Полный текст (668 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
السبب، والتعجب، والجزاء، ولام الولاية. فإنما أوحت بهذه المعاني الأفعال التي دخلت عليها.
قال الخليل: لام المدح في قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) ولام الذم في قوله تعالى: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣).
أقول وباللَّه التوفيق: الوقوف على الحرف والتقيد به دون الالتفات إلى السياق والنظرة الشمولية إليه، يُحدث فجوة ولو نسبية بين الجزء والكل، فالمدح والذم في الآيتين مستفاد من نعم وبئس لا من اللام. كذلك اللام التي في موضع إلى في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) ارجع إلى فعل سقى من كتابنا هذا في الجزء الثاني. ومثله قوله تعالى: (سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) ارجع إلى فعل نادى في الجزء الثاني. ومثله قوله: (هَدَانَا لِهَذَا).
وحروف المعاني في نُبل قَدرها، ونباوة محلها تكون باعثاً لك على استحضار الخاطر، فإذا طالعك أحدها وتأبى عليك معناه، أو اعتاص فهمه، فسياقه والقرائن التي تَعيج به تُصحِب لك أبيَّه فتُشارف معناه، ويتلوح لك بعضُ قُصوده.
стр. 72
أما القول بتعاورها فيُذهب استطابتها ويفسد الإمتاع بها والاستملاح لها.
فالمعنى في اللفظ كالروح في الجسد، يتفرس فيه النطاسيُّ الحقيقةَ بطبعه وحسه، كما يتفرس اللبيبُ صفات الأرواح في الأجساد ينحيزة نفسه.
حرف (لا) والذي يمتد معه الصوت، يؤذن بامتداد المعنى بخلاف (لن) الذي ينقطع معه الصوت ويُؤذِن بانقطاع معناه: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا).
لليهود حين قيل لهم (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) فدعواهم قاصرة مترددة بزعمهم أنهم أولياء الله. (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا). لليهود بما قدمته أيديهم فدعواهم قاطعة بأن الجنة لهم بصفة الخلوص. فتأمل ذلك فإنه معنى لطيف وغرض شريف يستعمل (لا) عند التردد و (لن) عند القطع.
وشاهد آخر تبطل فيه حجة المعتزلة بالرؤية في قوله تعالى: (لَن تَرَاني) ولم يقل لا تراني، كالذي جاء في قوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) منفيا بـ (لا) ولم يقل: لن تدركه الأبصار، والفرق واضح بين الرؤية والإدراك، والحديث صحيح جاء في البخاري: " إنكم ترون ربكم يوم القيامة ".
وكل ما مر من هذه اللطائف في دلالة الحرف إنما يتحكم فيه المقام ويوجهه السياق ولا يخضع لتعليل ولا يلتزم بقاعدة.
стр. 73
المبحث الرابع
وظيفة الحروف
وقف علماء النحو في حدهم لحروف المعاني على وظيفتها في الجملة فقالوا: لفظ يدل على معنى في غيره، يربط بين أطراف الجملة، ولم يقفوا عند ماهيته وحقيقة ذاته.
وكان على الحاد أن يُفرق بين الماهية والوظيفية، وأن تكون ألفاظه بعيدة عن العموميات وعن المجاز والمشترك والوحشي. ورحم اللَّه الرازي حين قال: وأحكام اللغات لا تنتهي إلى القطع من الاحتمالات البعيدة. وقال التبريزي: ليس للحرف معنى حتى يقال: إنه مستعمل فيه أو يدل عليه.
والحرف عند علماء الأصول لا معنى له أصلا فهو نظير الحركات الإعرابية: موضوع لمعنى في كير لفظه.
فالحروف أدوات لتوصيل أفعال قاصرة وضعيفة، ولإحداث علاقات، والتعبير عن العلاقات معنى وظيفي لا معجمي، واختصار لعبارات كثيرة.
وهذه عبارة قالها عبد اللَّه بن جفعر لعاصم: هل لكَ بِنا فيه؟ فلا ينجيه منا ما فعل. ولو سألنا القائل بالتناوب عن تفسيره حروف ابن جعفر لانكفأ مبهوتا لا يقطع فيها بيقين.
стр. 74
امتيازات الحروف:
١ - هي أدوات ربط:
ربط ضمير بضمير (أينِ أنت منه؟) و (فكيف أنت له؟).
ربط اسم باسم (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ).
ربط فعل باسم (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ).
ربط فعل بفعل (مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ).
ربط جملة بجملة (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا).
٢ - وهي كثيرة الدوران في الكلام مع افتقارها إلى الضمائم لبيان معناها فلا تفيد إلا مع مجرورها كما أشار سيبويه: الحرف ما دل على معنى في غيره ومن ثَم لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه. يتعدد مدلولها الوظيفي ولا يتغير مبناها. فيها معنى ثابت أصيل كما قال سيبويه، فالباء: إنما هي للإلصاق والاختلاط ثم قال: فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله. وقال الزمخشري: اللام للاختصاص، وهذا أصل معانيها. إذاً لمعاني الحروف ثوابت ومتغيرات. وظاهرة تعدد المعنى الوظيفي للأداة يعكس تشابك العلاقات
ولا يفهم مدلول الأداة إلا من واقع استعمالها فلا بيئة لها خارج أسيقتها، ولا تحمل معناها حتى تأخذ مكانها في مأمّ تتورده، وفي طريقنا العسوف نسوق هذا المثل: قال الأعشى الكبير:
стр. 75
فأرادها كيف الدخول ... وكيف ما يؤتى لها إن الفتاة صغيرة ... عِزٌّ فلا يُسدى بها نقف مع اللام - يؤتى لها - والباء يسدى بها - مبهوتين لهذا الاستعمال الذي خرج فيه الشاعر على المألوف الدلالي للحرف أو الرمز العرفي الذي قال عنه أهل اللغة: اللام للتعليل أو التبليغ. والباء للإلصاق أو التبعيض وعلى للاستعلاء ومن لابتداء الغاية وإلى لانتهائها ... الخ.
نحن محكومون إذاً أن نلتمس معناها من خلال السياق في النظم الذي وردت فيه. ثم نعود إلى كتاب اللَّه فنقول: اللام مثلاً لما تعددت معانيها: لام الملك والاختصاص والاستحقاق والتسخير والولاية والتمهيد والتذليل والتمكين والتصريف والتاريخ والمدح والذم كما مر بنا. أليست هذه المعاني مستوحاة من السياق؟ لم اختلفوا في معناها والسياق واحد لم يتغير؟ قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ). قال ابن الحاجب اللام معناها عن. وقال ابن مالك في شرح التسهيل: اللام للتعليل. ونقل البحر عن قتادة: إنها لام التبليغ، ونقل الجمل عن أبي السعود: إن اللام بمعنى (في) كما في قوله: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا)، وقال الآلوسي: لأجلهم وفي شأنهم فاللام للتعليل وقيل هي لام المشافهة.
أليس هذا من اختلاف الفهوم في توجيه المعنى ما دام السياق واحداً، جاء في بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية: إن دلالات الفعل قد تكون متعددة والحروف تبع لهذه الدلالات يُؤتى بها لتناسب هذه المعاني. وُيعقب على قوله
стр. 76
أحد المعاصرين: غير أن ابن قيم الجوزية يعد هذا تضمينا وليس هو من التضمين في شيء وإنما هو من تعاور الحروف وإنابة بعضها عن بعض.
أقول: لو سلمنا لهذا الباحث تسليم نظر فهل له في دعواه مُرتَفَق نتوركه أو دليل معه عليه؟ قال الأصوليون: إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال. وأسوق هذا الشاهد لنزداد وضوحا: قَالَ تَعَالَى: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ) وقال: (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) قال العز: أخبتوا إلى ربهم تابوا وأنابوا عداه بـ إلى ليجمع بين التوبة والتواضع، وقال: وأخبتوا إلى ربهم ضُمن المعنى أنابوا.
وقال الزركشي والجمل: أخبت فلان إلى كذا اطمأن إليه وأخبت له: خضع وخشع. وقال ابن عباس: وأخبتوا إلى ربهم أخلصوا وخضعوا وخشعوا. وتخبت له: تخلص له وتقبله. وقال مجاهد: أطاعوا. وقال قتادة: خشعوا، وقال مقاتل: أخلصوا. وقال الفراء: إلى ربهم ولربهم واحد.
أقول: أخبت إلى: تضمن معنى اطمأن. فالحرف (الى) مع امتداد الصوت وتفريغ النَّفَس وراحة الصدر يفيد اطمئنان القلب وسكون الأعضاء، وهذا المعنى يتفق مع سياق الآية: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ). أما أخبت له نقد تضمن معنى خضع والخضوع فيه كسر النفس، والحرف (لِ) مع الكسرة الخاطفة
стр. 77
والصوت المنقطع ونفثة الصدر السريعة، يفيد خضوع الجارحة الموقوت، وخشوعها المنفعل بإثارةٍ تزول بزوال المؤثر، فقد يتوب العبد إلى ربه ثم يعود إلى ما كان عليه مرة ومرة ومرة. وهذه الذبذبة تتفق مع سياق الآية السابقة لها واللاحقة بها، فمن لحظ هذه اللطائف بقلبه وقدّر هذا النظم البديع بلبِّه، أبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد. كيف يقول الفراء: معنى إلى ربهم ولربهم واحد، والسياق بين الآيتين مختلف؟ واللَّه العليم الخبير بخصائص هذه الحروف جعل لكل سياق حرفاً يُنبه إلى ما استودعه من أسرار فيه. فمعاني الحروف تنكشف لمن أَمَّها، وتهيأ لها ونشَّم فيها، فمن طبِن لها أمطته كاهلها وأسلست له غاربها، ومن خبطها وتورطها، أوعرت به سُبُلها.
وإذا كان للسياق دوره في تحديد مدلول الأداة ومعناها الوظيفي فهو - أي السياق - ينهض بتفسير هذه المداليل المتعددة. (فيرث) وهو زعيم نظرية السياق، يؤكد الوظيفة الاجتماعية للغة، ومعنى (الأداة) عند أصحاب هذه النظرية هو في استعمالها أو في الدور الذي تؤديه في الجملة فمعناها لا ينكشف إلا من خلال تسييقها أي وضعها في سياقاتها المختلفة مع عناصر أخرى تتعلق بالمقام كما قلت.
فدراسة الأداة يتطلب تحليلا لهذه السياقات: السياق اللغوي، والعاطفي، والثقافي، والاجتماعي، وسياق المواقف أو بعبارة أخرى: توزعها اللغوي، فمعناها مستفاد من تركيبها لا من نفسها منفردة: والسياق على هذا التفسير يشمل الكلمة والجملة وما قبلها من الجمل وما بعدها.
أقول: -
* (أو) في قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) إنما هي للإباحة في أحد الشيئين فلو انتهيت عن طاعتهما معا لكنت مصيبا. فقد
стр. 78
جرت (أو) هنا مجرى الواو لأن النهي إذا دخل في الإباحة استوعب ما كان مباحا باتفاق، وإذا دخل في التخيير ففيه خلاف، ذهب السيرافي إلى أنه يستوعب الجميع كالنهي عن المباح، وذهب ابن كيسان إلى جواز النهي عن كل واحد وجوازه أن يكون عن الجميع، إن قلت للمسافر: صل أربعا أو ثنتين، فالركعتان واجبتان وترك الباقيتين بقصد الترخص. هنا لا تكون (أو) بمعنى الواو لمطلق الجمع كما سبق فالفرق بين التخيير والإباحة هو: جواز الجمع في الإباحة ومنع الجمع في التخيير. وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس (أو) بل لقرينة انضمت من جهة المعنى إلى (أو).
* و (الباء): في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) إن دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت التبعيض خلافاً للأحناف، وإن دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه أفادت الإلصاق: إلصاق الفعل بمفعوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فأنت لا تقول طفت البيت وإنما بالبيت ولا يسمى من دار ببعض الكعبة طائفا أما من مسح بعض رأسه فيسمى ماسحاً. فهذا ونحوه موضع متناهٍ آخذ بغاية الصنعة من مستخرجه، يُرجى التنبه لأمثاله، وإمعان الفحص عما هذه حاله. فإذاً على دارس كتاب الله، الكاشف عن
أسراره، النظر في الحروف ومحلها وسياقاتها، فإن الرجل يقرأ الآية من كتاب اللَّه فيعيا بوجهها فيهلِك فيها. فقول الحوفي: إن الباء في قوله سبحانه: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) متعلقة بـ ناظرة، هو باطل لأن الاستفهام له الصدارة والباء متعلقة بما بعدها أي بـ يرجع.
ومن قال في قوله سبحانه: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا). (عليه) إغراء نقول: إغراء الغائب ضعيف. فالدلالة على المعنى
стр. 79
شيء، والاستدلال عليه شيء آخر، ولا يلزم الغلط في أحدهما الغلط في الآخر.
وحين نقول: يحتمل اللفظ هذا المعنى، فهل نريد صلاحيته له من حيث الوضع اللغوي أم من حيث مراد المتكلم؛ حسبما يقتضيه السياق؟ فإنه لا يلزم من صلاحية الوضع أن يكون مراداً من جهة المتكلم وبعض المفسرين كانت طريقتهم في معالجة حروف المعاني أنهم تناولوا شرحها ضمن مفردات الجملة لبيان معناها وإيضاح مدلولها دون ربطها بالسياق والهيكل العام ونظراته الشاملة، فحبسوا
شروحهم وقُرَّاءهم في أسر المفردات، فشق على القارئ أن يحيط بمدلولها من خلال الكُليات، والاهتداء بسهولة إلى معالم الفكرة العامة لأنها اختفت وراء دلالات الألفاظ المفردة وغابت خلف عديد من التخريجات والتأويلات لمعان جزئية دون عرضها أو ربطها في هيكل متكامل تتناسق فيه الجزيئات بالكليات، ويأخذ بعضها برقاب بعض.
وحين قال النحاة: (إلى) بمعنى اللام، والباء بمعنى (في) وعن بمعنى على ... ردد ذلك المفسرون أو أكثرهم ولم يسألوا عن سبب تناوب هذه الحروف ولم يتعرضوا للعلة التي من أجلها جرى التعاور. فليس التناوب في الحروف إلا أسلوباً من الهروب في مواجهة المشكلة، أو قنطرة للخروج من مأزق. وحين فشا على ألسنة المفسرين واتسع، صار لشياعِهِ كأنه أصل يقاس عليه، فكيف نفزع إليه وهو لضعفه لا يملك أن يكون علة نفسه؟ فخذ منه حِذرك، ولا تغتر من إخلاد من أخلد إليه وقد كشفت لك عن مساوئه. لا بد إذن أن تكون العلة الغائية ضالة البياني أو المفسر، لأنها تسعى لشرح العلاقات بين المضمّن والمضمّن فيه، حين يُحمل المعنى على التضمين، كما تسعى للكشف عما تحمله هذه الحروف من وظائفَ ومعانٍ.
ويرى علماء اللغة المحدثون البحث عن هذه العلة ضرورة لتعميق الفهم، ويَرون حرمان أي بحث لغوي منها محاباة للتمرير على حساب العمق في الفهم والإحاطة.
стр. 80
إن الفكر باعتماده على الهوية المجردة للحرف أو الأداة أو اللفظ دون ربطه بالنص، وبواقع له زمان ومكان، وبظروف اجتماعية وتاريخية ونفسية معينة، ينتهي إلى تأملات مجردة، وهذا من مخاطر العقلية المثالية.
لقد كشفت دراسة الألفاظ والأدوات منعزلة عن سياقها أنها فقيرة حين نتناولها في منظور عقلي صِرف، إنها تنفر من التجريد تتعامل مع واقع بذاته، مع وسط اجتماعي أو سياسي أو دعوي ... فهي تحتاج إلى جداول إحصائية وتحليل لنمط تطورها. هذا فعل علم يأتي متعديا بـ (مِن) في هاتين الآيتين: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) في الأولى تضمن معنى الكشف فاللَّه يعلم، ولكن يريد أن يكشف للناس ... وفي الثانية تضمن معنى الفَرْز.
لنقف مع فعل (أرسل) في الوسط الذي يتحرك فيه، والدور الذي يُؤديه مع مجموعة من حروف المعاني:
١ - (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ)
стр. 81
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ) فالإرسال هنا تضمن معنى التسليط والقهر وإنزال الضُّر والعذاب حتى تعدى بـ (على):
٢ - (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) تضمن الإرسال مع الحرف إلى معنى البعث والتوجيه فقد وجهت إليهن دعوة إلى وليمة.
٣ - (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) تضمن الإرسال هنا معنى الإطلاق من الأسر أو الحجز أو العذاب مع حرف المعية (مع) ليشدّ أزْره بالعصبة المؤمنة والصحبة الطبية.
٤ - (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) تضمن الإرساد هنا معنى البث مع الحرف (في)
٥ - (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) تضمن الإرسال هنا مع الباء معنى الإنذار
٦ - (وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) تضمن الإرسال مع اللام معنى الفتح والمنح.
стр. 82
فللسياق دوره وللقرائن شأنها، وتحليل النص في موقف ما أو وسط من الأوساط: اجتماعيا كان أو تاريخيا أو نفسيا أو سياسيا ... فإنه يتجاوز الرؤية العرفية إلى كشف البصمات وتحديد المعالم، ولكل رؤية منهجها وفلسفتها، وتمزيق هذه الرؤية أو فصلها سيؤدي إلى تشتتها، وبالتالي سيكون له مظاهر سلبية على الثقافة.
فعلى الباحث أن يجتهد في التحري عن خفايا الفعل وأسراره ضمن النظرة الكلية، والرؤية الشمولية، ليصل إلى الفهم الأكمل والأشمل، ليصل إلى المعنى الدلالي الذي اكتسبه من المقام المنظوم فيه، وهذا لا يخضع لتعليل ولا قاعدة، لأنه عرفي يغلب عليه طابع الاجتهاد، طابع الملاحظة والتأمل الذاتي، (فضرب) معناه المعجمي: لطم، أما معناه الدلالي بعد انتظامه في التركيب فتضمن معنى:
ضرب الفحل: شال بذنبه، وضرب الجرح: اشتد وجعه.
وسعى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ).
وضرب الدهر بيننا فرَّقنا.
وفرض: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ).
وحجر: ضرب القاضي على يده.
ومثل: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ).
وأضرب عن الأمر: عَزَف عنه.
وأضرب في بيته: لم يبرح.
стр. 83
أرأيت إلى التضمين لا يأتيك مصرحاً به مكشوفاً عن وجهه، بل مدلولا عليه بغيره من وجهٍ لا يفطن له إلا من أوتي النظر، ليكون ذلك أعلى لشأنه وألطف لمكانه حتى كان الإفصاح عنه غير سائغ ولا مريح.
стр. 84
الفصل الثاني
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أقوال العلماء في التضمين.
المبحث الثاني: موضوعه.
стр. 85
المبحث الأول
أقوال العلماء في التضمين
التعريف بالمصطلح:
(أ) - في علم المعاني يطلق على الاقتباس.
(ب) - في علم العروض يطلق على عيب من عيوب القافية.
(ج) - في علم اللغة يطلق على الإيداع والإدخال تقول: ضمن الشيء: أودعه إياه كما تودع الوِعَاء المتاع والميتَ القبرَ قال ابن الرقاع: أوكت عليه مضيقا من عواهنها ... كما تضمن كشح الحرة الحبلا يُطلق في علم النحو على إشراب فعل معنى فعل ليعامل معاملته، ويجري مجراه. أو إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه وللعلماء فيه أقوال:
стр. 86
قال الزمخشري: يضمنون الفعل معنى فعل آخر فيجرونه مجراه ويستعملونه استعماله، مع إرادة معنى المتضمن قال: والغرض في التضمين إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى كيف رجع معنى (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.
وقال الشيخ سعد الدين التفتازاني في حاشية الكشاف: فإن قيل: الفعل المذكور إن كان مستعملا في معناه الحقيقي فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقي. وإن كان فيهما جميعا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. قلنا: هو في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية. فمعنى (يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ): أي نادما على كذا، ولا بد من اعتبار الحال، وإلا كان مجازاً لا تضميناً، وكذا قوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أي معترفين بالغيب. أ. هـ وقال ابن يعيش: والتحقيق في ذلك أن الفعل إذا كان في معنى فعل آخر، وكان أحدهما يصل إلى معموله بحرف والآخر يصل بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه، إيذانا بأن هذا الفعل بمعنى ذلك الآخر، وذلك كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما: رفثت بها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنت تعدي أفضيت بـ (إلى)، جئت بـ (إلى) إيذانا بأنه في معناه.
стр. 87
وقال ابن النحاس في التعليقة: الفرق بين المضمن معنى الحرف وغير المضمن، أن المضمن معنى الحرف لا يجوز إظهار الحرف معه في ذلك المكان، وغير المضمن يجوز إظهار الحرف معه كما إذا قلنا في الظرف إنه يراد فيه معنى (في) فإنا لا نريد به أن الظرف متضمن معنى (في)، كيف ولو كان كذلك لبني وإنما تعني به أن قوةَ الكلام، قوةُ كلام آخر في ظاهره، وكذلك يجوز إظهار (في) مع الظرف فتقول: (خرجت يوم الجمعة) أي خرجت في يوم الجمعة، ولا تقول في أين وكيف مثلا: هل أين ولا أأين ولا هل كيف، ولا أكيف.
وقال السعد: حقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه. ثم قال: إن الفعل المذكور مستعمل في معناه الحقيقي مع حذف حال مأخوذة من الفعل الآخر بمعونة القرينة اللفظية، فقولنا: أحمد إليك فلاناً: أحمده مُنْهِيا إليك حمده، وقول اللَّه تعالى: (يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى) أي يقلبها نادما على. فالفعل المتروك وهو المضمن يعتبر قيدا للمذكور.
واعتُرض عليه بأن في كلامه تناقضا لأن قوله: (مع فعل آخر يناسبه) غير ملائم لقوله: (مع حذف حال) أي اسم لا فعل.
وقال السيد: من شأنهم أنهم يضمنون الفعل معنى فعل آخر فيُجرونه مجراه. فيقولون هيجني شوقاً فعدي إلى مفعولين بنفسه، وإن كان هو يتعدى إلى الثاني بـ (إلى). يقال: هيجه إلى كذا، لتضمنه معنى ذكَر. فإن قلت: إذا كان اللفظ مستعملا في المعنيين معا كان جمعا بين الحقيقة والمجاز، وإن كان مستعملا في أحدهما فلم يقصد به الآخر، فلا تضمين. قلت: هو مستعمل
стр. 88
في معناه الحقيقي فقط والمعنى الآخر مراد بلفظ محذوف يدل عليه ذكر ما هو من متعلقاته، فتارة يجعل المذكور أصلا في الكلام والمحذوف حالا كما في قوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) كأنه قيل: ولتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم. وتارة يجعل المحذوف أصلا والمذكور مفعولا كما مر من المثال، أو حالا كما يشير إليه قوله: يعترفون به، فإنه لا بد حينئذٍ من تقدير الحال: يعترفون به مؤمنين وإلا لم يكن تضمينا بل مجازا عن الاعتراف.
فاللفظ مستعمل في معناه الأصلي، وهو المقصود أصالة، لكن قصد بتبعيته معنى آخر يناسبه من غير أن يستعمل فيه ذلك اللفظ، ويقدر له لفظ آخر فلا يكون من الكناية ولا الإضمار بل من الحقيقة التي قصد منها معنى آخر يناسبها ويتبعها في الإرادة وحينئذٍ يكون واضحا بلا تكلف. اهـ.
وقال ابن جني: اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر وكان أحدهما يتعدى بحرف والآخر بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه
بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه وذلك كقوله: رفثت إلى المرأة إنما تقول: رفثت بها أو معها، لكن لما كان الرفث هنا في معنى الإفضاء، وكنت تعدي أفضيت بـ (إلى)، جئت بـ (إلى) مع الرفث إيذانا وإشعارا أنه بمعناه، وكما جاؤوا بالمصدر فأجروه على غير فعله لما كان فيه معناه نحو قوله: وإن شئتم تعاودنا عوادا ومنه قول اللَّه تعالى: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) وكذلك قوله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) أي مع اللَّه وأنت لا تقول سرت إلى
стр. 89
زيدِ أي معه، لكن لما كان معناه: من ينضاف في نصرتي إلى الله؟ جاز لذلك أن تأتي هنا بـ (إلى). وكذلك قوله تعالى: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟ لكن لما كان " هذا دعاء من موسى صلوات اللَّه عليه، صار تقديره: أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى. وعليه قول الفرزدق: قد قتل اللَّه زيادا عني ... لما كان معنى قتله: صرفه، عداه بـ عن. ووجدت في اللغة من
هذا الفن شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به، ولعله لو جمع أكثره لا جميعه لجاء كتابا ضخما، وقد عرفت طريقه فإذا مر بك شيء منه فتقبله وأْنس به فإنه فصل من العربية لطيف حسن يدعو إلى الأنس بها والفقاهة فيها. أ. هـ وقال في موضع آخر: ومن عادة العرب وسننهم التي يسلكونها أنهم إذا أعطوا شيئا من شيء حكما ما، قابلوا ذلك بأن يعطوا المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه عمارة لبينهما وتتميما للشبه الجامع لهما. اهـ.
وقال السيوطي: إيقاع لفظِ موقع غيره لتضمنه معناه.
وقال ابن هشام: قد يُشربون لفظا معنى لفظ فيعطونه حكمه، وشممى ذلك تضمينا، وفائدته أن تؤدي كلمة مُؤدى كلمتين، ثم ذكر لذلك
أمثلة منها قوله تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) ضمن معنى (تُحرموه) فعدي إلى اثنين لا إلى واحد و (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) ضمن معنى (تنووه) فعدي بنفسه لا بـ (على). و (لَا يَسَّمَّعُونَ
إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى) ضمن معنى (يُصغون) فعدي بـ (إلى). و (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) ضمن معنى (يميز) فجيء بـ من. قال: وفائدة
стр. 90
التضمين أن يدل بكلمة واحدة على معنى كلمتين. وقال في معاني الباء: (وَقَد أَحسَنَ بِي) أي إليَّ وقيل: ضمن أحسن معنى لطف.
وقال ابن القيم: في قول اللَّه تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) يضمنون يشرب معنى يروى فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون ذلك دليلا على الفعلين أحدهما بالتصريح به والثاني بالتضمن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها، وهذا أحسن من أن يقال: يشرب منها فإنه لا دلالة فيه على الري، وأن يقال: يروى بها لأنه لا يدل على الشرب بصريحه بل باللزوم، فإذا قال: يشرب بها، دل على الشرب بصريحه وعلى الري عن طريق الباء فتأمله.
وقال السيوطي: المتضمن معنى شيء لا يلزم أن يجري مجراه في كل شيء، ومن ثم جاز دخول الفاء في خبر المبتدأ المتضمن معنى الشرط نحو: الذي يأتيني فله درهم وامتنع في الاختيار جزمه عند البصريين ولم يجيزوه إلا في الضرورة وأجاز الكوفيون جزمه تشبها بجواب الشرط ووافقهم ابن مالك.
قال أبو حيان: ولم يسمع من كلام العرب الجزم في ذلك إلا الشعر.
زعم بعضهم أن التضمين بالمعنى الذي ذكره السعد، وهو جَعْل وصف الفعل المتروك حالا من فاعل المذكور، يسمى تضمينا بيانيا وأنه مقابل للنحوي وقيل: إن التضمين من باب المجاز، ويعتبر المعنى الحقيقي قيداً وهذا الذي اعتبره الزمخشري. فعلى مذهب السعد يقال: ولا تأكلوا أموالهم ضامّيها. وعلى مذهب الزمخشري: ولا تضموها إليها آكلين. وقيل: التضمين من الكناية، لفظ أريد به لازم معناه. والجمع بين الحقيقة والمجاز إنما يتأتى
стр. 91
على قول الأصوليين: إن قرينة المجاز لا يُشترط أن تكون مانعة. أما على قول البيانيين: فيشترط أن تكون القرينة مانعة، فقيل: التضمين حقيقة ملوحة لغيرها، وقيل: التضمين من باب المجاز، وقيل: التضمين من باب الكناية.
قال ابن تيمية: والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف، تقوم مقام بعض كما يقولون في قوله تعالى: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) أي مع نعاجه و (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) أي مع الله. ونحو ذلك ... والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمن فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه وكذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) ضمن معنى يزيغونك ويصدونك وكذلك قوله: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ضمن معنى نجيناه وخلصناه. وكذلك قوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) ضمن يروى ونظائره كثيرة.
وقال الزركشي: التضمين إعطاء الشيء معنى الشيء وتارة يكون في الأسماء وفي الأفعال وفي الحروف فأما في الأسماء فهو أن تضمن اسما معنى اسم لإفادة معنى الاسمين جميعا كقوله تعالى: (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ضمن حقيق معنى حريص ليفيد أنه محقوق يقول الحق وهو حريص عليه. وأما الأفعال فأن تُضمن فعلا معنى فعل آخر ويكون فيه معنى الفعلين جميعا، وذلك بأن يكون الفعل يتعدى بحرف فيأتي متعديا بحرف
стр. 92
آخر ليس من عادته التعدي به، فيحتاج إما إلى تأويله أو تأويل الفعل ليصح تعديه به. واختلفوا أيهما أولى، فذهب أهل اللغة وجماعة من النحويين إلى أن التوسع في الحرف، وأنه واقع موقع غيره من الحروف أوْلى. وذهب المحققون إلى أن التوسع في الفعل وتعديته بما لا يتعدى لتضمنه معنى ما يتعدى بذلك الحرف أوْلى لأن التوسع في الأفعال أكثر. مثاله: قوله تعالى: (عَيْنًا يشَرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) ضمن يشرب معنى يروى لأنه لا يتعدى بالباء فلذلك دخلت الباء، وإلا فيشرب يتعدى بنفسه وأريد باللفظ الشرب والري معا فجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد، وقيل: التجوز في الحرف وهو الباء
فإنها بمعنى (مِنْ) وقيل: لا مجاز أصلا، بل العين ها هنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء نفسه، نحو نزلت بعين فصار مكانا يشرب به.
وعلى هذا (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ) قال الراغب: وهذا بخلاف المجاز، فإن فيه العدول عن مسماه بالكلية، ويراد به غيره كقوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) فإنه استعمل أراد في مقاربة السقوط لأنه من لوازم الإرادة، وأن من أراد شيئا فقد قارب فعله، ولم يرد باللفظ هذا المعنى الحقيقي الذي هو الإرادة ألبتَّةَ، والتضمين أيضا مجاز لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا، والجمع بينهما مجاز خاص يسمونه بالتضمين تفرقة بينه وبين المجاز المطلق.
وقال الزركشي: يراعى في التعدية المحذوف. الرفث إلى: الإفضاء.
أتوا على: أشرفوا. يرد بإلحاد: يُهمّ، ثم قال: ولم أجد مراعاة الملفوظ إلا في موضعين: أحدهما؛ (يُقَالُ لَه وُ إِبرَاهيمُ) على قول ابن الضائع: أنه
стр. 93
ضمن يقال معنى ينادي، وأورد على نفسه كيف عدي باللام والنداء لا يتعدى به، وأجاب: بأنه روعي الملفوظ به وهو القول: قلت له. الثاني: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) فإنه قد يقال: كيف يتعلق التكليف بالمرضع؟ وأجيب: بأنه ضمن حرم: المعنى اللغوي وهو المنع فاعترض كيف عدي بـ (على) والمنع لا يتعدى به؟ وأجيب بأنه روعي الملفوظ به وهو: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) ثم نقل قول القاضي أبي بكر في كتابه إعجاز القرآن: هو حصول معنى فيه من غير ذكر له باسم أو صفة هي عبارة عنه ثم قسمه إلى قسمين: أحدهما ما يفهم من البنية كقولك: معلوم، فإنه يوجب أنه لا بد من عالم، والثاني من معنى العبارة من حيث لا يصح إلا به كالصفة، فضارب يدل على مضروب. قال: والتضمين كله إيجاز وذكر أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) من باب التضمين لأنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله أو التبرك باسمه.
وفي كلام ياسين بن زين الدين العليمي في حاشيته على شرح التصريح على التوضيح ثمانية أقوال في التضمين:
الأول: أنه مجاز مرسل لأن اللفظ استمعل في غير معناه لعلاقة وقرينة.
الثاني: أن فيه جمعا بين الحقيقة والمجاز لدلالة المذكور على معناه بنفسه وعلى معنى المحذوف بالقرينة.
الثالث: أن الفعل المذكور مستعمل في حقيقته لم يُشرب معنى غيره - كما جرى عليه صاحب الكشاف - ولكن مع حذف حال مأخوذة من الفعل
стр. 94
الآخر المناسب بمعونة القرينة اللفظية كما ذكر السعد. وقال السيد: ذهب بعضهم إلى أن اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي فقط، والمعنى الآخر مراد بلفظ محذوف يدل عليه ما هو من متعلقاته. وفيما مثل به جعل المحذوف أصلاً والمذكور مفعولا كـ أحمد إليك فلاناً أي أُنهي إليك حمده، يعني أن المذكور يدل على ذلك، كما يدل على الحال، وقد أراد السيد بيان وجه آخر ليفيد أن ذلك أمر اعتباري لا ينحصر فيما قاله السعد.
الرابع: أن اللفظ مستعمل في معناه الأصلي، فيكون هو المقصود أصالة، ولكن قصد بتبعيته معنى آخر، فلا يكون من الكناية ولا الإضمار.
الخامس: أن المعنيين مرادان على طريقة الكناية، فيراد المعنى الأصلي توصلا إلى المقصود، ولا حاجة إلى التقدير إلا لتصوير المعنى.
السادس: أن المعنيين مرادان على طريق عموم المجاز.
السابع: أن دلالته غير حقيقية ولا تجوز في اللفظ، وإنما التجوزُ في إفضائه إلى المعمول، وفي النسبة غير التامة. ونقل ذلك عن ابن جني وقال: ألا ترى أنهم حملوا النقيض على نقيضه فعدوه بما يتعدى به، كما عدوا (أسر) بالباء حملاً على (جهر)، و (فَضُل) بـ عن حملاً على (نَقَص) وقد علق هذا القول على الصحة.
الثامن: أنه لا بد في التضمين من إرادة معنيين في لفظ واحد على وجه يكون كل منهما بعض المراد، وبذلك يفارق الكناية فإن أحد المعنيين تمام المراد، والآخر وسيلة إليه، وهذا اختيار ابن كمال باشا وقد علق هذا القول على الثبوت.
وقال الدسوقي: مشيرا إلى قول ابن هشام (وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين) ظاهر في أن الكلمة تستعمل في حقيقتها ومجازها والجمع بين الحقيقة والمجاز إنما يتأتى على قول الأصوليين: إن قرينة المجاز لا يشترط
стр. 95
أن تكون مانعة، أما على قول البيانيين فيشترط أن تكون القرينة مانعة فقيل: التضمين حقيقة ملوحة لغيرها.
وقال الصبان على الأشموني: إن التضمين النحوي إشراب كلمة معنى أخرى بحيث تؤدي المعنيين، والتضمين البياني تقدير حال تناسب الحرف وتمنع كون التضمين النحوي ظاهراً عن البياني، للخلاف في كون النحوي قياسياً وإن كان الأكثرون على أنه قياسي، كما في ارتشاف أبي حيان دون البياني.
وقال ابن كمال باشا: في رسالة له في التضمين: فالتضمين أن يقصد بلفظ معناه الحقيقي ويلاحظ معه معنى لفظ آخر يناسبه ويدل عليه بذكر شيء من متعلقات الآخر كقولك: أحمد إليك فلانا، فإنك لاحظت فيه مع الحمد معنى الإنهاء ودللت عليه بذكر صلته أعنى كلمة (إلى) كأنك قلت: أُنهي حمده إليك، وإنما أطلقت اللفظ لينتظم الاسم، فإن التضمين لا اختصاص له بالفعل، أفصح عن ذلك صاحب الكشاف في سورة الزخرف حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) وضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله: في السماء وفي الأرض كما تقول: هو حاتم في طيءٍ، حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجود الذي اشتهر به، كأنَّك قلت: هو جواد في طيءٍ جواد في تغلب.
ولغفوله عن هذا قال الفاضل التفتازاني: وحقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه، وتبعه الفاضل الشريف حيث قال: التضمين أن يُقصد بلفظ فعل معناه الحقيقي. والقاعدة في التضمين أن يراد الفعلان معا قصداً وتبعاً لأن أحدهما مذكور بذكر صلته، ولأن ذكر الصلة غير لازم للتضمين
стр. 96
كما إذا ضمن اللازم معنى المتعدي، وتكون تعديته قرينة للتضمين، وبالجملة لابد في التضمين من إرادة معنيين من لفظ واحد على وجه يكون كل واحد منهما بعض المراد فبه تفارق الكناية، فإن أحد المعنيين فيها تمام المراد والآخر وسيلة لا يكون مقصوداً أصالة، وبما قررناه اندفع ما قيل: الفعل المذكور إن كان في معناه الحقيقي فلا دلالة على الفعل الآخر، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على المعنى الحقيقي، وإن كان فيهما جميعا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
وقال الأستاذ حسين والي: والتضمين مبحث ذو شأن في العربية، وللعلماء في تخريجه طرق مختلفة فقال بعضهم: إنه حقيقة، وقال بعضهم: إنه مجاز، وقال آخرون: إنه كناية. وقال بعضهم: إنه جمع بين الحقيقة والمجاز على طريقة الأصوليين، لأن العلاقة عندهم لا يشترط فيها أن تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، وقد وجدوا مخرجا من هذا فقالوا: التضمين حقيقة ملوحة لغيرها.
وقال الأستاذ محمد الخضر حسين: للتضمين غرض هو الإيجاز، وللتضمين قرينة هي تعدية الفعل بالحرف وهو يتعدى بنفسه أو تعديه بنفسه وهو يتعدى بالحرف. وللتضمين شرط هو وجود مناسبة بين الفعلين، وكثرة وروده في الكلام المنظوم والمنثور تدل على أنه أصبح من الطرق المفتوحة في وجه كل ناطق بالعربية متى حافظ على شرطه، فالكلام الذي يشمل على فعل عدي بحرف وهو يتعدى بنفسه، أو عدي بحرف وهو يتعدى بغيره يأتي على وجهين:
стр. 97
الوجه الأول: ألا يكون هناك فعل يناسب الفعل المنطوق به حتى تخرج الجملة على طريقة التضمين، ومثل هذا نَصِفه بالخطأ والخروج عن العربية ولو صدرت عن العارف بفنون الكلام.
الوجه الثاني: أن يكون هناك فعل يصح أن يقصد المتكلم لمعناه مع معنى الفعل الملفوظ، وبه يستقيم النظم، وهذا إن صدر ممن شأنه العلم بوضع الألفاظ العربية، ومعرفة طرق استعمالها، حُمل على وجه التضمين الصحيح كما قال سعد الدين التفتازاني: فشمرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم. والتشمير لا يتعدى بـ (إلى) فيحمل على أنه قد ضمن شمر معنى (الميل) الذي هو سبب التشمير عن ساق الجد. من هنا نعلم أن من يُخطئ العامة في أفعال متعدية بنفسها، وهم يعدونها بالحرف مصيب في تخطئته، وليس معنى هذا أن التضمين سائغ للعارف بطرق البيان دون غيره، إنما أريد أن العارف بوجود استعمال الألفاظ لا نبادر إلى تخطئته متى وجدنا لكلامه مخرجا من التضمين الصحيح.
وذكر أبو البقاء في كتابه الكليات عن بعض العلماء أن التضمين ليس من باب الكناية ولا من باب الإضمار بل من باب الحقيقة إذا قصد بمعناه الحقيقي معنى آخر يناسبه ويتبعه في الإرادة، وذكر عن بعضهم أن التضمين إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه وهو نوع من المجاز. ومن هذا الفن في اللغة شيء كثير لا يكاد يحاط به. فقوله هذا يوحي بأن التضمين قياسي وليس بسماعي.
والتضمين إلحاق مادة بأُخرى لتضمنها معناها باتحاد أو تناسب. وظاهر من هذا أن الكلمة تستعمل في حقيقتها ومجازها (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي يمتنعون بالحلف عنهم. وليس حقيقة الإيلاء الإ الحلف،
стр. 98
فاستعماله في الامتناع عن الوطء هو طريق المجاز، من باب إطلاق السبب على المسبب وبذلك جمع بين الحقيقة والمجاز. على رأي علماء الأصول: إن قرينة المجاز لا يشترط أن تكون مانعة بخلاف رأي البيانيين أنها مانعة فقالوا: التضمين حقيقة ملوحة بغيرها. فالتضمين من خلال النظريات الدلالية المعاصرة يحسن أن نتناوله بشيء من المرونة في تفسير اللفظ، فاللغة حياة، وألا نأخذ المعنى المعجمي المصبوب في قوالب جامدة فمعنى اللفظ يتعاون عليه السياق والمقام ولهذا السبب فرق علماء الأصول عند استنباط الأحكام بين نوعين من دلالة اللفظ. الدلالة الوضعية كما تواضع عليها علماء اللغة، والدلالة الإطلاقية أو الأصولية. فاللغة لا تنفرد بالدلالة دون تدخل قصد المتكلم ومقام البيان.
التضمين إذاً مجلى من مجالي الفكر تظهر فيه قدرة الألفاظ على اختزان المعاني، فاللفظ قد يشمل على معانٍ كثيرة، والتضمين يومئ إلى واحد منها أو أكثر بلمحة تدل عليه وفي التلويح غنى عن التصريح. وقد يَنشد المتكلم معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظ هو تبيعه أو رديفه، فإذا دل على التابع أبان عن المتبوع.
стр. 99
المبحث الثاني
موضوع التضمين
وفيه مطالب:
المطلب الأول: نشوء ظاهرته.
المطلب الثاني: غرضه.
المصب الثالث: فائدته.
المطلب الرابع: قياسي أم سماعي.
المطلب الأول: نشوء ظاهرة التضمين
لماذا اختصت بعض الأفعال بحرف معين كفعل قصد الذي يتعدى بـ (إلى) وفعل عمد المتعدي باللام على الفصيح؟ لعل هذا التخصيص وارد من قبل الملابسة الواقعة بين معنى الفعل ومعنى الحرف الملازم له، عمد والعمود والعمدة تفيد معنى الارتكاز والتحامل على الشيء بثبات، وهذا لا يتوافق مع
إلى أو عن أو سواه وإنما مع اللام التي تفيد الاختصاص أو الملك. وكذلك فعل قصد، والقصد والمقصود الذي يفيد التوجه إلى غاية مخصوصة ونهاية يطلبها، وهذا يتناسب مع إلى التي تفيد الغاية. وفعل رغب إذا أفاد انصراف النفس عن شأن من الشؤون تعدى بـ (عَنْ) وإذا أفاد انغماسها تعدى بفي.
فإذا كان هذا هو سر اختصاص هذه الحروف فكيف نفسر تعدّي الفعل
стр. 100
بغير حرفه المعتاد؟ وكيف نفسر بعض الشواهد التي تخرج فيها الحروف عن معانيها المعتادة أو خصوصياتها؟ أقول: هذه عادة للعرب مألوفة وسنة مسلوكة: إذا أعطَوا شيئاً من شيء حكما قابلوا ذلك بأن يُعطوا المأخوذ منه حُكما من أحكام صاحبه، عمارة لبينهما، وتتميما للشبه الجامع بينهما. (فشرب) أعطيناه حكما من أحكام صاحبه (استمتع) في تعديته بالباء عمارة لبينهما، وحين غمض تفسير هذه الظاهرة على علمائنا الأجلاء، ساقهم الاجتهاد العقلي إلى افتراضٍ قدَّروه
لتعليل هذه الظاهرة هو: (التضمين) وغالبا يكون الافتراض سبيلا للتعليل والتفسير منذ القديم.
جاء في حاشية السجاعي على القطر لابن هشام أن أول من قدر التضمين البياني هو السعد أخذاً من عبارة وقعت للزمخشري في الكشاف على ما ذكره ابن كمال باشا في رسالة التضمين.
وجاء في أمالي السهيلي ما يلي: وتعدية (يخالف) بـ (عَنْ) في قوله تعالى: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) محمول على ينحرفون أو يروغون، ومثله تعدية رحيم بالباء في قوله تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) حملا على رؤوف (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ألا تقول: رافت به، ولا تقول: رحمت به؟
والرفث بمعنى الإفضاء في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ومنها الإحماء في قوله تعالى: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا
стр. 101
فِي نَارِ جَهَنَّمَ) حملا على يوقد عليها. وفي قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ). والجاري على ألسنتهم: ظفرت به وأظفرني اللَّه به، ولكن جاء محمولا على أظهركم عليهم. أ. هـ. والظاهر من كلام السهيلي أنه أراد بالحمل معنى التضمين ليس غير.
المطلب الثاني: الغرض من التضمين للتضمين غرض هو الإيجاز وقرينة هي تعدية الفعل بالحرف وهو يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه وهو يتعدى بالحرف، أو تعديته بغير حرفه المعتاد، أو يتعدى لمفعول واحد عداه لمفعولين، أو يتعدى لمفعولين عداه لواحد، أو لازم عداه، أو متعد جعله لازما. وكثرة وروده في الكلام المنثور والمنظوم تدل على أنه أصبح من الطرق المفتوحة في وجه كل ناطق بالعربية متى حافظ على شروطه. فإن لم نرَ بين الفعلين العلاقة التي يُعتد بها فيما ذكرت، كان التضمين باطلا، فإذا وجدت العلاقة ولم يلاحظها المتكلم، فاستعمل فعل أذاع متعديا بحرف الباء، ظناً منه أنه يتعدى به، لم يكن كلامه من باب التضمين بل كان كلامه غير صحيح.
الكلام المشتمل على فعل عُدِي بحرف وهو يتعدى بنفسه، أو عُدِي بحرف وهو يتعدى بغيره، يأتي على وجهين: الوجه الأول: ألا يكون هناك فعل يناسب الفعل المنطوق به حتى تخرج الجملة علئ طريقة التضمين. ومثل هذا نصفه بالخطأ. الوجه الثاني: أن يكون هناك فعل ملحوظ يصح أن يقصد المتكلم بمعناه مع معنى الفعل الملفوظ، وبه يستقيم النظم إن صدر عن من شأنه العلم بوضع الألفاظ العربية، ومعرفة طرق استعمالها، فيحمل على وجه
стр. 102
التضمين الصحيح كما جاء في الحديث: كان رسول اللَّه ﷺ يتخولنا بالموعظة خشية السآمة علينا. فضمن السامة معنى المشقة فعداها بـ (على). فإن صدر هذا من جاهل باللغة كان لك أن تحكم عليه بالخطأ وإن سمعت قائلا يقول: أرجو اللَّه قضاء حاجتي. فلا جناح عليك أن تحكم عليه باللحن والخروج عن الفصحى لأن فعل الرجاء لا يتعدى إلى مفعولين إلا أن تجعل فعل (أرجو) مُشربا فعل (أسأل) بناء على أن بين الرجاء والسؤال علاقة السببية وتُدخل ذلك في باب التضمين.
فالغرض من التضمين إفراغ اللفظين إفراغا كأنَّ أحدهما سُبِك في الآخر فالمعنى لا يأتيك مُصرحا بذكره، مكشوفا عن وجهه بل مدلولا عليه بغيره، يشارفه من طريق يخفى ومسلك يدق، يتلوّح لك بعضه بالإيماء دون الإفصاح وذلك أحلى وأدمث من أن يكون مكاشفة ومُصارحة وجهَرا، عناية بما وراءه من معناه وتوصلاً إلى إدراك مطلبه الذي لا يفطن له إلا من أوتي النظر، ويستشف الغامض ويصل إلى الخفي، حتى كأنَّ الإفصاح به غير سائغ، والإعلان عنه مستوحش. والغرض من التضمين أن يكون لفظه ممطوراً، مفترًّا عن أزهاره، مُبتسما عن أنواره، يحمل في حروفه معنى، ويجر من ورائه معنى، أو يستتبع معنى، وهذا أشفى للنفس من المعنى الفذ.
والصلة بين المضمن والمضمن فيه قُرْبُ رحمٍ، تتعدى الظواهر إلى الضمائر لِتَخلُصَ إلى السرائر، فلا نرى تضمينا مقبولا صحيحا حتى يكون المعنى هو الذي تاهب لطلبه واستدعاه، وساق نحوه، وأهدى إلى مذهبه، بطريق من طرق الدلالة بمنطوقة أو مفهومه، مُوافقا لوضع اللغة، سائغاً في الاستعمال ولو على سبيل المجاز، ليزيد في قيمته ويرفع من قَدْره ويعلو في
стр. 103
منزلته بجماله المستفاد من طريق العرض وحسنه المكتسب بالصنعة.
المطلب الثالث: فائدة التضمين
أن تؤدي كلمة مُؤدى كلمتين فالكلمتان مقصودتان معاً قصداً وتبَعاً، فإذا استُعمل اللفظ في غير ما هو له فقد أضاف معنى إلى أصله، وجاز به موضعه إلى مواضع أُخر من دلالاته، فيكون كل مُنصرَف ينصرف إليه متصلا بأصله.
فالوقوف على ظاهره وطرفِ منه يقطعنا عن مذاق طعم الاتصال، طعم الجمع بين طعومه ومذاقاته.
فمرة يكون المذكور أصلا، والمحذوف المقدر فرعا: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) أي لتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم.
ومرة يكون العكس فالمحذوف الُمقدر أصل والمذكور فرع (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أي الذين يقرون ويعترفون مؤمنين بالغيب.
ومرة يكون أحدهما مجملاً والآخر مبيناً وموضحاً (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) فالرؤية مجملة والتأمل والاعتبار تبيين للمعنى وتأليق لصورته. ومن عادة العرب أن يُعطوا المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه عمارة لبينهما وتتميما للشبه الجامع بينهما.
ومرة يكون المذكور خاصا والمقدر عاما (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ). فالشرب خاص بحاسة الذوق، والتلذذ عام: فيكون بالبصر في لمعان الماء وتدفقه وانفجاره من العين، ويكون بالسمع بصوت الخرير، ويكون بالجسد بالسباحة والعوم، و ... فخص التلذذ بالشرب دون سائر الحواس.
стр. 104
ومرة يكون المذكور مطلقا والمقدر مقيدا (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) أي مقدسون، فالعكوف مطلق والتقديس مقيد.
ومرة يكون المذكور مُلمِّحا بالغرض والمقدر مُصرحا به (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي يميز ويكشف، فصرح بالعلم وألمح بالكشف.
ومرة يكون المذكور وسيلة للغرض والمقدر غاية (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) فالشرب وسيلة لغاية الاستمتاع واللذة.
ومرة تكون العلاقة بين المضمن والمضمن فيه علاقة جزء من كل (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ). فالدعاء تضرع وتوسل ورجاء، وما تدعون إليه هو المرجو والمطلوب وعنده المطالِبُ والحاجات وهو جانب من معاني الدعاء.
ومرة يكون المقدر سببا من أسباب المذكور (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ). فتضمن ارزقوا معنى اتجروا مما يجعل العلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فالتجارة سبب من أسباب الرزق.
وهكذا مرة ... ومرة ... ومرة ... إلخ.
المطلب الرابع: قياسية التضمين وآراء العلماء فيه
ذكر أبو البقاء عن بعض العلماء أن التضمين إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه. وقال: التضمين سماعي لا قياسي وإنما يُذهب إليه عند
стр. 105
الضرورة. ثم قال: ومن هذا الفن في اللغة شيء كثيرٌ لا يكاد يحاط به، ويؤخذ من هذا أن التضمين سماعي.
وذكر الشيخ ياسين في التلويح على التصريح: أن التضمين سماعي.
وقال صاحب التصريح بمضمون التوضيح الشيخ خالد الأزهري: واختلف في التضمين أهو قياسي أم سماعي؟ والأكثرون على أنه قياسي، وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى. قاله المرادي في تلخيصه.
والتضمين النحوي قياسي عند الأكثرين، والتضمين البياني قياسي بإجماع النحويين. وقد ذكر ابن جني أنه لو نقل ما جُمع من التضمين عن العرب لبلغ مِئين أوراقاً. فإذا قررنا أن التضمين قياسي فقد جرينا على قول له قوةٌ واعتمدنا على ركن شديد. وإذا قلنا سماعي فقد يعترض علينا من يقول: إن من علماء اللغة من يرى أنه قياسي فلماذا تُضيقون على الناس؟ فنحن نثبت القولين، ولكن نرجح قياسيته، والقول بجواز استعماله للعارفين بدقائق العربية وأسرارها، ولا يصح أن نحظره عليهم لأنه داخل في الحقيقة أو المجاز أو الكناية. والبلغاء يستعملونه في كلامهم بلا حرج فكيف نسد باب التضمين في اللغة وهو يرجع إلى أصول ثابتة فيها؟ فعلى نحو - هذه التأويلات ينبغي أن يحمل ما ورد من هذا الباب وهو مقصور على السماع لا يجوز القياس عليه، وجميع ما أورده ابن قتيبة في هذا الباب إنما نقله من كتاب يعقوب بن السكيت في المعاني، وفي هذا الباب لم يذكر كلمة تضمين ولو مرة واحدة على كثرة ما أورده من مسائل وإنما يستعمل كلمة (الحمل)
стр. 106
وما دام التضمين لا يهتدي إليه إلا من أوتي بصيرة نافذة في إدراك الجمال، فهو غير مرتبط بقواعد. ذاتي لا يخضع لمعيار، له ماء ورونق، تحيط به المعرفة ولا تدركه الصفة، يغلب عليه طابع الملاحظة والتأمل الشخصي والاجتهاد.
стр. 107
الفصل الثالث
صلة الحروف بالتضمين
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التضمين وتناوب الحروف.
المبحث الثاني: التضمين وزيادة الحروف.
стр. 108
المبحث الأول
التضمين وتناوب الحروف
(لأن لكل حرف من حروف المعاني وجها هو به أوْلى من غيره فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره الا بحجة يجب التسليم بها) الطبري.
(والعرب تضمن الفعل معنى الفعل، ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف نقوم مقام بعض) ابن تيمية.
(وظاهرية النحاة بجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر، وأما فقهاء العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره. هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه، وطريقة حذاق أصحابه) ابن قيم الجوية.
(وكذلك عادة العرب أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما بينهما من الارتباط والاتصال، وجهلت النحوية هذا فقال كثير منهم: إن حروف الجر يبدل بعضها من
стр. 109
بعض، ويحمل بعضها معاني البعض، فخفي عليهم وضع فعل مكان فعل وهو أوسع وأقيس، ولجؤوا بجهلهم إلى الحروف التي يضيق فيها نطاق الكلام والاحتمال). ابن العربي.
(إن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يصل إلى معموله بحرف والآخر يصل بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موضع صاحبه إيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر). ابن يعيش.
طَويتُ نفسي ذات يوم على موضوع شائك، كاني أطلب فيه خبيئة خفيت عني، وأتدسس إلى دفين مرّ به المفسرون مستعجلين.
عجبا ... كيف ينوب الحرف عن أخيه وهو لا يحمل معناه في نفسه إلا على استحياء!.
ترخّص في تناوب الحروف مَن ترخص من المقلدين ليخرج من وعورة المسلك، ويفر من صعوبة البحث، إلى قرب المأخذ وسهولة التناول. وأما الحُذاق المتقنون فإلى التضمين في الفعل أميل، وفيه أرغب، وبه أعنى، وسيبويه أولهم ركابا لهذا الثَبَج غير هيّاب منه، وأكثر كلام أتباعه عليه.
ولعل الذي حملهم على هذا الخلاف، دقة المدخل وغموض الحال، ولو تساهم أُلو النظر في التأمل في معاني الحروف، وإمعان النظر فيها، والبحث عن سرها ومستودعها، لمكنّهم من اكتلاء غُررها واجتلاء أبكارها وعُونها.
وما كان هذا الحسن في حروف العربية، وهو الذي لوى أعناق الفصحاء والبلغاء، إلا لما بناه سبحانه على أسرار استودعها فيها. فلا تقفْ على الفعل مبهوتا بلا لحظ، ولا على حرفه المتعدي به محشوبا بلا تأمل:
стр. 110
(فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) تعدى (فرض) بـ في ومعناه أوجب وألزم.
(فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) وتعدى بـ (مِن) ومعناه قسما.
(فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لهُ) وتعدى باللام ومعناه أحل أو قدر.
(إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) وتعدى بـ (على) ومعناه أنزل.
نعم (فرض) يتعدى بأكثر من حرف ويختلف معناه باختلاف الحرف المتعدي به كما رأيت، أوليس هذا دليلا غير مدفوع على أن التضمين جرى في الفعل لا في الحرف، وشاهد على فساد مَن ذهب إلى خلافه؟!.
وهذا ابن القيم يسوق لفعل السمع أربعة معانٍ:
١ - سَمْعُ إدراكٍ ومتعلقه الأصوات ويتعدى بنفسه (إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ).
٢ - سَمعُ فهمٍ وعقلٍ ومتعلقه المعاني (سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ).
٣ - سَمْعُ إجابة ويتعدى باللام (سمع اللَّه لمن حمده).
٤ - سَمْعُ انقياد ويتعدى بـ (مِن) في الحديث قال: " ما سمعت مني " وفي حديث آخر: " تكلم يُسمع مِنك ".
فحين يتعدى الفعل بأكثر من حرف يكون المستنبَط والمُستخرَج دقيقا، والتماسه صعبا، ولا يُدرك إلا بالغوص. هذا فعل دخل تعدى بـ (على) وفي
следующие страницы →