← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95526

التضمين النحوي في القرآن الكريم

محمد نديم فاضل

Полный текст (668 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢ - (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) (١٠٣) وفي (أسلم) وجهان: ١ - متعد: والمفعول محذوف. ٢ - لازم: تضمن معنى خضع. ٣ - (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) ٤ - (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ٥ - (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) ٦ - (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) ٧ - (دَعَانَا لِجَنْبِهِ) ٨ - (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)

стр. 142

اللام بمعنى في (الظرفية): ١ - (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) ٢ - (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) ٣ - (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) ٤ - (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) ٥ - (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) ٦ - (إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) ومثلها: (جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) ٧ - (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)

стр. 143

اللام بمعنى عن (للمجاوزة): ١ - (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) ٢ - (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ) ٣ - (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا) اللام بمعنى الباء (للتبعيض): (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) مِن بمعنى اللام (للتعليل): ١ - (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) ٢ - (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) ٣ - (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)

стр. 144

٤ - (لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) ٥ - (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) ٦ - (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) مِن بمعنى على (للاستعلاء) ١ - (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ) ٢ - (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) مِن بمعنى الباء (السببية): ١ - (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) ٢ - (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)

стр. 145

٣ - (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ٤ - (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) ٥ - (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ) ٦ - (تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) ٧ - (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) (٥٠) ٨ - (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا) (١٤) مِن بمعنى في: ١ - (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) ٢ - (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)

стр. 146

٣ - (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ٤ - (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ) ٥ - (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) ٦ - (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ٧ - (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) ٨ - (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) ٩ - (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) ١٠ - (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) مِن بمعنى عن (للمجاوزة): ١ - (قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) ٢ - (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) ٣ - (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) ٤ - (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) ٥ - (فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ) ٦ - (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)

стр. 147

في بمعنى مع (للمصاحبة): ١ - (ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ) مثلها (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) (٢٩) ٢ - (فِي تِسْعِ آيَاتٍ) ٣ - (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) ٤ - (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) ٥ - (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ) ٦ - (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا (١٦) ٧ - (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (١٩) ٨ - (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) (٩) في بمعنى على (للاستعلاء): ١ - (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)

стр. 148

٢ - (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) ٣ - (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ٤ - (يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) ٥ - (عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا) ٦ - (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) في بمعنى مِن (للغاية): ١ - (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) ٢ - (فِي تِسْعِ آيَاتٍ) ْ٣ - (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ٤ - (يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

стр. 149

في بمعنى الباء (السببية): ١ - (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ) ٢ - (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) ٣ - (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) ٤ - (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) ٥ - (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ) ٦ - (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (٢١) ٧ - (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ٨ - (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) ٩ - (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) ١٠ - (وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ) ١١ - (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) (٩) ١٢ - (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)

стр. 150

في معنى عن: ١ - (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى) ٢ - (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا) في بمعنى اللام (للتعليل): ١ - (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) ٢ - (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ) ٣ - (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ) ٤ - (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) ٥ - (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) في بمعنى إلى: ١ - (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)

стр. 151

٢ - (فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) ٣ - (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) ٤ - (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) إلى بمعنى مع ١ - (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) ٢ - (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) ٣ - (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)

стр. 152

٤ - (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) ٥ - (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) إلى بمعنى في (الظرفية): ١ - (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ٢ - (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) (١٨) ٣ - (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) ٤ - (وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (١٢) إلى بمعنى اللام: ١ - (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) ٢ - (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٢٥) ٣ - (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ)

стр. 153

٤ - (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) ٥ - (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) ٦ - (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) إلى بمعنى الباء: ١ - (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) ٢ - (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) إلى بمعنى على: ١ - (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ).

стр. 154

المبحث الثاني التضمين وزيادة الحروف وحذفها (والمختار: أن ما أمكن تخريجه على غير الزيادة، لا يحكم عليه بالزيادة وتخريج كثير من هذه الشواهد ممكن على النضمين). المرادي. (وإذا زاد حرف الجر فيما هو غني عنه فذلك لأسباب ... أن يحدث بزيادة الحرف معنى لم يكن في الكلام ... وهذا النوع كثير يراه من منحه اللَّه طرفا من النظر، ولم يمر عليه معرضا عنه). ابن السيد البطليوسي. (وحذف الحروف ليس بالقياس، وذلك أنها دخلت الكلام لضرب من الاختصار، فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصرا لها، واختصار المختصر إجحاف به). أبو علي الفارسي.

стр. 155

وحروف الجر تنقسم من طريق الزيادة ثلاثة أقسام قسم لا خلاف بين النحويين في أنه غير زائد. وقسم لا خلاف بين النحويين في أنه زائد وإن كان في ذلك خلاف عند أهل البيان. وقسم ثالث فيه خلاف. وإنما خصصنا الياء بالذكر لأن ابن قتيبة لم يذكر غيرها، فالباء التي لا يجوز أن يقال فيها إنها زائدة تسعة أنواع: * منها الباء التي لا يصل الفعل إلى معموله إلا بها كقولك: مررت بزيد وتسمى باء الإلصاق وباء التعدية. * ومنها الباء التي تدخل على الاسم المتوسط بين العامل ومعموله كقولك ضربت بالسوط زيدا. وكتبت بالقلم الكتاب، وشربت بالماء الدواء، وتُسمى باء الاستعانة، والفرق بينها وبين الأولى: أن الفعل في الأولى متعد إلى الاسم الذي باشرته بالباء من غير توسط بينهما، وفي الثانية يتوسط شيء آخر، وقد يقتصرون على أحد الاسمين، فيقولون: ضربت بالسوط، وكتبت بالقلم، ولا يذكرون المكتوب والمضروب، وقد يقولون: ضربت زيدا، ولا يذكرون اسم المتوسط الذي بواسطته باشر العمل معموله. * ومنها الباء التي تنوب مناب واو الحال، كقولهم جاء زيد بثيابه أي وعليه ثيابه. * ومنها الباء التي تأتي بعد السؤال: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا). فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب

стр. 156

* ومنها الباء التي تأتي بعد البدل والعوض، كقولهم: هذا بذاك. * ومنها الباء التي تأتي بمعنى القسم. * ومنها الباء التي تقع في التشبيه - لقيت به الأسد - ورأيت به القمر. * ومنها الباء التي تقع بعد ما ظاهره غير الذات وإنما المراد الذات ....................... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم ....................... يشرب كأسا بكفِّ مَن بخلا * ومنها باء السبب: غلب تشدر بالدخول كأنها ... فجميع هذه الباءات لا تجوز زيادتها. أما الزائدة التي لا خلاف في زيادتها فكل باء دخلت على الفاعل في نحو: (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وما دخل منها على المبتدأ: بحسبك في القوم أن يعملوا ... ، وإذا لزم أن تكون زائدة لأن الفاعل لا يحتاج إلى واسطة بينه وبين فعله لشدة اتصاله والمبتدأ سبيله أن يكون مُعرّى من العوامل اللفظية. وأما الباء التي فيها خلاف فكل باء دخلت على معمول وعامله يمكن أن يتعدى إليه بنفسه من غير وساطة حرف بينهما. من ذلك قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ). وقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). قال ابن يعيش: وتزاد الباء مع المفعول والذي يدل على زيادتها (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) لقوله تعالى: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ).

стр. 157

وقال ابن جني: فالباء زائدة. وهكذا صار إلى ما صرفنا عنه وسوَّاً إلينا التمسك به. وقال المرادي: لا تلقوا مضمن: تفضوا، وقيل: حذف المفعول والباء السببية أي لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم كما تقول: لا تفسد حالك برأيك قاله المبرد. وقال البغوي: قيل الباء زائدة يريد ولا تلقوا أيديكم أي أنفسكم أي بما كسبتم إلى التهلكة، وقيل: الباء في موضعها وفيه حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة. (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وتزداد الباء في المفعول، ذكر ذلك ابن يعيش نقلا عن سيبويه وكذلك السيوطي والزركشي وذكر ابن جني: (بأيديكم) الباء زائدة وأنشد أبو زيد في النوادر: بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني معز فزاد الباء في المبتدأ. أ. هـ وذكر البيضاوي: أن الباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس وقيل: لا تجعلوها (أي التهلكة). آخذة بأيديكم، ولا تلقوا بأيديكم إليها فحذف المفعول، وعدي الإلقاء بـ (إلى) لتضمنه معنى الإنهاء. أ. هـ. أقول: التضمين جرى في الفعل: (ألقى) بمعنى (رمى) وهما أخوان، الآية تريد أن تجعل الرمي في المهالك مسببا عما كسبته أيدي الناس المفرطين

стр. 158

في الشح عن الإنفاق في الغزو وتجهيز الغزاة فالباء على أصلها سببية. إذ ليس المراد النهي عن إلقاء اليد في المهالك، لأن أحدا من العقلاء لا يرمي نفسه، بل المراد تجنب الأسباب المفضية إلى المهالك، أي تنتهي أعمارهم إلى هذه النهاية الأسيفة بسبب ما جنته أيديهم من الشح والإمساك، والقرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي هي حرف الجر (الباء) لأن الفعل ألقى لا يتعدى بالباء، فالباء ليست زائدة وفعل ألقى تضمن معنى رمى والمتعدي بالباء والمفعول محذوف تقديره أنفسكم ولا ترموا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة. وما دام الشح والإمساك مُفضياً إلى المهالك فالنهي عن الأخذ بالأسباب نهي عن السبب وهو خير عاصم. ومن ذلك قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ). قال ابن يعيش: وتزاد الباء مع المفعول، في قول المحققين من أصحابنا وتأويله: تُنبت ما تُنبته والدهن فيه فهو كقولك: خرج بثيابه ونحوه فيكون الدهن مفعولا والباء زائدة. وقال الزمخشري: تنبت وفيها الدهن، وقرئ: تنبت، وفيه وجهان: أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت وأنشد لزهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني: أن مفعوله محذوف أي تنبت زيتونها وفيه الدهن (الزيت)، وقرئ: تُنبت بضم التاء وحكمه حكم تَنبت وقرأ ابن مسعود: تُخرج الدهن وغيره تَخرج بالدهن، وفي حرف أُبي تثمر بالدهن، وعند بعضهم تنبت

стр. 159

بالدهان، وقال الجمل هي باء الإقحام. وقال الآلوسي: الباء للملابسة والمصاحبة مثلها في ذلك جاء بثياب، وهي متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير الشجرة أي تنبت ملتبسة بالدهن وهو عصارة كل ما فيه دسم، والمراد به هنا الزيت وملابستها به باعتبار ملابسة ثمرها، فإنه الملابس له في الحقيقة. وجوز أن تكون الباء متعلقة بالفعل معدية له كما في قولك: ذهبت بزيد، كأنه قيل: تُنبت الدهن بمعنى تتضمنه وتُحصله، ولا يخفى أن هذا وإن صح إلا أن إنبات الدهن غير معروف في الاستعمال. وقيل الباء زائدة كما في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ونسبة الإنبات إلى الشجرة بل وإلى الدهن مجازية. قال الخفاجي: ويحتمل تعدية أنبت بالباء لمفعول ثان. أقول: تنبت تضمن معنى تنضح والمتعدي بالباء فهي ترشح بالزيت على هَيْنة وفي بطء كما تُرشح الأم ولدها باللبن أما زيادة الحروف فولها ظهرك ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ). قال الزمخشري: وقد تقع اللام مزيدة قَال تعالى: (رَدِفَ لَكُمْ). وجاء في اللسان: يجوز أن يكون أراد: ردفكم فزاد اللام ويجوز أن يكون ردف مما تعدى بحرف جر وبغير حرف جر. التهذيب قال: قرب لكم. وقال الفراء: دنا لكم وقد تكون اللام داخلة والمعنى ردفكم. وردفت

стр. 160

فلانا وردفت لفلان: صرت له رِدْفاً. الجوهري: يقال نزل بهم أمر فردف لهم آخر أعظم منه. وقال الزمخشري: فزيدت اللام للتأكيد كالباء في (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم، وأزف لكم، ومعناها تبعكم، ولحقكم. وقال الجمل: وفي هذه اللام أوجه: أظهرها: أن رَدِف ضُمِّن معنى فعل يتعدى باللام أي دنا وقرب. أقول: إن سياق الآية يشير إلى قرب العذاب لهم لاستهزائهم، ودنوه منهم لتغطرسهم، فتضمين ردف معنى دنا وأزف يثير في القلوب الخوف والقلق من شبح العذاب فهو وراءهم ورديف لهم كما يكون الرديف للراكب، ولولا هذه اللام لما ارتفع الفعل في الإعجاز وعن طريق التضمين إلى مشارفة النظم البديع للمعنى المسبل وراء سِتار الغيب يتلوحه العاقل على قيد خطوات ليتهيأ له ويستعد في كل لحظة، وأما عسى ففي وعيد اللَّه تدل على صدق الأمر وجِدِّه ولا مجال للشك بعده. ومن ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى). قال ابن يعيش: الباء زائدة: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ). أقول: يعلمِ هنا بمعنى يوقن ويصدق ويؤمن، وهذا يتعدى بالباء، قال تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أما سقوط الباء في قوله تعالى: (وَيَعْلَمُونَ

стр. 161

أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) فقياسي إذ يسقط حرف الجر مع المصدر المؤول ولا ريب أن زيادة الحروف تُحدث في العبارة معنى جديدا كما قال ابن السيد: فإمعان النظر عن كنه معانيها يبلغنا تعدد وجوه إفادتها، وإلطاف النظر فيها يكشف عن ما استودعه اللَّه من أسرارها، وطريقة عرضها حين تختلف من تركيب لآخر، يُظهر سر إعجازها ففي قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) يدعي الكوفيون زيادتها ولا يُثبته البصريون لأنه عندهم على حذف الجواب: إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال ... طابت نفوسهم بصدقِ وَعد ربِهم. وقولنا: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) نابت (ما) عن (حقا ويقينا). و (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) نابت (الباء) عن (الإلصاق والمباشرة) و (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ) نابت (مِنْ) عن (البعضية). و (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) نابت (ما) عن (التوكيد). فالحروف هذه اختصار لكلمات، فإذا حكمنا عليها بالزيادة فقد أفسدنا المعنى الذي أفادته، فقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ) أي بعضهم فإذا حذفنا (مِنْ) لكونها زائدة فقد صارت الأولاد والأزواج جميعا عدوا لنا. أرأيت كيف فسد المعنى بدعوى الزيادة؟! علينا إذاً أن نتجنب إطلاق لفظ زائدة في كتاب اللَّه فإن الزائد قد يُفهم منه أن لا معنى له وكتاب اللَّه منزه عن ذلك إنما تنكشف البراعة عند معرفة

стр. 162

وجه التأويل، وما جاءت هذه الحروف إلا لفوائد ومعانٍ تخصها لتكسب المعنى نبلاً، وتظهر فيه مزية من الجهة التي هي أصح لتأديته، وأخص به وأكشف عنه، وأبهر في صناعته. ومثل هذا يعرفه البياني الذي خالط كلام الفصحاء وعرف مواقع استعمالهم وذاق حلاوة ألفاظهم، وأما النحوي الجافي فعن ذلك بمنقطع الثرى. التحويليون وهم أصحاب الاتجاه العقلي يرون أن النظر في المعنى ملازم للنظر في الشكل والتركيب، ولا يرتضون الوقوف عند الوصف المحض الذي يراه الوصفيون من علماء اللغة وهم أصحاب الاتجاه النقلي وأن اللغة توقيفية من اللَّه سبحانه، بل يتعداه إلى تفسير الظواهر اللغوية تفسيرا عقليا، يدرسون الصوت والنظم والدلالة بأنواعها، لتتصل اللغة بالفكر مثلما اتصلت سابقا بالمنطق والفقه وعلم الكلام، ويشير هؤلاء إلى أن حروف المعاني تدخل في النظم، ولا تدل على معنى في العمق، إنما تؤدي في التركيب لونا من الزخرف أو إيقاعا في التنغيم الصوتي أو فائدة في التركيب كالتوكيد أو قوة الربط أو الإنابة عما وراءها يقول سيبويه: ليس زيدٌ ببخيل ولا جباناً. الباء دخلت على شيء، لو لم تدخل عليه لم يُخل بالمعنى ولم يُحْتج إليها. ألا تراهم يقولون: حسبك هذا وبحسبك هذا، فلم تغير الباء معنى، وجرى هذا مجراه قبل أن تدخل الباء. أ. هـ أي دخول الباء كخروجها، فدخولها لتوكيد المعنى وقوة الربط. أقول: إن دخول الباء على بخيل نفت عنه أدنى درجات البخل وعدم دخولها على جبان لاحتمال بعض الجبن فيه أما البخل فمنتف عنه أصلا. ويقول ابن جني: إذا قلت ليس زيد بقائم فقد نابت الباء عن (حقا)

стр. 163

و (ألبتَّةَ) و (غير ذي شك) وإذا قلت: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقهم فعلنا كذا حقا أو يقينا وإذا قلت: أمسكت بالحبل: فقد نابت الباء عن قولك: أمسكت مباشرا له وملاصقة يدي له. وإذا أكلت من الطعام فقد نابت (مِنْ) عن البعض وكذلك، بقية ما لم نسمه فإذا كانت هذه الحروف نوائب عما هو أكثر منها لم يجز من بعد ذا أن نتخرق عليها فننتهكها ونجحف بها. وأختم حديثي عن دعوى الزيادة بأن لهذه اللغة أصولا وأوائل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا كما قال ابن جني وسيبوبه. فأقول: ما دام الحرف بعض الفعل من حيث كان مُعديا له وموصلاً، فهو جزء منه، أو كالجزء لقوة اتصاله به وشدة امتزاجه، فهو يعتده كالبعض له، فكيف ندعي زيادته؟! هذه اللغة شهدت بحكمتها العقول، وتناصرت إليها أغراض ذوي التحصيل بوجه يقبله القياس، وتنقاد إليه دواعي النظر والإنصاف، فما خفي عنا فيها فلا نخِفُّ إلى نقضه، مما ثَبتَ اللَّه أطنابه وأحصف بالحكمة أسبابه، بل نتهم نظرنا فيه، ولا نسرع إلى إعطاء اليد بفتح بابه، ونتأتى له ما استطعنا، حتى نبلغ حاجتنا، ويفتح اللَّه لنا مغاليقه، فنفقه الغرض من ذكر هذه الحروف بقوة الباصرة وملاطفة التاول ودوام التأمّل وما ادعى زيادتها إلا مَن حمل هذه اللغة على ظاهرها، وصار إلى احتذاء رسومها، أما من تمكن، فيها وتركح في وجوهها ونواحيها، فقد جعل في هذه الحروف تحصينا لسلامتها، وتزاحما لأغراضها، وإثراء لمعانيها.

стр. 164

أسباب حذف حروف المعاني العرب قد تحذف حروف الجر من أشياء هي محتاجة إليها، وتزيدها في أشياء هي غنية عنها فإذا حذفوا حرف الجر مما هو محتاج إليه، فذلك لأسباب ثلاثة: أحدها: أن يكثر استعمال الشيء، ويفهم الغرض منه، فيحذفون حرف الجر تخفيفا. والثاني: أن يحمل الشيء على شيء آخر هو في معناه، ليتداخل اللفظان كما تداخل المعنيان كقولهم استغفر اللَّه ذنبي، حين كان بمعنى أستوهبه إياه. والثالث: أن يضطر إلى ذلك الشاعر: تمرون الديار ولم تعوجوا ... سلامكم علي إذاً حرام وإذا زاد حرف الجر فيما هو غني عنه فذلك لأسباب أربعة: أحدها: تأكيد المعنى وتقوية عمل العامل، وذلك بمنزلة من كان معه سيف صقيل فزاده صقلا وهو غنيٌ عنه. والثاني الحمل على المعنى، ليتداخل اللفظان كتداخل المعنيين، نضرب بالسيف ونرجو بالفرج فعُدّي الرجاء بالباء حين كان بمعنى الطمع. والثالث: أن يضطر الشاعر إلى الزيادة لإقامة وزنه والرابع: أن يحدث بزيادة حرف معنى لم يكن في الكلام، وهذا أظرف الأنواع الأربعة وألطفها مأخذا وأخفاها صنعة، ومن أجل هذا النوع أراد الذين أنكروا هذا الباب، أن يجعلوا لكل لفظ معنى غير الآخر، فضاق عليهم المسلك، وصاروا إلى التعسف، وهذا النوع كثير في الكلام، يراه من منحه اللَّه طرفا من النظر، ولم يمر عليه مُعرضا عنه، فمن ذلك قولهم شكرت زيدا، وشكرت لزيد، يتوهم كثير من أهل هذه الصناعة أن دخول اللام ههنا

стр. 165

كخروجها، كما توهم ابن قتيبة ويعقوب، ومن كتابه نقل ابن قتيبة ما ضمنه هذا الباب وليس كذلك، لأنك إذا قلت شكرت زيدا، فالفعل متعد إلى مفعول واحد، وإذا قلت شكرت لزيد صار بدخول اللام متعديا إلى مفعولين لأن المعنى: شكرت لزيد فعله وإنما يترك ذكر الفعل اختصارا ويدلك على ذلك ظهور المفعول في قول الشاعر: شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاع معروف يكافئه شكر كان الشكر له فصار هنا لآلائه وبلائه. ومن هذا النوع قولهم كلت الطعام ووزنت الدراهم فيعدونها إلى مفعول واحد ثم يُدخلون اللام فيعدونها إلى مفعولين، فيقولون كلت الطعام لزيد، ووزنت الدراهم لعمرو، وإذا قالوا كلت لزيد ووزنت لعمرو فإنما يتركون ذكر المكيل والموزون اختصارا. وكذلك إذا قالوا: كلت زيدا ووزنت عمرا، وحذفوا حرف الجر والمفعول الثاني اختصارا وثقة بفهم السامع. وذكر ابن درستويه: أن نصحت زيدا ونصحت لزيد من هذا الباب، وأن اللام فإنما تدخله لتُعديه إلى مفعول آخر وأنهم إذا قالوا نصحت لزيد فإنما يريدون نصحت لزيد رأي أو مشورتي فيترك ذكر المفعول اختصارا. وذكر في هذا الباب قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) قال معناه يخوفكم بأوليانه وقال الزمخشري: يخوفكم أولياءَه. ومن حذف حرف العطف ما أنشده ابن الأعرابي: وكيف لا أبكي على علاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي

стр. 166

ومن حذف الباء ما قاله رؤبة إذا سئل كيف أصبحت فيقول: خير عافاك الله. ومن حذف واو القسم ما حكاه سيبويه: اللَّهِ لا أفعل. ومن أبيات الكتاب: من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها ... والشر بالشر عند اللَّه مثلان أي فاللَّه يشكرها حذف الفاء الرابطة لجواب الشرط. وحذف همزة الاستفهام في قول الكُميت: .............................. ولا لعبأ مني وذو الشيب يلعب؟ وقول ابن أبي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بهرا .............................. أي أتحبها؟

стр. 167

الفصل الرابع التضمين وصلته بالفعل ومشتقاته (وكذلك عادة العرب أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما بينهما من الارتباط والاتصال؛ وجهلت النحوية هذا، فقال كثير منهم: إن حروف الجر يبدل بعضها من بعض، ويحمل بعضها معاني البعض، فخفي عليهم وضع فعل مكان فعل، وهو أوسع وأقيس، ولجؤوا بجهلهم إلى الحروف التي يضيق فيها نطاق الكلام والاحتمال). ابن العربي.

стр. 168

المبحث الأول الفعل ومكانته في الجملة الفعل في كل لغة راقية هو مصدر التعبير عن أفكار المتحدثين بها، يصور النشاط والحركة وكل ما تموج به الحياة من فكر ووجدان، واللغات البدائية أكثر ما تعتمد على الأسماء، وتستعين بقدر قليل من الأفعال. وحين يرتفع مستوى تفكيرها، وتستعين بإضافة ألفاظ إلى هذه الأفعال، تُنوع دلالتها، وتُعدد معانيها كالظروف والحروف. فالبطاقة الشخصية لكل فعل تحتوي على: بنيته، وصيغته، تعديا ولزوما، وكذلك في اشتقاقه وتصريفه، وفيما يرافقه من حروف المعاني، ومستوى الجماعة التي تستخدمه، والدلالات التي تسلطها عليه، والظروف التي تطرأ عليه، نعم؛ ظفرت الأفعال باهتمام العلماء، علماء اللغة والنحو والصرف، وكان لها نصيب وافر من هذه الدراسات، وكذلك حروف المعاني ذات الدلالة الوظيفية للكشف عن هوية الأفعال. فالفعل لا يتم معناه منفصلا عن معموله لأنه مفتقر إليه ومقترن بما يحتاج إلى تمام معناه. وكان لعلماء الأندلس قصب السبق في هذه الدراسة، وقد ألفت كتب في

стр. 169

الأفعال وكانت أشبه بالرسائل، وكتب حوت فصولا خاصة بالأفعال، وكتب خصصت بالأفعال، والفعل كما هو معروف لازم أو متعدٍ. وأسباب تعدي اللازم أصالة ثمانية: الهمزة، والتضعيف، وزيادة الهمزة، والسين، والتاء، وزيادة ألف المفاعلة، وزيادة حرف الجر، وحذف حرف الجر توسعا، وتحويل اللازم إلى باب نصر لقصد المغالبة، وأخيرا: التضمين. والحق أن تعدية الفعل سماعية فما سُمعت تعديته بحرف لا يجوز تعديته بغيره، وما لم تُسمع تعديته لا يجوز أن يُعدى بهذه الأسباب إلا على وجه من التضمين، وأسباب لزوم الفعل المتعدي أصالة خمسة. تحويل المتعدي إلى فَعُلَ بضم العين بقصد التعجب والمبالغة، وضعف العامل لتأخيره، وصيرورته مطاوعا، والضرورة، وأخيرا التضمين.

стр. 170

والتضمين في الفعل موضع شريف، أكثر الناس يضعف عن احتماله لغموضه ولطفه، والمنفعة به كبيرة، والاستناد إليه مُجْدٍ، وهو مَعلَم من معالم سَداد عقول أصحابه، دل على فضيلة لغتهم، وأن في طباعهم قبولا لها. فالتضمين النحوي إذاً سبب من أسباب تعدي الفعل ولزومه وذلك، بأن نشرب فعلا لازما أو أحد مشتقاته معنى فعل متعد ليتعدى تعديته: (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) قد ضمن تعزموا معنى تنووا فعدي تعديته. أو أن نُشرِب فعلا متعديا أو أحد مشتقاته معنى فعل لازم ليصير لازما مثله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) ضمن (يخالف) معنى (يخرج) فصار إلى اللزوم. ويختص التضمين عن غيره من المعديات بأنه قد ينقل الفعل إلى أكثر من درجة ولذلك عدي (ألوت) إلى مفعولين بقصر الهمزة بمعنى (قصرت) بعدما كان قاصرا (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) لما ضمن معنى (لا أمنعك). وعدي (أخبر وخبر وحدث وأنبأ ونبأ) إلى ثلاثة مفاعيل لما ضمن معنى (أعلم وأرى) بعدما كان متعديا لواحد بنفسه وإلى الآخر بالباء (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) المطلب الأول: التضمين يجعل اللازم متعديا والمتعدي لازما: إذا ضمن اللازم معنى المتعدي تكون تعديته قرينة للتضمين (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) تضمن (استبق) معنى (ابتدر).

стр. 171

وهذه طائفة من الأفعال اللازمة جعلها التضمين متعدية: - (سَفِهَ نَفْسَهُ) تضمن (سفه) معنى خاف أو امتهن أو أهلك. (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ) (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) قعد تضمن معنى لزم. (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) تضمن (عزم على) معنى نوى. رحبتكم الدار - تضمن معنى وسعتكم. طلع القمر اليمن - تضمن معنى بلغ. سمع اللَّه لمن حمده - تضمن معنى استجاب. فطلع ورحب لازم عداه التضمين. وسمع متعدٍ بنفسه فبالتضمين صار لازما. وهذه طائفة من الأفعال المتعدية لمفعول جعلها التضمين لازمة: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) تضمن معنى تسهو أو تغفل أو تنبو عنهم. (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) تضمن معنى يحيدون عن أمره. (أَذَاعُوا بِهِ) تضمن معنى أفشَوا به. (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) تضمن معنى بارك لي في ذريتي. (لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) تضمن معنى يُصغون.

стр. 172

(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) قبل: (مِنْ) زائدة يعتزلون نسانهم. وضمن آلى امتنع فعدي بمن قال ابن قيم الجوزية: قولنا استغفر زيد ربه ذنبه فيه ثلاثة أوجه: أحدها هذا. والثاني: استغفر زيد ربه من ذنبه. والثالث: استغفر زيد ربه لذنبه. وهذا موضع يحتاج إلى تدقيق نظر، وهل الأصل حرف الجر وسقوطه مضمن أم الأصل سقوطه وتعديه بنفسه وبالحرف مضمن؟ قال السهيلي: الأصل فيه حرف الجر وأن يكون الذنب نفسه مفعولا بـ استغفر غير متعد بحرف الجر، لأنه من غفرت الشيء إذا غطيته وسترته، مع أن الاسم الأول هو فاعل بالحقيقة وهو الغافر. ثم أورد على نفسه سؤالا فقال: فإن قيل: فإن كان سقوط حرف الجر هو الأصل فيلزمكم أن تكون (مِنْ) زائدة كما قال الكسائي. وقد قال سيبويه والزجاج: إن الأصل حرف الجر ثم حذف فنصب الفعل. وأجاب: بأن سقوط حرف الجر أصل في الفعل المشتق منه نحو غفر. وأما استغفر ففي ضِمن الكلام ما لا بد منه من حرف الجر لأنك لا تطلب غفرا مجردا من معنى التوبة والخروج من الذنب، وإنما تريد بالاستغفار خروجا من الذنب وتطهيرا منه فلزمت (مِن) في هذا الكلام لهذا المعنى، فهي متعلقة بالمعنى لا بنفس اللفظ، فإن حذفتها تعدى الفعل فنصب وكان بمنزلة: أمرتك الخير، فإن قيل: فما معنى قولكم في نحو قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) قلنا: هي متعلقة بمعنى الإنقاذ والإخراج من الذنب، فدخلت (مِنْ) لتؤذن بهذا المعنى

стр. 173

ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل والمفعول الذي هو الذنب نحو قوله: (لكم) لأنه المنقذ المخرج من الذنوب بالإيمان. ولو قلت: يغفر من ذنوبكم دون أن يذكر الاسم المجرور، لم يحسن إلا على معنى التبعيض، لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام وهو الإنقاذ، قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه. فإن قلت: فقد قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) وفي سورة الصف: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) فما الحكمة في سقوطها هنا؟ وما الفرق؟ قلت: هذا إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم، ثم وُعِدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب وهي غير مُحبطة كإحباط الكفر المهلك للكافر، فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ، إذ ليس ثَم إحاطة من الذنب بالذنب. وإنما يتضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب لأن الحسنات يذهبن السيئات. بخلاف الآيتين المتقدمتين، فإنهما خطاب للمشركين، وأمرٌ لهم بما يُنقذهم ويُخلصهم مما أحاط بهم من الذنوب وهو الكفر. ففي ضمن ذلك الإعلام والإشارة بأنهم واقعون في مهلكة قد أحاطت بهم، وألا ينقذهم منها إلا المغفرة المتضمنة للإنقاذ الذي هو أخص من الإبطال والإذهاب. وأما المؤمنون فقد أُنقذوا، وأما قوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) فهي في موضع (مِنْ) التي للتبعيض لأن الآية في سياق

стр. 174

ثواب الصدقة فإنه قال: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ) والصدقة لا تبطل جميع الذنوب. أرأيت ما للسياق من دور كبير في توجيه المعنى وتفسير النص من خلال موقع الأداة؟! المطلب الثاني: يجعل المتعدي بنفسه متعديا بحرف الجر: ١ - اركبوها: (ارْكَبُوا فِيهَا) تضمن معنى دخل. ٢ - جحدوا ربهم: (جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) تضمن معنى كفروا. ٣ - يخالفون أمره: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) تضمن معنى حاد عن أمره. ٤ - تبديه: (لَتُبْدِي بِهِ) تضمن معنى: تصرح به. ٥ - أصلح لي ذريتي: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) تضمن معنى بارك لي. ٦ - أنعمتهم: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) تضمن معنى تفضلت عليهم. ٧ - ألم تر الذين: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) تضمن معنى تنظر أو تلتفت. ٨ - أذاعوه: (أَذَاعُوا بِهِ) تضمن معنى تحدثوا به.

стр. 175

٩ - قضينا بني إسرائيل: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) تضمن معنى أوحينا إلى. ١٠ - يجحدون نعمة الله: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) تضمن معنى يكفرون. ١١ - يعبؤكم: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) تضمن معنى يكترث بكم. ١٢ - ردفكم بعض ... (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) تضمن معنى زلف. ١٣ - تلقون إليهم المودة: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) تتضمن معنى تتقربون إليهم بالمودة. المطلب الثالث: التضمين يجعل المتعدي بحرف الجر متعديا بنفسه (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا) تضمن معنى نخل وماز. ومنه (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ) أي كفروا بربهم على تضمين جحدوا ربهم. (اخترت) أصله أن يتعدى بحرف الجر (مِنْ) لأنه يتضمن إخراج شيء من شيء. وجاء محذوفا في الآية لتضمن الفعل معنى فعل متعد كأنه نخل قومه وميزهم، وسَبَرَهم، ونحو ذلك، (فمن) هنا واللَّه أعلم أسقطت كما سقطت من (امرتك الخير) أي ألزمتك وكلفتك، لأن الأمر إلزام وتكليف.

стр. 176

ومنه (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) تضمن معنى نوَوا. ومنه (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) تضمن معنى جهل نفسه. ومنه (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ) و (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) تضمن الاستباق معنى القصد. ومنه (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) تضمن (تم) معنى (بلغ). ومنه (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) تضمن البطر معنى الفساد. ومنه (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) ومنه (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) ومنه (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ). وقال معناه يخوفكم بأوليائه. وقرأ بعضهم يخوفكم بأوليائه وعلى هذا المعنى أكثر المفسرين وإليه ذهب الزجاج وأبو علي الفارسي ويؤيده فلا تخافوهم. وأما المتخلفون عن رسول اللَّه ﷺ (فأولياؤه) هو المفعول الأول والمفعول الثاني: إما متروك أو محذوف للعلم به أي يوقعهم في الخوف أو يخوفهم من أبي سفيان وأصحابه وعلى هذا يعود الضمير إلى الناس أي لا تخافوا الناس وتقعدوا عن القتال، فمن ذلك قولهم شكرت زيدا وشكرت لزيد. يتوهم كثير من أهل هذه الصناعة أن دخول اللام كخروجها كما توهم ابن قتيبة ويعقوب، وليس كذلك لأنك إذا

стр. 177

قلت: شكرت زيدا فالفعل متعد لمفعول واحد، وإذا قلت شكرت لزيد صار بدخول اللام متعديا إلى مفعولين، لأن المعنى شكرت لزيد فعله، وإنما يُترك ذكر الفعل اختصارا، ويدلك على ذلك ظهور المفعول في قول الشاعر: شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم وما ضاع معروف يكافئة شكر ومن هذا النوع قولهم: كلت الطعام ووزنت الدراهم، فيعدونها إلى مفعول واحد ثم يدخلون اللام فيعدونهما إلى مفعولين، كلت الطعام لزيد ووزنت الدراهم لعمرو، وإذا قال: كلت لزيد ووزنت لعمرو فإنما يتركون ذكر المكيل والموزون اختصارا، وكذلك إذا قالوا: كلت زيدا ووزنت عمروا، حذفوا حرف الجر والمفعول الثاني اختصارا، وثقة بفهم السامع، وذكر ابن درستويه أن نصحت زيدا ونصحت لزيد من هذا الباب، وأن اللام إنما تدخله لتعديه إلى مفعول آخر، وأنهم إذا قالوا؛ نصحت زيدا فإنما يريدون نصحت لزيد رأيي أو مشورتي، فيترك ذكر المفعول اختصارا كما يتركون ذكره في قولهم: شكرت لزيد ومن هذا الباب قوله سبحانه (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ). وقال معناه يخوفكم بأوليائه، يريد أنه مثل قولهم: خوفت زيدا الأمر وخوفته بالأمر فالمخوفون على ما قاله هم المؤمنون. والأولياء هم الكفار وهم المُخَوفُ منهم وقد يجوز أن يكون الأولياء هم المخوفين دون المؤمنين، ويكون المعنى إن الشيطان يخوف الكفار لأنهم يطيعونه، وأما المؤمنون فلا سلطان له عليهم (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) فليس هذا تقدير حرف محذوف. ومنه (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) أي في معيشتها تضمن معنى ترفت.

стр. 178

ومنه (يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) أي بالسيئات تضمن معنى يحيكون ويدبرون. ومنه (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) أي بايعوهم كيلا ووزنا. وأما قوله سبحانه: (اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) فإنما دخلت (على) لتؤذن أن الكيل على البائع للمشتري. ودخلت التاء في اكتال لأن افتعل في هذا الباب كله للآخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زائد على معنى الكلمة، لأن الآخذ للشيء كالمبتاع والمكتال، والمشتري ونحو ذلك ... يدخل فعله من التناول والاجترار إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والمبايع، ولهذا قال سبحانه: (الَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) يعني من السيئات لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان والهوى، والحسنة تُنال بهبة اللَّه من غير واسطة شهوة ولا إغراء عدو، فهذا الفرق بينهما على ما قاله السهيلي، وفيه فرق أحسن من هذا: وهو أن الاكتساب يستعدي التعمّل والمحاولة والمعاناة فلم يجعل على العبد إلا ما كان من هذا القبيل الحاصل بسعيه ومعاناته وتعمّله، وأما الكسب فيحصل بأدنى ملابسة حتى بالهم بالحسنة ونحوه. فخص الشر بالاكتساب والخير بأعم منه ففي هذا مطابقة للحديث الشريف: " إذا همَّ عبد بحسنة فاكتبوها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها ". وأما حديث الواسطة وعدمها فضعيف لأن الخير أيضا بواسطة الرسول والملك والإلهام والتوفيق فهذا في مقابلة وسائط الشر فالفرق ما ذكرناه واللَّه أعلم. وأما (سمع اللَّه لمن حمده) فقال السهيلي: مفعول سمع محذوف

стр. 179

لأن السمع متعلق الأقوال والأصوات دون غيرها فاللام على بابها إلا أنها تؤذن معنى زائداً، وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد وهو الاستجابة (لمن حمده) وهذا مثل قوله سبحانه: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ). المطلب الرابع: التضمين يجعل الفعل المتعدي بحرف متعديا بآخر وحين أمسَّت العربُ الفعل بحرف لا يألفه، ولا يأنس به، فقد ابتغَوْا الإيجاز والإعجاز في تضمينه، فلا يكون معناه في هذه الحال مصرحا به مكشوفا عن وجهه، ولكن مدلولا عليه بفعل مضمن فيه، من طريق يخفى ومسلك يدق، وبذلك يكون ألطف لمكانه وأعلى لشأنه، وفيه من الحسن والرونق، والمزية والوصف ما لا يكون مع التصريح والتكشيف. وأسوق هذه النماذج على سبيل المثال: (تَهْوِي إِلَيْهِمْ) يعني تهوي لهم، تضمن معنى تميل. (أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) يعني عليها عاكفون، تضمن معنى قذس. (وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) أي على عبادته، تضمن معنى اثبت لعبادته. (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى) نجيناه من، تضمن معنى أسلمناه. (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ) أي على القوم، تضمن معنى عصمناه وأجرناه ومنعناه. (لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) أي فقير إلى ما أنزلت، تضمن معنى [مُعتفِّفٍ].

стр. 180

(وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) أي من ذنبك، تضمن معنى: تأسف. (خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي مع بعض، تضمن معنى انضوى. (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) تنقمون علينا، تضمن معنى تكرهون. (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) أي على عبادته، تضمن معنى اثبت. (يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) (اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) تضمن معنى فَضَّل. (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ) يعني يستمعون له، تضمن معنى عني به واهتم. (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) تضمن معنى الحمد والثناء. المطلب الخامس التضمين يجعل الفعل متعديا مرة ولازما أخرى، حسب تأويلنا له وتوجيهنا لمعناه قَالَ تَعَالَى: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) قرئ في السبع: برفع ونصب السبيل. وبالرفع استبان: لازم مضمن معنى (ظهر ووضح) وبها قرأ العشر ما عدا نافع. وبالنصب استبان: متعد مضمن معنى (استوضح) تستوضح يا رسول اللَّه سبيلهم، بها قرأ نافع. وقَالَ تَعَالَى: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) و (اهْبِطُوا
следующие страницы →