المذنب، لأنه غير مباشر لذنبه في حال تلاوته، وإنما المقصود تحذيره من الاستمرار على المخالفة، وترغيبه في المبادرة بالتوبة ليكمل له أجر تلاوته بكمال حالته.
هذا حظ العلم في الاستدلال على حاجة المذنبين إلى تلاوة القرآن العظيم.
وأما حظ التجربة: فوالله الذي لا إله إلاّ هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إلانة للقلب، واستدراراً للدمع، وإحضارا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن.
عود إلى تتميم الكلام على التحذير:
ليحذر القارىء من السرعة في التلاوة التي تؤدي إلى تخليط كلماته، وتذهب بحلاوته، وتمنع من بقاء أثره في النفس.
وليحذر من ذهاب قلبه مسترسلاً مع خواطره، منصرفاً عن تدبره والتذكر به، وإذا عرضت له الخواطر فليصرفها ليدفعها، وليحمل فكره على تدبر آيات الكتاب، ولا ينقطع عن التلاوة إذا كانت تلك الخواطر لا تفارقه، فإن تصميمه على دفعها مع تكاثرها من جهاد لنفسه، الذي يثاب عليه، وينتهي به في الأخير إلى الانتصار عليها.
وليحذر من الاستمرار على ما عنده من مخالفة لأوامر ونواهي الكتاب ومن عدم الخوف والوجل عند المرور بآيات الوعيد والتقريع على ذلك الذنب، إذا لم يوفق للتوبة في بعضها، فليستحضر الخشية والخضوع عند الآيات المتعلقة بذلك الذنب، وليكررها وليتفهمها. وليقف عندها وقفة العاجز الذليل الفقير المتضرع لربه، المتعرض لرحمته بتلاوة كلامه، فإن هذا من أعظم الوسائل لتيسير التوبة.
فرتل القرآن، وتدبر معانيه، والزم حدوده، واضرع إلى الله تعالى أن يرزقك التوبة فيما عندك من مخالفة تكن من الفائزين بإذن رب العالمين.
стр. 37
خطبة افتتاح لدروس التفسير
الحمد لله الذي جمل الإنسان بالبيان، وجمل البيان بالقرآن، فالإنسان دون بيان حيوان أبكم، والبيانُ دون قرآن كلام أجذم. وذو البيان والقرآن هو الأكمل الأعظم قدراً وتقديرا، والأحسن الأقوم عملاً وتفكيراً، والأسعد الأكرم حالاً مصيراً.
أحمده، أرسل محمداً- ﵌ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
وأنزل عليه القرآن تبصرة وذكرى، ومعجزة كبرى، حجة وتذكيراً.
وشرع لنا من دينه الحنيف مناهل العز والسعادة، ومهد لنا من شرعه الشريف سبل الحسنى والزيادة، رحمة منه تعالى وفضلاً كبيراً.
وأشكره، هدانا واجتبانا، فرضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، وحبب إلينا ديننا، فوالله لو بذلت لنا الدنيا بحذافيرها في تركه ما ساوت عندنا حبة رغام (١)، توفيقاً منه تعالى ويقيناً صادقاً منا وبصراً بصيراً.
وأستغفره لما كان منا من نقص وتقصير في الوفاء بوعده الحق، وشكر فضله الكبير، إنه كان عفواً غفاراً شكوراً.
وأصلي وأسلم على سيدنا محمد أشرف خلقه وأكرم رسله، فرق بالقرآن بين الحق والباطل، وهدى به الضال وعلم به الجاهل، وجاهد به- في الله- جهاداً كبيراً.
وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، اقتفوا طريقته، وأحيوا سنته، فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسروراً، وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً.
وعلى بقية أمته، وأهل ملته، لبوا دعوته، وأمّوا غايته، ناشطاً وحصيراً (٢).
صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم نلقى محمداً ﵌ ونسعد بلقائه، ونحشر بين الأمم تحت لوائه، ونجزى بمحبته- إن شاء الله تعالى- جزاء موفوراً.
стр. 38
فقد عدنا- والحمد لله تعالى- إلى مجالس التذكير، من دروس التفسير (١).
نقتطف أزهارها، ونجني من ثمارها، بيسرٍ من الله تعالى وتيسير.
على عادتنا في تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية، وربط الآيات، بوجوه المناسبات.
معتمدين في ذلك على صحيح المنقول، وسديد المعقول، مما جلاه أئمة السلف المتقدمون، أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون، رحمة الله عليهم أجمعين.
وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة:
١ - تفسير "ابن جرير الطبري" (٢)، الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية، وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب.
٢ - وتفسير "الكشاف" (٣) الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني، وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب، واستعمالها في أفانين الكلام.
٣ - وتفسير "أبي حيان الأندلسي" (٤) الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية، وتوجيهه للقراءات.
٤ - وتفسير "الرازي" (٥) الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية، مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية، ومقالات الفرق، والمناظرة والحجاج في ذلك.
إلى غير هذا مما لا بد لنا من مراجعته من كتب التفسير والحديث والأحكام، وغيرها مما يقتضيه المقام.
...
نقول هذا؛ ليعرف الطلبة مصادر درسنا، ومآخذ ما يسمعونه منا. ونحن نعلم أننا- والله- كما قال أخو العرب:
стр. 39
لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا نُسِبَ الْمُعَلَّى ... إِلَى كَرَمٍ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيمُ
وَلَكِنَّ الْبِلَادَ إِذَا اقْشَعَرَّتْ ... وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الْهَشِيمُ (١)
وكما نقول في المثل:
"إِنَّمَا نُكَحِّلُ فِي مَوْضِعِ الْعَيْنَيْنِ" (٢).
وإذا نظرنا إلى قصورنا، وخطورة مقام الكلام على كلام الله تعالى، أحجمنا.
وإذا رأينا إلى فضل الله، وثقتنا به، وحسن قصدنا- في خدمة كتابه- أقدمنا.
وهذا الجانب الكريم أرجح عندنا، فنحن نقدم معتمدين على الله تعالى سائلين منه تعالى لنا ولكم أن يوفقنا إلى حسن القصد، وصحة الفهم، وصواب القول، وسداد العمل.
стр. 40
القسم الأول في سورة الإسراء
في هذا القسم:
١ - آية الليل، وآية النهار.
٢ - إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة.
٣ - عموم النوال من الكبير المتعال.
٤ - أصول الهداية.
٥ - بر الوالدين.
٦ - صلاح النفوس وإصلاحها.
٧ - إيتاء الحقوق لأربابها.
٨ - حفظ النفوس بحفظ النسل، وحفظ الفرج، وعدم العدوان.
٩ - حفظ الأموال باحترام الملكية.
١٠ - العلم والأخلاق.
آية العلم- العقل ميزة الإنسان وأداة علمه- العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات- سؤال الجوارح يوم الهول الأكبر.
١١ - آية الأخلاق- العجب أصل الهلاك.
١٢ - القول الحسن- التحذير من الشيطان- التفويض إلى الله في العواقب والسرائر.
١٣ - من دعا غير الله عبد ما دعاه، وهو في عبادته من الخاسرين- نجاة المعبودين بهداهم، وهلاك العابدين بضلالهم.
١٤ - الطور الأخير لكل أمة وعاقبته.
١٥ - التكريم الرباني للنوع الإنساني.
١٦ - الصلاة لأوقاتها.
١٧ - نافلة الليل وحسن عاقبتها.
١٨ - القرآن شفاء ورحمة.
١٩ - صفتان من صفات النوع الإنساني: الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة.
стр. 41
آية الليل وآية النهار
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
لله تعالى في سور القرآن، وعالم الأكوان، آيات بينات دالة على وجوده، وقدرته، وإرادته، وعلمه، وحكمته. ونعم سابغات موجبة لحمده وشكره وعبادته.
ولما ذكر تعالى آيته ونعمته بالقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، ذكر آيته ونعمته بالليل والنهار المتعاقبين على هذا الكون الأعظم. فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ .... ﴾.
الشرح والبيان:
﴿جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: خلقناهما، ووضعناهما آيتين. وجعل الشيء هو وضعه على حالة أو كيفية خاصة، فهما حادثان مسيران بتدبر وتقدير.
و ﴿الليل﴾: هو الوقت المظلم الذي يغشى جانباً من الكرة الأرضية، عندما تكون الشمس منيرة لجانبها المقابل.
و ﴿النهار﴾: هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضيؤُه بنورها. ولا يزالان هكذا متعاقبين على جوانب هذه الكرة وأمكنتها:
يكور الليل على النهار، بأن يحل محله في جزء من الكرة- وجزء الكرة مكور- فيكون النهار الحال مكوراً بحكم تكور المحل.
وكذلك النهار يكور عليه فيحل محله من الكرة، فيكون أيضاً مكوراً بحكم تكور المحل.
وإنما جعلنا تكوير أحدهما على الآخر بحلوله محله؛ لأنه لا يمكن تكويره عليه بحلوله عليه نفسه؛ لأنهما ضدان لا يجتمعان، وليسا جسمين يحل أحدهما على الآخر.
و ﴿الآية﴾: هي العلامة الدالة. وكان الليل والنهار "آيتين" بتعاقبهما مقدرين بأوقات متفاوتة بالزيادة والنقص في الطول والقصر، على نظام محكم وترتيب بديع، بحسب الفصول الشتوية والصيفية، وبحسب الأمكنة ومناطق الأرض: المناطق الاستوائية، والقطبية الشمالية، والجنوبية، وما بينهما. حتى يكونا في القطبين ليلة ويوماً في السنة، ليلة فيها ستة أشهر هي شتاء القطبين، ويوم فيه ستة أشهر هو صيفهم.
стр. 42
فهذا الترتيب والتقدير والتيسير، دليل قاطع على وجود خالق حكيم قدير لطيف خبير.
الليل في نفسه آية، وفيه آيات، وأظهر آياته هو القمر. فيقال في القمر: "آية الليل".
والنهار في نفسه آية، وفيه آيات، وأظهر آياته هي الشمس، فيقال في الشمس: "آية النهار".
وبعدما ذكر تعالى الليل والنهار آيتين في أنفسهما، ذكر أظهر آيات كل واحد منهما وأضافها إليه. فقال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ... ﴾.
وليس محو القمر وإبصار الشمس متأخراً عن الليل والنهار. وكيف؟! وما كان الليل والنهار إلاّ باعتبار إضاءة الشمس لجانب، وعدم إضاءتها لمقابله.
فليست الفاء في"فمحونا" للترتيب في الوجود، وإنما هي للترتيب في الذكر، وللترتيب في التعقل: فإن القمر والشمس بعض من آيات الليل والنهار، والجزء متأخر في التعقل عن الكل.
وقد اتفق الكاتبون على الآية- ممن رأينا- على أن المراد من لفظ الآية في الموضعين واحد:
أ- فإما أن يراد بها نفس الليل والنهار، والإضافة في "آية الليل" و"آية النهار" للتبيين كإضافة العدد للمعدود.
أو يراد بها الشمس والقمر فيكون: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾، على تقدير مضاف في الأول تقديره هكذا: وجعلنا نيِّري الليل والنهار.
أو في الأخير مقدرا هكذا: وجعلنا الليل والنهار ذوي آيتين.
ب- وإما على تقريرنا المتقدم فإن لفظ "آيتن" صادق على الليل والنهار. ولفظ "آية الليل"، و"آية النهار"، صادق على الشمس والقمر.
وعليه يكون تقدير الآية هكذا: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا قمر الليل وجعلنا شمس النهار مبصرة.
وهو تقدير صحيح لا معارض له من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، وسالم من دعوى تقدير محذوف، ومفيد لكثرة المعنى بأربع آيات: بالليل وقمره والنهار وشمسه. فالتقدير به أولى، ولذلك فسرنا الآية عليه.
﴿فَمَحَوْنَا﴾ المحو هو الإزالة: إزالة الكتابة من اللوح، وإزالة الآثار من الديار. فمحو "آيَةَ اللَّيْلِ" إزالة الضوء منها، وهذا يقتضي أنه كان فيها ضوء ثم أزيل؛ فتفيد الآية أن القمر كان مضيئاً، ثم أزيل ضوؤه فصار مظلماً.
وقد تقرر في علم الهيئة أن القمر جرم مظلم يأتيه نوره من الشمس.
واتفق علماء الفلك في العصر الحديث بعد الاكتشافات والبحوث العلمية أن جرم القمر- كالأرض- كان منذ أحقاب طويلة وملايين السنين شديد الحمو والحرارة ثم برد، فكانت إضاءته في أزمان حموه وزالت لما برد.
стр. 43
لنقف خاشعين متذكرين أمام معجزة القرآن العلمية: ذلك الكتاب الذي جعله الله حجة لنبيه ﵌، وبرهاناً لدينه على البشر مهما ترقوا في العلم، وتقدموا في العرفان!!
فإن ظلام جرم القمر لم يكن معروفاً أيام نزول الآية عند الأمم إلاّ أفراداً قليلين من علماء الفلك. وإن حمو جرمه أولاً، وزواله بالبرودة ثانياً، ما عرف إلاّ في هذا العهد الأخير.
والذي تلا هذه الآية وأعلن هذه الحقائق العلمية منذ نحو أربعة عشر قرناً نبي أمي، من أمة أمية، كانت في ذلك العهد أبعد الأمم عن العلم؛ فلم يكن ليعلم هذا إلاّ بوحي من الله الذي خلق الخلائق وعلم حقائقها!!
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الْأُمِّيَّ مُعْجِزَةً ... فِي الجْاَهِلِيَّةِ وَالتَّأْدِيبِ فِي الْيُتْمِ (١)
...
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾:
فقد وضعت كذلك من أول خلقها "مبصرة" يبصر بها. والإسناد مجازي كما نقول لسان متكلم، أي متكلّم به، فيسند الشيء إلى ما يكون به من آلة وسبب.
والمبصرون حقيقة ذوو الأبصار، ولكنهم لا ينتفعون بأبصارهم إلاّ في ضوئها، ولا ينتفعون بها في الظلام.
وإذا كان الضوء يكون من النار! فأين ضوء النار من ضوء الشمس في القوة والدوام والعموم؟!!
وكما أفادت الآية زوال نور القمر- بعد أن كان بمقتضى لفظة "فمحونا" ومدلولها لغة- فإنها تشير إلى أن نوره مكتسب، وتومىء إلى أنه من الشمس، وذاك أننا نرى فيه نوراً، مع علمنا أن نوره قد أزيل؛ فنعلم قطعاً أن ذلك النور ليس منه.
وإذا كان مذكوراً مع الشمس المبصرة في الاستدلال والامتنان، ومعاقباً مصاحباً لها في الظهور، فنوره جاءه منها وهي التي أبصرته.
وقدم الليل وآيته على النهار وآيته في ترتيب النظم، لأنه ظلام، والظلام عدم الضوء. والعدم مقدم على الوجود في هذه المخلوقات.
﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾:
ذكر تعالى الليل والنهار وآيتيهما استدلالاً على الخلق ليعرفوه، وذكر ما فيها من النعمة عليهم ليشكروه ويعبدوه.
стр. 44
فكانت فائدة خلقها على هذا الوجه راجعة للعباد، ليبتغوا ويطلبوا فضلاً من ربهم بالسعي لتحصيل المعاش، وأسباب الحياة، ووجوه المنافع.
وليضبطوا أوقاتهم بعلم عدد السنين الشمسية والقمرية، وما اشتملت عليه السنون من الشهور والأيام والساعات.
وليعلموا جنس الحساب الذي منه حساب الشمس وتنقلها في منازلها، وحساب القمر وتنقله في بروجه، وحساب أبعادهما، وسعتهما، ومسير نورهما. ثم حساب ما يرتبط بهما من أجرام سابحة في الفضاء.
"والابتغاء": هو طلب الشيء بسعي إليه ومحبة فيه. ويسمي- تعالى- طلب أسباب الحياة ابتغاء، تنبيهاً على هذا السعي وهذه المحبة، فهما الشرطان اللازمان للفوز بالمطلوب.
كما يسمي- تعالى- المطلوب بالابتغاء فضلاً من الرب، وفضله من رحمته. ورحمته واسعة لا تضبطها حدود، ولا تحصرها الأعداد- تنبيهاً على سعة هذا الفضل ليذهب الخلق في جميع نواحيه، ويأخذوا بجميع أسبابه مما أذن لهم فيه.
وليكونوا- إذا ضاق بهم مذهب- آخذين بمذهب آخر من مسالك هذا الفضل الرباني الواسع غير المحصور.
وتنبيهاً أيضاً على قوة الرجاء في الحصول على البغية، لأن طلبهم طلب لفضل رب كريم.
ويقول تعالى: ﴿من ربكم﴾ والرب المالك المدبر لمملوكه بالحكمة فيعطيه في كل حال من أحواله ما يليق به، ليكون الخلق بعد قيامهم بالعمل راضين بما ييسره الله من أسباب، وما يقسمه لهم من رزق، ثقة بعدله وحكمته، فلا يبغي أحد على أحد بتعد أو حسد.
فهذه الكلمات القليلة الكثيرة، وهي: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جمعت جميع أصول السعادة في هذه الحياة:
بالعمل مع الجد فيه، والمحبة له والرجاء في ثمرته، الذي به قوام العمران.
وبالرضا والتسليم للمولى، الذي به طمأنينة القلب وراحة الضمير.
وبالكف للقلب واليد عن الناس، الذي به الأمن والسلام.
ويذكر تعالى علم عدد السنين، المتضمن لعدد الشهور والأيام والساعات تنبيهاً لخلقه على ضبط الأعمال بالأوقات، فإن نظام الأعمال واطرادها وخفتها والنشاط فيها وقرب إنتاجها .... إنما هو بهذا الضبط لها على دقائق الزمان.
كما ذكر- تعالى- جنس الحساب تنبيهاً على لزومه لهذا الضبط، وجميع شؤون الحياة من علم وعمل؛ فكل العلوم الموصلة إلى هذا العد وهذا الحساب هي وسائل لها حكم مقصدها في الفضل والنفع والترغيب.
стр. 45
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.
فكل ما يحتاج إليه العباد لتحصيل السعادتين من عقائد الحق، وأخلاق الصدق، وأحكام العدل، ووجوه الإحسان .. كل هذا فصل في القرآن تفصيلا: كل فصل على غاية البيان والأحكام.
وهذا دعاء وترغيب للخلق أن يطلبوا ذلك كله من القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم في العلم والعمل، ويأخذوا منه ويهتدوا به؛ فهو الغاية التي ما وراءها غاية في الهدى والبيان.
إرادة الدنيا وإرادة الآخرة
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ و١٩].
الشرح والمعنى:
كل الناس في هذه الحياة حارث وهمام، عامل ومريد، فسفيه ورشيد، وشقي وسعيد:
مريد الدنيا وجزاؤه:
منهم من يريد بأعماله هذه الدار العاجلة والحياة الدنيا، عليها قصر همه، وعلى حظوظها عقد ضميره. وجعلها وجهة قصده، ونصبها غاية سعيه، لا يرجو وراءها ثواباً، ولا يخاف عقاباً، فهو مقبل عليها بقلبه وقالبه، معرض عن غيرها بكليته، فلا يجيب داعي الله بترغيب ولا ترهيب، ولا يتقيد في سلوكه بشرائع العدل والإحسان.
فمن كانت هذه إرادته، ولهذا عمله، عجل الله له في الدنيا ما مضى في مشيئته تعالى أن يعجله له، إن كان ممن أراد التعجيل لهم، بحكم إبدال الجار والمجرور في قوله: ﴿لمن نريد﴾، من الجار والمجرور في قوله: ﴿عجلنا له﴾. فالتعجيل منه تعالى لمن يريد، لا لكل مريد.
والشيء المعجل- في قدره وجنسه ومدته- على ما يشاء الرب المعطي، لا على ما يشاء العبد المريد.
فكم من مريد للدنيا من يقصد الشيء فلا ينال إلاّ بعضه، فيضيع عليه شطر عمله، فلا في هذه الدار، ولا في تلك الدار.
وكم منهم من سعى واجتهد وانتهى بالخيبة والحرمان، فعاد- بعد النصب (١) - ولا ثمرة حصلها عاجلًا، ولا ثواباً ادخره آجلًا، وذلك هو الخسران المبين.
стр. 46
ثم إذا قدم على الله في الآخرة جعل له وحضر له جهنم دار العذاب، واضطره إلى دخولها. فيصليها ﴿مذموماً﴾ مذكورا بقبح فعله وسوء صنيعه في قلة شكره لربه، وعدم استعماله لما كان أنعم عليه به في طاعته، وعدم نظره لعاقبة أمره. ﴿مدحوراً﴾ مبعدا في أقصى النار مطروداً من الرحمة.
حرم نفسه من استثمار رحمة الله في الدنيا بالشكر عليها، فكان عدلًا أن يحرم منها في الاخرة.
ونظير هذه الآية آية: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى:٢٠]. عمل للدنيا فنال نصيبه منها، ولم يعمل للآخرة فلم يكن له نصيب فيها.
والتقييد بمن في قوله تعالى: ﴿منها﴾ على أن ما يناله- سواء أكان كل ما أراد أو بعضه- ما هو إلاّ بعض من الدنيا.
وإذا كانت الدنيا كلها شيئاً زهيداً، بقلتها وفنائها ونغصها بالنسبة لأقل شيء من نعيم الآخرة- فما بالك بما هو بعض منها؛ فلقد خاب وخسر من استبدل بنعيم الآخرة هذا القليل الخسيس المنغص الزهيد!
ونظيرها أيضاً آية: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ [هود: ١٥، ١٦].
وتوفيتهم أعمالهم، إنالتهم ثمراتها مكملة في الدنيا، وهم فيها لا يبخسون: لا ينقصون من جزائهم عليها بتحصيل المسببات التي توسلوا إليها بأسبابها. ثم في الآخرة تحبط تلك الأعمال فلا يكون عليها من جزاء ولا لها من ثمرة، لأنها كانت أعمالًا باطلة لا ثبات لها.
عمل لدنيا دار الزوال فزالت بزوالها، وبقي على عمالها إثم عدم شكرهم لربهم فدخلوا به النار، وتلك عاقبة الظالمين.
غير أن هاتين الآيتين مطلقتان في الشيء المعطى والشخص المعطى له. وآية "الإسراء" مقيدة بمشيئة الله تعالى وإرادته فيهما، والمطلق محمول على المقيد في البيان والأحكام.
وقد أفادت هذه الآيات كلها، أن الأسباب الكونية التي وضعها الله تعالى في هذه الحياة وسائل لمسبباتها، موصلة- بإذن الله تعالى- من تمسك بها إلى ما جعلت وسيلة إليه، بمقتضى أمر الله وتقديره وسنته في نظام هذه الحياة والكون، ولو كان ذلك المتمسك بها لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يصدق المرسلين.
ومن مقتضى هذا: أن من أهمل تلك الأسباب الكونية التقديرية الإلهية، ولم يأخذ بها لم ينل مسبباتها ولو كان من المؤمنين، وهذا معلوم ومشاهد من تاريخ البشر في ماضيهم وحاضرهم. نعم لا يضيع على المؤمن أجر إيمانه، ولكن جزاءه عليه في غير هاته الدار، كما أن الآخر لم
стр. 47
يضع عله أخذه بالأسباب، فنال جزاءه في دار الأسباب وليس له في الآخرة إلاّ النار.
أقسام العباد:
فالعباد- إذن- على أربعة أقسام:
١ - مؤمن آخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا والآخرة.
٢ - ودهري تارك لها، فهذا شقي فيهما.
٣ - ومؤمن تارك للأسباب، فهذا شقي في الدنيا وينجو- بعد المؤاخذة على الترك- في الآخرة.
٤ - ودهري آخذ بالأسباب الدنيوية، فهذا سعيد في الدنيا ويكون في الآخرة من الهالكين.
فلا يفتنن المسلمون بعد علم هذا ما يرونه من حالهم وحال من لا يدين دينهم. فإنه لم يكن تأخرهم لإيمانهم، بل بترك الأخذ بالأسباب الذي هو سبب تأخرنا من ضعف إيمانهم. ولم يتقدم غيرهم بعدم إيمانهم، بل بأخذهم بأسباب التقدم في الحياة.
وقد علموا أنهم مضت عليهم أحقاب وهم من أهل القسم الأول بإيمانهم وأعمالهم. وما صاروا من أهل القسم الثالث إلاّ لما ضعف إيمانهم وساءت أعمالهم وكثر إهمالهم؛ فلا لوم- إذن- إلاّ عليهم في كل ما يصيبهم، وربك يقضي بالحق وهو الفتاح العليم.
...
﴿وَمَنْ أرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِن فأولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾.
مريد الآخرة وجزاؤه:
وهذا قسم آخر من الخلق، قصد بعمله الآخرة وإياها طلب، وثوابها انتظر يرجو أن يزحزح فيها عن النار ويفوز بالجنة، ويحل عليه الرضوان.
فهذا كان سعيه مشكوراً بثلاثة شروط:
الشرط الأول:
أن يقصد بعمله ثواب الآخرة قصداً مخلصاً، كما يفيده فعل الإرادة في: ﴿وَمَنْ أرادَ الآخِرَةَ﴾، ولام الأجل في: ﴿وَسَعَى لَهَا﴾.
الشرط الثاني:
أن يعمل لها عملها المعروف في الشرع اللائق بها الذي لا عمل يفضي إلى نيل ثوابها سواه، وهو طاعة الله تعالى وتقواه، بامتثال أوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده.
الشرط الثالث:
أن يكون مؤمناً موقناً بثواب الله تعالى وعظيم جزائه.
стр. 48
فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة لهم ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ متقبلاً مثاباً عليه بحسن الثناء، وجميل الجزاء، على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (١) إلى أضعاف كثيرة: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وإذا اختل واحد منها فليس العمل بمتقبل ولا بمثاب عليه، بضرورة انعدام المشروط بانعدام شرطه.
وفي هذه الشروط مباحث:
المبحث الأول:
أن قصد الثواب والجزاء على العمل لا ينافي الاخلاص فيه لله؛ لأن الإخلاص هو أن تجعل عبادتك لله وحده، ورجاؤك الثواب وطمعك فيه، وحذرك العقاب وخوفك منه، هما مقامان عظيمان لك في جملة عبادتك، يجب عليك أن تكون فيهما أيضاً مخلصاً، لا ترجو إلاّ ثوابه، ولا تخاف إلاّ عقابه.
وإذا أخلصت في رجائك وخوفك هانت عليك نفسك فقمت في طاعته مجاهداً لا يردك معارض، ولا تأخذك في الله لومة لائم. وصغرت في نظرك العوالم كلها فنطقت بقولك: "الله أكبر" نطق عالم واجد مشاهد.
والمقصود: أن رجاء الثواب وخوف العقاب روحهما الإخلاص فكيف ينافيانه؟.
فالعامل الراجي للثواب الخائف من العقاب المخلص في الجميع، آت بأربع عبادات: عمله، ورجائه، وخوفه، وإخلاصه، وهو روح الجميع.
وقد جاء في القرآن ثناء شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل، عليه وعليهم الصلاة السلام هكذا: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
وذكر تعالى دعاء عباد الرحمن الصالحين هكذا:
﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
وفي دعاء القنوت: «نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد» إلى غير هذا من أدلة كثيرة تؤيد ما ذكرناه.
стр. 49
المبحث الثاني:
أفاد هذا الشرط أن من لم يرد الآخرة لم يكن سعيه مشكوراً.
وفي هذا تفصيل:
أ- لأن العامل إما أن يكون في عبادته لم يرد بها الآخرة أصلاً، بل أراد بها شيئاً دنيوياً من محمدة الخلق، أو استفادة شيء، أو تحصيل منفعة العمل.
أو أراد الآخرة، وشيئاً مما ذكر شركة متساوية أو متفاوتة.
ب- وإما أن يكون في عمل عادة، لم يرد بها الآخرة أصلاً؟ بل أراد الغرض الدنيوي.
أو أرادهما معا، والدنيوي وسيلة للأخروي.
فهنالك إذن اقسام:
القسم الأول:
العامل في أمر تعبدي كالصلاة، والصدقة، والحج، والعلم، فهذا إذا لم يرد الآخرة أصلاً فهو موزور غير مشكور، وفيه جاء حديث أبي هريرة في الصحيح قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول:
«إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى القي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فماذا عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارىء، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلاّ أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل: ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» (١).
وهذا الذي كان من هؤلاء هو الرياء وهو: أن يفعل العبادة ليقال إنه مطيع. وما دخل الرياء في عبادة إلاّ أحبطها، ولو كان قليلا؛ لحديث أبي هريرة في الصحيح: قال رسول الله ﵌:
«قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشِّرْك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري
стр. 50
تركته وشركه» (١). وإشراك غيره معه صادق بالقليل والكثير، فلا فرق بينهما في الإحباط. والعامل المرائي موزور غير مشكور.
القسم الثاني:
العامل في العبادة الذي يقصد بها ثواب الآخرة وشيئاً آخر من أعراض الدنيا: كالرجل يبتغي الجهاد، وهو يريد من عرض الدنيا. وقد سئل النبي ﵌ عن هذا، فقال: «لا أجر له». رواه أبو داوود (٢) وابن حبان.
وعلى وزانه نقول: من قصد الهجرة والزوج بامرأة معاً.
أو قصد الوضوء والتبرد، أو قصد الصوم والحمية- وإن صحت عبادته، لأن الصحة تتوقف على نية القصد، والثواب يتوقف على نية الإخلاص- لا أجر له.
هذا إذا سُوِّي ما بينهما في القصد كما هو ظاهر لفظ الحديث. وأما إذا كان الغالب هو قصد العبادة فالظاهر أنه له من الأجر بقدر ما غلب من قصده.
القسم الثالث:
العامل في العبادة الذي يكون قصده إلى ثواب الآخرة، وما عداه من منافع تلك العبادة ملحوظ له على سبيل التبع لها من حيث إنه مصلحة شرعية معتبرة في التشريع.
والأحكام الشرعية المعللة بفوائدها في الآيات والأحاديث لا تحصى كثرة ومنها في الحج [الآية: ٢٨].: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ ومن منافع الحج الحركة الاقتصادية لخير تلك البقاع ومصلحة أهلها، وغزارة عمرانها؟ ولذا قال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]. والفضل هنا هو الاتجار في مواسم الحج.
فكل منفعة تجلبها عبادة، أو مضرة تدفعها، فملاحظتها عند قصد العبادة لا تنافي الإخلاص، ولا تنقص من أجر العامل، وهي مثل الثواب المرتب على العمل: هي في الدنيا وهو في الآخرة، كلاهما من رحمة الله التي نرجوها بأعمالنا. ويشملها لفظ دعاء القنوت: «نرجو رحمتك» إذ هو ﵎ رحمان الدنيا والآخرة ورحيمها.
стр. 51
القسم الرابع:
العامل لعمل عادي دنيوي، من أكل وشرب ونوم وجماع ونحوها، فهذا إذا قصد بعمله النفع الدنيوي، ولا قصد له في الثواب، فهو غير مأجور ولا مأزور، وهذه هي حالة أهل الغفلة والجهل.
القسم الخامس:
عامل الأعمال العادية الذي يتناولها بنية كونها مباحاً تناوُلُها شرعاً. ويقصد بها التوسل إلى ما يتوقف عليها من أعمال واجبة ومندوبة، وإلى الانكفاف بها عن المحرمات والمكروهات.
كمباضعة (١) زوجته للقيام بواجب حقها، وكف نفسه وكفها.
وكالنوم ليقوى على العبادة.
والرياضة ليصح للطاعة. فهذا مثاب وسعيه مشكور، وله ما نوى.
وبهذه السبيل يستطيع العبد الموفق أن تكون حركاته وسكناته كلها لله وفي طاعته، دائم الذكر له يعبده كأنه يراه (٢)، لأن من كان يعبد كأنه يرى مولاه لا يمكن أن يغفل عنه قلبه ويشغل بسواه، حتى إذا اشتغل بشيء كان بإذنه ورضاه فلم يخرج في أي عن حضرة قدس الله.
ومن أدلة هذا قوله ﵌ في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم:
«وفي بضع (٣) أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا» (٤).
...
المبحث الثالث:
من الناس من يخترع أعمالاً وأوضاعاً من عند نفسه، ويتقرب بها إلى الله، مثل ما اخترع المشركون عبادة الأوثان بدعائها، والذبح عليها، والخضوع لديها، وانتظار قضاء الحوائج منها ... وهم يعلمون أنها مخلوقة لله، مملوكة له، وإنما يعبدونها- كما قالوا- لتقربهم إلى الله زلفى (٥).
стр. 52
وكما اخترع طوائف من الهنود أنواع التعذيب بقتل أنفسهم وإحراقها طاعة- زعموا- وتقربًا.
وكما اخترع طوائف من المسلمين الرقص، والزمر، والطواف حول القبور، والنذر لها، والذبح عندها، ونداء أصحابها، وتقبيل أحجارها ونصب التوابيت عليها، وحرق البخور عندها، وصب العطور عليها ...
فكل هذه الاختراعات فاسدة في نفسها، لأنها ليست من سعي الآخرة الذي كان يسعاه محمد- ﵌ وأصحابه من بعده، فساعيها موزور غير مشكور.
المبحث الرابع:
شكر الرب لعبده هو جزاء شكر عبده له، وإنما يكون العبد شاكراً لربه إذا كان عاملاً بطاعته مؤمناً به؛ فإذا انعدم الايمان لم يُتصوَّرْ شكران وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿وهو مؤمن﴾.
وأفادت الجملة الإسمية ثبوت الإيمان ورسوخه حال العمل.
وعلى قدر ثبوت الايمان ورسوخه يكون الثبات والدوام على الأعمال:
فالمؤمن بالله يعمل موقناً برضاه، موقناً بلقائه وعظيم جزائه، فهو يعمل ولا يفشل، وسواء عليه أوصل إلى الغاية التي يسعى إليها، أم لم يصل إليها: بأن حال بينه وبينها موانع الدنيا أو مانع الموت، كانت مما تجنى ثماره في جيله أو لا تجنى ثماره إلاّ بعد أجيال.
فأفادت الجملة المذكورة شرط القبول للعمل، وسر الدوام عليه والمضي بغبطة وسرور فيه.
الجانب العملي في الآية:
إن المسلمين كلهم- والحمد لله- أهل إيمان، فليستشعروه عند جميع الأعمال، ولا يخلون من عمل لمعاشهم أو لمعادهم، فليقصدوا بذلك كله وجه الله وامتثال أمره وحسن جزائه. وليقتصروا في عبادتهم على ما ثبت عن رسول الله ﵌، ليكونوا على يقين من موافقة رضى الله، وسلوك طريق النجاة.
فإذا فعلوا هذا وصمدوا (١) إليه وجاهدوا أنفسهم في حملها عليه- كانوا شاكرين مشكورين على تفاوتهم في منازل العاملين عند رب العالمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 53
عموم النوال من الكبير المتعال
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ١٩ و٢٠].
تمهيد:
إن هذه الموجودات كلها علويها وسفليها، مشمولة برحمة الله مغمورة بنعمته. وأول تلك النعم هو وجودها، وذلك الوجود من مقتضى الرحمة.
ثم تتنوع تلك النعم الرحمانية بتنوع أجناس الموجودات وأنواعها وأصنافها وأفرادها، وتتفاوت أيضا حسب ذلك. وينال كل حظه منها بتقدير الحكيم العليم.
ومن مظاهر هذه الرحمة العامة أن كل موجود قد أعطي من التكوين ما يناسب وجوده، وما يتوقف عليه بقاؤه، أو ارتقاؤه، سواء أكان من عالم الجماد، أو عالم النبات، أو عالم الحيوان.
وقد مضى قبل هذه الآية ذكر مريدي العاجلة الذين لا يعملون إلاّ لها، وما أعد لهم من عذاب النار. وذكر مريدي الآخرة بأعمالهم في الدنيا، وما أعد لهم من حسن الجزاء. فحالتهم في الآخرة متباينة: هؤلاء في النعيم المقيم، وأولئك في العذاب الأليم، هذا في الآخرة.
وأما في الدنيا فإنهم قد أعطوا من نعم الحياة، ومُكنوا من أسبابها.
فقد تساووا في الخلقة البشرية، وفي العقل المميز المفكر، وفي الإرادة الحرة.
وقد أظلتهم السماء، وأصابتهم نعمة الشمس والقمر والكواكب وما ينزل من السماء.
وقد أقلتهم الأرض وشملتهم نعمة الهواء، والماء، والغذاء، والدواء، من النبات والحيوان والجماد، وكل ماء يخرج من الأرض.
وشاهدوا كلهم آيات الله الكونية الدالة عليه.
وجاءتهم كلهم رسل الله بآياته السمعية داعية إليه، فاختار كل بعقله- وهو حر في إرادته حرية لا يمكن لأحد أن يكابر فيها ما اختار لنفسه.
وحجة الله بما تقدم قائمة عليه. وبقوا بعد ذلك الاختيار- الذي اختلفت به منازلهم عند الله- فيما أعد لهم يوم لقاه، سواء في تلك النعم الدنيوية، والتمكن من أسباب بقائها والتقدم فيها، لا فرق في ذلك بين بر وفاجر، ومؤمن وكافر.
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾.
وليس تعالى مانعاً كافراً لكفره، أو عاصياً لعصيانه من هذه الحياة وأسبابها، وليس أحد على منع ما لم يمنعه الله بقادر.
стр. 54
وهذا معنى قوله تعالى: "وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا".
(والحظر) المنع، والمحظور الممنوع (١).
وتركيب الآية يفيد أن عطاء الرب لا يمنع، ولا يجوز أن يمنع، لأن من مقتضى ربوبيته دوام عطائه ومدده لعموم خلقه بعلمه وحكمته.
وقدم المفعول، وهو (كلا) رداً على من يعتقد أن الله تعالى يمد بعضاً دون بعض. وفيه إيجاز بالحذف، والأصل كلا الفريقين: يعني فريق مريدي العاجلة، ومريدي الآخرة.
و (نمد) من الإمداد وهو المواصلة بالشيء، وذلك الشيء يسمى مدداً. وأصل المدد البسط للشيء، فيستطيل ويتسع ومنه مدّ يده ومدّ شبكته، ومنه مدّ الله لك أسباب السعادة أي بسطها ووسعها. والإمداد بالشيء والمواصلة به يكون به دوام فائدته وامتداد النفع به. والخلق كلهم في حاجة دائمة، وفاقة مستمرة إلى مدد الله وعطائه، وأنكل بره وإحسانه.
وهو ﵎ لا يزال يواصلهم في كل لحظة من وجودهم بما يحتاجون إليه من فيض عطائه.
وأضاف العطاء للرب لأنه من مقتضى ربوبيته بتكوينه للخلق، وتطويرهم، وإعطائهم ما يحفظهم في تلك الأطوار.
وأضاف الرب إلى ضمير المخاطب، وهو النبي ﵌ لتشريفه بهذه الإضافة. ولما تشرف بهذه الإضافة الربانية- والرب ﷻ قد مضى في وصفه في الآية أنه عام الرحمة والنعمة والنوال؛ فمن شكر نعمة هذا الشرف أن يتخلق العبد- وهو محمد ﵌ بما هومن مقتضى وصف ربه.
هذا من فوائد هذه الإضافة في هذا المقام.
وقد كان- ﵌ رحمة للعالمين، شديد الشفقة على الخلق أجمعين حريصاً على هدايتهم إلى الصراط المستقيم، حتى خاطبه ربه بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]. أي قاتل نفسك غماً لعدم إيمانهم
وكان أساس شرعه على العدل والإحسان: العدل مع كل أحد، والإحسان إلى كل شيء، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨]. أي لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل فيهم- وقال صلى الله عليهم وآله وسلم: «ان الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» (٢).
ولما كان هو ﵊ قدوتنا، فنحن مخاطبون بأن نكون مثله في عموم رحمته
стр. 55
وشفقته وعدله وبره وإحسانه: نفعل الخير عاماً كما تعم خيرات الله تعالى العباد، نفعله لأنه خير نستطعم لذته، غير منتظرين جزاءه إلاّ من الله؛ لأن من انتظر الجزاء من الناس في هذه الحياة لا بد أن يميل بخيره عن جهة إلى جهة، وربما يكون في ميله قد أخطأ وجه الصواب، ولا بد أيضاً أن ييأس فيفتر (١) في العمل، أو ينقطع عنه عندما يرى عدم المكافأة من الناس وعدم ظهور أثر خيره في الحياة، وأبناء الحياة.
وقد أفادت الآية- حسبما تقدم- أن أسباب الحياة والعمران والتقدم فيهما مبذولة للخلق على السواء، وأن من تمسك بسبب بلغ- بإذن الله- إلى مسببه، سواء أكان براً أو فاجراً، مؤمناً أو كافراً.
وهذا الذي أفادته الآية الكريمة مشاهد في تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً:
فقد تقدموا حتى سادوا العالم، ورفعوا علم المدنية الحقة بالعلوم والصنائع لما أخذوا بأسبابها كما يأمرهم دينهم.
وقد تأخروا حتى كادوا يكونون دون الأمم كلها بإهمال تلك الأسباب فخسروا دنياهم، وخالفوا مرضاة ربهم، وعوقبوا بما هم عليهم اليوم من الذل والانحطاط.
ولن يعود إليهم ما كان لهم إلاّ إذا عادوا إلى امتثال أمر ربهم في الأخذ بتلك الأسباب.
فهذه الآية من أنجع الدواء لفتنة المسلم المتأخر بغيره المتقدم، لما فيها من بيان أن ذلك المسلم ما تأخر بسبب إسلامه، وأن غيره تقدم بعدم إسلامه؛ لأن السبب في التقدم والتأخر هو التمسك أو الترك للأسباب.
ولو أن المسلم تمسك بها كما يأمره الإسلام، لكان- مثل سالف أيامه- سيد الأنام.
النظر في تفاضل البشر:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.
إن من أعظم العبرة ما نشاهده في أحوال الخلق، أمماً وجماعات وأفراداً من الاختلاف الشديد: فقد اختلفت بواطنهم النفسية، كما اختلفت ظواهرهم الجسدية. وإنك كما تجد أبناء الأمة الواحدة يتشابهون في تركيب أجسامهم، ثم لا بد من فروق تتمايز بها أشخاصهم، كذلك تجدهم يتشابهون في شؤونهم النفسية، مع فروق لازمة تتمايز بها شخصياتهم. ويتبع هذا الاختلاف اختلافهم في إدراكهم، وتمييزهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، في ضلالهم وهداهم، وفي درجات الهدى ودركات (٢) الضلال.
стр. 56
كل هذا دال على بديع صنع الخالق القدير، وعجيب وضع العليم الحكيم، فمكنهم تعالى كلهم من الأسباب، وإدراك العقل، وحرية الإرادة. ثم فضل بينهم هذا التفضيل ... فكان منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والشقي والسعيد، إلى تقسيم كثير.
وفقه أسباب هذا التفضيل، هو فقه الحياة والعمران والاجتماع. فلذا أمر تعالى بالنظر في أحوال هذا التفضيل بقوله: ﴿أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض﴾.
و"كيف" سؤال عن الأحوال، والنظر المأمور به هو نظر القلب بالفكرة والاعتبار.
والجملة في محل نصب على العامل عن لفظها بكلمة الاستفهام.
وكما فضل بعض خلقه على بعض في دار الابتلاء، كذلك فضل بعضهم على بعض في دار الجزاء. لكن التفضيل هنالك أكبر، والتفاوت بين العباد أظهر، في مواقف القيامة، وفي داري الإقامة (١)، ويا بعد ما بين من في الجنة ومن في النار!
وأهل النار متفاوتون في دركاتها، وأهل الجنة متفاوتون في درجاتها.
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌، قال:
» إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض «(٢).
وروى البخاري ومسلم (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﵌ قال:
» إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري (٤) الغابر في الأفق من المشرق والمغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين «.
وقال تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥]. وهذا التفضيل الأخروي هو المراد بقوله تعالى: ﴿وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾.
стр. 57
وفي هذا ترغيب للخلق في تحصيل الفضل في درجات الآخرة؛ فإنهم إنما يتهالكون في الدنيا على أن يفضل بعضهم بعضاً في شيء منها، وهي الدار الفانية. فلم لا يتسابقون فيما ينالون به الفضل في الدار الباقية؟! مع أن من عمل لنيل الفضل في الآخرة- وما عملها إلاّ الخير والمعروف- حاز الفضل والسعادة فيهما على أفضل وجه، وأكمل حال.
فللآخرة ونيل درجاتها فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
أصول الهداية في ثمان عشرة آية
من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩].
تمهيد:
قد أوتي رسول الله ﵌ جوامع الكلم واختُصر له الكلام اختصاراً؛ فالآية من كتاب الله، والأثر من حديث رسول الله، تجد فيه من أصول الهداية، ودقيق العلم، ولطيف الاشارة في لفظ بيِّن وكلام بيِّن- ما فيه الكفاية وفوق الكفاية لمن أوتي العلم ومُنح التوفيق.
فهذه ثمان عشرة آية من سورة الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الإسلامية كلها. وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوهها.
وهي- فوق بلاغتها التي عرف العرب إعجازها بسليقتهم وأدركه علماء البيان بعلمهم ومرانهم- قد جاءت معجزة للخلق من أي جنس كانوا، أو بأي لغة نطقوا، بما جمعت من أصول الهداية التي تدركها الفِطَر وتسلمها العقول.
وإنك لست واجداً مثلها في مقدارها وأضعاف مقدارها من كلام الخلق بجمع ما جمعت من هدى وبيان.
وهذا أحد وجوه إعجاز القرآن العامة التي تقوم بها حجته على الناس أجمعين.
موقع هذه الآيات موقع البيان والتفصيل للسعي المشكور المتقدم في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ووقوعها بلصق قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. إشارة إلى أن التفاضل في تلك الدرجات مرتبط بالتفاضل في السلوك والسعي المشكور، المستفاد من هذه الآيات.
стр. 58
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾.
هذا هو أساس الدين كله، وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تقبل الأعمال إلاّ به. وما أرسل الله رسولا إلاّ داعياً إليه، ومذكراً بحججه.
وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي كلمة "لا إله إلاّ الله". وهي كلمته الصريحة فيه.
ولا تكاد سورة من سور القرآن تخلو من ذكره والأمر به والنهي عن ضده.
وأنت ترى أن هذه الآيات الجامعة قد جعلت بين آيتين صريحتين فيه.
﴿لا تجعل﴾ الجعل يكون عملياً كجعلت الماء مع اللبن في إناء واحد، ويكون اعتقادياً كجعلت مع صديقي صديقاً آخر. والجعل في الآية من هذا الثاني.
﴿مع الله﴾ المعية هنا أيضاً هي معية اعتقادية.
﴿إلها آخر﴾ الإله هو المعبود والعبادة نهاية الذل والخضوع مع الشعور بالضعف والافتقار وإظهار الإنقياد والامتثال ودوام التضرع والسؤال.
﴿فتقعد﴾ القعود ضد القيام، والعرب تكني بالقيام عن الجد في الأمر والعمل فيه سواء أكان العامل قائماً أو جالسا، فتقول: قام بحاجتي إذا جد وعمل فيها، ولو كان لم يمش فيها خطوة وإنما قضاها بكلمة قالها، أو خطاب أرسله. وتكني كذلك بالقعود عن الترك للعمل وانحلال العزيمة وبطلان الهمة سواء أكان الشخص واقفاً أو جالساً، فتقول: قعد زيد عن نصرة قومه إذا لم يعمل في ذلك عملاً، ولم تكن له فيه همة ولا عزيمة، ولو كان قائاً يمشي على رجليه. فالقعود في الآية بمعنى المكث كناية عن بطلان العمل وخيبة السعي وخور القلب وفراغ اليد من كل خير.
﴿مذمومًا﴾ مذكورا بالقبيح موصوفاً به.
﴿مخذولا﴾ متروكا بلا نصير مع حاجتك إليه.
فنهى الله الخلق كلهم عن أن يعتقدوا معه شريكاً في ألوهيّة، فيعبدوه معه ليعتقدوا أنه الإله وحده فيعبدوه وحده.
وبين لهم أنهم إن اعتقدوا معه شريكاً وعبدوه معه فإن عبادتهم تكون باطلة، وعملهم يكون مردوداً عليهم، وأنهم يكونون مذمومين من خالقهم، ومن كل عقل سليم من الخلق، يكونون مخذولين لا ناصر لهم: فأما الله فإنه يتركهم وما عبدوا معه، وأما معبوداتهم فإنها لا تنفعهم لأنها عاجزة مملوكة مثلهم فما لهم- قطعاً- من نصير.
والخطاب وإن كان موجهاً للنبي ﵌ فإنه عام للمكلفين.
وسر مثل هذا الخطاب تنبيه الخلق إلى أن شرائع الله وتكاليفه عامة للرسول والمرسل إليهم،
стр. 59
وإن كان هو (١) قد عصم من [[المخالفة]] فلا يبقى بعد ذلك وجه لدعوى مدع: خروج فرد من أفراد الأمة المكلفين عن دائرة التكليف
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.
القضاء يكون بمعنى الإرادة، وهذا هو القضاء الكوني التقديري الذي لا يتخلف متعلقه فما قضاه الله لا بد من كونه. ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون، ويخالفه المخذولون، والذي في الآية من هذا الثاني.
﴿ربك﴾ الرب هو الخالق المدبر المنعم المتفضل.
﴿أن﴾ في ﴿ألاّ﴾ مصدرية، والتقدير: بألا تعبدوا إلاّ إياه أي بعدم عبادتكم سواه، بأن تكون عبادتكم مقصورة عليه.
فالعبادة بجميع أنواعها لا تكون إلاّ له فذل القلب وخضوعه، والشعور بالضعف والافتقار والطاعة والانقياد والتضرع والسؤال، هذه كلها لا تكون إلاّ لله.
فمن خضع قلبه لمخلوق على أنه يملك ضره أو نفعه فقد عبده.
ومن ألقى قياده بيد مخلوق يتبعه فيما يأمره وينهاه غير ملتفت إلى أنه من عنده أو من عند الله فقد عبده.
ومن توجه لمخلوق فدعاه ليكشف عنه السوء أو يدفع عنه الضر فقد عبده.
ومن شعر بضعفه وافتقاره أمام مخلوق على أنه يملك إعطاءه أو منعه فقد عبده.
فالله تعالى يعلم الخلق كلهم في هذه الآية بأنه أمر أمراً عاما وحكم حكما جازماً، بأن العبادة لا تكون إلاّ له.
وجيء باسم الرب في مقام الأمر بقصر العبادة عليه تنبيها على أن الذي يستحق العبادة هو من له الربوبية بالخلق والتدبير والملك والإنعام، وليس ذلك إلاّ له. فلا يستحق العبادة بأنواعها سواه، فهو تنبيه بوحدانية الربوبية التي من مقتضاها انفراده بالخلق والأمر الكوني والشرعي على وحدانية الألوهية التي من مقتضاها استحقاقه وحده عبادة جميع مخلوقاته.
وكما انتظمت هذه الجملة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، كذلك انتظمت مع الآية السابقة التوحيد العلمي والتوحيد العملي:
فالأولى: نهي عن أن تعتقد الألوهية لسواه، وهو يتضمن النهي عن اعتقاد ربوبية سواه وهذا من باب العلم.
والثانية: أمر بأن تكون عبادتك مقصورة عليه لأنه هو ربك وحده، وهذا من باب العمل:
стр. 60
فمن وحد الله ﷻ في ربوبيته وألوهيته علماً وعملاً ... فقد استكمل حظه من مقام هذا الأساس العظيم.
ومن أخلَّ بشيء من ذلك كان ذلك نقصاً في دينه بقدر ما أخل حتى ينتهي الأمر إلى خلص المشركين.
نعوذ بالله من الشرك جليه وخفيه، إنه سميع عليم.
بيان واستدلال:
يكون "الذل" بمعنى ضعف الحال، وهذا قد يكون لأهل التوحيد والإيمان كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
ويكون بمعنى اللين المشوب بالعطف وهذا من صفات المؤمنين الممدوحة إذا وقعت في محلها كما في قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٩].
ويكون الذل بمعنى خنوع القلب وخضوعه وانكساره للضعف والافتقار، وهذا هو الذي يكون من المؤمن الموحد لربه كما في حديث دعاء القنوت: «ونخنع لك»، أي نذل ونخضع لك.
وهذا الخنوع هو أساس العبادة القلبية فلذلك لا يكون إلاّ لله.
وإن من أسرار كلمة "الله أكبر" التي يأتي بها المؤمن مرات كثيرة في صلواته وغيرها من أحواله، حفظ القلب من الخنوع للخلق باستشعار عظمة الخالق التي يصغُر عندها كل مخلوق، فلا يزال المؤمن لهذا قوي القلب، عزيز النفس بالله، لا ينتظر قوة بدلاً من ضعفه إلاّ به، ولا سد مفاقره (١) إلاّ منه.
ولقلب المؤمن الموحد أمام من يحب في الله ويعظم بتعظيم الله خضوع أيضاً، ولكنه خضوع هيبة وتوقير وإجلال لا خضوع ذل وخنوع وضعف وافتقار، إذ هذا- كما قدمنا- لا يكون إلاّ للغني القوي العزيز القهار.
من مظاهر هذا الخنوع الذي لا يكون إلاّ لله الطاعة والانقياد، وهي أيضاً لا تكون إلاّ له.
وقد قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. أي أطاعه واتبعه. كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦].
فمن اتبع مخلوقاً وأطاعه فيما يأمره وينهاه، دون أن يكون في طاعته مراعياً طاعة الله فقد عبده، واتخذه ربًا فيما أطاعه فيه.
وفي حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره، لما جاء للنبي ﵌ وسمعه يتلو قوله تعالى:
стр. 61
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]. فقال عدي: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: «أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئاً حرموه، وإذا أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟» قال، قلت: نعم. قال رسول الله- ﵌: «فتلك عبادتهم إياهم!» (١).
فالمؤمن الموحد لا تكون طاعته إلاّ لله أو لمن طاعته طاعة لله.
ومن مظاهر ذلك الخنوع: الدعاء والسؤال والتضرع والجؤار (٢) إليه. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ١٦٢]. وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]. وفي القرآن آيات كثيرة بهذا المعنى.
وقال ﵌ من حديث ابن عباس ﵄ عند الترمذي: «إذا سألت فاسأل الله» (٣). وفي أحاديث كثيرة.
فلا يدعو المؤمن الموحد غير الله ولا أحداً مع الله، إذ الدعاء عبادة كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ يرفعه: «الدعاء هو العبادة» رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة (٤).
وكما في حديث أنس ﵁ يرفعه: «الدعاء مخ العبادة». رواه الترمذي (٥). وكل عبادة لا تكون إلاّ لله فالدعاء لا يكون إلاّ لله.
وإنما كان للدعاء من العبادة هذي المنزلة لأن حقيقة العبادة هي التذلل والخضوع، وهو حاصل في الدعاء غاية الحصول، وظاهر فيه أشد الظهور.
ألهمنا الله رشدنا، وأعاذنا من شرور أنفسنا، إنه سميع قريب مجيب.
стр. 62
بِرُّ الوالدين
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء:٢٣ و٢٤].
تمهيد
الله هو الخالق، والوالدان- بوضع الله- هما السبب المباشر في التخليق.
والله هو المبتدىءُ بالنعم عن غير عمل سابق، وهما يبتدئان بالإحسان عن غير إحسان تقدم.
والله يرحم ويلطف وهو الغني عن مخلوقاته، وهم الفقراء إليه، وهما يكنفان بالرحمة واللطف الولد، وهما في غنى عنه، وهو في افتقار إليهما.
والله يوالي إحسانه ولا يطلب الجزاء، وهما يبالغان في الإحسان دون تحصيل الجزاء.
فلهذه الحالة التي خصهما الله بها وأعانهما بالفطرة عليها، قرن ذكرهما بذكره؟ فلما أمر بعبادته أمر بالإحسان إليهما في هذه الآية، وفي قوله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
ولما أمر بشكره أمر بشكرهما فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
وفي هذا الجمع في القضاء والحكم بالإحسان والأمر بالشكر لهما مع الله تعالى أبلغ التأكيد وأعظم الترغيب.
ثم زاد هذا الحكم وهذا الأمر تقريراً بلفظ التوصية بها في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، ليحفظ حكم الله وأمره فيهما، ولا يضيع شيء من حقوقهما، فكان حقهما بهذه الوصاية، أمانة خاصة، ووديعة من الله عظيمة عند ولدهما، وكفى بهذا داعياً إلى العناية بهذه الأمانة وحفظها وصيانتها.
وكما جاء هذا الجمع في باب الأمر في القرآن كذلك جاء في الجمع بينهما في باب النهي وكبر المعصية، في السنة: ففي الصحيح عن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: «ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين» (١).
стр. 63
وتقدير نظم الآية هكذا:
«وقضى ربك أن لا تعبدوا إلاّ إياه، وبأن تحسنوا للوالدين إحسانا». فحذف أن تحسنوا لوجود ما يدل عليه وهو إحسانا. وفي تنكيره إفادة للتعظيم، فهو إحسان عظيم في القول والفعل والحال. وتقول أحسنت إليه، وأحسنت به، وأحسنت به أبلغ، لتضمن أحسنت معنى لطفت، ولما في الباء من معنى اللصوق، ولهذا عدي في الآية بالباء ليفيد الأمر باللطف في الإحسان والمبالغة في تمام اتصاله بهما، فلا يريان ولا يسمعان ولا يجدان من ولدهما إلاّ إحساناً، ولا يشعران في قلوبهما منه إلاّ الإحسان.
ومن الإحسان ما يكون ابتداء وفضلاً، ومنه ما يكون جزاء وشكراً فعليه أن يعلم أن كل إحسانه هو شكر لهما على سابق إحسانهما، الذي لا يمكنه أن يكافئه بمثله لثبوت فضيلة سبقه.
وفي تعليق الحكم- وهو الأمر بالإحسان، بلفظ الوالدين المشتق من الولادة، إيذان بعليتها في الحكم، فيستحقان الإحسان بالوالدية سواء أكانا مؤمنين أم كافرين، بارين أو فاجرين، محسنين إليه أو مسيئين.
وقد جاء هذا صريحاً في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. فأمر بمصاحبتهما بالمعروف على كفرهما.
وفي الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق- ﵄ قالت: «قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﵌، فاستفيتُ رسول الله ﵌، قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة (أي في العطاء والإحسان) أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك» (١).
وهذا الإحسان الواجب لهما، جانب الأم آكد فيه من جانب الأب، وحظها فيه أوفر من حظه. ويشير إلى هذا تخصيصها بذكر أتعابها في قوله تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. وفي الآية الآخرى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. فذكر ما تعانيه من ألم الحمل، ومشقة الوضع، ومقاساة الرضاع والتربية.
стр. 64
وجاء التصريح بهذا في الحديث الصحيح:
فقد جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فقال: «من أحق الناس بحسن صحابتي (١)؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك». فذكر الأب في الثالث (٢). وفي طريق آخر للحديث، ذكره في الرابعة (٣).
ولقد كان لها هذا بما ذكر من مزيد تعبها، وضعف جانبها، ورقة عاطفتها، وشدة حاجتها.
فكان هذا الترجيح لجانبها من عدل الحكيم العليم ومحاسن الشرع الكريم.
ومن الإحسان إليهما طاعتهما في الأمر والنهي، ومن عقوقهما مخالفتهما فيهما.
وإنما تحل له مخالفتهما إذا منعاه من واجب عيني، أو أمراه بمعصية، لما في الصحيح من قوله ﵌: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» (٤)، وعند الحاكم وأحمد: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق!» (٥).
ومن الدليل على رجحان جانبهما على الواجب الكفائي:
ما ثبت في الصحيح من حديث الرجل الذي أتى النبي- ﵌ يستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد» (٦).
ومن الطريق الثاني، قال عبد الله بن عمر (٧) ﵁: «أقبل رجل إلى النبي ﵌ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد ابتغاء الأجر من الله. قال: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما. قال: فتبغي الأجر من الله؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما».
стр. 65
هذا لأن القيام عليهما فرض عيني، والجهاد كان عليه فرض كفاية. ولو تعين عليه ولم يكونا عن كفاية قدم القيام عليهما وكفايتهما عليه.
ومن حقوقهما عليه: أن لا يخرج إلى ما فيه خوف ومخاطرة بالنفس إلاّ بإذنهما، بدليل ما جاء في سنن أبي دأوود:
«أن رجلاً من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله- ﵌ فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع إليهما فاستاذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلاّ فبرهما» (١). أما إذا أراد تعاطي ما لا خطر فيه ولا فجيعة من شؤون الحياة ووجوه التصرفات، فليس عليه أن يستأذنهما، وليس لهما منعه، ولكن إذا منعاه من شيء امتنع لوجوب برهما، وطاعتهما- في غير المعصية- من برهما.
...
تفصيل الإحسان إليهما في القول والعمل وتأكيده في حالة الكبر:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
الأمر بالإحسان إليهما عام في جميع الأحوال. وخصصت حالة بلوغ أحدهما أو كليهما الكبر بالذكر، لأنها حالة الضعف وشدة الحاجة، ومظنة الملل والضجر منهما، وضيق الصدر من تصرفاتهما. فهما في هذه الحالة قد عادا في نهايتهما إلى ما كان ولدهما عليه في بدايته. وليس عنده من فطرة المحبة مثل ما عندهما. فكان بأشد الحاجة إلى التذكير بما عليه من تمام العناية بهما، ومزيد الرعاية لهما، وشدة التوقي والتحفظ من كل ما يمس بسوء جانبهما في هاته الحال على الخصوص. وإن كان ذلك واجبا عليه في كل حال على العموم.
وطول بقائهما عنده في كنفه وثقل مؤونتهما عليه، وما يكون من ضرورات الكبر والمرض مما يستقذره في بيته، كل هذا قد يؤديه إلى الضجر والتبرم، فيقول ما يدل على ضجره وتبرمه.
فنهي عن التفوه بأقل كلمة تدل على ذلك وهي كلمة أف بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فأحرى وأولى ما فوقها.
وهذا أمر بتحمل كل ذلك منهما، ونهي عن التضجر منهما.
ومن ضرورة مباينتهما لولدهما في السن وفي النشأة أنهما كثيرا ما يخالفانه في آرائه وأفكاره، وقد يتناولان ما لا يحب أن تصل يدهما إليه، وقد يسألانه للمعرفة أو للحاجة، وكل هذا قد يؤديه إلى نهرهما، أي زجرهما بصياح وإغلاظ، أو إظهار للغضب في الصوت واللفظ، فنهي عن هذا
стр. 66
بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. وفي هذا أمر له بالتلطف معهما في الطلب والعرض، والدلالة على وجه الصواب في الأمر وأبواب الفعل والترك، وبحسن التلقي لكل ما يسألان ويطلبان. ونهى عن أي إغلاط في اللفظ والصوت وحالة الكلام.
ولما نهاه عن القول القبيح المؤذي ... أمره بالقول اللين السهل الحسن في لفظه وفي معناه، وفي قصده وفي منشئه، السالم من كل عيب ومكروه بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. وفي هذا أمر بأن يخاطبهما بجميل القول، ويؤنسهما بطيب الحديث. ونهي عن أن يؤذيها في قول، أو يوحشهما بطول السكوت. فليس له أن يتركهما وشأنهما، بل عليه مجالستهما ومحادثتهما، وجلب الأنس إِليهما، وإدخال السرور عليهما.
ثم إن القول إنما هو عنوان ما في الضمير، ولا يكون كريما شريفاً إلاّ إذا كان عنواناً صادقاً، حسن مظهره ومخبره، وعذب جناه، وطاب مغرسه. وما ثماره إلاّ معانيه وما مغرسه إلاّ القلب الذي صدر عنه.
فيفيد هذا أن على الولد أن يكون معهما باللطف والعطف من صميم قلبه، كما يعرب لها بلسانه، فيكون محسناً لهما حينئذ في ظاهره وباطنه، وذلك هو تمام البر الذي أمر به.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾:
مضى فيما تقدم أدب القول، وهذا أدب الفعل، وبيان الحال التي يكون عليها: فالوالدان عند ولدهما في كنفه كالفراخ الضعيفة المحتاجة للقوت والدفء والراحة، وولدهما يقوم لهما بالسعي، كما يسعى الطائر لفراخه، ويحيطهما بحنوه وعطفه كما يحيط الطائر فراخه، فشبه الولد في سعيه وحنوه وعطفه على والديه بالطائر في ذلك كله على فراخه، وحذف المشبه به، وأشير إليه بلازمه وهو خفض الجناح، لأن الطائر هو ذو الجناح، وإنما يخفض جناحه حنواً وعطفاً وحياطة لفراخه .. فيكون في الكلام استعارة بالكناية، وأضيف الجناح إلى الذل- وهو الهون واللين- إضافة موصوف إلى صفة: أي اخفض لهما جناحك الذليل، وهذا ليفيد هونه وانكساره عند حياطتها .. حتى يشعر بأنهما مخدومان باستحقاق، لا متفضل عليهما بالإحسان.
وفي ذكر هذه الصورة التي تشاهد من الطير تذكير بليغ مرقق للقلب موجب للرحمة، وتنبيه للولد على حالته التي كان عليها معهما في صغره، ليكون ذلك أبعث له على العمل وعدم رؤية عمله أمام ما قدما إليه.
و ﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ للتعليل متعلقة ب"اخفض"، فتفيد مع متعلقها الأمر بأن يكون ذلك الخفض ناشئا عن الرحمة الثابتة في النفس، لا عن مجرد استعمال ظاهر، كما كانا يكنفانه ويعطفان عليه عن رحمة قلبية صادقة. فيكون هذا مفيداً ومؤكدا لما قدمناه، من لزوم أن يتطابق على الإحسان إليهما الظاهر والباطن، ليتم البرور.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
стр. 67
مهما اجتهد الولد في الإحسان إلى أبويه فإنه لا يجازي سابق إحسانهما بأن يتوجه (١) بسؤال الرحمة لهما من الله تعالى، وهي النعمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة إظهاراً لشدة رحمته لهما، ورغبة في وصول الخير العظيم من المولى الكريم إليهما، واعترافاً بعجزه عن مجازاتهما.
يدعو لهما هكذا في حياتهما، وبعد مماتهما.
أما في حياتهما فيدعو لهما بالرحمة سواء كانا مسلمين أم كافرين، ورحمة الكافرين بهدايتهما إلى الإسلام. وأما بعد الموت فلا يسأل الرحمة لهما إلاّ إذا ماتا مسلمين؟ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
والكاف في قوله تعالى: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ للتعليل أي رب ارحمهما لتربيتهما لي، وجزاء على إحسانهما إلي في حالة الصغر: حالة الضعف والافتقار. وفي هذا اعتراف بالجميل، وإعلان لسابق إحسانهما العظيم، وتوسل إلى الله تعالى في قبول دعائه لهما بما قدما من عمل؛ لأنه وعد أنه يجزي العاملين، وقد كانت تربيتهما لولدهما من أجل مظاهر الرحمة. وهو قد أخبر تعالى على لسان رسوله: «أنه يرحم الراحمن» (٢) ولا أرحم- بعده تعالى- من الوالدين.
خاتمة:
من بر الوالدين:
١ - أن نتحفظ من كل ما يجلب لهما سوءًا من غيرنا، فإن فاعل السبب فاعل للمسبب، ومن هذا أن لا نسب الناس حتى لا يسبوا والدينا، لأنا إذا سببنا الناس فسبوهما كنا قد سببناهما، وسبهما من أكبر الكبائر: ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه! قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمها» (٣).
٢ - ومن برهما حفظهما بعد موتهما بالدعاء والاستغفار، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما وصلة رحمهما، فقد روى ابن ماجه وأبو داوود وابن حبان في صحيحه، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي البدري ﵁، قال:
стр. 68
«بينا نحن جلوس عند رسول الله- ﵌ إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل الا بهما، وإكرام صديقهما» (١).
وفي إكرام صديقهما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁: أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير. فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب. واني سمعت رسول الله ﵌ يقول:
«إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه» (٢).
هذا، وإن من راض نفسه على هذه الأخلاق الكريمة والمعاملة الحسنة والأقوال الطيبة التي أمر بها مع والديه- يحصل له من الارتياض عليها كمال أخلاقي مع الناس أجمعين. وكان ذلك من ثمرات امتثال أمر الله وطاعة الوالدين.
والله يوفقنا ويهدينا سواء السبيل، إنه المولى الكريم رب العالمين.
صلاح النفوس وإصلاحها
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥].
الشرح والمعنى:
صلاح الشيء: هو كونه على حالة اعتدال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال.
وفساد الشيء هو كونه على حالة اختلال في ذاته أو صفاته، بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على وجه النقصان.
اعتبر هذا في البدن، فإن له حالتين: حالة صحة، وحالة مرض.
والأولى هي حالة صحته باعتدال مزاجه، فتقوم أعضاؤه بوظائفها وينهض هو بأعماله.
стр. 69
والثانية هي حالة فساده باختلال مزاجه، فتتعطل أعضاؤه أو تضعف كلها أو بعضها عن القيام بوظائفه، ويقعد هو أو يثقل عن أعماله.
هذا الذي تجده في البدن هو نفسه تجده في النفس: فلها صحة، ولها مرض، حالة صلاح وحالة فساد.
(والإصلاح) هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزاء ما طرأ عليه من فساد.
(والإفساد) هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه.
فإصلاح البدن بمعالجته بالحمية والدواء، وإصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة.
وإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، وإفساد النفس بمفارقة المعاصي والذنوب. وهكذا تعتبر النفوس بالأبدان في باب الصلاح والفساد، في كثير من الأحوال، غير أن الاعتناء بالنفوس أهم وألزم، لأن خطرها أكبر وأعظم.
إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلاّ آلة لها ومظهر تصرفاتها، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها. وإنما رقيه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه وانحطاطها، وما فلاحه إلاّ بزكائها، وما خيبته إلاّ بخبثها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠،٩].
وفي الصحيح: «ألا وإن في الجسد مضغة (١) إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٢).
وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية المرتبطة به.
وللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن، ومبعث دورته الدموية، وعلى قيامه بوظيفته تتوقف صلوحية البدن، لارتباط النفس به. فكان حقيقاً لأن يعبر به عن النفس على طريق المجاز.
وصلاح القلب- بمعنى النفس- بالعقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، وإنما يكونان بصحة العلم، وصحة الإرادة، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح صلح البدن كله، بجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة. وإذا فسدت النفس من ناحية العقد، أو ناحية الخلق، أو ناحية العلم، أو ناحية الإرادة ... فسد البدن، وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد.
стр. 70
فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس: إما مباشرة وإما بواسطة.
فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلاّ وهو راجع عليها بالصلاح.
وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلّا وهو عائد عليها بالفساد.
فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وشرع الشرائع.
وهذه الآيات الثمان عشرة قد جمعت من أصول الهداية ما تبلغ به النفوس- إذا تمسكت به- غاية الكمال.
قد أمر تعالى في الآيات المتقدمة بعبادته والإخلاص له.
وأمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما في الظاهر والباطن.
كما أمر بغير ذلك في الآيات اللاحقة. ووضع هذه الآية أثناء ذلك، وهي متعلقة بالنفس وصلاحها .. لينبه الخلق على أصل الصلاح الذي منه يكون، ومنشؤه الذي منه يبتدىء. فإذا صلحت النفس قامت بالتكاليف التي تضمنتها هذه الآيات الجامعة لأصول الهداية، وهذا هو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها، الذي يكون قبل التدبر خفياً.
ونظير هذه الآية في موقعها ودلالتها على ما به يسهل القيام بأعباء التكاليف- قوله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فقد جاءت أثناء آيات أحكام الزوجية آمرة بالمحافظة على الصلوات، تنبيهاً للعباد على أن المحافظة عليها على وجهها، تسهل القيام بأعباء تكاليف تلك الآيات، لأنها تزكي النفس بما فيها من ذكر وخشوع وحضور وانقطاع إلى الله تعالى، وتوجه إليه، ومناجاة له.
وهذا كله تعرج به النفس في درجات الكمال.
والنفوس الزكية الكاملة تجد في طاعة خالقها لذة وأنساً تهون معهما أعباء التكليف.
ثم إن العباد بنقص الخلقة وغلبة الطبع .. معرضون للتقصير في ظاهرهم وباطنهم في صور أعمالهم ودخائل أنفسهم- وخصوصاً في باب الإخلاص- فذكروا بعلم ربهم بما في نفوسهم في قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ليبالغوا في المراقبة فيتقنوا أعمالهم في صورها ويخلصوا بها له. وهذه المراقبة هي الإحسان الذي هو عبادتك الله كأنك تراه (١).
стр. 71
وذكر اسم الرب لأنه المناسب لإثبات صفة العلم، فهو الرب الذي خلق النفوس، وصورها ودبرها. ولا يكون ذلك إلاّ بعلمه بها في جميع تفاصيلها وكيف يخفى عليه شيء وهو خلقها؟ ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الحبير﴾ [الملك: ١٤].؟!.
والصالحون في قوله تعالى: ﴿إن تكونوا صالحين﴾، هم الذين صلحت أنفسهم فصلحت أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم (١).
وصلاح النفس وهو صفة لها .. خفي كخفائها؟ وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها:
فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة- وهي الجارية على سنن الشرع، وآثار النبي ﵌ حكمنا بصلاح نفسه، وأنه من الصالحين.
ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه، وأنه ليس منهم.
ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلاّ هذا الطريق. وقد دلنا الله تعالى عليه في قوله تعالى:
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ [آل عمران: ١١٣ و١١٤].
فذكر الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين. فأفادنا: أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلاّ بها، ولا يستحقه إلاّ أهلها.
стр. 72
ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال. ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن؟ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا، لأن الأعمال قسمان: أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح.
وقد قال النبي ﵌: «التقوى ههنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات (١). فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلاّ الله.
(والأوابون) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى.
والأوبة في كلام العرب هي الرجوع، قال عبيد:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ... وَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَؤُوبُ
والتوبة، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلّا بالإقلاع عنه، واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وتدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة: فتشمل من رجع إلى ربه تائباً من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله ويتفرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب.
فنستفيد من الآية الكريمة: سعة باب الرجوع إلى الله تعالى. فإن تاب العبد، فذاك هو الواجب عليه، والمخلِّص له- بفضل الله- من ذنبه. وإن لم يتب فليدم الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع، والتعرض لمظان الإجابة وخصوصاً في سجود الصلاة، فقمين (٢) - إن شاء الله تعالى- أن يستجاب له.
وشر العصاة هو الذي ينهمك في المعصية، مصراً عليها، غير مشمر منها، ولا سائل من ربه - بصدق وعزم- التوبة منها، ويبقى معرضاً عنه ربه كما أعرض هو عنه، ويصر على الذنب حتى يموت قلبه. ونعوذ بالله من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له.
وجاء لفظ "الأوابين" جمعاً لأواب، وهو فعّال من أمثلة المبالغة، فدل على كثرة رجوعهم إلى الله. وأفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى الله: ذلك أن النفوس- بما
стр. 73
ركب فيها من شهوة، وبما فطرت عليه من غفلة، وبما عرضت له من شؤون الحياة، وبما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، لا تزال- إلاّ من عصم الله- في مقارفة ذنب، ومواقعة معصية صغيرة أو كبيرة، من حيث تدري ومن حيث لا تدري. وكل ذلك فساد يطرأ عليها، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه، وإبعاد ضرره عنها. وهذا الإصلاح لا يكون إلاّ بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.
ولما كان طروء الفساد متكرراً فالإصلاح بما ذكر يكون دائماً متكرراً.
والمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها، والقيام في ذلك، والجد فيه، والتصميم عليه، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد.
ومن معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهم الذين كلما أذنبوا تابوا، والتوبة طهارة للنفس من دَرَنِ المعاصي.
(والغفور) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. هو الكثير المغفرة، لأنه على وزن فعول، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة. والمغفرة سترة للذنب وعدم مؤاخذته به.
ولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين، ومغفرته أكبر. وليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه، فلا يفتأ العبد راجعاً راجياً للمغفرة، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع، ولا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفوركثرة الرجوع.
وقد أكد الكلام بـ"إن" لتقوية الرجاء في المغفرة. وجيءَ بلفظة كان، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق، وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق؛ فقد كان عباده يذنبون ويتوبون إليه، ويغفر لهم، ولا يزالون كذلك، ولا يزال ﵎ لهم غفوراً.
وإنما احتيج إلى هذا التأكيد في تقوية رجاء المذنب في المغفرة، ليبادر الرجوع على كل حال، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة:
أحدهما كثرة ذنوبه التي يشاهدها فتحجبها كثرتها عن رؤية مغفرة الله تعالى، التي هي أكبر وأكثر.
والآخر رؤيته لطبعه البشري؛ وطبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال، كما قال شاعرهم - أي البشر- لأن الشاعر العربي عبر عن طبع بشري:
سأَلْنَا فَأَعْطَيْتُمْ وَعُدْنَا فَعُدْتُمْ ... وَمَنْ أَكْثَرَ التِّسْآلَ يَوْماً سَيُحْرَمِ (١)
стр. 74
فيقوده القياس- وهو من طباع البشر أيضاً- الفاسد: إلى ترك الرجوع والسؤال، من الرب الكريم العظيم النوال.
فهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع والتوبة، فيستمر في حمأة (١) المعصية، وذلك هو الهلاك المبين. فكان حاله مقتضياً لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات.
وقد كان مقتضى الظاهر في تركيب الآية أن يقال: إن تكونوا صالحين فإنه كان لكم غفوراً؟ لأن المقام للإضمار. لكنه عدل عن الضمير إلى الظاهر فقيل: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ لينص على شرط المغفرة وهو الأوبة والرجوع.
وعلم من ذلك أن الصالح عندما تقع منه الذنوب مطالب- كغيره- بالأوبة، لتحصيل المغفرة، لأن فرض الأوبة إلى الله من المعاصي عام على الجميع.
وقد اشتملت الآية من فعل الشرط، وهو ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾، وجواب الشرط، وهو ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ - على الحالتين اللازمتين للإنسان لتكميل نفسه، وهما الصلاح المستفاد من الأول، والإصلاح بالأوبة المستفاد من الثاني.
وما دام الإنسان مجاهداً في تزكية نفسه بهذين الأصلين فإنه بالغ أملًا ورجاءً- بإذن الله- درجة الكمال.
ثبتنا الله والمسلمين عليهما، وحشرنا في زمرة الكاملين المكملين إنه المولى الغفور الكريم.
إيتاء الحقوق لأربابها
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) ٢٧ (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٣٠].
تمهيد
الناس كلهم في حاجة مشتركة إلى بعضهم. وما من أحد إلاّ وله حقوق على غيره، ولغيره حقوق عليه.
стр. 75
ولهذه الحاجة المشتركة والحقوق الممتزجة كان الاجتماع والتعاون ضروريين لحياة المجتمع البشري واطراد نظامه. وقيام كل واحد من أفراد المجتمع بما عليه من حقوق نحو غيره هو الذي يسد تلك الحاجة المشتركة بين الناس. وعندما يؤدي كل واحد حق غيره فليست خدمته له وحده، بل هي خدمة للمجتمع كله. وبالآخرة هي خدمة له هو في نفسه لأنه جزء من المجتمع وما يصيب الكل يعود على جزئه. فاذا تواردت أفراد المجتمع على هذه التأدية سعدت وسعد مجتمعنا بنيله حاجيات الحياة ولوازم البقاء والتقدم في العمران. أما إذا توانى الأفراد في القيام بالحقوق وقصروا في تأديتها إلى بعضهم فإن الحاجة المشتركة من العلم والثقافة وحفظ الصحة والأخلاق وأنواع الصناعة- تتعطل، وبتعطلها يختل نظام الاجتماع ويعود إلى الانحلال والتقهقر، وينحظ بأفراده إلى أسفل الدركات، فلهذا بعد ما أمر الله تعالى بإيتاء حقه- وهو توحيده في عبادته- أمر بإيتاء حقوق العباد، القريب منهم والبعيد.
...
حق القريب:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾.
ابتدأ بحق القريب لوجوه:
الأول أنه هو مقتضى طبيعة الترتيب.
الثاني: تأكيد حق القريب.
الثالث: إن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة أو بشعور العاطفة. وكلتا هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب فابتدى به في الأمر ليكون تقبلها له أسهل ومبادرتها للامتثال أسرع، فاذا سخت النفوس بإيتاء حق القريب ومرنت عليه اعتادت الايتاء وصار من ملكاتها فسهل عليها إيتاء كل حق ولو كان لأبعد الناس. وشيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقرب المنازل، أو تصادم المنافع أو التشاحّ على المواريث ما لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة ويهدموا بناء الأسرة، ويعود ذلك عليهم أولا بالوبال، ويرجع ثانيا على مجتمعهم- والمجتمع مؤلف من الاسر- بالتضعضع، فكان هذا من جملة ما يقتضي الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى.
وقوله تعالى: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عام يشمل الأصل- وهو الأبوان- وما يتصل بالمرء من ناحيتهما