← Тафсир

Тафсир · id 9532

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (416 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

............ تفسير ابن باديس .............. ﴿في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير﴾ للإمام العلامة: "عبد الحميد محمد ابن باديس الصنهاجي" (١٣٠٨ - ١٣٥٩هـ) جمع وترتيب: د. توفيق محمد شاهين جامعة الأزهر، محمد الصالح رمضان أستاذ بوزارة التربية الجزائرية، علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين. دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت- لبنان الطبعة الأولى ١٤١٦هـ/١٩٩٥م دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المنتجبين. أما بعد؛ فلا شكّ أن المسلمين اليوم، أكثر من أي يوم آخر، بحاجة ماسّة إلى التوجّه المباشر نحو القرآن الكريم لاستنباط معانيه وفهم ألفاظه ومبانيه، بعيداً عن ربقة التقليد وجمود التفكير الذي قد يكون أحد أهم الأسباب التي أدت بهم إلى ما هم عليه اليوم من حالة مزرية ووضع لا يحسدون عليه. والإمام عبد الحميد بن باديس- ﵀ واحد من مجموعة من المصلحين المسلمين الذين دفعوا العقول في هذا الاتجاه؛ كان أولهم في القرن الماضي جمال الدين الأفغاني، ثم تبعه الإمام محمد عبده، ومن بعدهما جاء في هذا القرن الشيخ رشيد رضا والإمام ابن باديس. وقد رأى هؤلاء الأئمة أن الخلاص من التخلف والتبعية لا يكون إلاّ باتخاذ الإسلام منهجا للحياة في كل زمان وكل مكان؛ ولا يكون ذلك إلاّ بانتهاج سبيل القرآن علما وعملا. وقد بين الإمام ابن باديس في تفسيره- الذي نضعه بين يدي القارئ الكريم- مختلف نواحي القيم الإسلامية الواجب اتباعها؛ فركز على مقاصد القرآن الكريم التي يمكن تلخيصها بما يلي: أولا: الناحية العقيدية التي تتناول الجانب الإيماني بالله والرسل والملائكة واليوم الآخر. ثانيا: الناحية الأخلاقية التي يدعو القرآن إلى التلبس بها لتهذيب النفوس وتزكيتها. ثالثا: الناحية الحياتية العملية، وهي التي تتناول الأحكام التي تنظم علاقة الفرد بربه وبنفسه وبغيره من الأفراد وبمجتمعه ككل. وأسفنا الوحيد هو أن هذا التفسير لم يأتنا كاملا، فاقتصرنا منه على ما وصلنا؛ وما الكمال إلاّ لله وحده. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أحمد شمس الدين بيروت- لبنان

стр. 4

تعريف بالإمام عبد الحميد بن باديس* . تمهيد في الوطن الإسلامي والعربي حيوية كامنة لا يغلبها شيء، وتلك دلالة تدعو إلى التفاؤل والثقة ... فبعد أن عاش الاستعمار الفرنسي في الجزائر أطول من عمره، كان لا بد له من أن يصطدم بشعب الجزائر الباسل في معركة فاصلة، وخاضتها الجزائر صابرة مجاهدة، في حرب ضارية دامت أكثر من سبع سنوات، وقدمت فيها أكثر من مليون شهيد، فكانت الحرية كاملة سابغة، وكان النصر لذيذا وعزيزا. والخطوط العريضة في تقسيم التاريخ الجزائري، منذ الاحتلال حتى اليوم يمكن أن تذكر على هذا النحو: ١ - فترة التحول والفرنسة التي أرادها المستعمر لمحو الشخصية الجزائرية والقضاء على اللغة العربية والدين الإسلامي منذ الاحتلال في يوليو سنة ١٨٣٠هـ، حتى الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩م. ٢ - وفترة استرداد هذه الشخصية والمحافظة عليها، والكفاح من أجلها طوال مدة الاستعمار. ٣ - وفترة الصمود للثورة الكبرى في أول نوفمبر سنة ١٩٥٤م، التي كانت فيها الجزائر مع الله فكان الله معها، وحرصت على الموت فوهبت لها الحياة ثم انبلج نور الحرية الصادق في مارس سنة ١٩٦٢م، وأصبح الجزائريون أحرارا كما خلقهم الله، وأعزة كما أرادهم الإسلام. وسواء أكانت الشخصيات تخلق المواقف، أو العكس من ذلك .. فقد برز خلال تلك الفترة شخصيات فذة ورائدة، أدت دورها ببسالة وإقدام، ولقنت الدنيا أعظم الدروس، وضربت أروع الأمثال، ومن أبرز هؤلاء: ١ - الأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاد ثورة الجزائر من سنة ١٨٣٢م حتى سنة ١٨٤٧م. ٢ - وبو معزة، الذي قاد ثورته سنة ١٨٤٤م.

стр. 5

٣ - وبو بغلة، وثورة سنة ١٨٥٢، واستمرت خمس سنوات، ولعبت فيها المجاهدة (لالا فاطمة) دورا بطوليا عظيما. ٤ - والمقراني، وثورته سنة ١٨٧١م. ٥ - وشقيق المقراني (بو مزراق)، وثورته سنة ١٨٧٢م. ٦ - وأولاد سيدي الشيخ، وثورتهم التي امتدت من سنة ١٨٦٨م حتى سنة ١٨٨١م. ٧ - وبو زيان، وثورته سنة ١٩١٤م. وغير هؤلاء كثيرون وكثيرون، من الجنود المجهولين، والشهداء الخالدين. وإذا كنا لا نستطيع لهم إحصاء، فحسبهم أن إحصاءهم في السماء مع الأبرار والصديقين والأنبياء. ولا عجب في ذلك، فهم أحفاد خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن نافع الفهري، وطارق بن زياد، والأمير عبد القادر، والمقراني. وجاء في إثر هؤلاء الزعماء الذي مهدوا للثورة الكبرى، وحافظوا طويلًا على شخصية الجزائر العربية المسلمة، وقادوا النهضة في نواحيها المختلفة؛ العلامتان: عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي. إذ جلس الأول للتدريس، والجهاد المضني، والإرشاد والوعظ، وخلق الرجال أكثر من ربع قرن، كانت خيرا وبركة على الجزائر والإسلام، فمن هو ابن باديس؟ مولده ونشأته: عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس الصنهاجي، ولد سنة (١٣٠٨هـ/١٨٨٩م) من أسرة معروفة بالعلم والجاه والثراء. وكان والده ملجأ الخائفين، وكان من أبرز الرجال في قسنطينة، وكان درعاً حصيناً لولده، أبعد عنه كيد الاستعمار، ودافع عنه طويلاً. ويحكي ابن خلدون: أنه اجتمع أربعون عمامة، من أسرة باديس في وقت واحد، في التدريس والإفتاء والوظائف الدينية. والأسرة تنحدر من الصنهاجيين، وهي قبيلة ملك وسلطان، اشتهر منها المعز بن باديس. وأسرة باديس تنتمي إلى الطريقة القادرية. حفظ عبد الحميد القرآن الكريم على الشيخ محمد المواسي، ثم اختار طريق العلم، فأسلمه والده إلى العالم الورع التقي حمدان الونيسي، فرباه على العلم والفضل والأدب، وأوصاه بالابتعاد عن الوظيف، وقراءة العلم للعلم لا للرغيف. وتزوج سنة ١٩٠٤م، وأنجب ولدا أسماه إسماعيل، حفظ القرآن وحضر العلم، ثم توفي وهو صغير، ولم ينجب غيره. وارتحل إلى جامع الزيتونة في تونس سنة ١٩٠٨م لطلب العلم وتتلمذ على صفوة علمائه الشيخ محمد النخلي القيرواني، والعلامة محمد الطاهر بن عاشور، وكان لهذا فضل تكوينه الأدبي

стр. 6

واللغوي. والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ الصالح النيفر، وغيرهم من أفاضل علماء جامعة الزيتونة. وتخرج من الزيتونة سنة ١٩١٢م بشهادة عليا (التطويع). وذهب إلى الحج سنة ١٩١٢، والتقى في المدينة المنورة بشيخه المهاجر حمدان الونيسي، والشيخ البشير الإبراهيمي، وتدارسوا وضعية الجزائر وضرورة إنشاء "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، وإن تأخر إنشاؤها حتى سنة ١٩٣١م. وزار لبنان وسوريا ومصر، في طريق عودته، وأجازه الشيخ بخيت من كبار علماء الأزهر بشهادة العالمية من الأزهر الشريف. السمات الأساسية في شخصيته: كان ابن باديس أبيض اللون مشربا بحمرة، كث اللحية، نحيل الجسم، واسع العينين، نافذ النظرات، زاهدا عفيفا، متسامحا ورعا، رفيقا متفائلا، أوابا توابا، يعفو عمن أساء إليه، صارما في الحق، له شجاعة نادرة، وصبر على العمل، جهوري الصوت حسن السمت، نظيف الهندام، في بساطة محببة. لا ينطق إلاّ في حق، ولا يسكت على باطل، يرد على معارضيه بطول نفس وسعة صدر، ويتناول الموضوع فيجلي جميع أطرافه، محافظا على مواعيده، ومنظما لأوقاته ذاكرا للقرآن، ومتذكرا للسنة في فراغه وراحاته. له كثير من صفات الأفغاني، والشيخ محمد عبده. وعلى الجملة، فهو شخصية غنية ثرة فياضة مؤثرة متأثرة: لَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكِرٍ ... أَن يَّجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ العوامل التي أثرت فيه: من أهم العوامل التي أثرت في تكوينه. ١ - أساتذته الذين سبقت الإشارة إليهم، وغيرهم. إذ غرسوا فيه خلق العلماء، وتواضع الحلماء، وصفات القادة والمصلحين. ٢ - أسرته وبيئته، ويحدثنا عن ذلك زميله في الجهاد، الشيخ البشير الإبراهيمي: «الشيخ عبد الحميد بن باديس، من أعلم علماء الشمال الإفريقي ولا أغالي، وباني النهضات العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية بالجزائر ... وبيت ابن باديس في قسنطينة بيت عريق في السؤدد والعلم، ينتهي نسبه في سلسلة كعمود الصبح إلى المعز ابن باديس، مؤسس الدولة

стр. 7

الصنهاجية الأولى، التي خلفت الأغالبة على مملكة القيروان، ومدت ظلها على شرق الجزائر حينا من الدهر». ٣ - وتأثر بالحركة الإصلاحية للأفغاني ومحمد عبده، واقتفى أثرهما، وسلك طريق الشيخ عبده في التربية والتعليم، والإصلاح الديني واللغوي. وأعجب بحركة (المنار) والشيخ رشيد رضا، وبعض تلاميذه يقولون: إنه سمع من الشيخ محمد عبده حينما زار الجزائر ودرس بها بعض الدروس، حين عودته من المنفى في باريس. ٤ - وتأثر بابن تيمية وسلفيته، ويعتبره بحق المجدد الواعي والمصلح في شيخوخة الفكر الإسلامي. ٥ - وتأثر وأثر في كثير من زملائه المخلصين العاملين معه مثل: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ العربي التبسي، والشيخ مبارك الميلي وغيرهم. ٦ - فضلا عن أن نفسه كانت خيرة، وهمته عالية، وعقله مستنيرا، وقلمه سيالا، ومعلوماته وفيرة ومنظمة، وبديهته حاضرة، وذكاءه وقادا. ٧ - واتخذ من القرآن الكريم، والسنة الشريفة نبراسا ومنهاجا، وتملكه الفضل والنبل، وأسره الخير والفضل. إمكانياته وجهوده: إمكانياته كبيرة، وجهوده عظيمة، أعطى الجزائر الكثير، واكتفى بالقليل قوتا ومتاعا، ومن جوانب جهوده، ما يلي: ١ - كان في الحق عاصفة لا تهدأ إلاّ إذا انتصر العدل، وفي الخير نفحة لا تسكن إلاّ إذا تنفس الإحسان. ٢ - وهو مدرس ماهر، لا يكل ولا يمل، يدرس من بعد صلاة الفجر إلى صلاة العشاء مع قسط ضئيل للراحة والصلاة والغداء، ثم يعظ الناس في مسجده بعد صلاة العشاء إلى ما شاء الله، لأنه أشفق على ينبوع الثقافة الإسلامية أن يصد تياره ما تراكم فيه من غثاء وحطام، فانبرى بالتدريس والإصلاح ليجعل للإسلام النقي الواضح قولا في كل مسألة، ورأيا في كل معضلة، وتوجيها في كل قصد. ودرس في الجامع الأخضر في قسنطينة من سنة ١٩١٣م حتى لقي ربه في إبريل سنة ١٩٤٠م. ٣ - وهو كاتب ممتع، وسلفي النزعة في كتابته، ومهذب في كتاباته، قليل السخرية بالأعداء والمبغضين، ولكن قلمه فيهم أمضى من السنان، وأسلوبه من السهل الممتنع، تدرج أسلوبه حتى

стр. 8

بلغ منزلة رفيعة، له بصر بالأدب وباع في اللغة وفقهها، محب للأدب القديم والحديث، يرتجل الشعر على البديهة ولكن شعره أقل جودة بكثير من نثره. وصفه شاعر الجزائر المجيد الشيخ محمد العيد بقوله: يراعك في التحرير أمضى من الظبا ... وأقضى من الأحكام أيان يشهر قبست من القرآن مشعل حكمة ... ينار به السر اللطيف ويبصر ولا يتكلم ولا يدرس إلاّ بالعربية الفصحى، غير متكلف فيها، ولا متقعر. ٤ - وهو فقيه من الطراز الأول، خبير بمذهب مالك، متفقه على غيره من المذاهب ويمقت التعصب لمذهب معين، وله فتاوى عظيمة، تحس منها أنه إهاب مليء علما منظما. ٥ - وهو مفسر ممتاز، له استقلاليته في الفهم والرأي، يقرأ التفاسير، ثم يجعل من عقله مصفاة لها، فلا يخرج منها إلاّ ما صح ونفع، ولاءم العصر، وصدق الخبر، مع حسن عرض، واستنباط واع، واستنتاج للعبرة، وحث على سنة، وإخماد لبدعة، في أسلوب عصري، وتطويل غير ممل، وإيجاز غير مخل. فسر القرآن الكريم كله في خمس وعشرين سنة، أي ما يوازي مدة نزوله، واشتغل بتأليف الرجال عن تأليف الكتب، فلم يبق من تفسيره سوى هذا القدر الباقي في مجالس التذكير، مما كان ينشر في مجلة الشهاب، وهناك فرق كبير بين التفسير الخاص لطلابه، والعام في الوعظ والإرشاد، وما كان يكتب في مجالس التذكير ليقرأه العام والخاص. وهكذا اجتمعت عنده عدة الجهاد والاجتهاد، وأنار الله بصيرته، فأحيا شريعة، وأقام مجتمعا، وأنقذ شرفا وأمة ولغة. ٦ - وهو محدث بصير، شرح موطأ مالك ﵁ كله، ولم يبق من هذا الشرح أيضا إلاّ ما جمعناه في كتاب بعنوان: "من هدي النبوة" وهذا يشهد له بطول الباع، والفهم التام لسنة الرسول ﷺ . ٧ - وهو أديب ذواقة، يعشق الأدب القديم والحديث، وينقده، ويعطي لطلابه وزائريه زبدة ما قرأ، ويوازن بين شعر وشعر، وينشر الملح والطرائف وله باب في الشهاب بعنوان "من أحسن القصص والأدب" جمع فيه بين كل طريف وظريف. ٨ - وهو صحفي وقور، هادئ رزين، يختار الموضوع، ويحدد المشكلة ويصف الدواء ويهتم بمصالح المسلمين في جميع أنحاء الدنيا، ومشاكل بلاده في المقام الأول، ويقرأ الصحافة المحلية والأجنبية ويشيد بالصحافة الإسلامية، ويحمل على الباطل في غير هوادة، وينتصف للحق أينما كان. وأصدر المجلات الآتية: "المنتقد"، و"السنة"، و"الصراط"، و"الشريعة"، و"البصائر"، وأنشأ "الشهاب". وكان قوياً في الحق، ولم يطق الاستعمار ذلك، فعطل كل صحفه، وبقيت الشهاب طويلاً حتى جاءت الحرب العالمية الثانية.

стр. 9

٩ - وهو مرب من الطراز الأول: أسس المدارس الابتدائية الحرة العربية في طول البلاد وعرضها، ودعا إلى تعليم البنت الجزائرية، وأخذ بيد تلاميذه وأبنائه، وعين النابهين منهم في المدارس المذكورة بأجر ضئيل يفي أو لا يفي بضروريات الحياة. ويحث المواطنين على احترامهم، ومساعدتهم، وكان لوالده فضل كبير في هذا الميدان. ١٠ - وأسس النوادي في العواصم الجزائرية لنشر الثقافة والتربية الدينية والوطنية. ١١ - وأسس "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" وانتخب رئيساً لها طول حياته، تقديراً لخدماته وجهوده، وكفاءته. ١٢ - ونقى الدين من البدع والخرافات والأباطيل، وحمل على البدع حملة شعواء ولم تأخذه في الحق لومة لائم، حتى عاد للدين صفاؤه ونقاؤه. ١٣ - ونشر الكتب السلفية القيمة، وعمل على إحياء الكتب العربية القديمة، واحتفل باللغة العربية لتحيا رغم أنف الاستعمار. ١٤ - وأسس جمعية التجار المسلمين، والجمعيات الاقتصادية لإنعاش الاقتصاد والمحافظة على الثورة ودعا أبناء الوطن إلى ولوج باب التجارة بشتى الطرق. ١٥ - وأسس "الميتم الإسلامي": (جمعية رعاية الأيتام) والجمعيات الخيرية لإنقاذ الطفولة والنشء من التشرد والضياع. ١٦ - واشتغل بالسياسة، وخاض حقلها في براعة وذكاء، وناهض الاستعمار وما مالأه طول حياته رغم المغريات والمرهبات. وكان يحتج باسمه الخاص في أحرج المواقف، وباسم جمعية العلماء في المواقف العادية، حفظا للجمعية وصونا لها من القلاقل، وتفاديا لها من الغلق والكيد والبطش. ١٧ - وأنشأ مطبعة عربية في قسنطينة طبعت صحفه ومجلاته، وما يحييه ويختار من كتب ومنشورات. ١٨ - وعني بتأسيس الكشافة الإسلامية، والمنظمات القومية. ١٩ - وأنشأ جمعية الشباب الفني للموسيقى والفنون الجميلة!! ٢٠ - وهو خطيب مفوه، شبهه بعضهم بـ "ميرانت، وميرابو". ٢١ - وجعل معهده فرعاً لجامع الزيتونة، واعترفت له الزيتونة بذلك تقديراً لعلمه وفضله وجهوده. ٢٢ - وأرسل طلابه إلى الأزهر، أو إلى جامعة الزيتونة أو إلى جامعة القرويين في المغرب، فعادوا علماء عاملين في الجزائر.

стр. 10

تلكم هي أهم الخطوط البارزة في جهاده، ذكرناها مجملة في هذه العجالة. منهاج ابن باديس العلمي وصعاب لقيها: خلق المستعمر أوزاراً كثيرة، ولذا كان على ابن باديس أن يبدأ من الصفر: فجلس للتدريس في قسنطينة متطوعاً ابتغاء وجه الله منذ (١٩١٣م- ١٩٤٠م). وتسامع الناس به، فتقاطروا إليه يتعلمون دينهم ولغتهم، حتى ضاقت بهم قسنطينة، وأقض ذلك مضاجع الاستعمار، وحث على التعليم وإنشاء المدارس وسارعت الأمة إلى تلبية الدعوة، وبنت حوالي ١٧٠ مدرسة حرة عربية، كان فيها ما يزيد على خمسين ألف طالب وطالبة، فهو لم يملك ولم ير سلاحا أقوى من تعليم المغلوبين المستضعفين، يقودهم إلى النصر المبين. وفي سنة ١٩٢٢م تأكد الشيخ أن الطرقية المنحرفة في الجزائر سبب من أسباب البدع والخرافات، ومساعدة المستعمر، فرأى مناوأتها ومنازلتها وجهاً لوجه، وحمل عليها حملات قاسية، وأنشأ لذلك جريدة (المنتقد) ومن اسمها يظهر غرضها، فكانت ناراً ونوراً، ولكن المستعمر أخرس الجريدة بسرعة، وأصدر الشيخ غيرها. وفي مقالاته الصحفية ردد كثيراً أن مقومات الجزائر ثلاثة: الإسلام، والعربية، والأرض الجزائرية بحدودها. ودعا إلى وحدة المغرب العربي الكبير (من طرابلس الغرب حتى المحيط الأطلسي). ودعا إلى القومية العربية، ووحدة الوطن العربي الكبير، وأشاد في كل مناسبة بالعرب والعربية والإسلام والوطنية. وعاونه المجيدون والنابهون من أصدقائه وأبنائه الطلاب، وانبثوا في أنحاء التراب الوطني، يحملون رسالة العربية والإسلام، فما انقضت مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذه مستكمل الأدوات من فكر صحيحة، وعقول نيرة، ونفوس طامحة، وعزائم صادقة، وألسن صقيلة، وأقلام كاتبة، وكانت تلك الكتائب الأولى من تلامذته هي طلائع العهد الجديد الزاهر. وإن "لعبد الحميد بن باديس" منة على كل من يحمل بين جنبيه روحا جديدة أو فكرة سديدة من أبناء الجزائر أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاب العلم، وبين غيرهم من طلاب الحياة في جميع فروعها. ورأى ابن باديس أن مصائب الجزائر هي: الاستعمار الضاري، المعتمد على الحديد والنار. والاستعمار الروحي الذي يمثله بعض مشايخ الطرق المضلين أو الجاهلين المتغلغلين في الشعب والممالئين لفرنسا. فخطب ابن باديس وحاضر، وكتب وناظر وناقش وجادل في الصحافة، والمساجد، والأندية، والمحافل والأسواق .. ونادى بضرورة تعليم الصغار ولو في بيوت آلهم، وطالب برد أوقاف المسلمين التي استولى عليها المستعمر، احتراماً لشرط الواقف، وليكون للمسلمين عزة وكرامة، ولتنفق في سبيل الله الذي أوقفت من أجله، ونادى باستقلال القضاء، وحرية التعليم،

стр. 11

وإباحته للجنسين، وعدم التدخل الحكومي في تعيين رجال الدين. ولم يعرض الإسلام كقطعة من التاريخ، للعرض وليست للمس، وإنما عرضه حيا يوائم الحياة القائمة ويواكبها في واقع الأحياء. ولم يكن طريقه مفروشاً بالورود، وإنما كان محفوفا بالمخاطر والأهوال، ولكنه توكل على الله، واعتمد عليه، وعمل بوصية شيخه أحمد الهندي حينما قال: «أذكر أنني- ابن باديس- لما زرت المدينة المنورة، واتصلت فيها بشيخي الأستاذ حمدان الونيسي، وشيخي أحمد الهندي، أشار علي الأول بالهجرة إلى المدينة، وقطع كل علاقة لي بالوطن، وأشار علي الثاني وكان عالما حكيما بالعودة إلى الوطن، وخدمة الإسلام والعربية فيه بقدر الجهد. فحقق الله رأي الشيخ الثاني، ورجعنا إلى الوطن بقصد خدمته. فنحن لا نهاجر، نحن حراس الإسلام والعربية والقومية ... في هذا الوطن» .. وتصدى له الاستعمار، وحماه والده كثيرا وطويلا في أول الأمر، ولكن والي قسنطينة ضغط على والده، ليجبر ولده على السكوت وقبول وظيف كبير ديني، ويترك ما هو فيه ... وهدده والده بالمقاطعة، وقبلها عبد الحميد وفضل المقاطعة على الوظيف والسكوت، وقال لوالده: «لا اتصال لنا بعد اليوم إلاّ ما يوجبه الإسلام». وهكذا عاش مخلصاً في القول والعمل، وجريئاً وحراً في الرأي، صافي النفس والقلب. وأصدر "شوطان" وزير داخلية الجزائر قراراً في مارس سنة ١٩٣٨م بمنع تعليم العربية في الجزائر، واعتبارها لغة أجنبية، فشرد القراد ٩/ ١٠ من أبناء الشعب، لولا أن استمرت مدارس جمعية العلماء مفتوحة رغم العنت والإرهاق والتضييق، فكانت نافذة للرحمة والعلم ... ويعتبر عبد الحميد بن باديس زيادة الضغط على الجمعية أمارة نجاحه، ونجاح زملائه، إذ يقول: «إنا بالأمس حين لم نلتفت هذه اللفتة إلى ماضينا وقوتنا السماوية ما كنا نرهب أحدا، ولا نستطيع أن نشعر بوجودنا أحدا. أما اليوم فبهذه اللفتة القصيرة إلى تراثنا المجيد استطعنا أن نعلن عن وجودنا، ونخيف بعد أن كنا نخاف». وأبى أن يسلم مدرسة التربية إلى فرنسا إلاّ إذا مات في هذا السبيل. ويعلن الكردينال "لا فيجري" سنة ١٩٣٠: «أن عهد الهلال في الجزائر قد غبر، وأن عهد الصليب قد بدأ، وأنه سيستمر إلى الأبد». فيعلن ابن باديس تأسيس جمعية العلماء المسلمين سنة ١٩٣١م، لا على أساس تعصبي ولكن على أساس تعايش سلمي. ويهدد الوزير الفرنسي، وفد المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٣٦م بأن «لدى فرنسا مدافع طويلة» ويرد عليه ابن باديس بأن لدينا مدافع أطول و «إنها مدافع الله». وكان يتمنى أن يرى التعليم العالي في الجزائر، ويفتح كلية لذلك، فكان يقول لزملائه: «أنا أستكفيكم في كل أمر يتعلق بالكلية إلاّ الاستعمار فأنا أكفيكموه، فخلوا بيني وبينه».

стр. 12

وعندما لاحت نذر الحرب العالمية الثانية، وطلب من جمعيته أن ترسل برقية تأييدا لفرنسا قال ابن باديس: «لن أمضيها ولو قطعوا رأسي» وترفض أغلبية الأعضاء، ثم يعلن ابن باديس: «ولو كان أغلبيتكم تؤيد إرسال البرقية ما كنتم ترونني في مجلسكم هذا بعد اليوم» ثم قال: «تقطع يدي، ولا أوافق المجرم على إجرامه، والظالم على ظلمه». وهكذا عاش من نفسه الكبيرة في جيش، وإن خيل أنه إنسان. ويستدعيه حاكم قسنطينة (الفرنسي) والحرب الثانية على الأبواب، ليسأله عن مصيرها ومصير الجزائر معها؟ وفي موقف صلب، وتقريع مؤلم، وتوبيخ بين، يجيبه ابن باديس: «إن الجزائر ثلاث طبقات: طبقة الأكثرية وقد قتلتم إحساسها بالحياة، فهي لا تفرق بين فرنسا وبين ابن باديس. وطبقة الأقلية الواعية، وقد ملأتم أفواهها بعظم الوظيف تلوكه بين أشداقها وهي تحسب أنه غذاء. وطبقة المعزولين (يقصد أعضاء جمعية العلماء المسلمين المضطهدين المطاردين) يعيشون للمستقبل، ولا خطر منهم على دولتكم اليوم» ثم انصرف الشيخ. وتضيق به الطرقية والاستعمار، فيوعزون إلى مجرم بالترصد للشيخ ابن باديس لقتله ليلا بعد انصرافه من مسجده، ويشهر المجرم السكين على الشيخ ويمسك الشيخ بتلابيب المجرم والسكين في يده، ويتقاطر الناس لنجدته، ثم يعفو الشيخ عن الجاني، لأنه جاهل، ولأنه آلة في يد غيره. ويسجل هذا الحادث في قصيد طويل شاعر الجزائر الشيخ محمد العيد، فيقول في مطلعه: حَمَتْكَ يَدُ المَوْلَى وَكُنْتَ بِهَا أَوْلَى ... فَيَا لَكَ مِنْ شَيْخٍ حَمَتْهُ يَدُ الَمْولَى وتنبأ بإعلان الثورة الكبرى على فرنسا، وعبأ لها الجهود، وأشار إلى جبال (أوراس) الحصينة، وقال لأبنائه وطلابه: «من هنا تبدأ الثورة». بل وحدثني بعض أصدقائه وطلابه، بأنه بايع بعضهم فردا فردا، استعدادا للتعبئة ولإعلان الجهاد الإسلامي والحرب ضد فرنسا، ولكن المنية عاجلته. وهكذا ظل ابن باديس طول حياته مجاهدا، فكان الحركة التي لا تهدأ في خدمة الإسلام بالتعليم والتوجيه، ولا نظن عالما من علماء العصر- في وقته- بذل من الفكر والجهد في إعلام كلمة الله، وإنقاذ تراثنا وتوجيه مجتمعنا ما بذل هذا الإمام العظيم.

стр. 13

آثار ابن باديس: أثر عنه قوله: «شغلنا تأليف الرجال عن الكتب». ولم يخلف لذلك كتبا كثيرة، ولكن ما خلفه فيه قوة وعظمة، وأصالة وتجديد، وكفاح مجسد لجهاد هذا الإمام في سبيل الله والوطن. وكان الاستعمار يحرق كل مجلة يعز عليها إبان الثورة، أو كتابات عربية، ومن ثم فقد ضاعت كتابات كثيرة لابن باديس غير أن بعض الغيورين والمحبين دفن بعض هذه المجلات في التراب، وبعد سبع سنوات ونصف كشف عنها، فبقي البعض، وأكلت الأرضة والأتربة والطين البعض الآخر .. غير أن المجلات الباقية وفيها آثاره الباقية، أمكن أن نستخلص منها ما يلي: ١ - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير ................................... طبع سنة ١٩٦٤م ٢ - من الهدي النبوي .................................................... طبع سنة ١٩٦٥م ٣ - رجال السلف ونساؤه ............................................... طبع سنة ١٩٦٥م ٤ - عقيدة التوحيد من القرآن والسنة .................................... طبع سنة ١٩٦٤م ٥ - أحسن القصص ...................................................... لم يطبع بعد ٦ - رسالة في الأصول .................................................... لم يطبع بعد ٧ - مجموعة كبيرة من المقالات السياسية، والاجتماعية، جمعت مع بعض ما سبق، وطبعت في كتاب. ٨ - مجموعة خطب ومقالات ابن باديس، طبعت في كتاب سنة ١٩٦٦م. وتلاميذ ابن باديس اليوم في الجزائر هم عمد النهضة وعمادها، وهم الذين اصطلوا بنيران الثورة الجزائرية الكبرى، وكثير منهم كان الوقود لها. وكثير منهم اليوم يفخر بأنه من تلامذة ابن باديس، وتحتفل الجزائر بذكراه في كل عام تخليدا لذكراه. وعلى الجملة لم تذهب جهود ابن باديس سدى، لأنه لم يكن علما على شخص، وإنما كان علما على ثروة ضخمة من علوم القرآن، وفنون السنة تجمعت، وتمحصت، وعرفت طريقها الحق منذ تطوع من الزيتونة، وتصدر للجهاد، فنهض برسالته حفيا وفيا لا يتبرم بها، لأنها حاجة نفسه، ولا يتخفف منها لأنها رسالة حياته، فخلد في الحياتين: حياة الناس بالذكر الحسن، وفي الباقية بما قدم من صالح الأعمال. وفاته: وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال، لقي عبد الحميد بن باديس ربه- راضيا مرضيا- في ٨ من ربيع الأول سنة ١٣٥٩هـ (١٦ من إبريل سنة ١٩٤٠م) إثر مرض قصير لم يطل، وحامت الأقاويل حول موته:

стр. 14

فقيل: إنه مات مسموما، وقيل بل كان موته طبيعيا. وهكذا الشأن في موت العظماء. وبكته الجزائر كلها، والمغرب العربي، وخرجت الجزائر تشيعه إلى مثواه الأخير -رغم ظروف الحياة القائمة- في قسنطينة، ودفن بها في احتفال مهيب. ﵀ رحمة واسعة، وأمطر عليه شآبيب رحمته ورضوانه، وجزاه عن الإسلام وأهله، وعن عارفي فضله أحسن الجزاء. الجمعة ٩ من ذي الحجة سنة ١٣٩٠هـ ٥ من فبراير سنة ١٩٧١م توفيق محمد شاهين

стр. 15

خصائص التفسير الباديسي (*) الحاجة إلى القرآن: القرآن كتاب الإنسانية العليا، استشرفت إليه قبل أربعة عشر قرناً حين ضامها أبناؤها فعقلوها، فارتكسوا (١) في الحيوانية السفلى، فأخلدوا إلى الأرض، فأكثروا فيها الفساد، فأنزله الله من السماء ليصلح به الأرض وليدل أهلها المستخلفين عليها من بني آدم، على الطريق الواصلة بالله، ويجدد ما رث (٢) من علائقهم به. وما أشد شبه الإنسانية اليوم بالإنسانية قبل نزول القرآن، في جفاف العواطف، وضراوة الغرائز، وتحكم الأهواء، والتباس السبل، وتحكيم القوة، وتغول الوثنية المادية. وما أحوج الإنسانية اليوم إلى القرآن، وهي في هذا الظلام الحالك من الضلال، وقد عجز العقل عن هدايتها وحده، كما عجز قديماً عن هدايتها، لولا تأييد الله له بالأمداد السماوية من الوحي الذي يقوي ضعفه إذا أدركه الوهن، ويصلح خطأه إذا اختل ميزانه. وكما أتى القرآن لأول نزوله بالعجائب المعجزات في إصلاح البشر فإنه حقيق بأن يأتي بتلك المعجزات في كل زمان، إذا وجد ذلك الطراز العالي من العقول التي تفهمته، وذلك النمط السامي من الهمم التي نشرته وعممته، فإن القرآن لا يأتي بمعجزاته ولا يؤتي آثاره في إصلاح النفوس إلاّ إذا تولته بالفهم عقول كعقول السلف، وتولته بالتطبيق العملي نفوس سامية وهمم بعيدة كنفوسهم وهممهم. أما انتشاره بين المسلمين بهذه الصورة الجافة من الحفظ المجرد، وبهذا النمط السخيف من الفهم السطحي، وبهذا الأسلوب التقليدي من التفسير اللفظي- فإنه لا يفيدهم شيئاً، ولا يفيد بهم شيئاً، بل يزيدهم بعدا عن هدايته، ويزيد أعداءهم استخفافاً بهم، وإمعاناً في التكالب عليهم، والتحكم في رقابهم وأوطانهم.

стр. 16

ولو فهمنا القرآن كما فهمه السلف، وعملنا به كما عملوا به، وحكّمناه في نفوسنا كما حكموه، وجعلنا أهواءنا ومشاربنا تابعة له، وموزونة بميزانه، لو فعلنا ذلك لكنّا به أعزة في أنفسنا وأئمة لغيرنا. معنى التفسير: تفسير القرآن، تفهيم لمعانيه وأحكامه وحكمه وآدابه ومواعظه. والتفهم تابع للفهم؛ فمن حسن فهمه أحسن تفهيمه، ومن لم يحسن فهمه لم يحسن تفهيمه، وإن كتب فيه المجلدات، وأملي فيه ألوف المجالس. وفهم القرآن يتوقف - بعد القريحة الصافية، والذهن النير- على: التعمق في أسرار البيان العربي. والتفقه لروح السنة المحمدية المبينة لمقاصد القرآن، الشارحة لأغراضه بالقول والعمل. والاطلاع الواسع على مفهوم علماء القرون الثلاثة الفاضلة. ثم على التأمل في سنن الله في الكائنات. ودراسة ما تنتجه العلوم الاختبارية من كشف لتلك السنن وعجائبها. وقد فهمه السلف حق الفهم ففسروه حق التفسير، مستعينين بإرشاده على فقه سنن الأكوان. ولو لم ينحسر تيار الفهوم الإسلامية للقرآن، بما وقف في سبيله من توزع المذاهب والعصبيات المذهبية، لانتهى بها الأمر إلى كشف أسرار الطبيعة ومكنونات الكون، ولسبق العقل الإسلامي إلى اكتشاف هذه العجائب العلمية التي هي مفاخر هذا العصر. كان علماء السلف يشرحون الجانب العملي من القرآن على أنه هداية عامة لجميع البشر، يطالب كل مؤمن بفهمها والعمل بها. وكانوا يتحاشون الجانب الغيبي منه لأنه مما لا يصل إليه عقل المكلف، فلا يطالب بعلمه، ولا يحاسب على التقصير فيه. وكانوا ينظرون إلى الجانب الكوني منه نظرات مسددة، لو صحبها بحث مسدد ممن أتى بعدهم. طرائق المفسرين: وللمفسرين من عهد التدوين إلى الآن طرائق في فهم القرآن، وأساليب في كتابة تفسيره. أما الأساليب فقلما تختلف إلاّ بعض العصور، حين تختلف الأساليب الأدبية فتنحط أو تعلو، فيسري التطور منها إلى الأساليب العلمية.

стр. 17

وأما الطرائق فإنها تختلف باختلاف الاختصاص في المفسرين والعلوم التي غلبت عليهم وعرفوا بها. أ- فالمحدثون، يلتزمون التفسير بالمأثور، فإن اختلفت الرواية فمنهم من يروي المتناقضات ويدعك في حيرة، ومنهم من يدخل نظره وفكره في التعديل والترجيح كما يفعل أبو جعفر الطبري. ب- ومقلدة المذاهب: يفسرون القرآن بقواعد مذاهبهم، ويحكمونها فيه. فإذا خالف نصه قاعدة من قواعدهم ردوه بالتأويل إليها. وهذا شر ما أصيب به هذا العلم، بل هو نوع من التعطيل، وباب من التحريف والتبديل؛ لأنه في حقيقة أمره وضع لكلام الله في الدرجة الثانية من كلام المخلوق، وفي منزلة الفرع من أصله يرد إليه إذا خالفه، وأعظم بها زلة وإن هذه الزلة هي الغالبة على صنيع المتشبثين بالمذاهب والمتعصبين لها، يتباعدون عن القرآن ما شاء لهم الهوى فإذا تناولوه فبهذه النظرة الخاطئة (١). ج- والمتكلمون في "معاني القرآن" معظمهم من اللغويين والنحاة، فهم يتكلمون غالبا على الألفاظ المفردة، وأوجه الإعراب. فهم أقرب الكاتبين في الغريب أمثال الأصفهاني، وأبي ذر الهروي. وإنما أطلقوا على كتبهم هذا الإسم (معاني القرآن) لأن بساطة الأسماء كانت هي الغالبة في زمنهم. د- والإخباريون مفتونون بالقصص، فلا يقعون إلاّ على الآيات المتعلقة به. ويا ليتهم يحققون الحكمة من القصص، فيجلون العبر منها، ويستخرجون الدقائق من سنن الله في الأمم وجميع الكائنات. ولكنهم يسترسلون مع الرواية، وتستهويهم غرابة الأخبار، فينتهي بهم ذلك إلى الإسرائيليات الخاطئة الكاذبة، وقد أدخلوا بصنيعهم هذا على المسلمين ضررا عظيما، وعلى التاريخ فسادا كبيرا. هـ- وأصحاب المذاهب العقلية إذا تعاطوا التفسير، لا يتوسعون إلاّ في الاستدلالات العقلية على إثبات الصفات أو نفيها، وعلى الغيبيات والنبوات وما يتعلق بها. و والنحاة والباحثون في أسرار التراكيب لا يفيضون إلاّ في توجيه الأعاريب أو نكت البلاغة كما يفعل الزمخشري، وأبو حيان. هكذا فعل القدماء والمحدثون بالقرآن: حكموا فيه نحلهم ومذاهبهم وصناعاتهم الغالبة عليهم، فأضاعوا هديه وبلاغه، وأبعدوا الأمة عنه؛ وصرفوها عن حكمه وأسراره.

стр. 18

ولو ذهبنا مذهب التحديد في معاني الألفاظ الاصطلاحية لوجدنا المفسر من هؤلاء قليلا. ز- أما المفسرون الذين يصدق عليهم هذا الوصف: فهم الذين يشرحون بحق فقه القرآن، ويستثيرون أسراره وحكمه، معتمدين على القرآن نفسه، وعلى السنة، وعلى البيان العربي، كما أشرنا إلى ذلك قبلاً. ومن هؤلاء من اقتصر على الأحكام فقط كابن العربي، والجصاص، وعبد المنعم بن الفرس، وهؤلاء الثلاثة هم الذين انتهت إلينا كتبهم. ومنهم من عمم، ولكن توسعه ظاهر في الأحكام، وأحكام العبادات والمعاملات، كالقرطبي، وابن عطية، وأضرابهما. وكان جمود، وكان ركود، وضرب التقليد بجرانه (١)، فقضى على ذكاء الأذكياء وفهم الفهماء، إلى أن أذن الله للعقل الإسلامي أن ينفلت من عقال التقليد، ويستقل في الفهم، وللنهضة العلمية الإسلامية أن يتبلج فجرها، ويعم نورها. فكانت إرهاصات (٢) التجديد لهذا العلم ظاهرة في ثلاثة من أذكى علمائنا وأوسعهم اطلاعا: الشوكاني (٣)، والألوسي، وصديق حسن خان. مع تفاوت بينهم في قوة النزعة الاستقلالية، وفي القدرة على التخلص من الصبغة المذهبية التقليدية. ثم كانت المعجزة بعد ذلك الإرهاص بظهور إمام المفسرين بلا منازع "محمد عبده" أبلغ من تكلم في التفسير، بيانا لهديه، وفهما لأسراره، وتوفيقا بين آيات الله في القرآن، وبين آياته في الأكوان، فبوجود هذا الإمام وجد علم التفسير وتم، ولم ينقصه إلاّ أنه لم يكتبه بقلمه كما بينه بلسانه، ولو فعل لأبقى للمسلمين تفسيرا لا للقرآن بل لمعجزات القرآن. ولكنه مات دون ذلك. فخلفه ترجمان أفكاره ومستودع أسراره "محمد رشيد رضا" فكتب في التفسير ما كتب، ودون آراء الإمام فيه، وشرع للعلماء منهاجه، ومات قبل أن يتمه. فانتهت إمامة التفسير بعده في العالم الإسلامي كله، إلى أخينا وصديقنا، ومنشئ النهضة الإسلامية العلمية بالجزائر، بل بالشمال الإفريقي "عبد الحميد بن باديس". خصائص التفسير الباديسي: كان للأخ الصديق "عبد الحميد بن باديس" ﵀ ذوقا خاص في فهم القرآن كأنه حاسة

стр. 19

زائدة خص بها. يرفده- بعد الذكاء المشرق، والقريحة الوقادة، والبصيرة النافذة- بيان ناصع، واطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه. يمد ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يرزقهما إلاّ الأفذاذ المعدودون في البشر. وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية والتعليم: وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلاّ بالرجوع إلى هدايته والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله. وكان يرى- حين تصدى لتفسير القرآن- أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم؛ لذلك آثر البدء بتفسيره درسا تسمعه الجماهير فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجله المريض المنهك من الدواء، وما يتعجله المسافر العجلان من الزاد. وكان- ﵀ يستطيع أن يجمع بين الحسنيين، لولا أنه كان مشغولا مع ذلك بتعليم جيل، وتربية أمة، ومكافحة أمية، ومعالجة أمراض اجتماعية، ومصارعة استعمار يؤيدها. فاقتصر على تفسير القرآن درسا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي، وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة. ولم يختم التفسير درسا ودراية بهذا الوطن غيره، منذ ختمه "أبو عبد الله الشريف التلمساني" في المائة الثامنة. كان ذلك الأخ الصديق ﵀ يعلل النفس باتساع الوقت وانفساح الأجل حتى يكتب تفسيرا على طريقته في الدرس. وكان كلما جرتنا شجون الحديث إلى التفسير، يتمنى أن نتعاون على كتابة التفسير، ويغريني بأن الكتابة علي أسهل منها عليه. ولا أنسى مجلسا كنا فيه على ربوة من جبل تلمسان في زيارة من زياراته لي، وكنا في حالة حزن لموت الشيخ "رشيد رضا" قبل أسبوع من ذلك اليوم، فذكرنا تفسير المنار، وأسفنا لانقطاعه بموت صاحبه فقلت له: «ليس لإكماله إلاّ أنت». فقال لي: «ليس لإكماله إلاّ أنت». فقلت له: «حتى يكون لي علم رشيد، وسعة رشيد، ومكتبة رشيد، ومكاتب القاهرة المفتوحة في وجه رشيد». فقال لي واثقا مؤكدا: «إننا لو تعاونا وتفرغنا للعمل لأخرجنا للأمة تفسيرا يغطي على التفاسير من غير احتياج إلى ما ذكرت». ولما احتفلت الأمة الجزائرية ذلك الاحتفال الحافل بختمه لتفسير القرآن عام ١٣٥٧هـ، وكتبت بقلمي تفسير المعوذتين مقتبسا من درس الختم، وأخرجته في ذلك الأسلوب الذي قرأه الناس في مجلة الشهاب أعجب به أيما إعجاب؛ وتجدد أمله في أن نتعاون على كتابة تفسير كامل، ولكن العوارض باعدت بين الأمل والعمل سنتين. ثم جاء الموت فباعد بيني وبينه.

стр. 20

ثم ألحت الحوادث والأعمال بعده، فلم تبق للقلم فرصة للتحرير ولا للسان مجال في التفسير ... وإنا لله. ... لم يكتب الأخ الصديق أماليه في التفسير، ولم يكتب تلامذته الكثيرون شيئاً منها. وضاع على الأمة كنز علم لا يقوّم بمال، ولا يعوض بحال. ومات فمات علم التفسير وماتت طريقة "ابن باديس" في التفسير. ولكن الله تعالى أبى إلاّ أن يذيع فضله وعلمه. فألهمه كتابة مجالس معدودة من تلك الدروس، وكان ينثرها فواتح لأعداد مجلة "الشهاب" ويسميها "مجالس التذكير"، وهي نموذج صادق من فهمه للقرآن وتفسيره له، كما أنها نموذج من أسلوبه الكتابي. هذه المجالس العامرة هي التي تصدّى الأخ الوفي السيد "أحمد بو شمال"، عضد الإمام المفسر وصفيه، وكاتبه والمؤتمن على أسراره- لتجريدها من مجلة الشهاب ونشرها كتاباً مستقلاً؛ قياماً بحق الوفاء للإمام الفقيد، وإحياء لذكراه أخرج أشرف أثر من آثاره، يستروح القراء منه نفحات منعشة من روح ذلك الرجل العظيم؛ ويقرءونه فلا يزيدهم عرفاناً بقدره، فحسبهم ما بنى وشاد، وعلم وأفاد، وما ربى للأمة من رجال كالجبال، وما بث فيها من فضائل وآداب، وما أبقى لها من تراث علمي خالد؛ لا يرثه الأخ عن الأخ، ولا الولد عن الوالد. وشكراً للأخ الوفي "أحمد بو شمال" (١) على هذا العمل الذي هو عنوان الوفاء ١٣٦٧هـ-١٩٤٨م. محمد البشير الإبراهيمي

стр. 21

حقيقة التذكير والحاجة إليه في هذا الفصل: ١ - التذكير. ٢ - حاجة الخلق إليه. ٣ - من يذكر؟ ٤ - تذكير النبي. ٥ - ما كان يذكر به النبي. ٦ - من كان يذكرهم النبي. ٧ - أفضل الأذكار. ٨ - أحوال العبد مع نفسه ومع ربه. ٩ - الصحابة يستفتون النبي. ١٠ - القرآن أفضل الأذكار. ١١ - الذكر قلبي ولساني وعملي. ١٢ - مقدار التلاوة. ١٣ - أحوال حملة القرآن. ١٤ - فضل التلاوة. ١٥ - تحذير: من زعم ... الخ. ١٦ - وجوه مخالفة هذا الزعم. ١٧ - لوازم فاسدة لهذا الزعم. ١٨ - حظ التجربة العملية من تلاوة القرآن. ١٩ - خطبة افتتاح موسم التفسير، وبيان المراجع التي يعتمد عليها المفسر.

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ التذكير حقيقية التذكير أن تقول لغيرك قولاً يذكر به ما كان به جاهلًا، أو عنه ناسياً، أو غافلًا. وقد يقوم الفعل والسمت والهدي مقام القول، فيسمى تذكيراً مجازاً وتوسعاً. ويجمع للثلاثة قولك: عباد الله الصالحون يذكرون الخلق بالخالق، بأقوالهم وأعمالهم وسمتهم. حاجة الخلق إليه: وحاجة العباد إلى هذا التذكير أعظم ما يحتاجون إليه وأشرف وألزم. فإن سعادتهم الحقيقية في هذه الحياة بإنارة عقولهم، وزكاة نفوسهم واستقامة سلوكهم. وفي الحياة الأخرى بنعيم الجنان، وحلول الرضوان- إنما هي بإيمانهم بربهم، وشكرهم له. وإن دلائل وجوده ووحدانيته وقيوميته، وآثار فضله وإحسانه ورحمته- ماثلة في الكون بادية للعيان، داعية إلى الشكر، هادية إلى الإيمان. لكن العقول كثيراً ما تكون مغلولة بقيود أهوائها، محجوبة بحجب غفلتها؟ فتعمى عن تلك الدلائل والآثار، فتكفر كفر جحود وعناد، أو كفر عصيان وطغيان؛ ويكون تورطها في كبائر الذنوب وصغائرها على مقدار تلك الحجب وتلك القيود. وليس- لغير من عصم الله- انفكاك أو خروج منها كلها. فهم إذن بأشد الحاجة إلى تذكيرهم بتلك الدلائل وتلك الآثار ليحصلوا أسباب سعادتهم بالإيمان والشكر. القائمون بالتذكير: قد علم الله حاجة عباده إلى التذكير، فاصطفى منهم رجالًا أنعم عليهم بكمال الفطرة، ووقاية العصمة، وأرسلهم لتذكير العباد: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨، ٢٠٩].

стр. 23

فالأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام- أولو هذا المقام الجليل: مقام التذكير، ثم من بعدهم ورثتهم من العلماء العاملين. تذكير النبي: قد كان النبي- ﵌ على سنة إخوانه من الأنبياء والمرسلين- عليهم الصلاة والسلام- في القيام بتذكير العباد، ممتثلا أمر ربه تعالى بقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. إذ السيطرة لا تكون على القلوب؛ والإيمان -وهو من أعمال القلب- لا يكون بالإكراه، وإنما بذكر الحجج والأدلة، وكذلك سنة المرسلين في الدعوة إلى الله، كما قصها علينا القرآن الكريم في كثير من السور والآيات. ما كان يذكر به النبي: كان- ﵌ يذكرهم بقوله وعمله وهديه وسمته، ذلك كله منه على وفق هداية القرآن وحكمه. وقد قالت عائشة الصديقة رضوان الله عليها، لما سئلت عن خلقه قالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ». فكان تذكيره كله بآيات القرآن: يتلوها، ويبينها بالبيان القولي والبيان العملي، ممتثلاً في ذلك كله أمر ربه تعالى بقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. فالقرآن وبيانه القولي والعملي من سنة النبي ﵌؛ بهما يكون تذكير العباد، ودعوتهم لله رب العالمين. ومن حاد في التذكير عنهما ضل وأضل، وكأن ما يضر أكثر مما ينفع إن كان هناك من نفع. من كان يذكرهم النبي ؟: كان- ﵌ لا يفتأ مذكراً للمؤمنين والكافرين والله يهدي من يشاء ويوفق من يريد. وقد أمر بالتذكير مطلقاً في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. وكانت سيرته العملية في التذكير هي العمل بهذا الإطلاق، فما كان يخص قوماً دون قوم في الدعوة والتذكير، فكانت هاته السنة العملية، دليلاً على أن ما جاء على صورة التقييد في بعض الآيات ليس المراد منه التقييد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]. فالشرط الصوري هو للاستبعاد، أي استبعاد نفع الذكرى فيهم. ولا يزال من أساليب العربية في لسان التخاطب الدارج بيننا قول الناس لبعضهم: «كلمه في كذا إذا نفع فيه الكلام» استبعاداً لنفعه فيه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. فليس ذكر المفعول للتقييد، وإنما هو للتنبيه على أنه هو الذي ينتفع بالتذكير، نظير قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 24

مشروعية التذكير: ولحاجة العباد للتذكير ومنزلته من الدين شرعه الله للمسلمين شرعاً مؤقتا في خطب الجمع والأعياد، وشرعاً مرسلاً موكولاً للمذكرين على ما يرونه من نشاط الناس وحاجتهم. وكما كان يتخول النبي- ﵌ الناس بالموعظة، وطلبه طلباً عاماً من جميع المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ في صفة المؤمنين العاملين. وسيكون هذا الباب من "المجلة" (١) مجالًا لفنون من التذكير جعلنا الله والمؤمنين من أهل الذكرى، ونفعنا بها دنيا وآخرة.

стр. 25

أفضل الأذكار تمهيد: (أ) حالة يعالج فيها شؤون الحياة من أمر نفسه وأهله، وما إلى رعايته من مصالحه، أو مصالح غيره، فيمارس فيها الأسباب، ويباشر فيها ما تقتضيه بشريته. وهو في هذه الحالة متعبد مأجور ما جرى فيها على حدود الله، وقصد بها امتثال شرعه. (ب) وحالة ينفرد فيها لربه ويخلص قلبه من هم ذلك كله، ويتوجه بكليته إلى خالقه: بالفكر والاعتبار ودوام المراقبة والإقبال. وهذه الحالة الثانية هي أشرف وأفضل حالتيه، وهي أساس الاستقامة في الحالة الأولى وأصل الكمال فيها. كانت هاتان الحالتان للنبي- ﵌ كما كانتا لغيره. وقوله- ﵌: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إشارة إلى الحالة الأولى: التي يكون فيها قائما بمصالح الأمة، وناهضاً بأعباء الرسالة، ومباشرة الشؤون العامة والخاصة، ورآها دون الحالة الثانية: التي يكون [فيها].متفرغ القلب للرب. وما كان ذلك الغين إلاّ الاشتغال بأمور الخلق في الحالة الأولى التي يحجب [فيها].عن كمال مشاهدة الحق التي في الحالة الثانية، فاستغفر الله تعالى منه. وما كان استغفاره- ﵊ إلاّ لاشتغاله بكامل عن أكمل، وتوجهه للقيام بأمر عظيم عن مقام أعظم. وقد تفطن الصحابة رضوان الله عليهم لهاتين الحالتين، وسألوا النبي ﵌ عنهما، وأفتاهم فيهما: فجاء في الصحيح أن حنظلة الأسيدي- وكان من كتّاب النبي ﵌، قال: «لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﵌، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ عَافَسْنَا (١) الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ (٢)، فَنَسِينَا كَثِيرًا.

стр. 26

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي فِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ!! وَلِكْنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً (١)». فقوله ﵌: «سَاعَةً وَسَاعَةً» بيان للحالتين وتقرير لها. وقوله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» إلى آخره، بيان لفضلاهما. هذه الحالة الفضلى الذكر الذي يحصلها العبد على أكمل وجه هو أفضل الأذكار. وستعرف مما سيأتي بعد أنه هو القرآن، وقد قسمنا ما سنقوله إلى قسمين: علمي وعملي، وختمنا بفصل في التحذير.

стр. 27

القسم العلمي (أ) القرآن أفضل الأذكار من طريق الأثر: ١ - قال الله ﵎: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ.﴾ [الأنبياء: ٥]، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١، ٩٢]. فهذه البركة، وهذا التيسير، وهذا الأمر بالتلاوة المقرون بالأمر بتوحيد العبادة وبالإسلام على طريق الحصر- لم ترد إلاّ في القرآن. ٢ - وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» (١). وهذه مثوبة لم ترد لغير القرآن من جمع الأذكار. ٣ - وروى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعاً: «مَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ» (٢). ومن معناه ما ذكره القرطبي عن فروة بن نوفل عن خباب بن الأرت قال: «إن استطعت أن تقرب إلى الله فإنك لا تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه».

стр. 28

ومثل هذا لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع. ٤ - وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: يَقُولُ الرَّبُّ ﵎: «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينِ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ» (١). وهذا الحديث والذي قبله نصان صريحان في المقصود. ٥ - وروى البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ﵂ مرفوعاً: «قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ» (٢). ٦ - وروى أبو نعيم عن ابن عمر ﵁: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ، وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ. ثُمَّ الدُّعَاءُ وَالاِسْتِغْفَارُ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحَّ فِي الدُّعَاءِ. ثُمَّ الصَّدَقَةُ، فَإِنَّهَا تُطْفِىءُ غَضَبَ الرَّبِّ. ثُمَّ الصِّيَامُ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ لِلْعَبْدِ مِنَ النَّارِ». قال القرطبي- بعد ما خرج هذا الحديث بسنده- قال علماؤنا: «هذا حديث عظيم في الدين يبين فيه أن أعظم العبادات قراءة القرآن في الصلاة». (ب) القرآن أفضل الأذكار من طريق النظر: إن أشرف حالتي الإنسان- وهي حالة انفراده لربه، وتوجهه بكليته إليه، وخلوص قلبه له، وتعلقه به- إنما تحصل على أكملها لتالي القرآن العظيم؛ فإن أفضل ما فيه- وهو قلبه- يكون قائماً بأفضل أعماله وهو التفكير والتدبر في أفضل المعاني، وهي معاني القرآن. وإن ترجمان ذلك القلب- وهو لسانه- يكون قائماً بأفضل أعماله وهي البيان بأفضل كلام وهو القرآن. وجوارحه- إذا لم يكن في صلاة- كانت محبوسة على قيام القلب واللسان بأفضل الأعمال،

стр. 29

وإذا كان في صلاة كانت قائمة بأفضل عبادة وهي الصلاة، في أشرف موقف وهو مناجاة الرحمن بآيات القرآن. فهذا الذكر الحكيم، تنزيل الرحمن الرحيم، الذي يحصل هذه الحال، التي هي أشرف الأحوال، وهي معراج الأرواح لمنازل الكمال، هو أفضل الأذكار. وأيضاً فإن الذكر قلبي ولساني وعملي، والقرآن محصل لذلك كله على أكمله كما سنبينه. القرآن، والذكر القلبي: فالتالي للقرآن المتدبر لآياته، يكون متفكراً في مخلوقات الله وما فيها من حكم ومن نعم، وفي معاني أسمائه وصفاته، وفي مظاهر رحمته وإحسانه وبطشه وانتقامه، وفي أسباب ثوابه وعقابه، وفي مواقع رضاه وسخطه. كما يكون التالي أيضاً متبصراً في عقائده، خبيراً بأدلتها، ورد الشبه عنها. كما يكون أيضاً مستحضراً لربه في قلبه باستحضار حقوقه ونعمه وآلائه؛ إذ هذا كله مما تضمنته آي القرآن على أكمل بيان، وأوضح برهان. القرآن والذكر اللساني: وكذلك قد اشتمل القرآن على أفضل الأذكار اللسانية: من تهليل، وتكبير، وتحميد، وتسبيح، وتمجيد، واستغفار، ودعاء، وعلى الأسماء الحسنى، والصفات العلى للرب ﵎؛ فتاليه يكون ذاكراً بهذه الأذكار كلها. القرآن، والذكر العملي: إن تلاوة القرآن بالتدبر تثمر للتالي التوبة والإنابة والرجاء والخوف، وذلك كله مما يكون له خير داع إلى الاستقامة- ولو بعض الشيء- في سلوكه العملي. هذا شيء قليل مما للقرآن في الذكر بأنواعه الثلاثة. إلى ما فيه من علم مصالح العباد في المعاش والمعاد، وبسط أسباب الخير والشر والسعادة والشقاوة في الدنيا والأخرى. وعلم النفوس وأحوالها، وأصول الأخلاق والأحكام. وكليات السياسة والتشريع. وحقائق الحياة في العمران والاجتماع. ونظم الكون المبنية على الرحمة والقوة، والعدل والإحسان .. إلى ما تقصر عن عده الألسنة وتعجز عن الإحاطة به الأفهام. وإنما ينال كل تال منها على قدر ما عنده من سلامة قصد، وصحة علم، بتقدير وتيسير من الحكيم العليم. نتيجة الاستدلال: لهذه الأدلة الأثرية والنظرية المذكورة وغيرها ذهب الأئمة من السلف والخلف إلى أن قراءة القرآن أفضل من الذكر. قال سفيان الثوري:

стр. 30

«سمعنا أن قراءة القرآن أفضل من الذكر». نقله القرطبي في الباب السابع من كتاب التذكار. وقال النووي: «واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه من يعتمد من العلماء: أن قراءة القرآن [[أفضل]] (*) من التسبيح والتهليل وغيرهما من الأذكار، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك». قاله في الباب الثاني من كتاب التبيان.

стр. 31

القسم العملي مقدار التلاوة: قد كان النبي ﵌ لا يخلي ليله ونهاره من تلاوة القرآن، وكان- كما قال القرطبي-: «يختمه في سبع». وهكذا قال لعبد الله بن عمرو ﵁: «وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً». وقد كان قال له أولا: «وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ». فلما قال له: إنه يطيق أكثر من ذلك نقله إلى العشرين، وإلى الخمسة عشر، وإلى العشر، وانتهى به إلى السبع في قول الأكثر (١). وكان هذا فعل الأكثرين من السلف. وعند الترمذي وغيره، من حديث ابن عمرو ﵁ مرفوعاً: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» (٢). وهذا ترخيص فيما دون السبع، وترغيب عما دون الثلاث. وقد فهم السلف من هذه الأحاديث بيان ما يكون وظيفة وحزبا يستمر عليه؛ فلذا لم يمتنعوا من ختم القرآن في أقل من ذلك في مرات في بعض الأحوال، وقد ثبت عن كثير منهم ختم القرآن في ركعة واحدة. ولا شك أن أحوال حملة القرآن تختلف في التفرغ للتلاوة والاشتغال بغيرها.

стр. 32

وأحوال الشخص الواحد في نفسه تختلف كذلك فيرتب حامل القرآن حزبه من الشهر إلى السبع على حسب حاله. فإذا لم يكن من حملة القرآن فلا يخل ليله ونهاره من تلاوة شيء مما معه حسب استطاعته، ولا يكن من الغافلين. ما يقصده من التلاوة: قراءة القرآن أفضل أعمال اللسان، وتدبر معانيه أفضل أعمال القلب، هذا من حديث أبي أمامة عند الترمذي الذي قدمناه في القسم الأول (١) فليقصد التالي التقرب إلى الله بهما. والقرآن موعظة ترقق القلوب القاسية فليقصد تليين قلبه. والقرآن شفاء لأدواء النفوس في عقائدها وأخلاقها وأعمالها؛ فليقصد الشفاء به من ذلك كله. والقرآن هدى ودلالة على كل حال ما يوصل إلى سعادة الدنيا والأخرى فليقصد الاهتداء بهدايته. والقرآن رحمة من الله للمؤمنين، فليستنزل بتلاوته وتدبره الرحمة من الله تعالى بإفاضة علوم القرآن على قلبه، وبتوفيقه إلى القيام بمقتضى هدايته. ولا يسلم تالي القرآن- لأنه غير معصوم- من ذنوب قد يصدأ لها قلبه، فليقصد بتلاوته جلاء قلبه والتوفيق للتوبة من ذنبه. وليجعل تلاوته لأجل تحصيل التوبة من أعظم وسائله إلى ربه. وقد مضى لك في الحديث القدسي في القسم الأول: «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ» (٢) تحذير: زعم قوم أن الصلاة على النبي ﵌ خير لعامة الناس من تلاوة القرآن، قالوا: لأن الصلاة ثوابها محقق ولا يلحق فاعلها إثم والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثماً لمخالفته لما يتلوه! واستدلوا على هذا بقول أنس ﵁ الذي يحسبه العامة حديثاً: «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه». فأدى هذا معتقديه إلى ترك قراءة القرآن أو التقليل منها، فليحذر من هذا الرأي ومما أدى إليه. للصلاة منزلتها وفضلها، وللقرآن فضله ومنزلته، فليأت الذاكر من الصلاة ومن غيرها

стр. 33

أبواب الذكر بما لا يؤدي إلى ترك أو تقليل تلاوة القرآن الذي هو أفضل الاذكار. وهذا الرأي المتقدم في تفضيل الصلاة على التلاوة، مخالف تمام المخالفة لما نقلناه في: "نتيجة الاستدلال" عن أئمة السلف والخلف: من أن قراءة القرآن أفضل من جميع الأذكار، ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة. ومخالف كذلك لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن المذنبين مرضى القلوب: فإن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله (١)؛ فكل معصية يأتي بها الجسد هي من فساد في القلب ومرض به. وإن الله تعالى قد جعل دواء أمراض القلب تلاوة القرآن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [[يونس: ٥٧]]. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. فمقصود الشرع من المذنبين أن يتلوه ويتدبروه ويستشفوا به بألفاظه ومعانيه. وذلك الرأي يصرف المذنبين عن تلاوته! الوجه الثاني: أن القلوب تعتريها الغفلة والقسوة، والشكوك والأوهام، والجهالات، وقد تتراكم عليها هذه الأدران كما تتراكم الأوساخ على المرآة فتطمسها وتبطل منفعتها، وقد يصيبها القليل منها أو من بعضها، ولا تسلم القلوب على كل حال من إصابتها فهي محتاجة دائماً وأبداً إلى صقل وتنظيف بتلاوة القرآن. وقد أرشد النبي ﵌ إلى هذا- فيما رواه البيهقي في الشعب، والقرطبي في التذكار: «إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد. قالوا: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: تلاوة القرآن» (٢).

стр. 34

فمقصود الشارع من المذنبين أن يتلوا القرآن لجلاء قلوبهم. وذلك الرأي يصرفهم عنه! الوجه الثالث: أن الوعيد والترهيب قد ثبتا في نسيان القرآن بعد تعلمه، وذهابه من الصدور بعد حفظه فيها: فروى أبو داود عن سعد (١). «مَا مِنِ اِمْرِىءٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللهَ أَجْذَمَ» (٢). وروى الشيخان عن عبد الله: «اِسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا (٣) مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ» (٤). فمقصود الشرع دوام التلاوة لدوام الحفظ، ودفع النسيان. وذلك الرأي أدى إلى تقليلها أو تركها الموقع في النسيان! لوازم فاسدة لهذا الزعم: وإلى مخالفته لمقصود الشرع بهذه الوجوه فإن له لوازم فاسدة منها: ١ - أن صلاة النافلة مرغب فيها على العموم، وهي مشتملة على قراءة القرآن، فماذا يقول أصحاب هذا الرأي؟ فهل يرغبون المذنبين- أمثالنا- عن النافلة طرداً لأصلهم؟ أم ينهون عن قراءة القرآن في النافلة، فيقولون ما لم يقله أحد؟ أم يقولون بالاقتصار على قراءة سور دون سور، فيتحكمون في الأحكام؟ ٢ - ومنها: أنه قل من يسلم من مخالفة للقرآن بعمله، فإذا ذهبنا مع ذلك الرأي حرم خلق كثير من تلاوة القرآن. وكفى بقول يؤدي إلى هذا كله رداً على نفسه. وأما قولهم: «إن تالي القرآن يأثم بقراءته مع مخالفته». فهي دعوى لم يقيموا عليها من نص صحيح صريح من سنة أو كتاب. بل الدليل قائم على خلافها: فإن المذنب يكتب عليه ذنبه مرة

стр. 35

واحدة، ولا يكتب عليه مرة ثانية إذا ارتكب ذنباً آخر، وإنما يكتب عليه ذلك الذنب الآخر. فكيف إذا باشر عبادة التلاوة؟؟! والأصل القطعي- كتاباً وسنة- أن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها (١)، وهو يبطل أن تجدد له سيئاته إذا جاء بحسنة تلاوة القرآن. وأما قول أنس ﵁: «رُبَّ تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآَنُ يَلْعَنُهُ»، فليس معناه أن القرآن يلعنه لأجل تلاوته. وكيف وتلاوته عبادة؟! وإنما معناه: أنه ربما تكون له مخالفة لبعض أوامر القرآن أو نواهيه من كذب أو ظلم مثلًا، فيكون داخلًا في عموم لعنه للظالمين والكاذبين، فخرج هذا الكلام مخرج التقبيح لمخالفة القرآن مع تلاوته، بعثا للتالي على سرعة الاتعاظ بآيات القرآن، وتعجيل المتاب، لا مخرج الأمر بترك التلاوة والانصراف عنها. هذا هو الذي يتعين حمل كلام هذا الصحابي الجليل عليه بحكم الأدلة المتقدمة. وثبت في الصحيح قوله ﵌: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" (٢). وهذا في المتعبد بالصيام الذي يوقع الزور والعمل به في وقت صيامه؛ فيكون متلبساً بالعبادة والمخالفة في وقت واحد. ومع هذا فقد قال الشراح في معنى الحديث- والعبارة للقسطلاني (٣): «وليس المراد الأمر بترك صيامه إذا لم يترك الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور. فهو كقوله ﵊: «من باع الخمر فليشقص (٤) الخنازير» ولم يأمره بشقصها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر. وكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به، ليتم له أجر صيامه». فمن باب أحرى وأولى ألا يكون قول أنس ﵁، محمولاً على طلب ترك التلاوة من

стр. 36

المذنب، لأنه غير مباشر لذنبه في حال تلاوته، وإنما المقصود تحذيره من الاستمرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته. هذا حظ العلم في الاستدلال على حاجة المذنبين إلى تلاوة القرآن العظيم. وأما حظ التجربة: فوالله الذي لا إله إلاّ هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إلانة للقلب، واستدراراً للدمع، وإحضارا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن. عود إلى تتميم الكلام على التحذير: ليحذر القارىء من السرعة في التلاوة التي تؤدي إلى تخليط كلماته، وتذهب بحلاوته، وتمنع من بقاء أثره في النفس. وليحذر من ذهاب قلبه مسترسلاً مع خواطره، منصرفاً عن تدبره والتذكر به، وإذا عرضت له الخواطر فليصرفها ليدفعها، وليحمل فكره على تدبر آيات الكتاب، ولا ينقطع عن التلاوة إذا كانت تلك الخواطر لا تفارقه، فإن تصميمه على دفعها مع تكاثرها من جهاد لنفسه، الذي يثاب عليه، وينتهي به في الأخير إلى الانتصار عليها. وليحذر من الاستمرار على ما عنده من مخالفة لأوامر ونواهي الكتاب ومن عدم الخوف والوجل عند المرور بآيات الوعيد والتقريع على ذلك الذنب، إذا لم يوفق للتوبة في بعضها، فليستحضر الخشية والخضوع عند الآيات المتعلقة بذلك الذنب، وليكررها وليتفهمها. وليقف عندها وقفة العاجز الذليل الفقير المتضرع لربه، المتعرض لرحمته بتلاوة كلامه، فإن هذا من أعظم الوسائل لتيسير التوبة. فرتل القرآن، وتدبر معانيه، والزم حدوده، واضرع إلى الله تعالى أن يرزقك التوبة فيما عندك من مخالفة تكن من الفائزين بإذن رب العالمين.

стр. 37

خطبة افتتاح لدروس التفسير الحمد لله الذي جمل الإنسان بالبيان، وجمل البيان بالقرآن، فالإنسان دون بيان حيوان أبكم، والبيانُ دون قرآن كلام أجذم. وذو البيان والقرآن هو الأكمل الأعظم قدراً وتقديرا، والأحسن الأقوم عملاً وتفكيراً، والأسعد الأكرم حالاً مصيراً. أحمده، أرسل محمداً- ﵌ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وأنزل عليه القرآن تبصرة وذكرى، ومعجزة كبرى، حجة وتذكيراً. وشرع لنا من دينه الحنيف مناهل العز والسعادة، ومهد لنا من شرعه الشريف سبل الحسنى والزيادة، رحمة منه تعالى وفضلاً كبيراً. وأشكره، هدانا واجتبانا، فرضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وحبب إلينا ديننا، فوالله لو بذلت لنا الدنيا بحذافيرها في تركه ما ساوت عندنا حبة رغام (١)، توفيقاً منه تعالى ويقيناً صادقاً منا وبصراً بصيراً. وأستغفره لما كان منا من نقص وتقصير في الوفاء بوعده الحق، وشكر فضله الكبير، إنه كان عفواً غفاراً شكوراً. وأصلي وأسلم على سيدنا محمد أشرف خلقه وأكرم رسله، فرق بالقرآن بين الحق والباطل، وهدى به الضال وعلم به الجاهل، وجاهد به- في الله- جهاداً كبيراً. وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، اقتفوا طريقته، وأحيوا سنته، فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسروراً، وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً. وعلى بقية أمته، وأهل ملته، لبوا دعوته، وأمّوا غايته، ناشطاً وحصيراً (٢). صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم نلقى محمداً ﵌ ونسعد بلقائه، ونحشر بين الأمم تحت لوائه، ونجزى بمحبته- إن شاء الله تعالى- جزاء موفوراً.

стр. 38

فقد عدنا- والحمد لله تعالى- إلى مجالس التذكير، من دروس التفسير (١). نقتطف أزهارها، ونجني من ثمارها، بيسرٍ من الله تعالى وتيسير. على عادتنا في تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية، وربط الآيات، بوجوه المناسبات. معتمدين في ذلك على صحيح المنقول، وسديد المعقول، مما جلاه أئمة السلف المتقدمون، أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون، رحمة الله عليهم أجمعين. وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة: ١ - تفسير "ابن جرير الطبري" (٢)، الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية، وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب. ٢ - وتفسير "الكشاف" (٣) الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني، وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب، واستعمالها في أفانين الكلام. ٣ - وتفسير "أبي حيان الأندلسي" (٤) الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية، وتوجيهه للقراءات. ٤ - وتفسير "الرازي" (٥) الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية، مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية، ومقالات الفرق، والمناظرة والحجاج في ذلك. إلى غير هذا مما لا بد لنا من مراجعته من كتب التفسير والحديث والأحكام، وغيرها مما يقتضيه المقام. ... نقول هذا؛ ليعرف الطلبة مصادر درسنا، ومآخذ ما يسمعونه منا. ونحن نعلم أننا- والله- كما قال أخو العرب:

стр. 39

لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا نُسِبَ الْمُعَلَّى ... إِلَى كَرَمٍ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيمُ وَلَكِنَّ الْبِلَادَ إِذَا اقْشَعَرَّتْ ... وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الْهَشِيمُ (١) وكما نقول في المثل: "إِنَّمَا نُكَحِّلُ فِي مَوْضِعِ الْعَيْنَيْنِ" (٢). وإذا نظرنا إلى قصورنا، وخطورة مقام الكلام على كلام الله تعالى، أحجمنا. وإذا رأينا إلى فضل الله، وثقتنا به، وحسن قصدنا- في خدمة كتابه- أقدمنا. وهذا الجانب الكريم أرجح عندنا، فنحن نقدم معتمدين على الله تعالى سائلين منه تعالى لنا ولكم أن يوفقنا إلى حسن القصد، وصحة الفهم، وصواب القول، وسداد العمل.

стр. 40

القسم الأول في سورة الإسراء في هذا القسم: ١ - آية الليل، وآية النهار. ٢ - إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة. ٣ - عموم النوال من الكبير المتعال. ٤ - أصول الهداية. ٥ - بر الوالدين. ٦ - صلاح النفوس وإصلاحها. ٧ - إيتاء الحقوق لأربابها. ٨ - حفظ النفوس بحفظ النسل، وحفظ الفرج، وعدم العدوان. ٩ - حفظ الأموال باحترام الملكية. ١٠ - العلم والأخلاق. آية العلم- العقل ميزة الإنسان وأداة علمه- العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات- سؤال الجوارح يوم الهول الأكبر. ١١ - آية الأخلاق- العجب أصل الهلاك. ١٢ - القول الحسن- التحذير من الشيطان- التفويض إلى الله في العواقب والسرائر. ١٣ - من دعا غير الله عبد ما دعاه، وهو في عبادته من الخاسرين- نجاة المعبودين بهداهم، وهلاك العابدين بضلالهم. ١٤ - الطور الأخير لكل أمة وعاقبته. ١٥ - التكريم الرباني للنوع الإنساني. ١٦ - الصلاة لأوقاتها. ١٧ - نافلة الليل وحسن عاقبتها. ١٨ - القرآن شفاء ورحمة. ١٩ - صفتان من صفات النوع الإنساني: الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة.
следующие страницы →