← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

/ فصل في نفى الشعر من القرآن قد علمنا أن الله تعالى نفى الشعر عن القرآن وعن النبي ﷺ ، فقال: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ، إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (١) . وقال في ذم الشعراء: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون. أَلَم تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (٢) إلى آخر ما وصفهم به في هذه الآيات. وقال: (وَمَا هو بقول شاعر) (٣) . وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار - من قولهم: إنه شاعر، وإن هذا شعر - لابد من أن يكون محمولاً على أنهم نسبوه [إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام، لا أنهم نسبوه] في القرآن إلى أن الذي أتاهم به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة. أو يكون محمولاً على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر، لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق. وإن كان ذلك الباب خارجاً عما هو عند العرب شعر على الحقيقة. / أو يكون محمولا على أنه أطلقه (٤) بعض الضعفاء منهم في معرفة أوزان الشعر. وهذا أبعد الاحتمالات. فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحاً، وذلك أن الشاعر يفطن لما لا يفطن له غيره، وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه - في رأيهم وعندهم - أقدر، فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب. فإن زعم زاعم أنه قد وجد في القرآن شعراً كثيراً، فمن ذلك ما يزعمون أنه بيت تام أو أبيات تامة، ومنه ما يزعمون أنه مصراع، كقول القائل: قد قلت لما حاولوا سلوتي * (هيهاتَ هيهاتَ لِما تُوعَدُون) (٥) ومما يزعمون أنه بيت، قوله:، (وجِفَانٍ كالجواب وقَدَورٍ رَاسِياتِ) (٦) قالوا: هو من الرمل، من البحر الذى قيل فيه:

стр. 142

ساكن الريح نطوف ال * - مزن منحل العزالى (١ / وقوله: (مَنْ تَزَكَّى فإِنما يَتَزكْى لِنَفْسِهِ) (٢) . كقول الشاعر من بحر الخفيف: كل يوم بشمسه * وغدٌ مثل أمسه وكقوله عزوجل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهِ يَجْعَلْ لَّهْ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتسِبُ) (٣) قالوا: هو من المتقارب. وكقوله: (وَدَانِيةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلِتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا) (٤) . ويشبعون حركة الميم، فيزعمون أنه من الرجز. وذكر عن أبي نواس أنه ضمن ذلك شعراً، وهو قوله (٥) : وفتيةٍ في مجلسٍ وجوههم * * ريحانُهم قد عَدِموا التثقيلا (دانيةً عَليْهِمُ ظِلالُها * وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا) وقوله : (وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (٦) . زعموا أنه من الوافر، كقول الشاعر (٧) : لنا غنمٌ نُسَوِّقُها غِزار * كانّ قرونَ جلّتها عصيُّ (٨) / وكقوله : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فّذَلِكَ الَّذِي يَدُعّ الْيَتِيِمَ) (٩) ضمنه أبو نواس في شعره ففصل، وقال: " فذاك الذي " وشعره: وقرا مُعلناً ليصدعَ قلبي * والهوى يصدعُ الفؤاد السقيما (١٠) أرأيت الذي يُكِذّبُ بالدي * - ن فذاك الذي يدع اليتيما

стр. 143

وهذا من الخفيف. كقول الشاعر: وفؤادي كعهده بُسليمى * بهوىً لم يَحُلْ ولم يتغيرْ (١) وكما ضمنه في شعره من قوله: سبحان من سَخّر هذا لنا * (حقَّا) وما كنا له مُقْرنين (٢) فزاد فيه حتى انتظم له الشعر. وكما يقولونه في قوله : (وَالْعَادِيَاتِ ضبحا، فالموريات قدحا) (٣) ونحو ذلك من القرآن كثير، كقوله: (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً. فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً) (٤) . وهو عندهم شعر من بحر البسيط. والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها، من وجوه: / أولها: أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعراً، ولم يروه خارجاً عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته، لان الشعر مسخر لهم مسهل عليهم، ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب، والاقتدار اللطيف. فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، ولا عولوا عليه -: علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئاً مما يقدره الضعفاء في الصنعة، والمرمدون في هذا الشأن. وإن استدراك من يجئ الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم، وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن [وقد] ذهب أولئك النفر عنه وخفى عليهم مع شدة حاجتهم (٥) [عندهم] إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفى على أولئك، وأن يجهلوه، ويعرفه من جاء الآن، وهو بالجهل حقيق! إذا كان كذلك، علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد، وهو أنهم قالوا: أن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وأقل الشعر

стр. 144

بيتان فصاعدا. وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام. وقالوا أيضاً: إن ما كان على وزن بيتين، إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما (١) - فليس بشعر. / ثم منهم من قال: إن الرجز ليس بشعر أصلاً، لا سيما إذا كان مشطوراً أو منهوكا. وكذلك ما كان يقاربه (٢) في قلة الأجزاء. وعلى هذا يسقط السؤال. ثم يقولون: إن الشعر إنما يطلق، متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذى يعتمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء، دون ما يستوي فيه العامي والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد، فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله، ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه. ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه: " أغلق الباب وائتني بالطعام ". ويقول الرجل لأصحابه " اكرموا من لقيتم من تميم "؟ ومتى تتبع الانسان هذا [النحو] عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه (٣) . / وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد، ليس يعده أهل الصناعة سرقة، إذا لم تعلم فيه حقيقة الأخذ. كقول امرئ القيس: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل (٤)

стр. 145

وكقول طرفة: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلد (١) ومثل هذا كثير. فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه، فكذلك لا يمتنع وقوعه في الكلام المنثور اتفاقاً غير مقصود إليه، فإذا اتفق لم يكن ذلك شعراً. وكذلك يمتنع التوارد على بيتين، وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما. فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعراً، وإنما يعد شعراً ما إذا قصده صاحبه: تأتَّى له، ولم يمتنع عليه. / فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له، وإنما يعرض في كلامه عن غير قصد إليه - لم يصح أن يقال: إنه شعر، ولا أن صاحبه شاعر، ولا يصح أن يقال: إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعراً، لأنه لو قصده لكان يتأتى له (٢) . وإنما لم يصح ذلك، لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعراً من أحد، وما كان شعراً من أحد من الناس كان شعراً من كل أحد (٣) . ألا ترى أن السوقي (٤) قد يقول: " اسقني الماءَ يا غلامُ سريعاً "، وقد يتفق ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم. فأما الشعر (٥) إذا بلغ الحد الذي بينا، فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه. وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيراً، فإذا كان بيتاً واحداً فليس ذلك بشعر. وقد قيل: إن أقل ما يكون منه شعراً أربعة أبيات، بعد أن تتفق قوافيها، ولم يتفق ذلك في القرآن بحال. فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجري مجراه في قلة الكلمات، فليس بشعر.

стр. 146

وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروي، ويقولون: إنه / متى اختلف الروي خرج عن أن يكون شعرا. وهذه الطرق التى سلكوها في الجواب، معتمدة أو أكثرها. ولو كان ذلك شعراً لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته، لان طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد، وأهله يتقاربون فيه، أو يضربون فيه بسهم. * * * فإن قيل: في القرآن كلام موزون كوزن الشعر، وإن كان غير مقفّى، بل هو مزاوج متساوي الضروب، وذلك أحد (١) أقسام كلام العرب. قيل: من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر، والسواكن والحركات. فإن خرج عن ذلك لم يكن موزوناً، كقوله: رب أخٍ كنتُ به مغتبطا * أشد كفى بعرا صحبته تمسكاً مني بالودّ ولا * أحسبُهُ يزهدُ في ذي أملِ (٢) تمسكاً مني بالودّ ولا * أحسَبُهُ يُغَيِّرُ العهدَ ولا يحُول عنه أبدا * فخاب فيه أملى وقد علمنا أن القرآن ليس من هذا القبيل، بل هذا قبيل غير ممدوح، / ولا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكراً، بل أكثره على ذلك. وكذلك (٣) ليس في القرآن من الموزون الذى وصفناه أو لا وهو الذي شرطنا فيه التعادل والتساوي في الأجزاء، غير الاختلاف الواقع في التقفية. ويبين (٤) ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا، وتتم فائدته بالخروج منه. وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه.

стр. 147

فصل في نفى السجع من القرآن ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره [الشيخ] أبو الحسن الاشعري [رضى الله عنه] في غير موضع من كتبه. وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن. وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة. وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون ﵉، ولمكان (١) السجع قيل في موضع (هرون وموسى) (٢) . ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: (موسى وهرون) (٣) . قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصوداً إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه (٤) شعراً، وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم، كما يتفق / وجوده من الشاعر. وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير، لا يصح أن يتفق كله غير المقصود إليه. ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى " السجع ". قال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على وزن واحد. وقال ابن دريد: " سجعت الحمامة " معناه: رددت صوتها. وأنشد: طرِبتَ فأبكتك الحمامُ السواجِعُ * تميل بها ضَحْواً غصونُ نوائعُ النوائع: الموائل، من قولهم: جائع نائع، أي متمايل ضعفا (٥) . وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعاً لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلاً فيها لم يقع بذلك إعجاز.

стр. 148

ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز. وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر، لأن الكهانة تنافى النبوات، وليس كذلك الشعر. وقد روي أن النبي ﷺ قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل (١) ، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل؟ فقال: " اسجاعة كسجاعة الجاهلية؟ " / وفي بعضها: " أسجعاً كسجع الكهان " فرأى (٢) ذلك مذموماً لم يصح أن يكون في دلالته. والذي يقدرونه (٣) أنه سجع فهو وهم، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى. وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع، كانت إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم (٤) المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتحسين (٥) الكلام دون تصحيح المعنى. فإن قيل: فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعاً، فيجب أن تسموا أحدهما سجعاً. قيل: الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا، وإلا كنا نأتى على فصل فصل من أول القرآن إلى آخره، ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفى، ولكنه / خارج عن غرض كتابنا. وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين. ثم إن سلم لهم مسلّم موضعاً أو مواضع معدودة، وزعم أن وقوع ذلك موقع (٦) الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها، وهى الطريقة

стр. 149

التى يباين القرآن بهسائر الكلام، وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل، أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن (١) ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعا، على ما قد بينا في القليل من الشعر، كالبيت الواحد، والمصراع، والبيتين من الرجز، ونحو ذلك يعرض فيه، فلا يقال إنه شعر، لأنه لا يقع مقصوداً إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، وكذلك حال السجع الذى يزعمونه ويقدرونه. ويقال لهم: لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً،: لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه، كان قبيحاً من الكلام. وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط (٢) ، متى أخل به المتكلم وقع (٣) الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة. كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئاً، وكان شعره مرذولاً، وربما أخرجه عن كونه شعراً. / وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعاً متقارب (٤) الفواصل، متداني المقاطع، وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير، وهذا في السجع غير مرضى ولا محمود. فإن قيل: متى خرج السجع [من] المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه، خرج من أن يكون سجعاً، وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعاً، بل يأتي به طوراً ثم يعدل عنه إلى غيره، ثم قد يرجع إليه. قيل: متى وقع أحد مصراعي البيت (٥) مخالفاً للآخر، كان تخليطاً وخبطاً، وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطاً. [وقد] علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل، فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب (٦) .

стр. 150

ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعو إلى المعارضة، لأن السجع غير ممتنع عليهم، بل هو عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز (١) منها؟ وقد يتفق في الشعر كلام [متزن] على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم. وذلك نحو قول البحتري: تَشَكًّى الوَجى، والليل ملتبس الدجا * غريرية الانساب مرت بقيعها (٢) وقوله (٣) : قريب المدَىَ، حتى يكون إلى الندى * عدو البنى، حتى تكون معالى (٤) ورأيت بعضهم يرتكب هذا، فيزعم (٥) أنه سجع مداخل! ونظيره من القرآن قوله تعالى: (ثَمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ، وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُم تَشَاقُّونَ فِيهِمْ) (٦) . وقوله: (أَمَرْنا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا) (٧) . وقوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي / سَبِيلِهِ) (٨) . وقوله: (وَالتَّوْرَاةَ والاْنجِيلَ، وَرَسُولاً إلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) (٩) . وقوله: (إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) (١٠) . ولو كان ذلك عندهم سجعاً لم يتحيروا فيه ذلك التحير، حتى سماه بعضهم سحراً، وتصرفوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه. وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقه، وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم، المألوفة لديهم. والذي تكلمنا به في هذا (١١) الفصل كلام على جملة دون التفصيل.

стр. 151

ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل، ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع. ومن جنس السجع المعتاد عندهم، قول أبي طالب (١) لسيف بن ذي يزن: " أََنْبَتَكَ مَنْبِتاً (٢) طابت أرومتُهُ، وعَزَّت جُرْثُومته، وثَبَتَ أصله، وبَسَقَ فرعُه ونبت زَرْعه، في أكرم مَوْطِن، وأطيب مَعْدِن ". وما يجرى هذا المجرى من الكلام. والقرآن مخالف لهذه (٣) الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم. / ولا معنى لقولهم: إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف، لأن ما جرى هذا المجرى لا يبنى على الاشتقاق وحده، ولو بني عليه لكان الشعر سجعاً، لأن رويه يتفق ولا يختلف، وتتردد القوافي على طريقة واحدة. وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام، فإنها تختلف: فربما كان ذلك يسمى (٤) قافية، وذلك إنما يكون في الشعر، وربما كان ما ينفصل عنده (٥) الكلامان (٦) مقاطع السجع، وربما شمى (٧) ذلك فواصل. وفواصل القرآن - مما هو مختص بها (٨) لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب. وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون ﵉ في موضع، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام - فليس بصحيح، لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه. وهي (٩) : أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنى واحداً من الامر الصعب، الذى تظهر به الفصاحة، وتتبين به (١٠) البلاغة. وأعيد كثير من القصص في مواضع [كثيرة] مختلفة، على ترتيبات / متفاوتة، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله مبتدأ به ومكرراً. ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ

стр. 152

لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها (١) ، وجعلوها بازاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه، وإلى مساواته فيما [حكى و] جاء به. وكيف وقد قال لهم: (فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثً مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ) (٢) . فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات (٣) وتأخيرها - إظهار الإعجاز (٤) على الطريقين جميعا، دون السجع (٥) الذى توهموه. فإن قال قائل: القرآن مختلط من أوزان كلام العرب، ففيه من جنس خطبهم، ورسائلهم [وشعرهم] وسجعهم، وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى، ولكنه أبدع فيه ضرباً من الابداع، لبراعته وفصاحته. قيل: قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر، وكلام مقفى غير موزون [وكلام موزون غير مقفى] (٦) ، ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع، ونظم مقفى موزون له روي. / ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس، فتناوله أقرب، وسلوكه لا يتعذر. ومنه ما هو أصعب تناولا، كالموزون عند بعضهم، والشعر عند الآخرين (٧) . وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين: إما بتعمل وتكلف وتعلم (٨) وتصنع، أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه. ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع، لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم، ويعرض (٩) على ألسنتهم، وتجيش به خواطرهم، ولا ينصرف (١٠) عنه الكل، مع شدة الدواعي إليه. ولو كان طريقه التعلم لتصنعوه ولتعلموه (١١) والمهلة لهم فسيحة، والامد واسع.

стр. 153

* * * وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم؟ فقد قيل: إنه اتفق في الأصل غير مقصود إليه، على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام، ثم لما استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه / الأسماع وتقبله النفوس - تتبعوه (١) من بعد وتعملوه. وحكى لي بعضهم عن أبي عمر: غلام ثعلب عن ثعلب: أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول، يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * ويسمون ذلك الوضع " المتير " (٢) واشتقاقه من المتر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مترت الحبل، أي (٣) قطعته أو جذبته. ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره، فيحتمل ما قاله (٤) . وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قدمنا ذكره أولاً. وقد يحتمل - على قول من قال: إن اللغة اصطلاح - أنهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم. وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر، وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه القول من وجوه التفاصح، وتواقفوا (٥) بينهم على ذلك. / ويمكن أن يقال: إن التواضع وقع على أصل الباب، وكذلك التوقيف، ولم يقع على فنون تصرف الخطاب، وأن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما أجرى، وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن التى يقع الاطراب (٦) بوزنها، وتهشُّ النفوس إليها، وجمع دواعيهم وخواطرهم على استحسان وجوه من ترتيبها، واختبار طرق نم تنزيلها، وعرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة، ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان [بمثل] (٧) القرآن، [وأن] القدر الذى تتناهى إليه قدرهم هو ما لم يخرج عن لغتهم (٨) ، ولم يشذ من جميع كلامهم، بل قد عرض في خطابهم، ووجدوا أن

стр. 154

هذا لما تعذر (١) عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به ليكون دلالة على النبوة ومعجزة على الرسالة. ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن انتظامه، فلأن يقدروا بعد التنبيه على وجهه والتحدي إليه، أولى أن يبادروا إليه، لو كان لهم إليه سبيل. / ولو كان الأمر على ما ذكره السائل: لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم، أو لا تدخل عليهم شبهة فيما نابهم (٢) ، ولكانوا يسرعون إلى الجواب ويبادون إلى المعارضة. ومعلوم من حالهم أن الواحد منهم يقصد إلى الامور البعيدة عن الوهم، والأسباب التي لا يحتاج إليها، فيكثر فيها من شعر ورجز، ونجد من يعينه على نقله عنه، على ما قدمنا ذكره من وصف الإبل ونتاجها، وكثير من أمرها لا فائدة في الاشتغال به في دين ولا دنيا. ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والذرابة (٣) ، ويتنافرون فيه وتجري بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار، على ما لا يخفى على أهله. فاستدللنا بتحيرهم في أمر (٤) القرآن على خروجه من عادة كلامهم، ووقوعه موقعاً يخرق العادات. وهذه سبيل المعجزات. فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع، لا يخرجها عن حدها، ولا يدخلها في باب السجع. وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء، فكان / بعض مصاريعه (٥) كلمتين، وبعضها أربع (٦) كلمات، ولا يرون في ذلك فصاحة، بل يرونه عجزا. فلو رأوا أن ما تُلِيَ عليهم من القرآن سجع لقالوا: نحن نعارضه بسجع

стр. 155

معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن. ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه، لأن ما تخلل بين الأمرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع (١، لأنه لو كان من باب السجع لكان أرفع نهاياته، وأبعد غاياته (٢) . ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه (٣) النظّام، وعباد بن سليمان، وهشام الفوطي، ويذهب مذهبهم، في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضرباً من الصرف (٤) . / ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها، ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه. وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم أنهم كانوا لا يلزمون أبداً طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة، فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلامين.

стр. 156

فصل / في ذكر البديع من الكلام إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه (١) من البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظاً نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوا عنه، ليكون الكلام وارداً على أمر مبين، وباب مقرر مصور (٢) . ذكروا: أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره: (واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (٣) . وقوله: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلّيٌّ حكيم) (٤) . وقوله: (واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (٥) وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هُم مُّظْلِمُونَ) (٦) . وقوله: (أَوْ يأتيهم عَذَابُ يَوْمٍ عقيم) (٧) . وقوله: (نور على نور) (٨) . / وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة، كقوله: (ولكم في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (٩) . وفي الألفاظ الفصيحة، كقوله: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيَّاً) (١٠) . وفي الألفاظ الالهية، كقوله: (وله كل شئ) (١١) . وقوله: (وَمَا بِكُمْ من نعمة فَمِنَ اللَّه) (١٢) . وقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوُمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (١٣) . * * *

стр. 157

ويذكرون من البديع قول النبي ﷺ " خيرُ الناسِ رجلْ ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعةً طار إليها " (١) . وقوله: " ربنا تقبل توبتي، واغسل حوبتي " (٢) . / وقوله: " غلب عليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي حالقة الدين، لا حالقة الشعر " (٣) . وقوله: " الناسُ كإبل مائةٍ، لا تجد فيها راحلةً " (٤) . وقوله: (وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم " (٥) . وقوله: " إن مما يُنبت الرَّبيع ما يقتُلُ حبطاً أو يلم " (٦) . وكقول أبي بكر الصديق ﵁، في كلام له قد نقلناه / بعد هذا على

стр. 158

وجهه، وقوله لخالد بن الوليد رضى الله عنه: " احرصْ على الموت توهبْ لك الحياة. وقوله: " فر من الشرف يتبعك الشرف ". وكقول على بن أبى طالب في كتابه إلى ابن عباس، وهو عامله على البصرة: " أرغب راغبهم، واحلُلْ عُقْدَةَ الخوفِ عنهم ". وقوله رضى الله عنه، حين سئل عن قول النبي ﷺ : " [غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي ﷺ ] إنما قال ذلك والدين في قُلَّ، فأما وقد اتسع نطاق الاسلام، فكل امرئ وما اختار " (١) . وسأل علي، ﵁، بعض كبراء فارس، عن أحد ملوكهم عندهم؟ فقال: لأردشير فضيلةُ السبقِ، غير أن أحمدهم أنوشروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. فقال علي ﵁: " هما تَوْأَمانِ يُنْتِجُهُما عُلُو الهمة " (٢) . وقال: " قيمة كل امرئ ما يحسن ". وقال: " العلم قفل، ومفتاح المسألة " (٣) . وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: " أما بعد، فالحمد لله / الذى فض خَدَمتكم، وفرَّقَ كلمتكم ". والخدمة: الحلقة المستديرة، ولذلك قيل للخلاخيل، خِدام (٤) . وقال الحجاج: " دلوني على رجل سمينِ الأمانة " (٥) . ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي (٦) على الخوارج، أرادوه

стр. 159

على الكلام، فقال: " لا خير في الرأي الفطير " (١) ، وقال: " دعوا الرأي يُغِبُّ " (٢) . وقال أعرابي في شكر نعمة (٣) : " ذاك عُنْوانُ نِعمة الله ". / ووصف أعرابي قوماً فقال: " إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحمام " (٤) . وسئل أعرابي عن رجل؟ فقال: " صَفِرَتْ عِيابُ الوُدِّ بيني وبينه بعدَ امتلائِها، واكفَهَرَّتْ وجوهٌ كانت بمائِها " (٥) . وقال آخر: " من ركب ظَهْرَ الباطلِ نزل دارَ النَّدامة " (٦) . وقيل لرؤبة (٧) : كيف خلَّفتَ ما وراءك؟ فقال: " التراب يابس، والمال عابس " (٨) . * * * ومن البديع في الشعر طرق كثيرة، قد نقلنا منها جملة، لتستدل بها على ما بعدها: فمن ذلك قول امرئ القيس: وقد أغتِدي والطيرُ في وكناتها * بمنْجردٍ قيد الاوابد هيكل (٩)

стр. 160

/ قوله: " قيد الأوابد " عندهم من البديع ومن الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة (١) ، وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيداً لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره. واقتدى به الناس، واتبعه الشعراء، فقيل: " قيدُ النواظر " و " قيدُ الألحاظ " و " قيد الكلام " و " قيد الحديث " و " قيد الرهان ". وقال الاسود بن يعفر: بمقلص عتد جَهِيزٍ شده * قيدُ الأوابد والرهان جواد (٢) وقال أبو تمام: لها منظر قيدُ الأوابدِ لم يَزَل * يروحُ ويغدو في خفارته الحُبُّ (٣) / وقال آخر: ألحاظُهُ قيدُ عيونِ الورى * فليس طَرُفٌ يَتَعَدَّاهُ (٤) وقال آخر: * قَيَّدَ الحُسْنُ عليه الحَدَقَا (٥) * وذكر الاصمعي وأبو عبيد وحماد، وقبلهم أبو عمرو: أنه أحسن في هذه

стр. 161

اللفظة، وأنه اتبع فلم يلحق، وذكروه في باب الاستعارة البليغة. وسماها بعض أهل الصنعة (١) باسم آخر، وجعلوها من باب " الارداف "، وهو: أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ هو تابع له وردف (٢) . قالوا: ومثله قوله (٣) : * نَؤُوم الضُحى لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ * وإنما أراد ترفهها بقوله: " نؤوم الضحى " (٤) . / ومن هذا الباب قول الشاعر (٥) : بعيدةُ مَهوى القُرْط إما لنوفلٍ * أبوها، وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه (٦) . ومن ذلك قول امرئ القيس: * وليل كموجِ البحر أرخى سُدُوله (٧) * وذلك من الاستعارة المليحة. ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره (٨) من القرآن: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ

стр. 162

شَيباً) ، (واخْفِضْ لَهما جَنَاحَ الذُلِّ من الرحمةِ) . ومما يعدونه من البديع " الثشبيه الحسن " كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجَزْعَ الذي لم يُثَقَّبِ (١) / وقوله: كأن قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً * لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالى (٢) واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين (٣) قول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (٤) وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل. وكذلك عدوا (٥) من البديع قول امرئ القيس في أذني الفرس: / وسَامِعَتَان يُعرَف العِتْقُ فيهما * كسامعتي مذعورة وسط ربرب (٦)

стр. 163

اتبعه طرفة، فقال فيه: وسامعتان يُعرف العِتْقُ فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد (١) ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويَّتَيْنِ ومَحْجَرٍ * إلى سند مثل الصفيح المنصب (٢) وقال طرفة في وصف عيني ناقته: وعينان كالماويتين استكنتا * بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد (٣) ومن البديع في التشبيه قول امرئ القيس: له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ * وإرخاء سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُل (٤) / وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها. * * * ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبحرِ كَالأَعْلاَمِ) (٥) . وقوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ بيض مكنون) (٦) . ومواضع نذكرها بعد هذا.

стр. 164

ومن البديع في " الاستعارة " قول امرئ القيس: وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدُولُهُ * عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي (١) فقلت له لما تمطى بِصُلبِهِ * وأَردَفَ أعجازاً وناءَ بكلكلِ / وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل. ومن ذلك قول النابغة: وصدر أراح الليلُ عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ (٢) فاستعارة من أراحه الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل. وأخذ منه ابن الدمينة فقال: اقضى نهاري بالحديث وبالمُنَى * ويجمَعُني والهم بالليل جامعُ (٣) ومن ذلك قول زهير: صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله * وعرى أفراس الصبا ورواحله (٤) ومن ذلك قول امرئ القيس: سَمَوتُ. إليها بعدَ ما نام أهلها * سمو حباب الماء حالا على حال (٥)

стр. 165

/ وأخذه أبو تمام فقال: * سُمُوَّ عُباب الماء جاشت غواربه * وإنما أراد امرؤ القيس إخفاء شخصه. ومن ذلك قوله: * كأني وأصحابي على قرن أعفرا (٢) * يريد أنهم غير مطمئنين. ومن ذلك ما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا عسل بن ذكوان، أخبرنا (٣) أبو عثمان المازني، قال: سمعت الأصمعي يقول: أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة: فإنكَ كالليلِ الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (٤) قال الحسن بن عبد الله: وأخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عون بن / محمد الكندي، أخبرنا قعنب بن محرز، قال (٥) : سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو يقول: كان زهير يمدح السوق، ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دقل صينى (٦) على أن يقول كقول النابغة: فإنَّكَ كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

стр. 166

- لما قال. يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان. واتبعه الفرزدق فقال: ولو حملتني الريح ثم طلبتني * لكنت كشئ أدركتني مقادِرُه (١) فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة. ثم أخذه الأخطل فقال: وإن أمير المؤمنين وفعلَهُ * لكالدهرِ لا عار بما فعل الدهر (٢) وقد روي نحو هذا عن النبي ﷺ : " نُصِرتُ بالرعب، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلنَّ هذا الدين على ما دخل عليه الليلُ ". / وأخذه علي بن جبلة (٣) فقال: وما لامرئ حاولته منك مهرب * ولو رفعته في السماء المطالعُ (٤) بلى، هاربٌ لا يهتدي لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع (٥) ومثله قول سلم الخاسر: فأنت كالدهرِ مبثوثاً حبائله * والدهر لا ملجأ سنه ولا هَرَبُ (٦) ولو ملكتُ عِنانَ الريح أصرفُهُ * في كل ناحيةٍ ما فاتك الطَلَبُ فأخذه البحتري فقال: ولو أنهم ركبوا الكواكبَ لم يكنْ * ينجِّيهُمُ عن خوفِ بأسك مَهْرَبُ (٧) ومن بديع الاستعارة قول زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصى الحاضر المتخيم (٨)

стр. 167

وقول الأعشى: وإن عتاقَ العِيسِ سوف يزوركم * ثناءٌ على أعجازِهنَّ مُعَلَّقُ (١) / ومنه أخذ نصيب فقال: فعاجوا فأَثْنَوا بالذي أنت أهلُهُ * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ (٢) ومن ذلك قول تأبط شراً: فخالط سهل الأرضِ لم يكدح الصفا * به كدحة والموت خزيان ينظر (٣) ومن الاستعارة في القرآن كثير، كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكْ) (٤) يريد ما يكون الذكر عنه شرفاً. وقوله: (صِبْغَةَ اللَّه وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (٥) . قيل: دين الله أراد. وقوله: (اشتَرَوُاْ الضَّلاَلَة بِالهُدَى، فَمَا رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (٦) . * * * ومن البديع عندهم [الغلو والافراط في الصفة] ، كقول النَّمِر بن تَوْلب: / أبقى الحوادثُ والأيامُ من نمر * أسباد سيف قديم بأثره بادي (٧) تظلُ تحفرُ عنه إن ضربتَ بِهِ * بعد الذراعين والقيدين والهادي (٨) وكقول النابغة: تقدُّ السلوقيّ المضاعف نسجه * ويُوقدن بالصُّفّاح نار الحُباحب (٩) وكقول عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (١٠)

стр. 168

وكقول أبي تمام: لو يعلمِ الركنُ من قد جاء يلثمه * لخر يلثم منه موطئ القَدَمِ (١) وكقول البحتري: ولو أن مشتاقاً تَكَلَّفَ فوق ما * في وسعه، لمشى إليك المنبرُ (٢) ومن هذا الجنس في القرآن: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) (٣) . / وقوله: (إِذَا رَأَتْهُم مِن مَّكَانٍ بَعيدٍ سَمِعُواْ لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) (٤) . وقوله: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغيظ) (٥) . * * * ومما يعدونه من البديع " المماثلة " وهو ضرب من الاستعارة [سماه قدامة التمثيل، وهو على العكس من الارداف، لان الارداف مبنى على الاسهاب والبسط، وهو مبنى على الايجاز والجمع] (٦) . وذلك أن يقصد الإشارة إلى معنى، فيضع ألفاظاً تدل عليه، وذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه. نظيره من المنثور: أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته، فكتب إليه: " أما بعد، فإني أراك تُقَدِّمُ رِجْلاً وتؤخرُ أخرى، فاعتمِدْ على أيتهما شِئْتً " (٧) . وكنحو ما كتب به الحجاج إلى المهلب (٨) : " فإن أنت فعلتَ ذاك، وإلا أشرعت إليك الرمح. " فأجابه المهلب: " فإن أشرع الأميرُ الرمحَ، قلبتُ إليه ظهر المجن ".

стр. 169

/ وكقول زهير: ومن بعض أطرافَ الزِّجاج فإنه * يُطيع العوالي ركبت كُلَّ لهذم (١) وكقول امرئ القيس: وما ذرفت عيناكِ إلا لتضربي * بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقَتَّلِ (٢) وكقول عمرو بن معدي كرب: فلو أنَّ قومي أنطقتني رماحُهُمْ * نطقْتُ ولكنَّ الرماح أجرَّتِ (٣) / وكقول القائل (٤) بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما * دفنتم بصحراء الغمير القوافيا (٥)

стр. 170

وكقول الآخر (١) : أقول وقد شَدُّوا لساني بنسعةٍ: * أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا ومن هذا الباب (٢) في القرآن قوله: (فَمَا أَصْبَرهُمْ عَلَى النَّارِ) (٣) وكقوله: (وَثِيابَكَ فَطَهِّر) (٤) . قال الأصمعي: أراد البدن، قال: / وتقول العرب: " فدى لك ثوباي ". يريد (٥) نفسه. وأنشد: ألا أبلغ حفصٍ رَسُولا * فدى لك من أخي ثقةٍ إزارى (٦) . * * * ويرون من البديع أيضاً ما يسمونه " المطابقة "، وأكثرهم على أن معناها أن يذكر الشئ وضده، كالليل والنهار، والسواد والبياض، وإليه ذهب الخليل ابن أحمد والأصمعي، ومن المتأخرين عبد الله بن المعتز. وذكر ابن المعتز من نظائره من المنثور ما قاله بعضهم (٧) : " أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع، فأدخلتنا في ضيق الضمان ". ونظيره من القرآن: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (٨) . وقوله: (يُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنِ الْحَيِّ) (٩) . وقوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ) (١٠) . ومثله كثير جداً.

стр. 171

وكقول النبي ﷺ للأنصار: " إنكم تكثُرُون عندَ الفَزَعِ، وَتقِلُّونَ عند الطَمَعِ " (١) . وقال آخرون: بل المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة، وإليه ذهب قدامة ابن جعفر الكاتب (٢) . فمن ذلك قول الأفوه الأودي: وأقطعُ الهَوْجَل مستأنسا * بهوجلَ مستأنس عنتريس (٣) عنى بالهوجل الأول: الأرض، وبالثاني: الناقة (٤) . ومثله قول زياد الاعجم: ونبئتهم يستنصرون بكاهلٍ * وللؤمِ فيهم كاهلٌ وسنامُ (٥) / ومثله قول أبى داود: عهدت لها منزلا داثرا * وآلاً على الماءِ يحمِلْنَ آلا (٦) فالآل الأول: أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي، والآل الثاني: السراب (٧) . وليس عنده قول من قال: المطابقة إنما تكون باجتماع الشئ وضده - بشئ.

стр. 172

ومن المعنى الأول قول الشاعر: أهينُ لهم نفسي لأُّكرمها بهم * ولن تُكرم النفسُ التي لا تهينها (١) ومثله قول امرئ القيس: وتردى على صُم صِلاب ملاطِسٍ * شديداتِ عَقد ليناتِ مِتان (٢) / وكقول النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر بعده * ولا يحسبون الشرَّ ضربة لازب (٣) وكقول زهير، وقد جمع فيه طباقين: بعزمة مأمورٍ مطيعٍ وآمرٍ * مُطاع، فلا يُلفى لحزمهمُ مثلُ (٤) وكقول الفرزدق: والشيب ينهض في الشباب كأنه * ليل يصيح بجانبيه نهار (٥) ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير: وباسطِ خيرٍ فيكمُ بيمينه * وقابض شر عنكمُ بشماليا (٦) وكقول رجل من بلعنبر (٧) : يَجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً * ومن إِساءة أهل السوء إحسانا (٨)

стр. 173

/ وروي عن الحسن (١) بن علي، ﵄، أنه تمثل بقول القائل: فلا الجود يُفْني المالَ والجَدُّ مقبلٌ * ولا البخلُ يُبقي المال والجَدُّ مُدْبرُ (٢) وكقول الآخر: فسِرّي كإعلاني وتلك سجيتي * وظُلمة ليلي مثلُ ضوءِ نهاريا وكقول قيس بن الخطيم: إذا أنت لم تنفع فضُرَّ، فإنما * يُرَجَّى الفتى كيما يضرَّ وينفعا (٣) وكقول السموأل: وما ضَرَّنا أنا قليلٌ وجارُنا * عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ (٤) فهذا باب يرونه من البديع. * * * وباب آخر وهو " التجنيس ". ومعنى ذلك: أن تأتى بكلمتين متجانستين: فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى في تأليف حروفها [ومعناها] (٥) . وإليه ذهب الخليل (٦) . / ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق (٧) كقوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ الْقَيِّمِ) (٨) . وكقوله: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان) (٩) . وكقوله: (يا أسفا على يوسف) (١٠)

стр. 174

وكقوله: (الذين آمنوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) (١) . وكقوله: " وهم ينهون عنه وينأون عنه) (٢) . وكقول النبي ﷺ : " أَسَلمُ سالمها الله، وغِفارُ غَفَرَ الله لها، وعصيةُ عصت الله ورسوله، [وتجيب أجابت الله ورسُوله] (٣) ". وكقوله: " الظُلمُ ظُلُماتُ يومَ القيامةِ (٤) . وقوله: " لا يكونُ ذو الوجهين وجيهاً عندَ الله " (٥) . / وكتب بعض الكتاب: " العُذْرُ مع التعذرِ واجبٌ، فرأيك فيه " (٦) . وقال معاوية لابن عباس: ما لكم يا بني هاشم تُصابون في أبصاركم؟ فقال: كما تصابون في بصائركم (٧) . وقال عمر بن الخطاب ﵁: " هاجِروا ولا تهجروا " (٨) . ومن ذلك قول قيس بن عاصم: ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةٍ * كسته نجيعاً من دم الجوف أشكلا (٩)

стр. 175

وقال آخر (١) : * أملَّ عليها بالبِلى الملوان (٢) * / وقال الآخر (٣) : وذاكمُ أنَّ ذُل الجار حالفكم * * وأن أنفَكُمُ لا تعرف الأَنَفَا (٤) وكتب إلي بعض مشايخنا، قال: أنشدنا الأخفش عن المبرد، عن التوزي (٥) :. وقالوا (٦) : حمامات فَحُمَّ لقاؤها * وطَلْحٌ، فزيرت والمطى طلوح (٧) عقاب بأعقاب من النأى بعد ما * جرت نيةٌ تُنسي المحبَّ طروح (٨) وقال صِحابي: هدهدٌ فوق بانةٍ * هُدى وبيانٌ بالنجاح يلوح (٩) وقالوا: دمٌ، دامت مواثيقُ عهده * ودام لنا حسن الصفاء صريح (١٠)

стр. 176

/ وقال آخر (١) : * أقبلن من مصر يبارين البري (٢) * وقال القطامي: ولما ردّها في الشَّول شالت * بذيال يكون لها لفاعا (٣) وقد (٤) يكون التجنيس بزيادة حرف [أو بنقصان حرف] (٥) أو ما يقارب ذلك، كقول البحتري: هل لما فات من تلاق تلاف * أم لشاكٍ من الصبابة شافِ (٦) ؟ / وقال ابن مقبل: يمشين هَيْلَ النقا مالت جوانبه * ينهالُ حيناً وينهاهُ الثرى حينا (٧ وقال زهير: هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكلون إذا ما استحلموا وحموا (٨)

стр. 177

ومن ذلك قول أبي تمام: يمدُّون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍ * تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضبُ (١) وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب (٢) ، كقوله: ألا دارِها بالماء حتى تلينَها * فلن تُكرِمَ الصهباءَ حتى تهينَها وكذلك قوله: ديارُ نوارٍ ما ديارُ نوارِ * كسونك شجواً هُن منه عَوَارِ (٣) وكقول ابن المعتز: سأثنى على عهد المطيرة والقصر * وأدعو لها بالساكنين وبالقطر (٤) / وكقوله أيضا: هي الدارُ إلا أنها منهم قَفْرُ * وأني بها ثاوٍ وأنهمُ سَفْرُ (٥) / وكقوله: للأماني حديثٌ [قد] يقر * ويسوء الدهر من قد يَسرُّ (٦) وكقول المتنبي: وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني * وقد أرانى المشيب الروح في بدلى (٧) وقد قيل: إن من هذا القبيل قوله : (خلق الانسان من عجل سأريكم آيَاتي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ) (٨) ، وقوله: (قُلِ اللَّهِ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِيني فَاعْبدُواْ مَا شِئْتُم مِنْ دونه) (٩) . * * * ويعدون من البديع " المقابلة "، وهي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده، وذلك مثل قول النابغة الجعدى:

стр. 178

فتى تم فيه ما يَسُرُّ صديقَهُ * على أن فيه ما يَسوءُ الأعاديا (١) / وقال تأبط شرّاً: أهزُّ به في ندوة الحي عِطْفَهُ * كما هزّ عطفي بالهجان الأواركُ (٢) وكقول الآخر: وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئب * وإذا حديث سرنى لم أشرز (٣) وكقول الآخر: وذى إخوة قطعت أرحام بينهم * كما تركوني واحدا لا أخاليا (٤) ونظيره من القرآن: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ منكم بربهم يشركون) (٥) . [ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة] (٦) . * * * / ويعدون من البديع " الموازنة "، وذلك كقول بعضهم: اصبر على حر اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع (٧) .

стр. 179

وكقول امرئ القيس: سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا * [له حجبات مشرفات على الفال] (١) ونظيره من القرآن: (والسماء ذات البروج. واليوم الموعود وشاهد ومشهود) (٢) . * * * ويعدون من البديع " المساواة "، وهي أن يكون اللفظ مساوياً / للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. وذلك يعد من البلاغة، وذلك كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ * وإن خالها تخفَى على الناس تُعْلَمِ (٣) وكقول جرير: فلو شاء قومي كان حلميَ فيهمُ * وكان على جُهّال اعدائِهم جهلي (٤) وكقول الاخر (٥) : اذا انت لم تقصر عن الجهل والخنا * أصبت حليما أو أصابك جاهل وكقول الهذلى (٦) : فلا تجز عن من سنة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها (٧)

стр. 180

وكقول الآخر (١) : فإن هم طاوعوكِ فطاوِعيهم * وإن عاصَوك فاعصي من عصاكِ / ونظير ذلك في القرآن كثير. * * * ومما يعدونه من البديع " الإشارة " وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة. وقال بعضهم (٢) في وصف البلاغة: [البلاغة] لمحة دالة. ومن ذلك قول طرفة: فظلَّ لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ * فقل في مقيلٍ نحسُهُ متغيَّبُ (٣) وكقول زيد الخيل: فخيبة من يخيب علي غَنيّ * وباهلةَ بن أعصَر والرباب (٤)
следующие страницы →