← Тараджим

Тараджим · id 9543

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي

أبو الحسين ابن أبي يعلى

Полный текст (692 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وصلّ الله ما حباه من النع … ماء بنعماه فى جنان المقام فلم يزل جاريا على سديد القضاء، وإنفاذ الحكم والأوصياء، إلى أن توفى. وكان الوالد السعيد قد رد القضاء بباب الأزج إلى الجيلى، وجعل صاحبه أبا على يعقوب مشرفا عليه. فلما تبين له من حال الجيلى الاختلال عزله. ثم رد النظر فى عقد الأنكحة والمداينات بباب الأزج إلى تلميذه أبى على يعقوب. واستناب أبا عبد الله بن البقال فى النظر فى العقار بباب الأزج. واستناب بدار الخلافة ونهر المعلّى أبا الحسن السيبى. ولو ذهبت أشرح قضاياه السديدة: لكانت كتابا قائما بنفسه. ومعلوم ما خص الله سبحانه هذا الوالد السعيد من النعم الدينية، والرتب السامية العلية، وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره. لا يعرف فى شرق الأرض وغربها شخص يتقدم فى علم مذهبه عليه، أو يضاف فى ذلك إليه هذا مع تقدمه فى هذه البلدة على فقهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده فى المرويات. ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملى حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسى عبد الله بن إمامنا أحمد ﵁، وكان المبلغون عنه فى حلقته، والمستملون ثلاثة. أحدهم: خالى أبو محمد جابر والثانى: أبو منصور بن الأنبارى. والثالث: أبو على البردانى. وأخبرنى جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء: أنهم سجدوا فى حلقة الإملاء على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام فى صلاة الجمعة، فى حلقة الإملاء. وما رأى الناس فى زمانهم مجلسا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير، والعدد الكثير. وسمعت من يذكر: أنه حزر العدد بالألوف. وذلك مع نباهة من حضر من الأعيان، وأماثل هذا الزمان، من النقباء، وقاضى القضاة والشهود والفقهاء. وكان

стр. 632

يوما مشهودا. والناس إذ ذاك يسمعون، والكتبة يكتبون، وبالنظر إليه يتبركون وبفضله يقرون ويشهدون. وحضرت أنا أكثر أماليه بجامع المنصور. وأجاز لى إجازة ولأخى أبى حازم حفظه الله. سأله الإجازة لنا خالنا أبو محمد ابن جابر، فأجاز لنا فى مرضه لفظا. حدثنا الوالد السعيد - إملاء من لفظه وأصله يوم الجمعة بعد الصلاة، بجامع المنصور، فى التاسع والعشرين من ذى القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة. قال: حدثنا أبو الحسين بن أخى ميمى. قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى قال: حدثنا أبو روح محمد بن زياد بن فروة البلدى قال: حدثنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال «كنا عند رسول الله ﷺ . فنظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: إنكم سترون ربكم عيانا، كما ترون هذا لا تضامون فى رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب - وقرأ (٣٩:٥٠ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)﴾» قال لنا الوالد السعيد: هذا الحديث صحيح. أخرجه البخارى عن يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعى عن ابن شهاب، وكأنى سمعته من البخارى وقد امتدح بعض أهل العلم الوالد السعيد بأبيات، منها: الحنبليون قوم لا شبيه لهم … فى الدين والزهد والتقوى، إذا ذكروا أحكامهم بكتاب الله، مذ خلقوا … وبالحديث، وما جاءت به النذر إن الإمام أبا يعلى فقيههم … حبر عروف بما يأتى وما يذر صل، فاقتدر، فلك المسطور إن فخروا … ما نائم مثل يقظان به سهر ومعلوم ما كان عليه شيوخ عصره، وعلماء وقته، من بين موافق ومخالف من توقيرهم له فى حداثة سنه، وسالف دهره، وأنه كان إذ ذاك معدودا من الأماثل

стр. 633

والأعيان، وشيوخ العلماء وذوى الأسنان، الذين قد شحّ بهم الزمان. وذلك عند معرفتهم بعلمه وديانته، وتقدمه فى النظر والتحقيق، وتخصصه بسلوك أحسن طريق. وإنما يعرف الفضل لأهله من كان فى نفسه فاضلا، ويشهد بالعقل لأهله من كان فى نفسه عاقلا. وقد قيل: نقد الجوهر أشد عوزا من الجوهر. كان الوالد السعيد متميزا بالزهادة على كافة أهل العلم قلما، ونقل فى طلبه قدماء. كما قال عمر لسلمان ﵉ حين دوّن الدواوين، «مع من تريد أن أكتبك؟ قال: مع الذين لا يريدون علوّا فى الأرض ولا فسادا» كان فى قناعته كما قال أبو حمزة الصوفى: كنت إذا أصابتنى فاقة قلت فى نفسى: إلى من أهدى هذه الفاقة؟ ثم فكرت، فلم أجد أحق بها منى، فطويتها. والأبيات مشهورة فى المعنى. إذا شئت أن تستقرض المال منفقا … على شهوات النفس فى زمن العسر فسل نفسك الإقراض من كيس صبرها … عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن فعلت كنت الغنى، وإن أبي … ت فكل نوع عندها واسع العذر وقال: كتب أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزى الحافظ من مكة - حياها الله - كتابا. ذكر فيه أبياتا جوابا عن كتابه، فقال: كتابك سيدى لما أتانى … سررت به، وجدد لى ابتهاجا وذكرك بالجميل لنا جميل … يقلدنا، ولم نمزج مزاجا جللت عن التصنع فى وداد … فلم نر فى توددك اعوجاجا وقد كثر المداجى والمرائى … فلا تحفل عن راءى وداجا حييت معمرا، وجزيت خيرا … وعشت لدين ذى التقوى سراجا وناهيك بأبى نصر السجزى، مع علمه ودينه وزهده. ولعمرى لقد حاز الوالد السعيد من الفضل ما عسى أن يعجز عنه كثير من

стр. 634

الأقران، وعدد من ذوى الأسنان: من ضبط العلوم بحسن بصيرة وإتقان. وتدقيقا فى الكشف عن غوامض المذهب وخافيه، والبيان عن معانيه. وهو مع ذلك - إلى حين وفاته - مع كبر السن مجتهد دائب على التنصيف والتدريس مواظب. ثم إصغاؤه - مع هذا العلم الكثير - إلى كلمة تستفاد من صغير أو كبير، ولو قصد قاصد تعداد كتبه ومصنفاته، وتأمل ما قرره من الأدلة على غوامض مذهبه، ومسائل مفرداته لعسى أن تلحقه السآمة فى حسابه، والمشقة فى استيعابه، ولو اقتصر من يقصد العدل والإنصاف على النظر فى كتابه الذى صنفه فى مسائل الخلاف: لدله على منزلته من العلم دليل كاف. ومعلوم ما خصه الله تعالى به - مع موهبة العلم والديانة - من التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه لأبواب السلاطين، وامتناعه على ممر السنين: أن يقبل لأحد منهم صلة وعطية. ولم تزل ديانته ومروءته لما هذا سبيله أبيّة. وكان يقسم ليله كله أقساما. فقسم للمنام. وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام. ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التى استكان لها كثير من ذوى المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات. فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته. ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار مع السكون والسمت الصالح، والعقل الغزير الراجح: شهد له بالدين والفضل ضرورة. واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة. هذا مع الأناة والحلم، الذى به يزان العلم، وحمله للأذى فى جنب الإيمان، والتصديق بالأحاديث التى هى عن صاحب الشريعة ﷺ مروية. وكم قصده من أعداء المروءة والدين من قاصد باغ، ومبتدع طاغ، جامع فى إزعاجه

стр. 635

ومنفر عن منهاجه. فعاد خاسئا ذليلا، وبحسرة الظفر قتيلا (سنة الله فى الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا) وقد أنشد بعض الشعراء فى مثله: تلك المكارم، لا قعبان من لبن … شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا فأما عدد أصحابه، الذين سمعوا منه الحديث: فالعدد الكثير، والجم الغفير منهم: أحمد بن على بن ثابت، وعبد العزيز العاصمى النخشبى، وعمر بن أبى الحسن الدهستانى الخياط، وهبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، وإسحاق بن عبد الوهاب بن منده الحافظ المقرئ، ومكى بن بجير الهمدانى، وعمر الأرموى، وأحمد بن الحسن بن خيرون، وأبناء خاله: أبو طاهر، وأبو غالب، وأبو الحسين ابن الطيورى، وأبو على البردانى، وأبو الغنائم بن النرسى الكوفى، وأبو بكر القطان المقدسى، وأبو منصور الخياط، وأبو منصور القرميسينى، وأبو منصور ابن الأنبارى، ومحمد بن عمارة العكبرى، ومحمد بن أحمد بن أحمد بن مردين، وأبو العباس المخلطى، وأحمد بن العلثى، وأبو بكر، وأبو الحسين ابنا ابن يوسف، وابنا عمهما أبو محمد، وأبو الحسن بن رضوان، وابنا عمه: أبو نصر، وأبو الحسين، وأبو جعفر الأصفهانى، وأبو الكرم المبارك بن فاخر النحوى، وأخوه أبو عبد الله ابن الدباس، وأبو طاهر، وأبو القاسم ابنا البلدى، وأبو نصر ياسر، وأبو العز العكبريان فى آخرين. فأما الذين تفقهوا وعقلوا، وسمعوا الحديث: فأبو الحسين البغدادى، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغبارى، وأبو الغنائم بن زبيبا، وأبو على بن البناء، وأبو الوفا بن القواس، والقاضى أبو على البرديني، والقاضى أبو الفتح بن جلبة، وعلى بن عمرو الضرير الحرانى، وأبو ياسر بن الحصرى (١)، وأبو عبد الله الأنماطى، والحسين بن البردانى، وأبو الحسن النهرى أبو الفتح، وأبو البركات بن

стр. 636

شبلى، وأبو محمد شافع، وأبو الوفاء بن عقيل، وطلحة العاقولى، ومحفوظ الكلوذانى وأبو الحسن بن ظفر العكبرى، وأبو الفرج المقدسى، وأبو الحسن بن زفر العكبرى وأبو عبد الله البردانى، وأبو الحسن بن ركاب، وأبو عبد الله الباجسرائى، وأبو يعلى بن الكيال، وجعفر الدريحانى، والأخ أبو القاسم، وغيرهم ممن يشق إحصاء أسمائهم فأما عدد مصنفاته: فكثيرة. فنشير إلى ذكر ما يتيسر منها. فمن ذلك: أحكام القرآن، ونقل القرآن، وإيضاح البيان، ومسائل الإيمان والمعتمد، ومختصر المعتمد، والمقتبس، ومختصر المقتبس، وعيون المسائل، والرد على الأشعرية، والرد على الكرامية، والرد على الباطنية، والرد على المجسمة، والرد على ابن اللبان، وإبطال التأويلات لأخبار الصفات، ومختصر إبطال التأويلات، والانتصار لشيخنا أبى بكر، والكلام فى الاستواء، والكلام فى حروف المعجم والقطع على خلود الكفار فى النار، وأربع مقدمات فى أصول الديانات، وإثبات إمامة الخلفاء الأربعة، وتبرئة معاوية، والرسالة إلى إمام الوقت، وجوابات مسائل وردت من الحرم، وجوابات مسائل وردت من تنيس، وجوابات مسائل وردت من ميّافارقين، وجوابات مسائل وردت من أصفهان، والعدة فى أصول الفقه، ومختصر العدة، والكفاية فى أصول الفقه، ومختصر الكفاية، والأحكام السلطانية، وفضائل أحمد، ومختصر فى الصيام، وإيجاب الصيام ليلة الإغمام، ومقدمة فى الأدب، وكتاب الطب، وكتاب اللباس، والأمر بالمعروف، وشروط أهل الذمة، والتوكل، وذم الغناء، والاختلاف فى الذبيح، وتفضيل الفقر على الغنى، وفضل ليلة الجمعة على ليلة القدر، وتكذيب الخيابرة فيما يدعونه من إسقاط الجزية، وإبطال الحيل، والفرق بين الآل والأهل، والمجرد فى المذهب، وشرح الخرقى، وكتاب الروايتين، وقطعة من الجامع الكبير، فيها الطهارة وبعض الصلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق، والجامع

стр. 637

الصغير، وشرح المذهب، والخصال والأقسام. وفيه يقول بعضهم: قد نظرنا مصنفات الأنام … وسبرنا شريعة الإسلام ما رأينا مصنفا جمع العلم … مع الاختصار والإفهام مثل ما صنف الإمام أبو يع … لى كتاب الخصال والأقسام ومن مصنفاته: الخلاف الكبير ومن نظر فى تصانيفه حقيقة النظر: علم أن ما وراءه مراما ولا مقالا، إلا ما يدخل على البشر من التقصير عن الكمال، ويخرج به العالم عن منازل الأنبياء ويتميز به المتأخر عن مراتب أهل التقدم من العلماء فلقد حمل الناس عنه علما واسعا من حديث رسول الله ﷺ ، ومن الأصول والفروع وهو مستغن باشتهار فضله عن الإطناب فى وصفه؛ لأنا رأينا البلغاء قد وصفوا فقصروا، والعلماء قد مدحوا فأكثروا. وكل يطلب أمده فيعجزون. إذ كان الله قد رزقه حفظ القرآن، والقراءة بالعشر، والعلم بالحلال والحرام، والأحكام والفرائض، وعلم الأصول والفروع. ورزقه من شرف الأخلاق وكرم الأعراق، والمجد المؤثل، والرأى المحصل، والفضل والفهم، والإصابة والعزيمة الصافية، والمعرفة الشافية، والتفرد بكل فضيلة، والسمو إلى كل درجة رفيعة، من محمود الخصال، والزهد والكمال: ما يطول شرحه، حتى لم يكن له شبيه فى وقته، ولا نظير فى فهمه. ولا يجارى فى حكمه. ولم تقع أبصار أهل زمانه على مثله؛ لأن طينته حرة، وعرقه كريم، وغرسه طيب، ومنشؤه محمود وكانت أفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وأوله كآخره. لا يمتنع عليه معرفة المبهم الغامض من الأمور، ولا يتلجلج اشتباه المشكل الصعب فى الصدور ولا يعرف الشك ولا العى، ولا الحصر عند مناظرة المخالفين والموافقين، ومجادلة المتكلمين، وسائر الفقهاء المختلفين

стр. 638

وقد كان يحضر مجلس أبى جعفر اليمانى فى منزله، ويحضره شيوخ الفقهاء والمتكلمين المتباينين فى الأصول والفروع. فتحضر صلاة الظهر والعصر، فيتأخر الكل ويأتون بصلاته فلنذكر الآن تبيين منهج السلف، وما أمروا بأدائه إلى الخلف. وهو الذى درج عليه الوالد السعيد - قدس الله روحه وأرواحهم - لبعضهم بمعونة الله، وتجتنب ما ذم أهل البدع بسببه، راجين بذكره جزيل الثواب، متوقين الخروج عن الصواب، بعد تعريفك ما عسى أن تلفاه من ذوى الخلاف والعناد، من الأذى إذا تحققوا معرفتك، لما هم عليه من الفساد. والمحق مأمور بالصبر لينال به جزيل الأجر. وقدمناه أولا فى نكتتين، من أتقنهما ولزمها أدرك سعادة الدارين. وما نذكره بعدهما إنما نريد به شرحهما إحداهما: ترك ما تراه، لما أمرت به، مع تبيين الأمر المتمسك بموجبه والثانية: قلة الاكتراث بكثر المبطلين وتهجينهم ما درج عليه الوالد السعيد والسلف الصالح الرشيد، مع سخاء النفس عما قالوه من قبول عند أمثالهم، ووصول إلى بعض آمالهم فإذا ألزمت نفسك الأخذ بهاتين النكتتين: عوّضت عما تركت سكونا إلى ما عرفت، والثقة بنيل ما به وعدت، وهابك مخالفك، وإن كنت وحيدا، وكنت عند الله ، ثم عند صالحى عبيده حميدا فلنذكر الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد، ومن قبله من السلف الحميد، فى أخبار الصفات فاعلم - زادنا الله وإياك علما ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة على آراء المتكلمين، وأهواء المتكلفين: - أن الذى درج عليه صالحو السلف، وانتهجه بعدهم خيار الخلف: هو التمسك

стр. 639

بكتاب الله ، واتباع نبيه محمد ﷺ ، ثم ما روى عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين. والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث والتنفير، والتسليم لذلك، من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. وهى الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر - والوالد السعيد تابعهم - هم خلفاء الرسول، وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته. بهم يلحق التالى، وإليهم يرجع العالى. وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهة جهال، ونسبوهم إلى الحشو والطغام، وأساءوا فيهم الكلام. فاعتقد الوالد السعيد وسلفه - قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة تعود علينا - فى جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ : أن جميع ذلك صفات الله تمرّ كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات البارى سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، لها حقيقة فى علمه، لم يطلع البارى سبحانه على كنه معرفتها أحدا من إنس ولا جان واعتقدوا: أن الكلام فى الصفات فرع الكلام فى الذات، ويحتذى حذوه ومثاله، وكما جاء وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات البارى سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، هكذا اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سلفه من الأئمة: أن إثبات الصفات للبارى سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والرواية والأصل الذى اعتمدوه فى هذا الباب: اتباع قوله تعالى (٨:٣ ﴿وَما يَعْلَمُ

стр. 640

تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ. وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ)﴾ وقال تعالى (١١٠:٢٠، ١١١ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)﴾ فاعتقدوا: أن البارى : فرد الذات، متعدد الصفات. لا شبيه له فى ذاته، ولا فى صفاته، ولا نظير ولا ثانى. وسمعوا قوله ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، تسليما للقدرة، وتصديقا للرسل، وإيمانا بالغيب واعتقدوا: أن صفات البارى سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو. واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق بها سائر الموصوفين. فهم بها مؤمنون. وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون. لا يجوز عندهم ردها، كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه، كما حملته المشبهة، الذين أثبتوا الكيفية. ولا تأولوها على اللغات والمجازات، كما تأولتها الأشعرية. فالحنبلية لا يقولون فى أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين. مذهبهم: حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفى التشبيه والأدوات. إذ لا مثل للخالق سبحانه مشبه، ولا نظير له فيجنس منه. فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه (١١:٤٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)﴾. وفى رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا علم الصلاة والزكاة والحج وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله. ولو تطرق إليهم - والعياذ بالله - التخرص

стр. 641

بشئ منها: لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقلوه. وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا. وقد أجمع علماء أهل الحديث - والأشعرية منهم - على قبول هذه الأحاديث. فمنهم من أقرّها على ما جاءت. وهم أصحاب الحديث. ومنهم من تأولها. وهم الأشعرية. وتأويلهم إياها قبول منهم لها، إذ لو كانت عندهم باطلة لا طرحوها، كما اطرحوا سائر الأخبار الباطلة. وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال «أمتى لا تجتمع على خطأ ولا ضلالة». وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. هو قول السلف بدءا وعودا. وهو الذى ذكره أمير المؤمنين القادر - رضوان الله عليه - فى الرسالة القادرية قال فيها: «وما وصف الله سبحانه به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ : فهو صفات الله ، على حقيقته، لا على سبيل المجاز» وعلى هذا الاعتقاد: جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - من حضره مع الوالد السعيد من علماء الوقت، وزاهدهم: أبو الحسن القزوينى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وأخذ خطوطهم باعتقاده. وقد قال الوالد السعيد ﵁ فى أخبار الصفات: المذهب فى ذلك: قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شئ سواه، وكل ما يقع فى الخواطر من حد أو تشبيه، أو تكييف: فالله عن ذلك. والله ليس كمثله شئ، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حدثهم. ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال. ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنه لم يزل، ولا يزال. وأنه الذى لا يتصور

стр. 642

فى الأوهام. وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. واما كتابه - قدس الله روحه - فى إبطال التأويلات لأخبار الصفات: فمبنى على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات: لا يقتضى تشبيه البارى سبحانه بالمخلوقات. وذكر - رحمة الله عليه - كلاما معناه: أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين: إما أن يكونوا هم الذين ابتدءوا الصفة لله واخترعوها، أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه فى الأحاديث التى هم ناقلوها. فأما أن يكون صاحب الشريعة ﷺ هو المبتدئ بهذه الأحاديث، وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها. وهم تبع له. ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات، ونفى التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟. وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون فى أصول الدين على كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ . ونحن نجد فى كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات. ولا نجد فيهما ذكر التشبيه. فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟. ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات، من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم فى ذلك التشبيه: إجماع الطوائف - من بين موافق للسنة ومخالف - أن الباري سبحانه ذات، وشئ، وموجود. ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم، ولا جوهر، ولا عرض. وإن كانت الذات فى الشاهد لا تنفك عن هذه السمات. وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف فى الشاهد فى أخبار الصفات. يبين صحة هذا: أن الباري سبحانه موصوف بأنه: حى عالم، قادر مريد،

стр. 643

والخلق موصوفون بهذه الصفات. ولم يدل الاتفاق فى هذه التسمية على الاتفاق فى حقائقها ومعانيها، هكذا القول فى أخبار الصفات. ولا يلزم عند تسليمها - من غير تأويل - إثبات ما يقتضيه الحد والشاهد فى معانيها. وبهذا ونظيره استدل الوالد السعيد - رحمة الله عليه - فى كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات». فأما الرد على المجسمة لله: فيرده الوالد السعيد بكتاب. وذكره أيضا فى أثناء كتبه فقال: لا يجوز أن يسمى الله جسما. قال أحمد: لا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه. قال الوالد السعيد: فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم، من التأليف والانتقال: فهو كافر. لأنه غير عارف بالله . لأن الله سبحانه يستحيل وصفه بهذه الصفات. وإذا لم يعرف الله سبحانه: وجب أن يكون كافرا. وهذا الكتاب عدة أوراق. واعلم أن الله سبحانه اصطفى رسلا من خلقه، فبعثهم بالدعاء إليه، والصبر على ما نالهم من جهلة خلقه، وامتحهم من المحن بصنوف من البلاء، وضروب من المحن واللأواء. وكل ذلك تكريما لهم غير تذليل، وتشريفا غير تخسير ولا تقليل. وكان أرفع رسله عنده منزلة: أشدهم اجتهادا، وأخذا فى إمضاء أمره، مع البلية بأهل دهره. قال الله لنبيه ﷺ ﴿٣٥:٤٦ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى (١٧:٣٨ ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ)﴾ وقال له ﷺ ولأتباعه. (١٤٢:٣ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)﴾ وقال (١:٢٩ - ٣ ﴿الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ

стр. 644

يَقُولُوا: آمَنّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ)﴾ فلم يخل - جل ثناؤه - أحدا من مكرّمى رسله وأنبيائه، ومقربى أصفيائه وأوليائه، من محنة فى عاجلته دون آجلته، يستوجب بصبره عليها ما أعد له من الدرجات التى قسم مصيره إليها. وجعل سبحانه علماء الأمم الماضين خلفاء أنبيائهم المرسلين، والقوّام بما جاءوا به من الدين، يرحضون عن أحكامه، ويحامون عن حدوده وأعلامه، يدفعون عنه كيد الشيطان، ويحرسونه من الترك والنسيان. لا يصدهم عن التمسك بالحق، ولا يثنيهم عن التعطف على الخلق: سوء ما به ينالون، توخيا لثواب الله الذى له يطلبون، وفيه يرغبون. ثم جعل سبحانه علماء هذه الأمة أفضل علماء الأمم قسما، وأوفرهم من الخيرات حظا. أعدّ لهم الكرامات. وقسم لهم المنازل والدرجات، مع ابتلائه سبحانه لمؤمنيهم بالمنافقين، ولصادقيهم بالمكذبين، ولخيارهم بالأشرار، ولصالحيهم بالفجار، وللأماثل الرفعاء بأوضع السفهاء. فلم يكن يثنى العلماء ما يلقونه من الأذى عن القيام بحقوق الله تعالى فى عباده، وإظهار الحق فى بلاده. ولقد كان الوالد السعيد - نضر الله وجهه - ممن سلك به هذه الطريق، عند ما ابتلى به من أذية هذا الفريق، وقد قال رسول الله ﷺ «طوبى للغرباء، طوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل، بين ناس سوء كثير. من يبغضهم أكثر ممن يطيعهم» رواه عبد الله ابن عمرو ﵄. ومن تظاهر بانكار البدع: فسبيله أن يصبر على أذية المخالفين، محتسبا عند الله . وقد روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المؤمن موكل به أربعة: مؤمن يحسده، وفاسق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يكيده».

стр. 645

وقال الحسن البصرى «ما كان مؤمن قط فيما مضى، ولا يكون مؤمن فيما بقى، إلا إلى جنبه منافق يؤذيه» وروى خباب بن الأرتّ ﵁ أن النبى ﷺ قال «أيها الناس، اتقوا الله. فو الله إن كان الرجل من المؤمنين من قبلكم ليوضع المئشار على رأسه، فيشق بنصفين، وما يرده عن دينه. فاتقوا الله. فإن الله فاتح عليكم، وصانع لكم» وروى أبو موسى ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال «ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له ولدا، ويجعلون له صاحبة. وهو يرزقهم، ويعافيهم» أخرجه البخارى وإذا كان الباري يصبر على ما يقول فيه الجاحدون والمشركون. مع قدرته على إهلاكهم وإفنائهم، ومنعهم مما يتفوهون به، لما سبق فى علمه من الاملاء لهم ليزدادوا إثما، والأنبياء ﵈ قد صبروا على ما أوذوا به. والصالحون قد تأسّوا بهم فى ذلك: - فالواحد منا - مع علمه بتقصيره فى كل معنى -: لا ينبغى له أن يقلق لكلمة تسوءه، وإذا كان القيام بالذب عن أهل الحق دينا واحتسابا. فالصبر على ما يصيبه هو من تمام الاحتساب. وقد جاء فى الحديث «إن الرجل ليعطى كتابه يوم القيامة منشورا، فينظر فيه حسنات لم يعملها. فيقول: يا رب، أى شئ هذا؟ فيقول الله : هذا بما اغتابك الناس، وأنت لا تشعر» ويروى عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قال «لولا أنى أكره أن يعصى الله لسرّنى أن لا يبقى فى المصر أحد إلا اغتابنى. وأى شئ أشهى من حسنة يجدها المرء فى صحيفته لم يعملها» وذكر أن شقيقا البلخى فاته ورده فى السحر، فقال له أهله: فاتك قيام الليلة. فقال: إن فات ذلك، فقد صلّى لى من أهل بلخ أكثر من ألف نفس. قالت: كيف؟ قال: باتوا يصلون. فإذا أصبحوا اغتابونى.

стр. 646

وعن بعض السلف أنه قال: إنك إذا لم تنك عدوك إلا بما يثلم به دينك فبنفسك. وقال بشر بن الحارث: لا تعبأ بكلام من تكلم فيك إلا أن يكون تقيا. والتقى لا يقول ما يعرف، فكيف ما لا يعرف؟ وروى عن عطاء بن أبى ميمونة أنه اجتاز بخشبة سعيد بن جبير. فرفع رأسه إلى السماء. فقال: يا رب حلمك عن الظالمين فتت قلوب المظلومين. قال: فغشيه الكرى. فرأى كأن سعيد بن جبير فى الجنة، والحور حوله. وكأن قائلا يقول له: يا عطاء، حلمنا عن الظالمين أورث المظلومين هذا المقام، أو كما قال وما ذكرته من أوصاف الوالد السعيد: فهو كالإشارة إلى ما وراءه. وأرجو أن لا يكون ذلك على سبيل التمادح، لكنه على سبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والرد عن أعراض علماء المسلمين، وحماية المؤمنين من المنافقين قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ «من اغتيب عنده أخوه المسلم. فلم ينصره - وهو يستطيع نصره - أذله الله فى الدنيا والآخرة» وروى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من حمى عرض أخيه فى الدنيا بعث الله ملكا يحمى لحمه عن النار» وقال ﵊ «ما من مسلم - يعنى - يخذل امرءا مسلما فى موطن ينتهك فيه عرضه إلا خذله الله فى موطن يحب نصرته. وما من مسلم ينصر امرءا مسلما فى موطن ينتقص فيه عرضه وتنتهك فيه حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته» وقال ﵊ «لمقام أحدكم فى الدنيا يتكلم بكلمة حق يرد بها باطلا، أو يحق بها حقا: أفضل من هجرة معى». وقال «لأن يهدى الله بهداك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس»

стр. 647

وقال المروذى: قلت لأبى عبد الله - يعنى إمامنا أحمد - ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام فى أهل البدع؟ فكلح وجهه، وقال: إذا هو صام وصلّى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلم كان له ولغيره. يتكلم أفضل فلنذكر الآن وفاة الوالد السعيد توفى ليلة الاثنين، بين العشاءين تاسعة عشر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وصلّى عليه أخى أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور وقيل: إنه لم ير فى جنارة - بعد جنازة أبى الحسن القزوينى الزاهد - الجمع الذى حضر جنازته. فلما أصحر المشيعون لجنازته إلى حفرته بمقبرة إمامنا أحمد: لحقهم الحر الشديد. فأفطر جماعة لم يسمحوا بالرجوع (١). وكان قد حضره عالم كثير جدا يفوت الإحصاء. وقد روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل يموت، فتصلى عليه أمة من الناس يبلغون المائة فيشفعون فيه إلا شفعوا» وروى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المقة من الله ، والصيت فى السماء. فاذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل، إن ربك يحب فلانا فأحبه، فينادى جبريل، فينزل له المقة على الأرض» فلقد انتقض السؤدد بمصابه، وانثلم المذهب بذهابه. فهو كما قيل: اليوم مات نظام الفهم واللّسن … ومات من كان يعدينى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت … شمس المكارم فى غيم من الكفن وكما قيل: وليس نسيم المسك رشح حنوطه … ولكنه ذاك الثناء المخلف وليس صرير النعش ما تسمعونه … ولكنها أصلاب قوم تقصف

стр. 648

وكما قيل: للموت كم يبلى بجدته … فى كل يوم حكيما ماله خلف أصاب قصدا هلالا فى تكامله … وبحر منطقه ما ليس يغترف لم يبله الدهر، ما دامت بدائعه … تطوى على جمعها الأحشاء والصحف ومن نظر فى تصنيفه - قدس الله روحه - ممن له فهم وتيقن، وعلم وتدين: علم أنه يعجز عنه من يروم تصنيف مثله، ويفضح فيه من يتعاطى حذو قوله، إذ كلامه السحر الحلال، والعذب الزلال، والسهل الممتنع، والقريب المستصعب إذ هو نسيج وحده زهدا وأدبا، ورواية وأربا، وفريد عصره سؤددا ونبلا، وفقها وجدلا، فهو كما قيل: مات البديع، وغارت درة الفطن … واستدرج الموت بحر الفضل فى كفن لله درّ المنايا، ما صنعن به … وما تضمنت الأكفان من بدن وكما قيل: تقصت بشاشات المجالس بعده … وودعنا، إذ ودع الأنس والعلم وقد كان نجم العلم فينا حياته … فلما انقضت أيامه أفل النجم وكما قيل: عش ما بدا لك فى الدنيا، فلست ترى … فى الناس منه ولا من علمه خلفا وقال تلميذه على بن أخى نصر، يرثيه: أسف دائم وحزن مقيم … لمصاب به الهدى مهدوم مات بحل الفراء، أم رجّت الأر … ض، أم البدر كاسف والنجوم؟ لهف نفسى على إمام حوى الفض … ل، وهو بالمشكلات عليم خلق طاهر، ووجه منير … وطريق إلى الهدى مستقيم كان للدين عدة، ولأهل الدي … ن عدة فى النائبات خل حميم من يكن للدرس بعدك أم … من لجدال المخالفين يقوم؟

стр. 649

من لفهم الحديث والطرق يس … توضح منه صحيحه والسقيم؟ من لفصل القضاء إن أشكل الحك … م وضجت بالنازلات الخصوم؟ درست بعده المدارس فالعل … م طريد، وحبله مصروم وهكذا يذهب الزمان ويفنى العل … م فيه، ويجهل المعلوم إن قبرا حواك يا أيها الطو … د عجيب رحب الفناء عظيم إن يكن شخصه محته يد الده … ر فذكراه فى الدهور مقيم فنحيا بذكره كل وقت … ومحياه فى التراب رميم آمرى بالسلو، مهلا، ففى القل … ب غرام مبرح ما يريم كلما رمت سلوة هيج الحز … ن صنيع له، وفعل كريم غير أن القضاء جار على الخلق … قضاء من ربهم محتوم فعلى الشامتين خزى مقيم … وعليه الصلاة والتسليم فلنذكر الآن ما رواه الصالحون فى المنام للوالد السعيد من الحباء والاكرام قال رسول الله ﷺ «ذهبت النبوة. فلا نبوة بعدى. وبقيت المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم الحسنة، يراها المسلم، أو ترى له» رواه حذيفة وسأل عبادة بن الصامت ﵁ النبى ﷺ عن قوله تعالى (٦٣:١٠، ٦٤ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ)﴾ قال «هى الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو نرى له» وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رآنى فى المنام فقد رآنى فى اليقظة. إن الشيطان لا يتمثل بى (١)» سمعت سعود الحبشى الصوفى يقول: لم أدرك الصلاة على القاضى الإمام

стр. 650

أبي يعلى بن الفراء. فبقيت ضيق الصدر. فلما كان أول جمعة أتت على موته وأنا مصعد فى الدجلة، قرب الزاهر، إذ دخل شيخ هناك عليه آثار النسك. فقال لى: السلام عليك، ثم قال: أنت سعود مولى ابن يوسف؟ قلت: نعم: قال: إن ألقى إليك شئ تلقيه إلى صاحبك؟ قلت: نعم. قال: رأيت البارحة - وهى ليلة الجمعة - كأنى بائت فى رباط الزوزنى، مقابل جامع المنصور. وقد أقبل عشرة أنفس من نحو باب الشام، يقدمهم شخص لم أر كهيئته. ونوره. فقلت لأحدهم: من أنتم؟ فقال: هذا النبى ﷺ . ونحن العشرة. فقلت: ما الذى جاء به ﷺ وبكم؟ فقال: سل نبيك. فقلت: يا رسول الله، أنت بالمدينة، فما الذى جاء بك؟ فقال: جئت وأصحابى صليت على أبى يعلى ابن الفراء. فقلت له: من أقول لصاحبى الذى رأى هذه الرؤيا؟ فقال: ما عليك. هذا لفظه، أو كما قال (١) وسمعت أحمد بن العلثى الزاهد يقول: رأيت القاضى أبا يعلى بعد وفاته، فى الشهر الذى توفى فيه، فى إحدى ليالى القدر، وقدر ازداد حسنا إلى حسنه ونورا إلى نوره. وكأنه ميت، وهو ملقى على ظهره. فقلت: ما أحسن ما قد صار القاضى وقد جاءوه بماء، أو ماء ورد. فأخذ بإحدى يديه، فأمرها على الجانب الآخر، وأخذ بيده الأخرى فأمرها على الجانب الآخر. فعجبت من ذلك. ثم جاءوه بكفن من حرير، لم مثل حسنه، فأدرج فيه، وحفر له بركة عرضها شبه عرض باريتين. ودفن فى تلك البركة، وخلق عظيم على رأس تلك البركة. فنظرت إذا بالقرب من تلك البركة سبائك، وعليه نعش، وعلى النعش ميت مكفن بكفن أبيض لم أر مثل بياضه. فعرفت من ذلك الخلق صاحبا للقاضى أبى يعلى أعجميا، يدعى

стр. 651

بأبى حكيم، فقلت له: من هذا الذى على النعش على السبائك؟ فقال: القاضى أبو يعلى. فقلت له: يا أبا حكيم، أليس قد دفن القاضى فى هذه البركة؟ فقال: ذاك المدفون فى البركة يزوره الخلق. وهذا رفعناه مكانا عليا، أو كما قال وسمعت محمد بن مواهب يقول: سمعت أبا الحسن بن جدا يقول: كنت نائما فى دارى ليلة مات القاضى أبو يعلى. فهتف لى هاتف، وقال: ما العيش بعدك مستطاب … هيهات أن يغشى لمثلك باب فانتبهت. فلما أسفر الفجر: سمعت مناديا ينادى: من أراد الصلاة على القاضى الإمام أبى يعلى. فعلمت أن الهاتف والبيت الشعر لأجله قال ابن جدا: سألت الله تعالى بعد موت القاضى الإمام أبى يعلى: أن أراه فى النوم. فرأيته، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لى: يا أبا الحسين، وحقك (١) لقد هدينا لأمر عظيم قال ابن جدا: وسألت الله تعالى أن أرى القاضى أبا يعلى فى النوم دفعة أخرى. فرأيته، فقلت: يا سيدى، كيف المذهب ثمّ؟ فقال لى: يا أبا الحسن، المذهب بيننا وبين جهنم سد من حديد قلت أنا: وقال ابن سيرين «ما حدثك الميت بشئ فى النوم، فهو حق. لأنه فى دار حق» وسمعت بعض أصحابنا يقول: رأيت ابن بكير العكبرى فى النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أنا عند القاضى أبى يعلى. فقلت له: قد علمت أنك قريب من تربته. فقال: أنا عنده فى الجنة، أو كما قال وسمعت أحمد بن على الحنبلى يقول: حكى لى سعيد بن جعفر قال: كنت عند بعض شيوخى. فدخل بعض أصحابى فقال: رأيت كأنى فى جامع باكرما،

стр. 652

وهى قرية على نهر ملك، وجمع مجتمع، فدخلت إلى الجامع، فرأيت ثلاثة أشخاص على المنبر، فقلت لبعض من كان بقربى: من هؤلاء؟ فقال لى: هذا النبى ﷺ ، وأبو بكر وعمر. فقلت: يا رسول الله، بمن الاقتداء؟ فأومأ إلى شيخ قاعد على المرقاة التحتانية من المنبر. فقلت لمن كان بقربى: من هذا الشيخ؟ فقال لى: هذا أبو يعلى بن الفراء، أو كما قال (١). قال: وقرأت بخط شيخنا الشريف أبي جعفر قال: رأيت شيخنا - يعنى الوالد السعيد - فى المنام، وهو فى أحسن صورة رأيته فى دار الدنيا. وكأنه شاب فى لحيته طاقات بياض يسيرة جدا، وهو بمسجده بباب الشعير، فتقدمت لأسلم عليه. فقال (سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة) وكتب إلى على بن محمد بن المسبح قال: حدثنى أبى قال: أريت فى منامى كأن قائلا يقول لى: مات فى هذه الليلة أحمد بن حنبل فارثه. فانتبهت مرعوبا، وقلت: لعله بدعة تظهر، وسنة تموت. فو الله ما كان إلا أيام قلائل، فوصلتنى مكاتبة القاضى أبى على يعقوب بوفاة الإمام أبى يعلى فى الليلة التى رأيت فيها المنام قال: وذكرت قول القائل «ارثه» فقلت ما لم أرضه. وما زلت. حتى قلت هذه الأبيات: مات السّدى والندى والمجد والكرم … والعالم اليقظ المستبصر العلم مات الإمام أبو يعلى الذى ندبت … لفقده الكعبة الغراء والحرم يا أيها العالم الحبر الذى كسفت … شمس الهدى بعده، بل عادها الظلم لولاك ما كان للدنيا وساكنها … معنى، ولا عرفت طرق الهدى الأمم ولا روى عن رسول الله مأثرة … ولا قضى بصحيح عبر فيك فم لم يبلغ الحنبلى الحبر مرتبة … إلا على رأسها من جسمك القدم

стр. 653

أوضحت سبل الهدى من بعد ما درست … عن الورى، فقدتك العرب والعجم مادت بنا الأرض وارتجت بساكنها … لما قبرت. وكاد الدين ينهدم فلنذكر الآن شذرة من آدابه وورعه سمعت أبا الحسن النهرى قال: كنت فى بعض الأيام أمشى مع القاضى والدك فالتفتّ، فقال لى: لا تلفت إذا مشيت. فإنه ينسب فاعل ذلك إلى الحمق قال النهرى: وقال لى والدك يوما آخر، وأنا أمشى معه: إذا مشيت مع من تعظمه، أين تمشى منه؟ فقلت: لا أدرى. فقال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام فى الصلاة. وتخلى له الجانب الأيسر إذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى جعله فى الجانب الأيسر وقال النهرى أيضا: لما قدم الوزير ابن دراست عبرت أبصره. ففاتنى درس ذلك اليوم. فلما حضرت قلت: يا سيدنا تتفضل وتعيد لى الدرس؟ فقال: أين كنت فى أمسنا؟ فقلت: مضيت أبصرت ابن دارست. فأنكر علىّ ذلك إنكارا شديدا. وقال: ويحك، تمضى وتنظر إلى الظلمة؟ وعنفنى على ذلك. وروى عن النبى ﷺ أنه قال «النظر إلى الظالمين يطفئ نور الإيمان» أو كما قال قال: وكان ينهانا دائما عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم، والاجتماع بهم، ويأمرنا بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين وسمعت خالى عبد الله يقول: حضرت مع القاضى الإمام والدك فى دار رئيس الرؤساء، بعد مجئ طغرلبك. وقد أنفذ إليه غير مرة ليحضر. فلما حضر قربه رئيس الرؤساء، وزاد فى إكرامه وإعظامه، وأجلسه حتى مس بعضه، بجنب المخدة وقال له: ما سمعه أهل المجلس، لم يزل بيت المسلمة وبيت الفراء ممتزجين مختلطين فما هذا الانقطاع؟ فقال له القاضى الإمام: يروى عن شيخنا إبراهيم الحربي: أنه

стр. 654

استزاره المعتضد، وقربه وأجازه. فرد جائزته. فقال له: اكتم مجلسنا، ولا تخير بما فعلنا بك، وبما قابلتنا به. فقال له الحربى: لى إخوان لو علموا باجتماعى معك هجرونى. فقال له رئيس الرؤساء كلاما أسره إليه، ومد كمه إليه. فتأخر القاضى الإمام عنه. وسمعته يقول: أنا فى كفاية ودعة. فقلت له: يا سيدنا ما قال لك؟ قال قال لى: معى شئ من بقية ذلك الإرث المستطاب، وليس مما قد تلوثنا به من الدنيا، فأحب أن تأخذه، وتصرفه فى بعض حوائجك. فقلت له: أنا فى كفاية ودعة، أو كما قال وسمعت بعض أصحابنا يحكى أنه لما حصّب الإمام القائم بالله - رضوان الله عليه - وعوفى: حضر الشيخ أبو منصور بن يوسف عند الوالد السعيد، وقال له: لو سهل عليك أن تمضى إلى باب القربة لتهنئ الإمام بالعافية؟ فمضى إلى هناك فخرج إليه محمد الوكيل، ومعه جائزة سنية، وعرفه شكر الإمام لسعيه، وتبركه بأدعيته، ويسأله قبول ذلك. قال: فو الله ما مسها، ولا قبلها. فروجع فى ذلك، فأبي، أو كما قال وسمعت جماعة من أهلى يحكون: أن فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة - لما وقع النهب ببغداد بالجانب الغربى منها، وانتقل الوالد السعيد من درب الدبرج إلى باب البصرة. وكان فى داره بدرب الدبرج خبز يابس، فنقله معه، وترك نقل رحله لتعذر من يحمله. واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النفيس. وكان يقتات منه ويبله بالماء. وقال: هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئا. فبقى ما شاء الله يتقوت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلل من طعمه إلى أن نفد، ولحق الوالد السعيد من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض. وكان قد مرض وكان الولد السعيد فى كل ليلة جمعة يختم الختمة فى المسجد بعد صلاة عشاء الآخرة، ويدعو ويؤمن الحاضرون على دعائه، ما أخل بهذا سنين عديدة إلا لمرض أو لعذر مستفيض، سوى ما كان يختمه فى غير تلك الليلة.

стр. 655

فهذا القدر الذى ذكرته إشارة إلى بعض مناقب الوالد السعيد. ولقد أجمع الفقهاء والعلماء، وأصحاب الحديث والقراء، والأدباء والفصحاء، وسائر الناس - على اختلافهم - على صحة رأيه، ووفور عقله وحسن معتقده، وجميل طريقته، ولطف نفسه وعلو همته، وورعه وتقشفه، ونزاهته وعفته. وكان ممن جمعت له القلوب. فإنه روى عن محمد بن واسع: أنه قال «إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله تعالى إليه أقبل إليه بقلوب المؤمنين». فلنختم الآن أخبار الوالد السعيد، الذى منّ الله الكريم عليه بعلم الفقه وتعليمه وتدريسه وتصنيفه أفضل العلوم، وأجز لها للثواب المقسوم، وأولاها بصرف الفكر إليه، ووقف الرأى الصائب عليه. فإنه العروة الوثقى، والحجة المثلى، الدالة على طاعة الله جل ذكره، وأداء مفترضاته، والتمييز به بين محرماته محللاته، والوقوف على حدوده ومعالمه، وشروطه ومراسمه. وإن ربحه الجنة، وخسرانه النار (١). روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «العلماء أمناء الرسل على عباده ما لم يخالطوا السلطان، ويدخلوا فى الدنيا. فإذا خالطوا السلطان ودخلوا فى الدنيا فقد خانوا الرسل، فاعتزلوهم واحذروهم (٢)»

стр. 656

وروى ابن عباس ﵄ عن النبى ﷺ أنه قال «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» وروى عبد الله بن عمر ﵄ عن النبى ﷺ أنه قال «أفضل العبادة: الفقه، قليل الفقه خير من كثير العبادة» وروى أبو هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال «ما عبد الله بشئ أفضل من فقه فى دين. ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ولكل شئ عماد، وعماد هذا الدين: الفقه». وقال أبو هريرة «لأن أجلس ساعة فأتفقه: أحب إلى من أحيا ليلة إلى الغداة». وروى على ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ «الأنبياء قادة، والعلماء سادة. ومجالستهم عبادة». وسئل عبد الله بن عباس عن الجهاد؟ فقال للسائل «ألا أدلك على أفضل الجهاد؟ قال: بلى. قال: تبنى مسجدا، وتعلم فيه القرآن والفقه والسنة» قلت أنا: ولفضيلة الفقه: دعا رسول الله صلّى عليه وسلم لعبد الله بن عباس بالفقه فى الدين. فقال «اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» فأجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، فوفر فقهه وزكاه، وثمره ونماه، وجعله نورا يستضاء به، وحجة باقية فى عقبه (١) فالحمد لله الذى أنعم علينا بأن وفقنا لاتباع الوالد السعيد فى أصوله وفروعه، وجنبنا مخالفته، وجعلنا من ذريته وأهل محبته، وشغلنا بعلومه، وما أتعب نفسه فى جمعه فى ليله ونهاره وسفره، وحضره، وشبابه وكبره، من اتباعه السنن الشرعية،

стр. 657

والشعائر الدينية، الفارقة بين الأبرار والفجار، والحاجزة بين الجنة والنار أنشدنى بعض أصحابه وتلامذته: من اقتنى وسيلة وذخرا … يرجو بها مثوبة وأجرا فحجتى يوم أوافى الحشرا … معتقدى لمذهب ابن الفراء قلت أنا: ومعتقدنا ومعتقد الوالد السعيد، ومن تقدمه من أئمتنا: مبنى على حرفين: السكوت عن «لم؟» فى أفعاله ، وعن «كيف؟» فى أوصافه ﵎. نسأل الله الكريم أن يزهدنا فيما زهد الوالد السعيد فيه. فإنه كان يذم الدنيا، ويأمر بالتقلل منها. أنبأنا أحمد بن على الخطيب حدثنا عبد الرحمن بن المهتدى بالله حدثنا الحسين ابن أبى معشر أخبرنا وكيع عن المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد لله بن مسعود ﵁: أن النبى ﷺ قال «مالى وللدنيا؟ إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال فى ظل شجرة فى يوم صائف، ثم راح وتركها» وروى أبو ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من زهد فى الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره داء الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سليما إلى دار السلام». وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الزهد فى الدنيا يريح القلب والجسد». وروى أنس بن مالك ﵁: أن النبى ﷺ قال «من كانت نيته طلب الآخرة: جعل الله غناه فى قلبه. وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة. ومن كانت نيته طلب الدنيا: جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له» وروى أبو موسى الأشعرى ﵁ قال قلت «يا رسول الله، الرجل يحب

стр. 658

القوم، ولما يلحق بهم؟ قال: المرء مع من أحب» وكان الوالد السعيد - نور الله ضريحه - قد اجتمع فيه ما رواه ابن عباس. قال: قيل «يا رسول الله، أى مجلسنا خير؟ قال: من ذكّركم بالله رؤيته، وزاد فى عملكم منطقه. وذكركم الآخرة بعلمه» وهذا بعض مناقبه وفضائله، وما هو شائع له بين الناس من زهده وعلمه أكثر فأغنانا عن أن نسطره. ولولا أن أكثر من رآه وعاصره، وحضر مجلسه وناظره قد درج وانقرض: لما ذكرنا هذه الشذرات من مناقبه، إذ كانت تتضمن مدحنا، والإنسان لا يمدح نفسه. ولعل ناظرا فى هذا الذى أوردناه وسطرناه، يقول: كيف استجاز مدح والده على لسانه، وهو الأصل. ومدح الأصل مدح للفرع؟ فنقول: إنما حملنا على ذلك كثرة قول المخالفين، وما يلقون إلى تابعيهم من الزور والبهتان، ويتخرصون على هذا الإمام من التحريف والعدوان. وكان لنا فى ذلك رخصة، قد سبق إليها الأنبياء والأولياء رضوان الله عليهم وسلامه. فقد قيل: إذا اضطر الإنسان إلى مدح نفسه فلا بأس بذلك. قال الله تعالى فى قصة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الخليل ﵈ (٥٥:١٢ ﴿قالَ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)﴾ وقال النبى ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، ولواء الحمد بيدى يوم القيامة ولا فخر» قيل: فى معناه قولين، أحدهما: يعنى ولا فخر أعظم من هذا. وقيل: أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له. وروى عن بعض أصحابه نحو هذا الكلام من المدح للنفس فى بعض المواضع التى احتاج فيها إلى ذلك. فروى أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال للخارجين عليه - حين ادعوا عليه ما هو برئ منه - فقال لهم عثمان: «لولا أنكم قلتم، لما قلت.

стр. 659

إنّي رابع أربعة فى الإسلام. وزوجنى رسول الله ﷺ ابنتيه. وحفرت بئر رومة، وجهزت جيش العسرة، وزدت فى المسجد، وما بغيت ولا تمنيت، ولا مسست فرجى بيمينى منذ بايعت رسول الله ﷺ ، ولا زنيت فى جاهلية ولا إسلام، ولا مرت بى جمعة إلا وأنا أعتق فيها نسمة، إلا أن لا أجد فى تلك الجمعة نسمة فأعتق فى الجمعة الأخرى نسمتين». وأخبرنا الوالد السعيد - قراءة - قال: أخبرنا على بن عمر الحربى قال: حدثنا حامد بن بلال البخارى حدثنا محمد بن عبد الله البخارى قال: حدثنا يحيى بن النضر حدثنا غنجار عن قيس بن الربيع عن عمرو بن عبيد الله - يعنى أبا إسحاق السبيعى - عن عاصم بن ضمرة قال: سمعت الحسن بن على ﵄ يقول على هذا المنبر «إن عليا لم يسبقه الأولون، ولم يدركه الآخرون. والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، ليبتاع بها خادما. والله إن كان رسول الله ﷺ ليدفع إليه الراية، فيقاتل عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل، فما يرجع حتى يفتح عليه» وأخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد المعدل قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أبو عبد الله الطوسى قال: أخبرنا الزبير بن بكار الزبيرى قال: حدثنى رجل عن عبد الرحمن بن موسى بن عبد الله قال: حدثنى محمد بن القاسم - مولى بنى هاشم - قال «بلغ عائشة ﵂: أن ناسا يتناولون أبا بكر، فبعثت إلى أزفلة (١) منهم. فلما حضروا أسدلت أستارها، فحمدت الله، وأثنت عليه، وصلت على نبيها ﷺ ، وعذلت وقرّعت، ثم قالت: أبيه، وما أبيه؟ أبى والله لا تعطوه الأيدى (٢)، ذاك طود منيف، وفرع مديد، هيهات هيهات كذبت الظنون أنجح والله إذ كذّبتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى

стр. 660

قريش ناشئا، وكهفها كهلا. يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعثها، حتى حلّته قلوبها. ثم استشرى فى دينه (١)، فما برحت شكيمته فى ذات الله حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون. وكان ﵁ غزير الدمعة، وقيذا الجوانح (٢) شجى النشيج (٣). فانقصفت (٤) إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه، ويستهزءون به ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فأكبرت ذلك رجالات قريش، فحنت له قسيّها. وفوّقت له سهامها، وانتثلوه (٥) غرضا، فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة. ومر على سيسائه (٦) حتى ضرب الدين بجرانه. وألقى بركبتيه، وأرست أوتاده. ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كل فرقة أشتاتا، وأرسالا. اختار الله لنبيه ﷺ ما عنده. فلما قبض الله نبيه: نصب الشيطان رواقه، ومد طنبه. ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله. فظنت رجال: أن قد تحققت أطماعهم - ولات حين الذى يرجون - وأنى؟ والصديق بين أظهرهم. فقام حاسرا مشمرا، فجمع حاشيته ورفع قطريه. فرد نشر الإسلام على غرّته، ولمّ شعثه بطبّه. وأقام أوده بثقافه. فامذقرّ النفاق بوطأته، وانتاش الدين بثقافه. فلما أراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء فى أهبها، أتته منيته، فسدّ ثلمته بنظيره فى المرحمة، وشقيقه فى السيرة والمعدلة. ذاك: ابن الخطاب، لله أمّ حفلت له، ودرّت عليه. لقد أوحدت به (٧) ففنّخ الكفرة وديّخها (٨) وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها (٩) فقاءت أكلها، ولفظت خبأها. ترأمه ويصدف عنها،

стр. 661

وتصدّى له ويأباها. ثم وزع فيها فيأها، وودعها كما صحبها. فأرونى ما تربئون. فأى يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته، إذ عدل فيكم؟ أو يوم ظعنه، وقد نظر لكم؟ وأستغفر الله لى ولكم». وقد روى عن إسحاق بن راهويه أنه قال «سألنى أحمد بن حنبل عن حديث الفضل بن موسى - حديث ابن عباس ﵄: أن النبى ﷺ «كان يلحظ فى صلاته، ولا يلوى عنقه خلف ظهره» - قال: فحدثته. فقال رجل: يا أبا يعقوب، رواه وكيع بخلاف هذا. فقال له أحمد بن حنبل: اسكت، إذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به. قلت أنا: فهذا إسحاق بن راهويه يمدح نفسه، وهذا أحمد قد جعله أمير المؤمنين، يعنى فى الحديث فأولى لنا أن نذكر والدنا، ونذكر طرفا من فضائله ومناقبه، وعلومه وورعه. فهذه خاصة فى مدح الإنسان نفسه إذا احتاج إلى ذلك ولولا أن الذين قد جمعوا التواريخ حملتهم عصبيتهم وأهواؤهم على ترك فضائله ونشر مناقبه: لما ذكرنا ما ذكرناه. فلما رأينا الذين قد رأوه وحفظوا ما سمعوه من فضائله من الشيوخ، وشاهدوا بعض ذلك ينقرضون، والمؤرخون الذين أرخوا قصروا فى نشر فضائله، لأجل من يهوى هواهم من المخالفين: آثرنا ذكر بعض ما انتهى إلينا من فضائله. فليعذرنا من وقف عليه، ولا ينسبنا من الذين يتشبعون بما لم يعطوا. وليسأل من يثق به من أهل الثقة والمعرفة والخبرة بالقاضى الإمام ﵁، ولا يلتفت إلى قول مخالف ومباين بالبدعة. فيعلم أن الذى سطرناه ما استعرنا منه ذلك. إذ كان فيه أضعاف ما ذكر من الفضل والعلم والزهد فنسأل الله أن يحيينا على الإسلام والسنة، وأن يميتنا عليهما، ولا يجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا بمنه وكرمه. إنه سميع الدعاء

стр. 662

الطبقة السادسة وهم أصحاب الوالد ﵃ ٦٦٦ - أبو الغنائم على بن طالب بن محمد المعروف بابن زبيبا أحد أصحاب الوالد السعيد. وكان يدرس فى الحريم فى المسجد المقابل لباب بدر، وللمسجد بابان. وكانت له حلقة بجامع المهدى وكان أحد من قرأ عليه أبو تراب بن البقال، وأبو الحسن المقرئ المعروف بابن الفاعوس وغيرهما ونسخ من الخلاف - تصنيف الوالد السعيد - نسختين بخطه. ونسخ غيره من تصنيفات الوالد السعيد، من ذلك: العدة، وأحكام القرآن، والجامع الصغير، وغير ذلك وهو أول من توفى من أصحاب الوالد السعيد، بعد موته. وكان بين موته وموت الوالد السعيد: أقل من سنة. ودفن إلى جنب تربة الوالد السعيد. ٦٦٧ - أبو منصور على بن الحسن القرميسينى أحد من علق عن الوالد من الخلاف والمذهب. وسمع منه الحديث. وزوج ابنته لأبى على بن البناء، وأولدها أبا نصر وكانت وفاته: فى رجب من سنة ستين وأربعمائة. ودفن بمقبرة إمامنا أحمد ﵁ ٦٦٨ - أبو طاهر عبد الباقى بن محمد بن عبد الله البزاز، المعروف بصهر هبة الله المقرئ وكان يلازم حلقة الوالد السعيد إلى حين موته وسمع منه الحديث. وحضر تدريسه

стр. 663

وكان شيخا صالحا معدلا وتوفى ليلة الجمعة لعشرين من صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة. ودفن فى يوم الجمعة فى مقبرة إمامنا أحمد. وكان مدة شهادته عشرة أشهر وكان مولده: سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ٦٦٩ - أبو بكر بن على بن محمد بن موسى الخياط المقرئ، البغدادى الشيخ الصالح. أحد الحنابلة الأخيار قرأ القرآن على المشايخ. منهم: أبو أحمد الفرضى، وبكر بن شاذان، وأبو الحسين السوسنجردى، وأبو الحسن الحمامى وسمع الحديث من جماعة، منهم: بكر بن شاذان، فيما أخبرنا عنه بقراءة أخى أبى القاسم - قال له: أخبركم بكر بن شاذان قال: أخبرنا على الأخبارى: قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: قرأت على محمد بن سعدان، قلت له: حدثك عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة ﵂ عن النبى ﷺ قال «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذى يقرؤه يتعتع فيه، وهو عليه شاق: فله أجران اثنان» وقرأت عليه ختمتين لنافع. إحداهما: من طريق الحلوانى، وأبى نشيط. وأخبرنى أنه قرأ طريق الحلوانى على الحمامى. وأخبره الحمامى: أنه قرأ بها على أبي بكر النقاش، وقرأ النقاش على الحسين بن العباس الرازى. وقرأ الرازى على أحمد بن يزيد وابن قالون. وقرآ جميعا على قالون. وقرأ قالون على نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم قارئ المدينة وطريق أبى نشيط: على أبى أحمد الفرضى. وأخبره أبو أحمد: أنه قرأ بها على أبى الحسين أحمد بن عثمان بن جعفر المعروف بابن بويان. وأخبره أبو الحسين أنه قرأ بها على أبى حسان أحمد بن محمد بن الأشعث. وقرأ أبو حسان بها على

стр. 664

أبى نشيط محمد بن هارون. وقرأ أبو نشيط على قالون عيسى بن مينا النحوى الزهرى. وقرأ قالون على نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم قارئ المدينة. وذلك بجزم الميم من «عليهم» و «لديهم» و «إليهم» وإشباعها. وكان ختمى عليه فى ذى الحجة سنة أربع وستين وأربعمائة. وكان شيخى قرأ بها فى المحرم سنة أربعمائة. والختمة الثانية: من طريق إسماعيل بن جعفر: بضم الميمات فى جميع القرآن وأخبرنى أنه قرأ بها على أبى الحسين السوسنجردى فى سنة أربعمائة. وكان شيخى السوسنخردى قرأ بها على أبى القاسم زيد بن أبى بلال. وأخبره زيد: أنه قرأ بها على أبى جعفر أحمد بن فرج. وأخبره ابن فرج: أنه قرأ بها على أبى عمرو الدورى. وأخبره الدورى: أنه قرأ بها على إسماعيل بن جعفر وأخبره إسماعيل: أنه قرأ بها على نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم وكان فراغى من هذه الختمة: فى المحرم ستة خمس وستين وأربعمائة وكان شيخا خيرا أديبا ثقه وكان يتردد إلى الوالد السعيد الدفعات الكثيرة. ويسمع درسه. ويحضر أماليه بجامع المنصور وغيره. وكان هو - أعنى ابن الخياط - ثقة دينا. يقرأ عليه القرآن والحديث فى كل يوم فى بيته، وفى مسجده، وفى جامع المنصور، ويكثر عنده الناس وكان من شدة تحنبله: أنه كان إذا كتب إجازة أو سماعا، أو قراءة: كتب فى آخر نسبه «الحنبلى» وكان قد شاهد ابن حامد قرأت بخط أخى أبى القاسم ﵀ قال: سألت أبا بكر بن الخياط عن مولده؟ فقال: فى سنة ست وسبعين وثلاثمائة سنة الحنبلية. وتوفى فى جمادى الأولى سنة سبع وستين وأربعمائة.

стр. 665

ودفن فى مقبرة الجامع يوم الخميس رابع جمادى الأولى ٦٧٠ - أبو الحسن على بن محمد بن عبد الرحمن البغدادى. أحد الفقهاء الفضلاء، والمناظرين والأذكياء سمع الحديث من جماعة منهم: أبو القاسم بن بشران، وأبو إسحاق البرمكى وأبو الحسين بن الحرانى، وأبو على بن المذهب، والوالد السعيد ودرس الفقه على الوالد السعيد، وأجلس فى حلقة النظر والفتوى بجامع المنصور فى الموضع الذى كان يجلس فيه شيخ الوالد ابن حامد. ولم يزل على ذلك: يدرس ويفتى، ويناظر إلى أن خرج من بغداد سنة خمسين وأربعمائة إلى ثغر آمد - حماه الله - لما جرى على الإمام القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - واستوطنها، ودرس بها وكان له الأصحاب بها وبرع منهم: أبو الحسن بن الغازى. ورحل إليه أخى أبو القاسم إلى آمد. وعلق عنه من الخلاف، والمذهب. ثم عاد الأخ إلى بغداد لأجل الوالد ومات بآمد سنة سبع أو ثمان وستين وأربعمائة. وقبره هناك يقصد ويتبرك به (١). وكان يدرس فى مقصورة بجامع آمد. ٦٧١ - أبو الحسن على بن الحسين بن أحمد بن إبراهيم العكبرى، المعروف بابن جدا. سمع الحديث من أبى على بن شهاب، وأبى القاسم هبة الله الطبرى، وأبى القاسم بن بشران، وأبى على بن شاذان، وأبى على بن المذهب وغيرهم. وقرأ الفقه على الوالد السعيد. وله مصنف فى الأصول. وكان شيخا صالحا، دينا، كثير الصلاة، حسن التلاوة للقرآن. وكان ذا لسن وفصاحة فى المجالس والمحافل.

стр. 666

وتوفى فجأة فى الصلاة فى شهر رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وصلّى عليه بجامع المنصور، ودفن فى مقابر إمامنا ﵁. ٦٧٢ - أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن الحسين الفراء. أخى الأكبر، الشاب العالم، الورع الصالح. ولد يوم السبت السابع من شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. هكذا قرأت بخط الوالد السعيد. سمع الحديث من أبى محمد الجوهرى، والوالد السعيد، وجده لأمه جابر ابن ياسين، وأبى الحسين بن المهتدى، وأبى الحسين بن الأبنوسى، وأبى الحسين ابن النقور، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى الغنائم بن المأمون، ومحمد بن وشاح، وأحمد بن ساوس، وعلى الملطى، وعبد الله بن هزار مرد الصريفينى، فى خلق كثير. ورحل فى طلب العلم والحديث إلى البلاد: واسط، والبصرة، والكوفة، وعكبرا، والموصل، والجزيرة، وآمد، وغير ذلك. وقرأ بآمد على تلميذ والده: أبى الحسن البغدادى قطعة صالحة من الخلاف، والمذهب. وكان قد علق قبل سفرته عن تلميذ والده الشريف أبى جعفر. وكان حضر قبل ذلك درس والده السعيد، وعلق عنه. وكان يحضر مجالس النظر فى الجمع وغيرها. ويتكلم فى المسائل مع شيوخ عصره. وكان الوالد السعيد يأتم به فى صلاة التراويح إلى أن توفى رحمة الله عليه. وهو الذى تولى الصلاة على الوالد السعيد بجامع المنصور. وتقدم على شيوخ الطوائف. وكان ذا عفة وديانة وصيانة.

стр. 667

وكان له معرفة بالجرح والتعديل وأسماء الرجال والكنى، وغير ذلك. وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على الشيوخ الذين انتهى الإسناد إليهم، مثل: ابن الخياط، وابن البناء، وأبى الخطاب الصوفى، وأحمد بن الحسن اللحياني. ولما ظهرت البدع فى سنة تسع وستين وأربعمائة هاجر من بلدنا إلى حرم الله وكانت وفاته فى مضيه إلى مكة، بموضع يعرف بمعدن النقرة، فى أواخر ذى القعدة من هذه السنة. فتوفى وله ست وعشرون سنة وثلاثة أشهر ونيف وعشرون يوما تقريبا. وكان ﵀ حسن التلاوة للقرآن، كثير الدرس له، مع معرفته بعلومه وعلوم حديث رسول الله ﷺ . وكان حسن الخط صحيحا، فهما لقراءة الحديث. ﵀ وبارك له فيما صار إليه، ونفعه بما كتب وقرأ وسمع وسعى واجتهد، وعوضه بشبابه الجنة. آمين. ٦٧٣ - أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد البردانى. صحب الوالد السعيد. وتردد إلى مجالسه فى الفقه، وسماع الحديث. وكان رجلا صالحا. وتوفى ليلة الجمعة الثالثة من ذى الحجة سنة تسع وستين وأربعمائة. وحمل إلى جامع المنصور، وصلّى عليه ابنه أحمد. ودفن فى مقبرة إمامنا أحمد إلى جنب أبى الحسن بن الرهنية (١) الزاهد. وكان مولده: سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.

стр. 668

ثم شيخنا وأستاذنا، الشريف الزاهد الورع العابد: ٦٧٤ - أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى ابن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس ابن عبد المطلب. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. سمع الحديث من أبى القاسم بن بشران، وأبى الحسين الحرانى، وأبى على ابن المذهب، وأبى إسحاق البرمكى، وأبى طالب بن العشارى، والوالد السعيد. أخبرنا شيخنا الشريف أبو جعفر - قراءة - قال: حدثنا أبو القاسم بن بشران - إملاء يوم الجمعة بعد الصلاة، لسبع خلون من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة - قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان قال: حدثنا محمد بن الفضل بن جابر السقطى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن حفص الصفار قال: حدثنا محمد بن سواء عن هشام بن حسان عن الجارود عن عطية عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ «من كسا مسلما على عرى، كساه الله من خضر الجنة. ومن سقاه على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم. ومن أطعمه على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة» وبدأ يدرس الفقه على الوالد السعيد، من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، إلى سنة إحدى وخمسين. يقصد إلى مجلس الوالد السعيد، ويعلق الدرس، ويعيد فى الفروع وأصول الفقه. وبرع فى المذهب، ودرس وأفتى فى حياة الوالد السعيد. وكان مختصر الكلام، مليح التدريس، جيد الكلام فى المناظرة، عالما بالفرائض، وأحكام القرآن والأصول. صنف رءوس المسائل. وشرح من المذهب: الطهارة، وبعض الصلاة. وسلك فيه طريقة الوالد السعيد فى الجامع الكبير.

стр. 669

وكان يدرس فى مسجد سكة الخرقى، وبجامع المنصور. ثم انتقل إلى الجانب الشرقى. فدرس فى المسجد المعروف به، مقابل دار الخلافة. وبدأت أنا بالتعليق عنه والدرس عليه فى أول سنة خمس وستين وأربعمائة. وصحبته إلى أن توفى ﵁. وكان يحضر معنا مجلسه جماعة من الأصحاب. وكان إذا بلغه منكر قد ظهر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة وكان شديد القول واللسان فى أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم وإبطالها ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يدهم عنهم أحد. وكان حسن الصيانة، عفيفا نزها. وكان أحد الشهود المذكورين. شهد عند قاضى القضاة، أبى على عبد الله الدامغاني فى يوم الثلاثاء الثانى من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وشهد بعده القاضى أبو على يعقوب، وأبو الحسن المبارك بن عمر الخرقى. وتولى تزكيتهم الوالد السعيد. ولم يزل يشهد سنين كثيرة، إلى أن ترك الشهادة قبل وفاته بسنين كثيرة تورعا. ولم يزل على الطريقة الحسنة المرضية، سالكا نهج الوالد السعيد، والسلف الصالح الرشيد. ثم انتقل فى سنة ست وستين إلى باب الطاق. وسكن درب الديوان من الرصافة لأجل ما لحق نهر المعلّى من الغرق. ودرس بجامع المهدى، وبالمسجد الذى على باب درب الديوان. وكنت أمضى إليه فى طلب العلم إلى هناك، أنا وجماعة من الأصحاب. فكان له مجلس

стр. 670

للنظر فى كل يوم اثنين. ويقصده جماعة من الفقهاء المخالفين. ويتكلم فى بعض الأوقات تارة مبتدئا، وتارة مستدلا إلى سنة تسع وستين. فوصل إلى مدينة السلام، بالجانب الشرقى ولد القشيرى، وأظهر على الكرسى مقالة الأشعرى، ولم تكن ظهرت قبل ذلك على رءوس الأشهاد، لما كان يلحقهم من أيدى أصحابنا وقمعهم لهم. فعظم ذلك عليه، وأنكره غاية الإنكار. وعاد إلى نهر المعلى منكرا لظهور هذه البدعة، وقمع أهلها، فاشتد أزر أهل السنة، وقويت كلمتهم، وأوقعوا بأهل هذه البدعة دفعات. وكانت الغلبة لطائفتنا: طائفة الحق. فلما أدحض الله تعالى مقالتهم، وكسر شوكتهم، عظم ذلك على رؤسائهم، وأجمعوا للهرب والخروج عن بلدنا إلى خراسان. فبلغ ذلك وزير الوقت فقال: ما الذى حملكم على ذلك؟ فأظهروا الشكاية مما قد تم عليهم. فوعدهم بأن يكف عنهم ذلك، واجتمعوا ودبروا على حضور شيخنا الشريف عندهم. فأنفذ إليه وزير الوقت. فقال: قد عرض أمر لا بد من مشاورتك فيه. فلما دخل إلى باب العامة عدلوا به إلى دار فى القرية، قد أفردت له. ومنع معظم الأصحاب من الدخول عليه، وكانوا قد تخرصوا عليه، ورفعوا إلى إمام الوقت الكذب والزور والبهتان، فى أشياء لا يحتمل كتابنا ذكرها. قد نزه الله تعالى مذهبنا وشيخنا وعنها. ولم يزل عندهم مدة أشهر. وكانوا قد عرضوا عليه أشياء من دنياهم فلم يقبلها، ولم يأكل لهم طعاما مدة مقامه عندهم. ودوام الصيام فى تلك الأيام. ودخلت عليه ذات يوم من تلك الأيام. فرأيته يقرأ فى المصحف. فقال لى: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ تدرى ما الصبر؟ فقلت: لا. فقال: هو الصوم. ولم يفطر حتى بلغ منه المرض نهايته. وكان يكثر الدرس للقرآن. فلما ثقل مرضه، وضج الناس من حبسه أخرج
следующие страницы →