← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9552

شرح علل الترمذي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (835 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح علل الترمذي]ـ المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥هـ) المحقق: الدكتور همام عبد الرحيم سعيد الناشر: مكتبة المنار - الزرقاء - الأردن الطبعة: الأولى، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ومعه مقدمة المحقق د همام سعيد]

стр. 2

القسم الأول: مقدمة شرح علل الترمذي للدكتور همام عبد الرحيم سعيد الباب الأول شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في العلة وميدانها وأشهر علماء العلل. الفصل الثاني: في التعريف بأصل الكتاب وصاحبه، ومنهج ابن رجب فيه ومصادره في العلل. الفصل الثالث: دراسة حول علم العلل، من خلال كتاب ابن رجب. الفصل الرابع: دراسة في مصطلح الحديث، من خلال كتاب شرح علل الترمذي.

стр. 3

الفصل الأول مقدمة في العلة وميدانها وأشهر علماء العلل وفيه مبحثان: المبحث الأول: العلة في اللغة والاصطلاح، وفيه مطلبان: المطلب الأول: العلة في اللغة. المطلب الثاني: العلة في الاصطلاح. المبحث الثاني: ميدان علم العلل، وغايته وأشهر علمائه ومصنفاته: تمهيد، المطلب الأول: ميدان علم العلل وغايته. المطلب الثاني: أهميته واتساعه. المطلب الثالث: أشهر العلماء المشتغلين بالعلل.

стр. 4

والثالث: العلة المرض، وصاحبها معتل، قال ابن الأعرابي: "عل المريض يعل فهو عليل". وقال في القاموس: "اعتله وأعله الله - تعالى - فهو معل وعليل، ولا تقل: معلول والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج". وقال في اللسان: إنما هو أعله الله فهو معل، إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون ومسلول، من أنه جاء على جننته وسللته. والمحدثون يطلقون على الحديث الذي في عله "معلول"، (وكذا وقع في كلام البخاري والترمذي الدارقطني والحاكم وغيرهم) . وقد أنكر بعض العلماء هذا، كما سبق في اعتراضهم على المتكلمين، (وقال إن المعلول في اللغة اسم مفعول من عله إذا سقاه السقية الثانية، وتعقبهم آخرون فقالوا: قد ذكر في بعض كتب اللغة: عل الشيء إذا أصابته علة فيكون لفظ معلول هنا مأخوذا منه. قال ابن القوطية: (عل الإنسان: مرض، والشيء أصابته العلة فيكون استعماله بالمعنى الذي أرادوه غير منكر، بل قال بعضهم: استعمال هذا اللفظ أولى لوقوعه في عبارات أهل الفن، مع ثبوته لغة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال ابن هشام في شرح بانت سعاد: (تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنها منهل بالراح معلول)) والراجح في هذه المسألة أن "معلول" موفق للغة ومنسجم مع قواعدها إذا

стр. 5

كان مشتقا من عله بمعنى سقاه الشربة الثانية، وهو معنى "معلول" في الشاهد الذي ذكره ابن القوطية وليس كما أراده شاهدا للعلة بمعنى المرض، لأن "معلول" في البيت مرتبط بمنهل، والمنهل هو المورود في المرة الأولى، والمعلول هو المورود في المرة الثانية. ولما كان من معاني "عل" في أصل اللغة الشربة الثانية، كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة، فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه، لا في اللغة ولا في الاصطلاح، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة. وكما يقال "معلول" بهذا المعنى فإنه يقال "معل" لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال "معلل" فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقا من "علله" بمعنى ألهاه به وشغله، ويكون معنى "الحديث المعلل": هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به. المطلب الثاني العلة في اصطلاح المحدثين تقاربت عبارات أهل المصطلح في تعريفهم العلة في الحديث. وأول كتاب ذكر تعريفا للعلة هو "معرفة علوم الحديث" للحاكم، وقد قال فيه: "وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل". ويقول الحاكم أيضا: "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل". وهذا من الحاكم محاولة أولى لتحديد مفهوم عام للعلة، ولا يمكن أن نسميه حدا بما يحمله الحد من الضوابط. كما يلاحظ في كلام الحاكم قصر العلة على ما لا مدخل للجرح والتعديل فيه، وهو مخالف لمنهج كتب العلل التي احتوت على علل سببها جرح الراوي، وسيأتي الكلام على هذا.

стр. 6

وجاءت عبارة أبي عمرو بن الصلاح أكثر تحديدا من عبارة الحاكم فقال: "المعلول هو الذي أطلع فيه على عله تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر"، وفي هذا التعريف دور لأنه أدخل "العلة" في تعريف المعلول إلى جانب أنه ذكر علة الإسناد، ولم يشمل هذا التعريف علة المتن، التي لا تقل أهمية عن علة الإسناد. وأما الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت ٨٠٤هـ) فقد عرف العلة بقوله: "العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه، أي قدحت في صحته". ويلاحظ على هذا التعريف تكرار الألفاظ فيه، وقوله "طرأت" يشعر بأن الحديث كان في أصله صحيحا، وليس ذلك بلازم، إذ قد تدخل العلة على الحديث الصحيح، وقد يكون الحديث من أصله معلولا، كأن يظهر بعد البحث أن الحديث لا أصل له، وإنما أدخل على الثقة فرواه. وقد نقل برهان الدين البقاعي (ت ٨٥٥هـ) في نكتة على ألفية العراقي، كلاما آخر للعراقي، جاء فيه: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح " وأما الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) فقد ذكر في تعريف المعلل أثناء كلامه على أنواع الضعيف فقال "ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فهو المعلل"، ولا يصلح هذا لأن يكون حدا للعلة، إذ هو بيان لطرق الكشف عن العلة. وما نختاره من هذه التعاريف هو ما نقله البقاعي عن العراقي: "والمعلل خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح". وهو تعريف جامع مانع.

стр. 7

وفيما يلي بيان لعناصر هذا التعريف يوضح أسباب اختياره: (أ) في قوله "خبر" ذكر لعلة السند وعلة المتن لأن الخبر يشمل السند والمتن. (ب) وفي قوله "ظاهرة السلامة" بيان أن العلة تكون في الحديث الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر. (ج) قوله "اطلع فيه بعد التفتيش" دليل على خفاء القادح، وعلى إمعان النظر ولا يكون ذلك إلا من الناقد الفهم العارف. (د) وقوله "على قادح" تعميم لأسباب العلل لتشمل العلل التي مدارها الحرج، وتلك الناشئة عن أوهام الثقات وما يلتبس عليهم ضبطه من الأخبار. وبذلك يكون هذا التعريف مطابقا لواقع كتب العلل التي اشتملت على أحاديث كثيرة أعلت بجرح راو من رواتها.

стр. 8

ينتهي بكلمة أو سطر أو صفحة، أو مجموعة من الأقوال، في الرجل موضع الجرح أو التعديل، وأما هذا الذي معنا فإنه يواكب الثقة في حلة وترحاله، وأحاديثه عن كل شيخ من شيوخه، ومتى ضبط، ومتى نسي، وكيف تحمل، وكيف أدى. ولذلك نجد علي بن المديني يخرج علل ابن عيينة في ثلاثة عشر جزءا، وسفيان بن عيينة ثقة ثبت، ولكن هذا لا يعني سلامة أحاديثه كلها فهو بشر يخطئ ويصيب، وإن كان خطؤه نادرا، ولكن كم يكون حجم هذا النادر من بين ألوف الأحاديث التي يرويها؟ وهذا النوع من النقد أفرده الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ) في كتاب سماه "التمييز"، وقال في مقدمته: " فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم، إذا قال: هذا حديث خطأ، وهذا حديث صحيح، وفلان يخطئ في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت انهم استعظموا ذلك من قول من قاله، ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضيين، حتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ رواياتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، ومدح علم غيب لا يوصل إليه" ويمضي الإمام مسلم فيقول: "وبعد، فإن الناس متباينون في حفظهم لما يحفظون، وفي نقلهم لما ينقلون، فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتوقي لما يلزمه توقيه فيه، ومنهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه أو تلقين يلقنه من غيره، ومنهم من همته حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها فيتهاون في حفظ الآثار يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الذين أدى إليه عنهم". وأكثر من هذا فإن الإمام مسلما لا يبرئ أحدا من هذا وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا: "ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم

стр. 9

فيه فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل - إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله". وهكذا فإن الإمام مسلما يكشف لنا بجلاء ووضوح عن مجال هذا النوع من النقد فمجاله أحاديث الثقات وهدفه تنقيتها من الأوهام والأخطاء، وعلى لوحات كتابه نجد تطبيقات كثيرة لهذا النقد، وسنختار مثالا منها يدور حول وهم رجل من أكابر المحدثين الثقات الأثبات وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤هـ) قال الإمام مسلم: "حدثنا الحسن الحلواني (ثنا) يعقوب بن إبراهيم (ثنا) أبي عن صالح عن ابن شهاب: أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه أن النبي ﷺ صلى ركعتين ثم سلم، فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ "لم تقصر الصلاة، ولم أنس" قال ذو الشمالين: فقد كان ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، وقال: أصدق ذو اليدين قالوا: نعم، فقام رسول الله ﷺ فأتم ما بقي من الصلاة، ولم يسجد السجدتين اللتين يسجدان إذا شك الرجل في صلاته. قال ابن شهاب: "وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله. سمعت مسلما يقول: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين. وهم غير محفوظ، لظاهر الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ في هذا". حدثنا أبو كريب (ثنا) أبو أسامة (ثنا) عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ثنا) إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن

стр. 10

أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمر، وأن كل هؤلاء ذكروا في حديثهم أن رسول الله ﷺ حين سها في صلاته، يوم ذي اليدين، سجد سجدتين بعد إذ أتم الصلاة. المطلب الثاني أهميته واتساعه بالرغم من أن علم العلل قسم من أقسام علم الحديث دراية، إلا أن العلماء ركزوا عليه وأعطوه الأهمية القصوى حتى قال الحاكم: "معرفة علل الحديث. وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل". وحقا إن هذا العلم رأس علوم الحديث وأوسعها وأخفاها وأدقها وأهمها ولولاه لاختلط الصحيح بالسقيم لأن الأصل في أحاديث الثقات الاحتجاج بها والالتزام بقبولها وما يدخل عن طريق الثقات والحفاظ لا يدخل عن طريق الضعفاء والمجروحين، لأنه كما يقول الحاكم أبو عبد الله: "فإن حديث المجروحين ساقط واه وعلة الحديث تكثر في حديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا". وأما اتساع هذا العلم فسنرى - بعون الله ومشيئته - في مباحث أنواع العلل أن معظم علوم الحديث يدخل في العلل، فقد يعلل الحديث بالانقطاع أو الإرسال أو الأعضال أو الإدراج أو القلب، أو الاضطراب، ولكن الذي يميز علم العلل عن هذه الفروع، هو ما تتضمنه العلة من الخفاء إذ يقع الإرسال أو الانقطاع أو الإدراج في حديث الثقات ويصعب تمييزه والحكم عليه، وينطلي على أكثر المحدثين، حتى يتنبه جهابذتهم ونقادهم إلى هذا القادح الذي يتصف بالخفاء. وخلاصة القول أن القادح منه الخفي ومنه الجلي، ومنه ما كان في حديث الثقات، ومنه ما كان في حديث المجروحين والضعفاء. فما كان خفيا وفي حديث

стр. 11

الثقات فهو داخل في علم العلل، ولا أنسى أن أقول: إن معيار خفائه سؤال الحفاظ عنه، ووروده في كتب العلل. وأما ما نجده في كتب العلل من أحاديث أعلت بالجرح كأن يقال في أحد رواتها: متروك أو منكر الحديث، أو ضعيف، فيمكن حمل هذه القوادح على علم العلل وإلحاقها به إذا وردت في أحاديث الثقات، كرواية الزهري عن سليمان بن أرقم، ورواية مالك عن عبد الكريم أبي أمية، ورواية الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى، فرواية هؤلاء الأئمة الجهابذة عن هؤلاء الضعفاء توقع كثيرين في العلة اعتمادا على تثبت هؤلاء الأئمة، ومكانة الزهري ومالك والشافعي تخفي أمر هؤلاء المتروكين والضعفاء. وقد يلتبس أمر راو ما على أحد الحفاظ النقاد، فيروي عنه، ويكون الحديث معلولا بجهالة أمر هذا الراوي أو بنكارته، ولا تدرك هذه الجهالة والنكارة إلا بمعرفة كبار النقاد. وهذا تخريج لوجود مثل هذه القوادح التي ذكرت في كتب العلل. وقد ذكر أكثر المصنفين في علوم الحديث أن العلة قد تطلق على أنواع من الجرح، وذلك بعدما ذكروا أن غالب العلل في أحاديث الثقات، ولذلك نجد ابن الصلاح يقول: "وقد يعلون بأنواع الجرح من الكذب والغفلة وسوء الحفظ وفسق الراوي، وذلك موجود في كتب علل الحديث"، وهذا ما ذكره ابن كثير والعراقي، ولكنهم لم يحاولوا تخريج وجود هذه الأنواع في كتب العلل. أما السخاوي فقد تنبه لهذا فقال: ولكن ذلك منهم - أي أصحاب كتب العلل الذي يعلون بالجرح - بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق آخر ليخبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده.

стр. 12

المطلب الثالث أشهر علماء هذا الفن لقد قيض الله تعالى لميدان علم الحديث والعلل أعلاما عبدوا مساربه. فكان شعبة بن الحجاج أبو بسطام (المتوفى سنة ١٦٠هـ) من رواده الأوائل وشعبة هذا قال عنه الإمام الشافعي ﵀: "لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أبو حاتم الرازي: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم بأنه ثقة. وقال يحيى بن سعيد: كان شعبة أعلم الناس بالحديث". قال ابن رجب في معرض ترجمته لشعبة بن الحجاج: "وهو أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم". وقال السمعاني صاحب كتاب اٍلأنساب: "هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين". وهذه العبارة تكفي لأن نعرف من هو شعبة. وفي كتب العلل والرجال يتردد اسمه في كل صفحة، وكافة النقاد بعده يتسابقون في نقل عباراته والبحث عن نظراته في الرجال والعلل. وخلاصة القول في شأن هذا الرجل أن الحديث أصبح صناعة وفنا على يديه. ومن فرسان هذا الميدان وأفذاذه يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة ١٩٨هـ) خليفة شعبة والقائم بعده مقامه، وعنه تلقاه أئمة هذا الشأن

стр. 13

كأحمد وعلي ويحيى بن معين، وقد كان شعبة يحكمه على نفسه في هذا العلم، هذا قول ابن رجب فيه ﵀. قال أحمد: لم يكن في زمان يحيى القطان مثله كان تعلم من شعبة وقال ابن معين: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: لا ترى بعينيك مثل يحيى بن سعيد القطان. وقد ترجم له ابن رجب ترجمة تليق بمقامه، وترفع شأنه، وقد ذكر ابن رجب أن ليحيى القطان كتابا في العلل فيكون بذلك أول من صنف في هذا العلم. وقد وصفه ابن الأثير بوصف جامع أوقفني على عظمة هذا الرجل، وشدني إلى مزيد من التعرف عليه فقال: "وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الرجال". وقد صحب يحيى القطان شعبة مدة عشرين عاما فاكتسب منه مهارة فائقة ظهرت آثارها فيما نقل عنه، وفي التلاميذ الذين تلقوا عنه كيحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وقل أن يجد الباحث قضية في العلل والرجال خلت من رأي ليحيى بن سعيد، وقد بلغ من علو كعبه في النقد أن قبله شيخه شعبة حكما بينه وبين مخالفيه، قال عبد الرحمن بن مهدي: اختلفوا يوما عند شعبة، فقالوا اجعل بيننا وبينك حكما. فقال: قد رضيت بالأحول، يعني يحيى بن سعيد القطان، فما برحنا حتى جاء يحيى فتحاكموا إليه، فقضى على شعبة، فقال له شعبة: ومن يطيق مثل نقدك يا أحول؟ " ويعلق ابن أبي حاتم على هذه القصة، فيقول: "هذه غاية المنزلة إذا اختاره شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من دالته بنفسه وصلابته في دينه أن قضى على شعبة".

стр. 14

ومن رجال هذا الفن الحاذقين فيه عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة ١٩٨هـ) ، وهو الذي قال عنه علي بن المديني: "لو أخذت فأحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أنني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أيما أثبت عندك عبد الرحمن بن مهدي أو وكيع؟ قال: عبد الرحمن أقل سقطا من وكيع في سفيان، قد خالفه وكيع في ستين حديثا من حديث سفيان، وكان عبد الرحمن يجيء بها على ألفاظها، وكان لعبد الرحمن توق حسن". وأما يحيى بن معين بن عون المري أبو زكريا (المتوفى سنة ٢٣٣هـ) فإليه انتهى علم العلل حتى قال عنه الإمام أحمد: "ههنا رجل خلقه الله لهذا الشان". ومن آثاره التي وصلتنا "التاريخ والعلل" وفيه علم غزير ومعرفة واسعة في علم الرجال والعلل، ولم يكتب هو بيده شيئا وإنما جمع عدد من تلاميذه أخباره ومسائله في العلل كعثمان الدارمي، وعباس الدوري، وابن الجنيد، ومضر بن محمد، وابن محرز، وخالد بن الهيثم. وقل أن نجد رجلا لم يتكلم ابن معين فيه جرحا أو تعديلا، ولقد عرف أهل زمانه مكانته به بالمدينة والمنادي ينادي: هذا الذي ذب الكذب عن أحاديث رسول الله ﷺ . ومن كبار النقاد ورجال العلل أبو الحسن علي بن جعفر المديني (المتوفى سنة ٢٣٤هـ) شيخ البخاري، قال عنه أو حاتم الرازي: "كان علي بن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل". وقد ترجم له ابن رجب في شرح

стр. 15

علل الترمذي وذكر له قائمة من الكتب زادت على الثلاثين كتابا. معظمها في العلل - مثل: - علل المسند في ثلاثين جزءا. - العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا. - علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءا. - الوهم والخطأ في خمسة أجزاء. - من حدث ثم رجع عنه جزء. - اختلاف الحديث، خمسة أجزاء. - العلل المتفرقة ثلاثون جزءا. ومن هؤلاء الأفذاذ الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة ٢٤١هـ) وباعه في الحديث عامة، وفي العلل خاصة طويل. ولقد كتب عنه تلاميذه مئات الأجزاء في العلل وفي سائر فنون الحديث. ومن هذه الأجزاء ما كتبه ابنه عبد الله عنه وقد بلغ كتابه" العلل ومعرفة الرجال" اثني عشر جزءا مخطوطا. وقد ترجم له ابن رجب ﵀ ترجمة تليق بمقامه. وأما الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة ٢٥٦هـ) فقد وصفه تلميذه مسلم بن الحجاج بقوله: "أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله". وله كتاب في العلل ذكره ابن حجر في المعجم المفهرس له، وابن خير في فهرسته.

стр. 16

الأول: "العلل الصغير"، وهو ملحق بكتابه الجامع. والثاني: العلل الكبير ومعظمه منتزع من كتاب الجامع. وممن صنف في العلل أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر الدمشقي (المتوفى سنة ٢٨٠هـ) وله في ذلك كتاب التاريخ وعلل الرجال". وللحافظ أبي بكر أحمد عمرو بن عبد الخالق المعروف بالبزار، (المتوفى سنة ٢٩٢هـ) كتاب مهم هو "المسند الكبير المعلل". وقد هذبه ابن حجر، وتوجد منه نسخة في مكتبة مراد ملا. وممن صنف في العلل أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي، (المتوفى سنة ٣٠٧هـ) وقد ترجم له الذهبي في تذكرته، وقال: له كتاب في علل الحديث يدل على تبحره، وذكره ابن خير في فهرسته. وصنف الحافظ البارع أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرجسي النيسابوري (المتوفى سنة ٣٦٥هـ) كتابا في العلل. وهو مسند كبير مهذب معلل في ألف جزء وثلاثمائة جزء - وقد نقل الذهبي عن الحاكم قوله: هو سفينة عصره في كثرة الكتابة، وقال: وعلى التخمين يكون مسنده في خطوط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فعندي أنه لم يصنف في الإسلام مسند أكبر منه، وكان مسند أبي بكر الصديق بخطه في بضعة عشر جزءا بعلله وشواهده، فكتبه النساخ في نيف وستين جزءا. وقد تلقي عنه هذا الفن محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري

стр. 17

وللحاكم أبي عبد الله محمد بن البيع كتاب في العلل، وقد أفرد للعلل مبحثا في كتابه "معرفة علوم الحديث". وللحسن بن محمد البغدادي المعروف بالخلال (المتوفى سنة ٤٣٩هـ) كتاب في العلل. ولابن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى سنة ٥٩٧هـ) ، كتاب العلل المتناهية". وأما عبد الرحمن بن أحمد بن رجب (المتوفى سنة ٧٩٥هـ) فقد شرح كتاب الترمذي الجامع ثم شرح كتاب العلل الصغير الملحق بالجامع وأضاف عليه إضافات مهمة في علم العلل، وهذا الجهد كله منصب على هذا الكتاب لخدمته وإظهاره إن شاء الله. وقد صنف أحمد بن علي بن حجر (المتوفى سنة ٨٥٢هـ) كتابا سماه الزهر المطلول في الخبر المعلول". وكثير من هذه الكتب طوته يد الحدثان وبقي بعضهما رهين دور المخطوطات، ولم يطبع منها سوى مجلد من علل الإمام أحمد، وعلل ابن أبي حاتم، وجزء من علل ابن المديني

стр. 18

الفصل الثاني في التعريف بأصل كتاب شرح علل الترمذي ومنهج ابن رجب فيه وأشهر مصادره في العلل وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: في التعريف بأصل الكتاب وصاحبه. المبحث الثاني: نظرة في مناهج كتب العلل المتقدمة. المبحث الثالث: منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي. المبحث الرابع: دراسة لأشهر مصادر ابن رجب في العلل.

стр. 19

المبحث الأول التعريف بأصل الكتاب وصاحبه تمهيد لما كان منطلق هذه الدراسة كتاب "شرح علل الترمذي" فإنه منطق البحث يلزمنا أن نعرف بأصل الكتاب وصاحبه. وسيكون هذا - إن شاء الله - على وجه الإجمال والاختصار، وذلك لأن الأصل الذي هو "العلل الصغير" مبثوث في شرح ابن رجب، وقد تكلم عليه فأجاد وأفاد. وأما صاحبه فهو الإمام الترمذي وهو غني عن التعريف والبيان. وقد جعلت هذا المبحث في مطلبين اثنين: المطلب الأول التعريف بكتاب العلل الصغير صنف الإمام الترمذي كتابه المسمى بـ "الجامع" على الأبواب المعللة، ثم ختم كتابه بكتاب صغير في العلل، بين فيه مقاصده، ومصادره ورجاله ومصطلحاته. ومع أن هذا الكتاب مسبوق بجهود متفرقة في علم الدراية، كما هو مسبوق بمقدمة صحيح مسلم، التي حددت مقاصد مسلم ورجاله، وبعض آرائه، رغم كل هذا فإن كتاب العلل الصغير للترمذي جاء أتم وأكمل، وجاز لنا أن نعتبره أول مصنف في علوم الحديث، وموضوعاته أشمل وأدق من موضوعات "المحدث الفاصل" للرامهرمزي الذي قيل فيه: أنه أول مصنف في علوم الحديث.

стр. 20

ولما كنت سأكل الكلام عن هذا الكتاب لشارحه فسأقتصر هنا على ذكر مقاصد الكتاب. وهي كما يلي: ١ - بين الترمذي أن الأحاديث المذكورة في كتابه معمول بها كلها ما عدا اثنين ذكرهما. ٢ - حدد الترمذي أسانيده إلى الفقهاء الذين ذكر مذاهبهم في كتابه. ٣ - بين الترمذي فيه مقصده العام من كتابه "الجامع"، وأنه كتاب معلل. ٤ - ساق فيه الترمذي أدلة كثيرة على جواز الكلام في الرجال والعلل، بل على وجوبه. ٥ - قسم الرواة فيه إلى أربعة أقسام: (أ) قوم من الثقات الحفاظ الذين يندر الخطأ في حديثهم. (ب) قوم من الثقات الذين يكثر الغلط والخطأ في حديثهم. (ج) قوم من جلة أهل العلم غلب عليهم الخطأ والوهم فلا يحتج بحديثهم إذا انفردوا. (د) قوم من المهتمين وأصحاب الغفلة، وهؤلاء لا يحتج بهم. وفي الكلام عن الرواة ركز الترمذي على تفاوت الحفاظ في الضبط، وأثر ذلك على رواياتهم. وهذا لب علم العلل كما سنرى فيما بعد - إن شاء الله -. ٦ - تكلم الترمذي على الرواية بالمعنى واللفظ، ووضع شروطا لجواز الرواية بالمعنى. ٧ - فصل الكلام في أنواع التحمل. ٨ - تكلم عن الاختلاف في توثيق الرواة وتضعيفهم. وفي هذه إشارة منه إلى أن صاحب الكتاب قد يأخذ عن رجل ضعيف عند غيره، ولكنه ثقة عنده.

стр. 21

٩ - تكلم الترمذي عن المرسل وحكمه واختلاف العلماء في قبول المراسيل. ١٠ - تكلم عن اصطلاح "الحسن" في كتابه وحدد مفهومه له، وكذلك ما اشتق منه. ١١ - تكلم عن الغريب وأنواعه، وتكلم عن زيادة الثقة في المتن والإسناد. هذه هي مقاصد الترمذي في كتابه العلل. وعند كل مقصد من هذه المقاصد يذكر الترمذي جملة من الأخبار المسندة. وهذه المقاصد تخدم حديث الثقات وتلقي ضوءا باهرا على كتاب الترمذي المعلل، فكانت بهذا داخلة في علم العلل، وهي بلا شك البواكير النظرية لهذا العلم. المطلب الثاني التعريف بالإمام الترمذي (٢٠٩ - ٢٧٩ه ـ) هو الإمام محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، أبو عيسى السلمي نسبة إلى بني سليم، الضرير، الترمذي، البوغي، نسبة إلى بوغ، قرية من قرى ترمذ. ولد هذا الإمام سنة تسع ومائتين على أرجح الأقوال وكان ذلك بترمذ، وتلقى العلم في صباه على شيوخ بلدته والقادمين إليها وإلى ما جاورها. وكان من أوائل شيوخه إسحاق بن راهويه. ثم رحل إلى الآفاق يتلمس العلم رواية ودراية، فتتلمذ على مشاهير عصره، كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود السجستاني، وكان البخاري أكثر الشيوخ تأثيرا فيه، وعنه أخذ الترمذي علم العلل.

стр. 22

أما تلاميذه: فقد روى عنه واستفاد منه كثير من علماء عصره منهم مكحول بن الفضل، والهيثم بن كليب الشاشي، وأبو العباس المحبوبي، والحسين بن يوسف الفربري وقد تلقى عنه هؤلاء كتابه "الجامع" وكتاب "الشمائل" وكتاب "العلل الكبير" وقد ذكر في العلل الصغير أن له كتابا آخر جعله للآثار الموقوفة. وقد امتاز الإمام الترمذي بحافظة قوية حتى كان يضرب المثل بحفظه وضبطه. وكان مع هذا على جانب من الورع والاحتياط في الدين والزهد في الدنيا، وأما علمه بالحديث رواية ودراية فكتابه الجامع شاهد على طول باعه، وحسن تصنيفه، وبراعته في العلل والرجال. وثناء العلماء عليه كثير، حتى قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: "الحافظ العلم، أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع ثقة مجمع عليه. ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم في الفرائض انه مجهول فإنه ما عرف ولا درى بوجود الجامع ولا العلل التي له". وقد توفي ﵀ بعد ما كف بصره، وكانت وفاته في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. *** المبحث الثاني نظرة في مناهج كتب العلل المتقدمة تعرضنا في الفصل الأول من هذا الباب لمفهوم العلة والجهود التي بذلها علماء العلل، وذكرنا أكثر الكتب التي صنفت في هذا المضمار، كل ذلك على طريقة المسح الزمني. أما من حيث المناهج التي سارت عليها هذه المصنفات فقد تنوعت إلى مناهج عدة: أولاً: فمنها ما كان على طريقة المسائل المتفرقة، والمعارف غير المبوبة، وذلك بأن يجيب إمام من أئمة هذه الصنعة على أسئلة تلاميذه، ثم ينشط واحد من هؤلاء التلاميذ فيجمع هذه المسائل المنثورة المتفرقة في كتاب. وذلك كما فعل عباس الدوري في أجوبه يحيى بن معين وأقواله حيث جمعها في كتاب "التاريخ والعلل" وكذلك فعل عثمان الدارمي، وابن الجنيد، وابن محرز، فكل واحد من هؤلاء أسهم بجمع هذه المسائل المتفرقة. وكما نقلت مسائل يحيى بن معين فقد نقلت مسائل أحمد وأقواله في العلل، إذ قام عدد من تلاميذه يجمعون هذا النوع من المعارف الحديثية، منهم عبد الله بن أحمد الذي جمع مسائل والده في "العلل ومعرفة الرجال" وكذلك فعل صالح بن الإمام أحمد، والميموني، وابن هانئ، والأثرم، كل واحد من هؤلاء له كتاب جمع فيه مسائل في العلل عن الإمام أحمد. ثانيا: ومنها ما كان على طريقة المسانيد المعللة، وذلك بان يصنف إمام معتبر علل الحديث على مسانيد الصحابة، فيذكر حديث الصحابي الواحد، ثم

стр. 23

يذكر علة كل حديث بعد الفراغ منه، وذلك كما فعل يعقوب بن شيبة في "المسند المعلل" وأبو بكر البذار في "المسند الكبير المعلل" والدارقطني في "العلل الواردة في الأحاديث النبوية". ثالثا: ومنها ما كان على "طريقة الأبواب المعللة" وذلك بأن يصنف الحديث على الأبواب الفقهية، ثم تذكر علل كل باب بعد الفراغ منه أو علة كل حديث بعده، وذلك كما فعل أبو عيسى الترمذي في كتابه "الجامع" المشهور "بسنن الترمذي" وكما فعل عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه "علل الحديث". رابعا: ومنها ما كان على طريقة جمع الحديث المعلل لشيخ واحد، وذلك كما فعل علي بن المديني عندما صنف في علل الحديث ابن عيينة. وهذه الطريقة مفيدة في معرفة نسبة العلل في حديث هذا الشيخ. خامسا: ومنها ما كان على طريقة التراجم المعللة، وقد تكون هذه التراجم إما على الطبقات أو على الترتيب الهجائي، وفيها يعمد المصنف إلى الرواة فيذكرهم ويذكر بعض العلل التي عرف بها المترجم. وذلك ككتاب العقيلي "الضعفاء" الذي احتوى على تراجم مرتبة ترتيبا هجائيا، و"الكامل في ضعفاء المحدثين وعلل الحديث" لابن عدي، كذلك. سادسا: أما كتب مصطلح الحديث "كمعرفة علوم الحديث" للحاكم، و"مقدمة ابن الصلاح" ومن تابعهما من المصنفين في المصطلح فقد جعلوا الحديث المعلل نوعا من الأنواع التي تعرضوا لها، وذكروا شيئا من تعريف العلة وأنواعها، ولكنه على غاية من الاختصار، وهذا يناسب موضوع كتب المصطلح والهدف منها، وهو التعريف بعلوم الحديث عامة. وهذه هي الرمز المنهجية لكتب العلل، وأما كتاب ابن رجب ففي المطلب الثاني تفصيل لمنهجه وبيان لمزاياه، ان شاء الله تعالى

стр. 24

المبحث الثالث منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي تمهيد: يتألف شرح علل الترمذي من قسمين رئيسين أطلقنا على كل قسم اصطلاح "باب". ولاحظنا أن لكل قسم من هذين القسمين سمات منهجية خاصة، كما أن للكتاب كله سمات منهجية عامة. وبهذا يكون مبحث المنهج في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: منهج ابن رجب في الباب الأول "شرح علل الترمذي". المطلب الثاني: منهج ابن رجب في الباب الثاني "القواعد والفوائد". المطلب الثالث: ملاحظات عامة على منهج ابن رجب في الكتاب. *** المطلب الأول "شرح علل الترمذي " منهج ابن رجب في الباب الأول: تناول ابن رجب كلام الترمذي في "العلل الصغير" بالشرح والتوضيح، والاستدراك والنقد، والتكميل والتمثيل. وقد استقرأت منهج ابن رجب في هذا القسم فوجدت ما يلي:

стр. 25

أولا - من حيث طريقة ابن رجب في عرض كلام الترمذي: امتاز عصر ابن رجب والعصور التي تلته بالاتجاه إلى شرح الكتب السابقة أو اختصارها، وذلك في ميادين العلوم المختلفة وخاصة علوم العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والأصول. وكان لهذه الشروح طريقتها التقليدية التي تتلخص ببث كلام الأصل بين عبارات الشرح، ثم يكون الشرح حلا لألفاظ الأصل وتراكيبه. وأحيانا كثيرة تختلط عبارة الأصل بعبارة الشرح فيقع القارئ في اللبس علاوة على ما في هذا المنهج من الاضطراب في الأسلوب، وعدم الانسجام. والجدير بالذكر أن هذا الانسجام المفقود هو من السمات البارزة في هذه الشروح حتى ولو كان صاحب الأصل هو صاحب الشرح، فالعراقي الذي يعتبر من مشاهير عصر ابن رجب صنف ألفيته المنظومة في المصطلح، ثم فك كلماتها وعباراتها في شرح سماه "فتح المغيث"، وبالرغم من أن المؤصل هو نفس الشارح، إلا أن تنافر الأسلوب ملحوظ. أما ابن رجب فقد شرح علل الترمذي بطريقة أخرى فانتهج ذكر كلام الترمذي أولا في الموضوع الواحد، ثم يعقب على كلام الترمذي بالشرح والإيضاح التمثيل، دون أن يلجأ إلى حل الألفاظ والتراكيب، وإنما يكتفي بالإشارة إلى أصل الموضوع ومعناه عند الترمذي، فيكون ابن رجب قد استقل استقلالا تاما في عبارته وأسلوبه، فكانت ثمرة هذا المنهج سهولة العبارة وانسجام التراكيب ووحدة الأسلوب. وفي ظل هذا المنهج يصبح كلام الترمذي كأنه ترجمة للباب. أو رأس موضوع له. أو مدخل مناسب. ثانيا - من حيث وقوف ابن رجب عند كلام الترمذي: وابن رجب خير من يشرح كلام الترمذي، ويفصله، ويرفع عنه الإبهام، إلا انه لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى طرق الموضوع من جميع جوانبه، ويضيف إلى قول الترمذي أقوال خلفه من العلماء.

стр. 26

وسبب هذا التوسع، عند ابن رجب، إنما يرجع إلى أن كتاب "العلل الصغير" يعتبر من أوائل كتب المصطلح في ذلك الوقت المبكر، الذي لم يكن فيه التصنيف في هذا الفن قد بلغ رشده بعد، ثم توالت التصانيف بعد الترمذي وجمعت أقوال العلماء في هذا العلم، فكان على ابن رجب أن يضم اللاحق إلى السابق. وكذلك فإن مكانة الترمذي وإمامته لم تمنع ابن رجب من أن يستدرك عليه، وهي استدراكات قيمة تظهر علم ابن رجب وفضله، وسنرى في الكلام عن "شرح الترمذي" استدراكات ابن رجب الهامة كأن يقول: وفي الباب مما لم يخرجه الترمذي، أما في شرح العلل فإنه يكثر من الاستدراكات، كما في المثال الآتي: قال الترمذي: "جميع ما في هذا الكتاب معمول به، وقد أخذ به بعض العلماء، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس - رضي الله عن هما - أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في المدينة، من غير خوف ولا سفر". وحديث النبي ﷺ : "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". وقال ابن رجب: "وكان مراد الترمذي ﵀ أحاديث الأحكام. وقد روى في كتاب الحج حديث جابر في "التلبية عن النساء"، ثم ذكر أن الإجماع أن لا يلبى عن النساء، فهذا ينبغي أن يكون حديثا ثالثا مما لم يؤخذ به عند الترمذي". (وقد وردت أحاديث أخر، ذكر بعضهم أنه لم يعمل بها أيضا، فمنها ما أخرجه الترمذي، وأكثرها لم يخرجه. فمنها حديث: "من غسل ميتا

стр. 27

فيغتسل، ومن حمله فليتوضأ" وقد قال الخطابي: لا أعلم أحدا من العلماء قال بوجوب ذلك ولكن القائل باستحبابه يحمله على الندب، وذلك عمل به. ومنها، حديث: "أنه ﷺ توضأ ثلاثا، ويقال: ومن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم". ومنها حديث: "التيمم إلى المناكب والآباط"، ومنها حديث: "التيمم إلى نصف الذراعين"، ومنها حديث: "الأكل في الصيام بعد الفجر" ومنها حديث أنس "في أكل البرد للصائم") . وهكذا فإن ابن رجب يستمر في استدراكه على الترمذي فيذكر أحاديث صحت أسانيدها، ولكن العمل على خلافها. ثالثا - الاعتراض على كلام الترمذي أحيانا: وكما أن ابن رجب يشرح عبارة الترمذي، ويضيف إليها ويستدرك عليها فإنه كذلك ينقد ويعترض حيث يجد مبررا لذلك. وفيما يلي مثال لهذه الاعتراضات: "قال الترمذي: وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء، فما كان من قول سفيان الثوري فأكثره ما حدثنا محمد بن عثمان الكوفي، (ثنا) عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري. ومنه ما حدثنا مكتوم أبو الفضل بن العباس الترمذي، (ثنا) محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان. وما كان فيه من قول مالك بن أنس فأكثره ما حدثني به إسحاق بن موسى الأنصاري، (ثنا) معن بن عيسى القزاز، عن مالك ... ". وهكذا فإن الترمذي يذكر أسانيد أقوال الفقهاء، ولكن ابن رجب لم يكتف بأسانيد الترمذي المجملة سيرا على قواعد المحدثين في قبول الإسناد ولذلك فإنه سجل اعتراضه على هذا المنهج، فقال:

стр. 28

"أعلم أن أبا عيسى ﵀ ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير من فقهاء أهل الحديث المشهورين كسفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وذكر فيه كثيرا من العلل والتواريخ والتراجم، ولم يذكر أسانيد أكثر من ذلك، فذكر ههنا أسانيد مجملة، وإن كان لم يحصل بها الوقوف على حقيقة أسانيده، حيث ذكر أن بعضه عن فلان، وبعضه عن فلان، ولم يبين ذلك البعض". رابعا - الكلام على منهج الترمذي في الجامع: تكلم الترمذي في العلل الصغير عن منهجه في الجامع، وجاء ابن رجب ففضل الكلام عن هذا المنهج. وأصبح من الضروري للباحث في سنن الترمذي أن يطلع على شرح علل الترمذي، بل إن هذا الكتاب احتوى على مقارنة ضافية بين مناهج عدد من كتب السنة كالسنن الثلاثة، ومسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم. وأستطيع أن أقول: إن كتاب شرح علل الترمذي لكتاب الترمذي - يشابه "هدى الساري" الذي قدم به ابن حجر لفتح الباري، وتكلم فيه عن منهج البخاري في صحيحه، وهذان الكتابان: شرح العلل، وهدى الساري يستحقان اهتمام الباحثين في السنة، وفيها المقدمة الضرورية التي على ضوئها تكون الفائدة المرجوة من كتب السنة كبيرة. ولما كان موضوعنا هذا يتناول كلام ابن رجب عن منهج الترمذي في الجامع فسنذكر بعض الأمثلة من شرح العلل على هذا، ولعل من أهم هذه الأمثلة ما يكون منصبا على مقارنة منهج الترمذي بغيره، ولنستمع لابن رجب يحدثنا عن مثل هذا: قال ابن رجب ﵀: "والذين صنفوا منهم من أفراد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومن بعدهما كابن خزيمة وابن حبان، ولكن كتابهما لا يبلغ مبلغ كتاب الشيخين. ومنهم من لم يشترط الصحة وجمع الصحيح وما قاربه، وما فيه بعض العلل والضعف، وأكثرهم لم يكتبوا ذلك ولم يتكلموا على الصحيح

стр. 29

والضعيف. وأول من علمناه بين ذلك أبو عيسى الترمذي، وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إليه، وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شيبة مسانيد معللة. وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدا سبق الترمذي إليها، وزاد الترمذي ذكر كلام الفقهاء. وهذا كان قد سبق إليه مالك في الموطأ، وسفيان في الجامع". وفي مكان آخر يقول ابن رجب: وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ في الأحاديث الغريبة الإسناد، وليس ذلك بعيب فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل ثم يبين الصحيح من الإسناد. وكان مقصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له. وأما أبو داود ﵀ فكان عنايته بالمتون، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض. فكانت عنايته في الحديث أكثر من عنايته في الإسناد. المطلب الثاني القواعد والفوائد منهج ابن رجب في الباب الثاني من الكتاب: يتألف الباب الثاني من الكتاب من مجموعة قواعد وفوائد في علم العلل، وما يتصل به من أحوال الرواة. وكان غرض ابن رجب في هذا النصف الأخير من الكتاب تقريب علم العلل على من ينظر فيه، وقد بدأه بمقدمة، قال فيها: "ولما انتهى الكلام على ما ذكره أبو عيسى الترمذي ﵀ في كتاب الجامع، وآخره كتاب العلل، أحببت أن أتبع كتاب العلل بفوائد آخر مهمة

стр. 30

وقواعد كلية، تكون للكتاب تتمة، وأردت بذلك تقريب علم العلل على من ينظر فيه، فإنه علم قد هجر في هذا الزمان". وفي هذا القسم يجد الباحث نفسه أمام منهج فريد في التصنيف لم يشارك فيه ابن رجب أحد من السابقين، كما سيجد الباحث في هذه القواعد متعة ما بعدها متعة، وتضعه أمام منهج تطبيقي حي. وفيما يلي عرض للسمات الأساسية لمنهج ابن رجب في هذا الجزء من الكتاب: أولا - حسن التقسيم ودقته: وهي سمة أساسية في هذا الجزء من الكتاب تحدد معالم مادته، وتيسر فهمه وإدراكه، ورغم ما في علم العلل من الصعوبة والاتساع إلا أن حسن التقسيم ودقته تجاوزت الصعوبة المعهودة إلى سهولة غير معهودة في كتب العلل السابقة على ابن رجب. وقد بدأ ابن رجب هذا التقسيم ببيان مكان علم العلل من علوم الحديث، أو على الأخص، من علوم التصحيح والتضعيف، فقال: "أعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجالهم وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين، لأن الثقات الضعفاء قد دونوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع، ونحو ذلك، وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على علل الحديث".

стр. 31

وبعد أن حدد ابن رجب ﵀ مكان علم العلل من علم التصحيح والتضعيف دخل إلى علم العلل فقسمه إلى قسمين رئيسيين: "القسم الأول: في معرفة مراتب كثير من أعيان الثقات وتفاوتهم، وحكم اختلافهم وقول من يرجع منهم عند الاختلاف. والقسم الثاني: في معرفة قوم من الثقات لا يوجد ذكر كثير منهم أو أكثرهم في كتب الجرح، قد ضعف حديثهم، إما في بعض الأماكن أو في بعض الأزمان، أو بعض الشيوخ". ثانيا - التقعيد: عرف التصنيف على طريقة القواعد الكلية في علوم العقيدة، والتفسير، والفقه، والأصول، منذ زمن بعيد قبل ابن رجب، الذي لم يكن كتابه القواعد بدعا في هذا اللون من التصنيف رغم ما وصفه به صاحب كشف الظنون فقال"وهو كتاب نافع من عجائب الدهر، حتى أنه استكثر عليه، وزعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان ﵀ فوق ذلك، كذا قيل". وأما قواعد ابن رجب في العلل، والتي نحن بصدد التعليق عليها، فهي ولا شك بدع في موضوعها، وأسلوب جديد في عرض علوم الحديث. وهو وإن لم يأتي بجديد في هذه القواعد إلا أنه جمع قواعد مبددة، ولم شعث فروع متشابهه فكان بهذا أول من علمناه صنف كتابا أفرد فيه قواعد العلل في الحديث. ويكون بهذا قد لفت نظر الباحثين إلى اتجاه جديد في دراسة علوم الحديث ينصب على التقعيد، وممن سار على مثل هذا النهج العلامة ظفر أحمد العثماني التهانوي في كتابه "قواعد في علوم الحديث" وعبد الحي اللكنوي في كتابه

стр. 32

"الرفع والتكميل". وفيما يلي أمثلة من القواعد التي أودعها ابن رجب كتابه هذا: "قاعدة: الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط. قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث. قاعدة: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثا بإسناد واحد، وانفراد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كان المنفرد منهم ثقة حافظاً فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة في الأسانيد والمتون". قاعدة: قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ هذه السلسلة لم يثبت منها حديث أصلا من رواية الثقات". قاعدة: "يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ لم يصح منها شيء مسندا". قاعدة: "كل شيء روى عبيدة السلماني، سوى رأيه فهو عن علي". قاعدة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان".

стр. 33

المطلب الثالث ملاحظات عامة على منهج ابن رجب في الكتاب سبق أن عرضنا بعض ملاحظاتنا الخاصة بكل قسم من أقسام الكتاب، وفيما يلي عرض للملاحظات العامة على منهج ابن رجب في كتاب شرح علل الترمذي كله: أولا: منهج ابن رجب في شرح علل الترمذي منهج نظري تطبيقي، ونقصد بالنظري أنه يذكر جوانب الموضوع الواحد المتكامل في بناء نظري ضمن تقسيمات علمية دقيقة، ثم لا يترك هذا البناء بعيدا عن التطبيق العملي بل يزوده بالأمثلة المتنوعة معتمدا في ذلك على حشد هائل من مراجع السنة سواء الصحيح منها أو ما كتب في العلل، ولا يترك ابن رجب ﵀ قضية نظرية إلا ويؤيدها بشاهد عملي، ففي موضوع مراتب الرواة جعلهم ابن رجب أربع مراتب: ١ - الثقات الحفاظ الذين يندر الغلط في حديثهم. ٢ - الثقات الذين يكثر في حديثهم الوهم والغلط. ٣ - الرواة الذين يغلب عليهم الوهم والغلط. ٤ - المتهمون بالغفلة وكثرة الغلط أو الكذب. ومع كل زمرة من هذه الزمر نماذج من الرواة وبيان شاف كاف لأحوال ورواياتهم. وهذا كله في القسم الأول، وكذلك الحال في القسم الثاني الذي هو تعقيبات لابن رجب على الكتاب. ففي موضوع مراتب الثقات، ومعرفة قول من منهم يقدم عند الاختلاف، يذكر مراتب هؤلاء، ثم يعرض حشدا من الأسانيد التي وقع الخلاف بين العلماء في ترجيح بعضها على بعض.

стр. 34

وكذلك إذا ذكر القاعدة النظرية فإنه يبتعها بالعديد من الأمثلة التي تجلي هذه القاعدة وتوضحها. وكل باحث في شرح الترمذي سيجد أن الفرق واسع بينه وبين كتب المصطلح السابقة وذلك في حدود المواضيع التي تناولها، وسيلاحظ أن الكتب السابقة تجنح إلى الجانب النظري أكثر من الجانب العملي، وأما كتاب ابن رجب ففيه توازن بديع بين هذين الجانبين. ثانيا: وبالرغم من ميل ابن رجب إلى الناحية التطبيقية إلا أنه يورد الأحاديث والأسانيد على درجة بالغة في الاختصار والإيجاز، فيوعر طريق الباحث ويجهده في الوصول إليها. وقل أن نجد حديثا واضحا بإسناده ومتنه يمكنك من سرعة الوصول إليه، بل تجده يقول: "ومنها حديث التيمم إلى نصف الذراعين"، أو يقول: ومنها حديث أنس في أكل البرد للصائم، أو يقول: "حديث ابن عمر في الصلاة" ولا يزيد على هذا. وقد بذلت جهدي لتخريج هذه الأحاديث والأسانيد، فأكملت عمل ابن رجب في هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة. ثالثا: وابن رجب يغترف مادته وأمثلته من مجموعة كبيرة من المصادر الأصلية ولا يذكر شيئا من كتاب معاصريه أو سابقيه من رجال قرنه. حتى ابن تيمية والذهبي والمزي وابن القيم، حتى هؤلاء لا يوجد لهم ذكر في كتابه. وأكثر اعتماده على رجال القرون الأربعة الأولى. وقد أخذ من كتب العلل السابقة بنصب وافر، وأكثر اعتماده على مسائل الإمام أحمد. وأما اعتماده على كتب التواريخ والرجال فكبير جدا. ومن مصادره الأساسية تواريخ البخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، والضعفاء للعقيلي وأمثال هذه الكتب.

стр. 35

وقد لاحظت أثناء تخريج نقول ابن رجب من هذه الكتب دقة الرجل في النقل وأمانته العلمية في نسبة كل قول إلى قائله. ولما كانت كتب العلل من أهم مصادر ابن رجب، ولأهميتها في هذه الدراسة ولصلتها المباشرة بشرح علل الترمذي فقد أفردت الحديث عنها مبحث مطول

стр. 36

المبحث الرابع دراسة أشهر مصادر ابن رجب في العلل تمهيد تنوعت مصادر ابن رجب في شتى فنون الحديث حتى أصبح من المتعذر دراسة هذه المصادر ومعرفة مأخذ ابن رجب من كل منها إلا في رسالة مستقلة في مصادر الكتاب. والجدير بالذكر أن المصادر التي استمد منها ابن رجب هي مصادر أصلية ترجع في غالبها إلى ما قبل القرن الخامس. ولما كانت هذه الدراسة مخصصة في معظمها للكشف عن العلل، فقد رأيت أن أعقد هذا المبحث لدراسة أشهر كتب العلل التي اعتمد عليها ابن رجب، ومن خلال هذه الدراسة تتبين لنا مناهج متنوعة في العلل، كما سنتبين الفرق بين منهج ابن رجب ومنهج من سبقه من المصنفين في العلل. وقد جعلت هذا المبحث في ستة مطالب: المطلب الأول: العلل، لعلي بن المديني. المطلب الثاني: التاريخ والعلل، ليحيى بن معين. المطلب الثالث: علل الإمام أحمد بن حنبل. المطلب الرابع: علل الترمذي الكبير. المطلب الخامس: علل الحديث، لعبد الرحمن بن أبي حاتم. المطلب السادس: العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني.

стр. 37

المطلب الأول العلل، لعلي بن المديني لا نكاد نجد صفحة من صفحات "شرح علل الترمذي" إلا وفيها قول لعلي بن المديني أو أكثر، وهذه الأقوال استمدها ابن رجب من كتب العلل التي صنفها هذا الإمام الكبير. وقد ذكرت في الفصل الأول من هذا الباب نبذة عن الرجل وما صنفه في العلل، وذكرت طائفة من كتبه مثل: - علل المسند في ثلاثين جزءا. - العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا. - علل حديث ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءا. - الوهم والخطأ في خمسة أجزاء. - اختلاف الحديث، خمسة أجزاء. - العلل المتفرقة، ثلاثون جزءا. ولم تذكر فهارس المخطوطات سوى كتاب بعنوان "علل الحديث ومعرفة الرجال". ويبدو أن كتب ابن المديني الأخرى قد فقدت. أما هذا الجزء المحفوظ فهو ورقات من كتاب في العلل، يغلب على ظني أنه جزء من كتابه "العلل المتفرقة". وقد نشر هذا الجزء بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. وهذا الكتاب يمثل صورة للزمرة المنهجية الأولى في العلل التي ذكرناها في المبحث الثاني من هذا الفصل، فهو مسائل متفرقة وأجوبة غير مرتبة تنتقل فجأة من موضوع إلى موضوع، ولكن الكتاب بمجموعه يتناول العلل في أربعة أقسام. القسم الأول: تكلم فيه ابن المديني عن مقدمات عامة في العلل وعلم الرجال، بين فيها

стр. 38

طبقات الرواة في مختلف الأمصار، مع ذكر أول من صنف في الحديث. وفي هذه المقدمات ذكر للمكثرين من الرواة، وإلقاء الضوء على من دار عليه الإسناد منهم من عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى زمن ابن المديني. وفيما يلي نص من كلامه: "قال علي: لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أحد له أصحاب يفتون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وكان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله ويفتون الناس. وكان أصحاب عبد الله الذين يقرأون بقراءته، ويفتون بقوله، ويذهبون مذهبه: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، ستة هؤلاء عدهم إبراهيم النخعي، وكان أعلم أهل الكوفة بأصحاب عبد الله وطريقتهم ومذاهبهم إبراهيم والشعبي، إلا أن الشعبي كان يذهب مذهب مسروق، يأخذ من علي وأهل المدينة وغيرهم، وكان إبراهيم يذهب مذهب أصحابه، أصحاب عبد الله هؤلاء. وكان أبو إسحاق وسليمان الأعمش أعلم أهل الكوفة بمذهب عبد الله وطريقته، والحكم بعد هذين، وكان سفيان بن سعيد أعلم الناس بهذين وبحديثهم وطريقهم، ولا يقدم عليهم أحدا". إنها كلمات معدودة يتابع من خلالها ابن المديني الحركة العلمية - الحديث منها خاصة - خلال مئة وخمسين عاما، في الكوفة، بدأها بابن مسعود - رضي الله عن هـ - وانتهى بسفيان الثوري. وانتهج هذا الأسلوب في مدرسة المدينة بدءا بزيد بن ثابت، وفي مدرسة مكة بدءا بابن عباس وانتهاء بابن جريح، كما تعرض للرواة في الشام والبصرة وواسط. وبهذا الأسلوب القائم على استقصاء طبقات الرواة يكون علي بن المديني

стр. 39

قد أرسى أحد الأسس لعلم العلل خاصة وعلم الرجال عامة، ومن خلال كلمات علي بن المديني يصل القارئ إلى التصور الصادق لطرق الرواية وبيان خطوطها عبر الأجيال افتراقا واتفاقا. أما القسم الثاني: ففيه عملية استقصاء للرواية عن بعض الرواة، وجاء هذا بعد أن ذكر مسارات الرواية في البلدان. وفي هذا القسم يتابع الرواية عن شخص واحد، فيذكر من سمع منه، ومن لم يسمع. وقد بدأ بالصحابي الجليل زيد بن ثابت، فذكر من روى عنه من أهل المدينة، ثم من روى عنه من أهل الكوفة، ثم من روى عنه ولم يثبت سماعه منه. ثم ذكر بعض الأحاديث كنماذج تطبيقية. وقد عقد في هذا القسم فصلا عن الحسن البصري، فجاء كلاما ضافيا وافيا أظهر فيه قدرة علمية فائقة فكشف حركة الحديث عن الحسن صحة وعلة. ولعل ابن المديني هو أول من نقل الحديث إلى ميدان الدراسة التحليلية الشاملة المستقصية. ولا بأس أن ننتقل إلى عبارته فلعلها تعطي القارئ مزيد إيضاح وبيان "قال علي: سمع الحسن من عثمان بن عفان وهو غلام، ومن عثمان بن أبي العاص ومن أبي بكر، ولم يسمع من عمران بن حصين شيئا، وليس بصحيح، لم يصح عن الحسن عن عمران سماع من وجه صحيح ثابت. قلت: سمع الحسن من جابر؟ قال: لا. قلت: سمع الحسن من أبي سعيد الخدري؟ قال: لا. كان بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي، وخرج إلى صفين. وقال في حديث الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة، إنما

стр. 40

هو كقول ثابت، قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع". ولا يفوتني أن أنبه وأنا أتناول هذا القسم بالعرض، إلى أن الباحثين في الحديث قد يقعون في الوهم والخطأ إذا اعتمدوا على كتب التراجم المشهورة وتركوا كتب العلل، فإن أشخاصا كثيرين يذكر لهم السماع وحقيقة الأمر غير ذلك. والمقارنة بين ما ذكره علي بن المديني هنا عن الحسن البصري، وبين ما ذكره صاحب تهذيب التهذيب تبين للباحث دقة ابن المديني، وتعميم غيره وتوسعه كأن يقول صاحب التهذيب: "روي عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان لم يسمع منهم، وعن عثمان وعلي وأبي موسى وعمران بن حصين وجندب البجلي وابن عمرو وابن عباس وابن عمر ومعاوية ومعقل بن يسار وجابر وخلق". وفي هذه العبارة سمى قوما، وقال: لم يدركهم، وسمى آخرين، وقال: ولم يسمع منهم. وسمى فئة ثالثة، ولم يذكر نفي الإدراك أو السماع. بينما جاء النفي القاطع بعدم سماع الحسن من بعضهم كعمران بن حصين، وابن عباس، وجابر. القسم الثالث: وهذا القسم ذكر فيه ابن المديني مجموعة من الأحاديث، وبين علة كل واحد منها، وعرض طرقه عرضا مستفيضا سيرا على أسلوبه الذي سبق وأن أشرت إليه، وفيما يلي مثال من هذا القسم: "قال علي: وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". قال: رواه صالح، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. ورواه عقيل، فخالفه صالح في إسناد، فرواه عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب. ورواه ابن عيينة عن أبي هريرة مرسلا. ورواه معمر عن الزهري عن عبيد الله مرسلا. ورواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة ورواه عمران القطان فخالفهم جميعا فرواه عن معمر عن الزهري عن أنس عن أبي بكر، والحديث حديث عبد الله". القسم الرابع: وفي هذا القسم تعرض لعدد من الرجال، من حيث العدالة والضعف، وثبوت الرواية عنهم أو انقطاعها كما أن فيه البيان لكثير من الوفيات والكنى: قال علي: إسرائيل ضعيف. قال علي: عنبسة البصري الذي يروي عن الحسن، روى عنه عبد الوهاب الثقفي: ضعيف. قال علي: غاضرة بن عروة الفقيمي شيخ مجهول، لم يرو عن غير عاصم بن هلال. وبعد هذه الجولة في كتاب العلل لابن المديني، أقول: إن هذه المعرفة أساسية لرجل العلل، ومن يستوعبها ويتقنها فلا بد أن يصبح من رجال هذا الفن. وكلام علي هذا مبثوث في الكتب التي جاءت بعده، ككتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
следующие страницы →