← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

/ وقال آخر (١) : * أقبلن من مصر يبارين البري (٢) * وقال القطامي: ولما ردّها في الشَّول شالت * بذيال يكون لها لفاعا (٣) وقد (٤) يكون التجنيس بزيادة حرف [أو بنقصان حرف] (٥) أو ما يقارب ذلك، كقول البحتري: هل لما فات من تلاق تلاف * أم لشاكٍ من الصبابة شافِ (٦) ؟ / وقال ابن مقبل: يمشين هَيْلَ النقا مالت جوانبه * ينهالُ حيناً وينهاهُ الثرى حينا (٧ وقال زهير: هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا * لا ينكلون إذا ما استحلموا وحموا (٨)

стр. 177

ومن ذلك قول أبي تمام: يمدُّون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍ * تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضبُ (١) وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب (٢) ، كقوله: ألا دارِها بالماء حتى تلينَها * فلن تُكرِمَ الصهباءَ حتى تهينَها وكذلك قوله: ديارُ نوارٍ ما ديارُ نوارِ * كسونك شجواً هُن منه عَوَارِ (٣) وكقول ابن المعتز: سأثنى على عهد المطيرة والقصر * وأدعو لها بالساكنين وبالقطر (٤) / وكقوله أيضا: هي الدارُ إلا أنها منهم قَفْرُ * وأني بها ثاوٍ وأنهمُ سَفْرُ (٥) / وكقوله: للأماني حديثٌ [قد] يقر * ويسوء الدهر من قد يَسرُّ (٦) وكقول المتنبي: وقد أراني الشبابُ الروحَ في بدني * وقد أرانى المشيب الروح في بدلى (٧) وقد قيل: إن من هذا القبيل قوله : (خلق الانسان من عجل سأريكم آيَاتي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ) (٨) ، وقوله: (قُلِ اللَّهِ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِيني فَاعْبدُواْ مَا شِئْتُم مِنْ دونه) (٩) . * * * ويعدون من البديع " المقابلة "، وهي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده، وذلك مثل قول النابغة الجعدى:

стр. 178

فتى تم فيه ما يَسُرُّ صديقَهُ * على أن فيه ما يَسوءُ الأعاديا (١) / وقال تأبط شرّاً: أهزُّ به في ندوة الحي عِطْفَهُ * كما هزّ عطفي بالهجان الأواركُ (٢) وكقول الآخر: وإذا حديثٌ ساءني لم أكتئب * وإذا حديث سرنى لم أشرز (٣) وكقول الآخر: وذى إخوة قطعت أرحام بينهم * كما تركوني واحدا لا أخاليا (٤) ونظيره من القرآن: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ منكم بربهم يشركون) (٥) . [ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة] (٦) . * * * / ويعدون من البديع " الموازنة "، وذلك كقول بعضهم: اصبر على حر اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع (٧) .

стр. 179

وكقول امرئ القيس: سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا * [له حجبات مشرفات على الفال] (١) ونظيره من القرآن: (والسماء ذات البروج. واليوم الموعود وشاهد ومشهود) (٢) . * * * ويعدون من البديع " المساواة "، وهي أن يكون اللفظ مساوياً / للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. وذلك يعد من البلاغة، وذلك كقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقةٍ * وإن خالها تخفَى على الناس تُعْلَمِ (٣) وكقول جرير: فلو شاء قومي كان حلميَ فيهمُ * وكان على جُهّال اعدائِهم جهلي (٤) وكقول الاخر (٥) : اذا انت لم تقصر عن الجهل والخنا * أصبت حليما أو أصابك جاهل وكقول الهذلى (٦) : فلا تجز عن من سنة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها (٧)

стр. 180

وكقول الآخر (١) : فإن هم طاوعوكِ فطاوِعيهم * وإن عاصَوك فاعصي من عصاكِ / ونظير ذلك في القرآن كثير. * * * ومما يعدونه من البديع " الإشارة " وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة. وقال بعضهم (٢) في وصف البلاغة: [البلاغة] لمحة دالة. ومن ذلك قول طرفة: فظلَّ لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ * فقل في مقيلٍ نحسُهُ متغيَّبُ (٣) وكقول زيد الخيل: فخيبة من يخيب علي غَنيّ * وباهلةَ بن أعصَر والرباب (٤)

стр. 181

ونظيره من القرآن: (ولو أن قُرآناً سُيِّرَتْ به الجبال أو قطعت به الأرض أو كّلم به الموتى بل للهِ الأمرُ جميعاً) (١) . ومواضع كثيرة. * * * ويعدون من البديع " المبالغة "، و " الغلو ". والمبالغة: تأكيد معاني القول، وذلك كقول (٢) الشاعر: ونكرِمُ جارَنا ما كان فينا * ونُتبعُهُ الكرامَةَ حيثُ مالا (٣) ومن ذلك قول الآخر (٤) : وهم تركُوك أسْلحَ من حُبارى * رأت صقراً وأشْرَدَ من نعامِ / فقوله: " رأت صقراً " مبالغة. ومن الغلو قول أبي نواس: توهمتها في كأسها فكأنما * توهمتُ شيئاً ليس يُدركه العقْلُ فما يرتقي التكييفُ فيها إلى مدى * يُحد به إلا ومن قبلِهِ قبلُ (٥) وقول زهير: لو كان يقعُد فوق الشمس من كرمٍ * قومٌ بأولهم أو مجدهم - قعدوا (٦) وكقول النابغة: بلغنا السماء مجدُنا وسناؤنا * وأنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا (٧)

стр. 182

وكقول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيثما نلت أطولُ (١) وما بلغ المهدون في القول مِدحةً * وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضلُ (٢) / وقول الآخر (٣) : له هِمَمٌ لا منتهى لكبارِها * وهمتُهُ الصُّغرى أجلُّ من الدهرِ له راحةٌ لو أن معشارَ جُودها * على البرِّ صار البرُّ أندى من البحر * * * ويرون من البديع " الإيغال " في الشعر خاصة، فلا يطلب مثله في القرآن إلا في الفواصل، كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب (٤) فقد أوغل بالقافية في الوصف وأكد التشبيه بها، والمعنى قد يستقل دونها. * * * ومن البديع عندهم " التوشيح ". وهو أن يشهد (٥) أول البيت بقافيته وأول الكلام بآخره، كقول البحتري: / فليس الذي حللته بمحلل * وليس الذي حرمته بحرامِ (٦) ومثله في القرآن: (فَمنَ تَابَ مِنَ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عليه إن الله غفور رحيم) (٧) . * * *

стр. 183

ومن ذلك " رد عجز الكلام على صدره ". كقول الله : (اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَلآخِرَةُ أَكْبرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تفضيلا) (١) وكقوله: (لا تفتروا على الله كذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بعذابٍ، وقد خابَ من افْتَرى) (٢) . ومن هذا الباب قول القائل (٣) : وإن لم يكن إلا تعللُ ساعةٍ * قليلاً فإني نافعٌ لي قليلُها وكقول جرير: / سقى الرملَ جونٌ مستهلٌ غمامُهُ * وما ذاك إلا حُبّ من حلَّ بالرملِ (٤) وكقول الآخر (٥) : يَودُّ الفتى طولَ السلامةِ والغِنى * فكيف يرى طولَ السلامةِ يفعلُ وكقول أبي صخر الهذلي: عجبتُ لسعي الدهرِ بيني وبينَها * فلما انقضى ما بيننا سكنَ الدهرُ (٦) وكقول الآخر: أصدُّ بأيدي العيس عن قصدٍ أرضِها * وقلبي إليها بالمودة قاصد (٧)

стр. 184

وكقول عمرو بن معدي كرب: إذا لم تستطعْ شيئاً فدعْهُ * وجاوزْهُ إلى ما تستطيعُ (١) * * * ومن البديع " صحة التقسيم " ومن ذلك قول نصيب: / فقال فريقُ القوم: لا وفريقُهم: * نعم، وفريقٌ قال: ويَحَك ما ندري (٢) وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا. وكقول الآخر (٣) : فكأنها فيه نهارٌ سَاطِعٌ * وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ (٤) وقول المقنع الكندى: وإن يأكلوا لحمي وفْرتُ لحومَهم * وإن يهدِموا مجدي بنيتُ لهم مجدا (٥) وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وإن هم هووا غيى هويتُ لهم رُشدا وإن زجروا طيراً بنحسٍ تَمُّر بي * زجرتُ لهم طيَراً تمرُّ بهم سَعدا وكقول عروة بن حزام: بمن لو أراه عانيا لفديته * ومن لو رأني عانيا لفداني (٦) ونحوه قول الله : (اللَّهُ ولى الذين آمنوا، يخرجهم من / الظلمات

стр. 185

إلى النور، والذين كفروا أوليائهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (١) . * * * ونحوه: " صحة التفسير ". [وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحولها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان] (٢) . كقول القائل (٣) : ولي فرسٌ للحلم بالحلم ملجمٌ * ولى فرس للجهل بالجهل مسرج * * * ومن البديع: " التكميل والتتميم ". [وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها. كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق] (٤) . / وكقول نافع بن خليفة: رجالٌ إذا لم يَقْبَلُوا الحقَّ منهمُ * ويعطوه عادوا بالسيوفِ القواطع (٥) وإنما تم جودة المعنى بقوله: " ويعطوه ". وذلك كقول الله : (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إلى آخر الآية. ثم قال: (إن الله عليم خبير) (٦) . * * * ومن البديع: " الترضيع ". وذلك على ألوان (٧) .

стр. 186

منها قول امرئ القيس: مخش مجش مقبل مدبر معا * كتيس ظباء الحلب العدوان (١) ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس: يامنة امتنها السكرُ * ما ينقضي مني لها الشكرُ (٢) وكقوله، وقد ذكرناه قبل هذا (٣) : / ديارُ نوارٍ ما ديار نوار * كسونك شجوا هن منه عوار * * * ومن ذلك: " الترصيع مع التجنيس "، كقول ابن المعتز: ألم تجزع على الربع المحيلِ * وأطلالٍ وآثار محول (٤) ونظيره من القرآن كقوله: (إِنَّ الَّذينَ اتَّقَواْ إِذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ، وإخْوَانُهُم يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) (٥) . وقوله: (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرَاً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (٦) . وكقوله: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لشديد) (٧) . وكقوله: (والطور. وكتاب مسطور) (٨) . وقوله: (والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا) (٩) . وقد أولع الشعراء بنحو هذا، فأكثروا فيه. ومنهم من اقتنع / بالترصيع في بعض أطراف الكلام. ومنهم من بنى كلامه [كله] (١٠) عليه، كقول ابن الرومي: أبدانهن وما لبس * ن من الحرير معا حرير (١١)

стр. 187

أرادنهن وما مسس * ن من العبير معا عبير (١) وكقوله: فلراهب أن لا يريث مكانه * ولراغب أن لا يريث نجاحه (٢) ومما يقارب الترصيع ضرب يسمى: " المضارعة " وذلك كقول الخنساء: حامى الحقيقة محمود الخليفة مه * دى الطريقة نفاع وضرار (٣) جواب قاصية جزاز ناصية * عقاد ألوية للخيل جرار (٤) * * * ومن البديع باب: " التكافؤ ". وذلك قريب من " المطابقة " / كقول المنصور: لا تخرجوا من عز الطاعة، إلى ذل المعصية (٥) . وقول عمر بن ذر (٦) : إنا لم نجد لك إذ عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك (٧) . ومنه قول بشار: إذا أيقظتك حروب العدا * فنبه لها عمرا ثم نم (٨) [ومنه قول أعرابي يذم قومه: ألسن عامرة من الوعد، وقلوب خربة من العزم. وقال آخر: وساع في الهوى، وطرب في الحاجة] (٩) .

стр. 188

ومن البديع باب: " التعطف " كقول امرئ القيس (١) : * عود على عود على عود خلق (٢) * / وقد تقدم مثاله (٣) . * * * ومن البديع: " السلب والايجاب " كقول القائل: وننكر إن شئنا على الناس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول (٤) * * * ومن البديع " الكناية والتعريض ". كقول القائل: وأحمر كالديباج، أما سماؤه * فريا، وأما أرضه فمحول (٥) ومن هذا الباب " لحن القول ". * * * ومن ذلك: " العكس والتبديل " كقول الحسن (٦) : إن من خوفك لتأمن خير ممن أمنَّك لتخافَ " وكقوله: " اللهم اغنني / بالفقرِ إليك، ولا تُفقِرْني بالاستغناء عنك " (٧) . وكقوله: " بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبعْ آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا " (٨) .

стр. 189

وكقول القائل: وإذا الدر زان حسن وجوه * كان للدر حسنُ وجهِكَ زينا (١) وقد يدخل في هذا الباب قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ في النهار ويولج النهار في الليل) (٢) . * * * ومن البديع: " الالتفات " فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري، أخبرنا محمد بن يحيى (٣) الصولى، [قال] : حدثني يحيى بن علي المنجم، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لي الأصمعي: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: لا، فما هي؟ قال: أتنسى إذ تودِّعُنا سليمى * بفرعِ بشامةٍ؟ سُقي البشامُ (٤) / ومثل ذلك لجرير: متى كان الخيام بذي طلوح * - سقيتِ الغيثَ - أيتُها الخيامُ؟ (٥) ومعنى الالتفاتات أنه اعترض في الكلام (٦) قوله: " سقيت الغيث "، ولو لم يعترض لم يكن ذلك التفاتاً، وكان الكلام منتظماً، وكان يقول: " متى كان الخيام بذي طلوح أيتها الخيام "؟ فمتى خرج عن الكلام الأول ثم رجع إليه على وجه يلطف - كان ذلك التفاتا. ومثله قول النابعة الجعدي: ألا زعمت بنو سعد بأني * - ألا كذبوا - كبير السن فانى (٧)

стр. 190

ومنه قول كثير: لو أن الباذلين، وانت منهم، * رأوك، تعلموا منك المطالا (١) ومثله قول أبى تمام: / وأنجدتم من بعد إتهام داركم * فيا دمع أنجدني على ساكنى نجد (٢) وكقول جرير: طرب الحمام بذى الاراك فشاقنى * لا زلت في غلل وأيك ناضر (٣) التفت إلى الحمام فدعا لها. ومثله قول حسان: إن التى ناولتنى فرددتها * قتلت قتلت فهاتها ثم تقتل (٤) ومثله قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: وأجمل إذا ما كنت لا بد مانعا * وقد يمنع الشئ الفتى وهو مجمل (٥) وكقول ابن ميادة: فلا صرمه يبدوا وفى اليأس راحة * ولا وصله يصفوا لنا فنكارمه (٦) ونظير ذلك من القرآن ما حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل من قوله: (اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. إنما / تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا) (٧) إلى قوله: (فما كان جواب قومه) (٨) .

стр. 191

وقوله : (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز، وبرزوا لله جميعا) (١) . ومثله قوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ما جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) (٢) . ومثله قوله: (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَث، أو تتركه يلهث) (٣) . ومثله قوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه) (٤) . / ومنهم من لا يعد الاعتراض والرجوع (٥) من هذا الباب. ومنهم من يفرده عنه، كقول زهير: قف بالديار التي لم يعفُها القدمُ * نعم، وغيرها الارواح والديم (٦) وكقول الاعرابي: أليس قليلا نظرة إن نظرتها * إليك، وكلا ليس منك قليل (٧) وكقول ابن هرمة: ليت حظي كلحظة العين منها * وكثير منها القليل المهنا (٨) * * *

стр. 192

ومن الرجوع قول القائل: بكل تداوينا فلم يُشْفَ ما بنا * على أن قُرب الدار خيرٌ من البعد (١) وقال الأعشى: / صرمت ولم أصرمْكُمُ وكصارم * أخٍ قد طوى كشحاً وآبَ ليذهبا (٢) وكقول بشار: لى حلة فيمن ينم * م وليس في الكذاب حِيلَه (٣) من كان يخلُقُ ما يقو * لُ فحيلتي فيه قليله (٤) وقال آخر: وما بى انتصار إن عدا الدهر ظالما * عليَّ، بلى إن كان من عندك النصرُ (٥) * * * / وباب آخر من البديع يسمى: " التذييل " وهو ضرب من التأكيد، وهو ضد ما قدمنا ذكره من الاشارة (٦) ، كقول أبى داود:

стр. 193

إذا ما عقدنا له ذمةً * شددنا العِنَاجَ وعقد الكرب (١) وأخذه الحطيئة فقال: [قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (٢) . / وكقول الآخر] (٣) : فدعوا نزال فكنت أول نازل * وعلام أركبه إذا لم أنزل؟ (٤) وكقول جرير: لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا * وريش الذنابى تابع للقوادم (٥) ومثله قوله : (إن فِرْعَونَ علا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعَاً. يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُم يُذَبِّحُ أَبناءَهُم ويَسْتَحْييِ نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ من المفْسِدِينَ. ونُرِيدُ أن نَمُّنَّ على الذينَ استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) ، إلى قوله: (كانوا خاطئين) (٦) . وباب من البديع يسمى " الاستطراد " (٧) . فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن

стр. 194

عبد الله قال: أنشدني أبو بكر بن دريد، قال: أنشدنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، لحسان بن ثابت، رضى الله عنه: / إن كنت كاذبة الذى حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام (١) ترك الاحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام (٢) وكقول السموأل: وإنا لقوم لا نرى القتل سبة * إذا ما رأته عامر وسلول (٣) وكقول الآخر: خليلي من كعب أعينا أخا كما * على دهره، إن الكريم معين (٤) ولا تبخلا بخل ابن قزعة، إنه * مخافة أن يرجى نداه حزين وكقول الآخر: فما ذر قرن الشمس حتى كأننا * من العى نحكى أحمد بن هشام (٥) / وكقول زهير: إن البخيل ملوم حيث كان ول * كن الجواد على علاته هرم (٦) وفيما (٧) كتب إليَّ الحسن بن عبد الله، قال: أخبرني محمد بن يحيى [قال] :

стр. 195

حدثنى محمد بن على الانباري (١) ، قال: سمعت البحترى يقول: أنشدني أبو تمام لنفسه: وسابح هطل التعداء هتان * على الجزاء أمين غير خوان (٢) أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه * فخل عينيك في ريان ظمآن (٣) ولو تراه مشيحا والحصى فلق * بين السنابك من مثنى ووحدان (٤) أيقنت - إن لم تثبت - أن حافره * من صخر تدمر أو من وجه عثمان (٥) وقال لى: ما هذا من الشعر؟ قلت لا أدرى. قال: هذا المستطرد، أو قال: الاستطراد. قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يرى أنه يصف الفرس، ويريد هجاء عثمان (٦) . / وقال البحترى: ما إن يُعاف قَذى ولو أوردته * يوماً خلائق حمدوية الاحول (٧) قال: فقيل للبحتري: إنك أخذت هذا من أبى تمام، فقال: ما يعاب على أن آخذ منه وأتبعه فيما يقول. ومن هذا الباب قول أبى تمام: صب الفراق علينا صب من كثب * عليه إسحاق يوم الروع منتقما (٨)

стр. 196

ومنه قول السرى الرفاء: نزع الوشاة لنا بسهم قطيعة * يرمى بسهم الحين من يرمى به (١) ليت الزمان أصاب حب قلوبهم * بقنا ابن عبد الله أو بحرابه ونظيره من القرآن: (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْملائكَةُ وهم لا يستكبرون) (٢) ../ كأنه كان المراد من أن يجرى بالقول الاول إلى الاخبار عن أن كل شئ يسجد لله ، وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص. * * * ومن البديع عندهم: " التكرار " كقول الشاعر: هلاّ سألت جموعَ كن * دةَ يومَ ولّوا أين أينا؟ (٣) وكقول الآخر: وكانت فَزارة تَصلى بنا * فأولى فزارة أولى فزارا (٤) ونظيره من القرآن [كثير، كقوله تعالى] (٥) : (فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسراً) (٦) . وكالتكرار في قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (٧) . وهذا فيه معنى زائد على التكرار، لانه يفيد الاخبار عن الغيب. * * * ومن البديع عندهم ضرب من " الاستثناء " كقول النابغة:

стр. 197

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بِهِنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ (١) وكقول النابغة الجعدي: فتى كملت أخلاقُهُ غير أنه * جوادٌ فلا يُبقي من المال باقيا. (٢) فتى تَمَّ فيه ما يَسُرُّ صديقَهُ * على أن فيه ما يسوءُ الأعاديا وكقول الآخر: حليمٌ إذا ما الحلمُ زّيَّنَ أهله * مع الحلم في عين العدو مهيبُ (٣) وكقول أبي تمام (٤) : تنصل ربها من غير جرمٍ * إليك سوى النصيحةِ والودادِ (٥) * * * ووجوه البديع كثيرة جداً، فاقتصرنا على ذكر بعضها، ونبهنا بذلك على ما لم نذكر، كراهة التطويل، فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع. * * * / وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه. وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه. والوجوه التى تقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال. ويبين ما قلنا: أن كثيرا من المحدثين (٦)

стр. 198

قد تصنع لأبواب الصنعة، حتى حشى جميع شعره منها، واجتهد ان لا يفوته بيت إلا وهو يملؤه من الصنعة، كما صنع أبو تمام في لاميته: متى أنت عن ذهلية الحى ذاهل * * وصدرك منها مدة الدهر آهل (١) تطل الطلول الدمع في كل موقف * وتمثل بالصبر الديار المواثل (٢) دوارس لم يجف الربيع ربوعها * ولا مر في أغفالها وهو غافل (٣) / فقد سحبت فيها السحاب ذيولها * وقد أخملت بالنور تلك الخمائل (٤) تعفين من زاد العفاة إذا انتحى * على الحى صرف الازمة المتماحل (٥) لهم سلف سمر العوالي وسامر * وفيهم جمال لا يغيض وجامل (٦) ليالى أضللت العزاء وخزلت * بعقلك آرام الخدور العقائل (٧) من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت * لها وشحا جالت عليه الخلاخل (٨) مها الوحش إلا أن هاتا أوانس * قنا الخط إلا أن تلك ذوايل (٩) هوى كان خلسا إن من أطيب الهوى * هوى جلت في أفيائه وهو خامل (١٠) ومن الادباء من عاب عليه هذه الابيات ونحوها على ما قد تكلف (١١) فيها من البديع، وتعمل من الصنعة، فقال: قد أذهب ماء هذا الشعر / ورونقه وفائدته،

стр. 199

اشتغالا بطلب التطبيق وسائر ما جمع فيه (١) . وقد تعصب " عليه أحمد بن عبيد الله بن عمار " وأسرف حتى تجاوز إلى الغض من محاسنه. ولما قد أولع به من الصنعة ربما غطى على بصره حتى يبدع في القبيح، وهو يريد أن يبدع في الحسن. كقوله في قصيدة له أولها: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد * وعاد قتادا عندها كل مرقد (٣) فقال فيها: لعمري لقد حررت يوم لقيته * لو أن القضاء وحده لم يبرد (٤) وكقوله: لو لم تدارك مسن المجد مذ زمن * بالجود والبأس كان المجد قد خرفا (٥) فهذا من الاستعارات القبيحة، والبديع المقيت (٦) ! ! / وكقوله: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت * أعمارهم قبل نضج التين والعنب (٧) وكقوله: لو لم يمتْ بين أطرافِ الرماحِ إذاً * لمات، إذ لم يمتْ، من شدةِ الحزَنَ (٨)

стр. 200

وكقوله: * خشنتِ عليه أختَ بني خشين (١) * وكقوله: ألا لا يمد الدهر كفا بسيئ * إلى مجتدى نصر فتقطع من الزِند (٢) وقال في وصف المطايا: / لو كان كلّفها عبيد حاجة * يوماً لزنَّى شدقماً وجديلا (٣) وكقوله: فضربت الشتاء في أخدعيه * ضربة غادرته عودا ركوبا (٤) فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة، حتى يعميه عن وجه الصواب، وربما أسرف في المطابق والمجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها، حتى استثقل نظمه، واستوخم رصفه، وكان التكلف (٥) بارداً، والتصرف جامداً. وربما اتفق مع ذلك في كلامه النادر المليح، كما يتفق البارد القبيح. * * * وأما البحتري فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام، ويقل التصنع له. فإذا وقع في كلامه كان في الأكثر حسناً رشيقا، وظريفا جميلا. وتصنعه

стр. 201

للمطابق كثير حسن، وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة، والرغبة في السلاسة، فلذلك يخرج سليماً من العيب في الأكثر. / وأما وقوف الألفاظ به عن تمام الحسنى، وقعود العبارات عن الغاية القصوى، فشئ لا بد منه، وأمر لا محيص عنه. كيف وقد وقف على من هو أجل منه وأعظم قدراً في هذه الصنعة، وأكبر في الطبقة، كامرئ القيس، وزهير، والنابغة، وابن هرمة (١) . ونحن نبين تميز كلامهم، وانحطاط درجة قولهم، ونزول طبقة نظمهم عن بديع نظم القرآن، في باب مفرد، يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره، ويتحقق (٢) وجه الإعجاز فيه، بمشيئة الله وعونه. * * * / ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه، من أنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادعوه في الشعر ووصفوه فيه. وذلك: أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة. وله طريق يسلك، ووجه يقصد، وسلم يرتقى فيه إليه، ومثال قد يقع طالبه عليه. فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعرا، وآخر يتعود (٣) أن يكون جميع خطابه سجعاً، أو صنعة متصلة، لا يسقط من كلامه حرفا (٤) ، وقد يتأتى له لما قد تعوده (٥) . وأنت ترى أدباء زماننا يضعون (٦) المحاسن في جزء. وكذلك يؤلفون أنواع البارع، ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو خطبة فيحسنون (٧) به كلامهم. ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك - استغنى عن هذا التصنيف، ولم يحتج إلى تكلف هذا التأليف، وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطاً من باع كلامه، وموشحاً بأنواع البديع ما يحاوله من قوله.

стр. 202

/ وهذا طريق لا يتعذر، وباب لا يمتنع، وكل يأخذ فيه مأخذا ويقف منه موقفا (١) ، على قدر ما معه من المعرفة، وبحسب ما يمده من الطبع. فأما شأو نظم القرآن، فليس له مثال يحتذى عليه (٢) ولا إمام يقتدي به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا، كما يتفق للشاعر البيت النادر، والكلمة الشاردة، والمعنى الفذ الغريب، والشئ القليل العجيب، وكما يلحق من كلامه (٣) ، بالوحشيات، ويضاف من قوله إلى الأوابد، لأن ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع، فإنما يتفق للشاعر في لمع من شعره، وللكاتب في قليل من رسائله، وللخطيب في يسير من خطبه. ولو كان كل شعره نادراً، ومثلاً سائراً، ومعنى بديعاً، ولفظاً رشيقا، وكل كلامه مملوءا من رونقه ومائه، ومحلى (٤) ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين، والمتردد بين الطرفين، ولا البارد (٥) المستثقل، والغث المستنكر - لم يبن الإعجاز في الكلام، ولم يظهر (٦) التفاوت العجيب بين النظام والنظام. / وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل (٧) ، ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير (٧) . وسنذكر ذلك بمشيئة الله وعونه. ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا (٨) أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع - كان جديراً. وإنما لم نطلق القول إطلاقاً، لأنا لا نجعل الإعجاز متعلقاً بهذه الوجوه الخاصة ووقفاً عليها، ومضافاً إليها، وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع والتعمل المستشنع.

стр. 203

/ فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن (١) يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك. فإذا عرفوا هذا - بأن علموا أنهم قد تحدوا إلى (٢) أن يأتوا بمثله، وقرعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه. وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز. وكذلك نقول:، إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما يعدونه فصيحاً بليغا بارعاً من غيره - فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان، سواء. فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها - فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة - / فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميز بين الشعر الجيد والردئ، والفصيح والبديع، والنادر والبارع والغريب. وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره، وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر، وربما (٣) اختلفوا فيه: لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين، والقول الرصين. ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه، وتروع بهجته ورواؤه،

стр. 204

ويسلس مأخذه، ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول، غير عويص اللفظ، ولا غامض المعنى. كما [قد] (١) يختار (٢) قوم ما يغمض معناه، ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل على اللسان، وسبق إلى البيان. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ وصف زهيراً، فقال: كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه (٣) . وقال لعبد بني الحسحاس حين أنشده: / * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا (٤) *: أما إنه لو قلت مثل هذا لأجزتك عليه (٥) . وروي أن جريراً سئل عن أحسن الشعر؟ فقال: قوله: إن الشقي الذي في النار منزله * والفوز فوز الذي ينجو من النار (٦) كأنه فضله لصدق معناه. ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والإفراط فيه (٧) ، حتى ربما قالوا: أحسن الشعر أكذبه، كقول النابغة: يَقُدُّ السلوقِيَّ المضاعفَ نسجُه * ويوقدن بالصفّاحِ نارَ الحباحبِ (٨) وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين: في الغلو (٩) والاقتصاد، وفي المتانة والسلاسة.

стр. 205

ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة، وألطف / تعملا، وأن يتخير الالفاظ الرشيقة للمعانى البديعية والقوا في الواقعة، كمذهب البحتري، وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب (١) [في قوله] (٢) : في نظام من البلاغة ما شك * ك امرؤُ إنه نظام فريد (٣) وبديع كأنه الزَّهَرُ الضا * حكُ في رونق الربيعِ الجديد حُزنَ مستعمل الكلام اختياراً * وتجنبْنَ ظلمةَ التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدرك * ن به غاية المراد البعيد (٤) [كالعذاري غدون في الحلل ال * بيض إذا رحن في الخطوط السود] (٥) ويرون أن من تعدى هذا كان سالكاً مسلكاً عامياً، ولم يروه شاعراً ولا مصيباً. / وفيما كتب [إلى] الحسن بن عبد الله: أبو (٦) أحمد العسكري، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أخبرني عبد الله بن الحسين (٧) قال: قال لي البحتري: دعاني " علي بن الجهم " فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين، إلى أن ذكرنا شعر أشجع [السلمى] ، فقال لي: إنه يُخْلي، وأعادها مرات، ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع،

стр. 206

وإذا هو يريد هذا بعينه: أن يعمل الابيات فلا يصيب فيها بيت نادر (١) ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب بشئ (٢) ، قيل: قد أخلى. قال (٣) : وكان " علي بن الجهم " أحسن الناس علما بالشعر (٤) . وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام، الذي يجمع الغريب والمعاني، مثل أبي عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر، والأصمعي. / ومنهم من يختار الوحشي من الشعر، كما اختار المفضل (٥) للمنصور من " المفضليات " وقيل: إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن. وذكر الحسن بن عبد الله: أنه أخبره بعض الكتاب عن علي بن العباس، قال: حضرت مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (٦) ، وقد سأل البحتري عن أبي نواس ومسلم بن الوليد: أيهما أشعر؟ فقال البحتري: أبو نواس أشعر. فقال عبيد الله: إن أبا العباس ثعلباً لا يطابقك على قولك، ويفضل مسلماً. فقال البحتري: ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك (٧) الشعر إلى مضايقه، وانتهى إلى ضرواته (٨) . فقال له عبيد الله (٩) : وريت بك زنادي يا أبا عبادة، وقد وافق حكمك حكم أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق، [فإن دعبلا حدثنى عن أبى نواس، أنه حضر بشارا، وقد سئل عن جرير والفرزدق، و] (١٠) أيهما أشعر؟ فقال: جرير أشعرهما. فقيل له: / بماذا؟ فقال: لأن جريراً يشتد، إذا شاء، وليس كذلك الفرزدق، لانه يشتد أبدا. فقيل له: فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير.

стр. 207

فقال: ليس هذا من عمل أولئك القوم، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله، وفي الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير: لولا الحياء لعادني استعبار * ولزرت قبرك والحبيب يزار (١) وروي عن أبي عبيدة: أنه قال للفرزدق (٢) : مالك لا تنسب كما ينسب جرير؟ فغاب حولاً، ثم جاء فأنشد: يا أخت ناجية بن سامة إنني * أخشى عليك بنى إن طلبوا دمى (٣) والاعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام (٤) من الجنس الذي جمعه في كتاب " الحماسة "، وما اختاره من " الوحشيات "، وذلك أنه تنكب (٥) المستنكر الوحشى، والمبتذل العامي، وأتى بالواسطة. وهذه طريقة من ينصف في الاختيار، ولا يعدل به غرض (٦) / يخص، لأن الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم، وإظهار (٧) التقدم في معرفته، وعجز غيرهم عنه، ولم يكن قصدهم جيد الاشعار لشئ يرجع إليها في أنفسها. ويبين هذا: أن الكلام الموضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على (٨) المراد، وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الاذن، و [لا] (٩) مستنكر المورد على النفس، حتى يتأبى بغرابته (١٠) في اللفظ عن الافهام، أو يمتنع بتعويص (١١) معناه عن الإبانة. ويجب أن يتنكب ما كان عامى اللفظ (١٢) ، مبتذل العبارة، ركيك المعنى، سفسافي الوضع، مجتلب

стр. 208

التأسيس (١) على غير أصل ممهد، ولا طريق موطد. وإنما فضلت العربية على غيرها، لاعتدالها في الوضع. لذلك وضع أصلها على أن أكثرها [هو] (٢) بالحروف المعتدلة، فقد أهملوا الألفاظ / المستكرهة في نظمها، وأسقطوها من كلامهم، وجعلوا عامة (٣) لسانهم على الاعدل. ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي، لأنهم بدءوا بحرف وسكتوا على آخر، وحعلوا حرفاً وصلة بين الحرفين، ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك. والثنائي أقل. وكذلك الرباعي والخماسي أقل، ولو كان ثنائيا لتكررت الحروف. ولو كان كله رباعيا أو (٤) خماسيا لكثرت الكلمات. وكذلك بني أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا: فأكثر هذه السور التي ابتدئت بذكر الحروف، ذكر فيها ثلاثة أحرف. وما هو أربعة أحرف سورتان. وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان. فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا، وإنما جعله فعلا واسما لشئ خاص. ومن جعل ذلك حرفاً قال: أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها. ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر (٥) في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيراً (٦) ، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان / يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التى هي (٧) اسم لشئ واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية. والعربية أشدها تمكناً، وأشرفها تصرفاً وأعدلها، ولذلك (٨) جعلت حلية لنظم القرآن، وعلق بها الإعجاز، وصار دلالة في النبوة (٩) . * * *

стр. 209

وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس، التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقا في الايضاح عن المطلب (١) وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفاً. وقد شبهوا النطق بالخط، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة / وصحة، [وملاحة] (٢) ولطف، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال. شبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك، والباكي الحزين، والضاحك المتباكي، والضاحك المستبشر. وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة، فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير. وفي جملة الكلام ما تقصر (٣) عبارته وتفضل معانيه. وفيه ما تقصر معانيه (٤) وتفضل العبارات. وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقاً للآخر. ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على [جملة وقد يفيدها على] (٥) تفصيل. وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعاً شريفاً، وغريباً لطيفاَ. وقد يكون كل واحد منهما مستجلباً متكلفاً، ومصنوعاً متعسفاً، وقد يكون [كل] (٦) واحد منهما حسناً رشيقاً، وبهيجاً نضيراً (٧) . وقد يتفق أحد الامرين دون الآخر. وقدر / يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما. [و] (٨) إنما يميز من يميز، ويعرف من يعرف. والحكم في ذلك صعب شديد، والفصل فيه شأو بعيد. وقد قل من

стр. 210

يميز أصناف الكلام، فقد حكي عن طبقة أبى عبيدة وخلف الاحمر وغيرهما في زمانهما (١) ، أنهم قالوا: ذهب من يعرف نقد (٢) الشعر. وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار، وما يجب أن يجمعوا عليه، ويرجعوا عند التحقيق إليه، فكلام المقتدر نمط، وكلام المتوسط (٣) باب، وكلام المطبوع له طريق، وكلام المتكلف له منهاج، والكلام المصنوع المطبوع له باب. ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة، لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم تشتبه عنده هذه الطرق: فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه (٤) ، وقدر كل كلام في نفسه، ويحله محله، ويعتقد فيه ما هو عليه، ويحكم فيه (٥) بما يستحق من الحكم. / وإن كان المتكلم يجود في شئ دون شئ، عرف ذلك منه. وإن كان (٦) يعم إحسانه، عرف (٧) . ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو. ومنهم من يجود في الهجو وحده (٨) ، ومنهم من يجود في المزح (٩) والسخف، ومنهم من يجود في الأوصاف. والعالم لا يشذ عنه [شئ من ذلك، ولا تخفى عليه] (١٠) مراتب هؤلاء، ولا تذهب عليه أقدارهم، حتى أنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة، فأنشد غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه، ولم يرتب في في أنها (١١) من نظمه، كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه (١٢) من بين الخطوط المختلفة، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره، وكذلك أمر الخطب.

стр. 211

فإن اشتبه عليه البغض، فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري: في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، / ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحترى وألفاظه. ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [من سبك مسلم] (١) ، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري، وينبهه ديباجة (٢) شعر البحتري، وكثرة مائه، وبديع رونقه، وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه، فيشتبه بشعر (٣) ابن الرومي، ويحركه ما لشعر (٤) أبي نواس من الحلاوة، والرقة، والرشاقة، والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم. وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر النابغة وزهير، وبين شعر جرير والأخطل، والبعيث والفرزدق. وكل له منهج معروف، وطريق مألوف. ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده (٥) ، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل، / وتقدم في شأوها، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، [و] حتى خلص لنفسه طريقة (٦) ، وأنشأ لنفسه منهاجاً، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع، وتارة طريقة الأصل، وبرع في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقة من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق القليل، وتغمض الاطراف، وتشذ النواحى.

стр. 212

وقد يتقارب (١) سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه اشتباهاً شديدا، وتتماثل تماثلا قريبا، فيغمض الاصل (٢) . وقد يتشاكل الفرع والاصل، وذلك فيما لا يتعذر دراك (٣) أمده، ولا يتصعب طلاب شأوه، ولا يمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته، لأن الذي ينفق من الفصل (٤) بين أهل الزمان إذا تفاضلوا [في سبق] (٥) ، وتفاوتوا في مضمار، فصل قريب، وأمر يسير. وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ و [لا] سارق (٦) / المعاني، ولا من يخترعها، ولا من يلم بها، ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به، ولا من يخترع الكلام اختراعاً، ويبتدهه ابتداهاً، ممن يروى (٧) فيه، ويجيل الفكر في تنقيحه، ويصبر عليه، حتى يتخلص له ما يريد، وحتى يتكرر نظره فيه. قال أبو عبيدة: سمعت أبا عمرو يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين (٨) . وكان زهير يسمى كبر شعره " الحوليات المنقحة ". وقال عدي ابن الرقاع: وقصيدة قد بت أجمع بينها * حتى أقوِّم ميلها وسنادها (٩) نظر المثقف في كعوب قناته * حتى يقيم ثقافه مُنآدها وكقول سويد بن كراع: أبيت بأبواب القوافي كأنما * أصادي بها سربا من الوحش نزعا (١٠)

стр. 213

ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر، ونفاذ الطبع وسرعة / النظم، يرتجل القول ارتجالاً، ويطبعه (١) عفواً صفواً، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم، وجاهدوا خواطرهم. وكذلك لا [يمكن أن] (٢) يخفى عليهم الكلام العلوى، واللفظ الملوكى، كما لا يخفى عليهم الكلام العامي، واللفظ السوقى، ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا، ويعطفونه - كيف تصرف - حقوقه، ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره، ولا يساهمه سواه. ألا تراهم وصفوا زهيراً بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر (٣) ، قاله أبو عبيدة (٤) ؟ وروى أن الفرزدق انتحل بيتاً من شعر جرير، وقال: هذا يشبه شعري. فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن، وهذا كما يعلم البزاز أن (٥) هذا الديباج عمل بتستر (٦) ، وهذا / لم يعمل بتستر، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان، ومن نسج فلان دون فلان، حتى لا يخفى عليه، وإن كان قد يخفى على غيره. ثم إنهم يعلمون أيضاً من له سمت بنفسه، ورفت برأسه، ومن يقتدي في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره، ويجعل سواه قدوة له، ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره، ويطور (٧) في الاحيان [بجنبات كلامه] (٨) . وهذه أمور ممهدة عند العلماء، وأسباب معروفة عند الأدباء، وكما يقولون: إن " البحتري " يغير على " أبي تمام " إغارة، ويأخذ منه صريحاً وإشارة،

стр. 214

ويستأنس بالأخذ منه بخلاف (١) ما يستأنس بالأخذ من غيره، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه، وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم، وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى. وما الذي نفع " المتنبي " جحوده الأخذ، وإنكاره معرفة " الطائيين " وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهاراً، أو ألمّ بهما فيه سراراً؟ ! / وأما ما لم يأخذ عن الغير، ولكن سلك النمط، وراعى النهج، فهم يعرفونه، ويقولون: هذا أشبه به من التمر بالتمرة، وأقرب إليه من الماء إلى الماء، وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة، فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه، وسلك في غير جانبه (٢) ، قيل: بينهما ما بين السماء والارض، وماب ين النجم والنون (٣) ، وما بين المشرق والمغرب. * * * وإنما أطلت عليك، ووضعت جميعه بين يديك، لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله، وغامضه وجليه، وقريبه وبعيده، ومعوجه ومستقيمه. فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول، وهو قريب متناول، من أمر يخرج عن أجناس كلامهم، ويبعد عما هو في عرفهم، ويفوت مواقع قدرهم؟ ! وإذا اشتبه ذلك، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه (٤) بينهم ولا يتجاوزونه، فلكلامهم سبل مضبوطة، وطرق معروفة محصورة. وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا / الشأن، فيدعي أنه أشعر من البحتري، ويتوهم أنه أدق مسلكاً من أبي نواس، وأحسن طريقاً من مسلم! وأنت تعلم أنهما متباعدان، وتتحقق أنهما لا يجتمعان

стр. 215

ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار (١) صاحبه، ويطالع ضياء نجمه، ويراعى خفوق (٢) جناحه وهو راكد في موضعه، ولا يضر البحترى ظنه، ولا يلحقه بشأوه وهمه (٣) . فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد، فصاحة القرآن وموقع بلاغته، وعجيب براعته - فما عليك منه، إنما يخبر عن نقصه (٤) ، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح (٥) بسخافة فهمه، وركاكة عقله. وإنما قدمنا (٦) ما قدمناه في هذا الفصل، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، أمر لا يجوز غيره، ولا يحتمل سواه، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند (٧) أخي معرفة، كما يعرف الفصل بين طبائع (٨) الشعراء / من أهل الجاهلية، وبين المخضرمين، وبين المحدثين، ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه وغريزة نفسه، وبين من يشتغل بالتكلف والتصنع، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع، وبين من كان مطبوعه كالمتعمل (٩) المصنوع. هيهات هيهات! ! هذا أمر - وإن دقّ - فله قوم يقتلون علماَ، وأهل يحيطون به فهماً، ويعرفونه (١٠) إليك إن شئت، ويصورونه لديك إن أردت، ويجلونه على خواطرك إن أحببت، ويعرفونه لفطنتك إن حاولت، وقد قال القائل: للحرب والضرب أقوامٌ لها خُلِقُوا * وللدواوين كتّابٌ وحُسَّابُ ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط، ولكل قد قل من يميز في هذا الفن خاصة، وذهب من يحصل في هذا الشأن، إلا قليلا! فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها - من التناهى في معرفة الفصاحات،
следующие страницы →