← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9550

الفن الواقع والمأمول - قصص توبة الفنانين والفنانات

خالد الجريسي

Полный текст (192 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفن الواقع والمأمول تأليف د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي تقديم العلامة الشيخ ... العلامة الشيخ د. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ... عبد الله بن سليمان المنيع

стр. 2

تقديم فضيلة العلاّمة الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ﵀ الحمد لله رب العالمين الذي بدأ خَلْق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سُلالة من ماء مَهين، وابتلاه في هذه الدنيا وسلَّط عليه الشياطين، وتوعَّده على المعصية بالعذاب المُهين، ووعد من أطاعه بالحياة الطيبة والرزق والتمكين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فقد روي في بعض الآثار ما فيه: إن لهذا الدين إقبالاً وإدباراً، وإن من إقباله أن تفقه القبيلة بأسرها فلا يبقى فيها إلا المنافق والمنافقان، فهما مقموعان ذليلان، إن تكلَّما قُمِعا وطردا واضطهدا، وإن من إدباره أن تجفوَ القبيلة بأسرها فلا يبقى فيها إلا الفقيه والفقيهان، فهما ذليلان حقيران، إذا تكلَّما قُمعا وطردا واضطهدا، وثبت في صحيح مسلم قولُ النبيِّ ﷺ «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطُوبى للغرباء» ، وفسرهم بأنهم النُّزَّاع من القبائل الذين يصلحون عند فساد الناس، والذين يَفِرُّون بدينهم من الفتن، وقد تحققت غربة الدين في كثير من الدول الإسلامية، ولعبت بهم الأمواج من الفتن والدعايات المُضِلَّة، وكان من جملة ما زيَّنه الشيطان لأوليائه أنْ حبَّب إليهم الأغاني والملاهي واللعب والطرب، وصدَّهم بذلك عن دينهم، وزهَّدهم في كلام ربهم، فشغلوا بذلك جُلَّ أوقاتهم، وأَكبُّوا على السماع والطرب، والتلذُّذ بأصوات الفنانين

стр. 3

والفنانات، وأصبح ذلك شغلهم الشاغل، وحديث مجالسهم، ولقد أحسن الدكتور خالد بن عبد الرحمن بن علي الجريسي، الذي ألَّف هذا الكتاب، واستوفى كل أو جُلَّ ما يتعلق به أصحاب الفن واللهو والغناء والسماع، فذكر نشأة هذا الفن التمثيلي، وأثرَه في الناشئة، وآثار الفن الكرتوني وقصة البوكيمون وكرتون الحب والغرام، وذكر الفن التمثيلي والمرأة، والفن التمثيلي وترسيخ المفاهيم، وتوسَّع في دور الإعلام في ترويج الفن، وذكر اهتمام الإعلاميين بذلك، ونشره لأخبارهم في الإعلام المسموع، والمرئي، والمقروء، وذكر نهاية كثير من أهل الفن وكيف قضَوا حياتهم في ضياع وحسرة وخاتمة سيئة، وعرض بمن تاب منهم وخُتِم له بخاتمة حسنة، وذكر أمثلة من فتاوى العلماء في هذا الموضوع، وبذلك أصبح هذا الكتاب مرجعًا هامًا ومفيدًا في التعريف بآثار أولئك الفنانين والفنانات، والمطربين والمغنين، فجزاه الله أحسن الجزاء، وأعظم له الثواب، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ٢٨/٧/١٤٢٦هـ.

стр. 4

تقديم فضيلة العلاّمة الدكتور عبد الله بن سليمان المنيع ... حفظه الله الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أحمده وأشكره وأثني عليه بما هو أهلُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وقدوتُنا في أقوالنا وأعمالنا ومعتقداتنا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد. فلقد سعدت بقراءة المؤلَّف القيِّم ((الفن)) لمؤلفه الأستاذ الفاضل / خالد بن عبد الرحمن الجريسي، وظهر لي فيه مدى قدرة المؤلف على التحليل والتدليل والعمق في التصور والتمكن من التصوير لأي شكل من أشكال الفن التمثيلي، فلقد استهل مؤلفه بالآثار الإيجابية للتمثيل من حيث التربية على مكارم الأخلاق، والتحلي بالمُثُل الإسلامية من حيث التأسي والاستجابة لدواعي الاستقامة والصلاح، كما تحدث عن الآثار السلبية للتمثيل من حيث التأثير على الفطرة الربانية بالانحراف وبالتأثر، ثم الأخذ بمقتضيات ذلك الانحراف في الاعتقاد والسلوك، والتخلق بصفات أهل الفسق والفجور والعصيان. وقد جاء في الكتاب أن التمثيل سلاح مزدوج، فهو سلاح ذوحدين إن استعمل في حد الخير والصلاح أنتج ذلك الاستخدام ما تنتجه وسائل البناء والتأسيس والتأصيل في صروح الخير والرشاد، وإن استعمل في حد الشر أنتج ذلك ما تنتجه وسائل الهدم والفساد

стр. 5

والخراب من إيجاد شروخ في بناء المجتمع يكون من آثارها الفوضى في المجتمع وزعزعة الاعتقاد والتأثير في الأخلاق بما يهوِّن من شأنها ويزلزل الثقة بها وباعتبارها. وختم المؤلف كتابه القيِّم بمجموعة من الفتاوى تتعلق بحكم أنواع من التمثيل، وأكد أن للتمثيل أثراً كبيراً في الأخذ بمقتضياته، وحذر من تمثيل تكون آثاره وبالاً على المجتمع في دينه وخلقه وسلوكه وتقاليده واستقراره وانتمائه لعشيرته ومجتمعه وقيادته. وحقاً لقد سعدت بقراءة الكتاب؛ فأعجبني فيه سموّ موضوعه، وسلامة لغته، وسلاسة أسلوبه، وعمق التصور في الإحاطة بجوانبه، وقوة البيان في الإقناع بإيجابيات وسلبيات كل نوع من أنواع التمثيل، فجاء الكتاب جامعاً بين الترغيب والترهيب والتوجيه والتبصير، ووسطاً بين الإفراط والتفريط، يبيِّن الحق ويدل عليه ويظهر الباطل ويحذر منه، فجزى الله مؤلفه خير جزاء وجعل كتابه هذا حسنة كبرى من حسناته وجعله مباركاً أينما كان، والله المستعان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه عضو هيئة كبار العلماء عبد الله بن سليمان المنيع ٢٤/٢/١٤٢٣هـ

стр. 6

المقدمة الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعدُ، أخي الكريم! فإن كلمة الفن متى أُطلقت فإنها تشمل موضوعات شتى، إذ يدخل تحت هذا اللفظ الفنونُ بأنواعها كافّة؛ الفنُّ الأدبي، والفنُّ التشكيلي، والفنُّ المعماري، والفنُّ الغنائي، والفنُّ التمثيلي، وغيرُ ذلك من الفنون المتنوعة، وكلٌّ منها فنٌّ قائم بذاته، وإن كان مشتركاً مع غيره في بعض النواحي الإبداعية، ولئلا يتشعب بنا الحديث كثيراً، فإننا سنجعل دراستنا المسمّاة: ((الفن)) مقتصرة على جانبٍ واحد من جوانبه، ألا وهو الفنُّ التمثيلي، سواء ما يعرض منه على منصات المسرح، أو على عاكسات دُور السينما أو في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، كالمذياع (الرادّ أو الراديو) ، والتلفاز، أو ما يقدَّم للأطفال في قالب عروض كرتونية، ومع اقتصارنا على ذلك، فقد نستطرد أحياناً فنتعرض لبعض أنواع الفن الأخرى، وذلك على سبيل المداخلة لا البحث، مع اعتقادنا باستحقاق دراسة تلك الفنون بأكملها دراسة وافية. ولا شك بأن أهمية هذا الموضوع تنبع من كونه ملامساً لحياتنا اليومية على قدر كبير، لا محيد عنه ولا مناص، فمع إطلالة خيوط الفجر الأولى وإشراقته الندية تهرع جحافل وسائل الإعلام لتمارس نشاطها المحموم، فتغزو عالمَ الإنسان وتقتحم عليه عزلته الذاتية، التي فرضها على نفسه بالنوم، وذلك لتروّج لديه بضاعتها من الأفلام

стр. 7

والمسلسلات والتمثيليات، ولكي تستحوذ على عقول أطفالنا وقلوبهم، بما تقدمه لهم من برامجَ مرغِّبةٍ منوَّعة. فالفن التمثيلي إذاً يمارس دوراً مهمًا خطيراً في تغيير قناعات المشاهدين واهتماماتهم، العامة والخاصة، لذا فهو متهم من وجهة نظرنا بقضايا عدة، متهم ابتداءً بتقصيره الذريع في القيام بالواجب المَنوط به تجاه الأمة، دينِها وفكرِ شبابها.. وبالمقابل فهو متهم بفتح كل أبوابه، وإطلاق كل أبواقه، وتسخير كل إمكاناته للترويج للفكر الغربي بدلاً من التصدي له، وهو متهم كذلك بصرف همم الشباب وتحويل اهتماماتهم المفترضة - كالالتفاف حول العقيدة، والانتصار للدين، والاندفاع نحو خدمة الأمة - تحويلها إلى الاهتمام بالمظاهر الدنيوية، والانغماس في الشهوات البدنية، والانبهار بالأضواء، والتمسك بالقشور وسفساف الأمور، حتى غدا الشاب وهو في مقتبل عمره يتطلع إلى إحراز البطولة، أو إبراز الذات، أو تحقيق النجاح، لا من خلال الأعمال الإيجابية البنّاءة وإنما من خلال تنفيذ مواقف تافهة أو مغامرات متهوِّرةٍ أملاها عليه مشهد سينمائي أو تمثيلية أو مسرحية. ومن هنا كانت لنا وَقفات تأمل، مع هذا الفن التمثيلي على وجه خاص، نتلمس من خلالها آثاره وأضراره الاجتماعية، مع إلحاق الحكم عليه، وبيان موقف الإسلام منه، لبعض أهل العلم الأجلاّء، جزاهم الله خيراً. وقد تم تقسيم موضوعات الكتاب إلى ثمانية فصول، هي: الفصل الأول: الفنُّ التمثيلي: المفهوم والنشأة. الفصل الثاني: الفنُُّ التمثيلي وأثره في الناشئة.

стр. 8

الفصل الثالث: الفنُُّ التمثيلي والمرأة. الفصل الرابع: الفنُُُُُُّ التمثيلي وترسيخ المفاهيم. الفصل الخامس: دور الإعلام في ترويج الفنّ. الفصل السادس: صور من حياة أهل الفنّ. الفصل السابع: توبة واعتراف وندم. الخاتمة: التي ضمَّنْتها بعضَ التوصيات. الملحق: وفيه نخبة مختارة من فتاوى العلماء. هذا، وقد تم - بحمد الله - عزو النصوص إلى مصادرها التي استقيتها منها، كما دعّمت البحث بالنقل عن بعض صحف ومجلاتٍ مهتمة بشؤون أهل الفن، تنقل أخبارهم وأقوالهم، (من فمك أُدينك) ، وذلك حرصاً مني على الإنصاف والموضوعية، سائلاً الله أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة على الحق، إنه سميع مجيب، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي.

стр. 9

الفصل الأول الفن التمثيلي المفهوم والنشأة يحسن بنا قبل الحديث عن الفنِّ التمثيلي أن نعرض لتعريف مصطلح "الفنّ" عند أهل اللغة وفي التعبير الاصطلاحي. فالفنّ في أصل اللغة: هو واحد فنون، وهي: الأنواع، والأفانين: الأساليب، وهي: أجناس الكلام وطرقه، ورجل متفنِّن، أي: ذو فنون (١) . ورجل مِفَنّ: يأتي بالعجائب، وافتنّ: أخذ في فنون من القول، والتفنين: التخليط، والفن: الطرد والعناء والإعياء والمَطْل والغَبْن، ويقال: فنّنَ فلانٌ رأيه إذا لوّنه ولم يثبت على رأي واحد (٢) . هذا في اللغة، أما في الاصطلاح: فقد صرفت كلمة (الفنّ) للدلالة على: كل عمل إنساني يتطلب إنجازه مهارة خاصّة، ويقتضي حِذْقاً معيّناً ودِرْبة متميزة، لارتباط لفظ الفن من بعض وجوه اللغة بهذا المعنى (٣) . كما قيل أيضاً فنّ الصحافة، وفنّ الإعلام، وفنّ الإذاعة، وغيرها مما يكون على هذا النحو. ومن استعمالاته اصطلاحاً تسمية الإنتاج الصناعي فناً: وذلك

стр. 10

لاقتضائه مهارة في الصنع، وحِذقاً في الممارسة، ودِرْبة خاصة في كل نوع من أنواعه، فالخياطة فنٌّ بهذا المعنى، وكذلك النّجارة، والحِدادة، والزّراعة، وسائر ألوان الحِرَف والصناعات بلا استثناء. " (١) . وفي التعبير المشهور لكلمة (الفن) ، " فقد أطلقت الكلمة على الفنون التعبيرية واستأثرت بها دون سواها عند الإطلاق، مثل فنون الشّعر والغناء والموسيقا والتصوير والرقص، وذلك لارتباطها في الأصل بعنصر الجمال دون الغايات النفعية"، (٢) حيث جاء في المعجم المفصّل: "إن الفنون الإبداعية قد أمسَتْ وحدها في لغة الفكر تستأثر بمصطلح الفن، لأهدافها المعنوية، وغايتها الجمالية السامية " (٣) . وقد شاع أيضاً اصطلاحاً أن الفن هو: "التعبير الذي يُتَّخذ مادة وسيطة كي يعبّر الفنان بوساطتها عن انفعالاته الجمالية، سواء لما يشاهده في الطبيعة أو لما يراه في الخيال، بعين الفكر، كي ينقله إلى الآخرين " (٤) فإذا وصل الفنّان إلى غايته بمادة اللّغة كان شعراً، ومتى اتخذ الأنغام مادةً له كان موسيقى، أو جمع بينهما كان غناءً، وحين يسعى للتعبير بمادة الخطوط والألوان كان رسماً، وإذا كانت

стр. 11

مادته مما يتجسم في أشكال وأحجام كان الفن نَحْتاً وعمارة، ومتى كانت الحركات محاكاة وتقليداً كان الفن تمثيلاً (١) . وما يهمنا هنا - على وجه الخصوص- هو: المحاكاة والتقليد للتعبير عن انفعالات ما، وهو ما يسمى بالتمثيل. ف ما هو التمثيل ؟ التمثيل لغةً: (مِثْلُ) كلمة تسوية، يقال: هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما يقال: شِبْهُهُ وشَبَهُهُ بمعنىً. ومثَّل له الشيء: صوّره حتى كأنه ينظر إليه، ومثّلت له كذا تمثيلاً إذا صوّرت له مثاله بكتابة وغيرها. ومثَّّل الشيء بالشيء: سوّاه وشبّهه به (٢) . هذا عن التمثيل في اللغة، أما في الاصطلاح فقد عرّف به كثير من الأدباء والمفكّرين بتعريفاتٍ عدةٍ استغرقت كل جوانب العملية التمثيلية من بدايتها حتى نهايتها، فعرّفه الأستاذ أحمد الزيات بقوله: "هو تمثيل طائفة من الناس لحادث متحقَّق أو متخيَّل، لا يخرج عن حدود الحقيقة أو الإمكان" (٣) . وعرّفه صاحب المعجم الأدبي بأنه "أداء الأدوار المسرحية التشخيصية "، (٤) كما عرّفه عبد السلام آل عبد الكريم بأنه " محاكاة شخص لآخر حقيقي أو خيالي قصداً ". ثمّ عرّف الممثل بأنه "القائم بأعمال

стр. 12

التمثيل أمام الجمهور" (١) . ومن خلال استقراء التعريفات السابقة للتمثيل يتبين لنا أنه يقوم على مجموعة من الأمور، هي: (١) وجود قصة ولو قصيرة، أو حادثٍ يمكن محاكاته، سواء أكان واقعاً أم متخيَّلاً. (٢) وجود من يمثّل الواقعة وهم الذين يُسمّون بالممثلين، وهم طائفة اختارت التمثيل هواية أو حرفة. (٣) وجود قواعد فنية يلتزم بها أهل التمثيل. (٤) القصد من التمثيل: التأثير. هذا هو التمثيل اصطلاحاً، فما جذوره التاريخية، وما موضع نشأته؟ "تمتد جذور التمثيل إلى العصر الإغريقي، وتعاليم الكنيسة النصرانية القديمة - قبل الإسلام -، كما صرح بذلك جماعة من علماء الأدب" (٢) . "وفي أيام الدولة العباسية لم يترك العرب علماً من العلوم اليونانية إلا نقلوه، واطلعوا عليه، واشتغلوا به؛ ما خلا الأدب، فإنهم استغنَوْا بما لديهم، فلم تصل إليهم ملاحم اليونان، ولا قصصهم التمثيلية " (٣) .

стр. 13

"فلم يعرف المسلمون هذا العمل منذ قيام دعوة نبينا محمد ﷺ حتى قبل خمسين ومائة عام- تقريباً- يوم انفتح الشرقيون على علوم الغرب وحضارته وثقافته، عندئذ اكتسبوا هذا العمل منهم، وتعلموا أصوله وقواعده في مدارسهم، ثم نقلوه إلى بلادهم الإسلامية ليكون نواة لما نشاهده الآن من تمثيليات دينية وغير دينية" (١) . فالتمثيل بمعناه الحديث لم تعرفه اللغة العربية إلا في أواسط القرن الماضي. وكان اللبنانيون أسبق الشرقيين إلى اقتباسه، لتخرُّجِهم في المدارس الأجنبية، ودراستِهم للآداب الفرنجية (٢) . ونظراً لحداثة الأمر بالنسبة للمسلمين فقد تباينت الآراء حول التمثيل وموقف الإسلام منه، ولا أود الخوض في هذا الجانب فليس يتسع المقام لذلك، وقد خصصت ملحقاً له، إلا أن هذا لا يمنعنا من الحديث عن أهداف الفن، وتلمّس الجوانب الإيجابية فيه، ونحن عندما نتكلم عن أهداف الفن فإننا نقصد الفنّ التمثيلي الجائز المؤسَّس على أقوال العلماء الثقات واستنباطاتهم، فيمكن - والحال هذه - أن تكون لهذا النوع من الفن أهداف سامية نابعة من واقع الأمة الإسلامية وضروراتها في التربية والتوعية ومعالجة مشكلات الواقع. الأهداف السامية للفن: ولعلّنا نُجمِل أهم تلك الأهداف - من وجهة نظرنا - فيما يلي: ١- تربية الناشئة: وهذا هدف في مُقدَّم أهداف الفن، لما للناشئة من أهمية في

стр. 14

المجتمع المسلم، ولما تحتاجه هذه التربية النافعة إلى معالجات نصيّة جادّة لتنمية عقول الناشئة، والأخذ بأيديهم إلى التمسك بتعاليم الدين الحنيف والخُلق الكريم، وذلك بعيداً عن الخيال المريض الذي قد يولّد الانحراف، وبعيداً كذلك عن النظرة السلبية للكون والحياة والإنسان. ٢- حماية المجتمع المسلم: إن حماية المجتمع ترتكز على التوعية الإيمانية والعلمية، وذلك من خلال تبصير المجتمعات الإسلامية بالأخطار التي تهدّد الأمة أفراداً وجماعات، ومن المسلَّم به أن هذه الأخطار باتت متنوعة، فمنها الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو السياسي، أو الأخلاقي، أو الديني، وهي تتفاوت جميعًا في أهميتها، إلا أن الدين يعدّ - بحق- العامل الأهم في ذلك كله، وهو الفيصل في المعركة بين الخير والشر، ومن هنا ندرك قيمة التحصين الديني والخُلقي لحماية كل فرد من أفراد الأمة. وعندما يقوم الفن الملتزم بدور الوقاية نلحظ عند ذلك تدرّج الأمة في سلّم الاستقرار والتميز. ٣- عرض قضايا الأمة الإسلامية: فالأمة الإسلامية تحمل قضايا ثقيلة في الميزان الحضاري والتاريخي، وإذا لم يؤدّ الفن - بمفهومه العام - رسالته في توعية الأمة ولفت نظرها نحو مشكلاتها وتشخيص أسبابها، ومن ثَمّ وضع حلول ناجعةٍ لها، والاهتمام بتوجيه الطاقات، بكل دِقّة وأمانة، فسيكون عندئذ - ولا ريب - أحد عوائق تقدّم الأمة وتراجعها، وبالمقابل فعندما ينهض الفن المنضبط بقضايا الأمة الإسلامية، ويبصّرها بمصيرها من خلال عرض جادٍّ لقضاياها المصيرية، يكون

стр. 15

الفن حينئذٍ ذا شأوٍ عظيم حقاً في عملية النهوض بالأمة. ٤- غرس القيم النبيلة: تُعدّ القيم المعنوية الإسلامية، والمؤثرة في السلوك الإنساني، أساساً في بناء الشخصية الإسلامية، فبها يدرك المسلم ما له من حقوق وما يترتب عليه من واجبات تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وما التزم قوم بهذه القيم الحميدة إلا عاشوا في حياة طيبة، فهي المؤسِّسة لآفاق الترابط والتعاون بين الأفراد والشعوب، وهنا تكمن أهمية دور الفن الأصيل في غرس تلك القيم، كما دوره المتميز في عطاءاته المتنوعة المستمرة بما يجعل المجتمع المسلم مجتمعاً متمثِّلاً للقيم الحضارية، متمتعاً بدور رياديٍّ بين المجتمعات الإنسانية. ٥- بناء المشاعر الإنسانية: يخالج النفس الإنسانية الكثيرُ من المشاعر والأحاسيس النابعة من معتقدات ومبادئ مختلفة، يتولد عنها سلوكيات ترسم شخصية هذا الإنسان أو ذاك، حيث إن مساحة المشاعر الإنسانية تحتل حيزاً مهمًا في مجال التأثير الموجِّه لنجْدَي الخير والشر، لذلك كان لا بد من أن تبنى هذه المشاعر على نور من دين إلهي محفوظ عن التحريف وهو: الإسلام، الذي يلقي الضوء دائماً على هذه المشاعر والتوجهات، الحق والباطل، الخير والشر، الرحمة والقسوة، الحب والكره، العدل والظلم، الشجاعة والجبن، لتكون مشاعر المسلم دائماً موجَّهة للصدق، مهذبة، ومنبثقة من معتقدات ومبادئ متينة ثابتة. وعلى الفن التمثيلي بخاصةٍ، والفن بعامةٍ أن يؤدي رسالته هذه

стр. 16

وأن يُسهم إسهاماً فاعلاً في تهذيب المشاعر الإنسانية، والرقيّ بها مستهدياً بتعاليم ديننا الحنيف. ٦ - المعالجة العملية للقضايا الاجتماعية: إن مما يورث الحسرة في النفس، تضافر الأعمال الفنية المعاصرة على مغايرة الحلول الناجعة للقضايا الملِحّة التي تُطرح واقعاً في المجتمعات، فنراها تحضّ على اتخاذ الخليلة عند خوف الشقاق بين الزوجين، بدل الإصلاح أو الطلاق، وتصوِّر الطلاق على أنه إن لم يكن محرماً فقد قارب ذلك، وكذلك توهم الشاب أن الزواج يكاد يكون مستحيل التحقق نظراً لغلاء المهر، والمؤونة الباهظة للإقدام عليه، بدءاً بهدية الخطوبة - الشبكة - وانتهاء بتعليم الأولاد في الجامعات والتزام تجهيز البنات، وذلك بدلاً من الحث على التقليل من المهر، والتيسير في النفقات المترتبة على الزواج، هذا ناهيك عن تصوير الرشوة والمحسوبية للتوظيف على أنها حتمية للحصول على الحقوق المكتسبة، والإيهام بأن الطريق الأوحد لتحصيل الثروات الطائلة لا بد أن يمر عبر المحرمات؛ كالتهريب والغش ونشر الرذيلة، فالجميع في هذه الأعمال الفنية يريد أن يعيش مترفاً، فلا يوجد ألبتة من يقنع بما قسمه الله له من رزق، فالفقر- غالباً- معيب عند كُتّاب هذه الأعمال، والشباب عندهم في تيه فاق (تيه بني إسرائيل) ! فلا شغل لديهم إلا النادي والسهرات والحفلات والرقص، والهزء المستمر بالجيل القديم المتشدد الذي لم يدرك بعدُ بأن الدنيا قد تطورت، وبأن الجيل الجديد هو الذي يفقه الحياة، ويعرف كيف يتمتع بها، فالحياة قد تطورت عندهم، لكن تطوّرها صائر دومًا إلى الفساد!! وهكذا يمر جيل بعد جيل

стр. 17

ليعيب كلٌ سابقَه، وبذا يبقى الإفساد مستمراً نظراً للمتغيرات الاجتماعية والحضارية بزعمهم، ولا يخفى على الأريب من أمثالك - أخي القارئ - ما لهذا التوجّه من أثر بالغ في ترسيخ مفهوم نظرية النشوء والارتقاء وأن البقاء للأصلح، فالدنيا في تطور مستمر، فليس يهمّ إن كان التغيير نحو الأسوأ، ولكن المهم هو ديمومة التغيير!! هذا، وسوف أبيّن في طيات بحثي سمات الفن المعاصر وما يقدمه للمجتمع، من ناحية الموضوع، وطريقة العرض، والأسلوب، وقبل الخوض في ذلك كله، كان لا بد من التساؤل عن خلفيات هذا الفن، وأثره في فكر الناس وحياتهم، وعن القائمين عليه، من هم؟ وماذا يريدون؟ ومن الذي أسبغ عليهم لقب "فنانين"؟ وإلى أولئك الذين يوجّهون الفنّ المعاصر ويختطّون له وِجهته نطرح التساؤل التالي ونترسّم الإجابة عنه، متوسّمين بفِطنة القارئ الكريم: ما هي رسالة الفن المعاصر؟ أهي النهوض بالأمة، أم العمل على تدمير مُقوِّماتها الدينية وتقويض دعائم فضائلها؟!! ولعلك أخي الكريم، بقراءتك لفصول هذا الكتاب تخرج بإجابة جليّةٍ وواقعية، وذلك من خلال رصد نزيه متجرد، لواقع الفن التمثيلي المعاصر ولحال القائمين عليه. ****

стр. 18

الفصل الثاني الفن التمثيلي وأثره في الناشئة لقد أثبتت البرامج المعدّة للناشئة أن لها تأثيرات واضحة ومباشرة على سلوكياتهم، حيث إنهم سرعان ما تبهرهم المتغيرات من الصور، وبريق ألوانها، فتراهم قابعين، وكأن على رؤوسهم الطير، ساعاتٍ مديدة، أمام شاشات التلفزة أو الفيديو، يترقبون الأحداث، فتسلبهم كامل اهتمامهم وتفكيرهم، حتى بعد فترة المشاهدة، ومن ثمّ يتأثر سلوكهم بها - بطريق المحاكاة - سلباً أو إيجاباً. ويعتقد بعضهم أن هذه البرامج قد تُزوّد الناشئة ببعض المعلومات القيّمة، وترقى بمستوى تفكيرهم، والواقع أن اعتقادهم هذا مستلهم من تأثرهم بالأفكار السائدة في الغرب، الذي لا تحكمه ضوابط اعتقادية ولا خلُقية، فما أكثر الدراسات التي تحاول أن تثبت - بشكلٍ أو بآخر- إيجابيات ما يقدّم من برامج للناشئة، " ففي ملخص تقرير الحكومة الأمريكية عام ١٩٨٢م الذي يتعلق بالتأثيرات المترتبة على مشاهدة البرامج، والذي كان بمثابة محصّلة لجهود ما يقارب خمسة وعشرين عالماً وباحثاً، وقد تضمن التقرير ثلاثة آلاف بحث ودراسة داخل الولايات المتحدة، وبعضها الآخر في أوروبا، استنتج هذا التقرير أن مشاهدة برامج التلفاز تساعد في تنمية القدرة الذهنية على التخيل والابتكار كما أنه قدم لنا دليلاً أكيداً على مقدرة هذه البرامج على غرس القيم الاجتماعية المفيدة في نفوس الناشئة،

стр. 19

وعلى تعويدهم السلوك الاجتماعي المرغوب" (١) وهذا لا يعني - بالضرورة - أن البرامج التلفازية ليس لها آثار سلبية على الناشئة على اختلاف معتقداتهم وبيئاتهم، وإن كان بعضهم قد يُرجع هذه السلبيات إلى الناشىء نفسه ... لحالته النفسية والفوارق الفردية بين الناشئة (٢) . هذا ما تراه الدراسات المذكورة آنفًا التي لا تنطبق أساساً على بيئتنا الإسلامية، فالطفل في البيئة الغربية قد يشترك مع الطفل المسلم، في كونه طفلاً وبمشاعر الطفولة واحتياجاتها، إلا أنه يفترق عنه في بيئته الاجتماعية، ومبادئه الدينية والخلقية، وسُلَّم ترتيب القيم لديه، إلا أن البرامج كلها تؤثر - سلباً أو إيجاباً - في الناشئة على اختلاف مستوياتهم الذهنية والفوارق الفردية والاجتماعية فيما بينهم، وذلك بحسب البرنامج المعروض، وتوجهاته، وخلفيات وضعه وأهداف عرضه. فالبرامج العربية - مثلاً- التي تُقدَّم للناشئة قد تحمل في طياتها توجهات فكرية واعتقادية - في بعض الأحيان - قد تستخفّ بعقلية الناشئ وما أودعه الله فيه من قدرات، حيث أصبح الترفيه هو الغاية، والرعب والخيال، والعنف والعدوان، والحب والجنس، هو محور تلك البرامج التي لا يتفق الكثير منها مع مبادئ التربية الإسلامية، بل إن بعضها الآخر لا يتفق والتصوّرات الإسلامية عن الإنسان والكون والحياة، ومنها أيضاً ما لا يرسّخ الولاء لله تعالى ولرسوله، ذلك-

стр. 20

إن لم نقل- إنه قد يعارض ذلك. ولعل لهذا أسباباً قد تكون مقنعة في ظاهرها، من ذلك: (١) أن القائمين على برامج الناشئة لم يدخلوا هذا المضمار ولم يركبوا هذا المركب الصعب إلا لتحقيق المكاسب الماديّة فقط، بغضّ النظر عن سلامة الأهداف والنتائج. (٢) أنهم لم يتفهّموا شخصية الناشئ، بما أودع الله فيه من إمكانات نفسية، وعقلية وسلوكية، فتراهم يقدمون في بعض الأحيان ما يسيء إليه، دون دراية منهم بذلك ولا خبرة. ويحسن الاستشهاد هنا بمقولة فريد التوني: «إذ نلحظ خلوها تقريباً من الأهداف التربوية الإسلامية فهي لا ترمي إلا إلى التسلية والفكاهة، كألف ليلة وليلة، وحكايات السِّحر، وما شاكلها» (١) . فالشاطر حسن والإبريق المكسور وغيرهما كثير، كلها من الإنتاج العربي، ومع ذلك فإنها لم تعمق المفاهيم الإسلامية، وإنما تم الاكتفاء بعرضها على أنها تراث فيه ما فيه من الحب والعشق والغرام مع تضمنها أحياناً لبعض الأخلاقيات العامة. بل إننا نرى أن بعض البرامج العربية قد تجنح إلى ترسيخ المبادئ العصبية المنهي عنها، أو الهدامة المناقضة للإسلام وتعاليمه السمحة. ونحب أن ننوّه في هذا المقام بالسياسة الإعلامية المقررة في المملكة العربية السعودية التي أكّدت تأكيداً جازماً على منع كل ما يناقض الشريعة الإسلامية الغراء أو يشوه الفطرة النقية للناشئة (٢) .

стр. 21

وبين يديك أخي القارئ نص المادة الثالثة من أسس الإعلام السعودي: تدأب وسائل الإعلام على خدمة المجتمع، وذلك عن طريق تأصيل قيمه الإسلامية الثمينة، وترسيخ تقاليده العربية الكريمة، والحفاظ على عاداته الخيّرة الموروثة، ومقاومة كل ما من شأنه أن يُفسد نقاءه وصفاءه، وتعنى في دفع عجلة التنمية والتعاون مع المؤسسات المختصة في هذا المجال. أما المادة الرابعة منه فتنص على الآتي: يؤكد الإعلام السعودي على أن الطفل فطرة نقية صافية وتربة خصبة، وأن صورة مجتمع الغد إنما تُلمَح من خلال طفل اليوم، لذا فعليه أن يولي برامج الأطفال التوجيهية والتثقيفية والترفيهية ما تستحقه من جهد واهتمام، ويقيم هذه البرامج على أسس تربوية علمية مدروسة، ويعهد بها إلى ذوي الاختصاص الدقيق في هذا المجال" (١) . كل ذلك للحفاظ على فطرة الناشئ السليمة، وليكون رجل المستقبل الذي تبنى عليه الآمال، فهي رسالة ذات هدف عظيم، ومن هنا تبرز ضرورة فهم شخصية الناشئ وتغذيتها روحياً وعلمياً، وكذلك فهم لغته الخاصة، لمخاطبته بها، وتوسيع مداركه في التعامل معه، فنقدم له ما يرقى به نفسياً وعقلياً وسلوكياً. "إنه لا بد أن تكون الرسالة من أجل تنمية روح الطفل وعقله وتوسيع معارفه ومداركه عبر إعطاء المعلومات الصحيحة والمناسبة" (٢) . ولذلك ينبغي أن تُرسم خطط وبرامجُ تتسم بالسمات الدينية

стр. 22

والمعرفية والتربوية، وأن يكون ذلك مترافقاً مع بعض الترفيه المنضبط الذي لا يخالف ديننا ولا تقاليدنا، ليمكن بذلك تنمية مواهب الناشئة وتوجيههم نحو أهداف سامية. كما "ينبغي الاهتمام بوجود إستراتيجية برامجية واضحة الأهداف والمعالم تنطلق من فكر إسلامي صحيح، وتهدف إلى تعميق الولاء لله في نفس الطفل" (١) . ومن الواجب ألاّ نقدم للطفل ما يرغبه هو، لأنه قد يختار ما يضرّه ولا ينفعه، ومن هنا تبدأ مرحلة الضياع، وتظهر الحالات المرضية في الناشئة، بدءاً بالاتكالية وعدم المبالاة، وانتهاءً بغياب الإبداع والابتكار، بل ينبغي أن يقدّم للناشئ ما يجب أن يتعلمه ويفكر فيه ويتعود عليه سلوكاً. فتقدّم له المعلومات الدينية والثقافية والفكرة الوجدانية واللمحة الترفيهية الهادفة، فتنمو لديه بذلك مَلَكة التمييز بين الغثّ والسمين والصحيح والسقيم، ليكون ذلك نَوىً تبنى عليها الآمال في استكمال إنجازات الأمة الإسلامية وحضارتها. علاقة الفن التمثيلي بالناشئة: وفيما يلي سنلقي الضوء على ثلاثة محاور أساسية يمكن من خلالها إيضاح علاقة الفن التمثيلي بالناشئة؛ يتمثل المحور الأول منها في مسرح الناشئة، أما المحور الثاني فيتمثل في ما يقدم لهم من برامج تلفازية وفي مُقدَّمها الأفلام الكرتونية التي تشغل حيزًا مهمًا من وقت الطفل، ومحاولين في المحور الثالث تلمّس أثر الفن على الناشئة، ذلك الأثر المدمر اللاحق بالناشئة من جرّاء تعلقهم به، وبخاصة عند غياب الرقابة الأسرية.

стр. 23

المحور الأول: مسرح الناشئة: لقد تبارى الفنانون وكُتّابهم في المسرح المعدّ للناشئة في تقديم كل ما يسرّ الطفل ويضحكه، دون النظر إلى القيم والأهداف، ودون مراعاة لشخصية الطفل وإمكاناته، والعمل على تنميتها، فإذا ضحك الطفل بفعل بعض الحركات المؤداة على منصة المسرح، فمعنى ذلك - من وجهة نظرهم- أن العمل المسرحي قد حقق الهدف المتوخى منه، وهذا غاية ما يتمناه كثير من القائمين على مسرح الطفل. فنحن نرى في هذا المسرح شخصيات وهمية، كحيوانات - مثلاً- نراها وهي تتكلم وتشد انتباه الطفل، فيتلقى الطفل معلوماته المسلّمة من حيوانات، وكأن الحيوانات صارت منظِّرة في المبادئ والقيم والأخلاق والسلوك الحميد للإنسان، فما أعجب ما ذهبوا إليه!! وما أشد الشحّ الفكري لدى هذا الإنسان، وما أعظم فيوضات تلك الحيوانات بالمُثُل والعقل، فهل أضحت هي دائرة معارف الناشئة، ومصدر غرس القيم لديه؟! هذا - فيما لو أحسنّا الظن بتضمّن الحوار بينها لقيم نبيلة، وغايات إنسانية سامية!! لكن الواقع يشهد بأن الناشئ لا يلقي بالاً لما يدور من حوار بين هذه الحيوانات، بقدر ما يهتم بحركاتها وصرخاتها، ومناظرها المشوّقة الجذّابة، وبألوانها الزاهية وملابسها المزخرفة، وحيواناتها الناطقة المجسّمة، وإيهام تلبّس الحياة بها، مما يؤثر سلباً في عقيدة الناشئ ويؤدي به إلى التساهل في تقبّل ذلك (١) . أما ذاك الانفصام بين طبيعة الحيوانات - واقعًا - وما يراه

стр. 24

الناشئ على خشبة المسرح الحيواني، فقد بات يؤثر سلباً على عقلية الناشئ ذاتها، فالأرنب مثلاً على المسرح تراه ضاحكًا، والذئب يتكلم بفصاحة نادرة، مع تعدد ألوان وأشكال كل منها، بما يخالف واقعها، كل ذلك جعل الناشئ ينتقل بتصوراته إلى عالم متخيّل، لا وجود له، بما يفسّر محاولة بعض الأطفال مباشرة التكلم مع بعض الحيوانات الأليفة بل ومحاورتها، ظناً منهم أنها تتكلم وتضحك كما هو حالها في المسرح، فكم تردد على مسامعنا أسئلة من بعض الناشئة عن الحيوانات الحقيقية: * لماذا لا يتفهم هذا الحيوان فكرتي؟! * لماذا لا يحزن لما ألمّ بي، فيبكي؟! * لماذا لم يخبر أمي عندما وقعت أرضًا؟! * لماذا لم يتقبّل هديتي له ... ؟! ومثل ذلك كثيرٌ ... كثير ... !! فلا شك بأن افتراض قدرة الحيوان على التخاطب، وحلِّ المعضلات، والتحلِّي بالمشاعر النبيلة، كلُّ ذلك كان له أثر سلبي بالغ على القدرات العقلية للطفل، ولو احتج أصحاب هذا الفن بأن وضع هذه القيم بقالب تمثيلي يؤدي دور البطولة فيه حيوانات مصطنعة، هو لافت لنظر الطفل، ومثير لانتباهه، إلا أن ذلك - من وجهة نظرنا- يسبب خللاً في تصورات الأطفال، قد يجعلهم متعلقين بها، ومترسمين خطاها لفترات مقبلة من حياتهم (١) .

стр. 25

فالقيّمون على مسرح الطفل لم يراعوا شخصية الطفل الناشئ، ولم يسبروا أغوارها، كما لم يناسبوا بين تفكير الناشئة وأعمارهم، لذلك لا يُتوقع منهم أن يحققوا أهدافاً دينية أو تربوية واضحة، فغالب هؤلاء بالغُ همِّهم تحصيل مكاسب مادية وحسب. تقول الفنانة (الخليجة) منى عيسى - وهي الخبيرة بمسرح الطفل -: "مع الأسف الشديد إن مسرح الطفل يأخذ الآن الطابع التجاري البحت". (١) فلم يعد لمسرح الطفل الأهداف الواضحة الملموسة، إذ تخبَّط الفنانون في ماهية أهدافه، وكيفية تحقيقها، وفي ذلك تقول: " لقد خرج هذا المسرح عن طبيعة رسالته والدور الذي يجب أن يقوم به نحو أطفالنا، وتحول إلى مؤسسات تجارية تحرص على انتزاع ضحكات الأطفال" (٢) . وعلى ذلك، فنحن بأمسّ الحاجة اليوم، إلى أعمال تدخل عالم الناشئ، فتنتشله من هذا الكمّ الهائل من الأعمال المرئية الغثة، التي لا طائل تحتها، علماً بأن محاولات جادة بدأت من قبل مؤسسات إنتاج إسلامية، إلا أنها تبقى غير كافية، وبخاصة أن بعضها ذو نظرة مادية لا تختلف كثيراً عن نظرة سابقيهم من العاملين بهذا المجال. ولذا فإن المسؤولية تتضاعف، وتكاد الأحمال تُنقض ظهر الكاتب ذي الرؤية الإسلامية الواضحة، وأصحاب القلم البنّاء، وأهل الإصلاح الاجتماعي، وهي كذلك عبء على كاهل الفنان الملتزم ذي الحس الديني والثقافي والاجتماعي، الذي بإمكانه أن يتغلغل إلى دخيلة نفس الطفل، وإلى أركان شخصيته، دون عناء يذكر،

стр. 26

فيصقل روحه بالهدى، ويرتقي بفكره إلى مراقي الفلاح. هذه دعوة لكل من يسعى إلى الرقي الفكري والاجتماعي والسلوكي للناشئة، عسى أن تلقى آذاناً مصغيةً لدى المهتمين منهم بذلك. المحور الثاني: فنّ العروض الكرتونية (الرسوم المتحركة) : لقد أسفرت دراسة للباحثة فاطمة أبو ظريفة " عن أن أفلام الرسوم المتحركة تستحوذ على اهتمام كبير من الأطفال وأن جميع الأطفال يتابعونها بنسبة تامة (١٠٠%) " (١) . إن فن العرض الكرتوني يستحوذ على اهتمام الناشئة، بل قد أضحى لبّ اهتماماتهم، ذلك بأنهم يشعرون بالمتعة الخيالية وهم يشاهدون ما لم يروه في الواقع، فيتقلبون طوال متابعتهم لها في خيالات تداعب مشاعرهم، وقد تؤثر على أنماط تفكيرهم وسلوكهم مستقبلاً، وذلك بشكل غير إرادي، في عقلهم الباطن، وهذه المتعة قد تقودهم أحياناً إلى خطر محدق، بل إلى تدمير لتوجهاتهم ولحياتهم أحياناً، فهي غزو لهذا الناشئ البريء، غزو لمعتقداته وفكره، غزو لعواطفه وخياله، وغزو لإمكاناته الإبداعية، ولخياله الخصب، وذلك بإغراقه بالإثارة والتشويق، فيضطرب عند ذلك كل شيء في كيانه الإنساني، توصّلاً إلى أعظم ما يملكه الإنسان المسلم وهو العقيدة.

стр. 27

أثر العروض الكرتونية في العقيدة: إن نظرة الناقد البصير لبعض هذه العروض، توضح له -يقيناً- كثيراً مما ترمي إليه هذه العروض من زعزعة عقائد الناشئة، وغرس مفاهيم دينية منحرفة لديهم، وقد ركزّ العاملون في هذا المجال جهدهم الأكبر على هدم عقيدة التوحيد التي يعتقد بها ناشئة المسلمين، وعلى استساغتهم لكثير مما يتعارض مع مسلّمات الفطرة، ومسلّمات التشريع لدى المسلمين. وقد أثبتت الدراسة السابقة أيضاً، "أن الأفلام الكرتونية- بما تحويه من معتقدات- لها أثر على عقيدة الطفل، وعلى مفهوم الحلال والحرام لديه" (١) . وبين يديك -أخي القارئ- بعض نموذجات للفن الكرتوني، وقد عرضت أفلامه في تلفزيونات العالم الإسلامي، تعيث فساداً في عقول أطفالنا، وتحاول إشرابهم مفاهيم غريبة عن فطرهم وعن المسلّمات الدينية لديهم، دون رقيب، اللهم إلا من وازع ديني لغيور على أطفاله، وعين بصيرة مؤمنة. الفن الكرتوني وعقيدة التثليث: "عرض مسلسل كرتوني رآه كثير من ناشئة المسلمين وهو يرمي إلى غرس عقيدة التثليث المنحرفة في قلوب أبنائنا، وهو بعنوان (الإله زيلا) -كما زعموا- ومما تضمّنه: أن أسرة كانت في عُرْض البحر، فاعترضتها وحوش خيالية أصابتها بالرعب والهلع، فلم تلبث هذه الأسرة إلا أن دعت (الإله زيلا) الذي هرع لنجدتها، فأنقذ الأسرة بعد صراع مرير مع تلك الوحوش الخيالية.

стр. 28

ولهذا الإله - بزعمهم - ابن يعايش البشر، فهو واحد منهم يرعاهم ويستجيب لهم، (١) هكذا - وبكل وضوح - يعارض هذا المشهد وأمثاله، عقيدة لجوء الناس المسلمين لله الواحد الأحد - سبحانه - إذا ما ألمّ بهم مثل هذا الحدث الجلل، وتتسرب في عرض هذه المسلسلات عقيدة ادعاء الولد لله - تعالى-، تتسرب في لبوس برّاق يبهر عقل المشاهد الناشئ، ويتسلل إلى نفس الطفل ذلك ليؤثر بها كأثر لفيروس استعصى تبيُّنه على العلماء، ومن ثم استحالت معالجته. وفي المقابل يتم تعليم الناشئة بجهد طيب من أهل الذكر، الآياتِ القرآنية، ومنها قوله تعالى: [المَائدة: ٧٣] ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ عندها تتلاطم المفاهيم في عقل الناشئ المسلم، وتتزعزع لديه العقيدة - وهي أثمن ما يحرص عليه - وذلك بأثر جلسة للتسلية والترفيه قد لا يلقي لها الأهل بالاً، بل قد تجدهم يحثون أطفالهم على قضاء أوقات ممتعة في متابعة هذه المسلسلات! الفن الكرتوني وعبادة الأصنام: أما "مغامرات الليث الأبيض"، ومَنْ من الناشئة لا يعرفها، إذ تجلت بحُلّتها المثيرة، وبمشاهدها الأخّاذة، وبإخراجٍ بديع لها، وقد ظهر في أحد عروضها صنم من حجارة، وقف الناس أمامه بذِلّة وخضوع، يتوسّلون إليه ويدعونه عند الكوارث والمصائب، فهم

стр. 29

يعبدونه (١) مرّوجين بذلك فعلة معظم الأقوام المعذَّبين، الذين عارضوا دعوة الرسل ﵈ من لدن نوح ﵇، وصولاً إلى مشركي قريش المعاندين لدعوة رسول الله ﷺ ، وبعد أن اندثرت تلك العقائد الباطلة، عادت تطلّ علينا عبر عروض كرتونية، يتابعها بشغف معظم أطفالنا، فيألفون رؤيتها، وقد تصبح مستساغة لديهم، ليعمل المربون بعدها سنوات طوالاً لانتزاع أثرها وتثبيت المفهوم الإسلامي للعقيدة في نفوسهم. ولا تعجب بعدها، إذا رأيت طفلاً يسجد لدمية أو لحجر طالباً منه تحقيق ما يريد، يقول أحدهم: حصلت لي تجربة شخصية مؤلمة جداً مع طفلي، وهي أني رأيته وهو يسجد لدمية أطفال لكي تتوسط له عندي لأحقق له ما طلبه منّي، وعندما سألته: من علّمك هذا؟ أجابني قائلاً: لقد رأيتها في الفيلم (٢) . ولا عجب بعد ذلك، إن رأيت طفلاً يحدّث ناراً أو يتوسل إليها لتنفيذ رغباته، فها هي "مغامرات سندباد " في إحدى عروضها تُظهِر عقيدة المجوس، في تقديسهم للنار وتقديمهم القرابين لها، فكيف لنا بعد ذلك كله أن نحصّن أبناءنا من أثر هذا الهدم العقدي، دون ضبط فاعل وتمحيص لما يعرض منها، ليتوافق مع مسلّماتنا الدينية والتربوية. من يدبّر الكون، في نظر العروض الكرتونية ؟! عَمِل هذا الفن جاهداً، بأسلوب جذّاب مثير، على تصوير صراعات دائمة في هذا الكون، فتارة يصوّر وجود مخلوقات فضائية

стр. 30

معادية للإنسان، تقوم بغزو كوكبه، لضم الأرض إلى عالمهم، وهذه المخلوقات مفتراة متخيلة لم يُؤثَر علمٌ بها عند أي أمة من الأمم، ولا في أي عقيدة من العقائد - حتى لو كانت محرّفة - وإنما هي خرافات نسجت حولها أسطورة لتوهم الناشئة إيحاءً بأن هناك من يتصرف بهذا الكون وينظّمه، غير الله تعالى، الذي بيده ملكوت كل شيء، وهي قوى متصارعة أو عقلٌ مدبِّر مركزي، وليس الله العظيم الجليل، هذا ما نراه في أفلام غزو الفضاء وحرب النجوم (Space invadors) & (Star wars) التي يُعجب بها الناشئة أيّما إعجاب ويستمتعون بمشاهدتها الساعات الطوال. يقول فريد التوني: "تعمد أفلام مسلسلات غزو الفضاء إلى إلغاء جانب الألوهية، حتى تغرس في نفوس الأبناء الإلحاد والكفر، حيث تفسّر الكون تفسيراً وثنياً صريحاً (١) . علم الغيب كما يصوّره فنّ العروض الكرتونية: إن بعض عروض الكرتون تعرض ما سيحدث في المستقبل وكأن منظار القائمين على هذه الأفلام قد تحكّم في علم الغيب، فاطّلع على مجرياته يقيناً، وهاك مثالاً على ذلك: إذا استعرضت الفيلم (صفر صفر واحد) الفضائي المثير سترى فيه: أن بعض المخلوقات الخيالية ستقدم على غزو مقرّ الإنسان (الأرض) مستقبلاً، وسيكون هذا سنة (٢٩٩٩م) تحديداً (٢) ! وأن أحداث هذا العرض تدور جميعها حول هذا الافتراض الغيبي، وذلك الخيال المفترى، الأمر الذي يتنافى وعقيدتنا الإسلامية في استئثار الله تعالى وحده بعلم

стр. 31

الغيب، وذلك كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عِمرَان: ١٧٩] ، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ *﴾ [النَّمل: ٦٥] ، والآيات الكريمة في ذلك كثيرة. فنّ العروض الكرتونية وتأصيل عقيدة السّحر: إن هذا الفنّ يعتمد على الخيال، بل على الخيال الجامح، لذلك فإننا نلاحظ كثرة العروض المتعلقة بالسّحر، ذلك أن أثر الأعمال السّحرية يكون - فيما يظهر - خارقًا للأمور التي اعتاد عليها الناس، وتأسيساً عليه، كان السّحر وما يتعلق به من خرافات وخيالات أرضاً خصبة للغاية لهذا النوع من الفنّ، فالسحر هو محاولة تحكم بشؤون البشر، وهو - فيما يظنه بعضهم- مصدر سعادةٍ أو شقاء، وموئل أمن أو مَفْزعًا من خوف. ويصوّر أصحاب هذا الفن قدرة الساحر على أنها مطلقة لا يعجزها شيء، فهو قادر - بزعمهم - على إيجاد ما يريد إيجاده، وعلى إهلاك من يريد إهلاكه، فقد يُخرج من الزهرة طفلاً جميلاً، وقد يجعل من الحيوان إنساناً، ومن الإنسان شجرة، أو أن يخلق أي شيء يريده!! وذلك بخلطه لمركبات كيماوية معينة، وقراءة طلاسم عليها، أو التفوّه بكلمات محدّدة، تعلق في ذهن الطفل، فيجربها هذا الطفل المخدوع بعد ذلك مرات عديدة، فلا يرى لها أي أثر في الواقع، فيقع عندئذٍ فريسة للتناقض بين الواقع والمتخيل، فيعود مرة أخرى ليحقق أحلامه بهذه العروض، فلا يؤمن بعدها بإمكانية الإنتاج في الواقع، مما يتسبب في هدم كثير من إمكانات الأمة، هذا فضلاً عن ثبوت هذه المعتقدات في قلبه وروحه، مما يناقض ما كان يعتقده

стр. 32

من أن عمل السحر كفر، ومن استقرار بُغضِ السحرة في قلبه، ومن اعتقاد وجوب قتلهم حدّاً، كما قال النبي ﷺ : «حدُّ السَّاحِرِ ضربةٌ بالسيفِ» (١) . تروي إحداهن فتقول: في الموعد المحدد نادت الطفلة الكبرى أختها الصغرى بلهفة: تعالي، أفلام كرتون ... وجرت الصغيرة لتأخذ مكانها إلى جانب أختها أمام جهاز التلفاز، ودارت أحداث المشهد التالي، مترافقاً بتعليق من المقدّم: تذهب الأم إلى السّاحر وتطلب منه منحها طفلاً.. ويُشفق السّاحر على حالها، لأنها عاقر لا تنجب أطفالاً، ويعطيها حبة قمح، ويقول لها: اغرسيها وانتظري حتى العام القادم.. وفي العام القادم تتحول حبة القمح إلى طفلة جميلة ... ويستمر العرض إلى النهاية وبعدها تستغرب والدة الطفلة المشاهدة سؤال ابنتها: أمي لماذا لا تذهبين إلى السّاحر فتطلبين منه أن يعطيك طفلة جميلة مثل هذه؟ وحين همّت الأم بالإجابة، ردّت عليها أختها: الساحر لا يعطي أطفالاً، الله فقط هو الذي يعطي الأطفال.. وتردّ الصغيرة: ألم تري كيف أعطى السّاحر طفلة جميلة لتلك السيدة؟ وتجيبها الأخت الكبرى: ولكن هذا السّاحر قد مات وليس موجوداً الآن.. وتقول الأم: ولكن ما لبث أن دبّ القلق في نفسي على أطفالي من هذه الأفلام الموجّهة إليهم (٢) . هذا هو فنّ العروض الكرتونية - غالبًا - فهو لا يخدم عقيدةً ولا خُلقاً ولا هدفاً، اللهم إلا تدمير شخصية الناشئة ومسْخها ودفعها

стр. 33

نحو الهاوية، ونحو العنف والسلوك الإجرامي، ونحو الانحراف العقدي والخلقي. ماذا عن العنف والعروض الكرتونية ؟ إن كثيراً من هذه العروض يقوم على صراعات متتالية تكاد لا تنتهي إلا بانتهاء العرض، وذلك في إطار إثارات متتابعة تشد انتباه المشاهدين، وتخطف أبصارهم، حيث نرى الخداع والحيل، والكذب، والثأر والانتقام، والصراع المستمر بين المخلوقات، ويشهد لذلك عروض من أكثر العروض الكرتونية شهرة، مثل (توم وجيري) ممثلاً لصراع لا ينقطع بين قط وفأر وبوسائل متعددة متنوعة، و (بوبّاي) وتنافسه الدائم مع بحّار آخر على امرأة، وغيرها كثير مثل البطة (دفي دك) و (تاوتاو) والأرنب (باغني) ، والقاسم المشترك بينها جميعاً: اعتماد العنف والصراع وسيلة لتحقيق المبتغى، مما يؤصّل اعتماد تلك الوسيلة لدى الناشئ في حياته اليومية الواقعية. ومع ذلك كله، فإننا قد نجد بعض الناس لا يسلّمون إلا بوجهة نظر علماء الغرب، ولهؤلاء أسوق ما ورد في تقرير لرابطة التربويين البريطانيين: "إن مثل هذه الأفلام لها تأثير سيّئ على سلوك الأطفال، حيث إن الشخصيات المستخدمة في هذه الأفلام تشجع الأطفال على العنف، وتُغذّي في نفوسهم وتفكيرهم الرغبة في العدوان" (١) . ويقول د. توم راديكي، وهو أمريكي مختص بعلم النفس، بعد

стр. 34

أن رصد هو والفريق المتعاون معه برامج التلفزيون، يقول: إن العلاقة وثيقة بين ما يشاهده الطفل من مشاهد العنف وما يقدم على ارتكابه من جرائم، وإن هناك تناسباً طردياً بين معدّل مشاهدة برامج العنف ومعدّل الانحراف لدى الصغار، - أي: يزداد الانحراف أو يضعف متناسباً مع ازدياد أو قلة مشاهدة هذه البرامج -، ويتابع الدكتور توم قوله: إن مشاهدة العنف تقلل حساسية الناس إزاءه فلا يبدو ارتكاب الجرائم أمراً مخيفاً، وإن ٥٠% من مشاهدي الأحداث العنيفة يكونون أكثر ميلاً لأن يفقدوا السيطرة على أعصابهم ولأن يتورطوا في أعمال عنيفة (١) . وإن كانت هذه الدراسات قد أجريت في بعض بلاد الغرب وأُخذ فيها بعين الاعتبار الاحتياجات السلوكية لناشئتهم، فكانت نتائجها على النحو السابق ذكره، فكيف بالناشئة المسلمين الذين لا تناسبهم هذه الأفلام لا نفسياً ولا سلوكياً ولا دينياً، فخطرها إذاً كبير، يجب أن نحذره ونحمي أولادنا منه عاجلاً غير آجل، فهذه الأفلام على فرض أنها قد تحدثت عن فضيلة واحدة فهي في المقابل تغرس في النفوس رذائل كثيرة، وطباعاً غير متناسبة مع ما يجب أن يكون عليه الحال في المجتمع المسلم (٢) . إن الواقع يشهد معاناتنا - ولو بنسبة أقل مما يقع في الغرب- من العنف في بيوتنا ومدارسنا، فهل هذا من مسلّمات بيئتنا وعاداتنا؟ وهل منشأ هذا ديننا الإسلامي العظيم الذي يأمر بالرِّفْق في الأمر

стр. 35

كلّه؟ وفي الحديث: «إن الرّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (١) . إن السلوك العدواني سرعان ما ينطبع في مخيلة الناشئ، لأن العنف في الأصل مرتبط بالأفعال وحركات الجسم، الأمر الذي يثير الناشئ فيعمد إلى تقليده، فيتغلب ذلك في كثير من الأحيان- على ما يتلقفه نظرياً من المربين، فيقع عندها في نوع من الانفصام الحاد في شخصيته بين القدوة العملية والأقوال النظرية. ومن الجدير بالذكر هنا، أن الناشئة في العالم العربي والإسلامي - حسب إحدى الإحصائيات - يقضون ما معدله من ٣٥ إلى ٤٠ ساعة أسبوعياً أمام التلفاز (٢) وأغلب هذه الفترة تكون مخصصة للفن الكرتوني بكل سلبياته التي ذكرتها. وما المتوقع من أبنائنا بعد هذا التلقين السيىء المستمر، والتوجيه العقدي والسلوكي المنحرف، أتراهم سيعيشون توازناً نفسياً في عقائدهم؟ واستقراراً فكرياً في توجهاتهم؟ وهدوءاً عاطفياً في سلوكياتهم؟ الخيال في عروض الكرتون: يُعدّ التخيّل مادة أولية خِصبة يعتمد عليها الفن الكرتوني، وقد يكون سهلاً ماتعاً، منطلقاً من الواقع الفكري للناشئ، إلا أنه بالمقابل قد يكون خيالاً جامحاً مرتكزاً على المبالغة والتهويل مما يسبب عدم اتزان فكري لدى الناشئ، وهذا ما يجعله مشتت المفاهيم مضطرب السلوك، فتنتكس موازين المعرفة لديه.

стр. 36

وقد أظهرت دراسة متخصصة أن الخيال في أفلام الرسوم المتحركة يؤثر على حيز المعلومات والثقافة لدى الطفل، كما يشككه في هذا المجال في معلوماته التي يكتسبها في بيته ومدرسته (١) . فما يُتوقع بعد ذلك من ناشئ يرى الشمس تبكي؟! تقول الطفلة وفاء: أنا لا أحب الشمس أبداً ... لأنها عندما توفيت أمي لم تبك ... أما عندما يتوفى الكلب أو القط في الأفلام فإنها تبكي (٢) لقد فهمت هذه الفتاة، بل تعمّق في معرفتها أن الشمس تبكي وتحزن! أما خالد فقد كان يقضي الساعات الطوال، وهو يشاهد أفلام الكرتون، وكان والده يزوده بكل جديد منها، وفي ذات يوم اعتلى خالد أرفف المكتبة المنزلية، ثم ألقى بنفسه على أخيه الصغير، وهو يصرخ بكلمة وردت في الفيلم، مما تسّبب له بإصابة خطيرة في العمود الفقري، وصار عُرضةً بعدها للإصابة بشلل دائم (٣) . ما أصاب خالداً هو الاعتماد الذهني على الخيال بل الذي لم يبن على واقع الطفل المحيط، فتمثّل له حقيقة نظرية أراد أن يطبقها في أرض الواقع، ولما باشر ذلك كانت الكارثة، فكثيراً ما نرى في هذه العروض إنساناً، وهو يطير في السماء وبلا أجنحة!! وآخر يقفز من فوق رؤوس الجبال الشاهقة!! أو تنشق الأرض ثم يخرج منها إنسان ضخم، أو يغوص في البحار بلا حافظة أوكسجين، ثم يتكلم ويتنفس في الأعماق، كل هذا قد يجعل الناشئ مضطرباً في تصوراته

стр. 37

الفكرية، بل في معرفته للبيئة من حوله وقد يتسبب ذلك في إكسابه شعوراً بالاضطراب والخوف، بل شعوراً بعقدة نقص، لا يمكنه التخلص منها إلا بممارسة واقعية لما يتخيّل!! العروض الكرتونية والخرافة: إن هذه العروض تبتكر شخصيات لا وجود لها في أرض الواقع، ثم تُسبِغ عليها قدراتٍ خرافية هائلة، تجعل قلوب الناشئة تتعلق بها، وأذهانهم تتصور وجودها حقيقة، مثل جريندايزر وسوبرمان، وغيرها، وقد سئل الأطفال يوماً عن تسمية شخصية تاريخية كانت مثالاًً أعلى للبطولة والشجاعة، فبادر أحدهم مجيباً: إنه جريندايزر!! أما الآخر، فهو يحب جُنكر الشخصية القوية الجبارة (١) . تقول منى عيسى: إن المطلوب هو إنتاج برامج تلفازية تتحدث عن البطولات العربية وعن أهم الشخصيات العربية والإسلامية.. وأن تُقدَّم للناشئة في شكل جذّاب، المطلوب أن نقدّم لأطفالنا تاريخهم (٢) . إن تاريخنا الإسلامي حافل - ولا شك - بشخصيات كانت مثالاً يحتذى في المعرفة والسلوك والتضحية والبطولة، فكانوا نبراساً لجميع الأمم، ومضرب مثل للبشرية، والغريب حقاً أن يُبعد هؤلاء عن وجدان الناشئة وأذهانهم، ومن ثَمّ يوجهون لشخصيات لا وجود لها، ويفخرون بها ويحذون حذوها.

стр. 38

البوكيمون قمة الخرافة: (البوكيمون) عرض لمسلسل كرتوني أُنتج في اليابان، وهو مخصص للأطفال، وقد انتشر بشكل مذهل في الآونة الأخيرة، في أنحاء شتى من العالم، وهو يُعرض مدبلجاً إلى اللغة العربية الفصحى (وهذا إنصافاً قد يُعدّ من إيجابياته) في عالمنا العربي، وقد غزا عقول أطفالنا وقلوبهم، حتى أمسى مالئ دنياهم، وشاغل أفئدتهم، وحديث ساعتهم، ومن ثم صارت صور أبطاله تباع وتشترى بمبالغ ليست متوقعة، فصار الأطفال يقامرون بهذه البطاقات فيما بينهم. حتى لقد استفتى الناس العلماء في حكمه، فقضت الفتاوى بتحريمه لما له من الأضرار المحققة على عقائد أطفالنا، وتعويدهم المقامرة. ف ما قصة "البوكيمون "؟! هي مجسّمات كرتونية لحيوانات متخيَّلة، غريبة الشكل، ومختلفة الأحجام، ومتنوعة القدرات لها قوى خارقة، يعيش بعضها في الغابات، وبعضها الآخر في الكهوف، وبعضها في الأنهار، وهناك ما يقارب مئة وخمسين (١٥٠) نوعاً منها، تدور أحداث قصصها في أرض مجهولة يعيش فيها الإنسان والبوكيمون، يقوم فيها البطل "آش" بتدريب بيكاتشو البوكيمون البطل المستحوذ الأول على عقول الصغار وقلوبهم. وقد اخترع هذه الكائنات الكرتونية شاب ياباني يبلغ من العمر ٣٤ سنة، استطاع بمساعدة صديقين له الترويج لهذه الشخصية الكرتونية بعدما عكف ست سنوات من أجل إخراجها من حيّز الأفكار إلى حيز الواقع!! المشغول لا يُشغل: إن اقتحام البوكيمون بهذه السرعة الهائلة للسوق الإعلامية العربية

стр. 39

أمر متوقع، لا غرابة فيه، وذلك لكونها شبه فارغة من أي منتج قيم قد يستحوذ على مشاعر الطفل، ويحوز إعجابه، وذلك بغض النظر عن جودته أو رداءته، أو عن قيمته التربوية، سواء أكانت بنّاءة أم هدامة، فالسوق الإعلامية العربية أفقر ما تكون في مجال الرسوم المتحركة، والكوب الفارغ يُملأ ولو بالهواء، ولا أنكر أبداً أن هناك بعض المحاولات الجادّة في هذا المجال التي تحاول إظهار محاسن البيئة العربية وتمثُّل القيم الإسلامية؛ من أمثال "الفاتح"، و "عين جالوت" و"رحلة الخلود" ونحوها، إلاّ أنها تظل شبيهة بخطوات طفل يحبو في أشهره الأولى وهو ينافس عدّاءً قد حاز قصب السَّبْق مراراً وتكراراً. وانطلاقاً من هذا المفهوم فإننا ندعو لقيام محاولات أكثر جدية وإتقاناً، تكون مبنية على أسس علمية وتربوية في هذا المجال، كما ندعو رجال الأعمال العرب والمستثمرين إلى خوض غمار هذه التجربة، حيث إن السوق العربية - من وجهة نظرنا- يمكنها استيعاب هذه المنتجات ذات الطابع العربي والإسلامي المتأصل. وقد علمتنا تجربة (مستر ديزني) أن النجاح لا يكمن في اختراع الشخصية الكرتونية وحسب، بل في غزوها لعالم الطفل؛ فتصل إلى ملابسه وألعابه، وكراريسه وأدواته المكتبية وأطباق طعامه وأكواب شرابه، حتى الحلويات المخصصة له، وعالمه الخاص بأكمله. وهذا يشجع هؤلاء المستثمرين على القيام بصناعات ملحقة بهذا المنتج الكرتوني، قد تدرّ عليهم أرباحاً طائلة، ويكون سبيلاً ناجعاً لنشر القيم الطيبة والسلوك الحميد لدى أطفالنا. إن تحول الصناعة الكرتونية واستدارة دفتها من الوجهة الأمريكية إلى اليابانية يحدونا-

стр. 40

وبقوة- إلى الاعتقاد بأن عالم ديزني يمكن أن يُقْهَر بشيء من الإتقان، والعزيمة على منافسته. فما المانع من الاستفادة من هاتين التجربتين الرائدتين في هذا المجال؟! أما القول بأن يُمنع الأطفال من متابعة الرسوم المتحركة، فقد يولّد ذلك لديهم رغبة جامحة لتلك المتابعة "فكل ممنوع مرغوب"، فضلاً عن أنه يصعب ذلك، فقد غزا التلفاز كثيراً من الدُّور، فاستحكم في عقول ساكنيها، وسلب عليهم ألبابهم، وقد ملأت صور أبطال الرسوم كل الأسواق والمطاعم وألواح الإعلان، ونحن نتساءل هنا: ألا يمكن إيجاد بديل مثير لأطفالنا، يكون أكثر لصوقاً بتاريخنا ومعتقداتنا وبيئتنا العربية والإسلامية المحافظة؟! وليكن الغزو أخيراً غزواً عربيّاً إسلامياً أصيلاً لعقول صغارنا وقلوبهم. إنه من المستغرب حقاً أن نطالب الناس بمنع أولادهم من أمور قارب شيوعها شيوع الماء والهواء؟! إنهم إن منعوهم منها فسيتحيّنون الفرص المناسبة لها، فالتلفاز قد انتشر انتشار النار في الهشيم، وأكياس الشيبس المملوءة بكروت البوكيمون قد امتلأ بها كثير من المحالّ التجارية والمطاعم العالمية التي تروج بضاعتها عبر أبطال الكرتون، فلا يجد الأهل بُدّاً - والحال كذلك - من إرضاء أطفالهم، بل إن الواقع يشهد بأن الأولاد هم الذين يقسرون أهلهم قسرًا على اللحاق بعالمهم، وإرضاء توجهاتهم. وحيال وضع كهذا، كان لابدّ من السعي والمثابرة لإيجاد البدائل؛ فبدلاً من أن يصبح البوكيمون - وأمثاله مما قد يستجدّ - هو المستحوذ الأول والرئيس على عقول أطفالنا وحياتهم، فمن الممكن بشيءٍ من المجهود إيجاد بديل آخر فيه إثارة؛ يكون أكثر
следующие страницы →