دعْ عنك تهيامي وخلع عذاري
إنْ كنتَ لاتصْبُو لوَصفِ عذاري.
وقد تولى التدريس في أماكن عديدة من أهمها المدرسة الشيخونية التي كان التدريس بها إنما يكون بأمرمن السلطان إلى كبار علماء العصر
وقد عهد إليه بها السلطان فرج بن برقوق وكان خطيب الأزهر وجامع عمرو، وخازنا لمكتبة " المحمودية " , وكان معنيا بها فقد صنع لكتبها فهرسين:
أحدهما بالحروف على الترتيب الألفبائي لأسماء الكتب
والآخر فهرس موضوعي.
ومصنفاته عديدة من أشهرها كما قلت:
" شرحه صحيح البخاري"
وكتاب" الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع "
و" إنباء الغُمر بأنباء العمر"
والقول السدد في الذب عن المسند للإمام أحمد وهو من الكتب المهمة لقارئ مسند الإمام أحمد بن حنبل ٠
و" الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية"
وهو في ترجمة الإمام "الليث بن سعد" جعله في ثمانية أبواب، وهو كتاب لطيف
والإمام الليث بن سعد هو العالم الذي ضيعه أهله، فلم يأخذوا عنه كما أخذوا عن غيره وقد قال عنه الشافعي: " الليث أنفع للأثر من مالك"، وقال عنه: " الليث أفقه من مالك إلا أنّ أصحابه لم يقوموا به، وفي رواية عنه " ضيعه قومه ".
وقد استهتر البقاعي في ترجمة " ابن حجر" من كتابه "عنوان الزمان" وكذلك "السخاوي" في " الضوء اللامع " وفي الذيل على رفع الإصر عن قضاة مصر بل أفرد السخاويّ له ترجمة سماها: " الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" (١)
*****
العماد بن شرف:
أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن شرف بن مشرف المعروف بابن شرف (ت:٨٥٢)
стр. 37
تتلمذ على الشهاب بن الهائم وانتفع به كثيرا فصار ابن شرف إماما في الحساب والفرائض فتلقى البقاعيّ عليه علم الحساب، وكانت له يد في علم النحو والمعقول، وأخذ عن علماء كثير منهم الشمس القلقشندي، والبرماوي والولي العراقي، فلازمه في الفقه، ولم يكن ناظرا إلى جاه الدنيا بل إلى العلم نظره ٠
من مؤلفاته: توضيح بهجة الحاوي في مجلدين، وبدأ في شرح البهجة شرحا مطولا وصل فيه إلى صلاة الجمعة فكان الشرح أسفارا
وشرح مصنفات شيخه اين الهائم،
وكتب على ألفية شيخه البرماوي في الأصول توضيحا حسنا مفيدا.
وتوفي بالمقدس وصلى عليه بعد عصر يوم الثلاثاء الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة (٨٥٢) بالمسجد الأقصى، (١)
*****
البدر بن العيني:
أو الثناء محمود با أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف العينتابي الحنفى (٧٦٢-٨٥٥)
نشأ بعينتاب، إذ كان والده قاضيها، مؤرخ محدث ولي الحسبة والتدريس ووظائف عدّة، وبعد صيته وكان قاضي قضاة الحنفية بمصر، وكان فصيحا بالعربية والتركية , برع في فقه الحنفية والتاريخ والحديث والتفسير واللغة والنحو والتصريف والتاريخ
من تصانيفه الكثيرة:
عمدة القاري شرح صحيح البخاري
وشرح الهداية في فقه الحنفية
وشرح معاني الآثار للطحاوي في اثنتي عشرة مجلدا
وشرح مجمع البحرين
وشرح الكلم الطيب لابن تيمية
وشرح قطعة من سنن أبي داود
وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام
وشرح العوامل المئة في النحو لعبد القاهر الجرحاني
وشرح التسهيل لابن مالك في النحو
وشرح شواهد ألفية ابن مالك شرحا مطولا ومختصرا
وله التاريخ الكبير على نظام السنين في عشرين مجلدة، واختصره في ثلاث مجلدات، وبالجملة فهو من أوعية العلم في عصره (٢)
*****.
الجلال المحلى:
محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلى الشافعي (٧٩١-٨٦٤)
стр. 38
يعرف بتفتازانيّ العرب برع في فنون عديدة فقها وكلاما وتفسيرا وأصولا ونحوا، وكان غاية في الذكاء والفهم، ولكنه كان ضعيفا في حفظه، وكان على صلاح وورع، وتقشف، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر
عرض عليه القضاء فامتنع، وكان قليل الإقراء يظهر عليه الملل، وألف كتبا تشد إليها الرحال في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح وسلاسة العبارة من تصانيفه:
شرح جمع الجوامع في أصول الفقه
وشرح المنهاج في الفقه الشافعي
وشرح الورقات في أصول الفقه.
وله تفسير موجز لم يكمل، وأكمله السيوطي يعرف بتفسير الجلالين، وصغار طلاب العلم اليوم لا يعرفون قدره لوجازته ٠
وهو من التفاسير التي تعلم طالب العلم حسن التحليل والتفصيل لما أجمل, لأنه كالمتن الذي يغرى بالتدريب على تفصيل ما أجمل، وهي ملكة يجدر بطالب العلم الدربة عليها, ومنْ ثَمَّ عُنِي بها أسلافنا في مناهج التربية وإعداد طالب العلم, فعاب من المُحْدَثِينَ من جهل أوغفل عن الغاية ٠ (١)
*****
أبو افضل المَشدَّاليّ:
محمد بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الصمد المَشَدَّالي البجائي المغربي (٨٢١-٨٦٥)
والمشدَّالىّ بفتح الميم وتشديد الدال نسبة إلى قبيلة من زواوة ٠
تلقى العلم على أبيه المشهور في المغرب بابن أبي القاسم، وعلى "ابن مرزوق" وأبي القاسم العقبانيّ"٠
قال شيخه ابن مرزوق عنه: " ما عرفت العلم حتى قدم عليّ هذا الشاب ٠ فقيل له: كيف؟ قال: لأني كنت أقول فيسلّم لي كلامي، فلمَّا جاء هذا شرع ينازعنى، فشرعت أتحرَّز، وانفتحت لي أبواب المعارف "
كان أبو الفضل المشدَّالي أعجوبة زمانه في الحفظ والذكاء، وهو الذي دلَّ تلميذه "البقاعي" على القاعدة الكلية لتناسب القرآن الكريم (٢)
*****.
стр. 39
شرف الدين المناوي:
أبوزكريا يحيى بن محمد بن محمد بن محمد ين احمد بن مخلوف المناوي الشافعي (ت:٨٧١)
وهو منسوب إلى " منية بني الخصيب " بصعيد مصر التي أقام فيها جده، وهو جد" عبد الرؤوف المناوي " شارح"الجامع الصغير "
من شيوخه " الشمس البرماوي" و"الشمس الفرَّقي" وزوج أخته" الولي العراقي" والشمس بن الجزري".
يقول عنه السخاوي إنه" ناصبٌ نفسه لنشر العلم من فقه وأصول وعربية وحديث وتفسير لكن فنه الذي طار اسمه بسببه " الفقه" ولم يذكره معظم الناس بغيره، وتخرج به في جماعة صاروا رؤساء في حياته مع انّه لم يشغل نفسه بتصنيف غير ما نبهت عليه من كتابه على"المختصر": مختصر المزني في فقه الشافعية، وكذا بواسطة تدريس "الصالحية النجمية"
وشرع في شرح متوسط على "المنهاج"
وحاشية على شرح "البهجة"
" كانت أوقاته مشحونة بالإقراء والتعبد والاشتغال حرصًا على تربية المنتمين إليه، والتنويه بذكرهم.... وإذا قرئ عنده حديث النبي ﷺ يكون هو وجماعته في غاية ما يكون من الإطراق وسكون الأطراف لا يتكلم مع أحد ولا يتزحزح لقادم إلا في النادر فيهما، وكان ذا جلادة على القراءة بحيث يجلس غالبا من بعد صلاة الصبح إلى الظهر" (١)
*****.
الحسام بن حريز:
حسام الدين محمد بن أبي بكر محمد بن حريز الحسيني الطهطاوي المالكي (٨٠٤-٨٧٣)
له اليد الطولى في معرفة القراءات والفقه والتاريخ
стр. 40
يقول السخاوي عنه: "لازم القاضي حسام الدين المطاعة في كتب الفقه والتفسير والحديث والتاريخ والأدب حتى صار يستحضر جملة مستكثرة من ذلك كله، ويذاكر بها مذاكرة جيدة مع سرعة الإدراك والفصاحة والبشاشة والحياء والشهامة والبذل لسائليه وغيرهم والقيام مع من يقصده في مهماته واقتناء الكتب النفيسة والتبسط في أنواع المأكل ونحوها.... (١)
*****
عز الدين الحنبلي:
أبو االبركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكتاني العسقلاني الحنبلي (٨٠٠- ٨٧٦)
قاضي قضاة الحنابلة في الديار المصرية وابن قاضي القضاة وعالم الحنابلة في عصره كما يقول "ابن الصيرفيّ"
من شيوخه الشمس البرماوي والبدر الدماميني والعز بن جماعة والزين العراقي والمقريزي والعيني وابن حجر وكان يبجله ابن حجر والشمس البوصيري
وارتحل في طلب العلم إلى الحجاز والشام والمقدس ٠
وولى قضاء الحنابلة بعد البدر البغدادي وتولى التدريس في مدارس ومساجد عديدة كالشيخونية والمؤيدية، وقبة الصالح والحاكم، ولقي الأكابر وطارح الشعراء وأكثر من التصنيف حتى إنّه قلّ فن إلا وصنف فيه إمَّا نظما وإمَّا نثرا كما يقول "السخاوي"
له في التفسير " مختصر زاد المسافر" ولم يكمله
وفي الفقه مختصر المحرر في الفقه الحنبلي للرافعي
واختصر الفية ابن مالك وضم إليها علم الخط وخاتمة فيما فاته
ونظم التلخيص في البلاغة وغير ذلك كثير (٢)
*****
محيي الدين الكافييجي:
محيي الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي (٧٨٨-٨٧٩)
стр. 41
فقيه أصوليّ مفسر ومحدث له عناية بالغة بعلوم اللغة لاسيما شرح الكافية في النحو وقد نسب إليها من كثرة اشتغاله بها، وله في المعقولات منزلة وفي أصول الفقه والمعاني والبيان ٠
يقول عن تلميذه البقاعي في تقريظ تفسيره: " نظم الدرر":
العالم العلامة، والبحر الفهامة الفائق على الأقران...... المدرس المؤلف المفتى برهان الدين ... الشهير بالبقاعي.." (١)
ويقول البقاعيّ عنه: " كان كالأمن في فتنة "ابن الفارض" وله من التصانيف مختصرا عديدة منها:
شرح قواعد الإعراب
وشرح كلمتى الشهادة
والتيسير في علوم التفسير (٢)
*****
المحبّ بن الشحنة:
محب الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي الثقفي الحلبي المشهور بابن الشحنة (٨٠٤-٨٩٠)
حفظ في اًول الدين عمدة النسفي"، وفي القراءات" الطيبة" وفي أصول الفقه "المنار"وفي الفقه الحنفي: "المختار"و"الوقاية"وفي النحو "الملحة"و"ألفية ابن مالك "و" الشذور" وبعضًا من "توضيح" ابن هشام و"الفية ابن معطي" وفي البلاغة" تلخبص المفتاح"
لازم "البرهان الحلبي" في فنون الحديث, وكان يصرفه عن الاشتغال بالمنطق، وقد قرأ " تجريد الشمسية في المنطق " على" ابن سلامة " , ولم يستكثر من الشيوخ بل ولا من المسموع كما يقول السخاوي في "الذيل" وممن قرأ عليهم "الشهاب العجمي " , و"ابن خطيب الدهشة", و"العلاء البخاري" و"التقي المقريزي"
له من التصانيف " شرح الهداية" في الفقه الحنفي، وهو ـ كما يقول السخاوي ـ حاو لعلوم جمّةٍ كتب منه إلى آخر فصل الغسل خمسة مجلدات أو أقل، ثُمَّ فتر عزمه عن إكماله، ومن مؤلفاته:
" المنجد المغيث في علم الحديث "
و"تنوير المنار " وهواختصار"المنار"للنسفي في أصول الفقه
و"اختصار النشر في القراءات العشر".
стр. 42
تولى عدة وظائف منها قضاء حلب وكتابة سرها ونظر جيشها وكتابة السر بمصر وقضاء الحنفية عدة مرار بها ومشيخة الخانقاه الشيخونية ٠كتب تقريظا لتلميذه "البقاعي" على تفسيره (١)
إنَّ شيوخ "البقاعي" جد كثير لا يتسع المقام للإشارة إلى أسمائهم وكتابه " عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران " يفيض بتراجم كثير منهم وبعلاقة البقاعي بهم وما تلقاه عنهم من العلوم وما قرأه عليهم من الأسفار وأنواع تلك القراءات والإجازات التي أجازوه بها وأنواع تلك الإجازات.
- - -
تلاميذه:
إذا ما كانت الشيوخ من أهم المصادر التي تصب في مجرى "البقاعي" فتشكل شخصيته العلمية مما تلقاه من هذا المصدر المتعدّد المنابع، فأنا أذهب إلى أنَّ التلميذ النابه قد يكون رافدًا من روافد زيادة بحر علم أشياخه، فإنه يلفت شيخه إلى أشياء لم تكن عناية شيخة بالملتفتة إليه، وكم من سؤال من تلميذ نابه لشيخه يكون سببا في عمل علمى يقوم له وبه الشيخ فيحسن بسببه إلى العلم وأهله.
كان للبقاعي تلاميذ يجلسون إليه ولاسيما وقد شاع اسمه مقرونا بتفسيره الفريد في منهاجه ومراميه، ومن تلاميذه من اتخذه شيخا رئيسا ومنهم من أخذ عنه بعض علمه، وما وقفت عليه من تلاميذه ليس في مقدار أشياخه ومن البين أنَّه تولَّى وظيفة الإعادة في مسجد "رحبة باب العيد"، وفي مسجد "الظاهر" المعروف الآن بحي "الظاهر" بالقاهرة، وتولى إقراء القرآن الكريم، والقراءات في المدرسة المؤيدية، وعينه شيخه "ابن حجر" قارئا لصحيح البخاري في القلعة في عهد السلطان " جقمق"، وتولى مشيخة القراء في تربة أم الملك الصالح.
المهم أنَّه كانت له تلاميذ صاروا من بعده أهل علم يعلمون الناس ما تعلموا، يقول "ابن حجر الهيثمي" (ت:٩٧٤) :
стр. 43
" كان له تلامذة أكابر أخذوا بقوله وما يعتقده، وبعضهم من مشايخي (١)
وفي قوله: " وما يعتقده" إشارة إلى ما كان من البقاعيّ من الحط على بعض المنتسبين إلى طائفة الصوفية من أمثال "ابن عربي" و"ابن الفارض" و"ابن سبعين" وغيرهم المنسوب إليهم أقاويل معلنة بما لا يرضاه مسلم معافى من فتنة التأويل الباطنيّ المقيت
ومن أشهر تلامذته:
الشهاب الدمياطي:
أحمد بن على بن حسين بن على الأشمونى (ت:٨٤٠-٨٩٠)
أخذ عن الشهاب البيجوري، والعلم البليقني، والبرهان العجلوني وعن البقاعي وتزايد اختصاصه به بحيث كان يرسل إليه ببعض تصانيفه كما يقول السخاوي في الضوء (٢)
***
ابو المفاخر النعيمي:
عبد القادر بن محمد بن عمر بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن نعيم النعيمي الشافعي الدمشقي (٨٤٥-٩٢٧)
مورخ محدث صوفي قرأ على البقاعي وأجازه بما يجوز له
وله من المؤلفات:
الدارس في تاريخ المدارس
وتذكرة الإخوان في حوادث الزمان
وكتاب التبيين في تراجم العلماء والصالحين
وكتاب: العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان
والقول المبين في المحكم في إهداء القرب للنبي ﷺ
وتحفة البررة في الأحاديث المعتبرة (٣)
***
البدر الأربلي:
حسن بن على بن يوسف الحصكفي الأربلي الشافعي المشهور بابن المستوفي (٨٥٠-٩٢٥) عنى بالفقه والأصول والحديث وعلوم العربية، وكان شاعرًا أخذ عن علماء عصره ومنهم البقاعي فأجازه بالإفتاء والتدريس، وله من التصانيف:
حاشية على شرح المنهاج
وحاشية على الكافية (٤)
***
ابن الحملاوي:
أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن زهير الرملي الدمشقي الشافعي كان يعرف قديما بابن الحملاوي (٨٥٤-٩٢٣)
стр. 44
عنى بالفقه والحديث والقراءات، وكان متعصبا لشيخه البقاعي ملازما له ينافح عنه، أخذ عنه في ألفية الحديث، وكتب من تفسيره، ولي مشيخة الإقراء بجامع بني أمية، وبدار الحديث الأشرفية، وبتربة الأشرفية، وبتربة أم صالح بعد شيخه البقاعي وقد صار من بعده شيخ القراء في دمشق (١)
الشمس الدلجي:
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدبلجي الشافعي (٨٦٠- ٩٤٧)
عنى بالفقه والحديث وله من المتصانيف:
شرح على "الخزرجية"
وشرح على الأربعين النووية
وشرح على الشفا للقاضي عياض
واختصر المنهاج والمقاصد وسماه مقاصد المقاصد،
وشرح هذا المختصر (٢)
يقول ابن حجر الهيثمي عنه" كان أعطي في العلوم الشرعية والعقلية من متانة التصنيف وقوة السبك ما لم يعط أحد من أهل زمانه "
ويقول عنه أيضا: " صنف في فن الفقه تصانيف تضاهي تصانيف السعد التفتازاني وغيره من بلاغته وحسن سبكه وجودة تراكيبها، لكن لم يعبأ أحدبها، ولم يلتفت إليها بل الناس عنها في غاية الإعراض "، ويعلل "ابن حجر الهيثمي ذلك بقوله:
" إنَّ هذا الشيخ لم يكن يعتقد في "ابن عربي "صاحب الفتوحات المكية، كشيخه " البقاعي" فعوقب بنزع البركة من مؤلفاته " (٣)
وهذا من الهيثمي ضلال وإضلال، وكأنَّ الاعتقاد في "ابن عربي" هو مفتاح النفع به، وهذا ما لا يقوله منصف ولا يقبله عاقل ٠
إنَّ معيار الانتفاع بالعلم هو الإخلاص لله رب العالمين فيه.
وماذا يقول "الهيثمي" في ابن تيمية " و"ابن القيم" ألا يُنتفَعُ بما تركا من علوم أم كانا ممن يعتقد في "ابن عربي" الذي أَعْتَقِدُ انَّه هو لا يعتقد في نفسه، فإنّه أخْبَرُ بحال نفسه من غيره؟
لا يقرأ عاقل شيئا من كتاب " فصوص الحكم" ويبقى في صدره أثارة من اعتقاد أنَّ كاتبََه على صواب فيما سوَّد به صحائف الكتاب، وصحائفه هو أيضًا
***
стр. 45
الجلال السيوطي:
عبد الرحمن بن أبي بكر بن عثمان بن محمد الخضيري السيوطي (٨٤٩-٩١١) من أشهر علماء عصره برع في كثير من العلوم والفنون ترجم نفسه في كتابه حسن المحاضرة، وتلقى على علماء عصره ومنهم البقاعي (١)
وكانت بينه وبين البقاعي مناقدات تجاوزت حدَّ السماحة الخلقية بين أهل العلم وبين الشيخ وتلميذه
تلاميذ كلّ عالم هم حاملو علمه ومنهاج حياته، وهم أبرّ به من ولده الذي قد خرج من صلبه.
والعالم الذي هو جدير بأن يكون مداد قلمه أزكى من ريح المسك يوم القيامة هو الذي يقتدر على أن يُحِيلَ حياة تلاميذه أولاً، وأمَّته من بعدهم من مدرجة من مدارج القربِ إلى ما هو أسمى منها، وأن يُحيل حياتهم إلى ما يقيمهم في مقامِ التَّلَذُّذِ بطلب العلم تعلُّما وتعْلِيمًا، وتأدبًا وتخلقًا؛ لِيكونوا يومًا ورثةَ النُّبوَّةِ.
إنَّ تكوينَ تلميذٍ واحدٍ يَحمِلُ عن الشَّيخ منهاجَ حياتِه يَعدِلُ الدُّنْيَا ومَا فِيها.
والعالِمُ الحَقُّ لا يَحرِصُ على أن يعلّم تلاميذه كيف يَعُونَ المعرفة في قلوبهم وَعْيَ الأسفارِ والقراطيس، إنَّما العالِمُ من يعلِّم تلاميذه منهاجَ التفكير والتحليل والتقويم والاصطفاء والاستثمار. ولو أنَّنا علَّمنا تلاميذنا في جامعاتنا - على الأقل - كيف يُفَكِّرُون ويُحَلّلُونَ ويُقَوِّمُون ويَصْطَفُون لكان لنا شأن آخر
من يجعل تلاميذه يقفون من المعرفة الإنسانية أيًّا كان مصدرها الإنسانيّ بقلب مفتوح لا يتخذ من الأشياء موقف التقديس أو التدنيس من قبل أن يسبر ويحلل ويقوم. القلب المفتوح هو آية حياة صاحبه، ومن أغلق قلبه أمام المعارف البشرية فقد أغلق أبواب الحياة في وجه، فالمعرفة ضالة المؤمن، ومقدار الآخر عنده بمقدار ما يحسن ذلك الآخر.
стр. 46
إنَّ على كلّ عالم أن يربّي تلاميذه على أنَّ مثاقفة الآخر بقلب مفتوح واعٍ غير منبهر بهالات التقديس وجلبة الدعاية الجوفاء إنما هي فريضة دعوية.
أنت لا تسطيع أن تدعو الآخر إلى الحق الذي معك إلا إذا كنت على عِرفانٍ بالغٍ بعقلِ ذلك الآخر وثقافته ومنهاج تفكيره، لتعرف وجه إعراضه عن الحق الذي معك:
أسبب ذلك الإعراض فيما معك أم في منهاجك في الدعوة إليه أم في ملابسات تكتنف ذلك الآخر تحجزه عن أنْ يحسن الاستماع إليك أم في أمر قائم في قلبه يحجزه عن ذلك الحق، وإن سلكت كل سبل الدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة،وإن أحسنت مجادلة بالتي هي أحسن؟
كلّ ذلك لن تقف عليه إلا بإحسان مثاقفة الآخر، وفي ذلك الإحسان عون على تحقيق ما يرادُ منك لتكون بحق من ورثة النبوة.
стр. 47
الفصل الثاني جِهَادُ قَلَمٍ
آثاره العلمية
لا يكونُ العالِمُ نافعًا قومَه إذا لم يكنْ له مقامه الحميد بين يدي طلابه في قاعات الدرس والمباحثة والمحاورة يكوّنُ شخصياتهم العلمية ويشكلها ويغريهم بالتلذًّذ بطلب العلم والتأدب بجليل أخلاقه ونعوته، وإذا لم يكن له مقامه الحميد الداعية إلى الله بحسن خلقه وجليل زهده فيما لا يليق بوارث النبيّ ﷺ أن يتطلع إليه، فإنّها وراثة علم وخلق وطاعة لله ربّ العالمين.وهو - أي العالم - لا يَقْصِرُ جوده وعطاءه الماجد على طلاب العلم في عصره ومصره، بل هو الذي يَحْرِصُ حِرصًا بالغًا على أن تكونَ مائدةُ علمِه منصُوبةً عامِرةً بالقِرَى لكلِّ طالبِ علمٍ في كلِّ عَصْرٍ ومِصْرٍ، فإنْ غاب عنهم جسدُه فإنَّ عقلَه وقلبَه وأدبَه قائمٌ في أسْفارِه التي تَخُطُّها يمينه والتي سيكونُ جزاؤه عند الله يوم القيامة أن يستحيل مدادها أزكى من المسك طيبا. وذلك جزاء من جنس العمل، فإنَّ ذلك المِدَادَ قد كان سَبَبًا في أن غيّرّ حياة النَّاس بما نشر من العِلْمِ النّافع إلَى ما هُوَ أسْمَى وأزكَى، فكان الجزاءُ استحالَتَه إلى ما هو أطيبُ من المِسْكِ يومَ القِيَامة.
إنَّ نفسَ العالم لتستطيب رائحة المِدادَ أكثر مما يستطيبُ غيرها رائحة المسك في الدنيا.
إنَّ إعداد البحوثِ وتأليفَ الأسفارِ ونشرَها في طلابِ العِلمِ لمسؤوليَّة جليلةٌ لا يَليقُ بعالِمٍ يَملكُ القدرةَ على أن يقومَ ببعض حقِّها أن يَرغبَ عنها أو يَتشاغَلَ دونها بعَرَضٍ من أعراضِ الحياةِ الدُّنيا
لنْ يَلُفَّ ظلامُ الجهلِ والإلحادِ ديارَنا ما بَقِيَ فينا علماءٌ يُعّلمُون ويُربّون ويَبحثون ويُؤلِّفون، وطلابُ علمٍ يُجاهدون في تَحْصيلِ المعرفةِ وفقهِها واستثمارِها لتعميرِ البلادِ وقلوبِ العِبادِ.
وذلك ما كان من "البقاعيّ" قدَّم لطلابِ العلمِ وللمكتبة الإسلامِيَة أكثرَ من ستين كتابًا ورسالَة، وقد بلغت بعضُ مؤلفاتِه عدِّة مجلداتٍ، وكانت بعضُ رسائلِه وريقاتٍ مخطوطةً إذا ما فُصّل إجمالُها بلغت مجلدًا عظيما، وقد انصرفت الأبصارُ عن كثير من آثاره زمنا طويلا، ولم يكد يسمعُ كثيرٌ من النَّاس باسمه إلاَّ منذ أقلَّ من ثلاثةِ عُقودٍ، بل ما كان يعرفُه مُفَسِّرًا إلا قليلٌ من المشتغلين بعلومِ الكتابِ والسُّنَّةِ والعربية
стр. 48
واليوم قد لقيتْ بعضُ مؤلفاتِه عنايةً من طُلاَّبِ العلمِ، ولا سيما تفسيرُه نظمُ الدُّررِ، فإنَّ غيرَ قليلٍ من طلابِ علومِ الكتابِ الكريمِ اليومَ يَحرِصون على مُصاحَبة هذا التفسير لِمَا يَجدون فيه ما ليس في غيرِه
وقد يسَّر الله لي الاطلاع على كثير من كتبه وهي مخطوطة منذ قرابة ربع قرن مضى
وقد قسمت الكلام هنا على آثاره قسمين وفقا لعلاقتى بها:
القسم الأول: لما عثرت عليه وقرأته،وهذا قد رتبته حسب فنونه
والقسم الآخر: لما وثقت في نسبته إليه، ولكنى لم أوفق إلى الاطلاع عليه، إمَّا لأنه ما يزال مخطوطا ومُودَعًا في خزائن خارج مصر، ولم يتيسر لي الذهابُ إليها لضيق ذات اليد، وإمَّا لأنها مفقودةٌ لا يُعْرَفُ لها موطِنًا ٠
وهذا رتبته وفق عنوانه ترتيبا (ألفبائيا) ، وعُنِيتُ بتوثيقِ نسبتِه إلى البقاعيّ،وبِبيان شيءٍ مما وثقتُ من موضوعه الذي أُلّفَ فِيه،ولعَلَّ اللهَ يُعينني عَلَى أن أعمل على نشر ما يفعُ العباد منها اسْترْضاءً له وتقرُّبًا وتحَبُّيًا.
القسم الأول
ما اطلعت عليه من مؤلفاته
أولا: التفسير وعلوم القرآن الكريم:
مقتضى ما انتهجت أن أرتب أسفار هذا الفن وفق عنوانها ترتيبا ألفبائيا، ولكنِّى عدلت هنا إلى البدء بتفسيره لما له من المنزلة العَلِيَّة في نفسه والمنزلة الجليلة بالنسبة لما أنا مهموم به من فنون البحث العلمي، ولما هو أساس اشتهار "البقاعي" بين الأئمة، فإن تفسيره هو المصدر الرئيس لما كان للبقاعي من منزل علِيِّ في عصره والعصور التالية
﴿نظم الدّرر من تناسب الآي والسور﴾
لم يتيسر لى الاطلاع على نسخة المؤلف، ولكنى اطلعت على جزء من نسخة مخطوطة كتبت في عصره سنة (٨٧١) وقام المؤلف بتصحيحه بنفسه، وبقية النسخة ملفقة وغير تامة وهي النسخة رقم (٢٨٥- تفسير - دار الكتب المصرية)
стр. 49
كتب على وجه الورقة الأولى من هذا الجزء الذي صححه المؤلف (نظم الدرر من تناسب الآي والسور)
وقد جاء عنوانه كذلك في كتابه: (الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة) في الصفحة الثالثة، والصفحة الثالثة والعشرين من المخطوطة رقم: (١٢٦٩- تفسير- دار الكتب المصرية) (١)
وكذلك في كتابه: (بذل النصح والشفقة: ق:٦١) خط رقم: (١١٧- تصوف – دار الكتب المصرية) وكتابه: (مصاعد النظرللإشراف على مقاصد السور (ج١ص١١٨، ١١٦، ١١٤) ولهذا آثرت هذا العنوان
وجاء عنوانه (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) في الاتقان للسيوطي (٣/٣٢٢) ومعترك الأقران (١/٥٥) وكشف الظنون (٢/١٩٦١) وهدية العارفين (١/٢١) ، و (مجلة المورد العراقية: ص١٩٩ع٢م٢)
وجاء عنوان (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) في النسخة المخطوطة رقم (١٥٥- تفسير تيمور – دار الكتب المصرية) والأعلام للزركلي (١/٥٠) وجاءت له أسماء أخرى بزيادة أو نقصان أو تبديل (نظم العقيان للسيوطي: ص٢٤)
وهو يعرف بـ" المناسبات" وقد سماه بذلك (مصاعد النظر: ص١٠) و (بذل النصح والشفقة ق٦١ب) و (الأقوال القويمة:٢) وجاء أيضًا في (شذرات الذهب:٧/٣٤٠) و (الأعلام:١/٥٠)
يقول في أوله: " ويناسب أنْ يُسمّى: " فتح الرحمن في تناسب أجزاء القرآن" وأنسب الأسماء له " ترجمان القرآن ومبدي مناسبات الفرقان)
وهو معْنِيٌّ بتعدد أسماء كتبه، كما تجده أيضًا في (مصاعد النظر: ج١ص٩٨) وذلك إشارة منه إلى تعدد الوجوه التي يمكن أن ننظر منها إلى الكتاب إيمانا منه أنَّ الاسم دال على المسمى، وأن تعدد أسماء الشيء دال على شرفه
***
تاريخ تأليفه:
стр. 50
بدأ البقاعي في تأليف تفسيره " نظم الدرر" في شعبان من السنة الحادية والستين وثمان مئة (٧٦١) بالقاهرة، وهو في الثانية والخمسين من عمره، وفرغ من المسودة في يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة خمس وسبعين وثمان مئة (٨٧٥) في مسجده برحبة باب العيد المتفرعة من شارع قصر الشوق على مقربة من الجامع الأزهر الشريف بالقاهرة، فاستغرقت المسودة أربع عشرة سنة ٠
فرغ من تبيضه وتنقيحه في يوم الأحد العاشر من شعبان سنة ثنتين وثمانين وثمان مئة (٨٨٢) بدمشق بمنزله الملاصق للمدرسة البادرانية أي قبل وفاته بثلاث سنوات، فاستغرق تأليفه وتحريره ثنتين وعشرين سنة، كما نصّ هو على ذلك في خاتمة تفسيره (١) .
نسخ الكتاب المطبوعة والمخطوطة:.
حَرَصْتُ على أن أذكرَ تعريفا بالنسخة المطبوعة للكتاب، وبعض النسخ المخطوطة له لأني أزعم أنَّ الكتاب نحن بحاجة إلى إعادة تحقيقه لما وقع في النسخة المطبوعة من أمور يحسن أن تُرْفَعَ منه، وهو من الأسفار التي قد تمتَدُّ الجملة فيها امتدادً لايعين القارئ على حسن القراءة والفهم، وغير قليل من عبارات البقاعي وتراكيبه تَعْدُو عليْهِ المعاظلة..
أولا النسخة المطبوعة:.
على الرغم من كثرة ما ألَّفَ البقاعي من أسفار ورسائل فإنَّه لم يُطبعْ منها إلا القليلُ ومن تلك التي طُبعت مؤخرًا تفسيره " نظم الدرر"ظلَّ هذا التفسير عصيًّا على الطبع سنين عديدة.
يزعم "ابن حجر الهيثمي" أن الله لم ينفع بعلم "البقاعيّ" لمعاداته "ابن عربي"يقول:.
стр. 51
" البقاعي – غفر الله له – كان من أكابر أهل العلم، وكان له عبادات كثيرة، وذكاء مفرط، وحفظ بارع في سائر العلوم لاسيما علم التفسير والحديث، ولقد صنّضف كُتبًا كثيرة أبى الله تعالى أن ينفع أحدا منها بشيء [كذا] وله كتاب في "مناسبات القرآن" نحوًا من عشرة أجزاء لايعرفه إلا الخواصّ بالسماع، وأما غيرهم فلا يعرفونه أصلا، ولو كان هذا الكتاب لشيخنا "زكريا" [يقصد زكريا الأنصاري] أو غيره ممن يعتقد [يقصد يعتقد في ولاية "ابن عربي، وابن الفارض، ويقول بقولهما] لكان يكتب بالذهب؛ لأنَّه [أي تفسير المناسبات] لم يوضع مثله، ولكن ﴿كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (الاسراء:٢٠) (١)
هذا القول من "ابن حجر الهيثمي" هو إلى تَغْيِيبِ العقل المسلم المُوَحِّدِ أقربُ منه إلى أيِّ شيءٍ آخرَ، فمعالم التضليل جدُّ ظاهرةٍ عليه، وإذا كان هذا حالُ من يعتقدون في " ابن عربي" فإنَّ في هذا دليلاً على أنَّ الاعتقاد في ولايته ضلالٌ مُبِين
مَنْ ذَا الَّذِي يملِكُ أن يزعم أن الاعتقاد في مثل "ابن عربي" فريضة وطاعة من لم يستمسك بها عُوقب وطُرد؟
أيّ تجهيل وتضليل ذلك؟!!
لقد منيت الأمة الإسلامية في العصور المتأخرة وما تزال كذلك بكُثر من القائمين على تخدير وتنويم العقل المسلم الذي يستمد عذاءه وشفاءه من الكتاب والسنة النبوية الصحية، فغير قليل ممن ينتسبون للعلم ويتصدرون للدعوة وتعليم العباد تقوم معارفهم على الأساطير والأقاصيص والخرافات الهزلية التي يخيلها لهم شياطين الأنس والجن، وأمثال هؤلاء لهم الغلبة الزائفة في وسائل الإعلام؛ فمثل هذا يحقق لكل طاغية أنْ يعيث في قومه فسادًا ولا يجد من يردعه ويكشف طغيانه وتضليله لقومه.
стр. 52
ويذهب الأستاذ " عبد القادر عطا "إلى أن التَّقاعُس عن طبع تفسير البقاعي أمرٌ مُبَيَّتٌ بليلٍ، أو عن جهالة، يقول:
" ومن العجيب أنّ إهمال هذا الجانب من الدراسات القرآنية المهمة لازال قائما لم يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، فعلى الرغم من أنّ مؤسسات النشر الحكومية، والخاصة دائبة على نشر الكتب التقليدية في التفسير، والتي يُغنِى بعضُها عن مجموعِها، فقد أغْلقت أبوابها في وجه أول تفسير موسوعيّ من نوعه تخصص في هذا النوع، وهو " نظم الدرر" للبقاعي، ولا حجة لهذه الدُّورِ في أنَّها تَنْشُدُ الرَّواجَ التِّجارِيّ للكتبِ، فهذا الكتابُ في الدَّرجةِ الأولَى من الرَّواجِ لعَدَمِ وُجُودِ نَظِيرٍ له بين الدارسين، ولجودته الفائقة من جهة أخرى، ولا حجة لكبار العلماء في جهلهم بهذا الكتاب، فالذي نعلمه أنَّه كان بصفة دائمة على مكتب الشيخ المراغي [يقصد شيخ الأزهر] واقتبس منه كبير من العلماء جملا صنع منها تفسيرا نسبه لنفسه، فإنْ كان حبسُ الكتاب عن الطبع ليكون مصدرا للسطو فبئس الصنيع، وإنْ كان حبسُه مع غيره تنفيذا لمخطط قصد به أن يظلّ المسلمون بين لَغَطِ التكرار المُمِلِّ لعلوم التفسير، فَيَا خَيْبَةَ المَسْعَى " (١)
ولعلَّ من أسبابِ الانصراف عن طبع هذا التفسير صعوبة القراءة فيه، فعبارته متداخلة قد تصل إلى حد المعاظلة، وغير قليلٍ من القراء لا يكاد يصبر على متابعة القراءة فيه، وقد رأيت هذا من بعضِ طلاب العلم بل من مدرسيه وشيوخه لا يكاد يصبر بل يتعلل بأَّنَّه لم يجد فيه ما يطلب!!! ، وقد غفل، فإن الذي يطلبه منه - وقد أخبرني به - مكنونٌ في تفسير " نظم الدرر" على نحوٍ قد لا تجد مِعْشارَهُ في غيره.
ظل هذا التفسير حبيسًا في خزائن المخطوطات إلى أن قيَّض له بعضَ أهل العلم بالديار الهندية فعمدوا إلى تحقيقه وطبعه ونشره في الديار الإسلامية:
стр. 53
كان ذلك من " دار المعارف العثمانية " بحَيْدَرَ أباد الدّكن بالهند وهي دار لها على نشر أسفار العلوم الإسلامية فضل عظيم، وهذا من عجائب الديار العربية يعكف أهل الثقافة فيها على نشر كتاب الفتوحات المكية، ومنامات الوهرانيّ ورسائل ابن سبعين، والأغاني للأصفهاني، ورسائل إخوان الصفا وتفسير الثعالبي....، ويبخلون على مثل تفسير "البقاعيَّ" لينفق علي تحقيقه ونشره طلبة العلم في الديار الهندية على الرغم مما يعانون.
أُخرِج التفسيرُ في اثنين وعشرين جزءًا من القطع المتوسط (١٧×٢٤سم) نشر الجزء الأول منه في الهند سنة تسع وثمانين وثلاث مئة وألف (١٣٨٩) والأخير في سنة أربع وأربع مئة وألف (١٤٠٤)
وقد تولى تحقيق الجزء الأول" والثاني والثالث ومنتصف الرابع (آخر تفسير سورة البقرة- ج٤ص١٩٤) الشيخ:"محمد بن عبد الحميد" شيخ الجامعة النظامية، وتولى تحقيق بقية الأجزاء الشيخ الشَّاب: محمد بن عمران الأعظمي الأنصاري العمري – أحسن الله إليهما في الدار لما أحسنا إلينا بصنيعهما
قوبلت الطبعة على نسخة المغرب "الرباط" ونسخة عارف حكمت بالمدينة النبوية ونسخة المكتبة الظاهرية بدمشق ونسخة دار الكتب المصرية،واتخذ المحقق نسخة الرباط أصلا دون أن يذكر لنا رقمها، ودون أن يبين لنا وجه اختيارها أصلا للنسخ الأخرى، ودون أن يصف لنا النسخ التي اعتمد عليها ولا أرقامها في خزائنها، مما يجعل الأمر مبهما، ولم يكتب – أيضًا - مقدمة للتحقيق، وهذا أمر مهم جدًا، ولا سيما أن الكتاب يحقق للمرة الأولى، وما كان مثلُ هذا بمثكَلِّفِهِ كثيرًا، وظنّي أنَّه على مثلِ ذلك قديرٌ.
حرص المحقق على ذكر مقابلات النسخ في الهامش، ولم يبين لنا منهاجه في هذا:
أيضع في أعلى المتن ما كان في النسخة الأم وإن كان غيره أعلى أم يضع الصحيح في المتن وما عداه في الهامش؟
стр. 54
لم يبين لنا , ولذا تجده يضع الصواب حينا في المتن وغيره في الهامش، وحينا تجد الصواب في الهامش والخطأ في المتن وليس من النسخة الأم
منهجُ التَّحقيقِ ليس قويمًا وكثيرٌ من تحقيقاته بُنِيَ على قراءة خاطئة وفهم بعيد عن الصواب (١)
وقد أثقل المحقق الهامش بنقل كثير من تفسير " تبصير الرحمن " لعلي المهاتمي، وهومطبوع، ومن " البحر المحيط لأبي حيان، وهومطبوع متداول، وليس ثم مقتضٍ لهذا الإثقال وليس فيما ينقله توضيح لما قال "البقاعي".
لو أنَّه صرف عنايته إلى ضبط النص ولاسيما بعض الكلمات التي يَلُفُّها الغموضُ أو الإِبهام من كلام البقاعي، وتحريره، والإشارة إلى تجلية غموض بعض العبارات، وربط الكلام ببعضه؛ لتباعد أطرافه في بيان البقاعي لكان أولى، ولو أنَّه عُنِىَ بتقسيم الكلام وتمييزه إعانةً على حسن القراءة والفهم لكان أعلى، فقد عانيت كثيرًا في قراءة النسخة المخطوطة التي اعتمدت عليها في إعداد بحثي لدرجة العالمية ﴿التناسب القرآنيّ عبد برهان الدين البقاعيّ﴾ (١٣٩٩-١٤٠٢) بإشراف شيخِي محمد عبد الرحمن الكُرديّ على الرغم من وضوح خطِّها النسخيّ، إلا أنَّ بها تصحيفا وتحريفا وسقطا بالغا.
المهم أن الطبعة الهندية أضحت كالنَّادرة في الديار العربية ولا تكاد تعثر عليها إلا بمشقة باهظة وبثمنٍ كثيرٍ، وقد عانيت من جمع أجزائها من مكتبات الحجاز ونجد طيلة خمس سنوات أقمتها هناك (١٤٠٨- ١٤١٢)
والتفسير جدير بأن يُعاد تحقيقه على نسخ مخطوطة أكثر وأقدم وأنْ ينشر نشرة جيدة الطبع والإخراج ٠
стр. 55
وإذا ما كانت الطبعة الهندية قد بدأت (سنة:١٣٨٩) وانتهت (١٤٠٤) فإن هنالك طبعة كالمسروقة من الطبعة الهندية اقترفت سرقتها في بيروت في دار الكتب العلمية (١٤١٥) تولى تخريج الآيات والأحاديث ووضع الحواشي َّ" عبد الرازق غالب المهدي "
وبمقارنة هذه الطبعة البيروتية تيقَّنْتُ أنَّها هي الطبعة الهندية نُقِلت بكل ما في الهندية من أخطاء، ولم يكن إلا حذفُ هوامش التحقيق ووضع تخريجات الأحاديث موضعها، أمَّا نَصُّ التفسير فهو هو محرفا ومصحفا حتى في الآيات القرآني
كما تراه في تفسير قول الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأََمْوَالِ وَالأََنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:١٥٥) ، فقد استأنس البقاعي في تفسير هذه الآية بقول الله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢١٦)
جاءت الآية في الطبعة الهندية على النحو التالي (يأيّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) وكذلك في الطبعة البيروتية وغير خفي عنك أن الآية الكريمة لم تصدر بهذا النداء في كتاب الله
بل بلغ الأمر أن حُذِفَ من البيروتية جزءٌ من صفحة من التفسير: الصفحة الخيرة من الجزء الأول من الهندية (ص٣٥٧) (البيروتية ج١ص٣٢٢ س ١٥٩) والقائم على البيروتية لم ينتبه إلى ما في طبعته من حذف كثير أخلَّ بالنص إخلالا لا يستقيم الكلام معه.
стр. 56
والبيروتية أيضًا لم تجعل مقدمة لطبعتها تماما اقتداءً بالطبعة الهندية، وإن يكن الشيخ "عبد الرازق المهدي" قد أحسن بما صنعه من تخريج الأحاديث التي في التفسير، فجزاه الله عنا خير الجزاء، ولولا هذه التخريجات لما كان للطبعة البيروتية أي قيمة علمية..
ثانيا: النسخ المخطوطة:.
قلت إن المحقق الهندي له فضل كبير في إخراج هذا التفسير جدير بفيض الشكر ولكن التفسير بحاجة إلى إعادة تحقيق على نسخ خطية أخرى، وللتفسير نسخ خطية كثيرة جدا في مصر وخارجها وبين يدي نصوص ببيان عشرات من النسخ المخطوطة ومواطن وجودها، ولكنى أذكر بعضها، لا كلّها:
- نسخة بدار الكتب المصرية برقم (٢١٣- تفسير) في ست مجلدات من القطع الكبير،وهي تامة إلا مقدار ورقة من الجزء الرابع (ق٣٧٣أ -٣٧٤ب) ومسطرتها (٢٧ سطرا) كتبت سنة (١٢٧٠) بخط محمد أبي الفضل الصفتى ومجموع أوراقها (٢٣٠٤ق)
ومنها مصورة بدار الكتب رقم (١٠٠٦- تفسير) وقد اتخذت الأصل مصدرا في إعداد هذا بحثي للعالمية، فهي أوضح النسخ التي أمكن الاطلاع عليها بمصر، فقد فرغت منه في عام (١٤٠٢) ولم أتمكن من الاطلاع على أي جزء مما طبع في الهند في ذلك الوقت
وفي هذه النسخة تصحيف وتحريف وسقط لبعض الكلمات،وكأنّ الناسخ لم يكن من أهل العلم المحررين
- - -
- نسخة غير كاملة منها أربعة أجزاء فقط برقم (٢٨٥- تفسير بدار الكتب المصرية)
والأجزاء الموجودة: الأول والرابع والسادس والثامن، كتب بعض الجزء الأول في حياة المؤلف
- - -
- نسخة كاملة برقم (٥٩٠ / ١٢٨٥٥- تفسير) بمكتبة الأزهر في سبع مجلدات كتبت ما بين سنة (١٣٢٥- ١٣٣١) وخطها جيد وهي في (٣٧٣١: ق) ومنها نسخة منقولة برقم (٢٣٠٨) بمكتبة الأزهر كتبت سنة (١٣٧٠)
- - -
стр. 57
- نسخة رقم (٢٢٩-تفسير – الأزهر – رواق الأتراك) في ثلاث مجلدات مجموع أوراقها (١٥٢٧ق) (د٠ت) ومنها نسخة مصورة (مكروفلم - برقم٦٥٠- دار الكتب المصرية)
- - -
- نسخة رقم (١٥٠- تفسير تيمور) بدار الكتب المصرية، لايوجد إلا الجزء الأول ينتهي بالآية (١٢٣- آل عمران)
- - -
- نسخة مصورة (مكروفلم) بمعهد المخطوطات برقم (٢٣٧-٢٧٩) عن نسخة مكتبة (مدينة) بتركيا رقمها هناك (١٥١-١٥٤) وهي غير كاملة وملفقة
- - -
- نسخة مصورة (مكروفلم) رقم (٢٧٥-٢٧٩) بمعهد المخطوطات عن نسخة (الظاهرية بدمشق) رقم (١٤١-١٤٥) ناقصة كتبت في القرن العاشر
- - -
- نسخة مصورة (مكروفلم) رقم (١٨٠-١٨٢) بمعهد المخطوطات بالقاهرة عن نسخة جامع الشيخ بالاسكندرية، ولم يتيسر لى الاطلاع عليها
- - -
- نسخة الرباط بالمغرب في خمسة أجزاء رقم (١٨١ق) بمكتبة الأوقاف كتبت سنة (١٠٩٧) ٠راجع فهرس مجموعة مختارة لمخطوطات عربية نادرة ج١ص٢٠،ولعلها النسخة التى اتخذها محقق الطبعة الهندية أصلا ٠
- - -
- نسخة القرويين بفاس المغرب، في خمسة أجزاء قوبل بعضها على نسخة المؤلف الجزء الأول كتب سنة (٩٤٩) والثالث (٩٥٦) والخامس (٨٧٥) وهي في (١٧٢٥ق) وفي الجزء الرابع تكرار بعض ما في الثالث، وفي الخامس نقص من آخر (الدخان) إلى أول سورةِ (الصف)
- - -
- نسخة في مكتبة السلطان الغازي محمود خان بالمدينة النبوية رقم (١١٨) – راجع فهرس المكتبة المذكورة ص٨٥- مخطوط بدار الكتب المصرية
- - -
- نسخة في مكتبة (جستر بتي) بدبلن ٠ راجع مجلة المورد ص:١١٩ – عد:٢ مج: ٢
- - -
- نسخة رقم: (٢٤١-٢٤٢) في مجلدين بمكتبة نور عثمانية بتركيا (فهرس مكتبة نور عثمانية بدار الكتب المصرية)
- - -
- نسخة في مكتبة فيض الله أفندي بالمتكبة الوطنية باستنبول – مجلة المورد ص:٣٢٠ – عد: ٢مج: ٧
- - -
стр. 58
- نسخة رقم (٩٦-٩٩) في أربعة أجزاء في مكتبة "عاشر افندي بتركيا ٠ فهرس عاشر افندي ص ٩٦– دار الكتب المصرية
- - -
- نسخة في مكتبة راغب باشا بتركيا – راجع ج٢ص١١٠- فهرس نوادر المخطوطان للجزائري (خ) دار الكتب المصرية
- - -
- نسخة في مكتبة "على باشا الجورليلي بتركيا- راجع فهرس نوادر المخطوطات للجزائري ص٥٧
***
- نسخة مكتبة بايزيد بتركيا – راجع ص١٦ – فهرس مكتبة بايزيد – دار الكتب المصرية
- - -
- نسخة مكتبةولي الدين بتركيا – راجع ص٣٨ج٢ – فهرس مكتبة ولى الدين (خ) بدار الكتب المصرية
- - -
- أربع نسخ في مكتبة والدة سلطان بتركيا رقم (١٦٠-١٦٤) – راجع فهرس مكتبة والدة سلطان ص ٣٤ (خ) دار الكتب المصرية
وهنالك نسخ أخرى عديدة وما رغبت في ذكر هذا إلاَّ إيمانا بأنّ َهذا الكتاب نحتاج إلى إعادة تحقيقه لما له من أهمية جليلة، ولما مني به التحقيق في الطبعة الهندية من أمور غيرها أعلى منها على الرغم مما جادت به علينا من فضل لا يغيب عنا ضياؤه فجزى الله القائمين به خير الجزاء عن كتابه الكريم
*****
قيمة الكتاب عند مؤلفه
سرور المسلم بتوفيق الله له إلى فعل عمل صالح هو أمر حميد في نفسه إذا لم يتجاوز سرورُه حدَّ إبرازِ فضلِ اللهِ عليه ولم يقترب إلى مباءة العجب والتنفّج
وخير ما يسرّ المسلم ما كان فيه نفعٌ عام للمسلمين من نَحْوِ علمٍ نافعٍ , وغيرُ قليل من أهل العلم كانوا يَتَحَدَّثُون في تواضع لله عن نعم الله عليهم، وكأنيّ بهم يعلنون بهذا للناس أنَّه إذا ما كان الله قد أفاض مثل هذه النعم عليهم وهم من هم في مقام العبودية لله رب العالمين فكيف هو صانعٌ بمن هوأعْلَى منهم في ذلك المقام؟
стр. 59
وفي هذا حث للناس على أن يستشرفوا إلى مقامات الفيض الأقدس، وأن يقيموا أنفسهم في مقامات التعرض لنفحات الله
البقاعي كان ممن يكثر من الحديث عن فضل الله عليه، ولاسيما فضل توفيقه ﷻ إلى تأليف تفسيره" نظم الدرر" والعبارات التي توالت في تفسيره مُبِيَنةً عن سروره به جد كثيرة منها قوله:
"هذا كتاب عُجاب رفيع الجناب في فن ما رأيت من سبقني إليه ولا عوّل ثاقب فكره عليه (١)
وقوله٠ " في فن ما رأيت من سبقني إليه " لا يعني أنَّه أول من تحدث في مناسبات القرآن الكريم، فإنه قد صرح بمن سبقوه إلى ذلك، ولكنهم لم يقوموا بهذا في تدبرهم القرآن الكريم كله، وإنما في بعضه ولذلك يطلب النظر في صنيعه وصنيعهم، فهو الذي أقام تفسيره كلّه على علم التناسب القرآني في جميع عناصر البيان القرآني
وهذا بحق لم يقم به أحد من قبله ممن بلغنا تفسيره كمثل ما قام هو به في تفسيره، وأصلُ العلم لا شك في أنَّه مسبوق به، أمَّا على هذا النحو المستوعب فإنَّما هو بحقٍّ فريدُ عصره فيه، ولهذا تراه يذكر سبق" أبي جعفر بن الزبير" بكتابه (البرهان في ترتيب سور القرآن) ويقول:
" وهو لبيان مناسبة تعقيب السورة بالسورة فقط، لايتعرض فيه للآيات " (٢)
وذكر كتاب " الزركشي" (البرهان في علوم القرآن) وقال عنه: " فرأيته ذكر فيه ما يُعَرّفُ بمقدار كتابي هذا " (٣)
وذكر تفسير" جمال الدين ابن النقيب " (ت:٦٩٨) المسمّى (التحرير والتحبير لأقوالِ أئمّةِ التفسيرِ فِي معانِي كلامِ السَّميعِ البَصير) قال عنه تلميذه " الذهبيّ" في معجم الشيوخ إنه في تسعة وتسعين مجلدًا استوعب القراءات وأسباب النزول والإعراب وأقوال المفسرين وأقوال الصوفية وحقائقهم "
стр. 60
وقال البقاعيّ عن عنايته هذا التفسير بتناسب الآيات والسور: " وفي خزانة جامع الحاكم كثير منه، فطلبت منه جزءًا فرأيتُ الأمرَ كذلك بالنسبة إلى الآيات لا جملها وإلى القصص لاجميع آياتها، ومن نظر في كتابي هذا مع غيره علم النسبة بينهما " (١)
وقال: " ولقد شافَهَنِى بعضُ فضلاءِ العجمِ، وقد سألته عن شيءٍ من ذلك , فرآه مُشكلا، ثمّ قرَّرْتُ إليه وَجْهَ مناسبتِه، وسألتُه: هل وضُح له؟ فقال: يا سيدي كلامُك هذا يتَسابَقُ إلى الذِّهنِ ٠
فلا تظُنَّنَ أيها الناظرُ لكتابي هذا أنَّ المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقِناعِها، والرَّفعِ لستُورِها، فربَّ آيةٍ أقمتُ في تأَمُّلِها شهورًا منها:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:١٢١)
ومنها ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ....﴾ (النساء: من الآية١٢٧)
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ... ﴾ (النساء: من الآية١٧٦)
ومن أراد تصديق ذلك، فليتأمل شيئا من الآيات قبل أن ينظر ما قلته، ثُمّ لينظره يظهر له ما تعبت فيه، وما حصل من قبل الله ، ومن العون سواء كان ظهره وجه ذلك عند تأمله أوْ لا، وكذا إذا رأى ما ذكر غيري من مناسبات بعض الآيات " (٢)
وقال أيضًا: ولا تنكشف هذه الأغراض أتَمَّ انكشاف إلا لمن خاض غمرة هذا الكتاب، وصار من أوله وآخره وأثنائه على ثقة وصواب، وما يذكر إلا أولو الألباب
وقد ذكر الزركشي نحو أربع ورقات من مناسبات بعض الآيات، وإذا تأملتها عَظُمَ عندك ما في هذا البحر الزَّاخر من نفائس الجواهر " (٣)
стр. 61
وقال: " أمدنى فيه- والحمد لله- تأييد سماويّ، فجعلته كالرديف لتفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي، ولعل تسهيله كان ببركة مبشرة من آثار النبوة رأيتها في صباي، وأنا في حدود العاشرة من ستي في قريتنا من بلاد البقاع ... ) (١)
وقال عنه: (التفسير الذي لم تسمح الأعصار بمثله، ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كَصَيِّبِ وَبْلِهِ) (٢)
وهو يذكر في آخره مدحا له قصيدة من مجزوء الرجز يقول:
(وقد قلت مادحا للكتاب المذكور بما أبان عنه من عجائب المقدور وغرائب الأمور شارحا لحالي وحالهم، وظفر آمالي وخيبة آمالهم من مجزوء "الرجز" وضربه مقطوع والقافية متواتر مطلق مجرد، مسميا له بـ"كتاب لمَّا" لأنَّ جلّ مقصوده بيان ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى إنَّ كلّ جملة تكون آخذة بحُجزة ما أمامها متصلة بها، وذلك هو المظهر المقصود من الكلام وسره ولبابه الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات، وكلّ جملة على حيالها بمنزلة الجسد فالروح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق وبفهم، ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم
و" لمّا " ظرف يراد بها ثبوت الثاني مما دخل عليه بثبوت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشرط تطلب جملتين يلزم لذلك الملزوم، فتمَّ الكتاب في هذا النظم بـ"لمَّا" لأنّي أكثرت من استعمالها فيه لهذا الغرض (٣)
ومما قاله عن تفسيره في كتابه " مصاعد النظر":
стр. 62
" منَّ اللهُ - وله الحمد - عليَّ بِصَوْغِي لكتاب: " المناسبات بين السور والآيات " بل الجمل والكلمات الذي لم تسمح الأعصار بمثله حقيقة من غير غلوّ، ولا نسج ناسج على منواله وشكله، إخبارًا بالحق من غير فخر وعلوّ، فإنّه أخرج من كتاب الله خفايا أسرار ما ظفر بها أحد، وأبدى غرائب أنوار ما عثر على بارق منها ولا وجد، وأجرى سوانح أنهار ما صدر عن عذب ينابيعها ولا ورد، كان قلبي فيه مُدَدًا طوالا أسيرَ الواردات، وسمير الخفايا الشاردات
بيَّنت فيه سرائر آيات ما بيّنَ أحدٌ ظاهر تفسيرها، وأبديتُ أسرار سورٍ ما كشف أحد خفيّ ضميرها " (١)
وما ذكره عنه في كتابه " الفتح القدسي": قلت في بيان فضله واستقامة منهاجه وشرف سبله:
هَلْ رَأَيْتُمْ يَا أُولِى التفسيرِ مَنْ
صاغَ تفسيرًا كَنَظْمِ الدُّرَرِ
دَقََّّ مَعْنًى جَلَّ سَبْكًا لَفْظُهُ
فِي وُجُوهِ الفِكْرِ مِثْلُ الغُرَرِ
وقلت وعن الصدق ما حدتُ:
هَذا كتابٌ في التَّناسبِ مُفْرَدُ واللهِ لمْ يَنسُجْ علَى مِنْوالِه
أعْيَى بِدقتِه ومحْكمِ رَصفِه مَنْ رامَ أن يأتي الوَرَى بمِثالِه.
وقلت -وقد استكتبه العلامة "برهان الدين بن الظهيرة قاضي الشافعية بمكة، وقد عظم موقعه عنده:
أبْديتُ فِي التفسيرِ ما أعْيَي الوَرَى أسْرَارَه وأجله القُرآنُ
ماذا يقول الحاسدون وقد غدا في النَّاس يَنشرُ فضلَه "البرهان" (٢) .
تلك بعض نصوص مقالات البقاعي عن تفسيره وهي يمتزج فيها التحدث عن نعمة الله عليه بفرحته بأن جعله الله محل هذا الفيض وهو يعلن في هذه النصوص انه ما يقولها افتخارًا وعلوًا بل يقولها بيان لحق وشكرًا لفضل تفضل به المنعم ﷻ عليه.
***
موقف العلماء من تفسيره:
стр. 63
يذكر البقاعي أنّ الناس قد انقسموا في شأن تفسيره ثلاثة أقسامٍ: مادح وقادح وصامت لم يبد وجهًا (١) .
((المادحون))
أورد البقاعي في كتابيه (مصاعد النظر) و (الأقوال القويمة) تقاريظ أعلام عصره لكتابه (نظم الدرر) من نحو"الشرف المناوي" و" المحب بن الشحنة " و"حسام الدين الطهطاوي" و"العز الحنبلي" وأمين الدين الأقصرائي" و"سيف الدين السيرافي" و"محيي الدين الكافييجي" و"تقي الدين الشمنى" و"تقي الدين الحصني" ومما جاء في تلك التقاريظ:
ما قاله " شرف الدين المناوي:
" وبعد فقد وقفت من هذا التأليف الحسن المستجاد على ما أعرب عن أنَّ مؤلفه إمام علامة في فنون العلم، فإنَّه قد أحسن وأجاد وأظهر من مجموع حسن مجموعا حسنا في غاية الصواب....
فحق لهذا التأليف أن يُتلقَّى بالقبول ولا يُصغى لقول حاسد فيه ولا عذول. والله تعالى يُبقي مؤلفه منهلا للوراد ويُديم النفع به، وبعلومه للمسلمين في تاسع عشر شعبان عام ثمانية وستين وثمان مئة) (٢) .
ومما قاله محب الدين بن الشحنة:
" أما بعد: فقد وقف العبد الفقير الضعيف الحقير على هذا المصنف العديم النظير المشتمل من الورد الصافي على العذب النمير، فوجد مؤلفه قد حلى فيه من أبكار أفكاره المقصورات في الخيام على الأكفاء الكرام من ذوي العقول والأفهام كل خريدة بعيدة المرام......
فالله تعالى يبقيه لإبداء الفوائد ويجزيه من ألطافه الخفية على أجمل العوائد بمنه وكرمه٠٠٠" (٣) .
ومما قاله حسام الدين الطهطاوي"
стр. 64
" وبعد فقد وقفت على جزء من الكتاب الموسوم بـ"نظم الدرر من تناسب الآي والسور" جمع الشيخ الإمام العلامة الرحالة الحافظ " برهان الدين البقاعي" شرف الله به البقاع، ونشر من فوائده وفرائده ما تلذ به الخواطر وتنشنف به الأسماع، فرايته في بابه غريبا في إعرابه بما أتى على عجمه وإعرابه، قد غاص في بحار العلوم، فاستخرج منها فرائد الدرر وسبر محاسنها فجمع منها أحاسن الغرر، وتتبع شواذ الملح، فجمع منها ما شتَّ وأرسل خيله في حلباتها، فحازت قصب السبق، فتصرف فيها كيف شاء، فوهن عند ذلك عضد حاسده، وفيه فتر أعاد الله ﷻ من بركاته ونفعنا بصالح دعواته" (١) .
ومما قاله أمين الدين الأقصرائي:
" وبعد فقد شرفت بوقوفي على مواضع من المؤلف البديع المتوج بـ " نظم الدرر من تناسب الآي والسور" تصنيف سيدنا ومولانا الإمام العلامة الحبر الفهامة المدقق المحقق ذي التآليف الرفيعة في الأنواح فتوحا من رب الأرباب المستغنى عن الإطناب في الألقاب خالصة خلاصة المتقدمين ونخبة الأئمة المتأخرين زاده الله علما وعملا.....
ومن نظر في مؤلفه بعين الإنصاف وترك الاعتساف علم مقدار ما حازه من قصبات السبق في مضمار التحقيق والتوفيق ... " (٢) .
ومما قاله "محيي الدين الكافييجي ":
" ... هذا الكتاب "نظم الدرر" كتاب عظيم الشأن، ساطع البيان مؤسس بحسن ترتيب وجودة نظام على أحسن جواهر القواعد مرصع بأنواع فرائد الفوائد والعوائد، وأنَّه بحر لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه وموصوفه بما تراه محط دائرة الضبط والبيان وعطية من عطايا الجواد الرحمن
كتابٌ في سرائرِه سرورٌ * مُناجِيه من الأحزانِ ناجِي
وكمْ معنًى بديعٍ تحتَ لفظٍ * هناك تزاوَجا كلَّ ازدواجِ.
стр. 65
ولقد تأمل العبد الفقير فيه حق التأمل كما ينبغي في مواضع كثيرة، فوجده ممتلئًا بأجناس درر نفيسة منظومة متناسبة عالية، ومتوجا بأصناف فصوص لامعة غالية ومناسبا صدره عجزه ومقرونا بلطائف دقائق المعاني والفحوى مع رعاية السياق والسباق، ولأجل هذا صار مثلا مشهورا في البلدان والآفاق ما عامَ أحَدٌ من الفضلاء والعلماء في بحره سوى العالم العلامة.....الشيخ الإمام الهمام شرف السلف خير الخلف المدرس المؤلف المفتى برهان الدين أبوالحسن إبراهيم الشهير بالبقاعي......." (١) .
وغير هذا من التقاريظ ما أثبته في كتابه (مصاعد النظر) وهو يقرر أنه لم يكن غرضه أن يعرض تفسيره على أحد من الأئمة ليقرظه لكنَّه لمَّا تكلَّم فيه بعض الحسدة اضطر إلى عرضه على الأئمة ليشهدوا بما فيه
ولم يكن من شانِهِ في أوَّل أمرِه حريصًا على أن يأخذَ علَى مؤلفاتِه خطوطَ أشياخِه بتقريظهم فكان أصحابُه يلومُونَه على ذلك، فكان يقول لهم:
" إنّي إذا صرت إلى سنّ يؤخذ فيه عن مثلي، فإنْ كنتُ أهلاً في تقسِي فأنا لا أحتاجُ إلى شهادة أحدٍ، وإنْ لمْ أكنْ أهلاً لم تفدني إجازات المشايخ" (٢)
ومن ذكر البقاعي تقاريظهم ليسوا جميعا من أنصاره في بعض مواقفه التي يتجالد فيها ولا سيما مواقفه من ابن عربي وابن الفارض والقائلين بوحدة الوجود والاتحاد ...
تراه يقول في مقدمة ذكره تقريظ "أمين الدين الأقصرائي": " مال على أهلِ السُّنةِ فِي فِتْنَةِ "ابنِ الفارضِ"، وأغْنَى اللهُ – وله الحمدُ – عنْهُ ومَا ضَرَّ إلاَّ نفسَهُ "
وقال في تقديمه تقريظ " عضد الدين السيرافي " " وكانَ فِي فِتْنَةِ "ابنِ الفارضِ" سَاكِتًا "
стр. 66
هذا الذي ذكرته بعض ثناء عَصْرِيِّه من أهل العلم أمَّا ثناء العلماء من بعده علي هذا التفسير فإنه جد كثير لايتسع المقام لذكره، وكيفيك أن تنظر ما قاله "ابن حجر الهيثمي المكي " وهو من المعاندين للبقاعي في موقفه من ابن الفارض وابن عربي، وما قال الشوكانيّ عن تفسير البقاعيّ على الرغم من أنَّ الشوكَانِيّ لا يأخذ بمذهب تناسب الآيات والسور..
يقول الشوكانيّ: " ومن أمعن النظر في كتابه ... في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنّه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول.
وكثيرا ما يشكل عليَّ شيءٌ في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي، وأرجع إلى هذا الكتاب – نظم الدرر – فأجد فيه ما يفيد في الغالب " (١) .
***
((المعارضون))
كان على رأس معارضي البقاعي قرينه "شمس الدين السخاوي": محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت:٩٠٢) وكان يذهب إلى أنَّ البقاعي قد اجترأ على كتاب الله بتفسيره هذا وأنَّه قد اعتمد على النقل من التوراة والإنجيل في تفسيره، فألف "السخاوي" كتابه: " الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل" (٢)
وكان "البدر بن القطان" من أشد المناوئين للبقاعيّ، وقد احتدمت الملاحاة بينهما فهجاه "البقاعي" بما ينفر المرء عن ذكره (٣)
وخلاصة ما اعترض به المناوؤن على تفسيره:
هذا كتاب لا يحل بقاؤه في الناس لأنه قسمان:
- نقل من الكتب القديمة المحرفة: التوراة والإنجيل والزبور، وهذا لايحل
- كلام من عند نفسه فهو تفسير بالرأي لايحل
أنه سطا على مقولات غيره فنسبها إلى نفسه
لا حاجة إلي مثل هذا التفسير ولا معولّ عليه ولا يسدّ نقصًا في غيره
стр. 67
زعمه أنّ بعض أهل العلم قد طلب منه أن يفصل بين تفسيره وبين النّص القرآنيّ بكلمة (أي) حتى لا يلتبس كلامه بالقرآن الكريم.
وهذا مما دفع إلى اتهامه بالكفر، ومحاولة إقامة حد الردة عليه (١)
يقول " ابن إياس" في أحداث شهر" ذي الحجة" من سنة (٨٧٧) :
" ومن الوقائع في هذا الشهر أنّ " البرهان البقاعيّ" وقاضي الجماعة " أبو عبد الله القلجانيّ المغربيّ المالكيّ " وقع بينهما بحثٌ في بعض المسائل، فوقع من " البرهان البقاعيّ " في ذلك المجلس جوابٌ ضبطه عليه قاضي الجماعة , وصرّح بكفره، وشهد عليه (٢) ، وأراد أن يقام عليه الدعوى عند قاضي القضاة المالكيّ , فلمَّا علم كاتب السرِّ " ابن مزهر " بذلك طلب "البقاعيّ " إلى عنده, وحكم بعض القضاة بحقن دمه , ولولا كاتب السرّ ما حصل على " البقاعيّ" خير, والذي جرى على " البقاعيّ بخطيئة " ابن الفارض " فإنّه كان رأس المتعصبين عليه (٣) , واستمر "البقاعيّ" في عكس حتى مات"
يقول "ابن حجر الهيثمي" " ضبط عليه في مناسباته، فحكم بتكفيره وإهدار دمه ولم يبق من ذلك إلا إزهاق روحه لولا استعان ببعض الأكابر حتى خلصه من تلك الورطة واستتيب في الصالحية بمصر وجدد إسلامه " (٤) .
стр. 68
نقض البقاعي تلك الاعتراضات.
** ألف البقاعي للرد على القول بتحريم النقل من الكتب القديمة المحرفة كتابه: " الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة " بين فيه أنّه اقتفى في هذا أثر الأئمة من السلف (١) .
** القول بأنَّه تفسير بالرأي لا سند له، نقضه بأنَّه قول جاهل لا يعلم الفرق بين التفسير وكلام بالرأي في القرآن الكريم (٢) .
** القول بأنَّه سطا على مقالات غيره فنسبها لنفسه ردَّه بأنَّه من العجب أن يكون هو وحده المطلع على تلك الأقوال، فما بال غيره لم يطلع عليها؟
والأعجب – كما يقول - أن يتجدد له ذلك عند كلّ سؤال أو بدا في الآية إشكال، وهو الذي نوَّه في كتابه هذا بالنقل عن جماعة ما عرفهم " المصريون" إلا منه، كمثل " أبو الحسن الحرالّيّ " و" أبو الفضل المشدالىّ المغربي " وقد سأله بعض المغاربة أن يسقط ذكر " المشدالي " من تفسيره لينسخ الكتاب ويبعث به إلى المغرب، فإنَّ المغاربة لا يقرون لـ" المشداليّ " بالفضل، فامتنع عن ذلك (٣) .
** القول بأنّ الكتاب لا يسد نقصًا ولا حاجة إليه ولا معوَّل عليه منقوض بأنَّ كتابه هذا قائم بما لولاه لافتضح أكثرهم لو واقفه في القرآن الكريم مناظر، وحاوره في كثير من الجمل من أهل الملل محاور في مكان يأمن فيه الحيف، ولا يخشى سطوة السيف، ثم يذكر أمثلة لتلك الآيات التي لولا تفسيره لها لأمكن للكافر المعاند أن ينال من كثير (٤) .
** القول بأنَّه قد طلب منه الفصل بين كلامه والقرآن فأبى لم طلع على ردّ للبقاعي عليه
стр. 69
ولعله مما أشيع عنه زورًا، أو رأى أنّه رأي أهون من أنْ يرد عليه، وهو في هذا على حق مبين، فذلك اتهام جد غريب لرجل يؤذن صباح مساء بتقرير إعجاز القرآن الكريم، أضف إلى هذا أنَّ مزج القرآن الكريم بكلام المفسر بحيث لا يظهر إنَّما هو أمر لا يقوم أبدًا وأهل العلم ليسوا جميعا يفصلون في تفسيراتهم بكلمة (أي) ونحن نرى البقاعي يذكرها في تفسيره في مواضع عديدة في النسخ المخطوطة
والحق أنَّ تفسيره هذا لا يغنى عنه غيره من كتب التفاسير في باب تاويل مناسبة الجمل والآيات والمعاقد والسور، ولا يوقن بعظيم منزله في كتب التفسير السابقة واللاحقة إلا من صبر وصابر في قراءته قراءة بحث وتفتيش، أمَّا من نظر فيه نظرة عَجْلَى فهو إلى الإعراض عنه أقرب من الإقبال عليه.
هو من الأسفار التي تعلم طالب العلم الناظر فيها منهاج التأمل والتدبر لما فيه من مكنون المعاني ولمجاهدة عويص العلم لذة، وتفسير البقاعيّ يمنحك فيضًا من تلك اللذة، وإنى لا أستعذب من البيان ما كان مكشوفًا، فالغالب على مثل ذلك اقتقاره إلى كثير من دقائق المعاني ولطائفها وإلى كثير من المعاني الإحسانية لأنّ طبيعة تلك المعنى الإحسانية يعجز البيان الإنسانيّ المكشوف عن حملها
***.
﴿دلالة البرهان القويم على تناسب آي القرآن العظيم﴾
كأنَّ البقاعي قد استشعر أن اتساع القول في تفسيره وتعرضه لأمور قد يرى غيره أنها ليست من التفسير في شيء،أو أنها لا تعين القارئ على حسن المتابعة والوعي،ولاسيما من كان غير صبور على عناء التلقي، فعمد إلى اختصار تفسيره:نظم الدرر، وسماه (دلالة البرهان القويم على تناسب آي القرآن العظيم)
وهذا المختصر ما يزال مخطوطا
من الجزء الأول منه نسخة خطية في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية رقم (٤٧٢٤) وهي في (٤٦٤ل) مصورة عن نسخة في تركيا- استانبول) رقم (٨٥٣)
стр. 70
وصورة هذا الجزء فيها غير قليل من الطمس والتلف الذي قد لا يتبين القارئ منه المعنى، ومن ثَمَّ أزعم أنَّ هذه النسخة وحدها قد لا تعين محققها على حسن تحقيق وتحرير النَّصّ،ولعلَّ الله يقيض له من يملك القدرة على استجلاب نسخ أخرى تعين أهل العلم على تحقيقه وتحريره ونشره.
وقد كان لمحقق كتاب (مصاعد النظر) الفضل في إرشادي إليها فجزاه الله خير الجزاء، وما كان لى من علم بها وأنا أعدُّ بحثِي للعالمية عام (١٣٩٩)
وفي خزانة كتبي نسخة من هذا الجزء المخطوط أنتظر استكماله والعثور على نسخة أخرى لتحقيقه وإخراجه لطلاب العلم إن شاء الله تعالى.
والجزء الذي أكرمت باقتناء صورة منه ينتهي بآخر اختصار تفسير سورة "المائدة":
استغرقت المقدمة من (ق: ٢ / ب – ٧ / أ)
والفاتحة من ٧ / أ – ٣٥ / ب)
والبقرة من (٣٥ / ب - ٢٦١ / أ)
وآل عمران من (٢٦١ / أ - ٣٢٧ / أ)
والنساء من (٣٢٧ / أ - ٣٩٩ / ب)
والمائدة من (٣٩٩ / أ - إلى آخر الجزء المخطوط)
وفي أول هذه النسخة من المخطوط) ق:١- ٧) قوله بعد البسملة والحمد والصلاة:
" وبعد فإني أردت في هذا الديوان العظيم الشان اختصار كتابي: نظم الدرر من تناسب الآي والسور من الفرقان " لأنه طال بسوق الأحاديث وتقليب مواد اللغة وإيراد ما يشهد من الكتب القديمة ببطلان ما يخالف الإسلام من الأديان......
وأزيده - إن شاء الله - عوض ما أحذف منه ما يعليه على ... الجوزاء والميزان
وأضبط فيه - كما فعلت بأصله - السُّورةَ ببيان مقصودِها، فإنّه هادٍ إلى معرفة تناسُبِها
وأدلّ عليه بالتطبيق بينه وبين مدلول اسمها سواء كان ذلك واحدا أو أكثر وسواء كان اسم معنى أو حرف هجاء؛ لأنَّ اسم كلِّ سورةٍ مترجِمٌ عن مقصودِها؛ لأنّ اسم كلّ شيءٍ تُلحََظُ المناسبةُ بينه وبين مُسَمَّاه عنوانه الدالّ إجمالا على تفصيل ما فيه
стр. 71
وأفسر البسملة بما يناسب ذلك المقصود من غير خروج عن مدلولات الكلمات من جهة اللغة
ثم أشرع في السورة بعد ربط أولها بآخر ما قبلها، وَأُفَسِّرُ الكلمةُ سواء كانت من أسماء الله أو غيرها بحسب سَوَابِقِ الكلام ولواحِقِه، مع حفظ القانونِ اللغوي، وإنْ عَسُرَ استخراجُ ذلك من كلام اللغويين على من لم يمارس اللغة
وأفسر الكلمة بكلمتين فأكثر بيانا لأنَّه لا تُقومُ كلمةٌ واحدةٌ مَقامَ كلمةٍ من القرآن أصلا
وبذلك تظهر أسرار التخصيص لبعض الأسماء المترادفة كالسَّنَةِ والعَامِ والحَولِ والحجة ببعض الأماكن، ولا يقوم آخر مرادف له بمكان آخر، فإنَّ السياق نظرًا إلى أصل المعنى المشتق منه ذلك اللفظ فينضم إلى المعنى الموضوع له ذلك اللفظ معنى آخر من أصل الاشتقاق فلا يقوم المرادف مقامه لفوات ما أداه الاشتقاق كما دعا إلى ذلك السياق....."
وقد بسط القول في مقدمة الكتاب (المختصر) بمثل ما بسطه في مقدمة الأصل (نظم الدرر)
وهو لا يقوم بالاختصار بحذف جمل من الأصل فحسب، بل إنه ليحدث ضروبا من التقديم والتأخير وإعادة صياغة العبارة وإضافة أشياء على الأصل: كلمات وجمل وفقر
ومن يناظر بين صنيعه في تفسيره الفاتحة في الأصل (نظم الدرر) ومختصره (دلالة البرهان) يدرك أن صنيعه في المختصر أقوم وأكثر تنسيقا من صنيعه في الأصل
وهو لا يعنى في المختصر بالنقل من رسائل "الحرالي": مفتاح الباب المقفل، كمثل ما كانت عنايته بذلك في الأصل
ولا يعنى - أيضًا - في المختصر بالنقل من كتاب " أبي جعفر بن الزبير":" البرهان" كما في الأصل
في سورة الفاتحة (ق:٧) يبدا ببيان وجه تسميتها بالفاتحة وأم القرآن والأساس والمثاني والكنز والشافية ... ، ويعرض لعدد آياتها وموقف العلماء من ذلك عند تسميتها بالسبع المثاني ووجه اختيار العدد سبعة
стр. 72
وهو يذكر أن الصفات العلى سبع: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وإلى هذه الصفات ترجع جميع الأسماء التي نعرفها٠ (ق:٨/ب) وهذا منه على أصول الأشاعرة، وهذا التحديد لا مستند له من الكتاب والسنة أو أثر من آثار الصحابة رضوان الله عليهم.
ويبين مقصودها ولا يخرج على ما في الأصل إلا بشيء من زيادة أو نقص يسير: يقول في المختصر:
" مقصودها: اثبات استحقاق الله لجميع المحامد وصفات الكمال وملك الدنيا والآخرة، واستحقاق العبادة والاستعانة في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله
ومدار هذا مراقبة العباد لربهم؛ لإفراده بالعبادة لأنه محيط بجميع صفات الكمال، ومختصٌُ بها، فهو مقصودها بالذَّات وغيره وسائلُ إليه، فإنَّه لابد في ذلك من إثبات إحاطته بكل شيءٍ، ولنْ يثبتَ حتَّى يعلمَ أنَّه المختصّ بأنَّه الخالقُ الملك المالك؛ لأنَّ المقصود من إرسال الرسل، وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحقّ، والمقصود من جمعهم تعريفهم بالملك، وبما يُرضيه، ولا يعرف ما يرضه إلاَّ بالرسل، ولن يكونَ ذلك إلاَّ بما ذكرعلمًا وعملاً.
وأسماؤها تدلّّ على المراقبة: مقصودِها؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ لا يفتتحُ بمراقبة اللهِ لا اعتداد به، وهي أمّ كل خير وأساس كل معروف، ولا يعتد بها إلاَّ إذا ثنِّيتْ فكانت دائمة التكرر....." (١)
стр. 73
وهو من بعد أن يبين علاقة أسمائها بمقصودها يعمد إلى وجه بيان الافتتاح بالتسمية وعلاقة هذه التسمية بمقصودها (ق: ٩ / أ) وكيف أنَّ نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن الكريم، فصدرت الفاتحة بالبسملة، وكيف أنَّ تقديم الجار أفاد الوحدانية وأنَّه الإله، وأقاد اسمه الرحمن بيان الشرائع بإنزال الكتب وإرسال الرسل، وأفاد اسمه الرحيم توفيق بعض المدعوين وخذلان بعضهم، وأنَّ هذا هو إجمال سورة الفاتحة التي هو إجمال تفصيل سائر القرآن.
وبين وجه مشروعية التعوّذ في مفتتح القراءة وحكم هذا التعوذ عند العلماء والصيغة التى هي أوفق
وما في صيغة التعوّذ من دلالات إشارية وما في بدء البسملة وختمها بحرف شفوي، ومن بعد بدأ في تحليل البسملة معنيا بتفسير الأسماء الحسنى فيها وهو هنا (ق:١١/ أ) لا ينقل عن "الحراليّ" كما كان فاعلا في الأصل: " نظم الدرر"
كما أنّه هنا أكثر تنظيمًا لتداخل الكلام في الأصل بينما المختصر لم يمزج فيه كلامه بكلام "الحراليّ" فكان أقوم، ويبسط القول في تأويل البسملة أكثر مما بسطه في الأصل
وهو يؤكد أنَّه" لا تكرار أصلا في شيءٍ من كتاب الله ، بل مهما وجدته فيه معادًا فلمعنى غير المتقدم أو لزيادة في معناه بالتأكيد لما اقتضاه من الحال، فلا تتم البلاغة إلا بالإعادة" (ق:١٤/أ)
ويشير إلى الدلالة الإشارة لعدد حروف البسملة خطا وعددها نطقا فيقول:
" وكون البسملة تسعة عشر حرفًا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنَّها دوافع للنقمة بالنار التي أصحابها تسعة عشر، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي هنَّ اعظمُ العبادات " (١) وهذا مما ذكره في الأصل
ويبين وجه الإتيان بالحمد من بعد البسملة وأنَّ هذا من مراعاة النظير، وهو هنا لا يكتفي بما جاء به في الأصل" نظم الدرر" بل يضيف إليه ما يوضحه
стр. 74
يقول: " ولمَّا كانت البسملةُ نوعًا من الحمدِ ناسبَ كلَّ المناسبة تعقيبها لتحصل التثنية باسم الحمد الكليّ الجامع لجميع أفراده، مقترنًا بـ"لام التعريف " الدَّالّة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله معرفًا لعباده كيف يحمدونه بعلمه بعجزهم عن الإتيان بما يليق به ؛ لهذا قال سيد الأولين والآخرين ﷺ : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فكأنَّه قيل: احمدوه؛ لأنَّه المستحقُّ لجميع المحامد وخصّوا هذا النوع من الحمد في افتتاح أموركم، لما ذكر من استشعار الرَّغبة إليْهِ والرّهبة منْه المؤدي إلى لزوم طريق الهدى " (١)
وقد عنى في المختصر "دلالة البرهان" بتفصيل القول في مدلول مادة الحمد (ق:١٦ / ب) وهو لم يفعل هذا في الأصل" نظم الدرر" في تفسيره سورة الفاتحة.
وهو إذا ما كان في الأصل: " نظم الدرر" قد نقل مقالة "السعد التفتازاني" في وجه استفتاح خمس سور من القرآن الكريم بالحمد لله فإنَّه في المختصر"دلالة البرهان" يذكر ذلك إجمالا دون إشارة إلى مقالة "السعد " (ق:١٦/أ)
وهو ينقل شيئًا قليلا عن "الحراليّ" من تفسيره بينما يبسط النقل عنه في تفسيره ورسالته " المفتاح" في الأصل: " نظم الدرر"
ويبين لنا وجه وصف الله بقوله: "رب العالمين" وقد أفاض في بيان معنى العالمين، ثُمَّ يقرر: " أنَّ الإنسَ والجِنَّ عاجزونَ عنْ الإتيانِ بمثل البسملة والحمدلة، بل وعن الإتيان بكلمة توازي كلمة من كلماتها، وتغنى عنها في جميع مدلولاتها، وكذا كلّ آية من آياتِ القرآن العزيز، بل وكلّ كلمةٍ لا يمكنُ أنْ يكونَ في معناها في أسلوبها والحال والذي اقتضاها ما يقوم مقامها، ولو كان معدودًا من المترادف.
стр. 75
وهذا لا يعرفه إلا من تبحّرَ في علم الأدب لاسيّما مفردات اللغة، وتحقق المقامات التي سيقت لها الآياتُ، وما تقتضيه من الإجمال والتفصيل والمدح والذمّ وغيرهما مراتب كلّ من ذلك، أو تفهم ما ذكرته في تقليب المواد في أصل هذا الكتاب " (١)
ونراه في تأويله قول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) يقول ما لم يقله في الأصل: " نظم الدرر" في هذا الموضع، فأحببت أن تسمع، يقول: