← Тараджим

Тараджим · id 9543

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (692 стр.). Показаны 666–692 · переход к 671.

стр. 666

وتوفى فجأة فى الصلاة فى شهر رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وصلّى عليه بجامع المنصور، ودفن فى مقابر إمامنا ﵁. ٦٧٢ - أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء. أخى الأكبر، الشاب العالم، الورع الصالح. ولد يوم السبت السابع من شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. هكذا قرأت بخط الوالد السعيد. سمع الحديث من أبى محمد الجوهرى، والوالد السعيد، وجده لأمه جابر ابن ياسين، وأبى الحسين بن المهتدى، وأبى الحسين بن الأبنوسى، وأبى الحسين ابن النقور، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى الغنائم بن المأمون، ومحمد بن وشاح، وأحمد بن ساوس، وعلى الملطى، وعبد الله بن هزار مرد الصريفينى، فى خلق كثير. ورحل فى طلب العلم والحديث إلى البلاد: واسط، والبصرة، والكوفة، وعكبرا، والموصل، والجزيرة، وآمد، وغير ذلك. وقرأ بآمد على تلميذ والده: أبى الحسن البغدادى قطعة صالحة من الخلاف، والمذهب. وكان قد علق قبل سفرته عن تلميذ والده الشريف أبى جعفر. وكان حضر قبل ذلك درس والده السعيد، وعلق عنه. وكان يحضر مجالس النظر فى الجمع وغيرها. ويتكلم فى المسائل مع شيوخ عصره. وكان الوالد السعيد يأتم به فى صلاة التراويح إلى أن توفى رحمة الله عليه. وهو الذى تولى الصلاة على الوالد السعيد بجامع المنصور. وتقدم على شيوخ الطوائف. وكان ذا عفة وديانة وصيانة.

стр. 667

وكان له معرفة بالجرح والتعديل وأسماء الرجال والكنى، وغير ذلك. وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على الشيوخ الذين انتهى الإسناد إليهم، مثل: ابن الخياط، وابن البناء، وأبى الخطاب الصوفى، وأحمد بن الحسن اللحياني. ولما ظهرت البدع فى سنة تسع وستين وأربعمائة هاجر من بلدنا إلى حرم الله وكانت وفاته فى مضيه إلى مكة، بموضع يعرف بمعدن النقرة، فى أواخر ذى القعدة من هذه السنة. فتوفى وله ست وعشرون سنة وثلاثة أشهر ونيف وعشرون يوما تقريبا. وكان ﵀ حسن التلاوة للقرآن، كثير الدرس له، مع معرفته بعلومه وعلوم حديث رسول الله ﷺ . وكان حسن الخط صحيحا، فهما لقراءة الحديث. ﵀ وبارك له فيما صار إليه، ونفعه بما كتب وقرأ وسمع وسعى واجتهد، وعوضه بشبابه الجنة. آمين. ٦٧٣ - أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد البردانى. صحب الوالد السعيد. وتردد إلى مجالسه فى الفقه، وسماع الحديث. وكان رجلا صالحا. وتوفى ليلة الجمعة الثالثة من ذى الحجة سنة تسع وستين وأربعمائة. وحمل إلى جامع المنصور، وصلّى عليه ابنه أحمد. ودفن فى مقبرة إمامنا أحمد إلى جنب أبى الحسن بن الرهنية (١) الزاهد. وكان مولده: سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.

стр. 668

ثم شيخنا وأستاذنا، الشريف الزاهد الورع العابد: ٦٧٤ - أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى ابن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس ابن عبد المطلب. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. سمع الحديث من أبى القاسم بن بشران، وأبى الحسين الحرانى، وأبى على ابن المذهب، وأبى إسحاق البرمكى، وأبى طالب بن العشارى، والوالد السعيد. أخبرنا شيخنا الشريف أبو جعفر - قراءة - قال: حدثنا أبو القاسم بن بشران - إملاء يوم الجمعة بعد الصلاة، لسبع خلون من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة - قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان قال: حدثنا محمد بن الفضل بن جابر السقطى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن حفص الصفار قال: حدثنا محمد بن سواء عن هشام بن حسان عن الجارود عن عطية عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ «من كسا مسلما على عرى، كساه الله من خضر الجنة. ومن سقاه على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم. ومن أطعمه على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة» وبدأ يدرس الفقه على الوالد السعيد، من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، إلى سنة إحدى وخمسين. يقصد إلى مجلس الوالد السعيد، ويعلق الدرس، ويعيد فى الفروع وأصول الفقه. وبرع فى المذهب، ودرس وأفتى فى حياة الوالد السعيد. وكان مختصر الكلام، مليح التدريس، جيد الكلام فى المناظرة، عالما بالفرائض، وأحكام القرآن والأصول. صنف رءوس المسائل. وشرح من المذهب: الطهارة، وبعض الصلاة. وسلك فيه طريقة الوالد السعيد فى الجامع الكبير.

стр. 669

وكان يدرس فى مسجد سكة الخرقى، وبجامع المنصور. ثم انتقل إلى الجانب الشرقى. فدرس فى المسجد المعروف به، مقابل دار الخلافة. وبدأت أنا بالتعليق عنه والدرس عليه فى أول سنة خمس وستين وأربعمائة. وصحبته إلى أن توفى ﵁. وكان يحضر معنا مجلسه جماعة من الأصحاب. وكان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة وكان شديد القول واللسان فى أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم وإبطالها ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يدهم عنهم أحد. وكان حسن الصيانة، عفيفا نزها. وكان أحد الشهود المذكورين. شهد عند قاضى القضاة، أبى على عبد الله الدامغاني فى يوم الثلاثاء الثانى من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وشهد بعده القاضى أبو على يعقوب، وأبو الحسن المبارك بن عمر الخرقى. وتولى تزكيتهم الوالد السعيد. ولم يزل يشهد سنين كثيرة، إلى أن ترك الشهادة قبل وفاته بسنين كثيرة تورعا. ولم يزل على الطريقة الحسنة المرضية، سالكا نهج الوالد السعيد، والسلف الصالح الرشيد. ثم انتقل فى سنة ست وستين إلى باب الطاق. وسكن درب الديوان من الرصافة لأجل ما لحق نهر المعلّى من الغرق. ودرس بجامع المهدى، وبالمسجد الذى على باب درب الديوان. وكنت أمضى إليه فى طلب العلم إلى هناك، أنا وجماعة من الأصحاب. فكان له مجلس

стр. 670

للنظر فى كل يوم اثنين. ويقصده جماعة من الفقهاء المخالفين. ويتكلم فى بعض الأوقات تارة مبتدئا، وتارة مستدلا إلى سنة تسع وستين. فوصل إلى مدينة السلام، بالجانب الشرقى ولد القشيرى، وأظهر على الكرسى مقالة الأشعرى، ولم تكن ظهرت قبل ذلك على رءوس الأشهاد، لما كان يلحقهم من أيدى أصحابنا وقمعهم لهم. فعظم ذلك عليه، وأنكره غاية الإنكار. وعاد إلى نهر المعلى منكرا لظهور هذه البدعة، وقمع أهلها، فاشتد أزر أهل السنة، وقويت كلمتهم، وأوقعوا بأهل هذه البدعة دفعات. وكانت الغلبة لطائفتنا: طائفة الحق. فلما أدحض الله تعالى مقالتهم، وكسر شوكتهم، عظم ذلك على رؤسائهم، وأجمعوا للهرب والخروج عن بلدنا إلى خراسان. فبلغ ذلك وزير الوقت فقال: ما الذى حملكم على ذلك؟ فأظهروا الشكاية مما قد تم عليهم. فوعدهم بأن يكف عنهم ذلك، واجتمعوا ودبروا على حضور شيخنا الشريف عندهم. فأنفذ إليه وزير الوقت. فقال: قد عرض أمر لا بد من مشاورتك فيه. فلما دخل إلى باب العامة عدلوا به إلى دار فى القرية، قد أفردت له. ومنع معظم الأصحاب من الدخول عليه، وكانوا قد تخرصوا عليه، ورفعوا إلى إمام الوقت الكذب والزور والبهتان، فى أشياء لا يحتمل كتابنا ذكرها. قد نزه الله تعالى مذهبنا وشيخنا وعنها. ولم يزل عندهم مدة أشهر. وكانوا قد عرضوا عليه أشياء من دنياهم فلم يقبلها، ولم يأكل لهم طعاما مدة مقامه عندهم. ودوام الصيام فى تلك الأيام. ودخلت عليه ذات يوم من تلك الأيام. فرأيته يقرأ فى المصحف. فقال لى: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ تدرى ما الصبر؟ فقلت: لا. فقال: هو الصوم. ولم يفطر حتى بلغ منه المرض نهايته. وكان يكثر الدرس للقرآن. فلما ثقل مرضه، وضج الناس من حبسه أخرج

стр. 671

إلى الحريم الظاهرى بالجانب الغربى. فمات هناك. وكان الوالد السعيد - فى مرضه الذى مات فيه - قد أوصى بأن يغسله الشريف أبو جعفر، فحضر وتولى ذلك بنفسه. وعرف ذلك الإمام القائم بأمر الله. فلما حضرت القائم بأمر الله الوفاة قال: يغسلنى الذى غسل ابن الفراء: ابن أبى موسى. وعدل عن جميع أهل العلم والقضاة والأشراف. ففعل. وكان ذلك فى يوم الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. فصعد باب الغرفة وأدخل من هناك إلى حجرة الإمام القائم بأمر الله، وهو ميت مسجى فيها. فغسله وعاونه فى غسله - من صب ماء وغيره - عفيف وصافى وسلامة ومسعود. وتنزه أن يأخذ مما هناك شيئا، فقيل له: قد أوصى لك أمير المؤمنين بأشياء كثيرة من المال والثياب، هى حاضرة هناك، لها قيمة. فأبى أخذها، فقيل له: فقميص أمير المؤمنين تتبرك به. فأخذ فوطة نفسه، فنشف بها الإمام القائم بأمر الله وقال: قد لحق هذه الفوطة - وهى ملكى - بركة أمير المؤمنين (١) ولم يأخذ القميص فقلت له، بعد اجتماعى معه: أين سهمنا مما كان هناك؟ فقال: أحييت حال شيخنا والدك الإمام أبى يعلى، يقال: هذا غلامه تنزه عن هذا القدر الكثير. فكيف لو كان الوالد السعيد؟ ولو ذهبت أشرح طريقته وزهده وورعه لما احتمله هذا الموضع. وحاله أشهر، وأمره أظهر من ذلك. ولقد بلغ من قدره ومحله عند الإمام المقتدى بأمر الله: أنه لما فرغ شيخنا الشريف من غسل الإمام القائم بأمر الله: لم يأذن له بالمصير إلى منزله، حتى بايع الناس الإمام المقتدى بأمر الله على الإجماع، واستدعاه لبيعته مفردا مخليا به. فبايعه، ثم قال له شيخنا الشريف فى جملة كلامه له:

стр. 672

إذا سيد منا مضى، قام سيد … قئول بما قال الكرام فعول ثم أذن له بالمضى إلى منزله بعد بيعته. وانتهى إليه فى وقته الرحلة بطلب مذهب إمامنا أحمد. وتوفى يوم الخميس النصف من صفر سنة سبعين وأربعمائة، وأخرجت جنازته فى غداة يوم الجمعة، وحضرت الجنازة. وكان يوما مشهودا لكثرة الخلق، وعظم الحزن والبكاء. وكان جمعا لم أر مثله لجنازة بعد جنازة الوالد السعيد. وتقدم للصلاة عليه أخوه أبو الفضل بجامع المدينة. وحفر له بجنب قبر إمامنا أحمد. فدفن فيه. وأخذ الناس من تراب قبره الكثير تبركا به. ولزم الناس قبره ليلا ونهارا مدة طويلة، ويقرءون ختمات ويكثرون الدعاء (١) ولقد بلغنى أنه ختم على قبره فى مدة شهور ألوف ختمات. وكثرت المنامات من الصالحين بالرؤى الصالحة له. فمن جملة مارئى له فى المنام بعد وفاته: أن الرائى له حكى: أنه قال له: ما فعل الله بك؟ فقال: لما وضعت فى قبرى، رأيت قبة من درة بيضاء، لها ثلاثة أبواب، وقائل يقول: هذه لك، ادخل من أى أبوابها شئت. ورآه إنسان آخر فى المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: التقيت بأحمد بن حنبل، فقال لى: يا أبا جعفر، لقد جاهدت فى الله حق جهاده. وقد أعطاك الله تعالى الرضا. ورآه أبو بكر المعروف بابن القيمة فى المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال له: مات الناس. وكنت آخرهم، أو كما قال.

стр. 673

٦٧٥ - عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهانى، أبو القاسم. رحل فى طلب العلم. وكتب وصنف تصانيف كثيرة. وكان قدوة أهل السنة بأصبهان، وشيخهم فى وقته. وكان مجتهدا متبعا آثار النبى ﷺ ويحرض الناس عليها. وكان شديدا على أهل البدع، مباينا لهم. وما كان فى عصره وبلده مثله فى ورعه، وزهده وصيانته. وحاله أظهر من ذلك. وكانت بينه وبين الوالد السعيد مكاتبات. مولده: سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. وفيها ولد جدى لأمى جابر. ومات ابن منده فى شوال سنة سبعين وأربعمائة فيما بلغنا. سمع والده، وإبراهيم بن حرشبة فى آخرين كثيرين. ٦٧٦ - أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد الرزاز المقرئ، المعروف بابن حمدوه سمع الحديث من جماعة. منهم أبو الحسين بن سمعون، ومن بعده. وتفقه على الوالد السعيد فى السنة التى تفقه فيها شيخنا الشريف أبو جعفر. وكانا يصطحبان إلى مجلس الوالد السعيد. وكان كثير القراءة للقرآن والإقراء له. وختم ختمات كثيرة. وذكره ابن ثابت، فقال: كتبت عنه. وكان صدوقا. قال: وسألته عن مولده؟ فقال: ولدت فى يوم الأربعاء لثمان عشرة خلت من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. قلت أنا: وسمعت منه ما كان عنده عن ابن سمعون. أخبرنا أبو بكر بن حمدوه قال: حدثنا أبو الحسين بن سمعون - إملاء - قال: حدثنا أبو الحسن الكاتب، قال: حدثنا أبو حفص عمر بن الربانى قال: حدثنا يحيى بن ميمون بن عطاء القرشى قال: حدثنا على بن زيد بن جدعان عن

стр. 674

أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال «خطبنا أبو بكر الصديق فقال: خطبنا رسول الله ﷺ عام أول، فى مثل هذا الشهر، فى مثل هذا اليوم، فى مثل هذه الساعة، ثم استعبر، ثم عاد فاستعبر، ثم عاد فاستعبر، حتى فاضت عيناه. فقال له عمر بن الخطاب - وكان قريبا من المنبر -: ما شأنك يا خليفة رسول الله؟ قال: قال رسول الله ﷺ فى خطبته: أيها الناس سلوا الله العفو والمعافاة» توفى ابن حمدوه فى ليلة السبت. ودفن فى يوم السبت الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة سبعين وأربعمائة فى مقبرة إمامنا أحمد رحمه الله تعالى. ٦٧٧ - أبو على الحسن بن أحمد بن عبد الله، المعروف بابن البناء. سمع الحديث من هلال الحفار، وأبى القاسم الغورى، وأبى محمد السكرى، وأبى الحسين، وأبى القاسم ابني بشران، وأبى الفتح بن أبى الفوارس، وأبى الحسن الحمامى، فى آخرين. وقرأ القرآن على أبى الحسن الحمامى بالقراءات، وعلى غيره من الشيوخ. وتفقه على الوالد السعيد، وعلق عنه المذهب والخلاف. ودرس فى الجانب الشرقى بدار الخلافة فى حياة الوالد السعيد وبعد وفاته. وصنف كتبا فى الفقه والحديث والفرائض، وأصول الدين، وفى علوم مختلفات، وكان متقنا فى العلوم. ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وكان له حلقتان. إحداهما: فى جامع المنصور، والأخرى: فى جامع القصر للفتوى والوعظ وقراءة الحديث. سمعت منه الحديث. وكان أديبا شديدا على أهل الأهواء. حدثنا الحسن بن أحمد بن البناء قال: أنبأنا أحمد بن على المعروف بالبادى قال: حدثنا عبد الباقى بن قانع قال: حدثنا جبريل بن شجاع قال: حدثنا محمد بن عمرو

стр. 675

السويفى البلخى قال: سمعت عبد المجيد بن عبد العزيز عن أبيه عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الجود من جود الله، فجودوا يجد الله لكم. ألا إن الله خلق الجود وخلقه فى صورة رجل. وجعل أسّه راسخا فى أصل شجرة طوبى. وشد أغصانها بأغصان سدرة المنتهى، وتدلى بعض أغصانها إلى الدنيا. فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة. ألا إن السخاء من الإيمان، والإيمان فى الجنة: وخلق البخل من مقته وجعل أسه فى أصل شجرة الزقوم. وتدلى بعض أغصانها إلى الدنيا. فمن تعلق بغصن منها أدخله النار. ألا إن البخل من الكفر. والكفر فى النار (١)». ومات أبو على بن البناء فى يوم السبت الخامس من رجب سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وصلّى عليه بجامع القصر وجامع المدينة. ودفن بمقبرة إمامنا أحمد ﵁. ٦٧٨ - أبو الوفاء طاهر بن الحسين بن أحمد، يعرف بابن القواس تفقه على الوالد السعيد. وكانت له حلقة بجامع المنصور يفتى ويعظ. وكان يقرأ القرآن ويدرس الفقه فى مسجده بباب البصرة وكان قرأ القرآن على أبى الحسن الحمامى وغيره وسمع الحديث من هلال الحفار، وأبى نصر بن النرسى، وأبى الحسين ابن بشران وغيرهم وكان ثقة صالحا، أمارا بالمعروف، ملازما لمسجده. وأقام فيه خمسين سنة تقريبا ولد سنة تسعين وثلاثمائة. وتوفى ليلة الجمعة سابع عشر شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة. وصلّى عليه بجامع المنصور بالمدينة. ودفن فى يوم الجمعة بجنب شيخنا الشريف أبى جعفر

стр. 676

٦٧٩ - القاضى أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن؟؟؟ قدم بغداد من ثغر حران، قاصدا لمسجد الوالد السعيد، وطالبا لدرس الفقه. فتفقه عليه، وكتب كثيرا من مصنفاته وكان يلى القضاء بحران من قبل الوالد السعيد، كتب له عهدا بولاية القضاء بحران وكان ناشرا لمذهبنا، داعيا إليه فى تلك الديار وكان مفتيها وواعظها وخطيبها ومدرسها وسمع الحديث من أبى على بن شاذان، ومن البرقانى، ومن أبى على بن شهاب، ومن الوالد السعيد فى آخرين واختار الله العظيم له الشهادة على يدى ابن قريش العقيلى فى سنة ست وسبعين وأربعمائة، عند اضطراب أهل حران على ابن قريش. لما أظهر سب السلف بها ٦٨٠ - أبو عبد الله بن عمر بن الوليد الباجسرائى الحنبلى كانت له حلقة بجامع المنصور، وتردد إلى مجلس الوالد السعيد الزمان الطويل. وسمع منه الحديث والدرس ومات سنة سبع وستين وأربعمائة. وكان قد بلغ من السن خمسا وتسعين سنة ٦٨١ - أبو بكر عمر الحنبلى الطحان حضر درس الوالد السعيد، وعلق عنه ومات فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ٦٨٢ - القاضى أبو على يعقوب بن إبراهيم بن سطور البرزيني - قرية من قرى عكبرا

стр. 677

دخل بغداد سنة نيف وثلاثين. وصحب الوالد السعيد. وقرأ عليه الفقه، وبرع فيه. ودرس فى حياة الوالد السعيد، وبعد وفاته بالجانب الشرقى بباب الأزج. وصنف كتبا فى الأصول والفروع. وكان له غلمان كثيرون. وكان مبارك التعليم. لم يدرس عليه أحد إلا أفلح وصار فقيها وكانت حلقته بجامع القصر وشهد فى اليوم الذى شهد فيه شيخنا الشريف أبو جعفر، زكاهما الوالد السعيد عند قاضى القضاة أبى عبد الله الدامغانى وولى القضاء بباب الأزج من قبل الوالد السعيد فى محرم سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ورفع يده عن القضاء والشهادة فى يوم الثلاثاء مستهل ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. ثم عاد إلى القضاء والشهادة فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وكان ذا معرفة ثاقبة بأحكام القضاء، وإنفاذ السجلات. وشهد على إنفاذه فى داره جماعة من الشهود فى قضية تتعلق بالوكلاء، أجلهم الله تعالى، وفى قضية تتعلق ببيت ابن زريق، تعرف بقرية ابن إسحاق. ثم سجل بها وكان متشددا فى السنة، متعففا فى القضاء وسمع الحديث من جماعة بعكبرا، وببلدنا، مهم: الوالد السعيد وتفقه عليه أخى أبو حازم. حفظه الله. وعنه علق الفقه. وقد بارك الله له فى صحبته إياه ومات وهو على القضاء بباب الأزج فى شوال من سنة ست وثمانين وأربعمائة وكان عمره سبعا وسبعين سنة. وصلّى عليه أكبر أولاده بجامع القصر. وحضر جنازته خلق كثير من أرباب الدين والدنيا، وأصحاب المناصب.

стр. 678

ونقيب العباسيين، ونقيب الأشراف الطالبيين، وحجاب السلطان، وجماعة من الشهود وغيرهم. ودفن فى مقبرة أبى بكر عبد العزيز بباب الأزج فى يوم الأربعاء ثالث عشرين شوال ٦٨٣ - أبو محمد شافع بن صالح بن حاتم الحنبلى ورد بغداد بعد الثلاثين وأربعمائة. وصحب الوالد السعيد. وتفقه عليه. وقرأ عليه الأصول والفروع. وسمع منه الحديث الكثير ومن غيره. وكتب معظم مصنفاته فى الأصول والفروع وكان أخا دين وتعفف، وصلاح وتقشف. ودرس فى الجانب الشرقى من الحرم الشريف بالمسجد الذى درسنا فيه الفقه على شيخنا الشريف أبى جعفر، مقابل دار الخلافة. ولم يزل مقيما به إلى أن توفى سنة ثمانين وأربعمائة. ودفن فى مقبرة إمامنا أحمد ﵁ ٦٨٤ - أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن على الهروى الأنصارى كان يدعى شيخ الإسلام. وكان إمام أهل السنة بهراة. ويسمى خطيب العجم، لتبحر علمه وفصاحته ونبله. وكان شديدا على الأشعرية. وكان بينه وبين عبد الرحمن بن منده مكاتبة سمع من أبى الفضل الجارودى الحافظ الهروى. وأخذ منه علم الحديث، وأبى زكريا يحيى بن عمار السجزى المفسر الحنبلى. وأخذ منه علم التفسير ورحل إلى نيسابور. وسمع من أصحاب أبى العباس الأصم وغيره روى عنه خلق كثير. وكان له أولاد. أحدهم: عبد الهادى، والآخر جابر. فأما عبد الهادى: فقتلته الباطنية سنة نيف وتسعين وأربعمائة على ما انتهى إلينا

стр. 679

أنشدنا محمد بن أحمد بن أحمد الأصفهانى قال: حدثنا محمد بن على الهمذانى - بها - قال أنشدنا عبد الله بن محمد الأنصارى الهروى الحنبلى شيخ الإسلام لنفسه، من قصيدة له فى السنة: أنا حنبلى ما حييت، فإن أمت … فوصيتى ذاكم إلى إخوانى إذ دينه دينى، ودينى دينه … ما كنت إمّعة له دينان وتوفى عبد الله الأنصارى - على ما بلغنا - سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ٦٨٥ - أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازى، المعروف بالمقدسى صحب الوالد السعيد من سنة نيف وأربعين. وتردد إلى مجلسه سنين عدة. وعلق عنه أشياء فى الأصول والفروع. ونسخ واستنسخ من مصنفاته وسافر إلى الرحبة، والشام. وحصل له الأصحاب والأتباع والتلامذة والغلمان. وكانت له كرامات ظاهرة ووقعات مع الأشاعرة. وظهر عليهم بالحجة فى مجالس السلاطين ببلاد الشام ويقال: إنه اجتمع مع الخضر ﵇ دفعتين (١). وكان يتكلم فى عدة أوقات على الخاطر، كما كان يتكلم ابن القزوينى الزاهد فبلغنى أن تتشا لما عزم على المجئ إلى بغداد فى الدفعة الأولى لما وصلها السلطان: سأله الدعاء. فدعا له بالسلامة. فعاد سالما. فلما كان فى الدفعة الثانية استدعاه السلطان، وهو ببغداد لأخيه تتش، فرعب وسأل أبا الفرج الدعاء له. فقال له: لا تراه ولا تجتمع به. فقال له تتش: هو مقيم ببغداد، وقد برزت إلى عنده ولا بد من المصير إليه. فقال له: لا تراه. فعجب من ذلك. وبلغ هيت. فجاءه

стр. 680

الخبر بوفاة السلطان ببغداد. فعاد إلى دمشق، وزادت حشمة أبى الفرج عنده، ومنزلته لديه. وبلغنى أن بعض السلاطين من المخالفين كان أبو الفرج يدعو عليه. ويقول: كم أرميه، ولا تقع الرمية به؟ فلما كان فى الليلة التى هلك ذلك المخالف فيها، قال أبو الفرج لبعض أصحابه: قد أصبت فلانا، وقد هلك، فأرخت تلك الليلة. فلما كان بعد بضعة عشر يوما، ورد الخبر بوفاة ذلك الرجل فى تلك الليلة التى أخبر أبو الفرج بهلاكه فيها (١) وكان أبو الفرج ناصرا لاعتقادنا، متجردا فى نشره، مبطلا لتاويلات أخبار الصفات. وله تصنيف فى الفقه والوعظ والأصول وتوفى بدمشق سنة ست وأربعمائة ٦٨٦ - أبو الحسن علي بن عمرو بن على الحرانى الحنبلى الصالح التقى صاحب الوالد السعيد توفى بسروج فى شعبان من سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وحكى لى ابنه خليفة قال: حكى لى رجل من أهل سروج من الصالحين: أنه رأى فى تلك الليلة قائلا يقول له: يا فلان، إلى متى تنام؟ قم، قد انهدم ربع الإسلام. قال: فانتبهت وانزعجت، ثم عدت نمت فرأيت القائل يقول لى: كم تنام؟ قم، قد انهدم ربع الإسلام. قال: فقعدت واستغفرت الله، فقلت: إيش هذا؟ قال: ثم نمت، فقال لى: يا فلان قم، قد انهدم ربع الإسلام. قد مات على بن عمرو. قال: فأصبحت وقد مات

стр. 681

٦٨٧ - أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث بن أسد التميمى أحد الحنابلة المشهورين فى الحنبلية، هو وأبوه، وعمه وجده وكان حسن العبادة، مليح الإشارة، فصيح اللسان وكان يجلس فى حلقة أبيه بجامع المنصور للوعظ والفتوى إلى سنة خمسين وأربعمائة، ثم انقطع عن المضى إلى جامع المنصور. وانتقل إلى دار الخلافة بباب المراتب. وكان يمضى فى السنة أربع دفعات: فى رجب وشعبان إلى مقبرة إمامنا ويعقد هناك مجلسا للوعظ، ويجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير لاستماع كلامه ويحضر بين يديه ابنه أبو الفضل عبد الواحد، ينهض بعد كلامه على قدميه، ويورد فصولا مجموعة قرأ القرآن على أبى الحسن الحمامى. وسمع الحديث من أبى عمر بن مهدى، وأبي الحسن الحمامى، وأحمد بن على بن البادى، وأبى الحسين، وأبى القاسم ابنى بشران، وأبى على بن شاذان وتفقه على القاضى أبى على بن أبى موسى الهاشمى وقرأ على الوالد السعيد قطعة من المذهب. وكان يفتى فى المسائل المشهورة. وكان إمام العصر يراسل به فى بعض مهماته إلى أمراء الأطراف. لأنه كان له قبول عند الأمراء والوزراء. فلما ورد أصفهان كتب الناس عنه الحديث. وشهد عند قاضي القضاة: أبو عبد الله ابن ماكولا، وابن الدامغانى. فقبلا شهادته. قرأت على أبى محمد رزق الله، قلت له: أخبرك أبو عمر عبد الواحد بن محمد ابن مهدى قال: أخبرنا أبو عبد الله بن مخلد قال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة قال: حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبى نمر عن عطاء عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله

стр. 682

تعالى قال: من عادى لى وليا فقال آذننى بالحرب. وما تقرب إلى عبدى بشئ أحب مما افترضت عليه. وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه. فإذا أحبته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها. ولئن سالنى عبدى لأعطينه. ولئن استعاذنى لأعيذنه. وما ترددت عن شئ أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته. ولا بد له منه» أخرجه البخارى عن ابن كرامة. مولده سنة أربعمائة. وقيل: سنة إحدى وأربعمائة ومات ليلة النصف من جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. ودفن فى داره بباب المراتب. ثم نقل بعد ذلك إلى مقبرة إمامنا لما توفى ابنه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. قال أبو محمد التميمى: أنفذ الخليفة المطيع لله بمال عظيم ليبنى على قبر أحمد بن حنبل قبة. فقال له جدى وأبو بكر عبد العزيز: أليس تريد أن تتقرب إلى الله تعالى بذلك؟ فقال: بلى. فقالا له: إن مذهبه أن لا يبنى عليه شئ. فقال: تصدقوا بالمال على من ترونه. فقالا له: بل تصدق به على من تريد أنت فتصدق به (١) وقال أيضا: لما توفى أبى أبو الفرج تحرجت أن أدفنه فى الدكة مع أحمد ثم دفنته. فلما كان الليل: رأيته فى النوم، فقال لى: يا محمد ضيقت على الإمام. فقلت: تحب أنبشك وأدفنك فى موضع آخر؟ فقال: إذا نقلتنى عن هذا الرجل فبمن أتبرك (٢)؟

стр. 683

٦٨٨ - أبو إسحاق إبراهيم الخزاز كان صالحا مقرئا دينا. وسمع من الوالد السعيد. وحضر بعض أماليه ومات يوم السبت تاسع ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وصليت عليه إماما بجامع المنصور ٦٨٩ - أبو يعلى بن الكيال كان رجلا صالحا. وتردد إلى الوالد السعيد زمانا متواصلا وسمع منه علما واسعا. وكان عبدا صالحا. وقيل: إنه كان يحفظ الاسم الأعظم ٦٩٠ - أبو الحسن على بن المبارك النهرى ولد بدرب النهر من الكرخ. فعرف بالنهرى وتفقه على الوالد السعيد. فى حياته وبعد مماته وكان كثير الذكاء، قيما بالفرائض سمع من الوالد السعيد الحديث الكثير وتوفى فى ذى القعدة سنة نيف وثمانين وأربعمائة وسألنى ولده الكبير الصلاة على أبيه إماما بجامع المنصور. ففعلت. ودفن فى مقبرة الجامع ٦٩١ - أبو محمد عبد الله بن جابر بن ياسين خالى سمع من الوالد السعيد الكثير. وكان أحد من يستملى له بجامع المنصور. وعلق عنه قطعة من المذهب والخلاف. وكتب أشياء من تصانيفه. وسمع من خلق كثير. منهم: أبو على بن شاذان، وأبو القاسم بن بشران فى آخرين. وحدث. وسمع منه جماعة. وسمعت منه عدة أجزاء.

стр. 684

وكان صادق اللهجة، حسن الوجه، مليح المحاضرة، كثير القراءة للقرآن، مليح الخط، حسن الحساب. مولده: سنة تسع عشرة وأربعمائة. وموته: يوم الأربعاء العشرين من شوال سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وصليت عليه إماما. ودفن فى تربة والده، قريبا من قبر إمامنا ﵃. ٦٩٢ - أبو عبد الله محمّد بن الحسن الرادانى صحب الوالد السعيد. وكان زاهدا ورعا، عالما بالقراءات وغيرها. مات يوم الأحد رابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وأربعمائة. ٦٩٣ - أبو الحسن بن زفر العكرى صحب الوالد السعيد. وسمع درسه. وكان صالحا، كثير التلاوة والتلقين للقرآن. وبلغنى أنه سرد الصوم خمسا وسبعين سنة. ومات وسنه تسعون سنة. وكانت وفاته قبل وفاة أبى عبد الله الرادانى بأيام لا أحفظ عددها. ٦٩٤ - أبو على أحمد بن محمد بن أحمد البردانى سمع درس الوالد السعيد سنين. وسمع منه الحديث الكثير. وكان أحد المستملين على الوالد السعيد بجامع المنصور. وتوفى عشية يوم الأربعاء لعشر من شوال سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. ودفن فى يوم الخميس. ٦٩٥ - أبو القاسم الغورى كان شيخا صالحا مقرئا دينا.

стр. 685

٦٩٦ - أبو منصور محمد بن أحمد بن على الخياط المقرئ. الشيخ الصالح، الثقة الدين. قرأ القرآن على أبى نصر بن مسرور المقرئ وغيره. ولم يزل يقرئ ويلقن إلى حين وفاته. وكان حسن التلقين والتلاوة. وسمع من عبد الغفار المؤدب، وأبى القاسم بن بشران، وأبى عبد الله أخى الخلال، وأبى منصور بن السواق، وأبى الحسن بن القزوينى، وأبى القاسم بن الدمنانى فى آخرين. وتفقه على الوالد السعيد. وكان الوالد إذا جلس للحكم بنهر المعلى يقصد الجلوس للحكم فى مسجده، ويصلى خلفه. فسمعته يقول: أول يوم جلس والدك القاضى الإمام للقضاء، واجتمع الناس: حضرت صلاة الظهر. فتأخرت، وقلت: يا سيدنا نتجمل بالصلاة وراءك. فقال لى: تقدم يا أبا منصور، جمالك صلاتى وراءك. فغرس له فى قلوب العامة والخاصة نباهة وجلالة. وكان كثير الصيام ومداومة القيام. ولد سنة إحدى وأربعمائة. وتوفى فى المحرم سنة تسع وتسعين. وصلّى عليه سبطه أبو محمد فى جامع القصر. وصلّى عليه فى جامع المنصور. وكان الخلق على جنازته متوفرون. ودفن بجنب قبر أبى الوفاء بن القواس. بينه وبين قبر إمامنا أحمد قبران. أقرأ القرآن بضعا وستين سنة. ولقن أمما. وكان رحيما بالغرباء والأمراء الذين يعلمهم القرآن. وكان له ورد بين العشاءين يقرأ فيه سبعا من القرآن قائما وقاعدا.

стр. 686

ولقد رئى له من المنامات الصالحة فى حياته وبعد وفاته عدة منامات. ٦٩٧ - أبو بكر أحمد بن على بن أحمد العلثى أحد المشهورين بالصلاح والزهد. صحب الوالد السعيد سنين، يسمع درسه والحديث منه، فعادت بركته عليه. فصار عالما زاهدا عابدا. فظهر له فى الناس القبول والمحبة وإجابة الدعاء. وكان فى حداثته يعمل صنعة الجص والاسفيداج. ويتنزه من عمل الصور والنقوش، وينهى الصناع عن ذلك. وحكى لى: أنه لما دخل إلى دار بعض السلاطين مكرها، مع جملة من الصناع، أنه أدخل إلى بيت فى دار تعمر. وكان فى البيت صور من الاسفيداج مجسمة. فقيل له: تعمل فى هذا البيت؟ فقال: نعم. فلما خرجوا عنه وخلا بنفسه أخذ الفأس، وعمد إلى الأداة التى تكون للصناع للعمل، وكسر الصور كلها بها. فلما جاء العرفاء ورأوا ما فعل: استعظموا ذلك منه. وقيل له: كيف أقدمت على فعل هذا فى دار هذا السلطان، وقد أنفق على هذه مالا؟ فقال: هذا منكر. والله أمر بكسره، والآن قد فعلت ما تعين على من الانكار، أو كلاما هذا معناه فانتهى أمره إلى السلطان، وقيل له: هذا رجل صالح مشهور بالديانة، وهو من أصحاب ابن الفراء. فقال: يخرج ولا يتكلم، ولا يقال له شئ يضيق به صدره. ولا يجاء به إلى عندنا. فلما أخرج ترك عمل الجص، ولازم المسجد يقرئ القرآن، ويؤم الناس. وكان له عقار قد ورثه عن أبيه، فكان يبيع منه شيئا فشيئا يتقوت به. وكان عفيفا لا يأخذ من أحد شيئا، ولا يطلب ولا يسأل أحدا حاجة لنفسه من أمر الدنيا، مقبلا على نفسه وشأنه، مشتغلا بعبادة ربه، كثير الصوم والصلاة وكان يذهب بنفسه فى كل ليلة إلى دجلة ويحمل فى كوز له الماء، ليفطر عليه وبان من كراماته غير قليل.

стр. 687

أخبرنى من أثق به من أصحابى: أنه كان لبعض أهله صبى صغير، وأنه ظهر به وجع فى حلقه ورقبته، وخافوا على الصبى منه، وأنه أخذه وحمله إلى هذا الشيخ الصالح أحمد ﵀. فقرأ شيئا عليه من القرآن، ونفث عليه من ريقه فزال ما كان بالصبى بإذن الله تعالى بعد يوم أو يومين. ولم يحتج إلى علاج بعد هذا وكان هذا الشيخ ممن نفعه الله تعالى بصحبة الوالد السعيد. وكان متواضعا، يحمل ما يحتاج إليه من الخبز وغيره من حوائجه بنفسه، ولا يستعين بأحد ممن يعرفه، مسارعا إلى قضاء حوائج المسلمين عند الناس أجمعين. وحج مرارا. وزار النبى ﷺ . فلما كان فى شوال من سنة ثلاث وخمسمائة: خرج عازما على الحج. فبلغنا فى يوم الأحد ثامن عشر المحرم من سنة أربع وخمسمائة أنه وصل إلى عرفات يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجة من سنة ثلاث وخمسمائة. وكان قد وقع عن الجمل فى الطريق دفعتين. وكان معه بقية ألم من الوقوع، وأنه شهد عرفة محرما يوم الأربعاء. فتوفى عشية ذلك اليوم على جبال عرفات (١) محرما. فحمل إلى مكة وطيف به حول البيت. ودفن فى يوم النحر. وهو يوم الخميس بمقبرة أهل مكة عند قبر الفضيل بن عياض الزاهد. فكفاك بهذه الوفاة فضيلة وشرفا. فلما صح ذلك عندنا: حصل النداء عليه، وخصوا المسجد الجامع للصلاة عليه صلاة الغائب. فحضر الناس وأصحاب دولة الإمام المستظهر بالله أمير المؤمنين، أدام الله توفيقه. وتقدم بعض أصحاب الوالد السعيد إماما للصلاة عليه. وصليت أنا عليه فى مسجدى بباب المراتب لعذر. وصلّى معى جماعة. وكذلك صلّى عليه فى المسجد الجامع من الجانب الغربى. وحكى لى أنه كان إذا حج زار القبور بمكة، ويجئ إلى عند قبر الفضيل

стр. 688

ابن عياض، ويخطط بعصاه الأرض، ويقول: يا رب ههنا، يا رب ههنا. فاستجاب الله له. ﵀ وإيانا وجميع المسلمين. ٦٩٨ - أبو الفتح محمد بن علي بن محمد الحلوا كان قد شاهد الوالد السعيد، وتفقه على صاحبيه: القاضى أبى على، والشريف أبى جعفر. ودرس فى المسجد الذى كان يدرس فيه الشريف أبو جعفر. ومات فى ذى الحجة سنة خمس وخمسمائة. ٦٩٩ - جعفر بن الحسن المقرئ الدرزيجانى كان زاهدا، أمّارا بالمعروف. وشاهد الوالد السعيد، وتعلم منه أشياء. وتعلم من تلميذه الشريف أبى جعفر. وختم القرآن لخلق كثير. وكان مداوما للقيام والتهجد بالليل. وله ختمات كثيرة يختم كل ختمة منها فى ركعة (١). وكانت وفاته - على ما حكى لى - فى الصلاة، وهو ساجد فى شهر ربيع الآخر من سنة ست وخمسمائة. ودفن بداره بدرزيجان. ومضيت إلى هناك وصليت على قبره. ٧٠٠ - على بن محمد بن على أبو منصور بن الأنبارى تفقه على الوالد السعيد. وسمع منه الحديث الكثير. وكان أحد الشهود العدول. شهد عند قاضى القضاة محمد بن على بن محمد الدامغانى، ومحمد بن المظفر الشامى، وعلى بن محمد الدامغانى. وولى القضاء بربع باب الطاق.

стр. 689

وكان يعظ فى جامع المنصور وجامع القصر. ويشهد ويحكم. وكان ينشر السنة فى مجالسه. وحدث عن الوالد السعيد بكثير من سماعاته ومصنفاته. ومات فى جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة. وصليت عليه إماما بجامع المنصور فى المقصورة. وشيعته إلى مقبرة إمامنا أحمد رحمة الله عليه. ٧٠١ - أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد، المعروف بابن المخلطى سمع من الوالد السعيد الحديث الكثير. وحدث عنه. وكتب الخلاف وغيره من من مصنفات الوالد. وقرأ القرآن على ابن الصلحى. وكان ثقة صالحا. ومات فى جمادى الأولى سنة ثمان وخمسمائة. وصليت عليه إماما، وشيعته إلى مقبرة إمامنا أحمد رحمة الله عليه. ٧٠٢ - الشيخ أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذانى كان مولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. ومات فى جمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة. ٧٠٣ - أبو القاسم يحيى بن عثمان بن الشوا سمع من الوالد السعيد الحديث، وحضر درسه. ونسخ معظم كتبه، وصليت عليه إماما فى المصلى يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة اثنتى عشرة وخمسمائة، ودفن فى مقبرة إمامنا أحمد ﵁. ٧٠٤ - أبو سعد المبارك بن على المخرمى. سمع الوالد السعيد، وابن المهتدى، وجدى جابرا، وابن المأمون، وابن النقور، وغيرهم. ودرس الفقه على صاحبى الوالد الإمام: أبى على يعقوب، وأبى جعفر عبد الخالق

стр. 690

ودرس وأفتى، وقبلت شهادته. وولى قضاء باب الأزج. كانت سيرته جميلة، وعشرته مليحة. وقيل: إن مولده سنة ست وأربعين وأربعمائة. وكان بينى وبينه امتزاج. واجتمعنا فى مجلس الشريف أبى جعفر للدرس. غفر الله له. وختم القرآن لخلق كثير. وكان مداوما للصيام والتهجد بالليل. وتوفى فى ليلة الجمعة ثانية عشر محرم سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. وصلّى عليه فى عدة مواضع، دفعتان بجامع القصر الشريف، كنت أنا الإمام فى إحداها، ودفن بالقرب من قبر إمامنا أحمد رحمة الله عليه، وكان دفنه قبل صلاة الجمعة فى يوم الأحد ثانى عشر الشهر المقدم ذكره. وكان مليح المناظرة ٧٠٥ - قاضى القضاة على بن محمد بن عقيل الفقيه البغدادى. كان مولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. ومات فى يوم الجمعة ثانى عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. وهو أبو الوفاء على بن عقيل البغدادى. ٧٠٦ - أبو البركات طلحة بن أحمد بن طلحة قرأ على الوالد الخصال، وسمع منه الحديث الكثير، ومن الجوهرى ومن بعده وحضر درس الفقه، وقال لى: أقرأ فى كل أسبوع ختمتين. ودفن فى يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة اثنتى عشرة وخمسمائة، وصليت عليه إماما فى المصلى. ودفن فى مقبرة عبد العزيز. فنضر الله وجه إمامنا أحمد، ووالدنا محمد، وسلفنا الذين سلكوا مسلكهما وألبسهما التبجيل وحلل الإكرام، وبحبحهم وجميع أئمة المسلمين من أهل السنة

стр. 691

والدين جنات الفردوس من دار السلام، وصان فى الدنيا أقدار إخوانهم وأحبابهم المائلين إليهم من جميع أوليائهم وورّاثهم، ومنّ علينا وعليهم بمرافقة الأنبياء والأولياء، والحلول فى أعالى درجات أفنيتهم، مع المنعم عليهم من الصديقين، والعلاة القدر من الصالحين والشهداء. وإياه أسأل أن يتطوّل علىّ وعلى والدى وإخوانى، ومن كان على اعتقادى فى طلب مرضاته: بدوام النشاط، وفى الاعتماد على حقائق موافقته بتواتر الاغتباط، وأن يهب لى ولهم اتصال الجد فى السعى إلى يوم الورود واللقاء، وحلول دار السرور والبقاء، فى جوار المصطفى من صفوة المخلصين، المجتبى من خيار العظماء، محمد نبينا أفضل السفراء، وأوجه المستحفظين الأمناء، صلوات الله عليه وعلى آله، وعلى سائر ملائكته، والمصطفين من أهل ولايته. والحمد لله رب العالمين، وولى المؤمنين، كما ينبغى لعظمة جلاله وعزه، وبهاء جماله، والسلام على من اتبع الهدى، وآثر ضياء الرشد على ظلم الردى. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. انتهت كتابته بمكة المكرمة، تجاه باب الكعبة المعظمة، على يد الفقير إلى عفو الله، والملتجئ إلى حرم الإله: عبد القادر بن عبد الوهاب بن عبد المؤمن القرشى. عفا الله عن زلاته، وتجاوز عن سيئاته، وعفا عنه وعن والديه، ومشايخه وأحبابه، وإخوانه فى الله وأودّائه. وعصمه وإياهم من الخطأ والخطل، والزيغ والزلل، والخلق الغبى، والتعصب المذهبى. وصلّى الله على محمد وآله وصحبه وعترته وحزبه، وحسبنا الله ونعم الوكيل فى ٧ شعبان المكرم سنة ٨٧٤ أحسن الله تقضيها.

стр. 692

وأصل هذه الصورة الفوطوغرافية موجود بمكتبة ينى جامع باستانبول تحت رقم ٨٦٦. وكان بيدنا نسخة أخرى جديدة الكتب، تكرم بها السلفى الصالح الشيخ محمد نصيف، الناشر لعلم السلف. قد اتخذناها مسودة؛ لأن كاتبها معصرى تركى لا يفقه فى العلم شيئا، حتى كان يحرف البديهيات. وكان الفراغ من طبعه فى ختام شهر شوال سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف من هجرة رسول الله ﵌، بمطبعة السنة المحمدية. وقد حرصت على إبرازها على أدق ما أمكننى من التحقيق والتصحيح. وهذه الطبقات: تعطى صورة لما كان عليه تفكير الناس فى هذا العصر، الذى يعتبر من أول عصور الانحلال فى المسلمين، بسبب ما غلب عليهم من التقليد والعصبية المذهبية، وما شاع فيهم من أوهام الصوفية، حتى كان من أبرز ما يعتمدون عليه المنامات والرؤى، والأخبار التى يتلقفونها من أفواه العامة وأشباههم بدون تحقيق ولا تمحيص، ذلك: أن رءوسهم لم تكن بالقوة والاتزان الذى كان عند الصحابة والتابعين ﵃، ولا عند جهابذة المحققين من المتأخرين، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم رحمهما الله. فلقد كان لذلك الضعف فى التفكير، ولهذا التقليد والعصبية المذهبية آثار ستلمسها فى ثنايا هذه الطبقات، إذا حرصت على الاستمساك بالميزان العادل: من كتاب الله، وسننه الكونية، وهدى رسوله ﵌. وفقنا الله وإياك لذلك. وغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وطهر قلوبنا من كل غل على أحد من المؤمنين الحاضرين والسابقين، وصلّى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله أجمعين. وكتبه فقير عفو الله ورحمته محمد حامد الفقى