وقد أظهرت دراسة متخصصة أن الخيال في أفلام الرسوم المتحركة يؤثر على حيز المعلومات والثقافة لدى الطفل، كما يشككه في هذا المجال في معلوماته التي يكتسبها في بيته ومدرسته (١) .
فما يُتوقع بعد ذلك من ناشئ يرى الشمس تبكي؟! تقول الطفلة وفاء: أنا لا أحب الشمس أبداً ... لأنها عندما توفيت أمي لم تبك ... أما عندما يتوفى الكلب أو القط في الأفلام فإنها تبكي (٢) لقد فهمت هذه الفتاة، بل تعمّق في معرفتها أن الشمس تبكي وتحزن!
أما خالد فقد كان يقضي الساعات الطوال، وهو يشاهد أفلام الكرتون، وكان والده يزوده بكل جديد منها، وفي ذات يوم اعتلى خالد أرفف المكتبة المنزلية، ثم ألقى بنفسه على أخيه الصغير، وهو يصرخ بكلمة وردت في الفيلم، مما تسّبب له بإصابة خطيرة في العمود الفقري، وصار عُرضةً بعدها للإصابة بشلل دائم (٣) .
ما أصاب خالداً هو الاعتماد الذهني على الخيال بل الذي لم يبن على واقع الطفل المحيط، فتمثّل له حقيقة نظرية أراد أن يطبقها في أرض الواقع، ولما باشر ذلك كانت الكارثة، فكثيراً ما نرى في هذه العروض إنساناً، وهو يطير في السماء وبلا أجنحة!! وآخر يقفز من فوق رؤوس الجبال الشاهقة!! أو تنشق الأرض ثم يخرج منها إنسان ضخم، أو يغوص في البحار بلا حافظة أوكسجين، ثم يتكلم ويتنفس في الأعماق، كل هذا قد يجعل الناشئ مضطرباً في تصوراته
стр. 37
الفكرية، بل في معرفته للبيئة من حوله وقد يتسبب ذلك في إكسابه شعوراً بالاضطراب والخوف، بل شعوراً بعقدة نقص، لا يمكنه التخلص منها إلا بممارسة واقعية لما يتخيّل!!
العروض الكرتونية والخرافة:
إن هذه العروض تبتكر شخصيات لا وجود لها في أرض الواقع، ثم تُسبِغ عليها قدراتٍ خرافية هائلة، تجعل قلوب الناشئة تتعلق بها، وأذهانهم تتصور وجودها حقيقة، مثل جريندايزر وسوبرمان، وغيرها، وقد سئل الأطفال يوماً عن تسمية شخصية تاريخية كانت مثالاًً أعلى للبطولة والشجاعة، فبادر أحدهم مجيباً: إنه جريندايزر!! أما الآخر، فهو يحب جُنكر الشخصية القوية الجبارة (١) .
تقول منى عيسى: إن المطلوب هو إنتاج برامج تلفازية تتحدث عن البطولات العربية وعن أهم الشخصيات العربية والإسلامية.. وأن تُقدَّم للناشئة في شكل جذّاب، المطلوب أن نقدّم لأطفالنا تاريخهم (٢) .
إن تاريخنا الإسلامي حافل - ولا شك - بشخصيات كانت مثالاً يحتذى في المعرفة والسلوك والتضحية والبطولة، فكانوا نبراساً لجميع الأمم، ومضرب مثل للبشرية، والغريب حقاً أن يُبعد هؤلاء عن وجدان الناشئة وأذهانهم، ومن ثَمّ يوجهون لشخصيات لا وجود لها، ويفخرون بها ويحذون حذوها.
стр. 38
البوكيمون قمة الخرافة:
(البوكيمون) عرض لمسلسل كرتوني أُنتج في اليابان، وهو مخصص للأطفال، وقد انتشر بشكل مذهل في الآونة الأخيرة، في أنحاء شتى من العالم، وهو يُعرض مدبلجاً إلى اللغة العربية الفصحى (وهذا إنصافاً قد يُعدّ من إيجابياته) في عالمنا العربي، وقد غزا عقول أطفالنا وقلوبهم، حتى أمسى مالئ دنياهم، وشاغل أفئدتهم، وحديث ساعتهم، ومن ثم صارت صور أبطاله تباع وتشترى بمبالغ ليست متوقعة، فصار الأطفال يقامرون بهذه البطاقات فيما بينهم. حتى لقد استفتى الناس العلماء في حكمه، فقضت الفتاوى بتحريمه لما له من الأضرار المحققة على عقائد أطفالنا، وتعويدهم المقامرة.
ف ما قصة "البوكيمون "؟!
هي مجسّمات كرتونية لحيوانات متخيَّلة، غريبة الشكل، ومختلفة الأحجام، ومتنوعة القدرات لها قوى خارقة، يعيش بعضها في الغابات، وبعضها الآخر في الكهوف، وبعضها في الأنهار، وهناك ما يقارب مئة وخمسين (١٥٠) نوعاً منها، تدور أحداث قصصها في أرض مجهولة يعيش فيها الإنسان والبوكيمون، يقوم فيها البطل "آش" بتدريب بيكاتشو البوكيمون البطل المستحوذ الأول على عقول الصغار وقلوبهم. وقد اخترع هذه الكائنات الكرتونية شاب ياباني يبلغ من العمر ٣٤ سنة، استطاع بمساعدة صديقين له الترويج لهذه الشخصية الكرتونية بعدما عكف ست سنوات من أجل إخراجها من حيّز الأفكار إلى حيز الواقع!!
المشغول لا يُشغل:
إن اقتحام البوكيمون بهذه السرعة الهائلة للسوق الإعلامية العربية
стр. 39
أمر متوقع، لا غرابة فيه، وذلك لكونها شبه فارغة من أي منتج قيم قد يستحوذ على مشاعر الطفل، ويحوز إعجابه، وذلك بغض النظر عن جودته أو رداءته، أو عن قيمته التربوية، سواء أكانت بنّاءة أم هدامة، فالسوق الإعلامية العربية أفقر ما تكون في مجال الرسوم المتحركة، والكوب الفارغ يُملأ ولو بالهواء، ولا أنكر أبداً أن هناك بعض المحاولات الجادّة في هذا المجال التي تحاول إظهار محاسن البيئة العربية وتمثُّل القيم الإسلامية؛ من أمثال "الفاتح"، و "عين جالوت" و"رحلة الخلود" ونحوها، إلاّ أنها تظل شبيهة بخطوات طفل يحبو في أشهره الأولى وهو ينافس عدّاءً قد حاز قصب السَّبْق مراراً وتكراراً.
وانطلاقاً من هذا المفهوم فإننا ندعو لقيام محاولات أكثر جدية وإتقاناً، تكون مبنية على أسس علمية وتربوية في هذا المجال، كما ندعو رجال الأعمال العرب والمستثمرين إلى خوض غمار هذه التجربة، حيث إن السوق العربية - من وجهة نظرنا- يمكنها استيعاب هذه المنتجات ذات الطابع العربي والإسلامي المتأصل. وقد علمتنا تجربة (مستر ديزني) أن النجاح لا يكمن في اختراع الشخصية الكرتونية وحسب، بل في غزوها لعالم الطفل؛ فتصل إلى ملابسه وألعابه، وكراريسه وأدواته المكتبية وأطباق طعامه وأكواب شرابه، حتى الحلويات المخصصة له، وعالمه الخاص بأكمله.
وهذا يشجع هؤلاء المستثمرين على القيام بصناعات ملحقة بهذا المنتج الكرتوني، قد تدرّ عليهم أرباحاً طائلة، ويكون سبيلاً ناجعاً لنشر القيم الطيبة والسلوك الحميد لدى أطفالنا. إن تحول الصناعة الكرتونية واستدارة دفتها من الوجهة الأمريكية إلى اليابانية يحدونا-
стр. 40
وبقوة- إلى الاعتقاد بأن عالم ديزني يمكن أن يُقْهَر بشيء من الإتقان، والعزيمة على منافسته. فما المانع من الاستفادة من هاتين التجربتين الرائدتين في هذا المجال؟! أما القول بأن يُمنع الأطفال من متابعة الرسوم المتحركة، فقد يولّد ذلك لديهم رغبة جامحة لتلك المتابعة "فكل ممنوع مرغوب"، فضلاً عن أنه يصعب ذلك، فقد غزا التلفاز كثيراً من الدُّور، فاستحكم في عقول ساكنيها، وسلب عليهم ألبابهم، وقد ملأت صور أبطال الرسوم كل الأسواق والمطاعم وألواح الإعلان، ونحن نتساءل هنا: ألا يمكن إيجاد بديل مثير لأطفالنا، يكون أكثر لصوقاً بتاريخنا ومعتقداتنا وبيئتنا العربية والإسلامية المحافظة؟! وليكن الغزو أخيراً غزواً عربيّاً إسلامياً أصيلاً لعقول صغارنا وقلوبهم.
إنه من المستغرب حقاً أن نطالب الناس بمنع أولادهم من أمور قارب شيوعها شيوع الماء والهواء؟! إنهم إن منعوهم منها فسيتحيّنون الفرص المناسبة لها، فالتلفاز قد انتشر انتشار النار في الهشيم، وأكياس الشيبس المملوءة بكروت البوكيمون قد امتلأ بها كثير من المحالّ التجارية والمطاعم العالمية التي تروج بضاعتها عبر أبطال الكرتون، فلا يجد الأهل بُدّاً - والحال كذلك - من إرضاء أطفالهم، بل إن الواقع يشهد بأن الأولاد هم الذين يقسرون أهلهم قسرًا على اللحاق بعالمهم، وإرضاء توجهاتهم.
وحيال وضع كهذا، كان لابدّ من السعي والمثابرة لإيجاد البدائل؛ فبدلاً من أن يصبح البوكيمون - وأمثاله مما قد يستجدّ - هو المستحوذ الأول والرئيس على عقول أطفالنا وحياتهم، فمن الممكن بشيءٍ من المجهود إيجاد بديل آخر فيه إثارة؛ يكون أكثر
стр. 41
قرباً من حياتنا الواقعية وبيئتنا العربية الإسلامية المحافِظة.
كرتون الحب والغرام:
يعمد هذا النوع من الفن الكرتوني إلى غرس روح التفلّت من القيم النبيلة في العلاقة بين الجنسين، حيث يتم التركيز فيه على التبرّج والرقص والخلاعة، فها هي ذي السنفورة الجميلة تأخذ بألباب السنافر الذكور، وها هم أولاء يتنافسون لمراقصتها أو تقبيلها، وها هي ذي القطة الفاتنة تتمايل لتثيره وتغويه مستخدمة شتى صنوف الإغراء ووسائل الغواية.
أما حفلات الفن الكرتوني فهي تعكس واقع بعض الناس غير المتلائم مع بيئتنا، ويحاول هذا الفن تعميمه على مجتمعاتنا، فترى الحفلات الصاخبة المبتذلة تقدم للناشئة عبر هذا النوع من الفن على أنها مثال يحتذى، أو- على الأقل- أن يُعدّ ذلك أمراً اعتيادياً يمكن تمثُّله مستقبلاً عند سنوح أول فرصة.
هذه المناظر المثيرة، وأمثالها تنبّه في الطفل العواطف الخاصة والمشاعر الحميمة، التي تكون عادة بين الرجل والمرأة، وليت الأمر اقتصر على هذا الحد، إنما هذا التنبيه للغريزة قد انتقل إلى الحيوانات والجمادات؛ فكل شيء يمكن أن يحبّ ويُقبّل ويبادل الغرام حتى السيارات والدراجات والفواكه والنجوم والشجر والأزهار، وهذا تنبيه للغريزة مبكّر جداً، وله تأثيره السلبي المدمّر على سلوك الطفل وأخلاقه (١) .
المحور الثالث: أثر الفن على الناشئة:
لقد أبدع الله الإنسان وخلقه في أحسن تقويم، وجعله خليفة في
стр. 42
الأرض، ثم إن هذا المخلوق السامي يمر بطفولة وضّح سماتها رسولنا ﵊ فقال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه» . (١) فقد أودع الله فيه فطرة نقية صافية لا تشوبها شائبة، وهي فطرة التوحيد، والمشاعر النبيلة، والسلوك الحسن القويم، لذلك فقد ألقى الإسلام مسؤولية كبرى على الآباء والأمهات والمربيّن، للحفاظ على هذه الفطرة، التي بها نستشعر براءة الأطفال وحسن نياتهم، ولحمايتها من شوائب الانحراف، لتكون دائماً نقية موحّدة خيّرة، ولكن هل تحمّل هؤلاء الأمانة وأدَّوْها؟
إن الطفل يتقبل - بلا تردّد ولا تمحيص- كلَّ ما يقدَّم له من معتقدات وسلوكيات ومشاعر، فلو اتفق أنك سألت طفلاً عن سبب كونه مسلماً أو نصرانياً أو يهودياً او مجوسياً، فإنه سيجيب بتلقائية: لأن والديه كذلك، فيبقى الطفل المسلم محتفظاً - ولله الحمد - بموافقة الفطرة عند الإدراك لمعنى العقائد، وينحرف الآخرون عن فطرهم، وتجتالهم الشياطين إلى الشرك والعقائد المنحرفة.
ولكن ذلك لا يمنع من تأثر الناشئ المسلم - في خضم الحياة اليومية - بموجات من الاضطراب قد تشوّه فطرته ومشاعره وخياله، فترمي به في وادٍ فكري سحيق، ولو تتبعنا سبب تلك الاضطرابات الفكرية والسلوكية لوجدنا الفن وتوابعه من أهم الأسباب الكامنة من وراء ذلك، تؤثر في الطفل دون أن يدري، طابعة في ذاكرته الندية
стр. 43
آثاراً وندباتٍ حقيقية تتحول واقعاً ملموساً في مستقبله، فلا يلتفت بعدها إلى قضايا أمته وآمالها وآلامها، وطموحاتها العليا، فتكون سبباً في انحراف قوام النبتة- موضع العناية - فلا تستقيم بعدها، ولا تثمر، ولا يتذوّق الناس حلاوة ثمارها.
قد يدّعي بعض أهل الفن والمنتفعين به، أن الفن قد يقدّم خيراً للناشئة، لكني سأعرض لك - أخي القارئ - بعض الأخطار السلوكية التي قد يتعرض لها الناشئة من خلال متابعتهم للأفلام والبرامج المتنوعة.
أولاً - التقليد:
إن الناشئ يتمتع عادةً بمقدرة متميزة على التعامل مع كل ما يسمعه أو يشاهده، ثم إنه يتلقى ما يتلقاه تحت تأثير العرض المشوّق المصحوب بالصوت والصورة، فيستخدم أهم حواسّه الإدراكية من سمع وبصر في محاولة فهم لما يشاهده، ثم ينطبع معظم ما يراه في ذاكرته، ويبقى راسخاً فيها إلى أن تظهر بعد حين في سلوكياته الظاهرة وانفعالاته العاطفية متمثلة، كما رآها تماماً أو ممتزجة بغيرها، وقد تظهر فيما يقرب أو يبعد من الزمن. والتقليد يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع هي:
أ - التقليد الانفعالي:
ويقصد به التفاعل النفسي مع الفنانين والفنانات، وهم يؤدون أدواراً متعددة، تتخللها مواقف الغضب والرضا، والحزن والفرح، والانتقام والتسامح، والخوف والإقدام، والكره والحب، والصدق والكذب، كل هذا وغيره من الانفعالات الموصوفة بالتمثيل، تنتقل إلى الناشئ، وغالباً ما يُقبِل الناشئ على تصوّر السلبيات لأنها أكثر
стр. 44
إثارة، فتراه إذا مرّ بمواقف الغضب أظهر الغضب على طريقة الفنان أو الفنانة، فينثر شعره أو يكسر مرآة بيته أو يمزق ملابسه أو يرمي بكتابه بعيداً على الأرض، وإذا حزن أو خاف أو أحب أو أبغض ... قلّد في ذلك كلِّه انفعالاتِهم، وقد يؤدي دورهم تماماً، وكأنه لا يعيش الواقع وإنما يعيش التمثيل فيتقمّص شخصياتهم الانفعالية، وقد يستمر هذا التقليد الانفعالي ليكون سمة بارزة ثابتة في شخصية الناشئ، وقد تكون هذه الانفعالات مخالفةً للآداب والعادات، وقد تكون أيضاً مخالفة للشرع المطهّر وتعاليمه، وعندها يكون الفن قد غرس نبتة مُرّة في أرض خصبة، في حين أن الإسلام علّمنا كيف نملك أنفسنا عند المشاعر المختلفة من حزنٍ أو فرح، أو حبٍ أو بغض أو غير ذلك، فقد قال رسول الله ﷺ : «من كظم غيظاً وهو يستطيع أن يُنفِّذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره في أيّ الحور شاء» (١) . ويعلمنا ﵊ أن الغضب لا يكون إلا إذا انتُهكت لله حرمةٌ، وقد كان ﷺ أشد الناس غضباً لذلك، فأين أهل الفن من هذه التعاليم النبوية السامية؟! هلاّ علّموها الناشئة من خلال أعمالهم حتى تتكون لديهم انفعالات مهذّبة تدل على الرصانة والخلق الكريم.
ب - التقليد اللفظي:
هذا النوع من التقليد هو الأكثر لصوقاً بالناشئة، فقد يردد بعضهم مع الممثل العبارات والكلمات المناسبة وغير المناسبة، وهذه الألفاظ قد تدخل معجم الناشئ اللغوي فتصبح جزءاً لا يتجزأ
стр. 45
من شخصيته اللغوية المتلفَّظة، ولو لحين، لذلك يحرص المعنيون بشؤون التعليم لدى الأطفال على استخدام اللغة العربية الفصحى، بمفرداتها البسيطة المحببّة إليهم، وذلك لتحبيب المعلومة إليهم، وتقريب فهمها لديهم.
إن المقدار الهائل من الأفلام والمسلسلات وتنوّع ثقافات الفنّانين وبيئاتهم، كل تلك العوامل قد تصيب الناشئ باضطرابات لفظية سببها البعد عن الفصحى والإفراط في العامّيّة بأنواعها، وهذا لا يثري ملكة الناشئ اللفظية بل يزيد بالضرورة من تعثر نموه اللغوي، ويؤثر سلباً على الثروة اللغوية لديه، بالمقابل فإن الاهتمام البالغ المفترض بلغة القرآن، وهي اللغة الأم التي تفهمها كل الشعوب المسلمة هو الطريق الأمثل والأقرب للإثراء اللغوي ولتثبيت التربية السليمة لدى الناشئة في آن. وقد يكون - بعمد أو بغير عمد - التركيز على اللهجات العامية سبباً رئيساً لإبعاد الناشئة عن لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومن ثَم إبعادهم - بهذا التجهيل بالعربية الفصحى - عن دينهم.
وقد ترى بعض الناشئة يحتارون في فهم جملة رُكّبت كلماتها من الفصحى - حتى المبسطة منها - وقد لا يدركون معانيها إلا بالشرح والتقريب وضرب الأمثلة.
وبعضهم الآخر إذا طلبت منه التعبير عن فكرة ما باللغة العربية الميسرة تراه قد تعثر، لضحالة المفردات والتراكيب اللغوية لديه، بل قد تجد منهم من يسخر من تلميذ نابغةٍ فَرِحٍ باعتماده اللغة الفصحى في جميع الأحيان، يسخرون منه لينثني بسرعة إلى ما أَلِفُوه من لهجات عامية روّجها أهل الفن، وهؤلاء لو تحدث أحدهم الفصحى
стр. 46
- في مشهد تمثيلي - تراه يلوي لسانه ويفتح شدقَيْه ويفغر فاه موحياً بذلك لسامعيه بأن هذه اللغة العظمى قد علاها غبار الزمن، وعفا عليها ولم تعد متناسبة وحضارة العصر.
فهل - بعد ذلك كله - يكون الفن قد أدى دوره في بناء شخصيّة الناشئ اللفظية من خلال اللغة العربية الأم؟!
إنه - إنصافاً - لم يفعل ذلك إلا نادراً وفي بعض المسلسلات التاريخية، فالقائمون على الفن لا يهمّهم الرقيّ بالمشاهد وتنمية قدراته الفكرية والسلوكية، وإنما الذي يعنيهم بالمقام الأول، هو تحقيق الإثراء من خلال تقديم التسلية والفكاهة، ولو كان ذلك على حساب المستوى الثقافي للأمة.
تقول إحدى المربيات: " أشعر أن ٥٠% مما يقدمه التلفاز ليس من صالح المتلقين، وذلك بغض النظر عن فئاتهم، كما أشعر بضرورة إعادة العمل من قبل منتجي البرامج ومن يبتاعونها منهم، لإيجاد البدائل الفضلى لنوعية البرامج والمسلسلات.... إن أطفالي يستخدمون ويرددون بعض الألفاظ والمصطلحات المكتسبة من التلفاز، سواء أكانت مناسبة أم غير مناسبة" (١) .
لذا فإن الاعتقاد السائد لدى عامة الناس بأن كل ما يقدمه الفنانون هو ذو قيمة أدبية أو علمية أو اجتماعية، أمر غير مسلّم به، بل على النقيض من ذلك، فإن غالب ما يقدّمونه مسيء للقيم، بل إنك قد تجد- أحياناً- ألفاظاً تخدش الحياء، عند انفعال الممثل غضباً أو حزناً أو فرحاً.
стр. 47
جـ - التقليد الحركي:
عندما يقوم أحد الممثلين بحركات للتهريج والإضحاك، فإن هذه الحركات تنطبع بمخيلة الطفل فتجده يؤدي الحركات نفسها وبنفس راضية، ويقوم بدور الممثل دون أن يعي أن هذه الحركات قد تترك أثراً في شخصيّته.
فكم نعجب - نحن الكبار- من بعض الممثلين والممثلات وهم يؤدون أعمالاً، فلا نتردد بعدها في إنهاء تلك المهزلة الفنية، بإغلاق جهاز التلفاز، وذلك من بعد محاولات عديدة في البحث عن برنامج يُبثّ ذي قيمة أدبية أو ثقافية، أما الناشئ فإنه لا يدرك أبعاد ما يرى، وقد لا تشدّه إلا الحركات ذاتها دون فهم للحوار ومدى أهمية موضوعه، فتنطبع تلك الحركات في ذاكرته مجردة من كل ما ترمي إليه - هذا إن كانت ترمي إلى شيء - ولك بعدها أن تتصوّر ذلك الكمّ الهائل من السلوكيات الرعناء في الأفلام والمسلسلات، وكيف سيقلّدها هذا الناشئ، ومن تُراه سيقلّد!!
لقد ظهر أحد الممثلين المشهورين - في مسلسل عربي محلي- وهو يؤدي دوره وقد لازمته فيه حركات يتعمّدها، تشابه حركات المعتوهين،، وصار الناشئة يقلّدونه ويتبارون في تقليده حتى أيامنا هذه مع أن المسلسل قد تم عرضه في رمضان ١٤١٨هـ.
هذا النوع من التقليد لا بدّ من أن يترك أثراً سلبياً في سلوك الناشئ على مر الأيام، وعندئذٍ سيتأكد الفنان بأنّ ما قدّمه لم يكن ناجعاً إلا في نظره، وأنه كان بهدف الإثراء الشخصي وحسب، وأنه قد قدّم - بفنه هذا - خدمة كبرى لمن يعمدون إلى إفساد توجّهات شباب الأمة الخيّرة، والحادية بهم للتنافس مع سائر الأمم.
стр. 48
ثانياً - اكتساب العادات السيئة:
إن متابعة الناشئة لكثير من الأفلام والمسلسلات، دونما نظر إلى حقيقة موضوعها، بل لمجرد الإثارة الناتجة عن مشاهد العنف والمطاردة، يجعل الناشئ يألف هذه العادات السيئة، والقيم السلبية، دون تمييز بين المَظْهر والمَخْبر، ودون اهتمام، إلا بالمشاهد بعيداً عن الحوار وموضوعه، وبعيداً عن التمييز بين القيم السلبية والإيجابية، وبعيداً عن الحقيقة والمجاز، مما يرسّخ في ذهنه كل ما هو مثير ولو كان سيئاً، "فتتحول القيم السلبية والعادات الشاذة في نظرهم إلى أمور مألوفة مرغوبة يعجب بها الطفل وقد يقلدها دون أن يفهمها الفهم الصحيح، ودون رؤية نقدية لها مما يجعل خطرها فادحاً" (١) .
إن ذلك لا يعني - قطعاً - بأن هذه الأفلام قد خلت تماماً من أي فائدة، لكن الناشئ قد لا يركز على ذلك، ولا يستوعبه كما يجب في خضم الأحداث المتلاحقة للمعروض، وبخاصة إذا كان ذلك بعيداً عن توجيه الأهل، فما الغاية إذا ً من عرض مثل هذه الأفلام والمسلسلات للناشئة؟!
في بعض المسلسلات البدوية مثلاً، نرى قيماً سلبية تدور حولها موضوعات المسلسلات كالغدر والخديعة وحب الانتقام، والعصبية الجاهلية وموروثاتها، ونحو ذلك مما رسخ في المجتمع البدوي الجاهلي، ثم جاء الإسلام للقضاء عليه، واستبداله بقيم ربانية عظمى، كالصدق والوفاء والتسامح مما جعل المؤمنين إخوة ومما رسخ مفهوم التفاضل بالتقوى بين الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
стр. 49
إِخْوَةٌ﴾ [الحُجرَات: ١٠] . وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *﴾ [الحُجرَات: ١٣] . فكل هذه القيم العظيمة وغيرها كثير لا تعني عند أهل الفن شيئاً، لأنها لا تثير المشاهد كما تفعل القيم الشريرة، فيتم عند ذلك الإلحاح على السلوك الشرير بكل أنواعه، ومع تكرار هذه السلوكيات والمشاهد تترسخ لدى الناشئ انحرافات فكرية ثم سلوكية لا تحمد عقباها قد تُفقِده بعدها القدرةَ على التمييز بين الحسن والقبيح، وبين الخير والشر، حتى ولو جعل المُخرِجُ النصر في نهاية المطاف للخير ولكل ما هو حسن، فإن ذلك قد لا يجدي نفعاً ما دامت السلوكيات الشريرة قد دخلت دائرة التفكير لدى الناشئ طوال عرض المسلسل، الذي قد يستمر لمئات الحلقات!!
*****
стр. 50
الفصل الثالث
الفن التمثيلي والمرأة
المرأة التي رفع الإسلام قَدْرها، وخلّصها من القهر والظلم والامتهان، فجعلها مكرمة مصونة، بعد أن ذاقت كل ألوان الاضطهاد في الجاهلية، وبعد أن بِيعت مع المتاع، ووُرِّثت مع المال، المرأة التي جعلها الإسلام مدرسة للفضيلة والخُلق الحسن، تربي العامل الكادح، والقائد الفذّ، والمفكر الذي يحمل همّ الأمة، والأديب الذي يصوغ عقول أبنائها بسمو أدبه، والمؤرخ المؤتمن على حركة التاريخ المجسِّدة لدحض الحق للباطل، وهي التي تربي وتربي ... ، فتحمل بذلك أشرف رسالة، هي الأم التي تورّث الأجيال القيم والمبادئ السامية، والزوجة الصالحة التي تقيم أركان الأسرة على تقوى من الله، وهي الأخت الناصحة الحانية، وهي البنت التي تورق وتزهر في واحة الإيمان.
هذه المرأة هي المقصود غزوها، إن أسوار نفسها تُقتَحم فكرياً ودينياً وسلوكياً من خلال هذا الفن، وقد أدرك أهله ومن يقف وراءهم أهمية المرأة ومكانتها في المجتمع بعامّة، وفي المجتمع المسلم بخاصة، فهي التي تقوده إلى المعالي إن صلحت وتقوده في الوقت عينه إلى المهالك إن فسدت، وهي الأساس الأهم للأسرة بل للمجتمع بأسره، ومن خلالها أيضاً يتم إفساد ذلك كله فيما بعد (١) .
стр. 51
لذلك فقد استطالت مخالب أهل الانحلال للنيل من المرأة الطَّهور، وصاروا ينوّعون في أسلحتهم؛ فتارة يخاطبون عاطفتها الفطرية، لصرفها عما خُلقت عليه من العفه والطهارة، فيثيرونها بأساليب متنوعة تنتهي بها غالباً إلى الضياع، وتارةً يخاطبون عقلها لحملها على اعتقاد ما يخالف دينها وتقاليدها، وإرساء بعض القيم التافهة في تفكيرها، لتكون المتمردة على كل ما يرضي الله ويحقق الفوز بأسرة كريمة، وتارة يُنشّطون مكامن الضعف البشري المادي لديها، لتكون نزّاعة إلى الهوى وزخرف الدنيا، ولو كان ثمن ذلك عزّة زوجها وأبيها، وعفّة نفسها ونقائها.
فمَن هؤلاء الذين يريدون للمرأة كل هذا؟
إنهم - ولا شك - دعاة التغريب والإفساد والانحلال، ربيبو التهويد، ممن مردوا على النفاق واتبعوا أهواءهم، الذين أهانوا المرأة فجعلوها مرتعاً خِصباً للرذيلة والدسائس والخيانة، ومسلكاً أقرب للوصول إلى الأهداف الرخيصة المشبوهة، لكن هؤلاء حين أدركوا ما تتمتع به المرأة المسلمة من حصانة إيمانية راسخة، سارعوا إلى الالتفاف الفني عليها، محاولين طمس عقيدتها، وكسر شموخها إلايماني، وتفتيت كيانها المتماسك، ليخلعوا بذلك عنها لباس العفة والطهارة والقيم الإنسانية، وليلبسوها ثوب التمرد على شرع الله وعلى القيم الاجتماعية المسلمة، عبر مسرب الفن بشتى صنوفه.
ودونك - إن ارتبت في قولي - المسلسلات التي تستهين بالحجاب وتمجّد الاختلاط، وتُرغّب بالتمرد على الزوج والأسرة، وتدعو إلى إقامة علاقات مشبوهة مع الجنس الآخر، تشاهدها المرأة
стр. 52
المسلمة كل يوم، فتتدرج بها من الرفض المطلق لهذه المحرمات، إلى عدم المعارضة لها، ومن ثم إلى القبول والرضا بها، ومن بعدها إلى الاعتقاد بأحقية كلِّ ما يُعرَض، وفي نهاية المطاف التردّي التامّ في مهاوي الهوى، فكم من البيوت انهارت وكم من أسر تناثر عِقدها، جرّاء تأثر المرأة المسلمة بالفن المدمّر.
يقول أحد الأزواج عن زوجه ومدى تأثرها بالفن: إنها تعلّمت منه كل سلبيات الزوجة، وتأثرت بكل ما شاهدته، لقد كانت في بادئ الأمر طيعة هادئة تحب الحوار فتحولت بعدها إلى نمرة مفترسة تصرّ على رأيها، حتى ولو كان خاطئاً!! كانت تعرف أنها امرأة عليها واجبات ولها حقوق كما شرع لها الإسلام، فأصبحت تحدثني عن حقوق المرأة كما يفهمها الغرب وينادي بها العلمانيون في الشرق (١) .
الأساليب التي اتبعها أهل الفن لإفساد المرأة ؟
أولاً: جعل المرأة عنواناً للحب والجنس:
لقد عمد أهل الفن إلى استغلال المرأة باسم الفن فخدشوا بذلك حياءها، وجعلوها نبع إثارة لا يتوقف، بنظراتها المغرية وبنبرة صوتها الخاضعة، وبسائر مفاتنها، وذلك لتحقيق أهداف هابطة لا صلة للإنسانية بها. فدمروا الأخلاق والسلوكيات من خلال التعلق بالحب والهوى، فتعلقت المرأة عمومًا بذلك - وبخاصة من كانت في سن المراهقة منهن - حتى صار إنشاء علاقات غرامية مع الجنس الآخر أمراً حتماً لازماً لتحقق الحب وكسب ثقة صديقاتهن والتفاخر بذلك لديهن، وقد اكتسبن - في الواقع - خبرة عملية من الفن،
стр. 53
وذلك بعرضه لأساليب التعارف ولطرق ترتيب لقاءات، ونصب الشباك للإيقاع بالجنس الآخر بعبارات جذّابة مغرية وحركات فاتنة.
تقول الفنانة نسرين: "أعمالنا الفنية تعلّم الناس عصيان الوالدين، وتعلم البنت المراهقة كيف تقابل شاباً بغير علم أهلها" (١) .
ترى ما المتوقع من المرأة المسلمة - والمراهقة بخاصة - عندما تسمع كلمات بطل المسلسل الغزلية العابقة بالإثارة تُشنّف آذان محبوبته؟
وما شعورها وهي تسمع الفنان يقول للفنانة: مواهبك مدفونة تحت الهُدوم (الملابس) ؟
إن التكرار المملّ لهذه العبارات على مسامع النساء، يجعلهن أسيرات لهذا السلوك، حيث يزداد إعجابهنَّ مرة بعد مرة بالكلمات المعسولة، فتنزلق أقدامهن في مهاوي الشقاء والرذيلة والخيانة، عند أول واقع يصادفهن مشابه لما ألِفْن سماعه.
ناهيك عن مظاهر العري والإغراء الجنسي الهابط والمسمى فناً!! نعم، هو فن إلا أنه فنٌ رخيص مبتذل يدل ولا شك على افتقار هذه الأعمال إلى أفكار بناءة وقيم نبيلة، وعلى الإفلاس الفكري والعجز الفني لصانعه، فضلاً عما فيه من إيذانٍ بحرب ضروس على القيم الدينية والأخلاقية.
"يتساءل ضياء الدين بيبرس في مؤتمر نوقشت فيه آفاق النقد السينمائي في التسعينات بقوله: إذا اقتضى الأمر المفاضلة بين طاعة
стр. 54
الله وضرورة توظيف جسد المرأة لخدمة الفن الدرامي فأي الطريقين على السينما أن تختار؟! ويتابع تساؤله قائلاً: هل لا بد من التعري وتحدي شريعة الله لزرع قيم نبيلة؟ أو أن تعرية الممثلات في المسرح والسينما هو في الحقيقة عجز فني؟ " (١) .
إنه عجزٌ فني إن قُصد به الفن، ولكن الحقيقة جلية، فالتعري رسالة موجّهة لكل بيت ولكل امرأة مسلمة لتدمير كل فضيلة دينية وقيمة اجتماعية نبيلة.
إن المرأة المسلمة وهي تسمع وترى هذه المشاهد الرخيصة، تراها ولا شك تدخل في صراع بين واقعها الفاضل وواقع الفن المُشين وأهله.
صراعات يومية متتالية بين الحق والباطل حتى يجد الانحراف أخيراً مكاناً له في عقلية المرأة وسلوكها؟
ثانياً: اتخاذ المرأة وسيلة لترويج السلع:
تقدم الإعلانات عن السلع التجارية نماذج إغرائية من فتيات مراهقات، وقد جعلن العمل في الإعلانات بوابة الدخول لعالم الفن، وحتى تثبت الفتاة جدارتها فإنها تقوم باستعراض مواهبها الفاتنة، حتى لو أدى ذلك إلى استغلال تلك المواهب في سبيل الإعلان عن صابون مثلاً، أو حفائظ للأطفال، أو مبيدات حشرية!!
إنه إسفافٌ بالمرأة - أي إسفافٍ - واستهانة بمكانتها السامية في المجتمع، ووضع لها في مكان لا يليق بها، حيث امتزجت مكانة المرأة وعفتها وجسدها بالسلع فصار المشاهد يسأل: أهذا الإعلان
стр. 55
للسلعة أم للجنس المصحوب بالأزياء المبتذلة ومستحضرات التجميل (الماكياج) ؟!
لقد أكّدت دراسة علمية أن ٨٥% من إعلانات تلفاز قُطْر عربي وأجهزة إعلام أخرى في هذا القطر، تعتمد على صورة الأنثى الجذّابة المثيرة للترويج وتضرب على وتر الجنس الحساس (١) .
وكما لا يخفى أن من أثر هذه الإعلانات المروّجة اندفاع المرأة المعاصرة إلى الإسراف والاستهلاك الزائد للسلع، متأثرة بذلك المقدار الهائل منها، وهي تركز على جعل المرأة مستهلِكةً لشتى صنوف البضائع غَيوراً شديدة الغَيْرة من صديقاتها، لترهق بذلك كاهل الرجل (الزوج) ، بما يسهم إسهامًا فاعلاً في إعراض كثير من الشباب بدورهم عن الزواج ومسؤولياته.
ثالثاً: تشويه صورة المرأة المسلمة للتنفير منها:
لقد صوّر الفنّ المرأة المسلمة وكأنها الجهل بعينه، أو التعصّب المقيت، أو أنها المرأة المتدينة انطلاقاً من العادات والتقاليد وحسب، ولم يقدّمها على أنها المربّية التي تُعدّ الرجال والمؤتمنة على أشرف رسالة.
تقول الداعية زينب الغزالي: إن صورة المرأة المسلمة التي تظهر في المسلسلات - حتى الإسلامية منها - هي صورة شوهاء لا تمثّل من قريب ولا من بعيد المرأة المسلمة، لأنها تظهر في المسلسل صورة امرأة جاهلية تحارب الإسلام وأسسه ونظمه، وقد رأيت ذلك وشاهدته في مسلسل (محمد رسول الله) (٢) .
стр. 56
وبهذا ينطبع في أذهان النساء عامة كلُّ ما هو مشوّه عن المرأة المسلمة.
وترى سعاد الجار الله (من الكويت) أن الصورة المشوهة للمرأة العربية المحافظة تغرس في المُشاهِد تصوّراً سلبياً تجاه المرأة ومن ذلك:
(١) أن المرأة لا تتحلّى بقيم أخلاقية ثابتة تنبثق من دينها.
(٢) أن شخصيتها ضعيفة مقلّدة للمرأة الغربية وأن نظرتها للأمور مادية.
(٣) أنها لا تستشعر أهمية دورها في الأسرة والمجتمع، فهي تلهث من أجل تحقيق ذاتها نتيجة لتأثرها بمفاهيم غربية تتنافى مع مفهوم «كلكم راعٍ، وككلم مسؤول عن رعيته» (١) . كما أنها تبدو كدمية جميلة يمكن أن تكون وسيلة للهو والعبث والمتعة، (٢) وهذا غزو فكري خطير يقصد به تشويه الصورة الإنسانية للمرأة بعامة، كما صورتها الإسلامية بخاصة.
رابعاً: توجيه اهتمام المرأة نحو الأناقة النسائية:
تتبارى الفنانات في تقديم كل ما هو مستجدّ في عالم الأزياء، فيعرضن كل ما يبهج النفوس الضعيفة، وبشتى الألوان والمقاييس، ومن الملحوظ أن ذلك المرض قد استوطن في نفوس أهل الفن، فما من فنانة إلا لديها مئات من الفساتين وتوابعها، وعندما تنكشف
стр. 57
خصوصيات بعضهن تجد العجب العجاب من سوء السريرة وشراسة السلوك! فما الداعي لكل هذا العبث؟
لقد أَذن الإسلام للمرأة بالتجمّل وجعل لذلك ضوابط لا تتخلف، كي لا تكون فتنة، فندب لها القرار في المنزل، ومنعها من التبرّج، قال تعالى: [الأحزَاب: ٣٣] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ، وحذّرها من التعطر، عند الخروج من المنزل، حيث قال رسول الله ﷺ : «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (١) ، و «إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا» (٢) ، ولعن من تشبهت منهن بالرجال، قال رسول الله ﷺ «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» (٣) ، بل إنّ ثياب الشهرة والخيلاء منهي عنها بقوله ﷺ : «من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» ، (٤) وبقوله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة» (٥) .
والإسراف والتبذير وكسر قلوب الفقراء، كل ذلك من المنهيات، وهي موجودة - وبوضوح - عند أهل الفن، ولقد حذا حذوهم في
стр. 58
ذلك بعض اللائي اندثر كيانهن الخاص انبهاراً بالفنانات، فصرن عديمات الشخصية، ووقعن في حب التقليد الأعمى، فأرهقن أنفسهن بمتابعة (الموضات) وجعلن الأسواق مرتعاً لهن، بما ضاعف الأعباء المالية على الزوج، وأخيراً - وأسفاه - خرجن عن سنن الدين والحياء بأثر من الفن الرخيص.
يقول الشيخ محمد الغزالي ﵀: "وما قيمة ثوب وسيم على خُلق دميم، وما معنى أن تكون المرأة قبيحة الباطن جميلة الظاهر، لذلك أوصى القرآن الكريم بلباس التقوى فهو أشرف وأزكى" (١) . قال تعالى: [الأعرَاف: ٢٦] ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
خامساً: دعوة المرأة إلى تحقيق الذات:
لقد حرّض الفن المرأة على رفض واقعها المصون وما خُلِقت له، فحبب إليها كثرة الخروج من بيتها لِتُحقق ذاتها - بزعمهم- ولتنطلق إلى الحياة العملية في شتى المجالات، حتى المعمارية منها والصناعية وشتى الأعمال المهنية التي لا تتناسب وخِلْقتها وكرامتها، وقد أدى ذلك- كما هو مشاهد- إلى إحداث خلل بالغ في أداء رسالتها في رعاية بيت زوجها، فتبدأ بذلك المآسي الاجتماعية المتتالية التي تؤثر ابتداء بالأولاد، ثم بالزوج والأسرة، وانتهاء بالمجتمع كله.
إن المرأة التي قُدِر عليها رزقُها، أو ألجأتها الضرورة للعمل لتكون عَضُداً لزوجها، أو لتعيل أطفالها من بعده، أو لتسد ثغرة في الوظائف المختصة بالمرأة في المجتمع، هذه وأمثالها لسن بالطبع محلاً للنقد هنا، إلا أن الأمر متوجه لمن تأثر منهن بالفنانات
стр. 59
وبأفكارهن، فخرجت عن رسالتها المرسومة لها، وعن المسار الصحيح لدورها، ابتغاء غرض دنيوي، فلتنظر هذه التي فتنت بأهل الفن، كم ذاقت المرأة الغربية والعربية التي ترسّمت خطاها، كم ذاقت ذلاً ومهانة واستغلالاً بأبشع الصور، حتى صارت سلعة رخيصة بأيدي التجار، وأشبه بأَمَةٍ، وبألعوبة بأيدي أرباب الأعمال، فهل ترضى المرأة بهذا المصير، الذي لا نرضاه نحن لها؟!
سادساً: محاولة إظهار الرجل - دوماً - بصورة المتسلط المنتزع من المرأة حقوقها، وذلك لإضعاف المعنى الحق للقوامة.
سابعاً: تشويه مقومات بناء الأسرة المستقرة ؛ وحث المرأة على مخالفة هدي الإسلام، كالقرار في البيت، والقيام بتربية الأولاد، والمتوخى من ذلك - ولا ريب - هدم البيوت وتفتيت الأسرة.
ثامناً: المحاربة المستميتة لمسلّمات شرعية ، كإباحة تعدد الزوجات، وفرضية الحجاب، ووجوب ترك الاختلاط بالرجال الأجانب، ما يؤدي بالضرورة إلى تشويه الصورة النقية للإسلام في أذهان العامة، بل إشغال أهل الذكر من المسلمين، في إثبات شرعية هذه الأمور، وتبيان الحكمة منها، عسى أن يتم إقناع المجتمعات بذلك فيما بعد.
стр. 60
الفصل الرابع
الفن التمثيلي وترسيخ المفاهيم
إن المناحي السلبية للأعمال الفنية تكاد لا تحصى، إلا أن أخطر تلك السلبيات هو محاولة غرس مفاهيم منحرفة متعلقة بالدين والإنسان والحياة، يسعى الأخطبوط الفني طويل الأذرع لنشرها في المجتمعات، هادفاً بذلك إلى تشويه صورة الإسلام النقية، وإلى النيل من شخصية معتنقيه وتشكيكهم به.
وسنتناول في ثنايا هذا الفصل بعضاً من تلك المفاهيم والسلوكيات، التي يحاول غرسها أهل الفن، وقد اهتموا بها من خلال أعمالهم الفنية المختلفة اهتماماً بالغاً.
أولاً: غرس مفاهيم دينية خاطئة عن:
أ- القرآن الكريم:
الذي هو كلام الله العظيم، وقد جعله الله رسالة ومنهجاً خالداً للبشرية جمعاء. لقد تعامل أهل الفن معه بنوع من التضليل والتحريف الفكري، وأوحَوا للمتابع لأعمالهم بأن هذا القرآن قد صار من التراث القديم، وبأنه لا يصلح لتنظيم شؤون البشر وقيادتهم، فجعلوا تلاوته كأنها من الطقوس الدينية المتعارف عليها في مناسبات معينة، فالقرآن لا يتلى ولا يُسمع إلا عندالمصائب، حتى لقد صار القرآن في حس المشاهد كأنه نذير شؤم، والعياذ بالله.
وهذا تشويه واضح وخطير لمفهوم شمولية هذا الكتاب لكل
стр. 61
مجالات الحياة، بل عزل تام لهذا المنهج العظيم عن شؤون الناس الحياتية كلها.
وفي مسلسل عُرض مؤخراً عنوانه (الرجل الآخر) رأت الممثلة في المنام أنها تسمع قرآناً يُتلى وقبوراً فاستيقظت متشائمة يائسة من العثور على والدها المفقود.
ونشاهد بعض الممثلين وهم يرددون آيات قرآنية في غير مواضعها، وبطريقة مزرية ليحاول كاتب السيناريو بذلك نزع عظمة القرآن الكريم من قلوب المسلمين.
ب - مفهوم الزوجة الثانية:
لقد شرع الإسلام تعدد الزوجات بضوابط معلومة، وذلك لحكم جليلة عديدة منها: زيادة النسل، والقضاء على العنوسة عند النساء، ونحو ذلك.
أما جهود أهل الفن فقد جاءت منصبّة - بكثافة لا نظير لها- في اتجاه معاكس لما شرعه الله تعالى، فكل المسلسلات التي تناولت هذا الموضوع تؤكد على أن الزواج الثاني مُخفِق دوماً، لذلك يجب تجنّبه ومحاربته بلا هوادة، فهو سبب أكيد في تشريد الأطفال والفقر وزيادة معدلات الطلاق ... ، إلى آخر قائمة السلبيات التي يصفون بها التعدد، وبالمقابل- وياللعجب- فإنهم يفضّلون العشيقة (الزانية) على التعدد، ثم يعدّون ذلك تحرراً وتقدماً، أما التعدد المشروع فرجعية وتخلّف. ويستمر الفن في إشاعة هذه المغالطات الفكرية استرضاءً للزوجة الأولى من جهة، وكسباً لودِّ الجماهير النسائية اللاتي - وهن غير مَلوماتٍ في ذلك - لا يحبِّذْن فكرة التعدد لطبع الغَيرة لديهن، فبدل أن يقوم الفن بمحاولة بيان ضوابط التعدد، وحِكَمه، فإنه يشوه
стр. 62
صورته أكثر فأكثر لدى النساء، وإن تعجب حقاً، فاعجب من امرأة قد باتت راضية - بما أملاه الفن عليها - باتخاذ زوجها خليلة، فتصبر على ذلك وتدعو له بالصلاح وتمام الهداية، فإن تزوج بخليلته دعت عليه وصممت على الانفصال عنه!! وهذا - ولاشك - امتداد لجهود اليهود الدؤوبة في تفكيك المجتمع المسلم، وليس آخرها ما رأيناه من مقررات مؤتمر المرأة العالمي، وفيها دعوة صريحة للإباحية، وحث على تحديد النسل، فلصالح مَنْ مثل هذه المقررات؟!
جـ- الأنبياء ﵈ والصحابة ﵃:
لقد قام الممثل العالمي جون جوجت بتمثيل شخصية رسول الله نوح ﵇، وقد أنتجت هذا الفيلم شركة إنتاج عالمية، فبنت سفينة ضخمة جداً، يقال إنها أكبر من سفينة (تيتانك) الشهيرة، (١) وحشروا فيها من كل زوجين اثنين ليكون جون جوجت هو نوح ﵇ قائد هذه السفينة التي يحشر فيها المؤمنين ومن كلٍّ زوجين اثنين من الحيوانات، إن قيام ممثل بتمثيل شخصية رسول من رسل الله ليس قطعاً من معاني التكريم، وإنما هو مساس - ولا شك- بذات الرسول ومكانته في قلوب المؤمنين.
وهكذا صارت شخصيات الأنبياء والرسل ﵈ عرضة للتجسيد وباباً للكسب المادي، فلماذا المساس بالرسل وهم الذين أعلى الله مكانتهم واصطفاهم برسالاته وبكلامه، وجعلهم للناس قدوة؟!
وليس بمستغرب - بعد ذلك - أن يقوم الفنانون بتمثيل
стр. 63
شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم، وكم تجد في ذلك من مفارقات مقيتة، فالممثل الذي يمثل الأدوار المنحرفة هو نفسه الذي يمثل دور نبي أو صحابي، والممثلة الفاتنة في بعض الأفلام هي عينها من يمثل دور صحابية جليلة، وهذا ينبئ عن التناقضات الخطيرة التي يعيشها أهل الفن في حياتهم اليومية وفي أدوارهم التمثيلية، ثم إنهم بعد ذلك يبثون هذه التناقضات إلى المشاهد، وأكثر ما يؤثر هذا على الناشئة الأبرياء.
وفي فيلم (تلك الليلة) تظهر طقوس الدين النصراني، حيث يصوّر هذا الفيلم الراهب (الأب توما) وصراعاته النفسية المريرة بين الفضيلة والرذيلة، حتى يسقط أخيراً في الهاوية.
والملحوظ في الفيلم ظهور السيد المسيح ﵇ بشكل خيالي كالطيف، وهذا اعتداء صارخ على نبي الله المسيح ﵇، واستخفاف واضح من أهل الفن بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقد نادى بعض المفكرين والممثلين إلى تمثيل شخصيات الصحابة ومن هؤلاء الدكتور أحمد شلبي، والممثل عبد الله غيث وغيرهما، وبيّنوا أن ذلك لن يكون إلا بضوابط كمعرفة سلوك الممثل وتاريخه، والنصوص الموضوعة الهادفة إلى التعريف بالصحابة رضوان الله عليهم والاقتداء بهم، ومكان التصوير.... وغير ذلك.
إلا أن الأزهر الشريف - وبعد نقاش مطوّل في حكم المسألة - أصدر موافقته على تمثيل شخصيات الصحابة الكرام باستثناء الخلفاء الراشدين الأربعة وبقية المُبشَّرين بالجنة، وآل بيت رسول الله ﷺ .
стр. 64
وقد اتسمت تلك الجلسة بالمناقشات الحادة، وذلك بسبب تباين الآراء، وخشية امتهان مكانة الصحابة رضوان الله عليهم.
في حين أن فتوى واضحةً صريحة قد صدرت في تحريم تمثيل شخصيات الأنبياء ﵈ وأصحاب النبي ﷺ من قِبَل المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي (١) .
د- العلماء والمشايخ:
إننا نلحظ من خلال بعض المسلسلات والأفلام القصد إلى تقديم العلماء والمشايخ بصورة لا تتناسب ألبتة ومكانتهم الدينية والاجتماعية، فهم ورثة الأنبياء، ومصابيح الهدى، وبهم يُعرف الدين.
وكم بذل أهل الفن جهداً لتشويه صورة العلماء في أذهان الناس، فالعالم في المسلسلات والأفلام همّه الأكبر الإسراف في المأكل والمشرب، وكلامه غالباً ما يكون مثاراً للسخرية ولباسه مدعاة للازدراء، ونظرته إلى الحياة الدنيا تُجانِب بوضوح توجهات الإسلام، فالمال هو أول اهتماماته، وفتاويه تأتي مفصلة على قياس حال السائل، هذا ما يريد الفن غرسه في أذهان الناس، رامين من وراء ذلك إلى تشويه القدوة المفترضة، ومن ثم إبعادهم عنها، ثم عن الدين كله.
ولكن هيهات، فالأمة الإسلامية لديها ضوابط شرعية، تفرق بها بين الحق والباطل، وتميز بها بين الغث والسمين.
стр. 65
هـ- العبادات خاصة بالمسنين (للكبار فقط) !!
كذلك يحاول الفن غرس مفهوم خاطئ في عقول شباب أمتنا الإسلامية، إذ حصر عبادة الله في كبار السن فقط أو في من تجاوز سن الشباب، أما الشباب فيُترك لهم العنان لتحقيق ملذاتهم الدنيوية تامة غير منقوصة، ثم أمّلهم الفنّ بالتوبة بعد تقدم السن، جازماً لهم بقبولها بحج أو عمرة، ضامناً لهم الحياة المديدة التي تتحقق بها شهواتهم جميعها.
فكثيراً ما تجد انفصالاً حاداً في التفكير والنظرة إلى الحياة بين الآباء والأبناء، بمعنى أن الأب في الفيلم هو الذي يصلي في المسجد ويقرأ القرآن ويذكر الله، أما الشاب ففي وادٍ آخر، وادي الملذات والشهوات، مع أن رسول الإسلام ﷺ قد ذكر الشابّ الصالح من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله بقوله ﷺ «وشاب ينشأ في عبادة ربه» (١) . بل إن دعوة الإسلام بأكملها قامت على كواهل الشباب، وإن المستقرئ لحياة الصحابة ﵃ يعلم يقيناً أن غالبهم كان من الشباب، والمعلوم في الأمم الجادة أن دورة الإنتاج المعنوي والحسي في آنٍ معاً تكون معتمدة اعتماداً شبه تام على عنصر الشباب فيها.
والتطرف والتعصب:
حمل الفن راية المعاداة للمتدينين المتمسكين بالإسلام عقيدة وشريعة، وأخذ أهله يروّجون بإخلاص تام لما استجد مؤخراً من
стр. 66
وجوب استخدام مصطلحات يسمون بها أهل التدين، ما سمع آباؤنا بها ولا أَلِفوها.
فكل من حافظ على الصلوات الخمس هو متطرف، والمرأة المحجبة متعصبة، ومن جهر بالحق صار متخلفاً، أو على الأقل يعاني عقدة نقص أو انفصام شخصية، أو عدم انسجام مع متطلّبات مجتمعه المتحضِّر.
ونحن هنا لسنا في صدد التحامل على أحد فمن فمك أدينك، وعلى نفسها جنت براقش، فها هي ذي الأفلام والمسرحيات تمثل هذا النهج: فعادل إمام قد جعل معركته الكبرى هي معركة التصدي للتطرف، فبعد الانتهاء من مسرحيته (الواد سيد الشغال) وقف يقول: لم آتِ إلى هنا (أسيوط في صعيد مصر، وقد عرف أهلها بالتدين) ، لأتحدى أفراداً لكن لأتحدى فكراً منحرفاً متطرفاً، ويتابع قوله: والدي كان شديد التدين حافظاً للقرآن، فالدين في قلوبنا جميعاً، فهو ضد التطرف أو التعصب، ومن يقول: إن الفن حرام لا يفهم ما الفن الذي لا يمكن أن يُوظَّف لشيء سيىء. اهـ.
قائل هذا الكلام كان في المسرحية يوزّع القبلات المحرّمة ويسخر من الرسول الكريم ﷺ ومن الدين والمؤمنين!!
وبعدها نراه وقد ظهر في فيلم (إرهاب وكباب) ليشوّه الكثير من الحقائق، وهذا مثال لبعض أعمال أهل الفن الذين يؤكدون بلسان حالهم سعيهم الحثيث لتحقيق خطط حكماء - بل جهلاء- صهيون بتفريق الأمة المسلمة وعزل المتمسكين بدينهم عن أفراد المجتمع ليتم محاصرة الدين في الزوايا ودور العبادة، وليتحول بعدها طقوساً كهنوتية يرددها قوم منبوذون يعانون من عقد ليس أقلها عقدة النقص
стр. 67
تجاه تفوق المتغربين، ولكن أنى لهم ذلك وقد امتلأت أرجاء المجتمعات بنماذج لشباب وشابات التزموا دينهم، ثم حداهم ذلك للتفوق علمياً وعملياً، فصاروا قطب الرحى في ازدهار مجتمعاتهم وتفوّقها في مجالات الفكر والتقدم.
ز- ساعة الاحتضار:
لقد اقتحم أهل الفن أسوار الاحتضار وحِمى سكرات الموت، فلم يتركوا الإنسان يموت إلا على طريقتهم الخاصة، متعلقاً بالدنيا آملاً بملذاتها، ودونك فيلم (أوراق البحر) الذي يحكي قصة كاتبٍ يُحتضر، والاحتضار مِفصل هام للغاية في مراحل الوجود الإنساني، فهو تهيئة للانتقال من الدنيا إلى الآخرة، وفيه سكرات الموت، وما أدراك ما سكرات الموات!
ولنر الآن ماذا فعل أهل الفن؟
الكاتب يُحتَضر، وهو في الاحتضار يسترجع حياته السابقة بما فيها من آلام وآمال، وصداقة وحب.... ثم في النهاية يكتشف زيف هذه العلاقات والمشاعر، وهنا يحاول التعلق بالأمل من جديد، فتفتح له حياة مستجدة، ويشرع في علاقة حب مع فتاة ليعوض زيف ما فاته من علاقات وليحقق ما فاته من شهوات في الدنيا!!
كل هذا يدور والرجل يُحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، وكأن كاتب سيناريو الفيلم لا يؤمن بما يكون حال الاحتضار، كما لا يؤمن بالبعث وبما يكون بعده من حساب وجزاء.
أخي القارئ الكريم: هذا غيض من فيض المفاهيم الهدامة التي يرسخها الفن، والشبهات التي يثيرها حول مقوّمات المجتمع المسلم
стр. 68
بغية زعزعة أركانه المتينة، وإلغاء مفاهيمه المثلى، وهدم كيانه الثابت.
ثانياً: الفن والسلوك الاجتماعي:
ظهرت آثار الفن بوضوح في السلوكيات الاجتماعية التي تأثرت سلباً بالفن، وذلك من خلال عرض المشكلات الاجتماعية دون تقديم حل ناجعٍ لها، وتصوير كل الانحرافات السلوكية وإشاعتها عبر معروض الشاشة، لترسخ في أذهان الناشئة فتكون بذلك إحدى الدوافع الرئيسة للجريمة، مثل جرائم الجنس والسرقة والمخدرات وغيرها، ولقد طالت مؤخراً مناحي التربية والتعليم وكل سلوكيات المجتمع.
أ- السلوك التربوي في المدارس:
شاعت خلال الأعوام الماضية موجة من السلوكيات المستهجنة في صروح التربية والتعليم، حيث اتسعت باطّراد دائرة المشاغبات وعدم المبالاة وعدم المسؤولية في المدارس والجامعات، كيف لا، ونحن نرى الطلبة يشاهدون بشغف مسرحية مثل (مدرسة المشاغبين) فما برحوا يترسّمون خطا أهلها في النيل من المدرّس والمدرسة والعلم عبثاً واستخفافاً، حتى استحالت المبالغة في تصوير انحراف سلوك الطلبة في هذه المسرحية حقيقة واقعةً في كثير من مدارس الوطن العربي!!
من ناحية أخرى فقد رأينا في المسلسلات كيف يتعامل المدرّس مع الطالب المتأخر دراسياً المتمرد على قوانين المدرسة، وكيف يتعامل معه كلٌ من أسرته وأصدقائه، وردّة الفعل عنده تجاه كل هؤلاء؛ فإما المواجهة العنيفة، التي يقابلها الطالب بالمِثْل أو
стр. 69
بالهروب النفسي أو الجسدي، أو بالانحراف الاجتماعي أو الخلقي، وهذا بفعل تأثُّره بتعميم الفن لتلك الممارسات أو الإيحاء بها، ومن هنا ندرك خطورة بعض المعالجات الفنية غير المتخصصة تربوياً، والتي تزيد الطين بلّة، وتصب الزيت فوق النار، فتزداد بها الهوة بين القيمين على التربية والتعليم من أهل ومربين من جهة، وبين المتلقين المتمردين على أي ضابط سلوكي والمعادين لأي توجه علمي، وكأنما هناك صراع فطري بينهم!! هذا وإن رأينا بعض الإيجابيات التربوية في بعض المسلسلات لكنها سرعان ما تمرّ مرّ السحاب، ليمكث في ذاكرة الناس - والطلاب بخاصة - كل ما هو سيّئ، فالفن يعد دروساً لا يمكن مخالفتها، تُلقّن للشباب، وهذا ما يؤثر سلباً على العملية التربوية ومن ثَمّ على التقدم الحضاري للأمة.
ب- الجريمة والعنف:
إن من أخطر الأفلام تلك التي تعرض للعنف وللجريمة، والتي يظهر فيها كيفية التخطيط للجريمة، وكيف يحمي المجرمون أنفسهم، وكيف يدافع عنهم محامون يبرئونهم بحفنة من المال، مرتكبين جرماً أكبر في حق المجتمع والقيم.
وقد يُعرض كل هذا بقصد التحذير منه، ولكن الحقيقة المرّة أن هذه الأفلام والمسلسلات تقدم في الواقع دروساً عملية مشاهدة ليتم تطبيقها فيما بعد، من قِبَل ضعاف النفوس، وقد يكون ما يُعرض هو من واقع بعض المحاكمات غير النزيهة، وصورة حية لبعض ما يكون في المجتمع، إلا أن عرض ذلك قد يؤدي إلى إشاعة الجريمة والعنف وتوسيع دائرة التعريف بهما، الأمر الذي لا تحمد عقباه.
ومثال ذلك حادثة اغتصاب فتاة المعادي في القاهرة، فمنذ أن
стр. 70
بدأ ذيوع نبأ هذه الحادثة أعلن أكثر من مخرج سينمائي عن عزمهم على تقديم أفلام تتناول هذا الحادث الغريب، وقد طلع علينا - حتى الآن - خمسة أفلام تصوّر ما حدث، منها فيلما (المغتصبون) و (الاغتصاب) ، حيث يقول مخرج هذا الفيلم الأخير: "إن سبب انتشار هذه النوعية من الأفلام هو كثرة حوادث الاغتصاب في الفترة الأخيرة، فمن لم يستطعْ عملها بنفسه سَعِد بمشاهدتها في فيلم سينمائي"!! (١) .
وهذا المخرج يغالط الواقع، فانتشار مثل هذه الأفلام يسبب كثرة الجرائم، فهي التي تهيئ الجو النفسي لمثل هذه الجرائم، وهذا ما أوضحته الدراسات الجادة المتخصصة، فقد أظهرت إحدى الإحصائيات التي قامت بها باحثة في المركز القومي للبحوث الجنائية في مصر أن ٩٨.١% من الذين قاموا بجرائم اغتصاب كانوا تحت تأثير الأفلام الجنسية والمخدرات (٢) .
ولا أدّل على هذه الحقيقة من كلمات صادقة للتائبة شادية إذ تقول: "يؤسفني أن أقول إن كثيراً من أفلامنا تتعمد إشاعة العنف والإثارة بدعوى مقاومتها.." (٣) .
كما أرجع لواء في الشرطة المصرية أسباب ارتكاب الجرائم بأشكالها كافة إلى أفلام الفيديو والتلفزيون التي تدخل البلاد بمنأى عن أي رقابة، وهذه الأفلام تعرض مشاهد مخلّة بالآداب وتعرض لتفاصيل ارتكاب الجريمة فتغرس في نفوس المنحرفين
стр. 71
مبادئ التقليد (١) .
جـ- الجريمة في الأفلام الأجنبية:
لقد بلغت الأفلام الأجنبية مبلغاً في الكثرة تعذّر معه السيطرة عليها فلم يكد يخل بيت منها، وأكثرها من أفلام العنف والجريمة، وقد رأينا سقوط بعض شباب الغرب في الجريمة بسبب هذه الأفلام وقد أثرت - في الوقت عينه - تأثيراً بالغاً على شباب أمتنا.
ومصداق ذلك ما نشرته الصحف اللندنية عن جريمة اغتصاب وقتل حدثت في مدينة برمنجهام كان بطلها (ريتشارد لوماس) البالغ من العمر ١٧ سنة والذي ارتكب جريمتَي اغتصاب وقتلٍ بعد مشاهدته فيلم للممثلة (جين فوندا) بعنوان (صباح جديد) هذا الفيلم الذي يمثل كيفية اغتصاب سيدة وقتلها في بانيو (مغطس) الحمام.
وقد تحوّل الشاب (ريتشارد) إلى مجرم بعد رؤيته لهذا الفيلم، وقال المدعي العام في هذه القضية: إن مثل هذه الأفلام تدمّر عقول الأطفال والشباب وتتسبب في حدوث جرائم بشعة، وطالب المسؤولين بتشديد الرقابة على مثل هذه الأفلام (٢) .
لقد أدرك مفكرو الغرب خطورة هذه الأفلام، وهم ليس لديهم الوازع الديني ليزجرهم عن عرضها، فمتى سندرك بتعاليم ديننا ما أدركوه بمحض تفكيرهم؟!
د - الفن وعالم المخدرات:
إن عالم المخدرات ليس ببعيد عن عالم الجريمة، فبينهما اتصال
стр. 72
وثيق، فالجريمة والمخدرات توأمان، يؤثر أحدهما بالآخر، وإن المرء ليدرك مدى سعي أهل الفن للدعاية للمخدرات - وإن ادَّعوا قصد التحذير منها - وذلك من خلال أساليب اعتمدتها الأفلام والمسلسلات بطرق متنوعة هاك بعضها:
(١) تصوير تجار المخدرات بأنهم يعيشون في بذخ ورفاهية.
(٢) أن المخدرات هي الطريق الوحيد الأمثل لحل المشكلات وتحقيق السعادة.
(٣) تناول موضوع المخدرات من حيث طرق تهريبها وترويجها وتناولها. وتقول التائبة من الفن شادية: المخدرات كارثة كبيرة لا نعاني منها وحدنا وإنما تعاني منها كل دول العالم، وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد أفلامنا تصوّر مجتمعنا المسلم وكأنه ساحة للمخدرات.
إن بعض الأفلام يغوي الشباب ويسوّل له بأن الأسلوب الأسهل لإنهاء المشكلات هو الإدمان! وإن بعض الأفلام تصوّر بطل الفيلم يتاجر أو يشرب المخدرات ويعيش حياته كلها في سعادة تامة.
وحتى لا يتهم المشاهدون الفيلم بتشجيع المخدرات نرى المخرج في النهاية يحرص على أن يموت البطل أو يقتل أو يلقى القبض عليه، إنها حقاً طريقة ساذجة (١) .
وقد تناولت مجلة «المجتمع» هذه القضية في الكويت وبيَّّنت أن من أهم أسباب الانحراف والإدمان على المخدرات هي وسائل الإعلام: من صحافة، وتلفاز، وفيديو، وسينما، بما تقدم من أفلام
стр. 73
هابطة وأخرى مشجّعة على تناول المخدرات والانحرافات السلوكية (١) .
وهكذا ظهرت في المجتمعات الإسلامية سلوكيات منحرفة، وانتشرت لتكون معول هدم في كيان المجتمع والأسرة والفرد، وإن الأعمال الفنية - في غالبها - تعتمد الجريمة والعنف والمخدرات، والدعارة والانحلال الخلقي، وتفكك الأسرة والعنف العائلي، كل هذه تعتمدها أسساً لنشر الرذيلة والفساد في مجتمعاتنا، ابتغاء حطام الدنيا دونما نظر إلى مصلحة المجتمعات العليا، ومستوى أفرادها الثقافي والحضاري.
стр. 74
الفصل الخامس
دور الإعلام في ترويج الفن
يُعدّ الإعلام بحقٍّ بوابة العبور للأعمال الفنية على تنوعها، وهو الفيصل في الحكم بنجاح أي عمل فني أو إخفاقه، وبهذا يكون الإعلام الأداة الأكثر فاعلية لنشر الفن، ومن ثمّ فهو المصدر الذي يتم من خلاله تغذية فكر المجتمع، فالإذاعة والسينما والتلفزيون والصحف والمسرح تبث ما يحلو لها ليتم - بسرعة - تلقُّف الناس لذلك، فينغرس بعدها في عقولهم وسلوكياتهم.
ومن الملحوظ بوضوح أن الإعلام بشتى وسائله وفي أكثر حالاته، لا يلتزم بمبادئ حميدة، ولا بأخلاقيات سامية، ولا بعادات وتقاليد طيبة، وإن أي إعلام لا ينطلق من مفاهيم ومبادئ ثابتة، معتمدة ابتداءً على مبادئ دينية، سوف يصبح - لا شك - عامل هدم عقدي وفكري وسلوكي، وسيكون الخصم الأكثر شراسة لهذه المبادئ.
ونحن نرى ذلك بوضوح، حين صار الفن وأهله الشغل الشاغل لوسائل الإعلام المختلفة، وكأن الإعلام قد تفرّغ لبث الأعمال الفنية المتنوعة، فمن غناء متواصل لمغنين لا يكادون ينفدون، إلى عرض مسلسلات لا تكاد تنتهي حلقاتها مستوردة ومحلية، ثم لمسرحيات الأطفال، التي لا غاية لها سوى التهريج لهم، وإيهامهم بأن الحيوانات قد فاقت الإنسان في التفكير فصارت مُوجِّهة لسلوكياته،
стр. 75
ناهيك عن مسرحيات الكبار التي تعتمد أساساً على محاولة إضحاك الحضور أو إثارتهم، بمشاهد راقصة تعبيرية، دون اهتمام بجوهر العمل المسرحي الهادف.، ثم لنفترض أنك تخطيت - بنجاح تام- هذا الوجه من الإعلام (الفني) ، فإنك لن تستطيع الإفلات حتماً من قبضة الإعلام الفني بوجهه الآخر فتجد نفسك بمواجهة مقابلات مع فنانين، تقص عليك تفصيل سيرة حياتهم، وتعتمد آراءهم في شتى مناحي الحياة الاجتماعية، وكأن أحدهم قد صار قائداً ملهماً فذاً لا ترد آراؤه، تتلقفها الناشئة على أنها من المسلّمات البدهيات، هذا هو الدور الذي يضطلع به الإعلام المعاصر، لقد تخلى عن رسالته السامية في تعريف الأمة بحضارتها وجوانب شخصيتها وتطلعاتها، لينساق فيضطلع بدور تشويه الحقائق الدينية والفكرية، وطمس مفاخر الأمة الإسلامية، والمضي بها نحو الهاوية.
ولتوضيح دور الإعلام في ترويج الفن، فإننا سنتناول علاقة الفن بوسائل الإعلام المختلفة من صحافة ومسرح وإذاعة وتلفاز، وسيبرز لنا بصورة تلقائية الدور اليهودي والغربي في ترويج الفن، ولا يخفى على منصف كونهم المحرك الأساس في معظم وسائل الإعلام المختلفة.
أولاً: دور وسائل الإعلام في ترويج الفن:
أ - الصحافة والفن:
إن من لديه اهتمام بمتابعة العمل الصحفي يمكنه ملاحظة الارتباط الوثيق بين الفن والإعلام الصحفي، حيث أنشئت في بعض الدول مؤسسات صحفية تعنى بشؤون الفن وأخباره لتجعله جزءاً من الحياة اليومية للناس.