← Тараджим

Тараджим · id 9543

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (692 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى وقف على طبعه وصححه محمد حامد الفقي (١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م) مطبعة السنة المحمدية

стр. 2

عنوان الصورة الشمسية لنسخة إدارة الثقافة

стр. 3

الأولى من الصورة الشمسية لنسخة إدارة الثقافة

стр. 4

الأخيرة من الصورة الشمسية لنسخة إدارة الثقافة

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمده ونصلى على رسوله الكريم حدثنا الشيخ الإمام الحافظ أبو العز عبد المغيث بن الحرث بن زهير الحربى قال: حدثنا القاضى الإمام الأوحد السعيد الشهيد، أبو الحسين محمد بن الحسين بن خلف الفراء الحنبلى ﵁ من لفظه وكتابه - وذلك فى سنة أربع وعشرين وخمسمائة قال: الحمد لله العلى العظيم، السميع البصير، ذى الفضل الواسع، والمنن التوابع، والنعم السوابغ، والحجج البوالغ. علا، فكان فوق سبع سماواته. ثم على عرشه استوى. يعلم السر وأخفى. ويسمع الكلام والنجوى. أنزل القرآن بعلمه، وأنشأ خلق الإنسان من تراب بيده. ثم كوّنه بكلمته. واصطفى رسوله إبراهيم بخلّته. ونادى كليمه موسى بلغته، فقرّ به نجيّا. وكلمه تكليما. وأمر نوحا بصنعة الفلك على عينه. وخبرنا أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه، كما أعلمنا أن كلّ شئ هالك إلا وجهه. وحذّر عباده نفسه التى لا تشبه أنفس المخلوقين. أحمده على ما منّ علىّ من الإيمان بجميع صفات ربى ، وعلى جميع الأنبياء. حمد شاكر لنعمائه، التى لا يحصيها أحد سواه. وأشكره شكر مقرّ مصدق بحسن آلائه التى لا يقف على كثرتها غيره ، وأؤمن به إيمان معترف بوحدانيته، راغب فى جزيل ثوابه وعظيم ذخره، بفضله وكرمه وجوده، راهب وجل خائف من أليم عقابه، لكثرة ذنوبه وخطاياه وحوباته. وأشهد أن لا إله إلا الله، إله واحد فرد صمد، قاهر قادر، رءوف رحيم، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا فى ملكه، العدل فى قضائه، الحكيم فى أفعاله، القائم على خلقه بالقسط، الممتن على المؤمنين بفضله. بذل لهم الإحسان، وزيّن فى قلوبهم الإيمان. وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان. وأنزل على

стр. 6

محمد رسوله الفرقان. وعلم القرآن. فتمت نعماء ربنا جل وعلا، وعظمت آلاؤه على المطيعين له. فربنا - جل ثناؤه - المعبود موجودا، والمحمود ممجّدا. وأشهد أن محمدا ﷺ رسوله المصطفى، ونبيه المرتضى. اختاره الله تعالى لرسالته، ومستودع أمانته. فجعله خاتم النبيين. وخير خلقه أجمعين. أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. بعثه بالكتاب المسطور فى الرّق المنشور. فبلّغ عن الله حقائق الرسالة. وأنقذ به أمته من الرّدى والضلالة. قام بما استرعاه ربه من حقه، واستحفظه من تنزيله، حتى قبضه على كرامته. ومنزلة أهل ولايته الذين رضى أعمالهم. حميدا رضيا سعيدا. بما سبق له من السعادة فى اللوح المحفوظ قبل أن ينشئ الله نسمته. فعليه صلوات الله وسلامه حيا محمودا. وميتا مفقودا، أفضل صلوات وأنماها. وعلى إخوانه من النبيين وآله أجمعين. هذا كتاب استخرنا الله تعالى فى تأليفه. وسألناه المعونة على تصنيفه. وسطرنا فيه ما انتهى إلينا من أخبار شيوخنا أصحاب إمامنا الإمام الأفضل. أبى عبد الله. ١ - أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى ابن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أدّ بن أدد ابن الهميسع بن حمل بن النّبت بن قيدار بن إسماعيل بن ابراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين. هكذا أخبرنا المبارك بن عبد الجبار بن أحمد - قراءة عليه - قال: أخبرنا أبو على الحسن بن على التميمى. قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك، حدثنا عبد الله ابن أحمد

стр. 7

وقال أبو بكر بن أبى داود: كان فى ربيعة رجلان، لم يكن فى زمانهما مثلهما. لم يكن فى زمان قتادة مثل قتادة. ولم يكن فى زمان أحمد بن حنبل مثله. وهذا النسب فيه منقبة عميمة. ورتبة عظيمة، من وجهين. أحدهما: حيث تلاقى فى نسب رسول الله ﷺ . لأن نزارا كان له ابنان. أحدهما: مضر. ونبينا ﷺ من ولده. والآخر ربيعة. وإمامنا أحمد من ولده والوجه الثانى: أنه عربى صحيح النسب. وقد قال رسول الله ﷺ «أحبوا العرب لثلاث: لأنى عربى. والقرآن عربى، ولسان أهل الجنة عربى (١)» هكذا ذكره ابن الأنبارى فى كتاب الوقف والابتداء. وقال الربيع بن سليمان: قال لنا الشافعى: أحمد إمام فى ثمان خصال: إمام فى الحديث، إمام فى الفقه، إمام فى اللغة، إمام فى القرآن، إمام فى الفقر، إمام فى الزهد، إمام فى الورع، إمام فى السنة. وصدق الشافعى فى هذا الحصر. أما قوله «إمام فى الحديث» فهذا ما لا خلاف فيه ولا نزاع، حصل به الوفاق والاجماع. أكثر منه التصنيف، والجمع والتأليف. وله الجرح والتعديل، والمعرفة والتعليل، والبيان والتأويل. قال أبو عاصم النبيل يوما: من تعدّون فى الحديث ببغداد؟ فقالوا: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبا خيثمة ونحوهم. فقال: من تعدون بالبصرة عندنا؟ فقالوا: على بن المدينى، وابن الشاذ كونى، وغيرهما. فقال: من تعدون بالكوفة؟ قلنا: ابن أبى شيبة، وابن نمير، وغيرهما، فقال: أبو عاصم - وتنفس - ها، ها، ما أحد من هؤلاء إلا وقد جاءنا ورأيناه. فما رأيت فى القوم مثل ذلك الفتى أحمد بن حنبل. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل،

стр. 8

وعلى بن المدينى، ويحيى بن معين، وأبى بكر بن أبى شيبة. وكان أحمد بن حنبل أفقههم فيه. ودخل الشافعى يوما على أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبد الله، كنت اليوم مع أهل العراق فى مسألة كذا. فلو كان معى حديث عن رسول الله ﷺ ؟ فدفع إليه أحمد ثلاث أحاديث. فقال له: جزاك الله خيرا. وقال الشافعى لإمامنا أحمد يوما: أنتم أعلم بالحديث والرجال. فاذا كان الحديث الصحيح فأعلمونى، إن شاء يكون كوفيا، أو شاء شاميا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا. وهذا من دين الشافعى حيث سلم هذا العلم لأهله وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وإيش الذى بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة، فأجاب فيها بأن قال «أخبرنا» و «حدثنا». وقال إبراهيم الحربى - وقد ذكر أحمد -: كأن الله قد جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما يرى، ويمسك ما شاء. وقال أبو زرعة الرازى: حزرنا حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث. وفى لفظ آخر: قال أبو زرعة الرازى: كان أحمد يحفظ ألف ألف. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب. وأما الخصلة الثانية، وهى قوله «إمام فى الفقه» فالصدق فيه لائح. والحق فيه واضح، إذ كان أصل الفقه: كتاب الله وسنة رسوله وأقوال صحابته. وبعد هذه الثلاثة: القياس. ثم قد سلّم له الثلاث، فالقياس تابع. وإنما لم يكن للمتقدمين من أئمة السنة والدين تصنيف فى الفقه، ولا يرون وضع الكتب ولا الكلام، إنما كانوا يحفظون السنن والآثار، ويجمعون الأخبار، ويفتون بها.

стр. 9

فمن نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقاها عنهم، ودراية يتفهمها منهم. ومن دقق النظر وحقق الفكر: شاهد جميع ما ذكرته. وأما نقلة الفقه عن إمامنا أحمد فهم أعيان البلدان، وأئمة الأزمان. منهم ابناه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل، واسحاق بن منصور الكوسج المروزى وأبو داود السجستانى. وأبو اسحاق ابراهيم الحربى، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروزى، وعبد الملك الميمونى، ومهنا الشامى، وحرب الكرمانى، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وأبو زرعة الدمشقى، ومثنى بن جامع الأنبارى، وأبو طالب المسكانى، والحسن بن ثواب، وابن مشيش، وابن بدينا الموصلى، وأحمد بن القاسم، والقاضى الرقى، وأحمد بن أصرم المزنى، وعلى بن سعيد النسوى، وأبو الصقر، والبرزاطي، والبغوى، والشالنجى، وعبد الرحمن المتطبب، وأحمد ابن الحسن الترمذى، وأحمد بن أبى عبدة، وأحمد بن نصر الخفاف، وأحمد ابن واصل المقرى، وأحمد بن هشام الأنطاكى، وأحمد بن يحيى الحلوانى، وأحمد بن محمد الصائغ، وأحمد بن محمد بن صدقة. وهم مائة ونيف وعشرون نفسا. وأما نقلة الحديث عنه: فقد جمعت فيهم المصنفات، وساقهم الأئمة الثقات وقال الأثرم: قلت يوما - ونحن عند أبى عبيد القاسم بن سلام - فى مسألة. فقال بعض من حضر: هذا قول من؟ فقلت: من ليس بغرب ولا شرق أكبر منه: أحمد بن حنبل. قال أبو عبيد: صدق. وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن آدم يقول: أحمد بن حنبل إمامنا. وقال أبو ثور: أحمد بن حنبل: أعلم من الثورى وأفقه. وأما الخصلة الثالثة، وهى قوله «إمام فى اللغة» فهو كما قاله. قال المروزى: كان أبو عبد الله لا يلحن فى الكلام. ولما نوظر بين يدى الخليفة كان يقول: كيف أقول ما لم يقل. وقال أحمد - فيما رواه عنه محمد بن حبيب - كتبت من العربية أكثر مما

стр. 10

كتب أبو عمرو بن العلاء. وكان يسأل عن ألفاظ من اللغة تتعلق بالتفسير والأخبار، فيجيب عن ذلك بأوضح جواب، وأفصح خطاب. فروى عبد الله بن أحمد: سألت أبى عن حديث إسماعيل بن عليّة عن أيوب عن أبى معشر قال «يكره التكفير فى الصلاة» قال أبى: التكفير أن يضع يمينه عند صدره فى الصلاة. وقال عبد الله أيضا: قرأت على أبى: أبو خالد الأحمر عن ابن جريج عن عطاء قال «فى الوطواط: ثلثى درهم» سألت أبى عن الوطواط؟ قال: هو الخطّاف. وقال عبد الله أيضا: سألت أبى عن نهى النبى ﷺ عن بيع المجبر؟ فقال: يعنى ما فى الأرحام وقال عبد الله أيضا: سئل أبى عن حبل الحبلة؟ قال: التى فى بطنها إذا وضعت وتحمل. نهى النبى ﷺ عنه لأنه غرر. يقول: نتاج الجنين. وقال عبد الله بن أحمد أيضا: سمعت أبى فى حديث ابن مسعود «كفى بالمعك ظلما» قال أبى: المعك: المطل. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنى أبى حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير «كان رجل يداين الناس، له كاتب ومتجاز» قال أبى: «المتجازى» المتقاضى وقال حرب الكرمانى: قلت لأحمد: ما تفسير «لا تقضية فى ميراث إلا ما حمل القسم»؟ قال: إن كان شيئا إن قسم أضرّ بالورثة، مثل الحمام وغير ذلك مما لا يمكن قسمه. وأما الخصلة الرابعة، وهى قوله «إمام فى القرآن» فهو واضح البيان، لائح البرهان. قال أبو الحسين بن المنادى: صنف أحمد فى القرآن التفسير. وهو مائة ألف وعشرون ألفا، يعنى حديثا. والناسخ، والمنسوخ، والمقدم والمؤخر فى كتاب الله تعالى، وجواب القرآن وغير ذلك.

стр. 11

وقال عبد الله بن أحمد: كان أبى يقرأ القرآن فى كل أسبوع ختمتين، إحداهما بالليل، والأخرى بالنهار وقد ختم إمامنا أحمد القرآن فى ليلة بمكة مصليا به. وأما الخصلة الخامسة، وهى قوله «إمام فى الفقر» فيا لها خلة مقصودة، وحالة محمودة، منازل السادة الأنبياء، والصفوة الأتقياء. أنبأنا الوالد السعيد باسناده عن أبى جعفر فى قوله تعالى (٧٥:٢٥ ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾) قال: الجنة ﴿بِما صَبَرُوا﴾ قال: على الفقر فى الدنيا. وباسناده عن أبى برزة الأسلمى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن فقراء المسلمين ليدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار أربعين خريفا، حتى يتمنى أغنياء المسلمين يوم القيامة أنهم كانوا فى الدنيا فقراء» وباسناده عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت النبى ﷺ يقول: «اللهم توفنى فقيرا، ولا تتوفنى غنيا» وباسناده عن على قال: قال رسول الله ﷺ : «الفقر على المؤمن أزين من العذار على خد الفرس» وأخبرنا بهذا الحديث جدى جابر قال أخبرنا أبو طاهر المخلص، حدثنا محمد بن العباس بن الفضل المروزى أبو جعفر، حدثنا أبى حدثنا اسحاق بن بشر، حدثنا شريك عن أبى إسحاق السّبيعى، عن الحارث (١) عن على قال: قال رسول الله ﷺ «الفقر على المؤمن أزين من العذار على خدّ الفرس» وباسناده عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ «الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا. قال: فقلت: كيف لى بذلك يا رسول الله؟ قال: إذا رزقت فلا تخبأ. وإذا سئلت فلا تمنع. قال: قلت: وكيف لى بذلك، يا رسول الله؟ قال: هو ذاك، وإلا فهو النار». وأما الخصلة السادسة، وهى قوله «إمام فى الزهد» فحاله فى ذلك أظهر

стр. 12

وأشهر، أتته الدنيا فأباها، والرياسة فنفاها، عرضت عليه الأموال، وفرضت عليه الأحوال، وهو يرد ذلك بتعفف وتعلل وتقلل. ويقول: قليل الدنيا يجزى وكثيرها لا يجزى، ويقول: أنا أفرح إذا لم يكن عندى شئ. ويقول: إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وأيام قلائل. وقال اسحاق بن هاني: بكّرت يوما لأعارض أحمد بالزهد (١). فبسطت له حصيرا ومخدّة. فنظر إلى الحصير والمخدة، فقال: ما هذا؟ قلت: لتجلس عليه. فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلا بالزهد. فرفعته، وجلس على التراب. وقال أبو عمير عيسى بن محمد بن عيسى - وذكر عنده أحمد بن حنبل - فقال: ﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه. عرضت له الدنيا فأباها، (والبدع فنفاها) وأما الخصلة السابعة، وهى قوله «إمام فى الورع» فصدق فى قوله وبرع، فمن بعض ورعه: قال أبو عبد الله السمسار: كانت لأم عبد الله بن أحمد دار معنا فى الدرب، يأخذ منها أحمد درهما بحق ميراثه. فاحتاجت إلى نفقة لتصلحها، فأصلحها ابنه عبد الله، فترك أبو عبد الله أحمد الدرهم الذى كان يأخذه، وقال: قد أفسده علىّ. قلت: إنما تورع من أخذ حقه من الأجرة، خشية أن يكون ابنه أنفق على الدار مما يصل إليه من مال الخليفة. ونهى ولديه وعمه عن أخذ العطاء من مال الخليفة. فاعتذروا بالحاجة، فهجرهم شهرا لأخذ العطاء. ووصف له دهن اللوز فى مرضه. قال حنبل: فلما جئناه به. قال: ما هذا؟ قلنا: دهن اللوز، فأبى أن يذوقه. وقال: الشّيرج. فلما ثقل واشتدت علته جئناه بدهن اللوز. فلما تبين أنه دهن اللوز كرهه ودفعه، فتركناه ولم نعد له. ووصف له فى علته قرعة تشوى ويؤخذ ماؤها. فلما جاءوا بالقرعة

стр. 13

قال بعض من حضر: اجعلوها فى تنّور صالح. فإنهم قد خبزوا. فقال بيده: لا، وأبى أن يوجه بها إلى منزل صالح، قال حنبل: ومثل هذا كثير. قال حنبل: وأخبرنى أبى - يعنى إسحاق عم أحمد - قال: لما وصلنا العسكر أنزلنا السلطان دارا لإيتاخ (١) ولم يعلم أبو عبد الله. فسأل بعد ذلك: لمن هذه الدار؟ فقالوا: هذه دار لإيتاخ، فقال: حولونى واكتروا لى دارا، قالوا: هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين. فقال: لا أبيت هاهنا، فاكترينا له دارا غيرها، وتحول عنها. وكانت تأتينا فى كل يوم مائدة أمر بها المتوكل، فيها ألوان الطعام والفاكهة والثلج وغير ذلك، فما نظر إليها أبو عبد الله. ولا ذاق منها شيئا، وكانت نفقة المائدة فى كل يوم مائة وعشرين درهما، فما نظر إليها أبو عبد الله. ودامت العلة بأبى عبد الله، وضعف ضعفا شديدا. وكان يواصل، فمكث ثمانية أيام مواصلا لا يأكل ولا يشرب، فلما كان فى اليوم الثامن كاد أن يطفأ، فقلت: يا أبا عبد الله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أيام. وهذا لك اليوم ثمانية أيام، فقال: إنّي مطيق قلت: بحقى عليك. فقال: إن حلّفتنى بحقك فإنى أفعل، فأتيته بسويق فشرب وأجرى المتوكل على ولده وأهله أربعة آلاف درهم فى كل شهر، فبعث إليه أبو عبد الله: إنهم فى كفاية، فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، ما لك ولهذا؟ فقال له أحمد: يا عمّ، ما بقى من أعمارنا؟ كأنك بالأمر قد نزل. فالله الله، فإن أولادنا إنما يريدون يتأكلون بنا، وإنما هى أيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أو شر، صبر قليل، وثواب طويل، إنما هذه فتنة. فلما طالت علة أحمد كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب، فيصف له الأدوية، فلا يتعالج، فدخل ابن ماسويه على المتوكل، فقال

стр. 14

له المتوكل: ويحك، ابن حنبل، ما نجح فيه الدواء؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل ليست به علة فى بدنه، إنما هذا من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة. فسكت المتوكل. ولما توفى أحمد وجّه ابن طاهر الأكفان، فردت عليه. وقال عم أحمد للرسول قل له: أحمد لم يدع غلامى يروّحه، يعنى خشية أن أكون اشتريته من مال السلطان، فكيف نكفنه بمالك؟. وقال ابن المنادى: امتنع أحمد من التحديث قبل أن يموت بثمان سنين، أو أقل، أو أكثر، وذلك: أن المتوكل وجه يقرأ عليه¬ السلام، ويسأله أن يجعل المعتز فى حجره، ويعلمه العلم، فقال للرسول: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وأعلمه أن علىّ يمينا: أنى لا أتم حديثا حتى أموت، وقد كان أعفانى مما أكره، وهذا مما أكره. وقال المروزى: سمعت أحمد يقول: الخوف قد منعنى أكل الطعام والشراب فما أشتهيه. وكان أحمد يزرع داره التى يسكنها، ويخرج عنها الخراج الذى وظفه عمر ﵁ على السواد. وكان أحمد إذا نظر إلى نصرانى غمض عينيه، فقيل له فى ذلك؟ فقال: لا أقدر انظر إلى من افترى على الله وكذب عليه. وقال إسحاق عم أحمد: دخلت على أحمد ويده تحت خده، فقلت له: يا ابن أخى: أى شئ هذا الحزن؟ فرفع رأسه وقال: طوبى لمن أخمل الله ذكره. وقال إسماعيل بن حرب: أحصى ما ردّ أحمد بن حنبل حين جئ به إلى العسكر فإذا هو سبعون ألفا. وقال صالح بن أحمد: كان أبى لا يدع أحدا يستقى له الماء لوضوئه. وأما الخصلة الثامنة، وهى قوله «إمام فى السنة» فلا يختلف العلماء الأوائل والأواخر: أنه فى السنة الإمام الفاخر، والبحر الزاخر، أوذى فى الله

стр. 15

فصبر، ولكتابه نصر، ولسنة رسول الله ﷺ انتصر، أفصح الله فيها لسانه، وأوضح بيانه، وأرجح ميزانه. لا رهب ما حذّر، ولا جبن حين أنذر، أبان حقا، وقال صدقا، وزان نطقا وسبقا. ظهر على العلماء، وقهر العظماء ففى الصادقين ما أوجهه، وبالسابقين ما أشبهه. وعن الدنيا وأسبابها ما كان أنزهه جزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين، فهو للسنة كما قال الله فى كتابه المبين: (١٣:٦١ ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾). قال على بن المدينى: أيّد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الرّدة، وأحمد بن حنبل فى يوم المحنة. وقيل: لبشر بن الحارث، يوم ضرب أحمد: قد وجب عليك أن تتكلم. فقال: تريدون منى مقام الأنبياء؟ ليس هذا عندى، حفظ الله أحمد بن حنبل من بين يديه ومن خلفه، ثم قال، بعد ما ضرب أحمد: لقد أدخل الكير فخرج ذهبة حمراء. وقال الربيع بن سليمان، قال الشافعى: من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر. فقلت: تطلق عليه اسم الكفر؟ فقال: نعم، من أبغض أحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة قصد الصحابة. ومن قصد الصحابة أبغض النبى، ومن أبغض النبى ﷺ كفر بالله العظيم. وقال أحمد بن إسحاق بن راهويه: سمعت أبى يقول: لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها لذهب الإسلام. وقال عبد الوهاب الوراق: أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمامنا. وهو من الراسخين فى العلم. إذا وقفت غدا بين يدى الله تعالى فسألنى: بمن اقتديت؟ أقول: بأحمد. وأى شئ ذهب على أبى عبد الله من أمر الإسلام؟ وقد بلى عشرين سنة فى هذا الأمر. وأنبأنا محمد بن الأبنوسى عن الدارقطنى. قال: أخبرنا محمد بن مخلد قال:

стр. 16

سمعت العباس الدّروى يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل. لا والله، لا نقدر على أحمد، ولا على طريق أحمد. وحدثنا الوالد السعيد - إملاء بجامع المنصور - عن عبد الله بن عبد الرحمن أن عبد الله بن إسحاق المدائنى حدثه قال: حدثنا أبو الفضل الوراق قال: حدثنى أحمد بن هاني عن صدقة المقابرى، قال: كان فى نفسى على أحمد بن حنبل، قال: فرأيت فى النوم كأن النبى ﷺ يمشى فى طريق، وهو آخذ بيد أحمد بن حنبل، وهما يمشيان على تؤدة ورفق، وأنا خلفهما أجهد نفسى فى أن ألحق بهما فما أقدر، فلما استيقظت ذهب ما كان فى نفسى، ثم رأيت بعد كأنى فى الموسم، وكأن الناس مجتمعون. فنادى مناد: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس: فنادى: يؤمكم أحمد بن حنبل. فإذا أحمد بن حنبل. فصلى بالناس. وكنت بعد إذا سئلت عن شئ؟ قلت: عليكم بالإمام، يعنى أحمد بن حنبل. فهذه الثمان التى ذكرها الشافعى، ويقرن بها أيضا ثمان خصال انفرد بها. إحداها: الإجماع على أصوله التى اعتقدها، والأخذ بصحة الأخبار التى اعتمدها، حتى من زاغ عن هذا الأصل كفروه، وحذروا منه وهجروه، فانتهت إليه فيها الحجة، ووقفت دونه المحجة، وإن كانت كذلك مذاهب المتقدمين من أهل السنة والدين. فصار إماما متبعا، وعلما ملتمعا. وما أشبهه بالقراءات المأثورة عن السلف، ثم انتهت إلى القراء السبعة خير الخلف. الثانية: اتفاق الألسن عليه بالصلاح، وإليه يشار بالتوفيق والفلاح. فإذا ذكر بحضرة الكافة من العلماء على اختلاف مذاهبهم فى مجالسهم أو مدارسهم قالوا: أحمد رجل من أهل الحديث صالح، لعمرى إنهما خلتان جليلتان، سأل الصلاح الأنبياء، والتمسه الأصفياء، قال الله تعالى فى قصة إبراهيم ﵇ (٨٣:٣٦ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾) وفى قصة سليمان (١٩:٣٧ ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾).

стр. 17

الثالثة: أنه ما أحبه أحد - إما محب صادق، وإما عدو منافق - إلا وانتفت عنه الظنون، وأضيفت إليه السنن. ولا انزوى عنه رفضا، وأظهر له عنادا وبغضا إلا واتفقت الألسن على ضلالته، وسفه فى عقله وجهالته، وقد قدمنا قول الشافعى «من أبغض أحمد بن حنبل فقد كفر». وقال قتيبة بن سعيد: أحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به فهو مبتدع. الرابعة: ما ألقى الله له فى قلوب الخلق من هيبة أصحابه ومحبيه، وأهل مذهبه ومخالصيه. فلهم التعظيم والإكبار، والمعروف والانكار، والمصالح والأعمال. والمقال والفعال. بسطتهم سامية، وسطوتهم عالية. فالموافق التقى يكرمهم ديانة ورياسة. والمنافق الشقى يعظمهم رعاية وسياسة. ولما ذكر لأمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله ﵀ بعد موت إمامنا أحمد - غفر الله لنا وله - أن أصحاب إمامنا يأتون على أهل البدع حتى يكون بينهما الشرّ. فقال لصاحب الخبر: لا ترفع إلىّ من خبرهم شيئا وشدّ على أيديهم. فانهم وصاحبهم من سادات أمة محمد ﷺ . وقد عرف الله تعالى لأحمد صبره وبلاءه، ورفع علمه أيام حياته وبعد موته أصحابه أجلّ الأصحاب. وأنا أظن أن الله يعطى أحمد ثواب الصّديقين. الخامسة: ما أحد من أصحابه المتمسكين بمعتقده قديما وحديثا تابع ومتبوع إلا وهو من الطعن سليم، ومن الوهن مستقيم. لا يضاف إليه ما يضاف إلى مخالف ومجانف من وسم ببدعة، أو رسم بشنعة أو تحريف مقال، أو تقبيح فعال. السادسة: اتفاق القول الأخير والقديم: أن له الاحتياط فى التحليل والتحريم، يعتمد فى فقهه على العزائم، كما لم تأخده فى أصوله المقربة إلى الله لومة لائم. يعتمد على كتاب ناطق، أو خبر موافق، أو قول صحابى جليل صادق. ويقدم ذلك على الرأى والقياس.

стр. 18

السابعة: أن كلام أحمد فى أهل البدع مسموع. وإليه فيهم الرجوع. فمن ظهر فى قوله نكيره، ولما يعتقده تغييره: فقد ثبت تكفيره. مثل ما قال فى اللفظية والمرجئة والرافضة والقدرية والجهمية، وإن كان قد سبق النطق بضلالهم لكن له القدم العالى فى شرح فساد مذاهبهم، وبيان قبيح مثالهم، والتحذير من ضلالهم. الثامنة: ما أظهره الله تعالى له فى حياته من المراتب، ونشر له بعد مماته من المناقب، ورفع له بذلك العلم بين سائر الأمم. فتنافس حين موته فى الصلاة عليه العلماء والكبراء، والأغنياء والفقراء، والصلحاء والأولياء. لأنه توفى فى شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وأربعين ومائتين. وله سبع وسبعون سنة. فقال المتوكل على الله لمحمد بن عبد الله بن طاهر: طوبى لك، صليت على أحمد ابن حنبل. وروى الأئمة الثقات، والحفاظ الأثبات: أن عبد الوهاب الوراق قال: ما بلغنا أنه كان للمسلمين جمع أكبر منهم على جنازة أحمد بن حنبل، إلا جنازة فى بنى اسرائيل. وروى أحمد بن ثابت الخطيب البغدادى وغيره بإسناده قال: قال الوركانى: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل: عشرون الفا من اليهود والنصارى والمجوس (١). وقال الوركانى: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح فى أربعة أصناف من الناس: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس.

стр. 19

وبإسناده عن أحمد بن شبويه قال: سمعت قتيبة يقول: لولا الثورى لمات الورع. ولولا أحمد بن حنبل لأحدثوا فى الدين. قلت لقتيبة: تضم أحمد بن حنبل إلى أحد التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين. وبإسناده قال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن آدم يقول: أحمد بن حنبل إمامنا. وبإسناده قال محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلىّ: سمعت أبى يقول: أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده فى أرضه. وبإسناده قال علىّ بن المدينى: أحمد بن حنبل سيدنا. وبإسناده قال الميمونى: سمعت علىّ بن المدينى يقول: ما قام أحد بأمر الإسلام بعد رسول الله ﷺ ما قام أحمد بن حنبل. قال قلت له: يا أبا الحسن، ولا أبو بكر الصديق؟ قال: ولا أبو بكر الصديق. إن أبا بكر الصديق كان له أعوان وأصحاب، وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب. وبإسناده عن محمد بن علىّ بن شعيب قال: سمعت أبى يقول: كان أحمد بن حنبل بالذى قال النبى ﷺ «كائن فى أمتى ما كان فى بنى إسرائيل، حتى إن المنشار ليوضع على مفرق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه» ولولا أحمد بن حنبل قام بهذا، لكان عارا علينا إلى يوم القيامة، إن قوما سبكوا فلم يخرج منهم أحد. وأنبأنا المبارك بن عبد الجبار أخبرنا أبو القاسم الأزجى - قراءة - أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب قال: قرئ على عمر بن بشران: حدثكم الزبير بن محمد قال سمعت عبد الله بن عبد السلام المكى يقول: سمعت محمد بن اسماعيل البخارى يقول: سمعت أبا الوليد الطيالسى يقول: لو أن أحمد بن حنبل ﵁، فى بنى إسرائيل كتبت له سيرة.

стр. 20

روى أبو علىّ الحداد - قرئ عليه - أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف بن مردة المسجدى الاصبهانى - إجازة - حدثنا عبد الوهاب بن جعفر بن على الميدانى حدثنا أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الكريم المعروف ببكير الحراز الطرسوسى بدمشق قال: سمعت أبا نصر المظفر بن أحمد بن محمد الخياط، سمعت الساجى - وهو زكريا بن يحيى - يقول: أحمد بن حنبل أفضل عندى من مالك والأوزاعى والثورى والشافعى. وذلك أن لهؤلاء نظراء وأحمد بن حنبل فلا نظير له وبإسناده عن عبد الله بن إسحاق المدائنى قال: سمعت أبى يقول: رأيت كأن الناس قد جمعوا إلى مكة، وكأن الحجر انصدع، فخرج منه لواء. فقلت: ما هذا؟ فقيل لى: أحمد بن حنبل بايع الله . وبإسناده قال عبد الوهاب: لما قال النبى ﷺ «فردوه إلى عالمه» رددناه إلى أحمد بن حنبل. وكان أعلم أهل زمانه. وبإسناده قال حرملة بن يحيى: سمعت الشافعى يقول: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدا أتقى ولا أورع ولا أفقه - أظنه قال: ولا أعلم - من أحمد ابن حنبل. وبإسناده قال أحمد بن إبراهيم - يعنى الدورقى - من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فانهموه على الاسلام. وبإسناده عن سلمة بن شبيب قال: كنا جلوسا عند أحمد بن حنبل، فجاءه رجل فدق الباب، وكنا قد دخلنا عليه خفية، فظننا أنه قد غمز بنا، فدق ثانية وثالثة، فقال أحمد: ادخل. قال: فسلم، وقال: أيكم أحمد؟ فأشار بعضنا إليه. قال: جئت من البحر من مسيرة أربعمائة فرسخ، أتانى آت فى منامى، فقال: ائت أحمد بن حنبل وسل عنه. فإنك تدل عليه، وقل له: إن الله عنك راض، وملائكة سماواته وملائكة أرضه عنك راضون. قال: ثم خرج. فما سأله عن حديث ولا مسألة.

стр. 21

وبإسناده قال أحمد بن محمد الكندى: رأيت أحمد بن حنبل فى المنام، فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك؟ قال: غفر لى، ثم قال: يا أحمد ضربت فى؟ قال: قلت: نعم، يا رب. قال: يا أحمد، هذا وجهى، فانظر إليه، فقد أبحتك النظر إليه. وبإسناده قال محمد بن الحسين الأنماطى: كنا فى مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وجماعة من كبار العلماء، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل، ويذكرون فضائله، فقال رجل: لا تكثروا، بعض هذا القول. فقال يحيى ابن معين: وكثرة الثناء على أحمد بن حنبل تستكثر؟ لو جلسنا مجلسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها. أخبرنا المبارك أخبرنا إبراهيم وعبد العزيز قالا: أخبرنا علىّ بن مردك حدثنا عبد الرحمن بن أبى حاتم قال سمعت عبد الله بن الحسين بن موسى يقول: رأيت رجلا من أهل الحديث توفى، فرأيته فيما يرى النائم، فقلت له: بالله عليك ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى. فقلت: بالله؟ قال: بالله إنه غفر لى فقلت: بماذا غفر الله لك؟ فقال: بمحبتى لأحمد بن حنبل. فقلت: فأنت فى راحة؟ فتبسم. وقال: أنا فى راحة وفرحة. أخبرنا الوالد السعيد - قراءة - عن يوسف الزاهد حدثنا محمد بن شجاع المروروذى حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشى حدثنا يوسف بن بختان - وكان من خيار المسلمين - قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل فى منامه كأن على كل قبر قنديلا. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نوّر لأهل القبور قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم؟ وقد كان فيهم من يعذب فرحم. ولو ذهبنا نذكر فضائله والمنامات التى تطابقت بعد وفاته لطال بها الكتاب. ولم يكن قصدنا ذكر الفضائل. وإنما أردنا أن نذكر من روى

стр. 22

عنه. ممن أراد أن ينظر فى فضائله فلينظر فى كتابنا المجرد فى فضائله رحمة الله عليه ورضوانه. فلنذكر الآن يا أخى - عمّر الله مجلسك، وأمتع بك مجالسك - طبقات أصحابنا، وتجريد ما يسرّ الطالب، ويمتع الراغب. وقد جعلناه ست طبقات. الطبقة الأولى: فى ذكر أصحاب إمامنا أحمد، ومن روى عنه حديثا أو مسألة، أو حكاية. وذكرنا ما انتهى إلينا من مواليدهم ووفاتهم ومصنفاتهم. ومن كان منسوبا إلى بلد أو غيرها. والطبقة الثانية: فى ذكر أصحاب أصحابه. وكذلك الطبقات التى بعدهم على الترتيب. وجعلنا الطبقة الأولى والثانية على حروف المعجم فى أوائل الأسماء وكذلك أسماء آبائهم، ليسهل على من أراد أن ينظر فى ترجمة منها وما بعدها من الطبقات على تقديم العمر والوفاة. ونسأل الله المعونة والتوفيق والمغفرة برحمته. فمن ذلك:

стр. 23

الطبقة الأولى ممن روى عن إمامنا ﵀ باب الألف ذكر من اسمه «أحمد» وابتداء اسم أبيه ألف ٢ - أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم، أبو عبد الله العبدى، المعروف بالدّورقى، أخو يعقوب. وكان أبوه ناسكا فى زمانه. ومن كان يتنسّك فى ذلك الزّمان يسمّي دورقيّا. وقيل: بل كان الناس ينسبون الدّورقيين إلى لباسهم القلانس الطوال، التى تسمى الدّورقية. وكان أحمد أصغر من أخيه يعقوب. سمع إسماعيل بن عليّة، ويزيد بن زريع، وهشيما، وغيرهم. وحدث عن عن إمامنا أحمد بأشياء. منها: ما رواه أبو الحسين بن المنادى قال: حدّثنا أبو داود حدّثنا أحمد بن ابراهيم قال: سألت أحمد بن حنبل، قلت: هؤلاء الذين يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؟ فقال: هذا شر من قول الجهمية. من زعم هذا فقد زعم أن جبريل جاء بمخلوق. وأن النبى ﷺ تكلم بمخلوق. وقال عبد الله بن أحمد: حدّثنى أحمد بن إبراهيم الدورقى حدثنى محمد بن نوح المضروب عن المسعودى القاضى قال: سمعت هارون أمير المؤمنين يقول: بلغنى أن بشرا المريسى يزعم أن القرآن مخلوق. لله علىّ إن أظفرنى الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط. مولده: سنة ثمان وستين ومائة. ومات بالعسكر - وهى سرّ من رأى - يوم السبت، لتسع بقين من شعبان سنة ست وأربعين ومائتين. وقال أحمد الدورقى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة ونحوه، لم نضبطه، كيف يضبطه من كتبه من وجه واحد؟ أو نحو هذا الكلام.

стр. 24

٣ - أحمد بن ابراهيم الكوفى نقل عن إمامنا أشياء: منها قال: إن دعا فى الصلاة بحوائجه أرجو. وهذا محمول على ما عاد بمصالح دينه. يوضح ذلك: ما نقله عنه ابن عمه حنبل: لا يكون من دعائه رغبة فى الدنيا. وقال أيضا فى رواية الحسن بن محمد: يدعو بما قد جاء، ولا يقول: اللهم أعطنى كذا. وقال الخرقى: وإن دعا فى تشهده بما ذكر فى الأخبار فلا بأس. وهذه مسألة سطرها الوالد الإمام فى كتبه، وقال: خلافا للشافعى فى قوله: يجوز أن يدعو بحوائج دنياه. وذكر الدلالة عليه. ٤ - أحمد بن أصرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله بن حسان بن عبد الله بن مغفّل، أبو العباس المزنى، صاحب رسول الله ﷺ . سمع عبد الأعلى بن حماد، والصلت الجحدرى، وإمامنا وغيرهم. وكان بصريا قدم مصر. وكتب عنه. وخرج عنها. فتوفى بدمشق فى جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين. قال أحمد بن أصرم: سألت أحمد عن رجل نسى سجدة من أربع ركعات، فذكر وهو فى التشهد؟ فقال: بطلت تلك الركعة، ويقوم فيأتى بركعة وسجدتى السهو. قال: وسمعت أحمد يسأل عن الوتر؟ فقال: يصلى ركعتين ثم يسلم. ثم يوتر بركعة، أحبّ إلىّ. حرف الباء ٥ - أحمد بن بشر بن سعد، أبو أيوب (١¬) الطيالسى سمع يحيى بن معين، وسليمان بن أيوب، وعبيد الله بن معاذ العنبرى، وإمامنا أحمد، فيما ذكره أبو بكر الخلال، فيمن نقل عن إمامنا أحمد. ومات فى شوال سنة خمس وتسعين ومائتين.

стр. 25

٦ - أحمد بن بشر بن سعيد الكندى البغدادى. قال أبو بكر الخلال: حدثنا أحمد بن بشر بن سعيد الكندى، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل قلت: رجل قرأ القرآن وحفظه، وهو يكتب الحديث، يختلف إلى المسجد، ويقرأ ويقرئ ويفوته الحديث أن يلطبه. فان طلب الحديث فاته المسجد، وإن قصد المسجد فاته طلب الحديث، فما تأمره؟ قال: بذا وبذا. فأعدت عليه القول مرارا، كل ذلك يجيبنى جوابا واحدا: بذا وبذا. قال وسألت أحمد: ما تقول فى الحقنة للرجل المريض؟ فرخّص فيها. وسئل أحمد: إذا كان مع الرجل مال، فان تزوّج به لم يبق معه فضل يحج به. وإن حجّ خشى على نفسه؟ قال أحمد: إذا لم يكن له صبر عن التّزوج تزوّج وترك الحج. ٧ - أحمد بن بكر ذكره أبو بكر الخلال فيمن صحب أحمد. ولم يقع لنا حرف التاء والثاء. ولعله يقع فى المستقبل. إن شاء الله تعالى. حرف الجيم ٨ - أحمد بن جعفر أبو عبد الرحمن الضرير الوكيعىّ سمع وكيع بن الجراح، وأبا معاوية، وإمامنا فى آخرين. قال زكريا بن يحيى الساجى: حدثنى أحمد بن محمد قال: سمعت أبا نعيم يقول: ما رأيت ضريرا أحفظ من أحمد بن جعفر الوكيعى. وقال أبو داود: كان أبو عبد الرحمن الوكيعى يحفظ العلم على الوجه. وقال الدارقطنى: أحمد الوكيعى ثقة، وابنه محمد ثقة. أنبأنا على بن بطه أخبرنا محمد بن أيوب، سمعت إبراهيم الحربى يقول: قال أحمد ابن جعفر الوكيعى لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، لم يقع إلينا من حديث الزهرى شئ. قال أحمد: قد خرّجت منها حديث سالم، خذ حتى أمليه عليك. قال إبراهيم: فأملى علينا وهو جالس مغمض العينين من حفظه.

стр. 26

وبالإسناد: قال الحربى سمعت أحمد بن حنبل يقول لأحمد الوكيعى: يا أبا عبد الرحمن، إنّي لأحبك. حدثنا يحيى عن ثور عن حبيب بن عبيد عن المقدام قال قال النبى ﷺ «إذا أحبّ أحدكم أخاه فليعلمه». قال الحربى: مات أحمد الوكيعى ببغداد سنة خمس عشرة، يعنى ومائتين. وعرضت عليه مسند ابن أبى شيبة كله. فكان يذكر الحديث، فأسأله عنه؟ فيقول: ما سمعت هذا من محدث، وإنما سمعتكم يوم الجمعة تذكرونه. قال ابراهيم: وكان الوكيعى يحفظ مائة ألف حديث، ما أحسبه سمع حديثا. قط إلا حفظه. ٩ - أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله، أبو العباس الفارسى الاصطخرى روى عن إمامنا أشياء: منها: ما قرأت على المبارك عن علىّ بن عمر البرمكى. قال أخبرنا أحمد بن عبد الله المالكى، حدثنا أبى حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوران - لفظا - حدثنا أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسى الاصطخرى قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: «هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبى ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها. فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها: فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق. فكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونيّة، وتمسك بالسنة. والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى فى الإيمان، غير أن لا يكون الاستثناء شكّا؛ إنما هى سنة ماضية عند العلماء.

стр. 27

قال: وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول، والاعمال شرائع: فهو مرجئ. ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء فى الإيمان فهو مرجئ. ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل والملائكة فهو مرجئ. ومن زعم أن المعرفة ننفع فى القلب لا يتكلم بها فهو مرجئ. قال: والقدر خيره وشرّه، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه. وأوّله وآخره: من الله، قضاء قضاه، وقدرا قدّره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله . ولا يجاوز قضاءه: بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدّر عليهم لأفعاله. وهو عدل منه عزّ ربنا وجل. والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام. والشرك بالله والمعاصى كلها: بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجّة. بل لله الحجة البالغة على خلقه. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وعلم الله ماض فى خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه - من لدن أن عصى ﵎ إلى أن تقوم الساعة - المعصية. وخلقهم لها. وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكلّ يعمل لما خلق له. وصائر لما قضى عليه وعلم منه. لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته. والله الفاعل لما يريد، الفعال لما يشاء. ومن زعم أن الله شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم للشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلظ من مشيئة الله ﵎. فأى افتراء أكثر على الله من هذا؟. ومن زعم أن الزنا ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنا

стр. 28

وجاءت بولد: هل شاء الله أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى فى سابق علمه؟ فإن قال: لا. فقد زعم أن مع الله خالقا. وهذا هو الشرك صراحا. ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر، وأكل المال الحرام: ليس بقضاء وقدر: فقد زعم: أن هذا الانسان قادر على أن يأكل رزق غيره. وهذا صراح قول المجوسية. بل أكل رزقه، وقضى الله أن يأكله من الوجه الذى أكله. ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله ، وأن ذلك بمشيئته فى خلقه: فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله. وأى كفر أوضح من هذا؟ بل ذلك بقضاء الله . وذلك بمشيئته فى خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحق الذى يفعل ما يريد. ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصّغر والقماء. ولا نشهد على أحد من أهل القبلة: أنه فى النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون فى ذلك حديث، كما جاء على ما روى فنصدّقه، ونعلم أنه كما جاء. ولا ننصّ الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه فى الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون فى ذلك حديث، كما جاء على ما روى، ولا ننص الشهادة. والخلافة فى قريش ما بقى من الناس اثنان. ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة. والجهاد ماض قائم مع الأئمة، برّوا أو فجروا، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والجمعة والعيدان، والحج مع السلطان، وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء. ودفع الصّدقات والخراج والأعشار، والفيئ والغنائم إلى الأمراء، عدلوا فيها أم جاروا. والانقياد إلى من ولاّه الله أمركم، لا تنزع يدا من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا. ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة. فمن فعل ذلك: فهو مبتدع مخالف مفارق للجماعة. وإن أمرك

стр. 29

السلطان بأمر هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة. وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه. والإمساك فى الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فإن ابتليت فقدّم نفسك دون دينك، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك. والله المعين. والكفّ عن أهل القبلة. ولا تكفر أحدا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون فى ذلك حديث، فيروى الحديث كما جاء، وكما روى، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روى، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام فاتبع الأثر فى ذلك ولا تجاوزه. والأعور الدجّال خارج لا شك فى ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكاذبين وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن دينه وعن ربه، وعن الجنة، وعن النار، ومنكر ونكير حق، وهما فتّانا القبر. نسأل الله الثبات. وحوض محمد ﷺ حق ترده أمته. وله آنية يشربون بها منه. والصراط حق يوضع على سواء جهنم، ويمرّ الناس عليه. والجنة من وراء ذلك. نسأل الله السلامة. والميزان حق توزن به الحسنات والسيئات، كما يشاء الله أن، توزن. والصّور حق ينفخ فيه إسرافيل فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه الأخرى، فيقومون لربّ العالمين وللحساب والقضاء. والثواب والعقاب، والجنة والنار، واللوح المحفوظ تستنسخ منه أعمال العباد لما سبق فيه من المقادير والقضاء. والقلم حق، كتب الله به مقادير كل شئ وأحصاه فى الذكر ﵎. والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم فى قوم فلا يصيرون إلى النار. ويخرج قوم من النار بشفاعة الشافعين. ويخرج قوم من النار بعد ما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله، ثم يخرجهم من النار. وقوم يخلدون فيها أبدا. وهم أهل الشرك

стр. 30

والتكذيب والجحود، والكفر بالله . ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار. وقد خلقت الجنة وما فيها، والنار وما فيها، خلقهما الله . وخلق الخلق لهما. لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدا. فإن احتج مبتدع، أو زنديق، بقول الله (٨٨:٢٨ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾) وبنحو هذا من متشابه القرآن؟. قيل له: كل شئ مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك. والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك. وهما من الآخرة لا من الدنيا. والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدا. لأن الله خلقهن للبقاء لا للفناء. ولم يكتب عليهن الموت. فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضلّ عن سواء السبيل. وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض. وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام. وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام. والماء فوق السماء العليا السابعة. وعرش الرحمن فوق الماء. والله على العرش. والكرسى موضع قدميه. وهو يعلم ما فى السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى. وما فى قعر البحار ومنبت كل شعرة وشجرة. وكل زرع وكلّ نبات ومسقط كل ورقة. وعدد كل كلمة. وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم. ويعلم كل شئ. لا يخفى عليه من ذلك شئ وهو على العرش فوق السماء السابعة. ودونه حجب من نور ونار وظلمة. وما هو أعلم به. فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله (١٦:٥٠ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾) وبقوله (٤:٥٧ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾) وبقوله (٧:٥٨ ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا﴾) ونحو هذا من متشابه القرآن.

стр. 31

فقل: إنما يعنى بذلك العلم. لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العلياء ويعلم ذلك كله. وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان. ولله عرش. وللعرش حملة يحملونه. والله على عرشه، ليس له حدّ والله أعلم بحدّه. والله سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، قريب لا يغفل، (يتحرّك) ويتكلم وينظر، ويبصر ويضحك، ويفرح ويحبّ ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو، ويفقر ويعطى ويمنع. وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء (١١:٤٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾) وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد. وخلق آدم بيده على صورته، والسموات والأرض يوم القيامة فى كفّه، ويضع قدمه فى النار فتزوى، ويخرج قوما من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه يرونه فيكرمهم، ويتجلّى لهم فيعطيهم، ويعرض عليه العباد يوم القيامة، ويتولى حسابهم بنفسه، لا يلى ذلك غيره . والقرآن كلام الله، تكلم به، ليس بمخلوق. ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمىّ كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف، ولم يقل: ليس بمخلوق: فهو أخبث من قول الأوّل، ومن زعم أن ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله: فهو جهمى، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم. وكلم الله موسى تكليما من (فيه) (١)، وناوله التوراة من يده إلى يده، ولم يزل الله متكلما، فتبارك الله أحسن الخالقين. والرؤيا من الله ، وهى حقّ إذا رأى صاحبها شيئا فى منامه ما ليس هو ضغث، فقصّها على عالم، وصدق فيها، وأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح ولم يحرّف. فالرؤيا حينئذ حق. وقد كانت الرؤيا من الأنبياء ﵈ وحى فأى جاهل أجهل ممن يطعن فى الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشئ. وبلغنى أن

стр. 32

من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام. وقد روى عن النبى ﷺ «أن رؤيا المؤمن كلام يكلم الربّ عبده (١)» وقال «إن الرؤيا من الله » وبالله التوفيق. ومن الحجة الواضحة الثابتة البينة المعروفة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساويهم، والخلاف الذى شجر بينهم. فمن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدا منهم، أو تنقّصه أو طعن عليهم، أو عرّض بعيبهم، أو عاب أحدا منهم: فهو متبدع رافضى خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. بل حبهم سنة، والدّعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة. وخير الأمّة بعد النبى ﷺ : أبو بكر، وعمر بعد أبى بكر، وعثمان بعد عمر، وعلى بعد عثمان. ووقف قوم على عثمان. وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير النّاس. لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب، ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السّلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فان تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلّده الحبس، حتى يموت أو يراجع. ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم، لحديث رسول الله ﷺ . قال «حبهم إيمان، وبغضهم نفاق» ولا يقول بقول الشّعوبيّة وأراذل الموالى الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون لهم بفضل. فان لهم بدعة ونفاقا وخلافا ومن حرّم المكاسب والتجارات، وطيب المال من وجهه: فقد جهل وأخطأ. وخالف، بل المكاسب من وجهها حلال. فقد أحلها الله ورسوله صلّى الله

стр. 33

عليه وسلم. فالرجل ينبغى له أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربه. فان ترك ذلك على أنه لا يرى الكسب: فهو مخالف. وكل أحد أحق بماله الذى ورثه واستفاده، أو أوصى له به أو كسبه، لا كما يقول المتكلمون المخالفون. والدين إنما هو كتاب الله وآثار وسنن، وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضا، حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ﷺ وأصحابه. رضوان الله عليهم. والتابعين وتابعى التابعين، ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم، المتمسّكين بالسنة، والمتعلقين بالآثار. لا يعرفون بدعة. ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يرمون بخلاف. وليسوا بأصحاب قياس ولا رأى. لأن القياس فى الدين باطل. والرّأى كذلك وأبطل منه. وأصحاب الرأى والقياس فى الدين مبتدعة ضلال، إلا أن يكون فى ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات. ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحدا: فهو قول فاسق عند الله ورسوله ﷺ ، إنما يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم والسنة، والتفرّد بالرأى والكلام والبدعة والخلاف. وهذه المذاهب والأقاويل التى وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة والآثار، وأصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن. وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق، يقتدى بهم ويؤخذ عنهم. ولم يكونوا أصحاب بدعة، ولا خلاف ولا تخليط. وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم. فتمسكوا بذلك رحمكم الله وتعلموه وعلموه. وبالله التوفيق. ولأصحاب البدع ألقاب وأسماء، لا تشبه أسماء الصالحين ولا العلماء من أمة محمد ﷺ . فمن أسمائهم «المرجئة» وهم الذين يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل، وأن

стр. 34

الأيمان قول والأعمال شرائع، وأن الإيمان مجرد، وأن الناس لا يتفاضلون فى إيمانهم، وأن إيمان الملائكة (١) والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقا: قول المرجئة. وهو أخبث الأقاويل، وأضله وأبعده من الهدى. و «القدرية» وهم الذين يزعمون أن إليهم الاستطاعة والمشيئة والقدرة، وأنهم يملكون لأنفسهم الخير والشر، والضر والنفع، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، وأن العباد يعملون بدءا، من غير أن يكون سبق لهم ذلك من الله أو فى علمه. وقولهم يضارع قول المجوسية والنصرانية. وهو أصل الزندقة. و «المعتزلة» وهم يقولون بقول القدرية ويدينون بدينهم. ويكذبون بعذاب القبر، والشفاعة والحوض. ولا يرون الصلاة خلف أحد من أهل القبلة، ولا الجمعة إلا وراء من كان على أهوائهم. ويزعمون أن أعمال العباد ليست فى اللوح المحفوظ. و «النصيرية» وهم قدرية. وهم أصحاب الحبّة والقيراط. الذين يزعمون أن من أخذ حبة أو قيراطا، أو دانقا حراما فهو كافر. وقولهم يضاهى قول الخوارج. و «الجهمية» أعداء الله. وهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن الله لم يكلم موسى، وأن الله ليس بمتكلم. ولا يتكلم، ولا ينطق. وكلاما كثيرا أكره حكايته. وهم كفار زنادقة أعداء الله. و «الواقفة» وهم يزعمون أن القرآن كلام الله، ولكن ألفاظنا بالقرآن وقراءتنا له: مخلوقة. وهم جهمية فساق.

стр. 35

و «الرافضة» وهم الذين يتبرءون من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ويسبّونهم وينتقصونهم، ويكفرون الأئمة الأربعة: على، وعمار، والمقداد، وسلمان. وليست الرافضة من الإسلام فى شئ. و «المنصورية» وهم رافضة أخبث من الروافض. وهم الذين يقولون: من قتل أربعين نفسا ممن خالف هواهم دخل الجنة. وهم الذين يخيفون الناس ويستحلون أموالهم. وهم الذين يقولون: أخطأ جبريل ﵇ بالرسالة. وهذا هو الكفر الواضح الذى لا يشوبه إيمان. فنعوذ بالله منه. و «السبئيّة» وهم رافضة. وهم قريب ممن ذكرت مخالفون للأئمة، كذابون وصنف منهم يقولون: علىّ فى السحاب، وعلىّ يبعث قبل يوم القيامة. وهذا كذب وزور وبهتان. و «الزيدية» وهم رافضة. وهم الذين يتبرءون من عثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة. ويرون القتال مع كل من خرج من ولد على، برّا كان أو فاجرا، حتى يغلب أو يغلب. و «الخشبية» وهم يقولون بقول الزيدية. وهم فيما يزعمون ينتحلون حب آل محمد ﷺ ، وكذبوا، بل هم المبغضون لآل محمد ﷺ دون الناس، إنما الشيعة لآل محمد المتقون، أهل السنة والأثر، من كانوا وحيث كانوا، الذين يحبون آل محمد ﷺ . وجميع أصحاب محمد ﷺ ، ولا يذكرون أحدا منهم بسوء ولا عيب ولا منقصة. فمن ذكر أحدا من أصحاب محمد ﵇ بسوء أو طعن عليهم؛ أو تبرأ من أحد منهم أو سبّهم، أو عرض بعيبهم: فهو رافضى خبيث مخبث. وأما «الخوارج» فمرقوا من الدين، وفارقوا الملة، وشردوا عن الإسلام، وشذوا عن الجماعة، فضلوا عن السبيل والهدى، وخرجوا على السلطان، وسلّوا السيف على الأمة، واستحلّوا دماءهم وأموالهم. وعادوا من خالفهم إلا من قال

стр. 36

بقولهم. وكان على مثل قولهم ورأيهم، وثبت معهم فى بيت ضلالتهم. وهم يشتمون أصحاب محمد ﷺ وأصهاره وأختانه. ويتبرءون منهم، ويرمونهم بالكفر والعظائم، ويرون خلافهم فى شرائع الإسلام. ولا يؤمنون بعذاب القبر ولا الحوض ولا الشفاعة، ولا بخروج أحد من النار. ويقولون: من كذب كذبة، أو أتى صغيرة أو كبيرة من الذنوب، فمات من غير توبة: فهو فى النار، خالدا مخلدا أبدا. وهم يقولون بقول البكرية (١) فى الحبة والقيراط. وهم قدرية جهمية مرجئة رافضة. لا يرون الجماعة إلا خلف إمامهم. وهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها، ويرون الصوم قبل رؤية الهلال والفطر قبل رؤيته. وهم يرون النكاح بغير ولى ولا سلطان. ويرون المتعة فى دينهم. ويرون الدرهم بدرهمين يدا بيد. ولا يرون الصلاة فى الخفاف ولا المسح عليها. ولا يرون للسلطان عليهم طاعة، ولا لقريش عليهم خلافة، وأشياء كثيرة يخالفون عليها الإسلام. وأهله. وكفى بقوم ضلالة: أن يكون هذا رأيهم ومذهبهم ودينهم. وليسوا من الإسلام فى شئ ومن أسماء الخوارج: الحرورية. وهم أصحاب حروراء (٢) والأزارقة: وهم أصحاب نافع بن الأزرق، وقولهم أخبث الأقاويل، وأبعده من الإسلام والسنة، والنجدية: وهم أصحاب نجدة بن عامر الحرورى، والإباضة: وهم أصحاب عبد الله بن إباض. والصّفّرية: وهم أصحاب داود بن النعمان. والمهلّبية والحارثية والخرّمية. كل هؤلاء خوارج، فساق مخالفون للسّنة، خارجون من الملّة، أهل بدعة وضلالة. والشّعوبية: وهم أصحاب بدعة وضلالة. وهم يقولون: إن العرب والموالى عندنا واحد، لا يرون للعرب حقا. ولا يعرفون لهم فضلا. ولا يحبونهم، بل يبغضون العرب، ويضمرون لهم الغل والحسد والبغضة فى قلوبهم. وهذا قول

стр. 37

قبيح، ابتدعه رجل (١) من أهل العراق فتابعه عليه يسير، فقتل عليه. وأصحاب الرأى: وهم مبتدعة ضلال، أعداء للسّنة والأثر، يبطلون الحديث، ويردون على الرسول ﵊، ويتخذون أبا حنيفة ومن قال بقوله إماما، ويدينون بدينهم. وأى ضلالة أبين ممن قال بهذا، وترك قول الرسول وأصحابه، واتبع قول أبى حنيفة (٢) وأصحابه؟ فكفى بهذا غيّا مرديا، وطغيانا. والولاية بدعة. والبراءة بدعة. وهم الذين يقولون: نتولى فلانا، ونتبرأ من فلان. وهذا القول بدعة فاحذروه. فمن قال بشئ من هذه الأقاويل، أو رآها أو صوّبها، أو رضيها أو أحبها: فقد خالف السّنة، وخرج من الجماعة، وترك الأثر. وقال بالخلاف، ودخل فى البدعة، وزال عن الطريق. وما توفيقى إلا بالله. وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السّنة، يريدون بذلك عيبهم، والطعن عليهم، والوقيعة فيهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهّال. فأما المرجئة: فإنهم يسمون أهل السّنة: شكّاكا، وكذبت المرجئة، بل هم بالشك أولى، وبالتكذيب أشبه. وأما القدرية: فإنهم يسمون أهل السنة: والإثبات، مجبرة. وكذبت القدرية، بل هم أولى بالكذب والخلاف، ألغوا قدر الله عن خلقه. وقالوا: ليس له بأهل. ﵎. وأما الجهمية: فإنهم يسمون أهل السّنة: المشبّهة، وكذبت الجهمية أعداء الله، بل هم أولى بالتشبيه والتكذيب، افتروا على الله الكذب، وقالوا الإفك والزّور، وكفروا بقولهم.

стр. 38

وأما الرافضة: فإنهم يسمون أهل السّنة: الناصبة، وكذبت الرافضة، بل هم أولى بهذا. لانتصابهم لأصحاب رسول الله ﷺ بالسب والشتم، وقالوا فيهم بغير الحق، ونسبوهم إلى غير العدل كفرا وظلما. وجرأة على الله ، واستخفافا بحق الرسول ﷺ . وهم أولى بالتعيير والانتقام منهم. وأما الخوارج: فإنهم يسمون أهل السّنة والجماعة: مرجئة. وكذبت الخوارج فى قولهم، بل هم المرجئة، يزعمون أنهم على إيمان وحق دون الناس. ومن خالفهم كافر وأما أصحاب الرأى: فإنهم يسمون أصحاب السنة: نابتة، وحشوية. وكذب أصحاب الرأى أعداء الله، بل هم النابتة والحشوية، تركوا آثار الرسول ﷺ وحديثه، وقالوا بالرأى، وقاسوا الدين بالاستحسان، وحكموا بخلاف الكتاب والسنة. وهم أصحاب بدعة، جهلة ضلال، وطلاب دنيا بالكذب والبهتان. رحم الله عبدا قال بالحق واتبع الأثر. وتمسك بالسنة واقتدى بالصالحين. وبالله التوفيق. اللهم ادحض باطل المرجئة، وأوهن كيد القدرية، وأذل دولة الرافضة، وامحق شبه أصحاب الرأى، واكفنا مؤنة الخارجية. وعجل الانتقام من الجهمية. حرف الحاء ١٠ - أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد، أبو عبد الله الصوفى سمع عليّ بن الجعد، وأبا نصر التمار، ويحيى بن معين فى آخرين. نقل عن إمامنا أشياء. منها قال: حضرت مجلس أحمد بن حنبل فى شعبان من سنة سبع وعشرين ومائتين، وعنده الهيثم بن خارجة، فسئل عن المسح على الرأس؟ فأومأ بيديه من

стр. 39

مقدم رأسه، وردهما إلى مؤخره، ثم ردهما من مؤخره إلى مقدمه. فسئل وأنا أسمع: الرّدة بماء جديد؟ قال: بماء جديد. أخبرنا الوالد السعيد - قراءة - قال أخبرنا على بن عمر الحربى قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن مالك عن الفضيل بن أبى عبد الله عن عبد الله بن نيار الأسلمى عن عروة عن عائشة «أن رجلا من المشركين لحق بالنبى ﷺ ، يقاتل معه. فقال: ارجع، فإنا لا نستعين بأحد من المشركين هناك». قال الوالد السعيد: هذا حديث صحيح. أخرجه مسلم بن الحجاج عن زهير ابن حرب عن عبد الرحمن ابن مهدى (١). ومات يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة ست وثلاثمائة. ذكره القاضى أحمد بن كامل. وسئل الدارقطنى عنه؟ فقال: ثقة ١١ - أحمد بن الحسن أبو الحسن الترمذى. حدث البخارى عنه فى الصحيح عن إمامنا أحمد، فيما أنبأنا الوالد السعيد: أخبرنا محمد بن أبى القوارس قال أخبرنا أحمد بن عبد الله السّرخسي قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربرى أخبرنا أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخارى قال: حدثنى أحمد بن الحسن حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال حدثنا معتمر بن سليمان عن كهمس عن ابن بريدة

стр. 40

عن أبيه ﵁ قال «غزوت مع رسول الله ﷺ ست عشر غزوة». ونقل عن إمامنا مسائل كثيرة. قال أبو بكر الخلال: حدثنا عنه الأكابر بخراسان بمسائله عن أحمد، منهم محمد بن المنذر. قال حدثنا أحمد بن الحسن الترمذى، قال: أملى علينا أبو عبد الله: «من فلان إلى فلان. فأما ما ذكرت من قولهم: إذا فرّق القاضى بين الرجل وامرأته بشهادة رجلين، ثم تزوج المرأة أحد الشاهدين، وينبغى أن يكون شهادتهما عليه زورا: فهى له حلال. فإن النبى ﷺ قال فيما حدثنا به يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب ابنة أبى سلمة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال «إنكم تختصمون إلىّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى له بما يقول. فمن قضيت له من حق أخيه بشئ، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها» وقال أحمد بن الحسن الترمذى: سألت أبا عبد الله وقلت له: أكتب كتب الشافعى؟ فقال: ما أقل ما يحتاج صاحب حديث إليها. رواه أبو بكر الخلال فى العلم عن محمد بن المنذر عن أحمد بن الحسن الترمذى. وأنبأنا عمر بن الليث البخارى حدثنا أبو بكر الحيرى الحافظ وأبو محمد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أبى عمر والحيرى قالا حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله البيّع الحافظ. قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الحنظلى يقول: سمعت أبا اسماعيل الترمذى يقول: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذى عند أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله، ذكروا لابن أبى قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء. فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه. ويقول: زنديق، زنديق، زنديق. ودخل البيت.
следующие страницы →