوي في الأصول توضيحا حسنا مفيدا.
وتوفي بالمقدس وصلى عليه بعد عصر يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة (٨٥٢) بالمسجد الأقصى، (١)
*****
البدر بن العيني:
أو الثناء محمود با أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف العينتابي الحنفى (٧٦٢-٨٥٥)
نشأ بعينتاب، إذ كان والده قاضيها، مؤرخ محدث ولي الحسبة والتدريس ووظائف عدّة، وبعد صيته وكان قاضي قضاة الحنفية بمصر، وكان فصيحا بالعربية والتركية , برع في فقه الحنفية والتاريخ والحديث والتفسير واللغة والنحو والتصريف والتاريخ
من تصانيفه الكثيرة:
عمدة القاري شرح صحيح البخاري
وشرح الهداية في فقه الحنفية
وشرح معاني الآثار للطحاوي في اثنتي عشرة مجلدا
وشرح مجمع البحرين
وشرح الكلم الطيب لابن تيمية
وشرح قطعة من سنن أبي داود
وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام
وشرح العوامل المئة في النحو لعبد القاهر الجرحاني
وشرح التسهيل لابن مالك في النحو
وشرح شواهد ألفية ابن مالك شرحا مطولا ومختصرا
وله التاريخ الكبير على نظام السنين في عشرين مجلدة، واختصره في ثلاث مجلدات، وبالجملة فهو من أوعية العلم في عصره (٢)
*****.
الجلال المحلى:
محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلى الشافعي (٧٩١-٨٦٤)
стр. 38
يعرف بتفتازانيّ العرب برع في فنون عديدة فقها وكلاما وتفسيرا وأصولا ونحوا، وكان غاية في الذكاء والفهم، ولكنه كان ضعيفا في حفظه، وكان على صلاح وورع، وتقشف، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر
عرض عليه القضاء فامتنع، وكان قليل الإقراء يظهر عليه الملل، وألف كتبا تشد إليها الرحال في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح وسلاسة العبارة من تصانيفه:
شرح جمع الجوامع في أصول الفقه
وشرح المنهاج في الفقه الشافعي
وشرح الورقات في أصول الفقه.
وله تفسير موجز لم يكمل، وأكمله السيوطي يعرف بتفسير الجلالين، وصغار طلاب العلم اليوم لا يعرفون قدره لوجازته ٠
وهو من التفاسير التي تعلم طالب العلم حسن التحليل والتفصيل لما أجمل, لأنه كالمتن الذي يغرى بالتدريب على تفصيل ما أجمل، وهي ملكة يجدر بطالب العلم الدربة عليها, ومنْ ثَمَّ عُنِي بها أسلافنا في مناهج التربية وإعداد طالب العلم, فعاب من المُحْدَثِينَ من جهل أوغفل عن الغاية ٠ (١)
*****
أبو افضل المَشدَّاليّ:
محمد بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الصمد المَشَدَّالي البجائي المغربي (٨٢١-٨٦٥)
والمشدَّالىّ بفتح الميم وتشديد الدال نسبة إلى قبيلة من زواوة ٠
تلقى العلم على أبيه المشهور في المغرب بابن أبي القاسم، وعلى "ابن مرزوق" وأبي القاسم العقبانيّ"٠
قال شيخه ابن مرزوق عنه: " ما عرفت العلم حتى قدم عليّ هذا الشاب ٠ فقيل له: كيف؟ قال: لأني كنت أقول فيسلّم لي كلامي، فلمَّا جاء هذا شرع ينازعنى، فشرعت أتحرَّز، وانفتحت لي أبواب المعارف "
كان أبو الفضل المشدَّالي أعجوبة زمانه في الحفظ والذكاء، وهو الذي دلَّ تلميذه "البقاعي" على القاعدة الكلية لتناسب القرآن الكريم (٢)
*****.
стр. 39
شرف الدين المناوي:
أبوزكريا يحيى بن محمد بن محمد بن محمد ين احمد بن مخلوف المناوي الشافعي (ت:٨٧١)
وهو منسوب إلى " منية بني الخصيب " بصعيد مصر التي أقام فيها جده، وهو جد" عبد الرؤوف المناوي " شارح"الجامع الصغير "
من شيوخه " الشمس البرماوي" و"الشمس الفرَّقي" وزوج أخته" الولي العراقي" والشمس بن الجزري".
يقول عنه السخاوي إنه" ناصبٌ نفسه لنشر العلم من فقه وأصول وعربية وحديث وتفسير لكن فنه الذي طار اسمه بسببه " الفقه" ولم يذكره معظم الناس بغيره، وتخرج به في جماعة صاروا رؤساء في حياته مع انّه لم يشغل نفسه بتصنيف غير ما نبهت عليه من كتابه على"المختصر": مختصر المزني في فقه الشافعية، وكذا بواسطة تدريس "الصالحية النجمية"
وشرع في شرح متوسط على "المنهاج"
وحاشية على شرح "البهجة"
" كانت أوقاته مشحونة بالإقراء والتعبد والاشتغال حرصًا على تربية المنتمين إليه، والتنويه بذكرهم.... وإذا قرئ عنده حديث النبي ﷺ يكون هو وجماعته في غاية ما يكون من الإطراق وسكون الأطراف لا يتكلم مع أحد ولا يتزحزح لقادم إلا في النادر فيهما، وكان ذا جلادة على القراءة بحيث يجلس غالبا من بعد صلاة الصبح إلى الظهر" (١)
*****.
الحسام بن حريز:
حسام الدين محمد بن أبي بكر محمد بن حريز الحسيني الطهطاوي المالكي (٨٠٤-٨٧٣)
له اليد الطولى في معرفة القراءات والفقه والتاريخ
стр. 40
يقول السخاوي عنه: "لازم القاضي حسام الدين المطاعة في كتب الفقه والتفسير والحديث والتاريخ والأدب حتى صار يستحضر جملة مستكثرة من ذلك كله، ويذاكر بها مذاكرة جيدة مع سرعة الإدراك والفصاحة والبشاشة والحياء والشهامة والبذل لسائليه وغيرهم والقيام مع من يقصده في مهماته واقتناء الكتب النفيسة والتبسط في أنواع المأكل ونحوها.... (١)
*****
عز الدين الحنبلي:
أبو االبركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكتاني العسقلاني الحنبلي (٨٠٠- ٨٧٦)
قاضي قضاة الحنابلة في الديار المصرية وابن قاضي القضاة وعالم الحنابلة في عصره كما يقول "ابن الصيرفيّ"
من شيوخه الشمس البرماوي والبدر الدماميني والعز بن جماعة والزين العراقي والمقريزي والعيني وابن حجر وكان يبجله ابن حجر والشمس البوصيري
وارتحل في طلب العلم إلى الحجاز والشام والمقدس ٠
وولى قضاء الحنابلة بعد البدر البغدادي وتولى التدريس في مدارس ومساجد عديدة كالشيخونية والمؤيدية، وقبة الصالح والحاكم، ولقي الأكابر وطارح الشعراء وأكثر من التصنيف حتى إنّه قلّ فن إلا وصنف فيه إمَّا نظما وإمَّا نثرا كما يقول "السخاوي"
له في التفسير " مختصر زاد المسافر" ولم يكمله
وفي الفقه مختصر المحرر في الفقه الحنبلي للرافعي
واختصر الفية ابن مالك وضم إليها علم الخط وخاتمة فيما فاته
ونظم التلخيص في البلاغة وغير ذلك كثير (٢)
*****
محيي الدين الكافييجي:
محيي الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي (٧٨٨-٨٧٩)