← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[التضمين النحوي في القرآن الكريم]ـ المؤلف: د. محمد نديم فاضل الناشر: دار الزمان، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م) عدد الأجزاء: ٣ (مجلدان والثالث فهارس وتصويبات) أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

[وقفات مع الكتاب] (*) وقفات مع أطروحة علمية بعنوان (التضمين النحوي في القرآن الكريم) لـ د. محمد نديم فاضل .د. أحمد بن محمد الخراط وكيل مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يستوقف البحث العلمي في أدوات العربية مسألة دقيقة تحتاج إلى تأمل وبصيرة وفقه نافذ، وقد تناولها أهل العلم بالعربية، واختلفت فيها مذاهبهم، وتفرع على ذلك اختلافهم في وظيفة الكلم، وتعدد دلالاتها، ويتأكد البحث في المسألة أكثر إذا علمنا اتصالها بتفسير آي الذكر الحكيم، وهي مسألة: التضمين في الأفعال والحروف من خلال سياقها الدلالي. وثمة دراسة علمية متميزة تمت مناقشتها أطروحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم بالخرطوم أعدها الباحث: محمد نديم فاضل، بعنوان ((التضمين النحوي في القرآن الكريم)) وقد طبعت مؤخراً، ونشرتها مكتبة دار الزمان بالمدينة المنورة في مجلدين. ولا أعلم دراسة علمية في المكتبة اللغوية القرآنية تناولت موضوع التضمين بمثل هذا السبر العميق، والاستعراض النظري ثم التطبيقي، مع المرور بطائفة واسعة من المظان الأصيلة التي ألمَّت بالمسألة. من المعروف في أساليب العربية أن كل فعل من أفعالها يختص بتعدٍ معينٍ إلى حرف جر فلا يتجاوزه، ويطرد استعمال هذا الحرف مع ذاك الفعل في أساليب الفصحاء والبلغاء، وقد يقبل الفعل على نُدْرةٍ التعدّيَ إلى حرفيْ جر، ومن هنا حرصت المعاجم العربية منذ نشأت حركة التأليف المعجمي على رصد هذا التعدي، والنص عليه في مفردات المواد التي تستوعبها، فإذا أشكل على مستخدم للفعل تعيين هذا الحرف مع الفعل المعني عاد إلى المعجم، أو إلى ضرب من ضروب السماع الفصيح: من قرآنٍ كريم وحديثٍ شريف وشعرٍ وقولٍ منثورٍ يعود إلى عصور الاستشهاد اللغوي السالفة. بيد أن ملاحظة تستحق النظر وتستوقف القارئ في كتاب الله إذ يجد أن الأفعال التي ترد في كثير من الآيات تخالف في تعديها إلى حرف الجر ما نصّت عليه معاجم اللغة، مع أن هذا الكتاب العزيز يمثل أعلى مراتب الفصاحة والبيان، فيلحّ عليه إشكال يتشوَّف إلى حلّه.

стр. 3

ذهب مصنفو كتب الأدوات العربية ومنها " رصف المباني " للمالقي و " الجنى الداني " للمرادي، و" مغني اللبيب " لابن هشام، و" مصابيح المغاني " للموزعي، ومعهم علماء الكوفة (١) وآخرون ممن سماهم ابن قيم الجوزية (٢) بظاهرية النحاة إلى أن حرف الجر في هذه الظاهرة تضمَّن معنى حرف جر آخر، فالفعل إذاً باق ٍ على معناه المعهود، ولم تنتقل دلالته المعنوية إلى معنى فعل آخر، واختلاف المعنى محصور في الحرف، إذ اكتسب معنى حرف آخر يستحق هذه التعدية. وممّن ينحو هذا المنحى في التفسير الإمام ابن قتيبة في كتابه " تأويل مشكل القرآن " (٣) وقد عقد باباً بعنوان " دخول بعض حروف الصفات مكان بعض " (٤)، ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: ((ولأصلبنكم في جذوع النخل)) (٥) فيرى أن حرف الجر " في " بمعنى " على "، والمعنى: على جذوع النخل، وبقوله تعالى: ((فاسأل به خبيراً)) (٦) أي: عنه، وبقوله تعالى: ((وما ينطق عن الهوى)) (٧) أي بالهوى، فحرف الجر " عن " بمعنى الباء. أما ابن هشام في " مغني اللبيب " فقد عبّر عن هذا الباب بالمرادفة (٨)، وأورد طائفة من الآيات على هذا المصطلح. ومن ذلك قوله تعالى: ((وهو الذي يقبل التوبة عن عباده)) (٩) ويرى أن الحرف " عن " مرادف للحرف الآخر " من ". ويسير وَفق هذا الفهم ثلّة من أهل العلم الذين لا يتأمّلون في الفعل الذي سبق حرف الجر، ولا يرونه متجاوزاً دلالته المعنوية وإنما يرون حرف الجر قد تعاور حرفاً آخر.

стр. 4

أما المذهب الثاني فهو الذي يُطْلق على هذه الظاهرة مصطلح " التضمين "، ويرى أن الفعل قد تضمّن معنى فعل آخر، وحرف الجر مَسُوق لإتمام معنى هذا الفعل. والتضمين لغة (١): الإيداع. يقولون: ضمن الشيء الوعاء أي: جعله فيه، وأودعه إياه، وهو اصطلاحاً (٢): إيقاع لفظٍ موقع غيره ومعاملته معاملته، لتضمنه معناه، واشتماله عليه، أو هو إشراب فعلٍ أو مشتقٍ أو مصدرٍ معنى فعل آخر أو مشتق أو مصدر، ليجري مجراه في التعدي والمعنى، مع إرادة معنى المتضمن. والغرض منه إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد. ويجري على التضمين بهذه الدلالة كثير من أفعال القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى: ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)) (٣) فلو بحثنا في المعاجم العربية عن مادة (الرفث) لوجدنا: رفثت بالمرأة، وليس فيها: رفثت إلى المرأة. ولما كان الرفث في معنى الإفضاء، والفعل (أفضى) يتعدى بـ " إلى " جاءت " إلى" إذاناً بأنه في معناه (٤). يقول الدكتور: محمد نديم فاضل (٥): " فتضمين الرفث وهو مقدمات المباشرة أو المباشرة ذاتها معنى الإفضاء، والمتعدي بـ " إلى "، يمنح العلاقة بين الزوجين لمسة إنسانية تترفع بها عن عالم الحيوان، لمسة حانية، فيها من الرفق والنداوة والشفافية مثلما فيها من سمو المشاعر، وتحسر " إلى " هذه عن مسافر وجهها الجميل لتحكي ما اشتملت عليه المشاعر حين جمعت الرفث إلى الإفضاء في ما أحل الله للزوجين في شهر الصيام لتنأى بهما عن عرام الجسد، والحبيس في الرغبات المكبوتة في اللحم والدم بعد أن تستتبع خلفها معنى الستر، يتدثر به كل من الزوجين، وتتصل بأفق أرفع من الأرض وبغاية أسمى من اللذة، ترقُّ وترْقى إلى معارج عليا ....

стр. 5

وحَسبُ التضمين أنه جعل في لفظ الرفث نداوة يخضرّ بها، ويرمي ظلاله، ولمسة رفافة تنأى عن عرام الجسد تبتغي الإعفاف والإنجاب، وتوقظ معنى الستر في هذا الحرف " إلى "، فجمع من صنوف البيان ما ذاع صيته على كل لسان. وانتصر كثيرون لنظرية التضمين في الأفعال لا الحروف، ومنهم ابن العربي الاشبيلي (١)، يقول: " وكذلك عادة العربي أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما بينهما من الارتباط والاتصال، وجهلت النحوية هذا، فقال كثير منهم: إن حروف الجر يبدل بعضها من بعض، ويحمل بعضها معاني البعض، فخفي عليهم وضْعُ فعلٍ مكان فعل وهو أوسع وأقيس، ولجؤوا بجهلهم إلى الحروف التي يضيق فيها نطاق الكلام والاحتمال ". وممن قال بالتضمين في الأفعال ابن هشام (٢)، مع أنه خرج كثيراً من الشواهد على طريقة تضمين الحروف، يقول: " قد يشربون لفظاً معنى لفظٍ فيعطونه حكمه، ويسمى ذلك تضميناً، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين نحو قوله تعالى: ((وما يفعلوا من خير فلن يكفروه)) (٣) ضُمِّن معنى تُحرموه فعدّي إلى اثنين ". وكذلك الحافظ السيوطي (٤) إذ يقول: " إيقاع لفظ موقع غيره لتضمن معناه ". والدكتور فاضل معنيّ ببيان صحة المذهب الثاني مشغول بهذا البيان شديد الحماسة له، يرفض رفضاً باتاً أيَّ دعوى أو حجة لتضمين الحروف، وكانت اطروحته في تعزيز ما اعتقده، وقد حشد أدلته للوفاء به، وكانت في جزئين: القسم النظري، ثم القسم التطبيقي. وقد أشار إلى خطر اللغة وأهميتها ضمن القضايا الإنسانية الكبرى، وخَلُصَ إلى أنها الكفيلة بإيضاح حقائق القرآن الكريم، والإفصاح عن خفايا التأويل، وإظهار دلائل الإعجاز، وشرح معالم الإيجاز، وعن طريق التضمين في الأفعال تنحلُّ كثيرٌ من العقد يقول (٥): " ترى الحرف مع الفعل فيوحشك الحرف، ويبقى الفعل قلقاً، فإذا حَملته على التضمين تمكّنَ الفعل وآنسك الحرف ".

стр. 6

والتضمين عند الباحث (١) مفتاح هذه اللغة الشريفة: وسرٌّ من أسرارها، يفْتَرُّ عن بديعةٍ، ويُفضي إلى لطيفة، وهو من طريف ما استوْدعتْه هذه اللغة، لأنه أذهب في الإيجاز، وأجمع لخصائص الصنعة، وفيه من الإيماء والتلويح ما ليس في المكاشفة والتصريح، وذلك أحلى وأعذب. والرسالة في الحقيقة مثالٌ حيّ على هذه الحماسة العالية التي كان يُبديها الباحث لموضوعه ورفض أي وجهة يُولّيها غيره وهو لا ينفك عن إيراد الأمثلة وأقوال أهل العلم الذين يذهبون مذهبه، وعن رميْ الوجهة الأخرى بالضعف والفتور. وهو في سبيل إبطال التضمين في الحروف يلجأ إلى مناقشة مستفيضة لوظيفة كل قسمٍ من أقسام الكلمة الثلاثة: الإسم والفعل والحرف. يقول (٢): " المعنى الإفرادي للإسم والفعل هو في أنفسهما، والمعنى للحرف هو في غيره، فالباء مثلاً لا تدل على معنى حتى تضاف إلى الإسم الذي بعدها، لا أنه يُتحصّل منها منفردةً فلا بيئة للحروف خارج سياقها، والعربي في العصور الأولى إذا تجاوز في استعماله هذه الروابط فإن سبب عدوله من حرف إلى حرف هو السياق إذا، وهو الذي وضع الفعل في معنى معيّن وخصصه به، وعداه بحرف يناسبه، فإبدال حرف مكان حرف، أو قيام حرف مقام حرف، وتضمين الحروف كثير الإيهام ولا حقيقة تحته ". ويرى الباحث أن النحاة حين يقولون: إن " إلى " بمعنى اللام والباء بمعنى "في "، و"عن" بمعنى " على " ثم يردد المفسرون أو أكثرهم، لم يسألوا عن سبب تناوب هذه الحروف، ولم يتعرضوا للعلّة التي من أجلها جرى التعاور فليس التناوب في الحروف إلا أسلوباً من الهروب في مواجهة المشكلة، وإن الفكر باعتماده على الهوية المجردة للحروف أو الأداة أو اللفظ دون ربطه بالنص وبواقعٌ له زمان ومكان، وبظروفٍ اجتماعية وتاريخيةٍ ونفسيةٍ معنيةٍ ينتهي إلى تأملات مجردة وهذا من مخاطر العقلية المثالية (٣). ويستعين الباحث بطائفة واسعة من الآيات الكريمة التي تدعمه في إجلاء نظريته، كما يستعين بهذه الأساليب الأدبية العالية التي أوتِيها في التعبير الفني.

стр. 7

وفي القسم النظري من الرسالة يشير الباحث إلى الغرض من التضمين وفائدته، يقول (١): " فالغرض من التضمين إفراغ اللفظين إفراغاً، حتى كأن أحدهما سبك في الآخر، فالمعنى لا يأتيك مصرحاً بذكره، مكشوفاً عن وجهه، بل مدلولاً عليه بغيره. وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين، فالكلمتان مقصودتان معاً قصداً وتَبَعاً. وأشار الباحث إلى مسألة: هل التضمين سماعيٌ أو قياسي؟ ويستعرض أقوال العلماء الذين ذهبوا إلى أنه سماعي (٢)، وذكر آخرون أنه قياسي. وقد رجح الباحث هذا المذهب، وأجاز استعماله للعارفين بدقائق العربية وأسراراها، والبلغاء يستعملونه في كلامهم بلا حرج فكيف نسد بابه في اللغة، وهو يرجع إلى أصول ثابتة فيها. ويتحدث الباحث عن أوجه استعمال التضمين فهو يكون في الأفعال، ومن أمثلته (٣) قوله تعالى: ((قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره)) (٤) فالفعل (يخالفون) يتعدى بنفسه وبـ إلى، وحين عدي " بعن" تضمن معنى صدَّ أو أعرض. وتعبير التسلل يتمثل فيه الجبن عن المواجهة، وحقارة الشعور المرافق له في النفوس. والفعل (خالف) بمعنى (حاد) لتصوير الحالة النفسية للنماذج البشرية حول رسول الله ﷺ ، والتحذير الرهيب من الله أن تصيبهم فتنة في الدين أو الدنيا، التحذير لا لمن خالف وإنما لمن حاد عنها، والحيدان أدنى درجات المخالفة عن المنهج الرباني. ولم جاء التعبير بالمخالفة؟ الحيدان قد يكون سهواً وغفلة، وأما المخالفة فإنها تصدر عن تصميم وقصد وعدم مبالاةٍ بالأوامر شأن المنافقين الذين يتسللون ويذهبون بغير إذن النبي ﷺ وفي ذلك يكمن الخطر، تلك الآداب التي تنتظم بين أفراد الجماعة يستقيم أمرها بوقار قائدها وهيبته، وباستقرار هذه المشاعر في أعماق ضميرها تصبح قانوناً نافذاً في حياتها، وإلا أصابتهم فتنة يختلط فيها الحق بالباطل.

стр. 8

ومن أمثلة التضمين في الفعل قوله تعالى (١): ((وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)). الفعل (خلا) يتعدى بالباء تقول: خلا به أي: انفرد. ولعل تضمين (خلا) (٢) معنى ارتاح إليه وسكن أقرب إلى السياق، فخلوُّهم إلى بعض يجدون فيه السكينة والطمأنينة والارتياح، وفي خلواتهم هذه ما شئت من وسائل الكيد والفتنة. كما يكون التضمين في الأسماء نحو قوله تعالى (٣): ((من أنصاري إلى الله)) فقد ضمن النصرة معنى الولاء أو التوجه أو القصد. أما التضمين في الحروف فقد رفضه الباحث واستقبحه واستضعفه. وقد جاء القسم التطبيقي محصوراً في القرآن الكريم وفق عنوان الرسالة، بيد أننا كنا نتمنى أن يعرج على أنواع السماع الفصيح الأخرى، فيستقي لنا نماذج وافية من الحديث الشريف - لأن رسول الله ﷺ أوتي من الفصاحة وجوامع الكلم وطرق البيان - ونماذج من الشعر العربي وأقوال العرب وأمثالهم وخطبهم ومنثور الفصحاء والبلغاء وذلك ليدعم مذهبه الذي دافع عنه من ناحية، ولإثبات استعمال العربية لها من ناحية ثانية. وأما عنوان الكتاب فنحن نرى أن فيه نظراً، وذلك لأن قوله ((التضمين النحوي)) يشير إلى قضايا ومسائل تتصل بالنحو العربي من خلال أبوابه المعروفة، ثم يتبين لنا أن القضية محصورة في تضمين الفعل معنى فعل آخر أو في تعدي الأفعال إلى حروف جر معينة، فالموضوع الذي يطرحه يتصل بدلالاتها ومعانيها وما تستحقه من حروف جر، وما تحتمله من خلال السياق، ويبدو أن الدكتور فاضل لحظ هذا في خاتمة بحثه، واقترح أن يكون عنوان طبعة الكتاب الثانية: ((ظاهرة التضمين في القرآن الكريم))، وهذا العنوان في الحقيقة أنسب وأوعب بمضمون الكتاب ومناقشاته، كما نأمل أن يستوفي في الطبعة التالية التوثيقات العلمية في حواشي الكتاب وتحرير الاقتباسات والأقوال من مضانّها الأصلية، والإشارة إلى ذلك، ليستكمل منظومة المنهج العلمي في التعامل مع المصادر.

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة أحمَده تعالى على نِعمه، وأُصلي وأسلم على نبيه - أفصحِ العربِ وأبيْنهم وأسدهم القائل: "أنا أفصح مَنْ نطق بالضاد" وعلى آله وصحبه صلاة تقيم ولا تَرين. فسبحان من أنطق اللسان بسحر البيان فأشرقت أنواره عن حقائق العرفان "صِنوان وغير صِنوان"، اللَّهم اعزم لي على الرشد، واكتب ليَ السلامة فىِ الرأي، واجعلني منه في برهان. اللهم جنبني الشبهة واعصمني من الزلل، وحبب إليَّ التثبت، وأوزع صدري برد اليقين. اللهم اجعلني ممن سبقتْ له منك الحسنى، وتقدمتْ في حقه العِناية والهداية، وارزقني معرفة بك تعلقها قلبي، توجب بها الحياءَ منك، والإنابة إليك، والأُنس بك، والمحبة لك، والشوق إلى لقائك، والدنوَ من رضاك، فإنما أنا بك، ولك، وإليك، وأنت حسبي وكفى ... وبعد: فهذا بحث في التضمين، وبحث عن التضمين في القرآن الكريم، وقد تناوله النحاة، كذلك اللغويون والبلاغيون والمفسرون .. كلٌ أخذ منه بطرف وعالجه بأسلوب.

стр. 10

والعربية - أشرف اللغات إذ نزل بها خير الكتب على أعظم الأنبياء- كانت وستبقى حضارة، يضيق عنها الوصف، وينحسر عنها الكَلِم فلا يكادُ يبين. وحين تمت المشيئة الإلهية لهذا الإنسان أن يكون خليفة في الأرض علمه الأسماء كلها، جهزه للمَهَّمَةِ الضخمة التي سيكلها إليه، متّعه بالحسّ اليقظ، والبصيرة المفتوحة، وخصه بسر القدرة على الرمز بالأسماء. أمده باللغة التي لم يُجهز بها الملائكة من قبله ما داموا مخلوقين لغير ما خُلق له، فكانت مَعلاة له، شاهدةً بفضله، وباتت وسيلة تساعده على تكييف سلوكه مع ما جاء فيها من أوامر اللَّه ونواهيه، وصارت لوسيع مذاهبها، وبديع مناحيها، من أفضل وسائل التربية والتهذيب دون مُنازع. عبقريتها في صياغتها، وأسرارُ جمالها في خصائص تركيبها، وكفاءتُها العالية في تشقيق المعنى إلى فروعه: الوظيفي والاجتماعي والمعجمي .. جهّزه بالكلمة مَخزن فكر ويُنبوع روح، كل ما فيها يتندَّى، فهي أبداً في تَهطال، وتظل الكلمة بِذرة يلقيها صَناع في رحِم الزمن لتُنبت الشجرة .. هي السِدرة تعطي ثم تعطي مما اختزنت من مَعالِم وصورِ وحَيَوات .. وأيُّ حياة أعز من حياة الفِكَر! والكلمة لا معنى لها إلا إذا سلكناها في نظم وأدرجناها في عبارة، نصيب بها الغرض نُقيمها على أسلوب، ونُديرها على طريقة في صياغة فنية تجعل لها صلة بالحياة فتؤدي غرضها حين تكشف عن حقيقة، وهي أوسع منها، ولو حُدّت بها لما بقيت حقيقة، وإن كثرة مدلولاتها تتفق مع طريقة عرضها وأسلوب أدائها، كلما زدتها فكراً زادتك معنى فهي معك على قدْر ما أنت معها. إن وقفتَ على حد وقفتْ، وإن تماديتَ تمادتْ، وما أدَّيت بها تأدَّت، فهي من لسانِ وراءه قلب .. فصور الربيع بعدد أزهاره، وصور الإيمان تكاد تكون بعدد شعبه.

стр. 11

ولو وقفت على لفظة ما في مجموعة من النصوص لقالت لك: أنا هنا في معنى وهناك في آخر: هذا (عجل) يتعدى بنفسه: (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) (١) كما يتعدى بـ (إلى): (وعجلتُ إليكَ ربِّ لِتَرْضَى) (٢) ويتعدى بـ (على): (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) (٣)، ويتعدى بالباء: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ) (٤) ويتعدى باللام: (لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) (٥) ويتعدى بعن: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) (٦) ويتعدى بـ (في): (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) (٧)، ويتعدى بـ (مِن) (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) (٨)، وهو يطالعك في كل مورد بطابع جديد عليه خاتم مَصنعه يفضه السياق ومفتاحه التضمين فهو لذلك وبذلك لا يقبل الحدود، والتوردُ له وَعر المسلَك، مقامه زَلخ. فالعدول من حرف إلى حرف لغير معنى جديد لا وجه له، وكثير من النحاة أصروا بجَدْع الأنف أن يلزمونا بتضمين الحروف عند هذا العدول، وهيهات .. فاللغة ليست ملكاً لهم. وربما أخذوا على المعاجم ضيق الأفق، وأنها لا تعطي اللفظ حقه في رسم آفاقه وتحديد أبعاده. أجل .. يكشف اللفظ عن معناه حين يسلك في نظم ويندرج في تعبير، له في سياقه غرض ولكل غرض في مناحي البيان أسلوب، يُديره الكاتب على طريقة، يُصيب بها مواقع الشعور، يكشف الجمال فيظهره، ويتناول السر فيعلنه، ولولا ذلك لبقيت القلوب على ودائعها مُقْفلة، والقرائح معزولة،

стр. 12

اللمحة السريعة تكشف عن حقيقة، تطالعك في جلال وجمال، في صور وألوان، والحق كذلك، إن لم تجد النجم فلا تلتمس الشعاع .. وإن لم يسلك اللفظ في تعبير فلا تسلْ عن معناه. ولانقطاع جيلنا عن لغته نَزُر منها حظُّه، وتخلّفت عنها مَداركه، ولقصور فهمه عن معانيها العالية ما عاد يستوحي من اللفظ إلا الدارج والشائع، فجيلنا من أقل الأجيال المضرية حظاً بلغته، لم يُصِبْ من وجوه تصريف معانيها إلا كما تأخذ الإسفنجة من الماء تنتفخ بقليل منه ثم لا تلبث أن تمجّه. إن وحي الكلمة يصل ماضي اللغة بحاضرها بمستقبلها عَبْر مسيرة الزمن، وستظل هذه اللغة الشريفة بل المعجزة الباهرة تعطي مَن نَشَد من مَجَاني أُكُلها، ويانع قِطافها، كنوزاً أُنفاً مع قدرة على المجاراة والاستيعاب لكل المستجدات، تطوي الطارف على التليد، فجديدها غير مُنبت عن وشائج منابته، وقديمها غيرُ مَكْفوفٍ عن جواذب حواضره. الألفاظ مُغلقةٌ على معانيها، وأغراضها كامنة فيها، إنما يفتحها النظم ويستخرجها، فانظر فيه وفي صياغته وسياقه ومدلوله، وترسَّم آفاقه لفهم معانيها وتحديد أبعادها. هذا فعل (جعل) يتعدى لمفعولين في سياق الآية الكريمة (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) (١) ويتعدى لمفعول واحد في سياق الآية الكريمة (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) (٢) لماذا؟ إنه السياق إذاً وله مدلولاته. وهذا فعل (سمع) يتعدى بنفسه (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (٣) وباللام: (سمع اللَّه لمن حمده) (٤) فهل هما متماثلان؟ كيف! والفرق بينهما كبير. واللغة بعد ذلك انتماء، لو فرّط فيها لانتهى إلى ضياع، ضياعه وضياع ما ينتمي إليه، فإن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد وحاد عن الطريق فإنما استهواه واستخف حِلْمَه ضعفُه في هذه اللغة الشريفة، وبُعدُه عنها وعن حُسن التصرف فيها أو المزاولة لها، ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ لرجل لحن: "أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل" (٥) فسمى اللحن ضلالاً، وقال صلوات اللَّه عليه: "رحم الله امرأً أصلح من لسانه" (٦) لما في ذلك من عاقبة الفساد وزَيغْ الاعتقاد، وهل يكب الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم!؟ وهل اللسان إلا ترجمان الجَنان؟ أوليس يوقع بالكفر إلا كلمة يهوي بها سبعين خريفاً في النار (٧). فإذا كان للغة هذا الخطر العظيم فحريٌّ بنا أن نجعلها موضع عنايتنا واهتمامنا لأنها من أخطر القضايا الإنسانية على الإطلاق، إذ هي الكفيلة بإيضاح حقائق التنزيل، والإفصاحِ عن خفايا التأويل، وإظهار دلائل الإعجاز، وشرح معالم الإيجاز، وهي مما أوحى بها العليم الخبير إلى عبده آدم ليكون أنبهَ لها وأذهبَ في شرف الحال بها. وتتبعتُ السر الذي أخْصبَ تاريخنا القَفْر المجدب في الجاهلية فأنبتَ للدنيا في ظل الشريعة أزاهيرَ لا تغيب عنها الشمس .. فإذا هي اللغة في هذا

стр. 13

الكتاب المبين، قَالَ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (١) وقال (الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (٢) ومدحه بالإفصاح والبيان فقال: (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (٣) فالعربية غزت العالم غزوَ تغيير وتحويل وترشيد. فانصراف العبد إلى كتاب اللَّه لفهمه، والكشف عما يفتح اللَّه عليه من مغاليقه، نعمةٌ ترفع صاحبها عن دنياه وتبارك له في عمره، فيصحوَ من غفلة، ويتنضر من يُبْس، ويرقّ من غِلظة، ويتلألأ بالنور يكسوه الجمال، فهو مع كل حرف يروزه، يتملاّه، يستذوقه علّه يكشف الخبيء من سره، والعصي من معناه، يشعر بفيض النعمة الإلهية تستحق كل ثناء عليه، لقد أخصب الكتاب الكريم عند نزوله القفر المجدب فأنبت للدنيا أزاهير إنسانية، فوَّاحة بالعبير، يُنضرها الندى من حسنه. والتضمين من أنزه الفصول في العربية، فإذا تأملته عرفت منه وبه ما لحروف المعاني من أسرار يكشفها لك، ويظهر فيها مزيّة .. ترى الحرف مع فعل أو مشتق لم يألفه، فيوحشك الحرف ويبقى الفعل قلِقا، فإذا حملته على التضمين تمكّن الفعل وآنسك الحرف، فلولا مُعازّة الخاطر في هذه الحروف، ومُساورة الفكر واكتداده لكنت منها على حَرَد وعنها بمعزل وبأمر سواها في شغل. والنظم يتكوّن من مجموعة من المفردات، تنشأ بينها علاقات، ويتم التوازن حين تنتظم المفردات في سياق هادف، يقيمها الكاتب على نمط، ويديرها على طريقة، ليُصيب بها مواقع الشعور، ويثير بها مكامن الخيال، وقد تُسبب إحدى المفردات توتراً لا يهدأ حتى تجد لها تفسيراً مريحاً في دلالة

стр. 14

راشدة، وقد يزيد التوتر حين لا يكون التوازن إلا حالة مؤقتة من الاستقرار، لوقوع تنافر بين دلالتين أو أكثر، قَالَ تَعَالَى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) (١). وكل لفظة تختزن طاقة تُعطيها، أو جزءاً منها حسب وضعها في النظام، وما يتوفر لها من تعاون وانسجام مع بقية المفردات في الجملة وما يتهيأ لها من حسن الجوار، وربما تحتفظ بهذه الطاقة المختزنة عند شعورها بالقلق أو الضيق في نظام معين وقد تتبدد أو تهدر إذا حُشرت في بيئة غير بيئتها، ففي قول إبليس (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) (٢) أين هذه الخيرية بجوار أنا الإبليسية؟ لقد أهدرت طاقتها البيئةُ المحمومة في الجوار المشؤوم، وأين رصيد العزة والكرامة في سياق الحميم يُصب على رأس المشؤوم يتلقاه بأرهف حواسه، حاسة الذوق؟ (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (٣) لقد أُهدرت كل طاقة للفظ العزيز الكريم في مذاق الماء الحميم، وما حظ الكافر من (الثواب) في عمله؟ (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (٤) إنه العقاب لا غير. ونَقْلُ حقيقة ما من واقع الحياة المحسوس إلى نظام مكتوب أو مقروء هو الصنعة البيانية أو الصياغة الفنية في يد القوة المصورة تكشف الجمال، جمال النظام اللغوي، وتعلن الأسرار، أسرار الحكمة الغامضة في اختيار اللفظ الملائم، وتضع الإشعاع في التشكيل الصوتي وهو واحد من أشكال الطيف اللغوي (٥).

стр. 15

فليس اللفظ في القرآن كما يكون في غيره، فكل لفظة في الآية تكاد تكون آية، فهي تحمل معنى وتومئ إلى معنى، وتستتبع معنى، وهذا ما ليس في الطاقة البشرية (كِتَابٌ أُحكمت آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) (١). إن قوة الإشعاع في التعبير القرآني وتعدد صوره هو الذي أعجز العرب أن يأتوا بمثله، فهو أسمى من أن يُدرك في حاسة أو ينحصر في مدلول، لقد منحه المنشئ سبحانه صوراً وإشراقاً وإعجازاً يذهب في تأويله المفسرون مذاهب شتى لأنه ينزل في أحوال النفس منازل، ثم يدع للعقل بعدها أن ينطلق في معانيه انطلاق النور في الأفق الأعلى، لا تنقضي عجائبه. وإجادة العربية والحذق فيها والتمكن من ناصيتها يفتح على الدارس مغاليقها ويكشف العصيّ من معانيها، والتضمين في هذه اللغة الشريفة دليل سعتها ومرونتها، وغلبة حاجة أهلها إلى التصرف فيها، والتركّح في وجوهها ونواحيها، فالكلمة فيها كثيرة الدلالات وتختزن الكثير من المشاعر والأفكار، فإذا أثبتنا معنى لظاهر اللفظ يقبله السياق فلا حرج من التماس النظير من كلام العرب، لأن النظير يُؤنَس به، فأما ألا يَثْبت المعنى إلا به فلا، ولسنا ندع ظاهراً له وجه من القياس لغائب ليس عليه دليل. هذا المعنى الذي أثبتناه للفظ في سياقٍ ما، قد يحور عنه في سياق آخر ليديره على طريقة يصيب بها مواقع الشعور، أو يتنكب عنه استثقالاً مما تحامل الطبع به: فإن لم تنل مَطلبا رمته ... فليس عليك سوى الاجتهاد واختيار هذا الموضوع هيّأ لي أن أقف على هذه الحروف ومتعلقاتها من فعل أو مشتق، أقرأ وأعيد لأتبين ما خفي من أسرارها المغفول عنها وغير

стр. 16

المأبوه لها والمحتجبة وراء النظم وأتدسى معانيها المغيبة في الصياغة، وأصغي لأنغام جِرسها في التركيب، وخفقات إيقاعها السارب في النفس، والمتغلغل في ثنايا نظامها المعجز من غموض الحال ولطف المُتسرَب، أو في بيانها المشرق السَّخيِّ بالإشراق، حيث تحمل أكثر من دلالة تبعاً للغرض من السياق الوارد فيها، دلالة بالتلميح أو التصريح، بالإيحاء أو الإفصاح، بالتعريض أو التكشيف، بالمشارفة أو المظاهرة، وفهم المراد يتطلب قدْرا من مهارة القارئ الحصيف في معرفة هذه الدلالة على ضوء العلاقات بين مفردات نسيج الجملة، فقد حمى أصحاب هذا اللسان حواشيها وهذّبوها وصقلوا غروبها وأرهفوها وإني لأرجو أن أكون قد استحْيَيْت قدراً من جمالها الفني الخالص، واستنقذتها من رُكام التأويلات النحوية المعقدة، عُزوفا عنها وتحامياً لتجَشُّم الكلفة فيها. فعناية أغلب النحاة كانت بتحليل الأجزاء لمكونات التركيب أكثر من عنايتهم بالتركيب نفسه. حروف المعاني جواهر سنيّة في كتاب اللَّه المبين، تأتي على قدر، تتحكم في توجيه المعنى، وتتصرف في وجوهه، تسري أحكامها في أحناء الجملة وحواشي التركيب، فمن تفطّن لها ممن صحّ ذوقه، وتمت أداته، وأمدّه اللَّه بصفاء القريحة وأيده بمضاء الرؤية، أرتْه من أسرار كتاب اللَّه ما استودعها من إحكام الصنعة فيه، مما هو أليق بمعناه، وأوفق لمراده الذي يُسفر ويَضَح مع الاستقراء له والفحص عن كنهه، أما من رماها للتعاور والتناوب، فلا تحفِل به، واحفظ نفسك منه، ولا تسترسل إليه. وكنت أود لو نشَّمت في شواهد من التضمين في الحديث الشريف (١)

стр. 17

وفي دواوين الشعر الجاهلي ومجموعاته وتأهبت له، لولا اتساع رقعة البحث، وخشْيتي ألا يتسع لشواهده، ولا يسمح بإيلافه. هذه الشواهد التي سُقتها من كتاب اللَّه العزيز، لم آتِ بها على سبيل الاستقصاء، ولا أوردتها من قبيل الانتقاء، وإنَّمَا هي حصاد مطالعات في كتب التفسير وعلوم القرآن سقتها مرتبة على حروف الهجاء، وبعد أن استخرجت ما تفرق من فرائد المفسرين مما يُثنى وُيؤثر، وممن أنف أن يلجّ من غير بيّنة ويستطيل مجتهداً، ومن حق العلم ألا يُداجى فيه وراعيت فيما اجتهدت ما ساعدتْني عليه اللغة، وأرشدني إليه السياق، ومن وضوح الإشارة، واحتمال الدلالة مع المُلاطفة والإكثاب من غير إكراه ولا إغصاب. يتساهم ذوو النظر التأمل فيها والبحث عن سرها ومستودعها ليكون لهم سهم منها وحصة فيها. وكما قال الطائي الكبير: *كم ترك الأول للآخر* فكتاب اللَّه لا تزال تظهر غرائبه، وتنكشف عجائبه على مر العصور، ففي حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح (١) أنه لما سأل عليها هل خصم رسول اللَّه بشيء، قال لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه اللَّه رجلاً في كتاب اللَّه، فالتضمين اجتهاد يحدد مسار الفعل، ويلبي غرضه، ويفتح للنص آثاراً تعين على إدراك المزيد من احتمالاته، ويخلع على اللفظ روحاً ترفرف في جناحيه، وربما أخذوا على التضمين أنه غامض ولكن الحسن كذلك، وأنه مُحير ولكن السمو البياني كذلك، وأنه مخالف للمألوف، ولكن الحق كذلك.

стр. 18

وبعد الذي بذلته من جهد فيما جمعت، من هذه الشواهد التي أعيت على الدارس في دلالتها المتغلغلة تحت مطاويها حاولت أن أستخرجها بالأناة والصبر واستقصاء الجهد من غير استكراه يذهب به الخاطر إلى إفحاش في الصنعة واعتداء على طبيعة اللغة، أو توهم يُظاهر عليه الخيال فيما مَذِلَ (١) به، أو تتايع (٢) فيه، فقد أخرج أبو نعيم من حديث ابن عباس: "القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه" (٣). نعم بعد هذا الجهد أقول ما قاله الشمّاخ في قوسه العذراء: فلما شراها فاضت العين عَبرة ... وفي الصدر حزّاز من الوجد حامزُ والعربية من أشرف اللغات لأن اللَّه اختارها لسيد ولد آدم وجعلها لغة أهل دار المقامة في جنته ومحل كرامته، من نظر فيها رقَّ طبعه، ونبل قدره، وهي أفصح اللغات لساناً، وأوضحها بياناً، وأثقفها أبنية، وأكثرها بقياس أفعالها تصرفاً، وقريش منها في الذروة من الفصاحة ارتقت عن عَنْعنة تميم (٤)، وكَشْكشْة رَبيعة (٥)، وكَسْكَسْة هَوازِن (٦)، وتضجّع قَيْس، وعجرفية ضَبَّة، وتَلْتلة بَهراء (٧)، ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن علينا لما تماسكت أجزاء هذه الأمة وتلاحمت أسباب كثيرة بالمسلمين إلى يوم الناس هذا. فرسول اللَّه ﷺ أفصح قريش ولا فخر، إذ قال: "أوتيت مفاتيح

стр. 19

الكلم" (١)، وفي رواية: "مفاتح" وهو ما هيأه اللَّه له من أسباب الفصاحة والبلاغة، والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن الألفاظ مما أُغلقت على غيره وتعذرت على سواه. ولعل جيلنا المعاصر من أكثر الأجيال مسؤولية في مضاعفة الجهد، لينهض من عِثاره، ويدفع شبح الخوف عن نفسه، حين يستعيد ثقته بذاته فلا يرضخ للإلْف، ولا يَعزِف عن التجديد، لقد رضي بالقابلية دون الفاعلية يردد آراء من سلف دون مراجعة أو إضافة. جيلنا بحاجة أن يحمل التَبِعة في كل مرافق الحياة، وأولها أمانة الكلمة، وأن يتشوّف إلى مَطمح عَصّي ومُرتقى صعب، ومَسلك شاق مَطْلبه عسير، فما أحاط باللغة إلا نبي، فاللغة أداة للتفكير، وليس التعبير إلا صورة عن قدرة المتكلم العقلية، تعكس كفاءته في مستوى الأداء، وتبين عن بنيته الفكرية أو النفسية، ولابد للمصدور من أن ينفث. هذه عجوز في فناء خَيمتها يمر بها رسول اللَّه ﷺ في هجرته إلى المدينة مع أبي بكر ومولاه عامر (٢)، ودليلهما عبد اللَّه بن أرقط، فلم يُصيبوا عندها شيئاً، إذ كان القوم مُسْنتين مُرْملين، فنظر رسول اللَّه ﷺ إلى شاة في كِسر الخيمة. فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: خلّفها الجَهد عن الغنم، قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجْهد من ذلك فإن رأيتَ بها حَلَباً فاحلبها، فمسح بيده ضَرعها وسمَّى اللَّه فتفاجّت عليه، ودرَّتْ فاجترَّت، فحلب فَجّا حتى علاه البهاء، ثم سقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم ثم ارتحلوا عنها. فقلّما لبثتْ حتى جاء زوجها يسوق أعنُزا عِجافاً يَتسَاوَكن هُزالاً فلما رأى اللبن قال: - من أين لك هذا والشاءُ عازب حائل ولا حَلوبَ في

стр. 20

البيت؟ قالت: مَر بنا رجل مبارك، قال: صِفيه لي. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلجَ الوجه حَسَن الخَلق، لم تَعِبْه نِحلة (١)، ولم تُزر به صُقلة (٢)، وسيماً قَسيما، له نور يعلوه كأن الشمس تجري في وجهه، في عَينيه دَعَج (٣)، وفي أشفاره وَطَف (٤)، وفي صوته صَهَل (٥)، وفي عُنقه سَطَع (٦)، وفي لحيته كَثاثة، أزجَّ (٧)، أقرن (٨)، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سَماه وعلاه البهاء، حُلو المنطق، فصل لا نَزر ولا هَذر، كأن منطقه خرزات نظْمِ يتحدَّرْنَ، رَبَعَة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قِصَر، مَحفود (٩)، مَحشود (١٠)، لا عابسٌ، ولا مُفَنَّد (١١)، خافض الطرف لا يُثبت بصره في وجه أحد، ليس بالجافي ولا المهين، طويل السَّكْت لا يتكلم في غير حاجة .. إلخ (١٢). (١٣) فأي صاحب قلم يملك اليوم مثل لسان ابنة البادية هذه؟ ويوم نملك لساناً كالذي ملكوا، نفتح بإذن اللَّه كما فتحوا ثغور البلاد وقلوب العباد. وأصحاب هذه اللغة إلى الإيجاز أميل وفيه أرغب، به تفاخروا بالبيان الذي يكشف المستور، دون الضمير، ويلتمس الدلالة حين تلتبس على الفهيم، والوقوف على المعنى الحرفي من أسباب القصور في الفهم لأنه يهمل المعنى الدلالي وفيه: المعنى الوظيفي والاجتماعي والمعجمي و ... فدلالة اللفظ من حيث الوضع: خاص وعام ومشترك، وأما من حيث القصد: فدالّ بالعبارة أو بالإشارة أو بالفحوى أو بالاقتضاء. ودراسة كهذه هي إعادة نظر في المعنى وارتباطه بأشكال التعبير، فالارتباط بين الشكل والوظيفة، أو الصلة بين المبنى والمعنى هو اللغة، وهذا النوع من الدراسة يتناول الصوت والصيغة والسياق والدلالة فيصل اللغة بالفكر. ولعل سبب غموض بعض النصوص في تراثنا هو إهمال الوصف الكافي للمقام المحيط بالنص، والتعبير الشائع في اللغة الإنجليزية: ليست العبرة بما قيل، بل بالطريقة التي قيل فيها. والعربية بما لها من تطور واتساع، وتقدم ورقي، تحتاج إلى جهد في تحديد معالم البطاقة الشخصية لكل فعل: بنيته أو صيغته في أحد الأبواب الستة المعروفة، وتحديد وظيفته، لزومه وتعديه، ثم الدلالات التي يعبر عنها، ثم الحروف التي تتعلق به أو يتعدى بها هذا فعل (عقل) يأتي لازماً ومتعدياً، فاللازم يعبر عن ستة معان مختلفة (١٤)، والمتعدي يعبر عن سبعة معان مختلفات كذلك (١٥) أرأيت كم لهذا الفعل من دلالات! ولا سبيل إلى علم الدلالة إلا التوقيف والتعليم. يا لها من صعوبة!! ولكنها صعوبة المجد والرقي. ومن أدوات هذا البيان: حروف المعاني، تناولها البلغاء والنحاة والمفسرون والفقهاء وعلماء الأصول لخطرها، وهي على قلتها كثيرة الدوران بعيدة المنال إلا على ذوي الأفهام. فإذا تعدى الفعل أو مشتقه بغير حرفه المعتاد كما في قوله تعالى: (بِمَا

стр. 21

يَسْتَمِعُونَ بِهِ) (١)، أو تعدى بحرف وهو يتعدى بنفسه كما في قوله تعالى: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) (٢)، أو عداه بنفسه وهو يتعدى بحرف: (كَفَرُوا رَبَّهُمْ) (٣)، أو يتعدى لمفعول عداه لمفعولين: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) (٤)، أو لازماً عداه لمفعول: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) (٥)، أو لمفعولين: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالا) (٦)، أو متعدياً جعله لازماً: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) (٧) أو يتعدى لمفعولين عداه للثاني بحرف: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) (٨) في هذه الأحوال تبقى الدلالة على المراد خافية والمعنى مستوراً، ومع الغموض أو اللبس تضيع الفائدة التي عليها مدار الإفهام والتفهيم والبيان والتبيين. لا بد إذاً أن نسعى إلى الأصل كما سماه سيبويه، أو ( FONEM) كما يسميه الغربيون. وسيلة النحوي في الوصول إلى الأصل: التأويل (التخريج) وذلك عن طريق الحذف أو الإضمار أو القياس أو التضمين. وهذا التخريج مشروط بالرد إلى أصل متفق عليه، فإذا اختلفوا في الاتفاق عليه فالتخريج سيلقى الرفض، وقد يحتمل هذا التأويل وجهاً أو وجوهاً في الرد إلى القواعد الأصولية (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (٩) جاء الفعل متعدياً في قراءة نافع بنصب (سبيلَ) وجاء لازماً عند بقية العشرة برفع (سبيلُ). فاللفظ من خلال النظريات الدلالية المعاصرة يحسن أن نتناوله بشيء من

стр. 22

المرونة في تفسيره يتعاون عليه المعنى المعجمي، والمعنى الدلالي، والمقام. والمعنى الدلالي هذا لا يخضع لقاعدة، شأنه شأن الجمال لا يهتدي إليه إلا صاحب ملكة يغلب عليه طابع الاجتهاد في الاستنباط والتأمل الذاتي، ولذا فرّق علماء الأصول بين الدلالة الوضعية والدلالة الأصولية، وكذلك المقام بما يشتمل عليه من علاقات اجتماعية وعقلية، وذوقية، وعاطفية متشعبة لا يفهمها إلا أبناء بيئتها. ومن العقبات التي اعترضت عدداً من المفسرين هي ما أخذوه من السِّريان في طريقة شرح متونهم والتي اعتمدت على شرح الكلمات المفردة، وإيضاح مدلولها دون اللجوء إلى شرح الهيكل العام لأفكار المتن ونظرته الشاملة، فحبسوا أنفسهم وقرَّاءهم في أسْر المفردات، وشقَّ على من يتصدى بعدهم للإحاطة بمعالم الفكرة العامة والتي اختفت وراء دلالات الألفاظ المفردة، ولعل الدراسات الحديثة للتخصص في النحو اليوم تقف على هذه النظرة الشمولية للنص لفهم التراث. والتضمين مفتاح من مفاتيح هذه اللغة الشريفة، وسر من أسرارها، يفترُّ عن بديعة، ويُفضي إلى لطيفة، وهو من طريف ما استودعته هذه اللغة نجواها، لأنه أذهب في الإيجاز وأجمع لخصائص الصنعة، وفيه من الإيماء والتلويح ما ليس في المكاشفة والتصريح، وذلك أحلى وأعذب. فالتضمين يجعل من اللفظ رعشات بيان من نور المادة اللغوية كأنه ينبوع يتدفق أو جدول ماء يترقرق، ليبدع معاني جديدة ويخلع على اللفظ أثواباً بهيجة، فمن أدام فيه النظر ثم صبر ذاق لذة الاستمتاع به، كالشهد من ذاق عرف. والذين عطّلوه في الفعل أو مشتقه وجعلوه في الحروف، وأن بعضها ينوب عن بعض هكذا بلا مُسوغ ولا دليل يدّعونه أو ينتحلونه، نزُرت من

стр. 23

معرفة الحقيقة حُظوظهم، وتخلفت عن الإحاطة بها خواطرهم، وركبهم جهلٌ في الرأي، وإفحاش في الصنعة، واعتداء على طبيعة هذه اللغة. أجل .. إنابة حرف عن حرف يتسمَّح المفسرون فيه فيُخلون بغرضه تجاوزاً له أو سهواً عنه فهو مقام زلخ .. تزلّ فيه القدم وإنما تحتاج في التحفّظ منه إلى لطف نظر، وفضل رويّة، وقوة عارضة، وشدة تيقُظ، فإذا لاطفت الغرض من مجيئها، قويت حُجتك في تضمين أفعالها، وذلك أحوط عليك، وأبهر في الصناعة بك، ومن عرف أنس ومن جهل استوحش. وحتى الذين أجروا التضمين في الفعل لم يشيروا إلى الغاية من ورائه فهذا الزمخشري في كشافه مثلاً في قوله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (١) ضمّن (يضربن) معنى (يلقين ويضعن)، ومثله أبو حيان في بحره ولكنه لم يذكر الغاية من هذا التضمين في استبدال فعل من فعل وهي ثمرة التضمين وفائدته. في هذه الحروف دقائقُ وأسرارٌ، طريق المعرفة بها الروية، ولطائف يُتوصلُ إليها بطول التأمل، وخصائص ينفرد بها مَن هُدي إليها، وكُشِف له عنها، وبلغ شأواً فيها مع ما تهيأ له من صفاء القريحة، وصحة الطبع، وامتلاك الأداة. إن إبدالهم حرفاً بحرف في كتاب اللَّه يُخرجُ العبارة من صورتها ومن الذي أُريدت له ويُذهب استطابتها، ويفسد الإمتاع بها والاستملاح لها، فلا تستطيع أن تحدث لهم علماً بها، وفهماً لها، حتى يكونوا مهيئين لإدراكها، ويكون لهم قريحة إذا تصفحوا هذه الحروف، أنِقوا لها، وأخذتْهم أريحية عندها، فإن بدهك موضع منها فلا تعطِ بيدك مع أول خاطر لها، فالطريق

стр. 24

متلئبة، والتأمل فيها يمكنك منها. قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها إبطال حقيقة اللغة، وإفساد الحكمة فيها، والقول بخلاف ما يوجبه العقل والقياس. والتضمين يمنح الفعل أو مشتقه معنى فوق معناه والذي تضمنه بالرمز والإيماء من طريق يخفى ومسلك يدقّ، غير مصرحٍ بذكره، أو مكشوفٍ عن وجهه، ولا مُفصِحٍ عن غرضه، كأنما يرسل في العبارة توهجاً من طاقته فيمنحها قوة تعلو باللغة سمواً، وتُزكيها متعة كلما ازداد البصر فيها تأملاً، فهو محيّر ولكنّ الحسن كذلك، والحمل على المعنى غَور بعيد، ومذهب نازح فسيح، متى قام الدليل عليه، أو شهدت الحال به. ومن شأن الحرف -وقد دخل على فعل أو مشتق لا يتعدى به- أن يكسب المعنى نبلاً، ويمنحه فضلاً، ويوجب له شرفاً، تَطْرَبُ له نفوس السامعين، وتجعل له مزية عند المخاطبين، فهم في قوله تعالى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) (١) لا ينشدون الشرب للري، ولا يطلبونه لإطفاء الظمأ، لأن أهل الجنة لا يظمؤون وإنما ينشدون من الشرب المسرة ويطلبون اللذة والاستمتاع. أجل حين تعدت الأفعال أو مشتقاتها بغير حرفها أبدع التضمين إبداعه فيها، فإذا هي أزهار موشاة بألوان جديدة من معان لطيفة كالنجوم الزهر يأتلِقن من الجمال في دارة القمر -المضمن- لتكون مِنَصة للعروس -المضمن فيه- أو كمُجْرِي الجَموح بلا لِجَام، ووارد الحرب الضروس من غير احتشام. ولعل الذي دفعني لموضوع التضمين هذا هو التنقيب عن خصائص هذه اللغة والكشف عن أسرارها رغبة في جديد، فحين ضمنت العربُ الفعل فعلاً آخر فقد أودعت الأول الثاني لتُنهض مُنّته، فصار بهذا صفيّه وتليّه، وأصارتْه الصُحبة أن يحل محله فجمع بلاغتين لأنه لزّ معنيين، فالعرب تلجأ إليه عناية

стр. 25

بما وراءه وتوصلاً إلى إدراك ما هو له. وحين يتعدى الفعل أو المشتق بغير حرفه فإن معناه لا ينكشف إلا من خلال وضعه في سياقاته المختلفة، فللسياق دوره في إيضاح المعنى، إنما يحتاج إلى لطف نظر، وقوة عارضة، وشدة تيقظ، فترفَّقْ به يُولك جانبه، ويُمطِك كاهله، ويشفعْ بشرح أحواله المحيطة به. وحين قال بعض النحاة: لا معنى للحرف في نفسه كانوا في منتهى الصواب، ولكنهم أخطؤوا في التطبيق حين وقفوا على مفهومه اللغوي أو دلالته المعجمية لا الوظيفية، غفلوا عن القصد وخفي عنهم الغرض وما تتطلبه الفصحى من إعادة النظر في طريقة التناول، أوليست حروف المعاني روابط تُؤدي وظيفتها حين يُعرف موقعها في النظم؟ فهذا السيوطي يجعل للباء أحدَ عشرَ معنى، بل أوصلها بعضهم إلى الثلاثين لأنه عزلها عن سلطانها حين أزالها عن ولايتها. فعلى الناظر في معاني الحروف أن يتكاسى في بيان مدلولاتها، وأن يعطي الحروف حقها عن ميزة وعلى بصيرة، ليس مُعتاصا ولا مُسترسلا، وأحكام معاقدها ومواردها في الأساليب البيانية المعجزة يدل على شرف هذه اللغة وسَدَاد عقول أصحابها، وتركُ النظر في وجوهها والإعراض عنها، وقلة المبالاة بها يُزري بالدارس ويغضُّ من قدْره، يقول ابن جني (١): هذا باب يتلقاه الناس ساذجاً مغسولاً من الصنعة، وما أبعدَ الصواب عنه، وذلك أنهم يقولون: إن (إلى) تكون بمعنى (مع) ويحتجون بقوله سبحانه: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) (٢) أي مع الله، ويقولون إن (في) بمعنى على ويحتجون بقوله

стр. 26

سبحانه: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (١) أي عليها، ألا ترى أنك إذا أخذت بظاهر هذا القول غُفلا هكذا، لا مُقيَّدا، لزمك عليه أن تقول: سرت إلى زيد وأنت تريد معه. وأن تقول: زيد في الفرس وأنت تريد عليه، ورويت الحديث بزيد وأنت تريد عنه. ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش، ولكن سنضع في ذلك رسماً يُعمل عليه، وُيؤمن التزام الشناعة لمكانه أ. هـ. وقال القاضي ابن العربي (٢): والتضمين في الفعل أقيس وأوسع، وكذلك عادة العرب أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما بينهما من الارتباط والاتصال، وجهلت النحْوية هذا فقال كثير منهم: إن حروف الجر يبدل بعضها من بعض ويحمل بعضها معاني البعض أ. هـ فالتضمين في الحروف مرذول مطَّرح. الفعل أو المشتق إذا كان بمعنى فعل آخر فيما نيطت به أقرابه وشواكله، وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه، كقول اللَّه تعالى: (أُحلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) (٣) فالعرب لا تقول رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها أو معها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء وكنتَ تُعدي أفضيتُ بـ (إلى) جئت بـ (إلى) مع الرفث إيذاناً وإشعاراً أنه بمعناه، ونكون قد جمعنا المعنيين معاً: الرفث وهو فاحش القول، مع الإفضاء وهو إزالة الفضاء وأعني الإيلاج، وكلاهما مقصود هنا ليمنح العلاقة الزوجية رِقة ونداوة ورحمة، وينأى عن التصريح بالمعنى الحيواني، وُيسدل ثوبَ الستر على العلاقة الزوجية.

стр. 27

فالرفث حين أُشرب معنى الإفضاء أو حَمله، جاء منه معنى التضمين والذي يسميه بعض النحاة: الإشراب أو الحمل. ووجدت في اللغة من هذا الفن شيئاً كثيراً لا يكاد يُحاط به، ولعله لو جُمع أكثره لجاء كتاباً ضخماً، وقد عرفنا طريقه فإذا مرَّ بك شيء منه فتقبلْه وأنسْ به فإنه فصل من العربية لطيف يدعو إلى الأنس بها والفقه فيها، ومن أجل ذلك أخذتُ به ووضعتُ يدي فيه، لاعتقادي بأنه من أشرفِ علوم العربية وأذهبَ في طرق القياس والنظر وأجمعها لخصائص الصنعة، وعلائق البيان والحكمة، واستعنت اللَّه على عمله، واستمددته من إرشاده وتوفيقه فهو مُؤتي ذلك بقدرته، والمانح بطوله ومشيئته. ثم إن كل من حكم بزيادة الحروف أو تعاورها أو تماثلها (١)، فقد زهد بقيمتها أو تشاغل عن خطرها وأعرض عن تدبرها فدخل عليه غلط في فهمها ولَبْس في معرفة مغزاها، وظنون رديةٌ لو علم مغبَّتها لأنِفَتْ نفسه من الرضا بها. نعم ذهب عدد من المفسرين إلى أن التضمين يجري في الحروف ..

стр. 28

ولم أر ظناً أزرى على صاحبه من هذا، حين أبطل المزية في الفعل والتي تتفاوت فيه المنازل، وما أسوأ الشناعة لمكانه. وما كان ذلك إلا من جهة تسرّعه أو نقصه في علم العربية، لم يدرِ أن في هذه الحروف دقائقَ وأسراراً، طريق المعرفة بها الرويّة، ومستقاها سَفَرُ الخاطر في صيدها حتى يُكشف له عنها، فمن فزع إليها فبالملاطفة والرفق، هذا ما ينبغي للدارس أن يفهمه منها، فلا هي منا بسبيل، وليس لنا فيها شغل، حين نبدل حرفاً بحرف، أو نعيره مكان أخيه، هكذا ساذجاً غُفْلاً، إنما أنت في التضمين أوجبْت للفعل المقدر من الحسن واللطف والخلابة وعلو الطبقة ما ليس للمعنى المبذول في الفعل المثبت، فبإبدالك الحرف وفَرتَ له هذه المزيَّة وكان له هذا الفضل وتلك الملاحة. وإني لم أزل ملاحظاً لها، عاكفَ الفكر عليها، ليعلم محصول الفضيلة فيها والمزية التي تنسب لها من أين تأتيها، وكيف تعرض فيها .. لتوقَظ لها الهمم، وتوكل بها النفوس، وتُحرك لها الأفكار، وتستخدم فيها الخواطر فلا يُعرض العاقل عنها صفحاً، ولا يطوي دونها كشحاً، وما كان تعريد أكثر المفسرين عنها -حين رمَوْها للتعاور والتناوب أو للزيادة- إلا تحامياً من الخوض في خُلُجها فضلاً عن اقتحام لُججها، وقد أقمت موضوعي على جزأين: الجزء الأول: جعلته على أربعة فصول: الفصل الأول: تناولت فيه حروف المعاني، وظيفتها، تحليل مدلولها من خلال سياقها. الفصل الثاني: صلة الحروف بالتضمين. الفصل الثالث: صلة الفعل ومشتقاته بالتضمين. الفصل الرابع: موضوع التضمين.

стр. 29

الجزء الثاني: أوردت ما عرض لي من شواهد التضمين في كتاب الله. وما كان غَوصي في اليمِّ إلا على تَوجس، أصانع الخاطر وأُداريه مُشْفقا أن أخرج صُفر اليدين من درره، فإن بلغتُ الذي أمّلتُ فبعونٍ منه سبحانه، وإن اشتبه عليَّ فيه اليقين فلا أخلص إلى تمحيصه، أو تأبَّى عليّ أو اعتاص أو خفي عني من الأسرار التي تناصَرَتْ إليها أغراض ذوي التحصيل، وكلتُ الحال إلى مُلاطفة التأوُّل، مع دوام الفكرة مستعيناً عليه بالخلوة، واعتزال زحمة الأشغال، مع تضرع وافتقار، وإن غيبني اللُّجّ بين طياته فعُذري لسان حال الشاعر: لِيبلغَ عُذرا أو يُصيبَ رغيبةً ... ومُبلغُ نفسٍ عُذرها مثلُ مُنجِح أسأل الله السداد في الرأي، والعصمة من الزلل، وأستغفر الله من كل أخذٍ بقول، كما أبرأ إليه من الحول والطول، والحمد للَّه رب العالمين. المدينة المنورة الإثنين ٢٥ رمضان ١٤٢٥ د. محمد نديم فاضل

стр. 30

تمهيد ذهب ابن جني: في تعريفه للغة أنها أصوات يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم. هذا التعريف يصلح لدور نشوء اللغة، أما بعد اكتمالها فقد صارت جزءا من تفكير أصحابها، واكتسبت مع الزمن صفة أسمى وأرقى من مجرد الرمزية، لأنها اتصلت بخواطر الناس وعقائدهم ومشاعرهم. فاللغة التي ينشأ فيها الفرد ويرضع لبانها ويحيط بأسرار أساليهها وعجائب تصاريفها على مر الزمن، حتى تصير ألفاظها وتراكيبها الموروثة حاملة من كل جيل بصماتِه، ومظهَر سلوكه، وملامحَ شخصيته، وتصبح بوضوحها وشمولها وعاءً لمعارفه ينتمي إليها بعقله وقلبه وخياله يحفظها من الضياع خوفاً من أن يفقد شخصيته حين يفقدها، وإذا كان لكل أمة حضارة مبنّية على لغتها وثقافتها، فكل اختلال يعرض لهذه الحضارة يكون نتيجة غياب لغتها عن التداول، أو قلة الاحتفال بها، فتضعف سيطرتها عليهم، إذ هي الرَّحِم بينهم، ويكون ذلك إيذانا بأنهيار حضارتهم أو سقوطها. وبين الإحاطة باللغة والقصور عنها، مزالق ومخاطر تستوجب الحذر، تضل عنها العقول، فتنقلب المعاني مُشوهة الصورة، فلا يتبين صحيحها من مزيفها، ولا صوابها

стр. 31

من خطئها، كل ذلك بقدر قربه من حقائقها العميقة في نفسه، وأسرارها المتشعبة في حناياه، أو بعده عنها وانطماسها في نفسه، فيدخل عليه من هذا الباب مكر الماكر وخُبث المحتال. واللغة مفتاح، يساعدنا على ولوج أي مجتمع من المجتمعات، للكشف عن أنواع سلوكه ونشاطه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي، وتحديد ملامح شخصيته في عصر من العصور. والعلاقة بين اللغة والفكر، هي العلاقة بين الألفاظ والمعاني، وقدرة اللفظ على اختزان المعاني أو قُدرة الفكر على شَحْن الألفاظ بأكبر طاقة من المعاني. والنظرة إلى المعنى تختلف باختلاف الدارسين من فروع الدراسات الإنسانية، كالأدب واللغة وأصول الفقة والفلسفة والمنطق وعلم النفس. والنحاة العرب لم يتخلصوا من قبضة أرسطو السحرية ولا من نفوذ منطقه القياسي الذي صبغ دراستهم اللغوية كما صبغ علم الكلام. فالعلل والأقيسة جهتان من جهات النفوذ الإغريقي على دراساتنا اللغوية فهذا ابن جني يقول: اعلم أن عِلل جُلّ النحويين وأعني بذلك حذاقهم المتقنين لا ألفافهم المستضعفين، أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين. وإذا كان اهتمام الفلاسفة في معالجة المعنى هو بالعلاقات الذهنية، فإن اهتمام اللغويين في معالجته هو بالعلاقات العرفية. فالفيلسوف يهتم بكُنْه العلاقة، واللغوي يهتم بشكل العلاقة بين الرمز ومدلوله، ومعناه الوظيفي، ويربط بين المعنى والمقام، فاللغة صياغة تخضع لمقتضيات الرمز العرفي، فليس في الفكر ما يسمح بدلالة (فَعَلَ) على المستقبل (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ولا بإفادة (على) معنى الشرط (عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي

стр. 32

ثَمَانِيَ حِجَجٍ) فاللغة عند هؤلاء ظاهرة اجتماعية يصدق عليها كل ما يصدق على الظواهر الاجتماعية من الخضوع لظروف الصواب والخطأ. والمعنى الدلالي يستعين بالمقام ليصبح مفهوما في إطار ثقافة المجتمع. فاللغة ليست مجردَ تراكيبَ شكليةٍ يسعى الوضعيون إلى تجريدها من المعنى، مما أفضى إلى تقويض الأسس التي قام عليها النحو الوصفي. واللغة ليست مجرد توصيل كما في لغة الحيوان ولكنها أداة للتفكير الحر والتعبير الذاتي يصدر عن البنية التحتية أو العميقة. النحو الوصفي غير قادر على استجلاء ما استولى الخفاء على جملته لأنه يركّز على الواقع اللغوي أو البنية السطحية وحدها، أما علم البيان فأكثر صلة بالدراسة المعجمية منه بالمعاني الوظيفية، ومجاله النظر في العلاقة بين الكلمة ومدلولها فلا تكون أوسع منه ولا أضيق في الدلالة، ولكن اللغة - أية لغة - وإن كانت تزود المرء بأدوات التجريد الفكري والتأملي، إلا أنها أضيق في مجالها اللفظي من حقل الأفكار في ذهن المتكلمين بها ومن الصور والظلال التي ترد على أخيلتهم. ومن هنا تصبح المعاني حقيقة للألفاظ قاصرة عن الوفاء بمطالب التعبير عن الأفكار المجردة والصور والظلال، ويصبح التعبير اللغوي بحاجة عند جواز الحقيقة العرفية إلى استعمال آخر نُسميه المجاز. وأغلب معاني اللفظ في معاجمنا مجاز، ولطول استعماله يُظَنُّ به أنه حقيقة. فالكلمة منعزلة ضرب من العبث فلا بد من سياقِ يُبرز دلالتها وبذلك يكون لها أكثر من معنى، ويتحدد المقصود منها عند التركيب أي عند النظم. فألفاظ اللغة لم توضع لتعرف

стр. 33

معانيها في أنفسها وإنَّمَا ليُضم بعضها إلى بعض في عقد نَظيم يصوغه جوهريّ ماهر فيختلف معنى اللفظ باختلاف التركيب ويتغير بتغير السياق. والجرجاني بحق رائدٌ من رواد هذا الفن، فلا بد لفهم اللفظ عنده من دخوله في تركيب ما لمعرفة معناه، يقول الإمام السُّبكي: فكثيرا ما رأيت مَنْ يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها. ثم إن الجملة وحدة عضوية، ترتبط الكلمة فيها كما ترتبط الأعضاء في الجسد في تنسيق دقيق وترابط عجيب. كل لفظ من فعل أو اسم أو ظرف أو حرف يؤدي وظيفته من المعنى القائم في النفس. كل لفظ يلون صورة المعنى، لا ينوب عنه صبْغ آخر، ولا يسمح في استبداله في تأدية الأثر النفسي الذي ابتغاه، أو ارتضاه أو قصد إليه، وما كل لفظ يشفع بشرح أحواله المحيطة به، فتضطر لمعرفته أن تلجأ إلى سياقه: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ)، فالسماع حين تعدى بالباء أدى معنى آخر: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ويشعرون حين يسمعون، ونحن أعلم بما يتأثرون به وتفصح عنه نجواهم. فلفظ السمع أدى وظيفته حين انتظم في سياقه وأفصح عن غرضه الذي تضمنه وهو: الإحساس والشعور والتأثر، وكلها تتعدى بالباء. ثم لا بد لفهم المعنى من معرفة المقام، وهو العنصر الاجتماعي في الدلالة، وهو من أحدث ما وصل إليه علم اللغات الحديث، ويتلخص في

стр. 34

مقولتين صغيرتين وقف عندهما علماء البلاغة منذ القديم وجعلوهما شعاراً لهم عند البحث عن المعنى: الأولى: لكل مقام مقال. والثانية: لكل كلمة مع صاحبتها مقام. فالمقام: وهو العنصر الاجتماعي، يُعد من أهم عناصر المعنى، والعبارة الثانية تُلخص ظاهرة النظم أو التركيب وأثره في المعنى الدلالي الاجتماعي، وهو موضوع عناية الجرجاني في دارسته لعلم النحو. فهو نحوي قبل أن يكون بلاغياً، وعلم المعاني الذي وضع أصوله لم يكن إلا إحياء لروح المعنى والحس والتذوق في علم النحو، بعد أن طمس النحاة بتعليلاتهم وحججهم وضوابطهم العقلية من مقولات المنطق وعلم الكلام موضوعَ الإعراب فحولوه هدفا واستنفدوا الجهد بهذه الضوابط بدلا من تذوق اللغة والبحث عن أسرارها الجمالية. يقول ابن مالك في ألفيته: وما أُبيح افعلْ ودع ما لم يُبح. فالإباحة محصورة ضمن قواعدهم المعيارية وضوابطهم الأصولية التي فرضوها، أما ما خرج عنها: فُيحفظ ولا يُقاس عليه. علم المعاني هذا هو قمة الدراسة النحوية، والذي عزله النحاة عن مجال اهتمامهم سهوا منهم، وتولاه البلاغيون عنهم. فالنظم وما يتصل به من بناء، وترتيب، وتعليق، وإثبات، ونفي، واستفهام، وتقديم، وتأخير، يعتبر من أكبر الجهود المبذولة في إيضاح المعنى الوظيفي في السياق أو التركيب. من ذلك ما حكاه سيبويه في قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ): فأهل الجفاء من العرب يقولون: ولم يكن كفوا له أحد، كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقرة. هذه الأحدية التي شغلت النحاة في تأخيرها عن اسمها وصلتها،

стр. 35

تناولها علماء الأصول وأرباب البيان فقالوا: الأحدية - وهي أبلغ من واحد - معناها لا شيء غيره معه، فلا حقيقة إلا حقيقته ولا فاعل إلا هو، هذه الأحدية: عقيدة في الضمير ... وتفسير للوجود ... ومنهج للحياة ... منهج للتوجه إليه في الرغبة والرهبة، في السراء والضراء. منهج للتلقي منه ... تلقي العقيدة، والقِيم، والموازين، والشرائع، والنظم، والآداب. منهج فريد ... الأرض فيه صغيرة ... والحياة قصيرة ... ومتاع الدنيا زهيد. علماء الأصول حرصوا على فهم المقام عند استنباط الأحكام، وما جاء في هذا الباب في فهم المعنى وتحسينه لطائف ترِق حواشيها وتلإق إلا على ذوي البصائر. إنه (أي المقام) بحر لا يُفثَج ولا يُغرضُّ. ففهم الكلمة معزولةً عن سياقها ضرب من العبث، فلا بد من سياق يُبرز دلالتها، أما الذين وقفوا على اللفظ منفردا، فقد أخطؤوا طريق الصواب كما رأيت. ومن وجوه الاعتراض على من عرّف الكلمة من النحاة بأنها لفظ مفرد أو لفظ وضع لمعنى مفرد: أن الكلمة في المعجم صامتة لا تنطق مُختزنة في ذاكرة المجتمع، وتتحول من الطابع المعجمي إلى السياق الاستعمالي أي من السكون إلى الحركة ومن الصمت إلى الجهر، حين تُصاغ في عبارة أي تسلك في نظام - واللغة نظام - يأخذ المتكلم من معانيها المتعددة في المعجم ما يحدده سياق الجملة أو التركيب. فاللفظ منفرداً يختلف في معناه بعد دخوله في التركيب. ولا بد في فهم معناه، والكشف عن هُويته من اعتبار مكانه في النظم وملاءمته لجيرانه. هل يخطر معنى الاستبداد على بال في مادة (سبق) لولا أنه جاء على لسان

стр. 36

الشنفرى الأزدي سائغا غير منكور ولا مستوحش: وقد سبقتنا أُم عَمرو بأمرها ... وكانت باعناق المَطي أظلَّتِ وهو معنى أغفلته المعاجم. وهذه مادة (كتب) تأتي بمعنى (وهب) في قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) كما ذكر الطبري فيما حدثه ابن حُميد عن ابن إسحاق. وذكر النيسابوري في حاشية الطبري عن ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. أما السُدي فيقول: معنى كتب في هذا الموضع بمعنى أمر كمثله في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) وأقول: لعل تعدية كتب بـ (على) أساغ للسدي أن يُضمنه معنى الأمر والفرض، وتعديته باللام سوغت للطبري معنى الهبة. وهكذا تبقى الكلمة سارحة في معانيها العديدة أو مُعطياتها أو أبعادها أو مدلولاتِها المختلفة، حتى يظهر من السياق مُرجح يحملها على معنى من المعاني بدليل يَعضِده أو يجعله راجحا والباقيات من معانيه مرجوحة. وإذا كان الإعراب فرع المعنى كما قال النحاة، فالإعراب هو تحليل المعنى الوظيفي والمعنى المعجمي والمقام. فالدلالة لها دورها في كشف المعنى الإضافي وتحريره من الغموض إلى الشفافية وهي عند الجرجاني دلالتان: دلالة اللفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه إلى معنى لفظ آخر، وذلك بتغيير لفظة إلى أخرى (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) فـ (مِن) معناها (على) وهذا من

стр. 37

تضمين الحروف أو تناوبها، أو نصرناه بمعنى نجيناه، وهو من تضمين الأفعال وهذا أظهر وأصنعَ، فالنصر المتعدي بـ على يُفيد الغلبة. وحين عداه بـ (مِن) أفاد النجاة من مكرهم أو سجنهم أو مؤامراتهم فإذا أفلت من أيديهم ليتابع مسيرة دعوته في بلد آخر، فذلك من صور النصر. وسياق الآية إنما يفيد نصر النجاة من يد الظالم، أما نصر الغلبة فلن يتسنى له لأنه فرد فيهم ليس معه أنصار. أو نصرناه نصراً مستتبعا للانتقام ولذلك عدي بـ مِن فخلع النصر ثوبه على النجاة حين ينتقم، أو اكتست النجاة ثوبالنصر، فتحليل العبارة يجري بتشقيقها إلى وحداتها لفهم المراد. وهكذا نتحرر من الغموض في الحرف ليشف الفعل في التضمين عن معنى جديد، ويُسفر عن طعم إضافي من الجهة التي هي أصحّ لتأديته وأكشف عنه في إظهار مُراده. وبقي موضوع السياق أو الدلالة عند غير الجرجاني مغفولاً عنه غير مأبوه له. ففي قوله سبحانه: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) تضمين (رزق) معنى (اتجر) هو من وحي السياق، وتوجيهه مراعاة لمصلحة اليتيم وحفظ ماله، ندير له أمواله في تجارة رابحة ونرعى مصالحه، فلا يُنفق ما ورثه في سنوات معدودة ثم يمد يده إلى الناس. أما أن نجعل (في) بمعنى (مِن) كما ذكر أغلب المفسرين فتوجيه للمعنى تستنكره مصلحة اليتيم. ثم الموقع والارتباط الداخلي بين وحدات الجملة فيما يتعلق بالنظم،

стр. 38

فاللفظ في التضمين قد يحتمل الضدين، فانظر موقع اللفظ من النص، وتأمل حاله قبل أن تحكم له أو عليه، ففي قوله تعالى: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) ذهب العديد من المفسرين إلى أن المسح معناه الضرب والقتل، فهل يُعقل من قائد عسكري أن يُدمر آلياته العسكرية بيده؟! كرائم الخيل من أعظم وسائل الجهاد المبارك فهو يُكرمها وُيباركها بالمسح على سوقها وأعناقها كما نمسح على رأس اليتيم حبا وتعاطفا، أو لمعرفة الخيل الأصيل من سواه. فعلى المشتغلين بالدراسات المعجمية مراعاة وضع الكلمة في تعبير ما، لبيان معانيها الخفية أو المتعددة بتعدد السياقات التي يتعرض لها، والتراكيب التي ينتظم فيها. كانت عناية النحو في الأجزاء التحليلية لمكونات التركيب أكثر من عنايته بالتركيب نفسه فعلم الدلالة السيفية المعربة عن ( Semantique) ينظر في مدلولات اللفظ مفرده وبعد تركيبه في مجموعة جمل وعبارات وما يطرأ على معناه من تغير له علاقته بالمجتمع وظروفه. عناية النحو اليوم هي في دراسة العلاقات ممثلة في الكلمات الواردة في الجملة، والمنشئ أو الناظم وتوجهاته، فقد يُحمل اللفظ على ظاهره ويكون له في المُغيب غيره فما أوحى به معناه من باب الظن، لم تسبق إلى الأنفس ثقته، كان مردودا غير مُتقبل، ففي قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) ذكر أبو حيان وكثير من المفسرين أن (مِنْ) بمعنى (الباء) أي يحفظونه بأمر اللَّه وبإذنه من جميع المهالك، هذا ظاهر

стр. 39

النظم، وقال الرازي: ما المراد من كون المعقبات من بين يديه ومن خلفه؟ والجواب: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء يحفظون أعماله وأقواله بتمامها لا يغيب من حفظهم شيء؛ ففي العبارة تقديم وتأخير له معقبات من أمر اللَّه يحفظونه، فكان أذهب في الدلالة على المعنى من سواه. فالدلالة وظيفتها البحث عن المعنى، وهي تُعين على فهم الحقيقة اللغوية وترشد إلى تفسيرها بالغوص وراء مُراد المشرع، والاستلهام بروح النص لا بحرفيته لفهم محتواه الاجتماعي أو التاريخي، أي القرائن التي تُلقي عليه ظلال معناه. وقد وضع اللغويون تحت أيدي الدارسين تراثاً في هذا الجانب يستحق كل ثناء وتقدير لما بذلوه من جهود كبيرة لفهم كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ . هذا فعل (اتبع) في مجموعة من الأسيقة: ١ - (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ) فمعنى الاتباع: الصُحبة. ٢ - (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) معناه: الاقتداء. ٣ - (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) معناه: الاستقامة أو الالتزام. ٤ - (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) معناه: الاختيار. ٥ - (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) معناه العمل والتطبيق.

стр. 40

٦ - (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) معناه: الطاعة. وهذا فعل (أتى) المتعدي بنفسه في مساقاته المختلفة: ١ - (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) معناه: دنا وقرب. ٢ - (أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) معناه: أصاب. ٣ - (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) معناه: مارس. ٤ - (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) معناه: قلع. ٥ - (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) معناه: عذب. ٦ - (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) معناه: ساق وورد. ٧ - (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) معناه: لاط ومثلها: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً) ٨ - (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) معناه: جاء. ٩ - (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) معناه: جامع. ١٠ - (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) معناه: مارس. ١١ - (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) معناه: زاول. إنما تنكشف معانيه حسب موقعيته، ويظهر تعدد مدلولاته مع تغير صياغته
следующие страницы →