Полный текст (58 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
التعليقات الأثرية على العقيدة الطحاوية لأئمة الدعوة السلفية
محمد بن عبد العزيز بن مانع ﵀ (١٢٩٨ - ١٣٨٥ هـ)
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ (١٣٣٠هـ - ١٤٢٠هـ)
محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (١٣٣٢هـ - ١٤٢٠هـ)
جمع وإعداد / أحمد بن يحيى الزهراني
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد- ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: قال ﷺ : ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) (١) . الحواشي
(١) ... (صحيح) أخرجه أبو داود(٣٤٦٢) وانظر الصحيحة ١/ح(١١) .стр. 2
فلاعز ولانصر للمسلمين بل ولانهوض إلا بالرجوع لدينهم والتمسك بعقيدتهم الصحيحة ومنهجها القويم فهما (١) أساس كل فلاح ونجاح وما انتصر المسلمون الأوائل إلا بتمسكهم بعقيدتهم ومنهجهم علمياً وعملياً (٢) وما نراه اليوم من ضعف وتفرق وتحزب بين – وفي – صفوف المسلمين وتكالب الأعداء عليهم هو بإهمالهم هذا الأساس وقد أدرك علماء الإسلام هذا الخطر فهبوا هبة قوية صادقة فألفوا كتباً في إيضاح العقيدة – وأهميتها ووجوب التمسك بها والتحذير من مخالفتها – ومن أولئك العلماء الأفذاذ أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي ﵀ (٣) فألف متناً عُرف بالعقيدة الطحاوية فلقي قبولاً واسعاً عند جماهير المسلمين سلفاً وخلفاً فتناولها العلماء بالشرح والتعليق والتعقيب وما ذاك إلا لأهميتها وعظيم قدر مؤلفها. الحواشي
(١) ...إن الفصل بين العقيدة والمنهج دعوى باطلة والقائلون بها مناقضون لأنفسهم فكيف
=...يكون المرء: إخواني أو تبليغي أو ... وعقيدته سلفية!!! هذا لا يكاد يتصور فمن كانت عقيدته سلفية فعقيدته تحتم عليه بل وتمنعه من الانجراف إلى هذه المناهج الحادثة بخلاف من هو على هذه المناهج الوافدة وأصولها الباطلة فسيتنازل عن اتباع ما كان عليه النبي محمد ﷺ وصحابته الكرام حتى يكاد ينحل من ذلك عياذا بالله.
وما أحدث هذا القول إلا لاحتواء أهل السنة والتغرير بهم وتقريبهم من أهل البدع والأهواء بل وحمايتهم والغض عن زلا تهم وهفواتهم وتشويه صورة كل من ينتقدهم ويحذر منهم فكن على حذر ولا تكن حلوا فتسترط!!!(٢) ...أي بالعلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى.(٣) ...انظر ترجمته في الفهرست ص/٣٤٩ وشذرات الذهب ٢/٢٨٨والفوائد البهية في تراجم الحنفية ص/٣١-٣٤ ومعجم المؤلفين ٢/١٠٧.стр. 3
فجزى الله أبا جعفر على ما بذل وعفا عنه فيما وقع فيه من الزلل (١) وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ .
ومن أجل تقريب هذه العقيدة للناس وبيانها وما اشتملت عليه من درر وعيون عقائد أهل السنة والجماعة قمت بجمع تعليقات (٢) أثرية سلفية (٣) الحواشي
(١) ...كما في رقم(٥٧) و(٦١) و(٦٢) و(٦٤) وغيرها.(٢) ...حتى تكون قريبة المنال لمبتغيها.(٣) ...نعم أثرية سلفية عقيدة ومنهجاً وفقهاً وتعاملاً وشعارنا هو: أهل الحديث (أثري وسلفي)
=...حقيقة لا إدعاء وترك الانتساب للسلف أو التشكيك فيه من علامات أهل البدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٤/١٥٥) : فعلم أن شعار أهل البدع هو: ترك انتحال اتباع السلف ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي ﷺ )) .
...وقال أيضاً كما في مجموع الفتاوى ٤/١٥٦: أما أن يكون انتحال السلف من شعائر أهل البدع: فهذا باطل قطعاً فإن ذلك غير ممكن إلا حيث يكثر الجهل ويقل العلم)) .
...وقال في حق من ينتسب للسلف (مجموع الفتاوى ٤/١٤٩) : لاعيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق فإن مذهب السلف لايكون إلا حقاً)) .
...وفي هذا كفاية لمن كان له مسكة من عقل.стр. 4
على هذه العقيدة (١) لأعلام الهدى ومصابيح الدجى - في عصرنا - الشيخ العلامة محمد بن عبد العزيز بن مانع ﵀ (٢) والشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ (٣) والشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀ (٤) .
وهذه التعليقات الرائدات الجامعات النافعات أوضحت المراد من المتن أتم إيضاح ودحضت شبهات أهل البدع والزيغ والضلال بل أجهزت عليها في معاقلها وهذا مما حدا بنا إلى جمعها وتقريبها للمسلمين عسى أن تجد قلوباً واعية وآذاناً صاغية فتعود لعزها ومجدها.
فها هي أخي المسلم بين يديك فعض عليها بالنواجذ تكن على الجادة وسالماً - بإذن الله - في الدنيا والآخرة.
وسميت هذا الكتاب بـ: (التعليقات الأثرية على العقيدة الطحاوية) .
سائلاً المولى عز شأنه وجلت قدرته أن ينفع به إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
...أبو عبد الله أحمد بن يحيى الزهراني الحواشي
(١) ...في هذه الحقبة المريرة التي تخلى كثير من الناس عن عقيدتهم وأشدهم مكراً من تنازل عن بعضها من أجل تحقيق مصلحة - زعموا - كما يفعله كثير من الحركيين!!!(٢) ...انظر ترجمته في الأعلام للزركلي ٦/٢٠٩ وروضة الناظرين لمحمد القاضي ٢/٢٩٣ - ٣٠٢ وتاريخ علماء نجد للبسام ٦/١٠٠- ١١٣. وقد رمزت لتعليقاته بحرف (م) .(٣) ...انظر ترجمته في الانجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز لعبد الرحمن الرحمه والإبريزية في التسعين البازية (لمحمد الشتوي) . وقد رمزت لتعليقاته بحرف (ز) .(٤) ...انظر ترجمته في حياة الألباني وآثاره العلمية (للشيباني) وترجمة موجزة لفضيلة المحدث الشيخ أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني (للدكتور عاصم القريوني) ومحدث العصر محمد ناصر الدين الألباني (لسمير الزهيري) . وقد رمزت لتعليقاته بحرف (ن) .стр. 5
[مقدمة المصنف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين
قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي - بمصر ﵀:
هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب (١) فقهاء الملة: أبي (٢) حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي (٣) الحواشي
(١) ...قوله على مذهب فقهاء الملة إلخ، اعلم أن ما ذكره المصنف ﵀ في هذه العقيدة ليس مختصاً بهؤلاء الأئمة المذكورين فقط، فإن أهل السنة والجماعة من الأولين والآخرين عقيدتهم واحدة؛ لأنهم معتصمون بالكتاب والسنة، ومن خالفهم في معتقدهم صار مبتدعاً ضالاً ولا يعذر باجتهاده؛ لأن العذر مقبول في الاجتهاد في فروع الأحكام لا في أصول الدين؛ فالعقائد الدينية ليس فيها تعدد مذاهب؛ بل الصواب مذهب أهل السنة والجماعة وما عداه باطل فتنبه. (م)(٢) ...هو الإمام النعمان بن ثابت الكوفي ولد سنة ٨٠ وأدرك جماعة من الصحابة قال الخطيب: إنه رأى أنس بن مالك وكان ﵀ عالماً عاملاً زاهداً عابداً، ورعاً تقياً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى مات سنة ١٥٠هـ، وهي السنة التي ولد فيها الإمام الشافعي ﵀. (م)(٣) ...أبو يوسف هو الإمام المتقن المجتهد المطلق أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري البجلي؛ ولد سنة ١١٣ أخذ العلم عن الإمام أبي حنيفة وغيره وأخذ عنه العلم جماعة منهم الإمام أحمد ﵀، وولاه الرشيد القضاء، وظل عليه إلى أن مات سنة ١٨٣، ولما مات أبو يوسف أقر هارون الرشيد ابنه يوسف على القضاء إلى أن مات يوسف، ولما خرجت جنازة أبي يوسف جعل الناس يقولون: مات الفقه؛ مات الفقه فأنشأ بعضهم يقول:
......يا ناعي الفقه إلى أهله......إن مات يعقوب وما تدري
.........لم يمت الفقه ولكنه......حول من صدر إلى صدر (م)стр. 6
يو سف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (١) رضوان الله عليهم أجمعين وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين (٢) .
[الإيمان بالله تعالى]
١- نقول في توحيد الله (٣) الحواشي
(١) ...هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، كان الرشيد ولاه القضاء، وخرج مع الرشيد في سفره إلى خرسان فمات بالري، ودفن بها، كان أبوه من جند أهل الشام فقدم واسطاً فولد بها محمداً سنة ١٣٢ ونشأ بالكوفة وأخذ العلم عن أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف وغيرهم وكان له مجلس في الكوفة وهو ابن عشرين سنة، قال إبراهيم الحربي: قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: من كتب محمد بن الحسن مات ﵀ بالري سنة ١٨٩، قال السمعاني: مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد بالري، وقيل إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري، ومحمد بن الحسن المذكور ابن خالة الفراء الإمام المشهور بالنحو واللغة، رحم الله الجميع. (م)(٢) ...زيادة من نسخة (خ) وغيرها (ن) .(٣) ...قوله (نقول في توحيد الله ... إلخ)
...أعلم أن التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب ينقسم إلى أقسام ثلاثة حسب استقراء النصوص من الكتاب والسنة وحسب واقع المكلفين:
...القسم الأول: توحيد الربوبية وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه وهو الإيمان بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه المتصرف في شئونهم في الدنيا والآخرة لا شريك له في ذلك كما قال تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْر﴾ [يونس: ٣] الآية وهذا النوع قد أقر به المشركون عباد الأوثان وإن جحد أكثرهم البعث والنشور ولم يدخلهم في الإسلام لشركهم بالله في العبادة وعبادتهم الأصنام والأوثان معه سبحانه وعدم إيمانهم بالرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
القسم الثاني: توحيد العبادة ويسمى توحيد الألوهية وهي العبادة وهذا القسم هو الذي أنكره المشركون فيما ذكر الله عنهم سبحانه بقوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٤-٥] وأمثالها كثير وهذا القسم يتضمن إخلاص العبادة لله وحده والإيمان بأنه المستحق لها وأن عبادة ما سواه باطلة وهذا هو معنى لا إله إلا الله فإن معناها لا معبود
= ...بحق إلا الله كما قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ الآية [الحج:٦٢] .
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله العزيز وفي السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أسماء الله وصفاته وإثباتها لله سبحانه على الوجه الذي يليق به من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وقال : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠] والآيات في هذا المعنى كثيرة والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى الذي لا نقص فيه وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأتباعهم بإحسان يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت ويثبتون معانيها لله سبحانه إثباتاً بريئاً من التمثيل وينزهون الله سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيهاً بريئاً من التعطيل وبما قالوا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة وتقوم الحجة على من خالفهم وهم المذكورون في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] جعلنا الله منهم بمنه وكرمه والله المستعان. (ز)стр. 7
معتقدين -بتوفيق الله -:
إن الله واحد لا شريك له (١) الحواشي
(١) ...إن نفي الشريك عن الله تعالى لا يتم إلا بنفي ثلاثة أنواع من الشرك:
...الأول: الشرك في الربوبية، وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقاً آخر – – كما هو اعتقاد المجوس القائلين بأن للشر خالقاً غير الله سبحانه. وهذا النوع في هذه الأمة قليل والحمد لله، وإن كان قريباً منه قول المعتزلة: إن الشر إنما هو من خلق الإنسان، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : ((القدرية مجوس هذه الأمة ... )) الحديث، وهو
=...مخرج في مصادر عدة عندي أشرت إليها في ((صحيح الجامع الصغير وزيادته)) رقم [٤٤٤٢] .
الثاني: الشرك في الألوهية أو العبودية، وهو أن يعبد مع الله غيره من الأنبياء والصالحين، كالاستغاثة بهم وندائهم عند الشدائد ونحو ذلك. وهذا مع الأسف في هذه الأمة كثير، ويحمل وزره الأكبر أولئك المشايخ الذين يؤيدون هذا النوع من الشرك باسم التوسل ((يسمونها بغير اسمها)) ! .
الثالث: الشرك في الصفات، وذلك بأن يصف بعض خلقه تعالى ببعض الصفات الخاصة به كعلم الغيب مثلاً، وهذا النوع منتشر في كثيير من الصوفية. ومن تأثر بهم، مثل قول بعضهم في مدحه النبي ﷺ :
...... ((فإن من جودك الدنيا وضرتها...ومن علومك علم اللوح والقلم!))
ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين الذين يزعمون أنهم يرون الرسول- ﷺ اليوم يقظة ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس من يخالطونهم، ويريدون تأميرهم في بعض شؤونهم، ورسول الله ﷺ ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] فكيف يعلم ذلك بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؟! .
هذا الأنواع الثلاثة من الشرك من نفاها عن الله في توحيده إياه، فوحده في ذاته وفي عبادته، وفي صفاته، فهو الموحد الذي تشمله كل الفضائل الخاصة بالموحدين، ومن أخل بشيء منه، فهو الذي يتوجه إليه مثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة، فلاجرم أن المصنف ﵀ بدأ به، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح هذا الكتاب وكتب شيوخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب وغيرهم ممن حذا حذوهم واتبع سبيلهم، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَان﴾ [الحشر:١٠] . (ن)стр. 8
،
٢- ولا شيء مثله (١) .
٣- ولا شيء يعجزه.
٤- ولا إله غيره.
٥- قديم بلا ابتداء (٢) الحواشي
(١) ...هذا أصل من أصول التوحيد، وهو أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله ولكن المبتدعة والمتأولة قد اتخذوه أصلا لإنكار كثير من صفات الله
=...﵎، فكلما ضاقت قلوبهم عن الإيمان بصفة من صفاته سلطوا عليها معاول التأويل والهدم، فأنكروها، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ متجاهلين تمام الآية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فهي قد جمعت بين التنزيه، والإثبات، فمن أراد السلامة في عقيدته فعليه أن ينزه الله تعالى عن مشابهته للحوادث، دون تأويل أو تعطيل، وأن يثبت له من الصفات كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو حديث نبيه دون تمثيل، وهذا هو مذهب السلف وعليه المصنف ﵀ تبعاً لأبي حنيفة وسائر الأئمة، كما تراه مفصلاً في الشرح، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] . (ن)(٢) ...أ) قوله ((قديم)) يوصف سبحانه بالقدم بمعنى أنه يخبر عنه بذلك كما ذكره ابن القيم في البدائع؛ وباب الإخبار أوسع من باب الصفات التوقيفية؛ وأهل العلم لم يذكروا لفظة القديم في الأسماء الحسنى، ولكنهم يخبرون عنه سبحانه بذلك قال في النونية:
... وهو القديم فلم يزل بصفاته...متوحداً بل دائم الإحسان (م)
ب) قوله (قديم بلا ابتداء)
هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله الحسنى كما نبه عليه الشارح ﵀ وغيره وإنما ذكره كثير من علماء الكلام ليثبتوا به وجوده قبل كل شيء وأسماء الله توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها إلا بالنص من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة ولا يجوز إثبات شيء منها بالرأي كما نص على ذلك أئمة السلف الصالح، ولفظ القديم لا يدل على المعنى الذي أراده أصحاب الكلام لأنه يقصد به في اللغة العربية المتقدم على غيره وإن كان مسبوقاً بالعدم كما في قوله سبحانه: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] وإنما يدل على المعنى الحق بالزيادة التي ذكرها المؤلف وهو قوله: (قديم بلا ابتداء) ولكن لا ينبغي عده في أسماء الله الحسنى لعدم ثبوته من جهة النقل ويغني عنه اسمه سبحانه الأول كما قال : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] والله ولي التوفيق. (ز)
ج) اعلم أنه ليس من أسماء الله تعالى: (القديم) ، وإنما هو من استعمال المتكلمين فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن – هو المتقدم على غيره فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا جديد للحديث، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم، وإن كان مسبوقاً بغيره كما حققه شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (١/٢٤٥) والشارح في ((شرحه)) ، لكن أفاد الشيخ ابن مانع هنا فيما نقله عن ابن القيم في ((البدائع)) أنه يجوز وصفه سبحانه بالقدم بمعنى أنه يخبر عنه بذلك، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات التوقيفية.
قلت: ولعل هذا هو وجه استعمال شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الوصف في بعض الأحيان، كما سيأتي فيما علقته على الفقرة(٤٥) . (ن)стр. 9
، دائم بلا انتهاء.
٦- لا يفنى ولا يبيد.
٧- ولا يكون إلا ما يريد.
٨- لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام.
٩- ولا يشبهه الأنام (١) .
١٠- حي لا يموت، قيوم لا ينام.
١١- خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة (٢) .
١٢- مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة.
١٣- ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً، كذلك لا يزال عليها أبدياً.
١٤- ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم ((الخالق)) . ولا بإحداث البرية استفاد اسم ((الباري)) .
١٥- له معنى الربوبية ولا مربوب. ومعنى الخالق ولا مخلوق.
١٦- وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم.
١٧- ذلك بأنه على كل شيء قدير (٣) الحواشي
(١) ...فيه رد لقول المشبهة، الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، ، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع، فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في ((الفقه الأكبر)) : لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه. ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. (ن)(٢) ...أي بلا ثقل وكلفة كما في ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص١٢٥ الطبعة الرابعة) . (ن)(٣) ...يجيء في كلام بعض الناس وهو على ما يشاء قدير، وليس ذلك بصواب(١) بل الصواب ما جاء بالكتاب والسنة وهو على كل شيء قدير، لعموم مشيئته وقدرته تعالى خلافاً لأهل الاعتزال الذين يقولون إن الله سبحانه لم يرد من العبد وقوع المعاصي بل وقعت من العبد بإرادته لا بإرادة الله، ولهذا يقول أحد ضلالهم:
زعم الجهول ومن يقول بقوله...أن المعاصي من قضاء الخالق
إن كان حقاً ما يقول فلم قضا...حد الزناء وقطع كف السارق
وقال أبو الخطاب ﵀ في بيان الحق والصواب:
قالوا: فأفعال العباد فقلت ما ...من خالق غير الإله الأمجد
قالوا: فهل فعل القبيح مراده...قلت الإرادة كلها للسيد
لو لم يرده وكان كان نقيضه ...سبحانه عن أن يعجزه الردى
وهذه الإرادة التي ذكرها أبو الخطاب في السؤال هي الإرادة الكونية القدرية لا الإرادة الكونية الشرعية، كما سيأتي بيان ذلك موضحاً. (م)(١) (تنبيه) قال الألباني ﵀ في الصحيحة ٦/١٩٥ حديث رقم(٢٦٠١) : دلَّ قوله تعالى في آخر الحديث: ((ولكني على ما أشاء قادر أو قدير)) على خطأ ما جاء في التعليق على ((العقيدة الطحاوية)) (ص٢٠) نقلاً عن بعض الأفاضل: ((يجيء في كلام بعض الناس: وهو على ما يشاء قدير، وليس بصواب..)) . فأقول: بل هو عين الصواب بعد ثبوت ذلك في هذا الحديث، لا سيما ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] ، وذلك لاينافي عموم مشيئته وقدرته تعالى كما توهم المشار إليه، والله أعلم.стр. 10
، وكل شيء إليه فقير. وكل أمر عليه يسير. لا يحتاج إلى شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
١٨- خلق الخلق بعلمه.
١٩- وقدر لهم أقداراً.
٢٠- وضرب لهم آجالاً.
٢١- ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم. وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم.
٢٢- وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
٢٣- وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن (١) الحواشي
(١) ...يعني أن مشيئته تعالى وإرادته شاملة لكل ما يقع في هذا الكون من خير أو شر، وهدى أو ضلال، والآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة، يمكن مراجعتها في الشرح وغيره ... والمقصود بهذه الفقرة الرد على المعتزلة النافين لعموم مشيئته تعالى.
لكن يجب أن يعلم أنه لا يلزم من ذلك أن الله يحب كل ما يقع، فالحب غير الإرادة، وإلا كان لا فرق عند الله تعالى بين الطائع والعاصي وهذا ما صرح به بعض كبار القائلين بوحدة الوجود من أن كلا من الطائع والعاصي مطيع لله في إرادته! ومذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم على التفريق بين الإرادة والمحبة، وإلى ذلك أشار صاحب قصيدة ((بدء الأمالي)) بقوله:
مريد الخير والشر القبيح...ولكن ليس يرضى بالمحال
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
((ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك! فيكون ما لم يشأ، ويشاء ما لم يكن)) ! .
وقالت طائفة من (المثبتة) : ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وإذن قد أراد الكفر والفسوق والعصيان ولم يرده ديناً، أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولا يحبه ديناً، ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن.
=...وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته ومجموعه على أنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، وأن الكفار ﴿يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] . (ن)стр. 11
٢٤- يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي، فضلا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي، عدلا.
٢٥- وكلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله.
٢٦- وهو متعال عن الأضداد والأنداد.
٢٧- لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ولا غالب لأمره.
٢٨- آمنا بذلك كله. وأيقنا أن كلاً من عنده.
[الإيمان بنبوة النبي محمد ﷺ ]
٢٩- وأن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى (١) .
٣٠- وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين (٢) وحبيب الحواشي
(١) ...اعلم أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، وقد ذكروا فروقاً بين الرسول والنبي، تراها في ((تفسير الألوسي)) (٥/٤٤٩-٤٥٠) وغيره، ولعل الأقرب أن الرسول من بعث بشرع جديد والنبي من بعث لتقرير شرع من قبله، وهو بالطبع مأمور بتبليغه، إذ من المعلوم أن العلماء مأمورون بذلك، فهم بذلك أولى، كما لا يخفى. (ن)(٢) ...قلت: هذه العقيدة ثبتت في أحاديث كثيرة مستفيضة، تلقتها الأمة بالقبول. وقد ذكر الشارح (في الصفحة ١٦٩- الطبعة الرابعة) طائفة منها فلتراجع منه، فهي تفيد العلم واليقين، فهو ﷺ سيد المرسلين يقيناً، ومن المؤسف أن أقول: إن هذه العقيدة لا يؤمن بها أولئك الذين يشترطون في الحديث الذي يجب الإيمان به أن يكون متواتراً، فكيف يؤمن بها من صرح بأن العقيدة لا تؤخذ إلا من القرآن كالشيخ شلتوت وغيره. وقد رددت على هؤلاء جميعاً من عشرين وجهاً في رسالتي ((وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين)) وذكرت في آخرها عشرين مثالاً من العقائد الثابتة في الأحاديث الصحيحة يلزمهم جحدها وعدم الإيمان بها وهذه العقيدة واحدة منها فراجعها فإنها مطبوعة وهامة. (ن)стр. 12
رب العالمين (١) .
٣١- وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى (٢) الحواشي
(١) ...قلت: بل هو خليل رب العالمين، فإن الخلة أعلى مرتبة من المحبة وأكمل، ولذلك قال ﷺ : ((إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)) ولذلك لم يثبت في حديث أنه ﷺ حبيب الله. فتنبه، وراجع في الفقرة الآتية(٥٢) بسطاً لهذا في كلام الشارح عليها. (ن)(٢) ...قلت: وقد أخبر النبي ﷺ أمته نصحاً لهم وتحذيراً في أحاديث كثيرة أنه سيكون بعده دجالون كثيرون، وقال في بعضها: ((كهلم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)) رواه مسلم وغيره (الأحاديث الصحيحة ١٦٨٣) ، ومن هؤلاء الدجالين ((ميرزا غلام أحمد القادياني)) الذي ادعى النبوة وله أتباع منتشرون في الهند وألمانيا وإنكلترا وأميركا، ولهم فيها مساجد، يضلون بها المسلمين، وكان منهم في سورية أفراد، استأصل الله شأفتهم وقطع دابرهم، ولهم عقائد كثيرة، غير اعتقادهم بقاء النبوة بعده ﷺ . وسلفهم فيه ابن عربي الصوفي ولهم في ذلك رسالة جمعوا فيها أقواله في تأييد اعتقادهم المذكور. لم يستطع المشايخ الرد عليها لأنها مما قاله ابن عربي! مع جزمهم بتكفيرهم، ولا مجال لذكر شيء من عقائدهم الآن، وهم بلا شك ممن عناهم رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح عنه: ((يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم وآباؤكم فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم)) رواه المؤلف في ((مشكل الآثار)) (٤/١٠٤) . وهو عند ((الإمام مسلم)) (١/٩) .
وإن من أبرز علاماتهم أنهم حين يبدأون بالتحدث عن دعوتهم إنما يبتدئون قبل كل شيء بإثبات موت عيسى ﵊ فإذا تمكنوا من ذلك بزعمهم انتقلوا إلى مرحلة ثانية وهي ذكر الأحاديث الواردة بنزول عيسى ﵊ ويتظاهرون بالإيمان بها، ثم سرعان ما يتأولونها، ما دام أنهم أثبتوا بزعمهم موته، بأن المقصود نزول مثيل عيسى! وأنه هو غلام أحمد القادياني! ولهم من مثل هذا التأويل الشيء الكثير والكثير جداً، مما جعلنا نقطع بأنهم طائفة من الباطنية الملحدة. وسيأتي الإشارة إلى بعض عقائدهم الضالة قريباً إن شاء الله تعالى. (ن)стр. 13
٣٢- وهو المبعوث إلى عامة الجن (١) وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء.
[الإيمان بالقرآن الكريم]
٣٣- وأن القرآن كلام الله (٢) ، منه بدا بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر (٣) الحواشي
(١) ...أقول: ومن ضلالات القاديانية إنكارهم لـ (الجن) كخلق غير الإنس ويتأولون كل الآيات والأحاديث المصرحة بوجودهم ومباينتهم للإنس في الخلق، بمايعود إلى أنهم الإنس أنفسهم أو طائفة منهم حتى إبليس نفسه يقولون إنه إنسي شرير! فما أضلهم! . (ن)(٢) ...القرآن العظيم كلام الله لفظه ومعانيه: فلا يقال القرآن اللفظ دون المعنى كما هو قول أهل الاعتزال، ولا المعنى دون اللفظ كما هو قول الكلابية الضلال، ومن تابعهم على باطلهم من أهل الكلام الباطل المذموم، فأهل السنة والجماعة يقولون ويعتقدون أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ألفاظه ومعانيه عين كلام الله سمعه جبريل من الله، والنبي سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي فهو المكتوب بالمصاحف المحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة.
قال الحافظ ابن القيم ﵀:
وكذلك القرآن عين كلامه الـ...ـمسموع منه حقيقة ببيان
هو قول ربي كله لا بعضه...لفظاً ومعنى ماهما خلقان
تنزيل رب العالمين ووحيه...اللفظ والمعنى بلا روغان (م)(٣) ...نقل هذا الكلام عن المصنف ﵀ شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (١٢/٥٠٧) مستشهداً به، وقال الشارح ابن أبي العز ﵀ (ص١٧٩ الطبعة الرابعة) :
((وهذا الذي حكاه الطحاوي ﵀ هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة. وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال)) :
ثم ساقها، ومنها الثالث، وهو أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه، كالأشعري وغيره. قال:
وسابعها أن كلامه يتضمن معنى قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره وهذا قول أبي منصور الماتريدي ...
وتاسعها أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
وقوله: ((كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً)) - رد على المعتزلة وغيرهم.
فإن المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه، كما تقدم حكاية قولهم. وقال الشيخ محمد بن مانع رحمه الله تعالى (ص٨) :
((القرآن العظيم كلام الله لفظه ومعانيه فلا يقال اللفظ دون المعنى كما هو قول أهل الاعتزال، ولا المعنى دون اللفظ كما هو قول الكلابية الضلال، ومن تابعهم على باطلهم من أهل الكلام الباطل المذموم، فأهل السنة والجماعة يقولون ويعتقدون أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ألفاظه ومعانيه عين كلام الله سمعه جبريل من الله والنبي سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي، فهو المكتوب بالمصاحف المحفوظ بالصدور المتلو بالألسنة.
=...قال الحافظ ابن القيم ﵀:
وكذلك القرآن عين كلامه الـ
ـمسموع منه حقيقة ببيان
هو قول ربي كله لا بعضه
لفظاً ومعنى ما هما خلقان
تنزيل رب العالمين ووحيه
اللفظ والمعنى بلا روغان))
وقال الشارح ﵀ (ص١٩٤-١٩٥) :
((وكلام الطحاوي ﵀ يرد قول من قال: إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه، وأن المسموع المنزَّل المقروء والمكتوب ليس كلام الله، وإنما هو عبارة عنه. فإن الطحاوي ﵀ يقول: ((كلام الله منه بدا)) . وكذلك قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدأ، وإليه يعود. وإنما قالوا: منه بدأ، لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون إنه خلق الكلام في محل، فبدأ الكلام من ذلك المحل. فقال السلف: ((منه بدأ)) أي هو المتكلم به، فمنه بدأ، لا من بعض المخلوقات، كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] . ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَق﴾ [النحل:١٠٢] . ومعنى قولهم: ((وإليه يعود)) : يرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف. كما جاء ذلك في عدة آثار.
وقوله ((بلا كيفية)) : أي: لا تعرف كيفية تكلمه به ((قولاً)) ليس بالمجاز، ((وأنزله على رسوله وحياً)) أي: أنزله إليه على لسان الملك، فسمعه الملك جبرائيل من الله، وسمعه الرسول محمد ﷺ من الملك، وقرأه على الناس. قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦] وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٥] . وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى. (ن)стр. 14
[وصف الله بمعنى من معاني البشر]
٣٤- ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.
[رؤية الله حق]
٣٥- والرؤية (١) حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية. كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] . وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﷺ فهو كما قال (٢) الحواشي
(١) ...لا شك أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة من فوقهم كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، فهم يرون ربهم بأبصارهم رؤية حقيقية كما يرون القمر والشمس صحواً ليس دونهما سحاب؛ وهذا متواتر عن النبي ﷺ لم ينكره سوى المعتزلة ومن تابعهم على الضلال، قال في النونية.
ويرونه سبحانه من فوقهم
نظر العيان كما يرى القمران
هذا تواتر عن رسول الله لم
ينكره إلا فاسد الإيمان
وأما في الدنيا فإنه لا يراه أحد من عباده؛ ولما سئل النبي ﵇؛ هل رأيت ربك قال: ((نورٌ أَنَّي أراه)) أي حالت بيني وبين رؤيته تعالى الأنوار وقالت عائشة: من حذثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب. (م)(٢) ...اعلم أن الأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة كثيرة جداً حتى بلغت حد التواتر كما جزم به جمع من الأئمة. منهم الشارح، وقد خرج بعضها ثم قال:
((وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً)) . ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث ثم قال:
((ليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يُرى لا في جهة. فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابراً لعقله أو في عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة)) .
قلت: وأما رؤيته تعالى في الدنيا، فقد أخبر رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح أن أحداً منا لا يراه حتى يموت. رواه مسلم: وأما هو نفسه ﵊، فلم يرد في إثباتها له ما تقوم به الحجة، بل قد صح عنه الإشارة إلى نفيها حين سئل عنها بقوله:
=... ((نورٌ، أنّى أراه)) ومع ذلك جزمت السيدة عائشة بنفيها كما في الصحيحين، وهذا هو الأصل فينبغي التمسك به. (ن)стр. 15
، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سَلَّم لله ولرسوله ﷺ ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.
[التسليم والاستسلام]
٣٦- ((ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام)) (١) . فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان. فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شاكاً، زائغا , لا مؤمناً مصدقاً. ولا جاحداً مكذباً.
٣٧- ولا يصح الإيمان بالرؤية - لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم (٢) أو تأولها بفهم (٣) ، إذ كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ـ بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين (٤) . ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه (٥) الحواشي
(١) ...هذه الفقرة مقدمة على الفقرة السابقة في المخطوطات الثلاث وكذا في نسخة شَيخنا الطباخ ﵀ ولعلها أولى. (ن)(٢) ... أ) أي: توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا فيتوهم تشبيهاً وقوله أو تأولها بفهم أي ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها وما يفهمه كل عربي من معناها. (م)
...ب) أي: توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا فيتوهم تشبيهاً. شرح الطحاوية. (ن)(٣) ...أي ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها. (ن)(٤) ...في المخطوطات الثلاث والمطبوعات: ((المرسلين)) . (ن)(٥) ... أ) وذلك أن المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله تعالى بهذا النفي وهل يكون التنزيه بنفي صفات الكمال، فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال إذ المعدوم هو الذي لا يرى وإنما الكمال في إثبات الرؤية. (م)
ب) قلت، وذلك لأن نفاة الصفات والرؤية من المعتزلة وغيرهم إنما ينفونها تنزيهاً لله تعالى بزعمهم عن التشبيه، وهذا زلل وزيع وضلال، إذ كيف يكون ذلك تنزيهاً، وهو ينفي عن الله صفات الكمال ومنها الرؤية، إذ المعدوم هو الذي لا يرى، فالكمال في إثبات الرؤية الثابتة في الكتاب والسنة والمشبهة إنما زلوا لغلوهم في إثبات الصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق . والحق بين هؤلاء وهؤلاء إثبات بدون تشبيه. وتنزيه بدون تعطيل. وما أحسن ما قيل: المعطل يعبد عدماً، والمجسم يعبد صنماً. (ن)стр. 16
فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية.
[الرد على المشبهة]
٣٨- وتعالى (١) عن الحدود (٢) والغايات (٣) الحواشي
(١) ...في المخطوطات الثلاث وسائر المطبوعات: ((تعالى)) بدون الواو. ولعله أصح. (ن)(٢) ...قوله تعالى عن الحدود ... إلخ مراده بذلك الرد على المشبهة ولكن هذه الكلمات مجملة مبهمة وليست من الألفاظ المتعارفة عند أهل السنة والجماعة؛ والرد عليهم بنصوص الكتاب والسنة أحق وأولى من ذكر ألفاظ توهم خلاف الصواب، ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المشبهة والمعطلة، فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ ولا التعويل عليها، فإن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت العظمة والجلال فهو سبحانه فوق مخلوقاته مستو على عرشه المجيد بذاته بائن من خلقه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ويأتي يوم القيامة وكل ذلك على حقيقته ولا نؤوله كما لا نؤول اليد بالقدرة والنزول بنزول أمره وغير ذلك من الصفات بل نثبت ذلك إثبات وجود لا إثبات تكييف وما كان أغنى الإمام المصنف عن مثل هذه الكلمات المجملة الموهمة المخترعة ولو قيل إنها مدسوسة عليه وليست من كلامه لم يكن ذلك عندي ببعيد إحساناً للظن بهذا الإمام وعلى كل حال فالباطل مردود على
...قائله كائناً من كان ومن قرأ ترجمة المصنف الطحاوي لا سيما في لسان الميزان عرف أنه من أكابر العلماء وأعاظم الرجال وهذا هو الذي حملناه على إحسان الظن فيه في كثير من المواضع التي فيها مجال لناقد. (م)(٣) ...قوله: ((تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات والجهات الست كسائر
=...المبتدعات)) ، هذا الكلام فيه إجمال قد يستغله أهل التأويل والإلحاد في أسماء الله وصفاته وليس لهم بذلك حجة لأن مراده ﵀ تنزيه الباري سبحانه عن مشابهة المخلوقات لكنه أتى بعبارة مجملة تحتاج إلى تفصيل حتى يزول الاشتباه فمراده بالحدود يعني التي يعلمها البشر فهو سبحانه لا يعلم حدوده إلا هو سبحانه لأن الخلق لا يحيطون به علماً كما قال في سورة طه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [طه:١١٠] ومن قال من السلف بإثبات الحد في الاستواء أو غيره فمراده حد يعلمه الله سبحانه ولا يعلمه العباد. وأما (الغايات والأركان والأعضاء والأدوات) فمراده ﵀ تنزيهه عن مشابهة المخلوقات في حكمته وصفاته الذاتية من الوجه واليد والقدم ونحو ذلك فهو سبحانه، موصوف بذلك لكن ليست صفاته مثل صفات الخلق ولايعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، وأهل البدع يطلقون مثل هذه الألفاظ لينفوا بها الصفات بغير الألفاظ التي تكلم الله بها وأثبتها لنفسه حتى لا يفتضحوا وحتى لا يشنع عليهم أهل الحق، والمؤلف الطحاوي ﵀ لم يقصد هذا المقصد لكونه من أهل السنة المثبتين لصفات الله، وكلامه في هذه العقيدة يفسر بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً ويفسر مشتبهه بمحكمه. وهكذا قوله (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) مراده الجهات الست المخلوقة وليس مراد نفي علو الله واستوائه على عرشه لأن ذلك ليس داخلاً في الجهات الست بل هو فوق العالم ومحيط به وقد فطر الله عباده على الإيمان بعلوه سبحانه وأنه في جهة العلو وأجمع أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأتباعهم بإحسان على ذلك والأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة كلها تدل على أنه في العلو سبحانه فتنبه لهذا الأمر العظيم أيها القاريء الكريم واعلم أنه الحق وما سواه باطل والله ولي التوفيق. (ز)стр. 17
والأركان والأعضاء والأدوات،
لا تحويه (١) الجهات الست كسائر المبتدعات (٢) الحواشي
(١) ...دلت دلائل الكتاب والسنة على أن الله تعالى فوق مخلوقاته مستو على عرشه كما قال تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾ فالجهات الست عدمية في حقه لأنه تعالى فوقها كما قال ابن القيم في النونية.
كل الجهات بأسرها عدمية
في حقه هو فوقها ببيان
قد بان عنها كلها فهو المحيـ
ـط ولا يحاط بخالق الأكوان (م)(٢) ...قلت: مراد المؤلف ﵀ بهذه الفقرة الرد على طائفتين:
الأولى: المجسمة والمشبهة الذين يصفون الله بأن له جسماً وجثة وأعضاء وغير ذلك، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والأخرى: المعطلة الذين ينفون علوه تعالى على خلقه وأنه بائن من خلقه. بل يصرح بعضهم بأنه موجود بذاته في كل الوجود! وهذا معناه حلول الله في مخلوقاته. وأنه محاط بالجهات الست المخلوقة، وليس فوقها، فنفى المؤلف ذلك بهذا الكلام. ولكن قد يستغل ذلك بعض المبتدعة، ويتأولونه بما قد يؤدي إلى التعطيل كما بينه الشارح رحمه الله تعالى وقد لخص كلامه الشيخ محمد بن مانع عليه الرحمة فقال (ص١٠) :
((مراده بذلك الرد على المشبهة ولكن هذه الكلمات مجملة مبهمة وليست الألفاظ المتعارفة عند أهل السنة والجماعة، والرد عليهم بنصوص الكتاب والسنة أحقّ وأولى من ذكر ألفاظ توهم خلاف الصواب. ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردّ على المشبهة والمعطلة، فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ ولا التعويل عليها، فإن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت العظمة والجلال، فهو سبحانه فوق مخلوقاته مستوٍ على عرشه المجيد بذاته بائن من خلقه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ويأتي يوم القيامة وكل ذلك على حقيقته ولا نؤوله كما لا نؤول اليد بالقدرة والنزول بنزول أمره وغير ذلك من الصفات، بل نثبت ذلك إثبات وجود لا إثبات تكييف. وما كان أغنى الإمام المصنف عن مثل هذه الكلمات المجملة الموهمة المخترعة ولو قيل إنها مدسوسة عليه وليست من كلامه لم يكن ذلك عندي ببعيد إحساناً للظن بهذا الإمام وعلى كل حال فالباطل مردود على قائله كائناً من كان
=...ومن قرأ ترجمة المصنف الطحاوي لا سيما في لسان الميزان عرف أنه من أكابر العلماء وأعاظم الرجال وهذا هو الذي حملنا على إحسان الظن فيه في كثير من المواضع التي فيها مجال لناقد)) . انتهى كلام ابن مانع ﵀.. (ن)стр. 18
[الإيمان بالإسراء والمعراج]
٣٩- والمعراج حق. وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقضة إلى السماء ومن ثم إلى حيث شاء الله من العلا. وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (١) [النجم: ١١] ، فصلى الله عليه وسلم في الأخرة والأولى.
[الإيمان بالحوض والشفاعة والميثاق]
٤٠- والحوض الذي أكرمه الله تعالى به - غياثاً لأمته - حق (٢) .
٤١- والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار (٣) .
٤٢- والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق (٤) الحواشي
(١) ...قلت: يعني من آيات ربه الكبرى، وأما القول بأنه ﵊ رأى ربه ليلتئذ بعينه، فلم يثبت كما تقدم التنبيه عليه قريباً. ولذلك قال الشارح وغيره: ((والصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه)) . (ن)(٢) ...قلت: والأحاديث التي جاء ذكر الحوض فيها كثيرة جداً حتى بلغت مبلغ التواتر كما صرح بذلك جمع من الأئمة، ورواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابياً، وقد استقصى طرقها الحافظ ابن كثير في ((النهاية)) في آخر تاريخه، وعقد لها الحافظ ابن أبي عاصم في ((كتاب السنة)) سبعة أبواب، (رقم ١٥٥-١٦١) ورقم الأحاديث (٦٩٧ - ٧٧٦- بتحقيقي) ، أشار في آخرها إلى تواترها بقوله: ((والأخبار التي ذكرناها في حوض النبي ﷺ توجب العلم)) . (ن)(٣) ...وهي متواترة أيضاً، وقد عقد لها ابن أبي عاصم في ((السنة)) ستة أبواب (١٦٣-١٦٨) رقم الأحاديث (٧٨٤-٨٣٢) وساق طائفة منها الشارح ﵀ في شرحه، تضمنت أن شفاعته ﷺ ثمانية أنواع، فليراجعه من شاء البحث والتحقيق فإنه هام. (ن)(٤) ...قلت: يشير إلى بعض الأحاديث المصرحة بأن الله تعالى استخرج الذرية من صلب آدم ﵊، وقد ذكر في الشرح أربعة منها، وهي مخرجة في تعليقي عليه وفي:
=... ((تخريج السنة)) (رقم ١٩٥-٢٠٥) ، وقد كنت استثنيت في التعليق المشار إليه (ص٢٦٦- الطبعة الرابعة) من الصحة مسح الظهر الوارد في حديث عمر وكان ذلك سهواً مني أسأله تعالى أن يغفره لي، فقد تنبهت إلى أن له شاهداً حسناً من حديث أبي هريرة وهو مذكور في ((الشرح)) وآخر من حديث ابن عباس بسند ضعيف خرجته في ((السنة))(٢٠٣) فاقتضى التنبيه. . (ن)стр. 19
[الإيمان بعلم الله]
٤٣- وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه (١) .
[أفعال العباد]
٤٤- وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له (٢) . الحواشي
(١) ...يشير المؤلف ﵀ إلى حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟)) فقلنا: ((لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا)) ، فقال للذي في يده اليمنى: ((هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً)) . ثم قال للذي في شماله: ((هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء أبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولاينقص منهم أبداً)) فقال أصحابه: ففيم العمل إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل، ثم قال رسول الله ﷺ بيديه فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من العباد ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] . أخرجه الترمذي وصححه هو وغيره، وهو مخرج في ((الصحيحة))(٨٤٨) . (ن)(٢) ...هو قطعة من حديث علي المروي في ((الصحيحين)) ، وقد خرجته في ((تخريج السنة)) برقم(١٧١) . وقد صح أن بعض الصحابة لما سمعوا هذا الحديث منه ﷺ قالوا: إذاً نجتهد. وفي رواية: فالآن نجد، الآن نجد، الآن نجد. انظر ((السنة)) . (١٦١ و ١٦٧) ففيه رد صريح على الجبرية المتواكلة الذين يفهمون من الحديث خلاف فهم الصحابة فتأمل. (ن)стр. 20
[الأعمال بالخواتيم]
والأعمال بالخواتيم (١) ، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله (٢) .
[الإيمان بالقضاء والقدر]
٤٥- وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه (٣) الحواشي
(١) ...هذا طرف من حديث لسهل بن سعد الساعدي، أخرجه أحمد والبخاري، وهو مخرج في المصدر السابق(٢١٦) . (ن)(٢) ...أ) قال الحافظ ابن رجب والإيمان بالقدر على درجتين؛ إحداهما: الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجرى على ما سبق في علمه وكتابه، والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني، وقد قال كثير من أهل السلف؛ ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا كفروا وما أحسن قول الإمام الشافعي؛
فما شئت كان وإن لم أشأ
وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت
ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت
وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد
ومنهم قبيح ومنهم حسن (م)
ب) هذا معنى حديث أخرجه البزار وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه)) . وسنده صحيح كما بينته في ((الروض النضير))(١٠٩٨) و ((تخريج السنة))(١٨٨) . (ن)(٣) ...قال الشارح، أصل القدر سر الله في خلقه وهو كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأمات وأحيا وأضل وهدى والذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد قال تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وأن الله تعالى
=...يريد الكفر من الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ولا يحبه فيشاؤه كوناً ولا يرضاه ديناً قلت وهذه الإرادة هي الإرادة الكونية القدرية وأما إرادة الإيمان من المؤمن وسائر الأعمال الصالحة فهي إرادة كونية قدرية شرعية وكل أفعال العباد من طاعة ومعصية وكفر وإيمان وقع ذلك منهم بمشيئة الله تعالى وهذا معنى ما شاء الله كان وما لم يشأن لم يكن (م)стр. 21
، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل. والتعمق والنظر في ذلك ذريعة للخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان. فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة (١) . فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٢) الحواشي
(١) ...قلت: وهذا التعمق هو المراد-والله أعلم-بقوله ﷺ :.. وإذا ذكر القدرفأمسكوا)) . وهو حديث صحيح، روي عن جمع من الصحابة، وقد خرجته في ((الصحيحة))(٣٤) . (ن)(٢) ...أي لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا لمجرد قهره وقدرته كما يقول جهم وأتباعه. كذا في ((الشرح)) وراجع فيه تحقيق أن مبنى العبودية والإيمان على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع، فإنه مهم جداً لولا ضيق المجال لنقلته برمته لنفاسته وعزته. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((مجموع الفتاوى)) (١/١٤٨-١٥٠) باختصار بعض الفقرات:
((والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي، والأرزاق والآجال.
ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، ((فأول ما خلق الله القلم، قال له (*) :
=
(*) كذا وقع هنا، وهو بمعنى رواية ((فقال له)) لكن الراجح عندي الرواية الأخرى بلفظ: ((ثم قال له)) كما كنت حققته في ((تخريج شرح الطحاوية)) . وله شاهد عن ابن عباس خرجته في الصحيحة(١٣٣) . (ن)
... أكتب، قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه، لم يكن ليصيبه. جفت الأقلام وطويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] .
...وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلاً، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً، فيؤمر بأربع كلمات.
اكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي أو سعيد ونحو ذلك. فهذا القدر ينكره غلاة القدرية قديماً، ومنكره اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.
ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته. وهو سبحانه يحب المتقين، والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩] وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية، الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها.
قلت: ويشير بكلامه الأخير إلى الأشاعرة، فإنهم هم الذين غلوا وأنكروا الحكمة على مافصله ابن القيم في ((شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل)) . فراجعه فإنه هام جداً. (ن)стр. 22
[الانبياء: ٢٣] ، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
٤٦- فهذا جملة (١) ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود (٢) الحواشي
(١) ...المشار إليه بقوله: فهذا هو ما تقدم ذكره مما يجب اعتقاده والعمل بما جاءت به الشريعة وقوله: وهي درجة الراسخين في العلم أي علم ما جاء به الرسول جملة وتفصيلاً نفياً وإثباتاً ويعني بالعلم المفقود علم القدر الذي طواه الله عن أنامه ونهاهم عن مرامه ويعني بالعلم الموجود علم الشريعة أصولها وفروعها فمن أنكر شيئاً مما جاء به الرسول كان من الكافرين، ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين (انتهى من الشرح) وقد ذكر أدلة هذه الأحكام فليراجع. (م) (ن)(٢) ...مراده ﵀ بالعلم المفقود هو علم الغيب وهو مختص بالله ومن ادعاه من الناس كفر لقول الله سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّه﴾ [النمل: ٦٥] وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] . ولأحاديث صحيحة كثيرة وردت في الباب تدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب مع أنه أفضل الخلق وسيد الرسل فغيره من باب أولى وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم من ذلك إلا ما علمه إياه سبحانه ولما تكلم أهل الإفك في عائشة ﵂ لم يعلم براءتها إلا بنزول الوحي ولما ضاع عقدها في بعض أسفاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث جماعة في طلبه ولم يعلم مكانه حتى أقاموا البعير فوجدوه تحته والأدلة من الكتاب والسنة في هذا كثيرة والحمد لله. (ز)стр. 23
فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود.
[الإيمان باللوح والقلم]
٤٧- ونؤمن باللوح (١) الحواشي
(١) ...أ) قوله ونؤمن باللوح والقلم ... إلخ قال الله تعالى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ فالقرآن الكريم مكتوب في اللوح المحفوظ، كما أخبر الله سبحانه بذلك وجبريل ﵇ سمعه من الله وبلغه نبينا محمداً ﵊ منزل من ربك بالحق، ولم يقل من اللوح المحفوظ ولا منافاة بين كونه في اللوح المحفوظ وبين إنزاله من الله كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال شيخ الإسلام واللوح المحفوظ فوق السموات وقد جاء في الحديث أنه لا ينظر فيه غيرالله عزوجل قلت ومن هذا يتبين لنا ضلال من قال إن روح العبد تطلع على اللوح المحفوظ، فإن هذا قول الفلاسفة وهو من خرافات عباد الصالحين أو الطالحين كما هو راسخ بينهم فاحذروه فإنه كذب.
وأما القلم المذكور فهو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المحفوظ المقادير، كما في حديث عبادة بن الصامت الذي رواه أبو داود مرفوعاً ((أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال رب وما أكتب قال أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)) .
واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات أو العرش على قولين حكاهما ابن القيم في النونية، واختار أن القلم خلق بعد خلق العرش ولهذا قال:
والناس يختلفون في الذي
كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده
قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه
وقت الكتابة كان ذا أركان
وكتابة القلم الشريف تعقبت
إيجاده من غير فصل زمان (م)
ب) قلت: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] وهو من الغيب الذي يجب الإيمان به ولا يعرف حقيقته إلا الله، واعتقاد أن بعض الصالحين يطلعون على ما فيه كفر بالآيات والأحاديث المصرحة بأنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى. (ن)стр. 24
والقلم (١) ، وبجميع ما فيه قد رقم. فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن -لم يقدروا عليه. ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا -لم يقدروا عليه جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة (٢) ، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه (٣) . الحواشي
(١) ...قلت ذكر الشارح هنا أن العلماء اختلفوا هل القلم أول المخلوقات، أو العرش؟ على قولين لا ثالث لهما، وأنا وإن كان الراجح عندي الأول، كما كنت صرحت به في
=...تعليقي عليه (ص٢٩٥) فإني أقول الآن: سواء كان الراجح هذا أم ذاك، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق، والقائلون بحوادث لا أول لها، مخالفون لهذا الاتفاق، لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أول له، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه، فإن قالوا: العرش أول مخلوق، كما هو ظاهر كلام الشارح، نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها. وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق! فتأمل هذا فإنه مهم. والله الموفق. (ن)(٢) ...هذا طرف من حديث ابن عباس المشهور بلفظ: ((احفظ الله يحفظك ... )) الحديث. وهو حديث صحيح كما ذكرت في ((التخريج)) (ص٢٧٤) . (ن)(٣) ...هذا من تمام حديث ابن عباس المشار إليه آنفاً في رواية عنه. (ن)стр. 25
٤٨- وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه (١) ، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير, ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك (٢) من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته (٣) ، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢] وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ [الأحزاب: ٣٨] .
فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً، لقد التمس (٤) بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً. وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً. الحواشي
(١) ...هذا فيه رد لما ذهب إليه غلاة المعتزلة الذين أنكروا كون الله تعالى عالماً في الأزل وقالوا إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد، حتى يفعلوها، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، قال الله تعالى ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] . (م)(٢) ...الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر، وسبق علم الله تعالى بالكائنات قبل خلقها. (م)(٣) ...قوله والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، أي لا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفات الله تعالى. فإن من زعم خالقاً غير الله فقد أشرك فكيف بمن زعم أن كل أحد يخلق فعله، ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة. (م)(٤) ...وقوله لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً أي بوهمه في البحث عن البعث سراً مكتوماً؛ إذ القدر سر الله في خلقه؛ فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب. وقد قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ وقوله وعاد بما قال فيه أي في القدر أفاكاً أثيماً أي مأثوماً. اهـ شرح. (م)стр. 26
[الإيمان بالعرش والكرسي]
٤٩- والعرش والكرسي حق (١) الحواشي
(١) ...أ) لما ذكر المصنف العرش والكرسي الذي هو بين يدي العرش ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش ومادون العرش، كما قال تعالى ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ . ليبين سبحانه أن خلقه للعرش لا ستوائه عليه ليس لحاجته إليه؛ بل له في ذلك حكمة اقتضته. ثم اعلم أن الاستواء على العرش، إنما حصل بعد خلق السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٤] وثم هنا للترتيب لالمجرد العطف؛ كما قال الناظم:
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه
ومن علمه لم يخل في الأرض موضع
وأما معنى الاستواء في لغة العرب التي نزل بها القرآن فهو العلو والارتفاع والاستقرار والصعود، كما ذكر ذلك ابن القيم بقوله:
ولهم عبارات عليها أربع
قد حصلت للفارس الطعان
منها استقر وقد علا وكذلك ار
تفع الذي مافيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع
وأبو عبيدة صاحب الشيبان
يختار هذا القول في تفسيره
أدرى من الجهمي في القرآن
والأشعري يقول تفسير استوى
بحقيقة استولى من البهتان
=
نون اليهود ولام جهمي هما
في وحي رب العرش زائدتان (م)
ب) اعلم أن العرش خلق عظيم جداً كما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولذلك أضافه تعالى إلى نفسه في قوله: ﴿ذو العرش﴾ وفيه آيات أخر تجدها في ((الشرح)) . وهو لغة سرير الملك، ومن أوصافه في القرآن: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ [الحاقة: ١٧] وأنه على الماء، وفي السنة أن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وأن له قوائم، وأنه سقف جنة الفردوس. جاء ذلك في أحاديث صحيحة مذكورة في ((الشرح)) . وذلك كله مما يبطل تأويل العرش بأنه عبارة عن الملك وسعة السلطان! .
وأما الكرسي، ففيه قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والكرسي هو الذي بين يدي العرش، وقد صح عن ابن عباس موقوفاً عليه من قوله: ((الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى)) . وهو مخرج في كتابي ((مختصر العلو للذهبي)) يسر الله طبعه(١) ولم يصح فيه مرفوعاً سوى قوله ﵊: ((ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة)) . وذلك مما يبطل أيضاً تأويل الكرسي بالعلم. ولم يصح هذا التأويل عن ابن عباس كما بينته في ((الصحيحة))(١٠٩) . (ن)стр. 27
٥٠- وهو مستغن عن العرش وما دونه (١) . الحواشي
(١) ...قال الشارح رحمه الله تعالى: وإنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام هنا لأنه لما ذكر العرش والكرسي، ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش، ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاوياً للعالي محيطاً به حاملاً له. ولا أن يكون الأعلى مفتقراً إليها. فالرب تعالى أعظم شأناً وأجلّ من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته به، فهو فوق العرش، مع حمله بقدرته للعرش وحملته، وغناه عن
=(١) ...طبع في مجلد ضمن مطبوعات المكتب الإسلامي.
=...العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش وعدم حصر العرش له. وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.
ونفاة العلو أهل التعطيل، لو فصّلوا بهذا التفصيل، لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل، فضَلُّوا عن سواء السبيل. والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀، لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٣] وغيرها: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول. (ن)стр. 28
٥١- محيط بكل شيء وفوقه (١) ، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.
[إثبات الكلام لله تعالى]
٥٢- ونقول:إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم موسى الله تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً.
[الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب السماوية]
٥٣- ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.
٥٤- ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين (٢) الحواشي
(١) ...قلت: اختلفت النسخ في هذه الكلمة (وفوقه) ، ففي نسخة الشارح كما ترى، وكذلك في مخطوطتي (أ، ب) ومطبوعة الشيخ ابن مانع، وفي مخطوطة (ج) ومطبوعة (خ) : (فوقه) بحذف الواو العاطفة، وشذت مخطوطة (غ) فوقع فيها (وبما فوقه) ! ولا شك في شذوذها هي والتي قبلها رواية ومعنى. أما الرواية فلمخالفتها لأكثر النسخ، وأما المعنى فقد بينه الشارح بقوله (ص٢٨١) ((والنسخة الأولى هي الصحيحة)) ، ومعناها: أنه تعالى محيط بكل شيء وفوق كل شيء. ومعنى الثانية أنه محيط بكل شيء فوق العرش. وهذه - والله أعلم - إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهواً ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصداً للفساد، وإنكاراً لصفة الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات، وليس فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله: ((محيط)) - بمعنى: محيط بكل شيء فوق العرش - والحالة هذه معنى، إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحيط به، فتعيَّن ثبوت الواو ويكون المعنى: أنه سبحانه محيط بكل شيء وفوق كل شيء)) . (ن)(٢) ...أ) وليس التصديق والاعتراف فقط، كافيين في الإسلام والإيمان اللذين أمر الله ورسوله بهما، فالإسلام والإيمان اللذان عليهما مدار النجاة هما المذكوران في حديث جبريل المشهور ﵇ المتضمن للتصديق والإقرار والعمل. (م)
ب) قال الشارح: يشير الشيخ ﵀ إلى أن الإسلام والإيمان واحد وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله. والمراد بقوله: ((أهل قبلتنا)) ، من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول ﷺ . (ن)стр. 29
[حرمة الخوض في ذات الله والجدال في دين الله وقرآنه]
٥٥- ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله.
٥٦- ولا نجادل في القران، ونشهد أنه كلام رب العالمين (١) الحواشي
(١) ...قلت: إن من أكبر الفتن التي أصابت بعض الفرق الإسلامية بسبب علم الكلام أنه انحرف بهم عن الإيمان بأن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين حقيقة لا مجازاً. أما المعتزلة الذين يقولون بأنه مخلوق، فأمرهم في ذلك واضح مفضوح. لكن هناك طائفة تنتمي إلى السنة وترد على المعتزلة هذا القول وغيره مما انحرفوا فيه عن الإسلام، ألا وهم الأشاعرة والماتريدية، فإنهم في الحقيقة موافقون للمعتزلة في قولهم بخلق القرآن وأنه ليس من قول رب العالمين، إلا أنهم لا يفصحون بذلك، ويتسترون وراء تفسيرهم للكلام الإلهي بأنه كلام نفسي قديم غير مسموع من أحد من الملائكة والمرسلين وأنه تعالى لا يتكلم إذا شاء وأنه متكلم منذ الأزل، وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بحثاً هاماً في إبطال تفسيرهم هذا، فقال بعد أن أثبت قدم الكلام:
((والكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر، أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأكمل ممن يتكلم بغير مشيئته وقدرته إن كان ذلك معقولاً. ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال: إما أن يكون قادراً على الكلام أو غير قادر، فإن لم يكن
=...قادراً فهو الأخرس، وإن كان قادراً ولم يتكلم فهو الساكت. وأما الكلابية (متبوع الأشاعرة في هذه المسألة) فالكلام عندهم ليس بمقدور. فلا يمكنهم أن يحتجوا بهذه. فيقال: هذه قد دلت على قدم الكلام، لكن مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلماً بمشيئته وقدرته؟
والأول: قول الكلابية.
والثاني: قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة فيقال: مدلولها الثاني، لا الأول، لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فيقال للمحتج بها: لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاماً يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته، فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئاً لا يعقل.
وأيضاً فقولك: ((لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت)) إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات، فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلماً فإما أن يكون قادراً على الكلام ولم يتكلم، وهو الساكت، وإما أن لا يكون قادراً عليه وهو الأخرس. وأما ما يدعونه من الكلام النفسي، فذاك لا يعقل، أن من خلا عنه كان ساكتاً أو أخرس، فلا يدل بتقدير ثبوته على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتاً أو أخرس. وأيضاً فالكلام القديم النفساني الذي أثبتموه لم تُثْبِتُوا ما هو؟ بل ولا تصورتموه، وإثبات الشيء فرع تصوره، فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته، ولهذا كان أبو سعيد ابن كلاب - رأس هذه الطائفة (يعني الأشاعرة) وإمامها في هذه المسألة - لا يذكر في بيانها شيئاً يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس! والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام، وحينئذ لا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام، ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس.
فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه، بل هم في الكلام يشبهون النصارى في (الكلمة) وما قالوه في (الأقانيم) و (التثليث) و (الاتحاد) ، فإنهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه، والرسل ﵈ إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم.
=...وأما ما يثبت بالعقل فلا بد أن يتصوره القائل به، وإلا كان قد تكلم بلا علم، فالنصارى تتكلم بلا علم؛ فكان كلامهم متناقضاً ولم يحصل لهم قول معقول. كذلك من تكلم في كلام الله تعالى بلا علم كان كلامه متناقضاً، ولم يحصل له قول يعقل، ولهذا كان مما يُشَنَّع به على هؤلاء أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام - كلام الله وكلام جميع الخلق - بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما......جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقد قال طائفة إن هذا ليس من شعره، وبتقدير أن يكون من شعره فالحقائق العقلية، أو مسمى لفظ الكلام الذي يتكلم به جميع بني آدم لا يرجع فيه إلى قول ألف شاعر فاضل. دع أن يكون شاعراً نصرانياً اسمه الأخطل ... ))
انتهى ملخصاً من ((مجموع الفتاوى)) (٦/٢٩٤-٢٩٧) . (ن)стр. 30
، نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه (١) ، ولا نخالف جماعة المسلمين. الحواشي
(١) ...اعلم أن القائلين بخلق القرآن أشهرهم طائفتان: إحداهما المعتزلة فإنهم يقولون: القرآن الذي جاء به جبريل هو كلام الله حقيقة ولكنه مخلوق، والثانية المتكلمون من الكلابية وأتباعهم فهم يقولون كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى إن عبر عنه بالعبرانية صار توراة وإن عبر عنه بالسريانية صار إنجيلاً وإن عبر عنه بالعربية صار قرآناً. وهذه الخرافة يعتقدونها ديناً يدينون الله به، وهم يوافقون المعتزلة في أن القرآن الذي جاء به جبريل مخلوق إلا أن المعتزلة يقولون هو كلام الله حقيقة والكلابية وأتباعهم يقولون هو عبارة وحكاية عن كلام الله فعلى قول هؤلاء الكلابية وأتباعهم يكون النبي ﵇ لم يبلغ كلام الله وإنما بلغ ما يدل عليه وما هو حكاية عنه. وفي هذا إنكار للرسالة، لأن الرسول إنما يبلغ كلام المرسل وقد ألزمهم أهل السنة بذلك، قال ابن القيم في النونية:
وإذا انتفت صفة الكلام كذلك ال
إرسال منفى بلا فرقان
فرسالة المبعوث تبلغ كلا
م المرسل الداعي بلا نقصان
إلى آخر ما ذكره من الأبيات العظيمة التي يعض عليه بالنواجذ ومن أعجب العجب أن يتذاكر العالم من أتباع الكلابية في مثل هذه الأبحاث، فإذا مر ذكر الجهمية والمعتزلة قال
=...إنهم قد انقضوا ولم يبق لهم ولا لعقائدهم عين ولا أثر، ولم يدر المسكين أنه هو وارث التهجم والاعتزال، وأن معتقده معتقدهم سواء بسواء. (م)стр. 31
[عدم تكفير أهل القبلة بذنب]
٥٧- ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله (١) الحواشي
(١) ...أ) قوله ولا نكفر أحداً من أهل القبلة.. إلخ، المراد بأهل القبلة هم الموحدون الله في عبادته؛ المخلصون له في معاملته، العاملون بمعنى كلمة التوحيد ظاهراً وباطناً، المصدقون لرسول الله في جميع ما أخبر به، الممتثلون أمره الذين لم يأتوا بما يناقض لا إله إلا الله، وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله سابقاً ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين لأننا نعتقد أن المراد الإيمان الكامل المتضمن للاعتقاد والإقرار والعمل ومراد الشيخ ﵀ بهذا الكلام الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب. (م)
ب) قوله (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)
مراده ﵀ أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الأخر بذنب يرتكبه كالزنا وشرب الخمر والربا وعقوق الوالدين وأمثال ذلك ما لم يستحل ذلك فإن استحله كفر لكونه بذلك مكذباً لله ولرسوله خارجاً عن دينه أما إذا لم يستحل ذلك فإنه لا يكفر عند أهل السنة والجماعة بل يكون ضعيف الإيمان وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق وإقامة الحدود وغير ذلك حسبما جاء في الشرع المطهر وهذا هو قول أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن سلك مسلكهم الباطل فإن الخوارج يكفرون بالذنوب والمعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين يعني بين الإسلام والكفر في الدنيا وأما في الآخرة فيتفقون مع الخوارج بأنه مخلد في النار، وقول الطائفتين باطل بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وقد التبس أمرهما على بعض الناس لقلة علمه ولكن أمرهما بحمد الله واضح عند أهل الحق كما بينا وبالله التوفيق. (ز)
ج) يعني استحلالاً قلبياً اعتقادياً، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عملياً أي مرتكب له، ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقاداً فهو كافر إجماعاً، وبين المستحل عملاً لا اعتقاداً فهو مذنب يستحق العذاب اللائق به إلا أن يغفر الله له، ثم ينجيه إيمانه خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار وإن اختلفوا في تسميته كافراً أو
=...منافقاً، وقد نبتت نابتة جديدة اتبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوساً ومرؤوسين، اجتمعت بطوائف منهم في سوريا ومكة وغيرها، ولهم شبهات كشبهات الخوارج مثل النصوص التي فيها من فعل كذا فقد كفر، وقد ساق الشارح رحمه الله تعالى طائفة منها هنا، ونقل عن أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص - أن الذنب أي ذنب كان؛ هو كفر عملي لا اعتقادي، وأن الكفر عندهم على مراتب: كفر دون كفر، كالإيمان عندهم، ثم ضرب على ذلك مثالاً هاماً طالما غفلت عن فهمه النابتة المشار إليها، فقال رحمه الله تعالى (ص ٣٢٣) وهنا أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً: إما مجازياً , وإما كفراً أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيَّر فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله: فهذا كفرٌ أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر. وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطيء له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه مغفور. (ن)стр. 32
[الرد على المرجئة]
٥٨- ولا نقول (١) لا يضر مع الإيمان ذنب
لمن عمله (٢) . الحواشي
(١) ...قوله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.. إلخ مراده بهذا الكلام الرد على المرجئة القائلين لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا تنفع مع الكفر طاعة فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف؛ فإنهم يقولون بكفر المسلم بكل ذنب أو بكل ذنب كبير، وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة فلا يبقى معه شيء من الإيمان لكن الخوارج يقولون يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر. والمعتزلة يقولون يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وهذه المقالة الخاطئة هي المنزلة بين المنزلتين التي هي خاصة مذهب المعتزلة، وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار.
(تنبيه) كنت أقرأ في كتب المقالات واختلاف الناس في المعتقدات فأقف على غلو المعتزلة في عقائدهم فأرجع إلى كتب التراجم وأبحث عن تراجم أكابر شيوخهم فأجد فيها الأمر المنكر العجيب من التلاعب في الدين وإنتهاك حرماته فصح عندي أن ذلك
=...من شؤم عقائدهم وفساد نحلتهم؛ ومن قرأ ترجمة النظام وأبي الهذيل العلاف والماجن الجاحظ عرف ذلك. نسأل الله السلامة (م)(٢) ...وذلك لأنه من قول المرجئة المؤدي إلى التكذيب بآيات الوعيد وأحاديثه الواردة في حق العصاة من هذه الأمة، وأن طوائف منهم يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بغيرها. (ن)стр. 33
٥٩- ونرجوا للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة (١) الحواشي
(١) أ) قوله ولا نشهد لهم بالجنة: اعلم أن الذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لأحد مات من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله وأخبر عنه بذلك ولكنهم يرجون للمحسن ويخافون على المسيء وبهذا تعلم ما عليه كثير من الناس إذا ذكروا عالماً أو أميراً أو ملكاً أو غيرهم قالوا: المغفور له أو ساكن الجنان، وأنكى من ذلك قولهم: نقل إلى الرفيق الأعلى ولا شك أن هذا قول على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم عديل الشرك كما قال تعالى ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] وأما المشرك فنشهد له بالنار لأن الله قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] . (م) (ن)
ب) مراده ﵀ إلا من شهدله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة كالعشرة ونحوهم كما يأتي ذلك في آخر كلامه. مع العلم بأن من عقيدة أهل السنة والجماعة الشهادة للمؤمنين والمتقين على العموم بأنهم من أهل الجنة وأن الكفار والمشركين والمنافقين من أهل النار كما دلت على ذلك الآيات الكريمات والسنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧] وقوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة:٧٢] في آيات كثيرات تدل على هذا المعنى وقوله سبحانه في الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء:١٤٥] في آيات أخرى تدل على هذا المعنى وبالله التوفيق. (ز)стр. 34
ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم.
[الأمن والإياس]
٦٠- والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة (١) .
٦١- ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله (٢) فيه (٣) الحواشي
(١) ...قال الشارح: يجب أن يكون العبد خائفاً راجياً فإن الخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله فإذا تجاوز ذلك خيف من اليأس والقنوط والرجاء المحمود رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه أو رجل أذنب ذنباً ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته. أما إذا كان الرجل متمادياً في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. (م)(٢) ...يريد بذلك الرد على الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بخروجه من الإيمان بارتكاب الكبيرة. (م)
قلت: وأمثال هؤلاء اليوم الذين يحكمون على مسلمي البلاد الإسلامية كلها بدون استثناء بالكفر، ويوجبون على أتباعهم مباينتهم ومفاصلتهم، تماماً كما فعلت الخوارج من قبلهم، هداهم الله، وغفر للغلاة الذين كانوا السبب في هذا الانحراف الخطير. (ن)(٣) ...هذا الحصر فيه نظر فإن الكافر يدخل في الإسلام بالشهادتين إذا كان لا ينطق بهما فإن كان ينطق بهما دخل في الإسلام بالتوبة مما أوجب كفره وقد يخرج من الإسلام بغير
...الجحود لأسباب كثيرة بينها أهل العلم في باب حكم المرتد، من ذلك طعنه في الإسلام أو في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو استهزاؤه بالله ورسوله أو بكتابه أو بشيء من شرعه سبحانه لقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] ومن ذلك عبادته للأصنام أو الأوثان أو دعوته الأموات والاستغاثة بهم وطلبه منهم المدد والعون ونحو ذلك لأن هذا يناقض قول لا إله إلا الله لأنها تدل على أن العبادة حق لله وحده ومنها الدعاء والاستغاثة والركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك فمن صرف منها شيئاً لغير الله من الأصنام والأوثان والملائكة والجن وأصحاب القبور وغيرهم من المخلوقين فقد أشرك بالله ولم يحقق قول لا إله إلا الله وهذه المسائل كلها تخرجه من الإسلام بإجماع أهل العلم وهي ليست من مسائل الجحود وأدلتها معلومة من الكتاب والسنة وهناك مسائل أخرى كثيرة يكفر بها المسلم وهي لا تسمى جحوداً وقد ذكرها العلماء في باب حكم المرتد فراجعها إن شئت وبالله التوفيق. (ز)стр. 35
[تعريف الإيمان]
٦٢- والإيمان (١) : هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان (٢) الحواشي
(١) ...قوله: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان اقتصر المصنف على هذين الركنين في بيان الإيمان وهو قول المرجئة وذهب مالك والشافعي وأحمد وسائر أهل الحديث إلى أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهذا هو الحق والصواب (م)(٢) ...أ) هذا التعريف فيه نظر وقصور والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جملة منها فراجعها إن شئت وإخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظياً بل هو لفظي ومعنوي ويترتب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبر كلام أهل السنة وكلام المرجئة والله المستعان. (ز)
ب) هذا مذهب الحنفية والماتريدية، خلافاً للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركان. وليس الخلاف بين المذهبين اختلافاً صورياً كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى بحجة أنهم جميعاً اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الإتفاق وإن كان صحيحاً، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقية في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (٣٤٢-٣٤٤) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفاً ظاهراً، بل باطلاً، ذكر الشارح (ص٣٤٢) نموذجاً منها، بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة حديث ((الإيمان بضع وسبعون شعبة..))
...مع احتجاج كل أئمة الحديث به، ومنهم البخاري ومسلم في ((صحيحيهما)) وهو مخرج في ((الصحيحة))(١٧٦٩) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم!
ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صورياً. وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل ﵊! كيف وهم بناء على مذهبهم هذا لايجيزون لأحدهم - مهما كان فاجراً فاسقاً - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقاً! والله عزوجل يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٢-٤] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:٢٢] وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية! وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصاً من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية، فأبى قائلاً: ... لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الإيمان)) فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع. (ن)стр. 36
٦٣- وجميع (١) ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق (٢) . الحواشي
(١) ...قوله وجميع ما صح عن رسول الله.. إلخ: يريد بذلك الرد على سائر الجهمية المعطلة والمعتزلة والرافضة القائلين بأن الأخبار قسمان متواتر وآحاد فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات قالوا والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتجون بها من جهة متنها فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وأفعاله من جهة الرسول وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية والحق والصواب ما ذهب إليه كبار الأئمة المحققين من أن خبر الواحد العدل يفيد العلم كما في فتح المجيد ورسالة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير وكذلك ابن القيم أطال البحث في النونية والصواعق بما يشفي ويكفي، وذهب غير واحد إلى أن خبر الصحيحين يفيد العلم اليقيني (راجع أوائل لوائح الأنوار) للسفاريني وهو الحق (م)(٢) ...يعني دون تفريق بين ماكان منه خبر آحاد أو تواتر، ما دام أنه صح عن رسول الله ﷺ وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والتفريق بينهما، إنما هو بدعة وفلسفة دخيلة في الإسلام، مخالف لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون، كما حققته في رسالتي ((وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين)) وهي مطبوعة مشهورة. (ن)стр. 37
٦٤- والإيمان واحد (١) وأهله في أصله سواء (٢) , والتفاضل بينهم بالخشية
والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى (٣) .
٦٥- والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن (٤) ، وأكرمهم عند الله أطوعهم الحواشي
(١) ...قوله (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) هذا فيه نظر بل هو باطل فليس أهل الإيمان فيه سواء بل هم متفاوتون تفاوتاً عظيماً فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة ﵃ مثل إيمان غيرهم وهكذا ليس إيمان المؤمنين كإيمان الفاسقين وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده وهو قول أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة ومن قال بقولهم والله المستعان. (ز)(٢) ...الحق الذي لا إشكال فيه أن الإيمان متفاوت في أصله فإيمان آحاد الناس ليس كإيمان جبريل ولا كإيمان رسول الله والقول بأن الناس بأصل الإيمان سواء ليس من عقائد أهل السنة. (م)(٣) ...هذا على ما تقدم من قوله في الإيمان أنه إقرار وتصديق فقط وقد عرفت أن الصواب فيه أنه متفاوت في أصله، وأن إيمان الصالح ليس كإيمان الفاجر. فراجعه. (ن)(٤) ...أ) أولياء الرحمن هم: الذين عملوا بما ورد في الكتاب والسنة فأدوا ما أوجب الله عليهم وتركوا ما حرمه من المعاصي فهم المتقربون إلى الله بطاعته وطاعة رسوله ﵇،
=...وأما أهل التدجيل والتلبيس بزعمهم دخول النار ومسك الحيات فهؤلاء أولياء الشيطان. (م)
ب) وهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] وليست الكرامة بادعاء الكرامات وخوارق العادات كما يتوهم كثير من الناس بل ذلك من الإهانات التي تشوه جمال الإسلام. (ن)стр. 38
وأتبعهم للقران (١) .
[أركان الإيمان]
٦٦- والإيمان:هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى (٢) .
٦٧- ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به. الحواشي
(١) ...فيه إشارة لطيفة إلى الرد على متعصبة المذاهب، الذين يؤثرون اتباع المذهب على اتباع الكتاب والسنة، ذلك لأنه لا تلازم بين اتباع المذاهب واتباع القرآن، فإن المذاهب مختلفة، والقرآن لا اختلاف فيه، كما قال تعالى فيه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] فالمسلم كلما كان أتبع للقرآن كان أكرم عند الله تعالى وكلما ازداد تقليداً ازداد بعداً، وإليه أشار المصنف بقوله: ((لا يقلد إلا عصبي أو غبي)) . انظر ((صفة الصلاة)) (ص٢٣) . (ن)(٢) ...اعلم أنه لا ينافي هذه قوله ﷺ في دعاء الاستفتاح: ((والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)) رواه مسلم، لأن المعنى: فإنك لا تخلق شراً محضاً، بل كل ما تخلقه فيه حكمة، هو باعتبارها خير ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس فهذا الشر جزئي إضافي، فأما شر
...كلي أو شر مطلق، فالرب منزه عنه أفاده في ((الشرح)) وراجع التفصيل إن شئت في ((شفاء العليل)) لابن القيم رحمه الله تعالى. ومنه تعلم كذب من نسب إلى أنّ للشر خالقاً غير الله تعالى، في مقال نشر مع الأسف في مجلة الحضارة (ص٥٠-٥٢، العدد(٥) السنة ١٨) . (ن)стр. 39
[أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار]
٦٨- وأهل الكبائر ((من أمة محمد ﷺ (١) ) ) في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين (٢) الحواشي
(١) ...ما بين المعكوفتين لم ترد في المخطوطات الثلاث. ولا في مطبوعة (خ) وحذفها أصح، لان مفهوم هذه الزيادة أن أهل الكبائر من أمة غير أمة محمد ﷺ قبل نسخ تلك الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد. وفي ذلك نظر فإن النبي ﷺ أخبر أنه: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقاً، فتأمله. واعلم أنهم اختلفوا في تعريف الكبائر على أقوال أمثلها أنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد عليها بالنار، أو اللعنة أو الغضب. وراجع ((الشرح)) و ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/٦٥٠) (ن)(٢) ...قوله عارفين: لايخفى أن المعرفة القلبية وحدها ليست كافية بالإيمان وقد خالف المصنف ما ذهب إليه سابقاً من أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الإيمان وأما مذهب السلف فالإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان وهذا هو الصواب. وذهبت الكرامية إلى أنه قول باللسان وقالت الجهمية: إنه الاعتقاد بالجنان وهذا هو الذي اقتصر عليه المصنف فعلى هذا ليس في الناس كافر فإنهم معترفون بوجود الله وأنه ربهم وخالقهم الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فالله كفر المشركين مع اعترافهم بأنه خالق السموات والأرض وكذلك إبليس وأبو جهل وفرعون وقارون وهامان وغيرهم من طوائف الكفر كلهم مؤمنون على زعم الجهم وأتباعه، لأنهم يعترفون بأن الله ربهم
...وخالقهم فهم مؤمنون على هذا القول الباطل المردود وقد رد ما ذكره المصنف أئمة الإسلام كابن القيم وغيره قال ﵀ في النونية:
قالوا وإقرار العباد بأنه
خلاقهم هو منتهى الإيمان
والناس في الإيمان شيء واحد
كالمشط عند تمائل الأسنان
فاسأل أبا جهل وشيعته ومن
والاهم من عابدي الأوثان
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف
الخلاق أم أصبحت ذا نكران
واسأل كذاك إمام كل معطل
فرعون مع قارون مع هامان
هل كان فيهم منكر للخالق الر
ب العظيم مكون الأكوان
فليبشروا ما فيهم من كافر
هم عند جهم كاملو الإيمان (م)стр. 40
((مؤمنين)) (١) وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك (٢) َ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء:٤٨، ١١٦] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته (٣) ، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به (٤) .
[وجوب طاعة الأئمة والولاة]
٦٩- ونرى الصلاة خلف كل بر (٥) الحواشي
(١) ...زيادة من مخطوطة (أ، ب، غ) . وهي زيادة هامة لم تثبت في بعض النسخ ومنها نسخة الشارح فقد قال: ((وقوله: (عارفين) ، لو قال: مؤمنين، بدل (عارفين) كان أولى، لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم وقوله مردود باطل ... )) (ن)(٢) ...يعني الشرك وهو الكفر، ولا فرق بينهما شرعاً فكل كفر شرك وكل شرك كفر. كما يدل عليه محاورة المؤمن للكافر صاحب الجنتين المذكورة في سورة (الكهف) . فتنبه لهذا فإنه به يزول عنك كثير من الإشكالات والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (ن)(٣) ...وقوله: بأن الله مولى أهل معرفته يقال فيه ما تقدم من التحرير والبيان. (م)(٤) ...هذا الدعاء ورد مرفوعاً وهو مخرج في ((الصحيحة))(١٨٢٣) كما كنت ذكرت في ((تخريج الشرح)) لكن وقع هناك(١٨٣٣) وهو خطأ مطبعي فاقتضى التصحيح. (ن)(٥) ...قوله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر مراده بذلك الرد على الرافضة وقد اختلف العلماء ﵏ في صحة الصلاة خلف الفاسق فذهب الشافعي وأبوحنيفة إلى صحتها مع الكراهة. وذهب أحمد ومالك إلى عدم الصحة والفاسق هو الذي ارتكب الكبيرة وأصر على الصغيرة ولا فرق في صحة الصلاة خلف الفاسق عند الإمام أحمد بين أن يكون فسقه من حيث الاعتقاد أو العمل، وعند الإمام أحمد تصح خلف كل بر وفاجر
=...صلاة الجمعة والعيد إذا تعذر فعلهما خلف غيره وأما سائر الصلوات فلا تصح خلف الفاسق على المذهب لقوله ﵇ (اجعلوا أئمتكم خياركم) وقوله: (ولا يؤم
...فاجر مؤمناً) ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية. وأما احتجاج المعارض بقوله تجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر فهذا حديث لم يثبت وقد بسط الكلام على هذه المسألة في باب الإمامة من كتب الفقه (م)следующие страницы →