Полный текст (58 стр.). Показаны 36–58 · переход к 41.
стр. 36
٦٣- وجميع (١) ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق (٢) . الحواشي
(١) ...قوله وجميع ما صح عن رسول الله.. إلخ: يريد بذلك الرد على سائر الجهمية المعطلة والمعتزلة والرافضة القائلين بأن الأخبار قسمان متواتر وآحاد فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات قالوا والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتجون بها من جهة متنها فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وأفعاله من جهة الرسول وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية والحق والصواب ما ذهب إليه كبار الأئمة المحققين من أن خبر الواحد العدل يفيد العلم كما في فتح المجيد ورسالة شيخ الإسلام ابن تيمية في أصول التفسير وكذلك ابن القيم أطال البحث في النونية والصواعق بما يشفي ويكفي، وذهب غير واحد إلى أن خبر الصحيحين يفيد العلم اليقيني (راجع أوائل لوائح الأنوار) للسفاريني وهو الحق (م)(٢) ...يعني دون تفريق بين ماكان منه خبر آحاد أو تواتر، ما دام أنه صح عن رسول الله ﷺ وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والتفريق بينهما، إنما هو بدعة وفلسفة دخيلة في الإسلام، مخالف لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون، كما حققته في رسالتي ((وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين)) وهي مطبوعة مشهورة. (ن)стр. 37
٦٤- والإيمان واحد (١) وأهله في أصله سواء (٢) , والتفاضل بينهم بالخشية
والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى (٣) .
٦٥- والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن (٤) ، وأكرمهم عند الله أطوعهم الحواشي
(١) ...قوله (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء) هذا فيه نظر بل هو باطل فليس أهل الإيمان فيه سواء بل هم متفاوتون تفاوتاً عظيماً فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة ﵃ مثل إيمان غيرهم وهكذا ليس إيمان المؤمنين كإيمان الفاسقين وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده وهو قول أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة ومن قال بقولهم والله المستعان. (ز)(٢) ...الحق الذي لا إشكال فيه أن الإيمان متفاوت في أصله فإيمان آحاد الناس ليس كإيمان جبريل ولا كإيمان رسول الله والقول بأن الناس بأصل الإيمان سواء ليس من عقائد أهل السنة. (م)(٣) ...هذا على ما تقدم من قوله في الإيمان أنه إقرار وتصديق فقط وقد عرفت أن الصواب فيه أنه متفاوت في أصله، وأن إيمان الصالح ليس كإيمان الفاجر. فراجعه. (ن)(٤) ...أ) أولياء الرحمن هم: الذين عملوا بما ورد في الكتاب والسنة فأدوا ما أوجب الله عليهم وتركوا ما حرمه من المعاصي فهم المتقربون إلى الله بطاعته وطاعة رسوله ﵇،
=...وأما أهل التدجيل والتلبيس بزعمهم دخول النار ومسك الحيات فهؤلاء أولياء الشيطان. (م)
ب) وهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] وليست الكرامة بادعاء الكرامات وخوارق العادات كما يتوهم كثير من الناس بل ذلك من الإهانات التي تشوه جمال الإسلام. (ن)стр. 38
وأتبعهم للقران (١) .
[أركان الإيمان]
٦٦- والإيمان:هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى (٢) .
٦٧- ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به. الحواشي
(١) ...فيه إشارة لطيفة إلى الرد على متعصبة المذاهب، الذين يؤثرون اتباع المذهب على اتباع الكتاب والسنة، ذلك لأنه لا تلازم بين اتباع المذاهب واتباع القرآن، فإن المذاهب مختلفة، والقرآن لا اختلاف فيه، كما قال تعالى فيه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] فالمسلم كلما كان أتبع للقرآن كان أكرم عند الله تعالى وكلما ازداد تقليداً ازداد بعداً، وإليه أشار المصنف بقوله: ((لا يقلد إلا عصبي أو غبي)) . انظر ((صفة الصلاة)) (ص٢٣) . (ن)(٢) ...اعلم أنه لا ينافي هذه قوله ﷺ في دعاء الاستفتاح: ((والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)) رواه مسلم، لأن المعنى: فإنك لا تخلق شراً محضاً، بل كل ما تخلقه فيه حكمة، هو باعتبارها خير ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس فهذا الشر جزئي إضافي، فأما شر
...كلي أو شر مطلق، فالرب منزه عنه أفاده في ((الشرح)) وراجع التفصيل إن شئت في ((شفاء العليل)) لابن القيم رحمه الله تعالى. ومنه تعلم كذب من نسب إلى أنّ للشر خالقاً غير الله تعالى، في مقال نشر مع الأسف في مجلة الحضارة (ص٥٠-٥٢، العدد(٥) السنة ١٨) . (ن)стр. 39
[أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون في النار]
٦٨- وأهل الكبائر ((من أمة محمد ﷺ (١) ) ) في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين (٢) الحواشي
(١) ...ما بين المعكوفتين لم ترد في المخطوطات الثلاث. ولا في مطبوعة (خ) وحذفها أصح، لان مفهوم هذه الزيادة أن أهل الكبائر من أمة غير أمة محمد ﷺ قبل نسخ تلك الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد. وفي ذلك نظر فإن النبي ﷺ أخبر أنه: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقاً، فتأمله. واعلم أنهم اختلفوا في تعريف الكبائر على أقوال أمثلها أنها ما يترتب عليها حد، أو تُوعِّد عليها بالنار، أو اللعنة أو الغضب. وراجع ((الشرح)) و ((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١/٦٥٠) (ن)(٢) ...قوله عارفين: لايخفى أن المعرفة القلبية وحدها ليست كافية بالإيمان وقد خالف المصنف ما ذهب إليه سابقاً من أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الإيمان وأما مذهب السلف فالإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان وهذا هو الصواب. وذهبت الكرامية إلى أنه قول باللسان وقالت الجهمية: إنه الاعتقاد بالجنان وهذا هو الذي اقتصر عليه المصنف فعلى هذا ليس في الناس كافر فإنهم معترفون بوجود الله وأنه ربهم وخالقهم الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فالله كفر المشركين مع اعترافهم بأنه خالق السموات والأرض وكذلك إبليس وأبو جهل وفرعون وقارون وهامان وغيرهم من طوائف الكفر كلهم مؤمنون على زعم الجهم وأتباعه، لأنهم يعترفون بأن الله ربهم
...وخالقهم فهم مؤمنون على هذا القول الباطل المردود وقد رد ما ذكره المصنف أئمة الإسلام كابن القيم وغيره قال ﵀ في النونية:
قالوا وإقرار العباد بأنه
خلاقهم هو منتهى الإيمان
والناس في الإيمان شيء واحد
كالمشط عند تمائل الأسنان
فاسأل أبا جهل وشيعته ومن
والاهم من عابدي الأوثان
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف
الخلاق أم أصبحت ذا نكران
واسأل كذاك إمام كل معطل
فرعون مع قارون مع هامان
هل كان فيهم منكر للخالق الر
ب العظيم مكون الأكوان
فليبشروا ما فيهم من كافر
هم عند جهم كاملو الإيمان (م)стр. 40
((مؤمنين)) (١) وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك (٢) َ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء:٤٨، ١١٦] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته (٣) ، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به (٤) .
[وجوب طاعة الأئمة والولاة]
٦٩- ونرى الصلاة خلف كل بر (٥) الحواشي
(١) ...زيادة من مخطوطة (أ، ب، غ) . وهي زيادة هامة لم تثبت في بعض النسخ ومنها نسخة الشارح فقد قال: ((وقوله: (عارفين) ، لو قال: مؤمنين، بدل (عارفين) كان أولى، لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم وقوله مردود باطل ... )) (ن)(٢) ...يعني الشرك وهو الكفر، ولا فرق بينهما شرعاً فكل كفر شرك وكل شرك كفر. كما يدل عليه محاورة المؤمن للكافر صاحب الجنتين المذكورة في سورة (الكهف) . فتنبه لهذا فإنه به يزول عنك كثير من الإشكالات والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (ن)(٣) ...وقوله: بأن الله مولى أهل معرفته يقال فيه ما تقدم من التحرير والبيان. (م)(٤) ...هذا الدعاء ورد مرفوعاً وهو مخرج في ((الصحيحة))(١٨٢٣) كما كنت ذكرت في ((تخريج الشرح)) لكن وقع هناك(١٨٣٣) وهو خطأ مطبعي فاقتضى التصحيح. (ن)(٥) ...قوله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر مراده بذلك الرد على الرافضة وقد اختلف العلماء ﵏ في صحة الصلاة خلف الفاسق فذهب الشافعي وأبوحنيفة إلى صحتها مع الكراهة. وذهب أحمد ومالك إلى عدم الصحة والفاسق هو الذي ارتكب الكبيرة وأصر على الصغيرة ولا فرق في صحة الصلاة خلف الفاسق عند الإمام أحمد بين أن يكون فسقه من حيث الاعتقاد أو العمل، وعند الإمام أحمد تصح خلف كل بر وفاجر
=...صلاة الجمعة والعيد إذا تعذر فعلهما خلف غيره وأما سائر الصلوات فلا تصح خلف الفاسق على المذهب لقوله ﵇ (اجعلوا أئمتكم خياركم) وقوله: (ولا يؤم
...فاجر مؤمناً) ،قال شيخ الإسلام ابن تيمية. وأما احتجاج المعارض بقوله تجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر فهذا حديث لم يثبت وقد بسط الكلام على هذه المسألة في باب الإمامة من كتب الفقه (م)стр. 41
وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم (١) .
٧٠- ولا ننزل أحداً منهم جنة (٢) الحواشي
(١) ...والدليل على ذلك جريان عمل الصحابة عليه، على ما تراه مبيناً في ((الشرح)) وكفى بهم حجة، ومعهم مثل قوله ﷺ في الأئمة: ((يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) أخرجه البخاري وأحمد وأبو يعلى. وفي الصلاة على من مات منهم أدلة أخرى، تراها في ((أحكام الجنائز)) (ص٧٩) وأما حديث ((صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر ... )) فهو ضعيف الإسناد كما أشرت إليه في ((الشرح)) وبينته في ((ضعيف أبي داود))(٩٧) و ((الإرواء))(٥٢٠) ولا دليل على عدم صحة الصلاة وراء الفاسق، وحديث ((اجعلوا أئمتكم خياركم)) إسناده ضعيف جداً كما حققته في ((الضعيفة))(١٨٢٢) ولو صح فلا دليل فيه إلا على وجوب جعل الأئمة من الأخيار، وهذا شيء، وبطلان الصلاة وراء الفاسق شيء آخر، لا سيما إذا كان مفروضاً من الحاكم. نعم لو صح حديث ((..ولا يَؤْمُّ فاجر مؤمناً..)) لكان ظاهر الدلالة على بطلان إمامته ولكنه لا يصح أيضاً من قبل إسناده كما بينته في أول ((الجمعة)) من ((الإرواء)) (رقم ٥٩١) . (ن)(٢) ...إلا العشرة المبشرين بالجنة، وعبد الله بن سلام وغيرهم فإنا نشهد لهم بالجنة على شهادة الرسول ﷺ وقد صرح المصنف ﵀ بذلك في الفقرة(٩٥) ، ومن ضلال بعض الكتّاب اليوم وجهلهم غمزهم لعبد الله بن سلام بيهوديته قبل إسلامه، مع شهادة النبي ﷺ له بالجنة كما في ((صحيح البخاري)) وليت شعري أي فرق بين من كان يهودياً
...فأسلم، وبين من كان وثنياً وأسلم لولا العصبية القومية الجاهلية. بلى هناك فرق، فقد جاء في ((الصحيحين)) قوله ﷺ : ((ثلاث لهم أجرهم مرتين ... )) فذكر منهم ((ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به واتبعه وصدقه)) . فهذا له أجران دون الوثني إذا أسلم، فله أجر واحد. (ن)стр. 42
ولا ناراً، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى.
٧١- ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف.
٧٢- ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا (١) الحواشي
(١) ...قد ذكر الشارح في ذلك أحاديث كثيرة تراها مخرجة في كتابه، ثم قال: ((وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير فليتركوا الظلم.
...قلت: وفي هذا بيان لطريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم ((من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)) وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويصححوا عقيدتهم، ويربوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ، وإلى ذلك أشار أحد الدعاة المعاصرين بقوله: ((أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم على أرضكم)) . وليس طريق الخلاص ما يتوهم بعض الناس، وهو الثورة بالسلاح على الحكام. بواسطة الإنقلابات العسكرية، فإنها مع كونها من بدع العصر الحاضر، فهي مخالفة لنصوص الشريعة التي منها الأمر بتغيير ما بالأنفس، وكذلك فلا بد من إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] (ن)стр. 43
، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله
فريضة (١) ، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة. الحواشي
(١) ...ومن الواضح أن ذلك خاص بالمسلمين منهم لقوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وأما الكفار المستعمرون فلا طاعة لهم، بل يجب
=... الاستعداد التام مادة ومعنى لطردهم، وتطهير البلاد من رجسهم. وأما تأويل قوله تعالى ﴿منكم﴾ أي فيكم! فبدعة قاديانية ودسيسة إنكليزية، ليضلوا المسلمين، ويحملوهم على الطاعة للكفار المستعمرين، طهر الله بلاد المسلمين منهم أجمعين. (ن)стр. 44
[اتباع أهل السنة والجماعة]
٧٣- ونتبع السنة والجماعة (١) ، ونتجنب الشذوذ (٢) والخلاف والفرقة (٣) .
٧٤- ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة.
٧٥- ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه. الحواشي
(١) ...السنة: طريقة الرسول لله والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين. فاتباعهم هدى، وخلافهم ضلال. (ن)(٢) ...وهذا فيه سلامة دين الإنسان فينبغي له في مسائل الخلاف أن يأخذ بقول جمهور العلماء لأن ما خالف قول الجمهور شاذ لا يعول عليه ما لم يكن في ذلك دليل نص من الكتاب أو السنة فالأخذ به واجب وهذا الاجماع كما حكاه الإمام الشافعي ﵀. (م)(٣) ...يعني الشذوذ عن السنة ومخالفة الجماعة الذين هم السلف كما علمت. وليس من الشذوذ في شيء أن يختار المسلم قولاً من أقوال الخلاف لدليل بدا له، ولو كان الجمهور على خلافه خلافاً لمن وهم، فإنه ليس في الكتاب ولا في السنة دليل على أن كل ما عليه الجمهور أصح مما عليه مخالفوهم عند فقدان الدليل! نعم إذا اتفق المسلمون على شيء دون خلاف يعرف بينهم فمن الواجب اتباعه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] ، وأما عند الاختلاف فالواجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فمن تبين له الحق اتبعه، ومن لا استفتى قلبه، سواء وافق الجمهور أو خالفهم، وما أعتقد أن أحداً يستطيع أن يكون جمهورياً (!) في كل ما لم يتبين له الحق، بل إنه تارة هكذا وتارة هكذا، حسب اطمئنان نفسه وانشراح صدره، وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: ((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون)) . (ن)стр. 45
٧٦- ونرى المسح على الخفين (١) ، في السفر والحضر. كما جاء في الأثر. الحواشي
(١) ...أ) قوله: ونرى المسح على الخفين.. إلخ. أي لثبوته عن النبي ﷺ فعلاً وقولاً من رواية سبعين صحابياً كما حكاه الحسن: وقال الإمام أحمد ليس في نفسي شيء من المسح على
=...الخفين فيه أربعون حديثاً عن النبي ﵇ وعد السيوطي أحاديث المسح على الخفين من الأحاديث المتواترة حيث قال في ألفية الحديث:
خمس وسبعون رووا من كذبا
ومنهم العشرة ثم انتسبا
لها حديث الرفع لليدين
والحوض والمسح على الخفين
ولا ينكر المسح على الخفين إلا أهل البدع كالروافض الذين لا يتقيدون بالسنة الثابتة بل يردونها بآرائهم الكاسدة الفاسدة. (م)
ب) قلت: إنما ذكر المصنف تبعاً لغيره من المؤلفين في ((السنة)) المسح على الخفين دون الجوربين والنعلين لسببين: الأول: أن المسح على الخفين متواتر عن رسول الله ﷺ ، والآخر: أن الرافضة تخالف هذه السنة، فالحجة عليهم أقوى في الاحتجاج بما تواتر عن رسول الله ﷺ ، فلا ينفي ذكر الخفين ثبوت المسح على الجوربين والنعلين أيضاً وهذا ما تراه مفصلاً في كتاب ((المسح على الجوربين)) للشيخ القاسمي وقد اتبعته بتذييل عليه حققت فيه كثيراً من أحكام المسح وهو مطبوع في المكتب الإسلامي. (ن)стр. 46
[وجوب الحج والجهاد إلى يوم القيامة]
٧٧- والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة (١) ، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.
[الإيمان بالملائكة والبرزخ]
٧٨- ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله (٢) قد جعلهم علينا حافظين.
٧٩- ونؤمن بملك الموت (٣) ، الموكل بقبض أرواح العالمين. الحواشي
(١) ...اعلم أن الجهاد على قسمين: الأول: فرض عين، وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين: فالمسلمون جميعاً آثمون حتى يخرجوهم منها. والآخر: فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد حتى يحكمها الإسلام، فمن استسلم من أهلها فبها ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا، فهذا الجهاد ماض إلى يوم القيامة فضلاً عن الأول، ومن المؤسف أن بعض الكتاب اليوم ينكره، وليس هذا فقط بل إنه يجعل ذلك من مزايا الإسلام! وما ذلك إلا أثر من آثار ضعفهم وعجزهم عن القيام بالجهاد العيني، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) ((الصحيحة))(١١) . (ن)(٢) ...في المخطوطة (ج) : ((وأن)) وكذا في مطبوعة الشيخ راغب ولعله أصح. (ن)(٣) ...قلت: هذا هو اسمه في القرآن، وأما تسميته بـ (عزرائيل) كما هو الشائع بين الناس فلا أصل له، وإنما هو من الإسرائيليات. (ن)стр. 47
٨٠- وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً (١) ، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ (٢) ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم.
٨١- والقبر روضة من رياض الجنة، وأو حفرة من حفر النيران (٣) .
[الإيمان بيوم القيامة وما فيه من المشاهد]
٨٢- ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان.
[الإيمان بالجنة والنار]
٨٣- والجنة والنار (٤) الحواشي
(١) ...يعني من الكفار، وفساق المسلمين، والأول مقطوع به منصوص عليه في القرآن، والآخر كذلك وهو منصوص عليه في أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر كما ذكر الشارح وغيره. فيجب الاعتقاد به، ولكن لا يجوز الخوض في تكييفه، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول، فيجب التسليم به، وتجد بعض الأحاديث المشار إليها في ((الشرح)) وفي ((السنة)) لابن أبي عاصم (رقم ٨٦٣-٨٧٧ بتحقيقي وتخريجي) . (ن)(٢) ...وهي متواترة كما ذكرت آنفاً، إلا تسمية الملكين بمنكر ونكير ففيه حديث بإسناد حسن، مخرج في ((الصحيحة))(١٣٩١) . (ن)(٣) ...هذا قطعة من حديث أخرجه الترمذي (٢/٧٥) عن أبي سعيد مرفوعاً بسند ضعيف، والطرف الأول أخرجه أبو يعلى وفيه دراج كما في ((المجمع)) (٣/٥٥) ، وهو ذو مناكير. (ن)(٤) ...قوله والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً.. إلخ أجمع أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان لأن أدلة الكتاب والسنة الدالة على ذلك وقصة آدم ودخوله الجنه وإخراجه منها معلومة عند كل من قرأ القرآن الكريم أو سمعه ويرحم الله ابن القيم حيث قال:
فحي على جنات عدن فإنها......منازلنا الأولى وفيها المخيم
وقد وردت الأحاديث الكثيرة الدالة على وجود الجنة والنار كما في حديث صلاة الكسوف الذي صرح به النبي ﵇ في رؤية الجنة والنار وأجمع أهل السنة والجماعة على أن الجنة لا تفنى ولا تبيد لقوله تعالى ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ وغير ذلك من الأدلة. وأما النار فكذلك عند جمهور السلف لاتفنى ولا تبيد ولا يخرج منها أحد من أهلها كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ بل أهل الجنة وأهل النار خالدون فيهما كما جاء في الحديث الصحيح. ((يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت)) وقد نقل عن بعض العلماء السالفين القول بفناء النار ونسب ذلك إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ولكنه لم يثبت عنه، وكذلك تلميذه ابن القيم بسط القول في هذه المسألة في كتابه شفاء العليل وحادي الأرواح ولكنه
...لم يجزم بفناء النار بل قال بعد أن ذكر أكثر من عشرين دليلاً على ذلك إن قيل إلى أين انتهى قدمك في هذه المسألة العظيمة؟ قيل: إلى قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ولكنه صرح في كتاب الوابل الصيب. أن الجنة والنار لا تفنيان وأن النار التي تفنى نار عصاة الموحدين.
تنبيه: أورد ابن القيم في شفاء العليل وحادي الأرواح قوله تعالى ﴿وَمَا هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِين﴾ في حق أهل النار والصواب أنها قيلت في أهل الجنة فليحفظ ثم أعلم أن مقصد أهل السنة والجماعة من ذكر خلق الجنة والنار وعدم فنائها الرد على الجهم وأتباعه المخالفين لنصوص الكتاب والسنة بآرائهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة.
وقد تصدى ابن القيم وغيره من أهل السنة لحكاية أقوالهم والرد عليها ونصر السنة والذب عنها. والجهم إنما سلك هذا المذهب الوخيم طرداً للدليل عنده وهو الدليل
=...المسمى بدليل الأكوان إذ مبناه على قطع التسلسل وهو منع حوادث لا أول لها؛ فكذلك يمتنع حوادث لا آخر لها والرد عليه مبسوط في النونية وقد حكى ابن القيم قول الجهم في فناء الجنة والنار ورد عليه في أبيات منها:
وقضى بأن النار لم تخلق ولا
جنات عدن بل هما عدمان
فإذا هما خلقا ليوم معادنا
فهما على الأوقات فانيتان
وتلطف العلاف من أتباعه
فأتى بضحكة جاهل مجان
قال الفناء يكون في الحركات لا
في الذات واعجبا لذا الهذيان (م)стр. 48
مخلوقتان لا تفنيان أبداً
ولا تبيدان (١) ، وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له (٢) ، وصائر إلى ما خلق له.
[أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد]
٨٤- والخير والشر مقدران على العباد. الحواشي
(١) ...اعلم أن النار في الآخرة ناران: نار تفنى، ونار تبقى أبداً لا تفنى، فالأولى هي نار العصاة المذنبين من المسلمين، والأخرى نار الكفار والمشركين، هذا خلاصة ما حرره ابن القيم في ((الوابل الصيب)) وهو الحق الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأدلة، فلا تغتر بما ذكره الشارح هنا وابن القيم في ((شفاء العليل)) و ((حادي الأرواح)) مما قد ينافي هذا الذي لخصته، فإنهما لم يتبنيا ذلك، وليس فيه أي دليل صريح صحيح يدل على فناء نار الكافرين، والله تعالى كما قال في أهل الجنة: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] قال مثله في الكافرين: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] . وما روي عن عمر وغيره لا يصح إسناده كما بينته في تعليقي على ((الشرح))
...فتنبه، ثم في ((الأحاديث الضعيفة)) المجلد الثاني، [٦٠٦-٦٠٧] وسيصدر قريباً بإذن الله(١) . (ن)(٢) ...يشير إلى قوله ﷺ : ((فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، ومضجعه، وشقي أو سعيد)) وهو حديث صحيح مخرج في ((المشكاة))(١١٣) و ((السنة)) (٣٠٣-٣٠٩) والأحاديث في معناه كثيرة معروفة. (ن)(١) ...طبع ضمن مطبوعات مكتبة المعارف.стр. 49
٨٥- والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) [البقرة:٢٨٦] . الحواشي
(١) ...والأولى قال بها الأشاعرة، والأخرى قال بها المعتزلة، والصواب القول بهما معاً على التفصيل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بياناً شافياً، لا بأس من نقله بتمامه لأهميته قال رحمة الله عليه في ((مجموع الفتاوى)) (٨/٣٧١-٣٧٦) :
((وقد تكلم الناس من أصحابنا وغيرهم في ((استطاعة العبد)) هل هي مع فعله أم قبله؟ وجعلوها قولين متناقضين، فقوم جعلوا الاستطاعة مع الفعل فقط. وهذا هو الغالب على مثبتة القدر المتكلمين من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحابنا وغيرهم. وقوم جعلوا الاستطاعة قبل الفعل، وهو الغالب على النفاة من المعتزلة والشيعة. وجعل الأولون القدرة لا تصلح إلا لفعل واحد، إذ هي مقارنة له لا تنفك عنه. وجعل الآخرون الاستطاعة لا تكون إلا صالحة للضدين، ولا تقارن الفعل أبداً، والقدرية أكثر انحرافاً، فإنهم يمنعون أن يكون مع الفعل قدرة بحال، فإن عندهم أن المؤثر لا بد أن يتقدم على الأثر لا يقارنه بحال، سواء في ذلك القدرة والإرادة والأمر.
...والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الاستطاعة متقدمة علىالفعل ومقارنةله أيضاً، وتقارنه استطاعة أخرى لا تصلح لغيره. فالاستطاعة نوعان: متقدمة صالحة للضدين، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل، فتلك هي المصححة للفعل المجوزة له، وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له.
قال الله تعالى في الأولى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] ولو كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج، ولا كان الحج واجباً على أحد قبل الإحرام به: بل قبل فراغه! وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة: وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾
=... [البقرة:٢٨٦] . و (الوسع) : الموسوع، وهو الذي تسعه وتطيقه، فلو أريد به المقارنة لما كلف أحد إلا بالفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات ... ونظائر هذا متعددة، فإن كل أمر علق في الكتاب والسنة وجوبه بالاستطاعة وعدمه بعدمها لم يرد به المقارنة، وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها، وقد أسقطها عن لم يفعلها، فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور!
وأما الاستطاعة المقارنة الموجبة، فمثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] فهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة، إذ الأخرى لا بد منها في التكليف.
فالأولى هي الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
والثانية: هي الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات. والثانية للكلمات الخلقيات الكونيات كما قال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم:١٢] .
وقد اختلف الناس في قدرة العبد على خلاف معلوم الحق أو مراده. والتحقيق أنه قد يكون قادراً بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل، فإن الله قادر أيضاً على خلاف المعلوم والمراد، وإلا لم يكن قادراً إلا على ما فعله، وليس العبد قادراً على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل؛ فإنه لا يكون إلا ما علم الله كونه وأراد كونه، فإنه ما شاء الله كان. ومالم يشأ لم يكن.، وكذلك قول الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢] إنما استفهموا عن هذه القدرة. وكذلك ظن يونس ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْه﴾ [الأنبياء:٨٧] أي فسر بالقدرة، كما يقال للرجل: هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي هل تفعله؟ هو مشهور في كلام الناس. ولما اعتقدت القدرية أن الأولى (الاستطاعة قبل الفعل) كافية في حصول الفعل، وأن العبد يحدث مشيئته جعله مستغنياً عن الله حين الفعل! كما أن الجبرية لما اعتقدت أن الثانية موجبة للفعل، وهي من غيره رأوه مجبوراً على الفعل. وكلاهما خطأ قبيح؛ فإن العبد له مشيئته وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع من كتابه: فإذا كان الله قد جعل العبد مريداً مختاراً شائياً امتنع أن يقال: هو مجبور مقهور، مع كونه قد جعله مريداً، وامتنع أن يكون هو الذي ابتدع
=...لنفسه المشيئة. فإذا قيل: هو مجبور على أن يختار، مضطر إلى أن يشاء، فهذا لا نظير له، وليس هو المفهوم من الجبر بالاضطرار ولا يقدر على ذلك إلا الله. ولهذا افترق القدرية والجبرية على طرفي نقيض، وكلاهما مصيب فيما أثبته دون ما نفاه.
وابن الخطيب ونحوه من الجبرية يزعمون أن العلم بافتقار رجحان فعل العبد على تركه إلى مرجح من غير العبد ضروري، لأن الممكن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ما، وكلا القولين صحيح، ولكن دعوى استلزام أحدهما نفي الآخر ليس بصحيح؛ فإن العبد محدث لأفعاله كاسب لها، وهذا الإحداث مفتقر إلى محدث، فالعبد فاعل صانع محدث، وكونه فاعلاً صانعاً محدثاً بعد أن لم يكن لا بد له من فاعل كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] ، فإذا شاء الاستقامة صار مستقيماً، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] .
فما علم بالاضطرار وما دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية كله حق، ولهذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله، والعبد فقير إلى الله فقراً ذاتياً له في ذاته وصفاته وأفعاله، مع أن له ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، فنفي أفعاله كنفي صفاته وذاته، وهو جحد للحق، شبيه بغلو غالية الصوفية الذين يجعلونه هو الحق، وجعل شيء منه مستغنياً عن الله أو كائناً بدونه؛ جحد للحق شبيه بغلو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال: إنه خلق نفسه. وإنما الحق ما عليه أهل السنة والجماعة)) . (ن)стр. 50
٨٦- وأفعال العباد (١) خلق الله وكسب من العباد.
[التكليف بما يطاق]
٨٧- ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون (٢) إلا ما كلفهم (٣) الحواشي
(١) ...هنا في الأصل زيادة: (هي) ، ولما لم ترد في شيء من الأصول التي عندنا حذفناها. (ن)(٢) ...هذا غير صحيح بل المكلفون يطيقون أكثر مما كلفهم به سبحانه ولكنه لطف بعباده ويسر عليهم ولم يجعل عليهم في دينهم حرجاً فضلاً منه وإحساناً والله ولي التوفيق. (ز)(٣) ...أ) قوله ولا يطيقون إلا ماكلفهم به أي لايطيقون إلا ما أقدرهم عليه والشارح رد على المصنف ذلك بأن التكليف لا يستعمل بمعنى الاقدار وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي ثم
=...قال ولا يصح ذلك يعني قوله ولا يطيقون إلا ما كلفهم بل يطيقون فوق ما كلفهم به. قلت لأنه في إمكان الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة ولكنه سبحانه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله هو الحق والصواب. (م)
ب) أي ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق، لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، ولكن في كلام المؤلف إشكالاً بينه الشيخ الشارح بقوله:
((فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: ((لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم)) . وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك، لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] . وقال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] . فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه تفضل علينا ورحمنا، وخفف عنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات، ففي العبارة قلق فتأمله)) . (ن)стр. 51
، وهو تفسير: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) . نقول:لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله.
٨٨- وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها (١) ،يفعل ما يشاء وهو غيرظالم أبداً (٢) الحواشي
(١) ...هنا في متن ((الشرح)) عبارة لم ترد في النسخ التي لدينا فحذفناها. (ن)(٢) ...أ) أي لأنه سبحانه حرم الظلم على نفسه كما حرمه على عباده. والظلم وضع الأشياء في غير مواضعها؛ ودلت دلائل الكتاب والسنة على أن الله تعالى قادر على الظلم ولكنه لا يفعله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
=...الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ والهضم أن ينقص من جزاء حسناته والظلم أن يعاقب بذنوب غيره فهو سبحانه منع نفسه من الظلم لعباده مع قدرته عليه جوداً منه وكرماً وإحساناً. (م) .
ب) قال الشارح (ص ٤٤٨) :
((الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولاً وسطاً بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً يكون منه ظلماً وقبيحاً، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه! وقياس له عليهم! هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون. وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم! بل كل ما كان ممكناً فهو منه – لو فعله – عدل، إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك! فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه:١١٢] ، وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧] يدل على نقيض هذا القول.
ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) فهذا دل على شيئين: أحدهما أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرَّمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه، لا ما هو ممتنع عليه. (ن)стр. 52
، تقدس عن كل سوء وحين (١) ، وتنزه عن كل عيب وشين، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
٨٩- وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة (٢) للأموات (٣) .
٩٠- والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات.
[الله هو الغني ونحن الفقراء إليه]
٩١- ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين (٤) . الحواشي
(١) ...الحين: الهلاك، وما بين المعكوفتين زيادة من مخطوطة (غ) ومطبوعة (خ) . (ن)(٢) ...سقطت من نسخة الشارح، وهي ثابتة في سائر النسخ، والسياق يقتضيها. (ن)(٣) ...أ) يعني أن الأحياء هم الذين يدعون للأموات ويسألون الله لهم الرحمة والمغفرة وقد عكس ذلك عباد الأموات فدعوهم مع الله ومن دون الله ودعوتهم شرك أكبر مع أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم ولا يستجيبون لهم بشيء، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم﴾ فسمي هذا الدعاء شركاً وعباد القبور يدعون أن الأموات يقربونهم إلى الله زلفى. (م)
ب) نقل الشارح رحمه الله تعالى اتفاق أهل السنة على ذلك، ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة عليه، ولكنه فيما يتعلق بالصدقة لم يذكر إلا ما يدل على انتفاع الوالد بصدقة ولده، وهذا أخص من الدعوى كما لا يخفى. وقد شرحت هذا ونظرت في الاتفاق المذكور في ((أحكام الجنائز)) (ص١٧٣) فراجعه. (ن)(٤) ... أ) الحين بالفتح الهلاك. (م)
ب) هو الهلاك كما تقدم آنفاً. (ن)стр. 53
٩٢- والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى (١) .
[حب أصحاب النبي ﷺ ]
٩٣- ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم (٢) ؛ ولا نتبرأ من أحد منهم (٣) ، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
٩٤- ونثبت الخلافة بعد رسو ل الله ﷺ أولاً لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان بن عفان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون (٤) . الحواشي
(١) ...فيه رد على المتأولة المعطلة من الأشاعرة وغيرهم الذين قالوا بأن المراد الغضب والرضى إرادة الإحسان! وليت شعري ما الفرق بين تسليمهم بصفة الإرادة وإنكارهم للصفتين المذكورتين بتأويلهما، وهي مثلهما في إتصاف العبد بها أيضاً؟! فهلا قالوا فيهما كما قالوا في الإرادة الإلهية: إنها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة تناسب الموصوف بها. وقد بسط القول في ذلك الشارح ﵀ فراجعه. (ن)(٢) ...أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، فندعي لهم العصمة، كما تقول الشيعة في علي ﵁ وغيره من أئمتهم. (ن)(٣) ...أي كما فعلت الرافضة، فعندهم لا وَلاء إلا ببراء. أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄. وأهل السنة يوالونهم جميعاً وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوس والتعصب. (ن)(٤) ...قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله. ((مجموع الفتاوى)) (٣/١٥٣) . (ن)стр. 54
٩٥- وأن (١) العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسو ل الله ﷺ وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين.
٩٦- ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق.
٩٧- وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر - لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
[الأنبياء أفضل من الأولياء]
٩٨- ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء (٢) ﵈،
ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء (٣) الحواشي
(١) ...في نسخة (خ) : ((ونحب العشرة ... ونشهد لهم ... )) . (ن)(٢) ...قوله: ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء يريد بهذا الرد على أهل الاتحاد القائلين: إن الولاية أعظم من النبوة والنبوة أعظم من الرسالة وينشدون
مقام النبوة في برزخ...فويق الرسول ودون الولي
ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته ونبوته أعظم من رسالته وهذا من الجهل بالله وبأنبيائه ورسله وهل كان الولي ولياً إلا بتقوى الله بامتثال أوامره وترك نواهيه واقتفائه لرسل الله الذين أوجب الله طاعتهم واقتفاء آثارهم؟ ولكن هذا من غلو الاتحادية والمتصوفة وخروجهم عن الصراط المستقيم. (م)(٣) ...قال في الشرح: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] .
وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم! ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء!! ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء!! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء!! ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون، وهو أن الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، ولكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم، فإنه
=...كان مثبتاً للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله!! وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره - قال:
النبوة ختمت، لكن الولاية لم تُختم! وادعى في الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها! كما قال:
مقام النبوة في برزخ...فويق الرسول ودون الولي!!
وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى:
﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] : والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة كما تقدم التنبيه على ذلك. (ن)стр. 55
٩٩- ونؤمن بما جاء من كراماتهم (١) ، وصح عن الثقات من رواياتهم (٢) .
[الإيمان بأشراط الساعة]
١٠٠- ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء (٣) ، ونؤمن بطلوع الشمس، من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها.
١٠١- ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً، ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
١٠٢- ونرى الجماعة (٤) حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً. الحواشي
(١) ...كرامات الأولياء حق ثابتة بالكتاب والسنة وهي متواترة لا ينكرها إلا أهل البدع كالمعتزلة ومن نحا نحوهم من المتكلمين؛ وقد ضلل أهل الحق من أنكرها لأنه بإنكارها صادم الكتاب والسنة، ومن عارضهما وصادمهما برأيه الفاسد وعقله الكاسد فهو ضال مبتدع. (م)(٢) ...قلت: لقد أحسن المؤلف صنعاً بتقييد ذلك بما صح من الروايات. ذلك لأن الناس وبخاصة المتأخرين منهم قد توسعوا في رواية الكرامات إلى درجة أنهم رووا باسمها الأباطيل التي لا يشك في بطلانها من له أدنى ذرة من عقل، بل إن فيها أحياناً ما هو الشرك الأكبر، وفي الربوبية! وكتاب طبقات الأولياء للشعراني من أوسع الكتب ذكراً لمثل تلك الأباطيل التي منها قول أحد أوليائه (!) : تركت قولي للشيء كن فيكون عشرين سنة أدباً مع الله! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وتجد طائفة لا بأس بها من الكرامات الصحيحة عن بعض الصحابة في كتاب ((رياض الصالحين)) للإمام النووي (باب ٢٥٣ الأحاديث ١٥١٦-١٥٢٣ بتحقيقي) . (ن)(٣) ...والأحاديث في ذلك متواترة كما شهد بذلك كثير من الحفاظ المهرة، ولي رسالة في ذلك أسميتها: ((قصة المسيح الدجال، ونزول عيسى ﵊ وقتله إياه)) أرجو أن ييسر الله لي تبييضها. (ن)(٤) ...وهي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وفي الفرقة الناجية، وهي طائفة أهل الحديث ومن اتبع سبيلهم من أتباع المذاهب وغيرهم. (ن)стр. 56
[إن الدين عند الله الإسلام]
١٠٣- ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] . وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] (١) .
[وسطية الدين]
١٠٤- وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس.
[هذا ديننا]
١٠٥- فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. الحواشي
(١) ...قال الشارح رحمه الله تعالى:
فدين الإسلام هو ما شرعه الله لعباده على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد: أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه.
فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته، واختلاف تعليم النبي ﷺ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علَّمهم ما لم يسعهم جهله،
=
=...مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، - أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه - أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) وأما من شرع ديناً لم يأذن به الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق. (ن)стр. 57
[المذاهب الردية]
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية (١) ، مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمبة، والجبرية، والقدرية وغيرهم (٢) الحواشي
(١) ...كل مذهب خالف ما عليه أهل السنة والجماعة مذهب ردي باطل وقد رد الله على المشبهة والجهمية المعطلة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فالمشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والمثبت يعبد رباً واحداً فرداً صمداً، وما أحسن قول ابن القيم في النونية:
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا
إن المشبه عابد الأوثان
كلا ولا نخيله من أوصافنا
إن المعطل عابد البهتان
ثم اعلم أن الجهمية نفاة الصفات، والجبرية الذين قالوا ليس للعبد فعل اختياري والقدرية الذين قالوا أن العباد يخلقون أفعالهم، والرافضة الذين كفروا الصحابة وسلكوا مسلك الجهمية في نفي الصفات، كل هذه الفرق من فرق الزيغ والضلال والجهم هو الذي ابتدع التعطيل والجبر والإرجاء كما حكاه في النونية وإن نسب منها شيء إلى غيره فلكونه نصرها وأيدها وما أحسن ما قيل:
تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا
وكلهم يدعون الفوز بالظفر
فخذ بقول يكون النص ينصره
إما عن الله أو عن سيد البشر (م)(٢) ...كالمقلدة الذين جعلوا التقليد ديناً واجباً على كل ما جاء بعد القرن الرابع من الهجرة، وأعرضوا بسبب ذلك عن الاهتداء بنور الكتاب والسنة، واتهموا كل من حاول الخلاص من الجمود المذهبي، إلى التمسك بهدي النبي ﷺ بما شاءت لهم أهواؤهم، ورحم الله إمام السنة إذ يقول:
دين النبي محمد أخبار
نعم المطية للفتى آثار
.........لا ترغبن عن الحديث وآله
..................فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر الهدى
والشمس بازغة لها أنوار (ن)стр. 58
، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء (١) وبالله العصمة والتوفيق. الحواشي
(١) ...بعد هذا في مخطوطة (أ) : ((والله الهادي للحق. وهذا آخر ما أردنا، وإليه أشرنا، والحمد لله رب العالمين)) . وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (ن)
الحمد لله رب العالمين