Полный текст (668 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشنفرى الأزدي سائغا غير منكور ولا مستوحش: وقد سبقتنا أُم عَمرو بأمرها ... وكانت باعناق المَطي أظلَّتِ وهو معنى أغفلته المعاجم.
وهذه مادة (كتب) تأتي بمعنى (وهب) في قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) كما ذكر الطبري فيما حدثه ابن حُميد عن ابن إسحاق.
وذكر النيسابوري في حاشية الطبري عن ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. أما السُدي فيقول: معنى كتب في هذا الموضع بمعنى أمر كمثله في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) وأقول: لعل تعدية كتب بـ (على) أساغ للسدي أن يُضمنه معنى الأمر والفرض، وتعديته باللام سوغت للطبري معنى الهبة.
وهكذا تبقى الكلمة سارحة في معانيها العديدة أو مُعطياتها أو أبعادها أو مدلولاتِها المختلفة، حتى يظهر من السياق مُرجح يحملها على معنى من المعاني بدليل يَعضِده أو يجعله راجحا والباقيات من معانيه مرجوحة. وإذا كان الإعراب فرع المعنى كما قال النحاة، فالإعراب هو تحليل المعنى الوظيفي والمعنى المعجمي والمقام.
فالدلالة لها دورها في كشف المعنى الإضافي وتحريره من الغموض إلى الشفافية وهي عند الجرجاني دلالتان: دلالة اللفظ على المعنى، ودلالة المعنى الذي دل اللفظ عليه إلى معنى لفظ آخر، وذلك بتغيير لفظة إلى أخرى (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) فـ (مِن) معناها (على) وهذا من
стр. 37
تضمين الحروف أو تناوبها، أو نصرناه بمعنى نجيناه، وهو من تضمين الأفعال وهذا أظهر وأصنعَ، فالنصر المتعدي بـ على يُفيد الغلبة.
وحين عداه بـ (مِن) أفاد النجاة من مكرهم أو سجنهم أو مؤامراتهم فإذا أفلت من أيديهم ليتابع مسيرة دعوته في بلد آخر، فذلك من صور النصر.
وسياق الآية إنما يفيد نصر النجاة من يد الظالم، أما نصر الغلبة فلن يتسنى له لأنه فرد فيهم ليس معه أنصار. أو نصرناه نصراً مستتبعا للانتقام ولذلك عدي بـ مِن فخلع النصر ثوبه على النجاة حين ينتقم، أو اكتست النجاة ثوبالنصر، فتحليل العبارة يجري بتشقيقها إلى وحداتها لفهم المراد.
وهكذا نتحرر من الغموض في الحرف ليشف الفعل في التضمين عن معنى جديد، ويُسفر عن طعم إضافي من الجهة التي هي أصحّ لتأديته وأكشف عنه في إظهار مُراده.
وبقي موضوع السياق أو الدلالة عند غير الجرجاني مغفولاً عنه غير مأبوه له. ففي قوله سبحانه: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) تضمين (رزق) معنى (اتجر) هو من وحي السياق، وتوجيهه مراعاة لمصلحة اليتيم وحفظ ماله، ندير له أمواله في تجارة رابحة ونرعى مصالحه، فلا يُنفق ما ورثه في سنوات معدودة ثم يمد يده إلى الناس. أما أن نجعل (في) بمعنى (مِن) كما ذكر أغلب المفسرين فتوجيه للمعنى تستنكره مصلحة اليتيم.
ثم الموقع والارتباط الداخلي بين وحدات الجملة فيما يتعلق بالنظم،
стр. 38
فاللفظ في التضمين قد يحتمل الضدين، فانظر موقع اللفظ من النص، وتأمل حاله قبل أن تحكم له أو عليه، ففي قوله تعالى: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) ذهب العديد من المفسرين إلى أن المسح معناه الضرب والقتل، فهل يُعقل من قائد عسكري أن يُدمر آلياته العسكرية بيده؟! كرائم الخيل من أعظم وسائل الجهاد المبارك فهو يُكرمها وُيباركها بالمسح على سوقها وأعناقها كما نمسح على رأس اليتيم حبا وتعاطفا، أو لمعرفة الخيل الأصيل من سواه. فعلى المشتغلين بالدراسات المعجمية مراعاة وضع الكلمة في تعبير ما، لبيان معانيها الخفية أو المتعددة بتعدد السياقات التي يتعرض لها، والتراكيب التي ينتظم فيها.
كانت عناية النحو في الأجزاء التحليلية لمكونات التركيب أكثر من عنايته بالتركيب نفسه فعلم الدلالة السيفية المعربة عن ( Semantique) ينظر في مدلولات اللفظ مفرده وبعد تركيبه في مجموعة جمل وعبارات وما يطرأ على معناه من تغير له علاقته بالمجتمع وظروفه.
عناية النحو اليوم هي في دراسة العلاقات ممثلة في الكلمات الواردة في الجملة، والمنشئ أو الناظم وتوجهاته، فقد يُحمل اللفظ على ظاهره ويكون له في المُغيب غيره فما أوحى به معناه من باب الظن، لم تسبق إلى الأنفس ثقته، كان مردودا غير مُتقبل، ففي قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) ذكر أبو حيان وكثير من المفسرين أن (مِنْ) بمعنى (الباء) أي يحفظونه بأمر اللَّه وبإذنه من جميع المهالك، هذا ظاهر
стр. 39
النظم، وقال الرازي: ما المراد من كون المعقبات من بين يديه ومن خلفه؟ والجواب: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء يحفظون أعماله وأقواله بتمامها لا يغيب من حفظهم شيء؛ ففي العبارة تقديم وتأخير له معقبات من أمر اللَّه يحفظونه، فكان أذهب في الدلالة على المعنى من سواه.
فالدلالة وظيفتها البحث عن المعنى، وهي تُعين على فهم الحقيقة اللغوية وترشد إلى تفسيرها بالغوص وراء مُراد المشرع، والاستلهام بروح النص لا بحرفيته لفهم محتواه الاجتماعي أو التاريخي، أي القرائن التي تُلقي عليه ظلال معناه. وقد وضع اللغويون تحت أيدي الدارسين تراثاً في هذا الجانب يستحق كل ثناء وتقدير لما بذلوه من جهود كبيرة لفهم كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ .
هذا فعل (اتبع) في مجموعة من الأسيقة:
١ - (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ) فمعنى الاتباع: الصُحبة.
٢ - (اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا) معناه: الاقتداء.
٣ - (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) معناه: الاستقامة أو الالتزام.
٤ - (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) معناه: الاختيار.
٥ - (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) معناه العمل والتطبيق.
стр. 40
٦ - (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) معناه: الطاعة.
وهذا فعل (أتى) المتعدي بنفسه في مساقاته المختلفة:
١ - (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) معناه: دنا وقرب.
٢ - (أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) معناه: أصاب.
٣ - (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) معناه: مارس.
٤ - (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) معناه: قلع.
٥ - (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) معناه: عذب.
٦ - (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) معناه: ساق وورد.
٧ - (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) معناه: لاط ومثلها: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً)
٨ - (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) معناه: جاء.
٩ - (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) معناه: جامع.
١٠ - (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) معناه: مارس.
١١ - (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) معناه: زاول.
إنما تنكشف معانيه حسب موقعيته، ويظهر تعدد مدلولاته مع تغير صياغته
стр. 41
في تراكيبه وأسيقته، فمزية الموقعية أكشف عن سره، وأوضح في بيان معناه.
وهاهو في تعديه بالحروف:
١ - (وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) معناه خلق.
٢ - (أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ): معناه: أرسل أو جاء.
٣ - (يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) معناه: ظهر.
٤ - (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) معناه: دخل.
٥ - (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) معناه: أحاط.
٦ - (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) معناه: أغوى.
٧ - (أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ) معناه: مر، ومثلها: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ).
٨ - (أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ) معناه: أشرف.
وهكذا تتعدد دلالات الفعل بتعدد الحروف التي يتعدى بها والأسيقة التي يسرح فيها، ولعل كثرة التضمينات في هذه اللغة الشريفة هو سبب سعتها، وغلبة حاجة أهلها إلى التركح في وجوهها ومطاويها. فالتضمين مذهب مرضي للعمل عليه والوصية به، وأكثر الناس يضعف عن احتماله لغموضه ولُطفه مع سعة انتشاره في البليغ من نظم الكلام ونثره، وعموم فائدته وجدوى الانتفاع منه.
стр. 42
فالفعل أو مشتقه - وهو أهم جزء في التركيب اللغوي - يحتاج في تحديد معالمه إلى معرفة لزومه أو تعديته أو الحروف التي يتعدى بها، وأكاد لا أجازف بدعواي حين أقول: إن الحرف هو العصا السحرية مع الفعل تُوجهه، ويستهدي بها حيث توجه، لا يكاد يستغني عنها على مدى تنوع مدلولاته التي تُثريه أو تُغنيه، ومعاجمنا اللغوية رغم جهودها في حصر استعمالاته، فلا يزال بعضها مخبوءاً في دواوين الشعر وكتب اللغة لم تستدركه بعد.
سموّ هذه اللغة الشريفة ناتج عن صعوبتها - صعوبة الرقيّ - انفردت عن سائر لغات العالم بتعدد الحروف التي يتعدى بها الفعل فتعطيه من المعاني ما تعددت معه الحروف، حتى لتجد نقيض المعنى عند اختلاف الحرف - انصرف إليه وانصرف عنه، ورغب فيه ورغب عنه، وأخذ بيده وأخذ على يده، ولها بالشيء ولها عنه - هذا (سبق) منفرداً معزولاً يخلتف في الدلالة عنه منظوما مسلوكاً في نَضَد مخصوص، ففي الأنبياء: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) معنى السبق: التقدير في الأزل وهو متعدٍ بحرف. وفي الأنفال: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) معناها: أُفلِتوا، وفي ياسين: (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) معناها: ابتدروا، متعدٍ بنفسه.
ثم التركيب: يوظف الكلمة في معنى تحدده القرائن المختلفة: اللفظية والحالية والمعنوية، ثم المقام وهو المرجح لمعنى دون آخر.
فلفظ (فتن) يأتي بمعنى:
١ - المعذرة: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ)
٢ - والاختبار والامتحان: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
стр. 43
٣ - والابتلاء: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (١).
٤ - والصدّ: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ... ) (٢).
٥ - والجنون: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٣).
٦ - والعذاب: (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (٤).
٧ - والإحراق بالنار: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) (٥).
٨ - والقتل: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٦) (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) (٧).
٩ - والضلال: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ) (٨) و (مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ) (٩).
١٠ - والشرك: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (١٠) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) (١١).
١١ - والكفر: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ) (١٢) و (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) (١٣).
стр. 44
فظاهرة تضافر القرائن لإيضاح المعنى الوظيفي في السياق هو ما ذهب إليه الجرجاني في نظرية النظم وهو ما سماه المحدثون (نظرية السياق) ويعود الفضل في الكشف عن هذه الدلالة لعالمين جليلين: الأول في حقل التحليل هو سيبويه، والآخر في حقل التركيب هو الجرجاني، وللكشف عن هذه الدلالة قد تكثر التأويلات حتى تكاد تنبو عنها الأفهام، وبعضها لا يكاد يظهر وجه الحق فيه إلا بتأويل ظني، فاستترت معانيه عن العلماء، وعندها لا يجوز أن نتمارى في تخصيص تأويل أو تعيينه عند تعارض الاحتمالات (لَن تَرَاني): كيفية الرؤية، تعيين حصولها، متى، وكيف، وهل النفي للتأبيد أو للتوقيت؟ وتعيين المراد بالظن والتخمين خَطِرٌ إذا انتفى الدليل والبرهان، خصوصا حين يرتبط بمعتقدات وعبادات، وُيرخص فيه لغير ذلك من مواعظ وتوجيهات.
إذاً لا بد لفهم المعنى من معرفة الدلالة ولا بد للدلالة من قرائن، وللقرائن أثرها وأهميتها في فهم الدلالة، فعلماء الأصول وقفوا على المعنى وأطلقوا عليه كلمة - حكم - كشأن المناطقة، فهو ليس عرفياً ولا اجتماعياً ولكنه عقلي صِرْف، إلا أن المناطقة نظروا في المطابقة والتضمُّن واللزوم والماجرى والماصدق والمقولة والجنس والكلية والجزئية. وعلماء الأصول وضعوا مفاهيم اقتضاها منهجهم من حيث دلالة الكلمة أو طريقة الحكم.
ودلالة الكلمة قسموها إلى الوضع والاستعمال والوضوح والقصد. واختلف الأحناف عن الشافعية في دلالة القصد. قال الأحناف: دالٌّ بالعبارة أو الإشارة أو الفحوى أو الاقتضاء. وقال الشافعية: دلالة المنطوق ودلالة المفهوم.
стр. 45
وكما يتصف الحكم عند المناطقة بالصواب والخطأ، يكون الحكم عند الأصوليين بالإباحة والوجوب والتحريم. ورغم ما وصفنا المعنى الأصولي بالعقلية لا العرفية ولا الاجتماعية، إلا أنهم في دلالة الكلمة قدموا نوعاً سلبيا هامًّا اصطلحوا على تسميته: مفهوم المخالفة، ولهذا المفهوم قيمة كبيرة عن (القيم الخلافية) التي تتكون مثها الأنظمة اللغوية وقد أشار الفراء إليها.
اتفق علماء اللغات على أن العربية أنصع اللغات وأسنعها وآصلها وأكملها لغزارة موادها واطراد اشتقاقها وسرارة جوادّها حتى قال ابن القطاع: من ذمَّ شِعرهم فجر، ومن طعن على لغتهم كفر أ. هـ وإذا كانت قريش أفصح العرب فرسولنا صلوات اللَّه عليه من قريش في الذُؤابة. عن عمر بن الخطاب قال: يا رسول اللَّه مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال ﷺ : " كانت لغة إسماعيل قد دُرِست فجاءني بها جبريل ﵇ فحفظنيها فحفظتها).
أمد اللَّه نبيه إذاً بجوامع الكلم واختار له من اللغات أعربها، ومن الألسنة أفصحها وأبينها، وقريش تفد إليها الحجيج من قبائل العرب تتحاكم إليها وهي مع فصاحتها وحسن لغتها ورقة لسانها، تتخير من كلام الوفود وأشعارها أصفاها وأبينها وأبلغها فاجتمع ما تخيروه إلى سلائقهم التي طُبعوا عليها فلا ترى في كلامهم عنعنة تميم ولا كشكشة ربيعة ولا كسكسة هوازن ولا تضجع قيس ولا عجرفية ضبَّة، أو تلتلة بهراء، فغرّد بفرائد لغتهم كل شاعر ما استطاب، وصدح بجواهر ألفاظهم كل أديب، فأتهم صِيتُها في البلاد وأنجد.
стр. 46
وإذا رأيت البصير بكلام العرب يستجيد أبياتا أو يستحسن مقالة ويصفها بالحلاوة والرشاقة والحسن والأناقة فليس ذلك إلى رقة ألفاظها بل إلى ما حوته من فضل معانيها وبراعة صياغتها. ففي طباع أصحابها من لطف الحس وصفائه، ونصاعة جوهر الفكر ونقائه أنهم لم يُؤتَوا هذه اللغة الشريفة إلا ونفوسهم قابلةٌ لها محسة لقوة الصنعة فيها ففي هذه اللغة من الغموض والدقة ما جعلهم مشغوفين بها ومُعظمين لها وفيها من الحكمة ما تشهد به العقول فهي مَعْلم من معالم سَداد عقولهم وفضيلة نفوسهم.
وإذا كان اللسان ترجمان الجنان، فإصابة اللسان في التعبير أو الرداءة في التحبير، ناشئة عن اضطراب في الفكر وفساد في الذوق وقد قيل: الإبداع في الفكر مرتبط بالإحساس بالجمال وكمال البيان. وقدرة المتلقي العقلية تُظهر المستوى الصادر عن بنيته التحتية لهذه اللغة، فمستمعٌ للقرآن يبكي، ينسلخ عن عالمه ويغيب عن حسِّه، وآخر يتركز تفكيره في الواقع اللغوي لا يكاد يخرج عنه، وثالث لا يفقه المراد من إعجازه، ورابع ... وخامس ... وكان أول مرض ألمَّ بلغتنا هو الوقوف عند ظاهر قوانين النحو ومدلول الألفاظ المفردة والانصراف عن معاني الأساليب ومغازي التراكيب إلا على استحياء مما أضعف لغتنا وهي في ريعان الشباب.
وكانت دولة الألفاظ قد استبدت بالمعاني في عصر الجرجاني فحاول تأييد المعنى وتعزيز جانبه ورفض أن تكون الكلمة أبسط عنصر لغوي ذي دلالة قال: والألفاظ لا تفيد حتى تُؤلف ضرباً من التركيب والترتيب، فلو عمدت إلى جملة وأبطلت نضدها ونظامها الذي عليه بُنيت وفيه أفرغ معناها، والذي بخصوصيته أفاد، وبنسقه المخصوص أبان المراد، لو فعلت ذلك لأخرجت المعنى من كمال البيان إلى محالِّ الهذيان.
стр. 47
فالجرجاني يربط المعنى بطرق الأداء ربطا لا يجوز بعده الحديث عن المعنى، كل على انفراد، فإذا تغيرت صورة التركيب تغير المعنى بمقدار تغير الصورة، فهي لغة تُؤخذ ولا تقاس، وإنَّمَا يُفتش عن صحة استعمالاتها ومواقعها. فإذا قيل: جلس على يميني يعني مُتمكّناً مُستعلياً، وإذا قيل عن يميني يعني منحرفاً متجافيا. وشأن النظم في الكلام كشأن الأصباغ تُحدث ضروباً من الألوان حين يدخل بعضها في بعض.
يقول (مستيه) إن الكلمات يتسع معناها ويضيق بحسب اتساع أُفقها وضيقه وُيصرُّ (اسبيرير) على فكرة المعنى المركزي والسياق ونغمة الإحساس.
أما علاقة الفعل بالحرف فتركيبة قابلة للتكيف. فالعرب حملت الحرف على فعله المتعدي به حَمْل الفرع على الأصل لأن الفعل في الجملة هو الأصل ولأنه أشيع حكما وأسير، فإذا تأملته عرفت منه ومن حرفه المتعدي به عناية العرب بالتجانس، وأنه منها على بال وهذا من قوة نظرهم ولُطف استشفافهم للغتهم وإعطائهم كل موضع من كلامهم حقه عن ميزة وعلى بصيرة. أما من حمل الحروف بعضها على بعض زاعما أنه مرادٌ لها،
فأسْتسْرفه وأتحاماه إذ كيف جاز لهم ذلك ومراتب الحروف متساوية، وليس بعضها أصلاً لبعض؟ فلا تركن إلى زعمهم إلا بعد السَبْر والتأمل، والإمعان والتصفح فإن وجدت حجة مقطوعاً بها صِرت إليها واعتمدتها، وإن تعذّر ذلك عليك جنحت إلى مذهب تعتمده، ومِئَمِ تتورده.
وسترى في الجزء الثاني من هذا الكتاب ما يتصل به ويسافر النظر فيه
стр. 48
بحسب ما أعان اللَّه عليه لتزاحم أغراضه وانتشار جهاته.
أقول: وقف المتزمتون ذات يوم عند تراكمات لم يتكيفوا معها، فباتت عربيتنا داخل ضروب من الافتراضات في مدارسنا، وازدادت الشقة بينهم وبين حاجات الجماعة يوما بعد يوم.
أما الدارسون اليوم فقد وجدوا هُوّة بين ما وضعه النحاة في الاستدلال والتعليل المستند إلى مقولات المنطق وعلم الكلام، وبين ضرورات التطور اللغوي بوصفه واقعاً حياً يتطور بتطور المجتمعات ذاتها، وهذه الهُوَّة لا تُستدرك بإهمال هذا التراث ولا بإحاطته بعِصمة موهومة، بل على الدارس أن يتعامل معه بروح علمية موضوعية قادرة على التعايش مع واقع اللغة: ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فمن رغب في الازدياد من المعرفة والفضل فليربأ بنفسه عن التقليد والنقل.
وفي الختام: لست أدعي أنّ ما عرضت له مُسَلَّم به وكل ما أرجوه هو إثارة النقاش لاستقبال مولود جديد ... فكل حقيقة إنما هي وليدة البحث، والتوردُ لها وَعْرُ المسلك، وكل ما أرجوه أن أشارك في البحث عنها عساني أصل.
стр. 49
التضمين النحوي
في القرآن الكريم
الجزء الأول
وفيه فصول
الأول: في حروف المعاني.
الثاني: صلة الحروف بالتضمين.
الثالث: صلة الفعل ومشتقاته بالتضمين.
الرابع: موضوع التضمين.
стр. 50
الفصل الأول
في حروف المعاني
وفيه مباحث:
الأول: التعريف بالحروف.
الثاني: معاني الحروف.
الثالث: مدلول الحروف من خلال السياق.
الرابع: وظيفة الحروف.
стр. 51
المبحث الأول
التعريف بالحروف
حروف المعاني تُمثل مرحلة الارتقاء اللغوي، فالطفل يبدأ بأسماء الذوات تظهر على لسانه، ثم الأفعال ثم الصفات، ثم الضمائر، وأخيرا حروف المعاني.
هذه الحروف قلَّ أن تخلو آية في كتاب اللَّه منها، وهي على قلتها وتداخل معانيها في مختلف مواقعها، وملاحظة الفروق الدقيقة التي يقتضيها
هذا الاختلاف في دلالته على معاني الآيات، ذات تأثير بالغ في الأساليب
البيانية. قام رجل عند رسول ﷺ وقال: من أطاع اللَّه ورسوله فقد اهتدى،
ومن عصاهما فقد غوى، قال له: " بئس الخطيب أنت، هلا قلت: ومن عصى اللَّه ورسوله فقد غوى؟ فلو كانت الواو لمطلق الجمع لما قيل له ذلك.
فقد تناولها العلماء لبالغ أهميتها منذ القرن الثاني، فقد أوردها سيبويه في الكتاب في باب عدة ما عليه الكَلِم، ثم جاء من بعده رجال عالجوا
стр. 52
القضية بطرق مختلفة، منهم المسهب ومنهم الموجز في ذلك ثم ظهرت كتب مقصورة على حروف المعاني.
هذه الحروف فيها المفرد - حرف الجر - والمركب (هلا ولولا)، وفيها المشترك والمختص: المشترك بين الاسم والفعل كحروف العطف، والمختص بالفعل كحروف الجزم والنصب.
ومنها مَنْ إذا دخل على الفعل يقبح دخوله على الاسم كحروف الاستفهام والهمزة وهلا.
وأما من حيث عملها، ففيها العامل وغير العامل وهي أقسام:
الأول: يعمل لفظا ومعنى كحروف الجر.
الثاني: يعمل معنى ولا يعمل لفظاً كـ هل وهمزة الاستفهام وحروف العطف.
الثالث: يعمل لفظاً ولا يعمل معنى كحروف الجر إذا كانت مزيدة.
стр. 53
الرابع: يعمل معنى ولفظاً ولا يعمل حكما: لا غُلامَ لزيدٍ.
الخامس: يعمل حكماً ولا يغيّر ولا يؤثر في لفظٍ: علمت لزيدٌ منطلق.
السادس: لا يعمل في أفي وجهٍ من الوجوه (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) وهي عندي للتعجب - فبأي رحمة من اللَّه لنت لهم! وأما من حيث تسميتها: فقد سماها المبرد: حروف إضافة، تضيف معاني الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها، ولعل سيبويه اقتبس مصطلح الإضافة من الخليل، ولكنه سماها هو ومَنْ بعده من البصريين حروف جر، وجعل منها ملازماً للجر، ومنها غير ملازم كـ خلا وعدا وحاشا، وسماها أبو علي الفارسي: حروف جر تجر ما بعدها، وعلل ذلك أن الكسرة من الياء، والياء مخرجها من وسط اللسان. وسماها الكسائي: حروف صفات، تقع صفات لما قبلها من النكرات. وعلَّل ابن يعيش تسميتها - حروف تقوية - لأنها توصل الفعل الضعيف إلى معموله، فالأفعال قبلها ضعُفت عن وُصولها إلى الأسماء بعدها. وسماها ابن سيده: عناصر ارتباط، تربط اسماً باسم، أو اسماً بفعل، أو فعلاً بفعل، أو جملة بجملة، وسماها الفراء والزجاجي: خوافض، ولا خلاف في كون المعنى المستعمل فيه الحرف جزئياً ملحوظا للغير، وإنما اختلفوا في كون هذا الجزئي هو الموضوع له أولاً، ذهب إلى الأول العضُد والسيد ومن وافقهما فقالوا: معاني الحروف جزئيات وضْعاً واستعمالا (فمن) مثلاً موضوعة لكل فرد من الابتداءات الجزئية الملحوظة للغير مستحضرة لكلي يعمها، وذهب إلى الثاني الأوائل فقالوا: هي كليات
стр. 54
وضعاً، جزثيات استعمالاً. وقال الرازي: واللفظ إما أن يكون معناه مستقلا بالمعلومية أو لا يكون كالحرف. أ. هـ فالحرف إذا معناه غير مستقل بنفسه. وأما الزجاجي فقد سمى القسم الثالث حرفا لأنه حَد ما بين هذين القسمين ورباط لهما.
وقال عبد الحكيم في حاشية المطول: ذهب الأوائل إلى أنها موضوعة للمعاني الكلية الملحوظة لغيرها. ولهذا شرط الواضع في دلالتها ذِكْر الغَير معها. فمعنى (مِنْ) مثلاً هو الابتداء، لكن من حيث أنه آلة لتعرف حال غيره، ولهذا وجب ذكر الغير، وهذا ما اختاره الشارح في تصانيفه يعني التفتازاني. أ. هـ فحروف المعاني دالة على الأعراض النسبية الإضافية، وهي المسؤولة عن الوجود الرابطي. وقد أشار ابن سيده إلى وظيفة الحروف فقال: حروف المعاني روابط تربط الأسماء بالأفعال والأسماء بالأسماء، ومع أنها أكثر في الاستعمال وأقوم دورا فهي قليلة، وسبب قلتها مع كثرة الاستعمال لها أنها إنما يُحتاج إليها لغيرها من الاسم أو الفعل أو الجملة، وليس كذلك غيرها من الأسماء والأفعال، لأنها يُحتاج إليها في أنفسهاء فصارت هذه الحروف كالآلة وغيرها كالعمل في إعداد الآلة، وهذه علة ذكرها أبو علي الفارسي وهي حسنة.
فالنحوي يبحث - في ضوء صحة التركيب وسلامته من اللحن والخطأ - عن المعنى من خلال الوظيفة النحوية في الأداة والصيغة والتركيب، فنسمي
стр. 55
بحثه (نحو الإعراب). والأصولي يبحث في دوالّ النِّسب والارتباطات أو في الكشف عن دوالّ المعنى النحوي في الأداة والصيغة والتركيب فيصح أن نطلق على بحثه (نحو الدلالة) في مقابل ما انتهى إليه البلاغيون (نحو الأسلوب) وبحثهم في علم المعاني قد وصل إلى هدف النحو الذي غفل عنه النحاة.
стр. 56
المبحث الثاني
معاني الحروف
(لَمَّا كانت مقاصد كلام العرب على اختلاف صنوفهم مبنياً أكثرها على معاني حروفه صُرفت الهممُ إلى تحصيلها، ومعرفة جملتها وتفصيلها، وهي مع قلتها وتَيسر الوقوف على جملتها قد كثُر دَوْرُها وبَعُد غَوْرها، فعزّت على الأذهان معانيها، وأبت الأذعان إلا لمن يعانيها)
المرادي.
عرَّف سيبويه الحرف فقال: وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل.
وعرفه المبرد فقال: الحرف ما جاء لمعنى في غيره. وعرفه الفارسي: والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل.
وعرفه ابن السراج: الحروف ما لا يجوز أن يُخبر عنها، ولا يجوز أن تكون خبرا. وعرفه الزجاجي: والحرف ما دل على معنى فى غيره.
стр. 57
وعرَّفه الزمخشري فقال: والحرف ما دل على معنى في غيره، ومن ثم لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه. وعرفه المرادي فقال: الحرف طرف في الكلام وفضلةٌ ليس له معنى في نفسه، ولكونه لا يدل على معنى إلا في غيره افتقر إلى ما يكون معه، ليفيد معناه فيه. وعرفه ابن الحاجب فقال: الحرف ما دل على معنى في غيره ومن ثم احتاج في جزئيته إلى اسم أو فعل.
وعرفه ابن هشام فقال: والحرف في الاصطلاح ما دل على معنى في غيره، وافتقر إلى ما يكون معه ليفيد معناه فيه، وعرفه ابن يعيش فقال: والحرف كلمة دلت على معنى في غيرها، ولكونه لا يدل على معنى إلا في غيره، افتقر إلى ما يكون معه ليفيد معناه فيه.
وجاء السيرافي فحوّل عبارة سيبويه من (جاء بمعنى ليس باسم ولا فعل) إلى: جاء لمعنى في الاسم والفعل، وقولنا: يدل على معنى في غيره نعني أن تصوّر معناه متوقف على خارج عنه. فإذا قلت: ما معنى (مِنْ)؟ فقيل لك: التبعيض، لم تفهم إلا بعد معرفتك بالجزء والكل.
وعرفه شرف الدين العمريطي فقال: والحرف لم يصلح له علامة إلا من انتفى قبوله العلامة ويأتي بعده ابن النحاس ليقول: والحق أن الحرف له معنى في نفسه كما
стр. 58
إذا خاطبنا إنسانا بـ (هل) فهو يفهم أنها موضوعة للاستفهام وكذا باقي الحروف، فإذاً عرفْنا أن له معنى في نفسه، رغم الشهرة التي عمَّت جمهور النحويين أن الحرف يدل على معنى في غيره، يقف الشيخ بهاء الدين ابن النحاس في التعليقة هذا الموقف، ويوافقه عليه شيخ نحاة الأندلس في التسهيل أ. هـ.
وأسال: أين معنى الاستعلاء في قول القائل: عليَّ بفلان، (ايتوني به)؟ ولعَمري ماذا نفهم من الباء منفردة على سَمْتِ ما حَده النحاة ومنهاجِ ما مثلوه.
ولعل الرضي الاستراباذي في شرحه على الكافية كان أدق منهم لمعنى الحرف قال: فالحرف موجد لمعناه في لفظ غيره، فهو كلمة فارغة من المضمون ثم قال: فالحرف وحده لا معنى له أصلاً إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدل على أن في ذلك الشيء فائدة، فإذا أُفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالٍّ على معنى.
فظهر بهذا أن المعنى الإفرادي للاسم والفعل هو في أنفسهما، والمعنى للحرف هو في غيره. فالباء مثلاً لا تدل على معنى الإلصاق أو الاستعانة أو التعليل أو المصاحبة أو البدل أو السبب أو الاستعلاء أو ... أو ... كما ذكر السيوطي حتى تضاف إلى الاسم الذي بعدها لا أنه يُتحَصل منها منفردةَ، وكذلك اللام لا تحمل معنى الملك أو الاختصاص أو ... حتى تكون في جملة مفيدة، ومثلها (إلى) في انتهاء الغاية أو المعية أو التبيين حتى تأخذ مكانها في مَأَمٍّ تتورده. و (على) لا تفيد معنى الشرط إلا حين يكون ما بعدها شرطاً لما قبلها (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (إِنِّي
стр. 59
أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) وذكر السرخسي أنه معنى حقيقي لها، لكن النحاة لم يتعرضوا له، وتردد السُبكي في وروده، والحق أنه استعمال صحيح. هذا رأي أغلب علماء الأصول فلا وجود للحروف وهي منعزلة، بل ولا تأخذ معناها اللغوي إلا عند دخولها كعناصر ارتباط في تركيب ما.
وهذا ما قاله (فندريس) حين ميّز بين طائفتين من الكلمات: الفارغة والمليئة. فالأولى هي (دوال النسبة) وجعل منها حروف الجر في الفرنسية.
وقال: من المستحيل ترجمة هذه الكلمات في القاموس إذ ليس لها معنى مشخّص، فهي عوامل تقويمٍ أو قيم جبرية، أو روابط كيميائية، ومن ثمّ لم تكن توجد منعزلة، والثانية كلمات مليئة هي (دوال الماهية) ويرى فندريس أن هذه الحروف أو الروابط ليست إلا بقايا كلمات قديمة أُفرغت عن معناها الحقيقي واستعملت مجرد رموز.
ولعل وظيفة فقه اللغة أن يتناول في هذا البحث إرجاع هذه الأدوات إلى أصولها لمعرفة المعنى الوظيفي الذي تؤديه من خلال التركيب، ومجمل القول في تعريف الحرف لدى علماء الأصول أنه وحده لا معنى له أصلاً وهو في ذلك نظير الحركات الإعرابية حيث هي علامات على الفاعل والمفعول والمجرور في الرفع والنصب والجر، فهي - أي الحروف - موضوعة لمعان في غير ألفاظها. فالحرف لا يدخل فيه المجاز ولا يتحمل التضمين لأن معناه غير مستقل بنفسه، ولكننا حين نضعه في سياق معين، يتفتح عن رصيده المذخور
стр. 60
وإيحائه المتجدد. والمتتبع لهذه الحروف في كتاب اللَّه بعد إنعام الفحص عن كنهها وإلطاف النظر فيها، يراها تخرج عن معناها المألوف الذي وضعه علماء اللغة والنحو لها، وإنَّمَا طريقة عرضها تكشف عن أسرارٍ استودعها اللَّه فيها.
فليس إذاً للحرف حالٌ تخصه في نفسه، وإنما تكون حاله لأمر راجع لفعله.
أين حال الباء في قوله تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).
من حالها في قوله تعالى: (نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ).
من حالها في قوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا).
من حالها في قوله تعالى: (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ).
فحال هذه الباء في كل آية راجع إلى فعلها المتعدي بها، وليست لحالِ تخصها في نفسها. وأظهرُ من ذهب إلى أن الحرف علامةٌ لا معنى له: التبريزي حيث يقول: إن الحرف لا معنى له أصلاً لا آلياً ولا استقلالياً وإن إطلاق المعنى في الحرف والدلالة تسمح من باب الاضطرار في مجال التعبير، إذ ليس للحرف معنى حتى يقال: إنه مستعملٌ فيه أو يدل عليه فلفظة (مِنْ) في قولك: جئت مِن دمشق إلى المدينة المنورة، علامة على أن بداية المجيء هي من دمشق، ولفظة (إلى) علامة على كون المدينة منتهاه.
وكذلك سائر حروف المعاني آلات للحدث لا كواشف عنه، نظير كشف الأسماء عن معانيها، ومن هذا القبيل وضع الإعراب الرفع والنصب والجر علامات لأحوال مدخولها.
стр. 61
ونخلص بعد هذا التطواف إلى أن لكلٍ من الاسم والفعل والحرف معنى إفرادياً إلا أن المعنى للاسم والفعل في أنفسهما، أما الحرف فإن معناه الإفرادي لا يظهر إلا من خلال تركيبه في جملةٍ، ويستمده من العلاقات التي يوحيها السياق.
والتعبير عن العلاقات معنى وظيفي لا معجمي، فلا بيئة للحروف خارج أسيقتها، والمعنى الذي يتكون في الذهن لدى سماعنا جملةً من الجمل، لا يمكن أن يتكون لولا أدوات الربط (الحروف وغيرها من دوالّ النسب) فلو قلت: حزنت، فما المعنى المراد؟ أحزنت منه أم له أم عليه أم ماذا؟. في قوله تعالى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) لقد جمع في لفظة واحدة أمرين متدافعين وتقديرين ضدين.
المعاني مسجونة في مواضعها والأذهان معزولة عن الانتفاع منها، لا نعرف إساءة من إحسان، فهل الرغبة (في) نكاح اليتيمة إن كانت جميلة يتزوجها ويأكل مالها، أو الرغبة (عن) نكاحها إن كانت دميمة يعضلها عن الزواج حتى تموت فيرثها؟.
أخفى القرآن المعنى لغرض المصلحة، مصلحة اليتيمة. رُوي عن عمر ﵁ كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر ... فإذا كانت جميلة غنية قال: التمس لها مَنْ هو خير منك، وإن كان غير ذلك أمره أن يتزوجها. رضي اللَّه عنك يا عمر ... إنه ميلاد مجتمع جديد. طمس معالم الجاهلية في النفوس وأنشأ تصوراً جديداً، فتم هذا الميلاد، وتغيرت ملامح الحياة كلها وانتقلت موجته من المجتمع الوليد إلى المجتمع الرشيد.
هذه الحروف تُسمى حروف الإضافة، وتسمى حروف الجر كما قلت،
стр. 62
وقد يسميها الكوفيون حروف الصفات لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات وهي متساوية في إيصال الأفعال إلى ما بعدها في عمل الخفض، وإن اختلفت معانيها في أنفسها ولذلك قيل: هي فوضى في ذلك، هذه الحروف لا يدخل فيها المجاز لأن مفهومها غير مستقل بنفسها، بل لا بد أن ينضم إليها شيء آخر لتحصل الفائدة.
ومن الأفعال أفعال ضعُفتْ عن تجاوز الفاعل إلى المفعول، فاحتاجت إلى أشياء تستعين بها على تناوله والوصول إليه وذلك نحو: عجبت ومررت وذهبت ... فلما ضعفت عن الوصول رُفدت بحروف الإضافة فجُعلت موصلة لها إليها فقالوا: عجبت من زيد ومررت بعمرو وذهبت إلى هشام.
فإذا قلت: هذه الحروف إنما أُتي بها لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء فما بالهم يقولون: زيد في الدار والمال لخالد، فجيء بهذه الحروف ولا فعل قبلها؟ فالجواب: أنه ليس في الكلام حرف جر إلا وهو متعلق بفعل أو ما هو بمعنى الفعل في اللفظ أو التقدير: المال حاصل لزيد، وزيد مستقر في الدار، فثبت بما ذكرناه أن هذه الحروف إنما جيء بها مقوية وموصلة لما قبلها من الفعل أو ما هو في معنى الفعل إلى ما بعدها من الأسماء.
واعلم أن حرف الجر إذا دخل على الاسم المجرور فيكون موضعهما نصباً بالفعل المتقدم يدل على ذلك أمران: أحدهما: أن عَبرة الفعل المتعدي بحرف الجر، عَبرة ما يتعدى بنفسه إذا كان في معناه: مررت بزيد كمعنى جزت زيداً، وانصرفت عن خالد كمعنى جاوزت خالداً. فكما أن ما بعد الأفعال المتعدية بانفسها منصوب، فكذلك ما
стр. 63
كان في معناها مما يتعدى بحرف الجر، لأن الاقتضاء واحد، ولأن الأفعال ضعفت في الاستعمال فاحتاجت إلى مقوٍّ.
والآخر: من جهة اللفظ فإنك قد تنصب ما عطفته على الجار والمجرور، نحو قولك: مررت بزيد وعمروا، وإن شئت وعَمرو ... بالخفض على اللفظ والنصب على المحل. وكذلك مررت بزيد الظريفَ بالنصب والخفض. قال سيبويه: إنك إذا قلت مررت بزيدٍ فإنك قلت: مررت زيدا.
وجملة الأمر: أن حرف الجر يتنزل منزلة جزء من الاسم في موضع نصبٍ وبمنزلة جزء من الفعل من حيث تعدى به فصار حرف الجر بمنزلة الهمزة والتضعيف: أذهبت زيداً وفرَّحته.
стр. 64
المبحث الثالث
مدلول الحروف
من خلال السياق
(يفهم مدلول الأداة من واقع الاستعمال) (وإذا كان للسباق دوره الخطير في تحديد مدلول الأداة ومعناها الوظيفي فهو - أي السياق - ينهض بنفسبر تعدد المعنى الوظيفي لكبر من الأدوات النحوية)
سبيرير.
جعل النحاة لكل أداة من أدوات المعاني معنى مخصوصاً لا يفارقها، فـ إلى: لانتهاء الغاية، وفي: للظرفية، وعلى: للاستعلاء ... الخ.
وهل تخرج الأداة عن معناها الذي وضع لها أو وضعت له؟ لا يتضح ذلك إلا من خلال السياق اللغوي ووضعها في تركيب معين يتحدد على ضوئه المعنى المقصود لها، مع ملاحظة القرائن والضوابط والمقام.
فالمقام يكون مرجحاً لمعنى دون آخر، وذلك إيضاحا لظاهرة هامة جداً هي: ظاهرة تضافر القرائن لإيضاح المعنى الوظيفي في السياق. ففهم اللفظ معزولاً عن سياقه ضرب من العبث، إذ لا بد من سياق يُبرز دلالته.
فهذه اللام في قوله سبحانه:
стр. 65
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ). نلاحظ أن ما تؤديه اللام
بهذا السياق، له مبلغ الخطر في الكشف عن المعنى المطلوب، فهي ليست بمعنى (في) ولا الغاية، ولا التعليل، ولا ... وإنَّمَا أوحى السياق بما يتعدى بها وتستريح إليه، إنه فعل (نصب) المتعدي باللام ووضعُ الموازين يوم القيامة إنما هو تمهيد لنصبها.
وهذه (مِنْ) في قوله سبحانه: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا). تضمن قضى معنى طابت نفسه أو بلغ حاجته.
وهذه الباء في قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ) تضمن القضاء معنى الحكم.
و (على) في قوله سبحانه: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ). جعلته تضمن قضى معنى: أجهز عليه.
ومثلها في قوله: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ).
و (إلى) في قوله سبحانه: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ).
نضمن معنى أتم.
و (في) في قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) تضمن قضى معنى فصل.
ومن خصائص العربية في أفعالها، وما تميز بها بعضها أنه يتعدى بحرف مخصوص لا يتحول عنه إلى سواه فتقول في سمع: استمعت له أو إليه لا
стр. 66
شيء سواه، فإذا أدخلت عليه الباء تلكأ واعتذر إلا بإحراج وخجل، وتحت الخوف والوجَل من أن يُفسَّر الكلام على غير مجاريه، وسنَنِ تعبيره، فتزل به الفُهوم، وتتعثّر في شرحه الأقلام. ففي التنزيل العزيز: (بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ). ذهب بعضهم إلى تضمين الباء معنى اللام، وجعلها بعضهم سببية، وآخرون ذهبوا إلى تقدير محذوف (إليك) وأن الاستماع كان من باب الهزء والسخرية.
ويزول الإحراج ويبرد الخجل حين يتقمص السمع شخصية الاهتمام ويتضمن معنى العناية (عني واهتم). ساقتْنا الباء إلى هذا المعنى، فمستمع القرآن من كفار قريش عَنِ بسمو بيانه ومبلغ إعجازه ولكنه يُجاهد فطرته ألا تتأثر وقلبه ألا يرق، واللَّه أعلم كم يشغَل القرآن عليهم اهتمامهم فيُلقون إليه أسماعهم، ولكن غلبتْ عليهم شقوتهم حِرصاً على زعامتهم. فأين الهُزء وأين السخرية؟! لقد فتحت لنا الباء مع فعل السمع بصائر.
وإذا كان هذا هو السر في اختصاص الحروف بأفعالها ومصادرها ومشتقاتها، فالعربي في عصوره الأولى إذا تجاوز في استعماله هذه الروابط فسبب عدوله من حرف إلى حرف هو السياق إذاً، وهو الذي وضع الفعل في معنى معين وخصصه به وعداه بحرف يناسبه ويطلبه ويُزيل الغرابة عنه، فإبدال حرف مكان حرف أو قيام حرف مقام حرف، أو تضمين الحروف كثير الإيهام ولا حقيقة تحته، بل لكل حرف معناه، وما اختير في سياقه إلا لغرض يُؤديه، أما أنه استُعمل في وقت من الزمان بمعنى بديله ثم انصرف عنه فيما بعد،
стр. 67
فخطأٌ لا يثبت عند أهل النظر وسأقف عند بعض الحروف مستعرضاً بعض أسيقتها لتمام الفائدة:
إن المُلك والتمليك ليسا مستفادين من اللام بقدر ما هما مستفادان من الفعل المصاحب لهما: (وهبتُ لزيدِ ديناراً) بدليل لو أنك أسقطتها - وهبت زيداً - لفهمت معنى التمليك من الفعل وهب، وكذلك في قول اللَّه : (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). فالتمليك مستفاد من المصدر المصاحب لهذه اللام. وكذلك الاختصاص في قولنا: (الحمد لله) ليس هو في اللام بقدر ما هو في الحمد الذي اختص اللَّه به ولا يجوز لسواه من خلقه.
ومعنى الاستحقاق في قول الله: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ). وقوله سبحانه: (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ) مستفاد من سياق الإسناد الخبري.
ومن المعاني التي يرشد إليها السياق ولم يذكرها المفسرون لهذه اللام (التسخير) في قوله : (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ) فالريح مسخرة لسيدنا سليمان وليس للتمليك كما قال المفسرون.
ودليل آخر: لو أن مدير شركة ما أصدر أمراً بوضع إحدى سيارات الشركة تحت تصرف المحاسب نقول: هذه السيارة للمحاسب. فهل اللام للتمليك؟ لا، بل هي للتسخير، والمعنى مستفاد من السياق. ووجود النظير عند فقدان الدليل كافٍ لصحة ما أثبتناه. فإن ضامّ الدليلُ النظيرَ - ودليلنا (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) - فلا مذهب لأحد عن ذلك.
стр. 68
ولام الولاية: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ).
ولام التمهيد والتيسير والتذليل: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ). (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا). (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ).
(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (وًذلَفنَهَالَهُنم فَمِتهَا كوبُهُم).
ولام التمكين: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ). وعن ذي القرنين: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ). (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا). (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) ... الخ، ولم يذكر هذا المعنى المرادي في جناه رغم أنه ذكر لمعانيها ثلاثين معنى.
وكل هذه المعاني إنما يوحي بها السياق ففي قول اللَّه تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ). قال الفقهاء: اللام للتمليك. ولعلها تكون للاستحقاق في بعض الأنصباء وفي ظروف خاصة. والفرق بينهما يُسفر ويَضح مع الاستقراء له والفحص عن كنهه بدليله أو نظيره. لنقف عند أحد الأنصباء: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) يوم كان المجاهد: سلاحه سيف وترس وجعبة من سهام كان يملكها فاللام للتمليك، واليوم نشتري للأفغاني أو الشيشاني أو الفلبيني المصفحة والمدرعة، فهل صار ذلك ملكا له وفي حيازته بلام التمليك، أو أنها لام الاستحقاق لأنه يستحق أن يستخدمها ما دام الجهاد قائما؟ فاللام
стр. 69
مؤذنة باستحقاق كل مَن نَفَر في سبيل هذا الجهاد المبارك أن يمارس حقه في استخدامها حسب توجيه قيادته.
وحين قال بعض النحاة: اللام بمعنى (على) في قوله تعالى: (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) وقوله: (دَعَانَا لِجَنبِهِ). وقول النبي ﷺ لعائشة؛ " اشترطي لهم الولاء ".
قال ابن النحاس: ولا نعرف في العربية (لهم) بمعنى (عليهم). أي اللام بمعنى على.
قال ابن تيمية في مقدمة التفسير: وغلط من جعل بعض الحروف يقوم مقام بعض. هذه الحروف حين تسلطت على أفعال لا تتعدى بها، يمضي الحرف ليأخذ بيدك يُضيء لك ما خفي وراءه من اللطائف والأسرار، مما يحتاج معه إلى تأتٍّ وتأنٍّ وفضل بيان، لتفهم عنه كل موضع، عن مِيزة وعلى بصيرة، ليس استرسالاً ولا ترجيماً. فما جاءت هذه الحروف دخيلة على الفعل بل لتكسب المعنى نبلاً وتظهر فيه مزيةَ. أ. هـ.
فمذهب ابن تيمية هذا الذي ذكرته هو العمل عليه والوصية به إلى أن يرد ما يستنزلني عنه.
ولام التاريخ كما يسميها بعض النحاة في قول الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ). بكسر اللام قراءة الجحدري وهي شاذة. وقال المرادي وغيره: اللام بمعنى عند. وفي قول اللَّه : (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) اللام ليست للتخصيص كما قال الزركشي. ولكنها في رأي
стр. 70
الأحناف للتمليك، والتمليك مستفاد من سياق الآية من فعل وهب، والواهب مالك لهبته فهو يتصرف بها كما شاء، وقد استشهد أبو حنيفة على جواز عقد النكاح للفتاة البالغة الراشدة بلفظ الهبة في هذه الآية، بأن رسول اللَّه صلى عليه وسلم وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل، ولا دليل هنا على الخصوصية. وقال الشافعي وغيره: لا يصح العقد للفتاة إلا بولي لأن عقد الهبة
هنا مخصوص برسول اللَّه ﷺ من دون أمته، لأن اللفظ تابع للمعنى، والمدعي للاشتراك في اللفظ يعني أبا حنيفة يحتاج إلى دليل.
وفي قول اللَّه : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا). قال الزمخشري والقرطبي وأبو حيان والآلوسي: اللام بمعنى إلى. وضمن مجاهد أوحى معنى أمر وضمنها السدي معنى قال فاللام على أصلها.
وأقول: التضمين في الحرف لا حفل به ولا شأن له، ولعل تضمين أوحى معنى أذن أو سمح أولى في هذا السياق من سواه لأن تحديث الأرض بعد الزلزلة عما فعله العباد على ظهرها من مؤمن وكافر، إنما كان بعد أن أذن اللَّه لها بذلك التحديث وسمح. وتبقى العلاقة قائمة بين المضمن والمضمن فيه من حيث الإذن، والسماح صورة من صور الوحي.
وإذا سمى النحاة لام التاريخ أو الوقت، ولام المآل والصيرورة والعاقبة (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا). ولام
стр. 71
السبب، والتعجب، والجزاء، ولام الولاية. فإنما أوحت بهذه المعاني الأفعال التي دخلت عليها.
قال الخليل: لام المدح في قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) ولام الذم في قوله تعالى: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣).
أقول وباللَّه التوفيق: الوقوف على الحرف والتقيد به دون الالتفات إلى السياق والنظرة الشمولية إليه، يُحدث فجوة ولو نسبية بين الجزء والكل، فالمدح والذم في الآيتين مستفاد من نعم وبئس لا من اللام. كذلك اللام التي في موضع إلى في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) ارجع إلى فعل سقى من كتابنا هذا في الجزء الثاني. ومثله قوله تعالى: (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) ارجع إلى فعل نادى في الجزء الثاني. ومثله قوله: (هَدَانَا لِهَذَا).
وحروف المعاني في نُبل قَدرها، ونباوة محلها تكون باعثاً لك على استحضار الخاطر، فإذا طالعك أحدها وتأبى عليك معناه، أو اعتاص فهمه، فسياقه والقرائن التي تَعيج به تُصحِب لك أبيَّه فتُشارف معناه، ويتلوح لك بعضُ قُصوده.
стр. 72
أما القول بتعاورها فيُذهب استطابتها ويفسد الإمتاع بها والاستملاح لها.
فالمعنى في اللفظ كالروح في الجسد، يتفرس فيه النطاسيُّ الحقيقةَ بطبعه وحسه، كما يتفرس اللبيبُ صفات الأرواح في الأجساد ينحيزة نفسه.
حرف (لا) والذي يمتد معه الصوت، يؤذن بامتداد المعنى بخلاف (لن) الذي ينقطع معه الصوت ويُؤذِن بانقطاع معناه: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا).
لليهود حين قيل لهم (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) فدعواهم قاصرة مترددة بزعمهم أنهم أولياء الله. (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا). لليهود بما قدمته أيديهم فدعواهم قاطعة بأن الجنة لهم بصفة الخلوص. فتأمل ذلك فإنه معنى لطيف وغرض شريف يستعمل (لا) عند التردد و (لن) عند القطع.
وشاهد آخر تبطل فيه حجة المعتزلة بالرؤية في قوله تعالى: (لَن تَرَاني) ولم يقل لا تراني، كالذي جاء في قوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) منفيا بـ (لا) ولم يقل: لن تدركه الأبصار، والفرق واضح بين الرؤية والإدراك، والحديث صحيح جاء في البخاري: " إنكم ترون ربكم يوم القيامة ".
وكل ما مر من هذه اللطائف في دلالة الحرف إنما يتحكم فيه المقام ويوجهه السياق ولا يخضع لتعليل ولا يلتزم بقاعدة.
стр. 73
المبحث الرابع
وظيفة الحروف
وقف علماء النحو في حدهم لحروف المعاني على وظيفتها في الجملة فقالوا: لفظ يدل على معنى في غيره، يربط بين أطراف الجملة، ولم يقفوا عند ماهيته وحقيقة ذاته.
وكان على الحاد أن يُفرق بين الماهية والوظيفية، وأن تكون ألفاظه بعيدة عن العموميات وعن المجاز والمشترك والوحشي. ورحم اللَّه الرازي حين قال: وأحكام اللغات لا تنتهي إلى القطع من الاحتمالات البعيدة. وقال التبريزي: ليس للحرف معنى حتى يقال: إنه مستعمل فيه أو يدل عليه.
والحرف عند علماء الأصول لا معنى له أصلا فهو نظير الحركات الإعرابية: موضوع لمعنى في كير لفظه.
فالحروف أدوات لتوصيل أفعال قاصرة وضعيفة، ولإحداث علاقات، والتعبير عن العلاقات معنى وظيفي لا معجمي، واختصار لعبارات كثيرة.
وهذه عبارة قالها عبد اللَّه بن جفعر لعاصم: هل لكَ بِنا فيه؟ فلا ينجيه منا ما فعل. ولو سألنا القائل بالتناوب عن تفسيره حروف ابن جعفر لانكفأ مبهوتا لا يقطع فيها بيقين.
стр. 74
امتيازات الحروف:
١ - هي أدوات ربط:
ربط ضمير بضمير (أينِ أنت منه؟) و (فكيف أنت له؟).
ربط اسم باسم (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ).
ربط فعل باسم (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ).
ربط فعل بفعل (مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ).
ربط جملة بجملة (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا).
٢ - وهي كثيرة الدوران في الكلام مع افتقارها إلى الضمائم لبيان معناها فلا تفيد إلا مع مجرورها كما أشار سيبويه: الحرف ما دل على معنى في غيره ومن ثَم لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه. يتعدد مدلولها الوظيفي ولا يتغير مبناها. فيها معنى ثابت أصيل كما قال سيبويه، فالباء: إنما هي للإلصاق والاختلاط ثم قال: فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله. وقال الزمخشري: اللام للاختصاص، وهذا أصل معانيها. إذاً لمعاني الحروف ثوابت ومتغيرات. وظاهرة تعدد المعنى الوظيفي للأداة يعكس تشابك العلاقات
ولا يفهم مدلول الأداة إلا من واقع استعمالها فلا بيئة لها خارج أسيقتها، ولا تحمل معناها حتى تأخذ مكانها في مأمّ تتورده، وفي طريقنا العسوف نسوق هذا المثل: قال الأعشى الكبير:
стр. 75
فأرادها كيف الدخول ... وكيف ما يؤتى لها إن الفتاة صغيرة ... عِزٌّ فلا يُسدى بها نقف مع اللام - يؤتى لها - والباء يسدى بها - مبهوتين لهذا الاستعمال الذي خرج فيه الشاعر على المألوف الدلالي للحرف أو الرمز العرفي الذي قال عنه أهل اللغة: اللام للتعليل أو التبليغ. والباء للإلصاق أو التبعيض وعلى للاستعلاء ومن لابتداء الغاية وإلى لانتهائها ... الخ.
نحن محكومون إذاً أن نلتمس معناها من خلال السياق في النظم الذي وردت فيه. ثم نعود إلى كتاب اللَّه فنقول: اللام مثلاً لما تعددت معانيها: لام الملك والاختصاص والاستحقاق والتسخير والولاية والتمهيد والتذليل والتمكين والتصريف والتاريخ والمدح والذم كما مر بنا. أليست هذه المعاني مستوحاة من السياق؟ لم اختلفوا في معناها والسياق واحد لم يتغير؟ قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ). قال ابن الحاجب اللام معناها عن. وقال ابن مالك في شرح التسهيل: اللام للتعليل. ونقل البحر عن قتادة: إنها لام التبليغ، ونقل الجمل عن أبي السعود: إن اللام بمعنى (في) كما في قوله: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا)، وقال الآلوسي: لأجلهم وفي شأنهم فاللام للتعليل وقيل هي لام المشافهة.
أليس هذا من اختلاف الفهوم في توجيه المعنى ما دام السياق واحداً، جاء في بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية: إن دلالات الفعل قد تكون متعددة والحروف تبع لهذه الدلالات يُؤتى بها لتناسب هذه المعاني. وُيعقب على قوله
следующие страницы →