Полный текст (668 стр.). Показаны 631–668 · переход к 636.
стр. 631
أما إذا تعدى بـ (مِن) فإنه يتضمن معنى (الخروج). في قوله تعالى: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) وقوله تعالى: (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وفي قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) تضمن الهبوط معنى السقوط وحين يتعدى بنفسه في قوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) فإنه يتضمن معنى (النزول).
أرأيت كيف يتغير معنى (الهبوط) بتغير الحروف التي يتعدى بها؟! ولو توهمتَ آخذا بتعاور الحروف لحرمت نفسك من محاسن هذه الصنعة وسددت عليك باب الحظوة بها.
ولو سأل سائل: لم اختار الهبوط على الحلول وهذه أندى ظلالًا؟ قلت: لو قال: احلل لضاع علينا معنى الهبوط أي النزول فليس معنى حلول السفينة هو نزول أهلها منها. ولو قال: (يا نوح اهبط): سينزل إلى أين؟ لا بد من قرار ودار سلام يحل بها، وإلا بقي مرتحلا ليس له مقام.
فجمع التضمين الهبوط مع الحلول فأفادهما جميعا، وبذلك أسفر وجهه عن غرض تعدية الفعل بغير حرفه لدى الاستقراء له والبحث عن كنهه. فإياك والوقوف مع كثافة الذهن في التناوب والتعاور لأنها تدعوك لإنكار هذه اللطائف.
* * *
стр. 632
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا).
ذكر أبو حيان: قال ابن عطية: الضمير يعود على الوقت والباء بمعنى في. وكذلك أبو السعود: ونافلة يجوز أن ينتصب بـ تهجد إذا تضمن معنى صل نافلة لك. قاله الحوفي.
وقال الآلوسي: الضمير (به) يعود على القرآن والباء للظرفية أي فيه.
أقول: (تهجد) تضمَّن معنى (تزود) وهذا يتعدى بالباء. والتنفل تطوع يتزود به المتنفل، ولا غنى للدعاة عن هذا الزاد إذا أرادوا النجاح لدعوتهم.
هذا هو الزاد لهذا الطريق: التهجد للتزود بالقرآن، بالتقوى.
القرآن روح الصلاة وقوامها ... فيه شفاء ... فيه رحمة ... فيه طمأنينة ... به الزاد كله.
شفاء من آفات القلب، ونزغات الشيطان، وعصمة من الشطط والزلل، ونور يضيء الطريق للسالكين، وفيه علم الأولين والآخرين.
اللَّه يوجه رسوله للاتصال به واستمداد العَون منه في أشرف الأوقات، في هدأة الليل، يكون لترتيل كلام اللَّه إيقاعُه في القلب وأثره في الحس، وعندها يتحرر القلب المتصل باللَّه من كل سلطان عداه، والمستمد منه ينقطع عن كل مددٍ سواه تلك هي أسرار الحروف لا يتلوح معناها إلا من خلال أسيقتها، فقد صرفت هذه الباءُ التهجدَ - وهو ترك الهجود - إلى معنى التزود - وهو طلب
стр. 633
الزاد - وما معنى التهجد إن لم يكن لهذا الزاد؟!
أما القول بالتناوب فمرجعه إلى تَرك التأمل، وخمود النفس، فمَن سلك هذا المسلك أعتم عليه السبيل. وضمن (يبعثك) معنى (يقيمك) قاله الزمخشري.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) .
قال أبو حيان: وقيل أرض الله: أي المدينة (فتهاجروا فيها): فتخرجوا إليها.
وذكر صاحب [فتح القدير]: المراد بالأرض: المدينة والأوْلى بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمراد بالأرض: كل بقعة تصلح للهجرة إليها.
وذكر الزركشي وابن هشام وابن الجوزي: أن تهاجروا فيها أي: إليها.
أقول: الحرف لا يشفع بشرح معناه إلا سياقه، أما التناوب في الحروف فاصرف وجهك عنه وادع إلى اطراحه.
لم عدَّاه ربنا بـ (في) وهو يتعدى بـ (إلى)؟ إنها التربية بمعالجة النفس البشرية لمطاردة عامل الشح والضعف، ففي مشهد الاحتضار وما فيه من رهبة،
стр. 634
وحضور الملائكة وما لهم من رجفة تسألهم: فيم كنتم؟ ويجيب المحتضرون بكل مذلة: كنا مستضعفين في الأرض. ويأتي التأنيب: ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها؟! إذاً حرصهم على أموالهم ومصالحهم وثمراتهم أمسكهم في دار الكفر، وهناك دار إسلام، يجهر فيها بعقيدته ويأمن على دينه، والهجرة إليها مستطاعة، ولكنها ذات تكاليف، ولابد للمهاجر أن يتغلب على عوامل الضعف والحرص والشح والخوف ... فتضمين (تهاجروا) معنى (تضربوا) وهو المتعدي بـ (في) جمع إلى الهجرة جهاد النفس حين يضرب في الأرض العريضة والفسيحة ليُوفر فيها الأمن لعقيدته.
ما أحوج المهاجر إلى ركوب الأخطار ... صابراً على ما يعانيه، وخوفا من معرة الرضا بالدنية (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وتصاونا من رذيلة القعود والتخلف مع المتخلفين أو التولي يوم الزحف. والقرآن لا يكشف عن أسراره إلا للسالكين إلى اللَّه السبيل يفوضون أمرهم لله في ثقة بالنصر بعد
أن لجؤوا إليه، وعصر الخوارق لم ينتهِ من نوح ﵇ إلى يومنا هذا فإذا خفيت عن البعض فلا تخفى عن الموصولين بالله.
كما يتحمل السياق تضمين (هاجر) معنى (ساح) المتعدي بـ (في) ليجمع إلى الهجرة السياحة فينجو من الفتنة في دينه إلى دار يأمن فيها على عقيدته، وإن كانت تكاليف السياحة باهظة: يترك القرابات والصداقات والأموال والمصالح ويتعرض لمخاوف انقطاع الرزق، ومتاعب تحصيله وآلام الغربة
стр. 635
ومخاطرها وتكاليفها وملاحقة الأعداء المتربصين به ... فالنص علاج لما يطرأ على النفس من ضعف أو شح أو تقصير في مواجهة التكاليف، تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس.
فلا تخلد إلى رأي إلا بعد السَبْر والتأمل والإنعام والتصفح، فإن وجدت حجة مقطوعا بها صرت إليها واعتمدتها فتفطن لأسرار هذه الحروف في كتاب اللَّه لتسلّم لعظمة الصنعة فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
ذكر الفيروزابادي: هداه اللَّه الطريق وله وإليه. فهدى لا وجه له في تعديته بالباء.
وروى الطبري في تفسيره: يهدون بالحق أي يستقيمون عليه ويعملون، وبه يعدلون وبالحق يعطون ويأخذون وينصفون من أنفسهم فلا يجورون.
وقال الرازي: لا يخلو زمان عن من يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه. ومثله أبو حيان: البحر: ٤/ ٤٣٠.
وذكر ابن كثير: يهدون بالحق: يقولونه ويدعون إليه، قال سعيد عن قتادة: عن النبي ﷺ يقول: " إذا قرأ هذه الآية: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ): هذه لكم، وقد أُعطي القوم بين أيديكم مثلها.
стр. 636
وذكر الآلوسي ومثله أبو السعود: يهدون الناس متلبسين بالحق، أو يهدونهم بكلمة الحق، وبالحق يحكمون في الحكومات.
أقول: يا سبحان اللَّه أتنزوي هذه الأمة عن العمل الإيجابي في حمل أعباء دعوة الحق ومشقات الطريق في تبليغه ودعوة الآخرين إليه، هكذا في سلبية عجيبة وصورة نظرية باردة يقولونه ويستقيمون عليه!
أما أن يكون الحق منهجا ينفذ في مناهج البشرية وتكون له القيادة والريادة. أما أن يصبح الإسلام ميزانا للحق تحتكم إليه الأمم وتنضبط به المناهج والتشريعات، وتوزن به التصرفات ... فهذا يحتاج إلى وقفة متانية عند الباء لمعرفة ما وراءها من أسرار إعجاز هذا الكتاب الكريم.
(فهدى) تضمّن معنى (بصَّر أو عرَّف أو أمر) وكلها متعدية بالباء.
والهداية والتبصير: المضمّن والمضمّن فيه يصدران من مشكاة واحدة ومن صفة هذه الأمة أن تبصِّر الأمم والشعوب بالحق وتعرفهم وتأمرهم باتباعه فهي إيجابية لا تقتصر على معرفة الحق بل تتجاوزه إلى الهداية به والدعوة إليه والأمر به قَالَ تَعَالَى: (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) والحق أعم من المعروف وأشمل.
وحسب المتعجلين في دراسة هذه الحروف أن يجعلوا من (يهدون): (يهتدون) من أجل تعدية الفعل بالباء، ولا عليهم بعد ذلك أن تضيع هذه الخصائص السنية، ومن أخص خصائصها الأمر ... والنهي.
стр. 637
لقد جمع التضمين الهداية إلى التبصير والتعريف، إلى إقامة العدل وتنفيذه والحكم به. فمن رام التعرف على أسرار هذه الحروف فلينعم النظر فيها مع الصبر والأناة، فلا تتلوح إلا لمُدلج لدقتها ولطفها مع سلامة الذوق وامتلاك الأداة.
من غموض لوضوح ... لمعانٍ تستبين
* * *
قَال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) .
قال الهروي: في هدى ثلاث لغات: هديته الطريق (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وهديته إلى الطريق: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهديته للطريق: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) وذكر ابن القيم ففعل هدى متى عُدي باللام تضمَّن التخصيص بالشيء المطلوب فأُتى باللام الدالة على الاختصاص والتبيين، فإذا قلت هديته لكذا، ففهم معنى ذكرته له وهيأته، ومتى عُدِّي بـ (إلى) تضمن معنى الإيصال إلى الغاية المطلوبة، وإذا تعدى بنفسه تضمَّن المعنى الجامع لذلك كله وهو التعريف والإلهام والبيان، وقال الأخفش: وأهل الحجاز يقولون هديته الطريق أي عرفته، وهديته البيت بلَّغته، وحكى
الزركشي والمالقي والفراء وابن الجوزي وابن قتيبة اللام بمعنى إلى، وذكر الزمخشري هدانا لهذا أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم وهو
стр. 638
الإيمان والعمل الصالح فضمن الهداية معنى التوفيق وقال الجمل: أي أرشدنا للعمل الذي هذا ثوابه وذكر أبو حيان الأصل أن يصل إلى معموليه باللام أو إلى ثم يتسع فيه فيعدى إلى ثاني معموليه بنفسه (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) .
أقول: من هذا العرض نلاحظ أن (هدى) يتعدى لأكثر من حرف ويتغير معناه حسب تعديه وحسب الأسيقة التي ينتظم فيها، ولعل تعديته باللام يفيد في سياق هذه الآية معنى (التوفيق).
فأصحاب الجنة وصفهم - وعملوا الصالحات - ثم لعلمه بضعفهم قال تعالى: (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ثم جاء حمدهم بعد هذا ليدل على توفيق اللَّه لهم بالعمل الصالح والذي أقلهم لدخول الجنة بدليل قوله تعالى: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فحَفدهم له على توفيقه لهم بعمل صالح يدخلهم جنته ولولا توفيقه ما دخلوها.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
قال الزمخشري: هدى أصله يتعدى باللام أو بـ (إلى): (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) وقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقد عومل هنا معاملة (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) أي منصوب على نزع الخافض. وإما بتضمينه معنى أدخل، يقال: سلكه وأسلكه.
стр. 639
وذكر الطبري: اهدنا: ألهمنا الطريق الهادي. وإلهامه إياه هو توفيقه له. والهداية في كلام العرب معناها التوفيق (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي لا يوفقهم ولا يشرح للحق صدورهم، والعرب تقول: هديت فلانا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق: إذا أرشدته إليه وسددته له، وكل ذلك فاشٍ في منطقها، موجود في كلامها. وقال أبو حيان: الهداية: إرشاد وتبيين وإلهام ودعاء، والأصل أن يصل إلى ثاني معموليه بنفسه.
وقال ابن عباس: أرشدنا للدين الذي ترضاه وهو الإسلام ويقال: ثبتنا عليه.
وقال البروسوي: عرفنا ما في كل شيء من دلالته على ذاتك وصفاتك وأفعالك وإقبال بالكلية عليك والإعراض عما سواك.
لقد جاءت الهداية كما رأينا بمعنى الإلهام والتوفيق والتعريف والإرشاد والتسديد وكلها لا تتعدى إلى الثاني بنفسها إلا ألهم. وقال بعضهم: انتصب الصراط على نزع الخافض.
أقول: ولعل تضمين (هداه) معنى (سلكه) ونظمه مسالكه، يصور مفهوم الهداية هنا على أشرف أحوالها وأنوه صفاتها، إنها التسليك العملي لا القولي في صراط المنعَم عليهم. ومَن هؤلاء؟ إنهم (مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ).
فليست الهداية كما قالوا: رجاء أو التماسا أو تعريفا بل تسليكا. وأي
стр. 640
فائدة من معرفة صراط الذين أنعمت عليهم إن لم يكن لنا من اللَّه تسليك؟ فأنزلت الهداية على حكم التسليك والتسيير على الصراط السوي في مسلك المهتدين، وهذا أكشف عن وجه المعنى، فالمتعدي بحرف اللام أو (إلى) يطلب الوصول إليها، أما المتعدي بنفسه فيطلب من اللَّه التسليك عليها وهو ثمرة الهداية وهو ضمان السعادة في الدارين. وللعارفين في هذا الباب ملاحظ ومباحث لا ترقى إليها إلا الخاصة.
* * *
قَال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) .
ذكر ابن القيم: ففعل الهداية متى عدي باللام تضمن (التخصيص بالشيء المطلوب)، فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين.
وحكى الزركشي وكذلك المالقي والفراء والهروي وابن الجوزي وابن قتيبة: اللام بمعنى (إلى) بدليل قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقال الزمخشري: هدانا: أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم وهو الإيمان والعمل الصالح.
وقال الجمل: أي أرشدنا للعمل الذي هذا ثوابه.
стр. 641
أقول: والحق أن تضمين الحروف لا حقيقة تحته. ولعل الهداية هنا تضمنت معنى (البيان والتبيين). فالقرآن إنما أنزل ليبين للناس أقوم السبل. فمن خصائصه التوضيح والتبيين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة. ومن شرف هذه اللغة أن تجد ألفاظا عدة تؤول بمقتضى الصنعة إلى معنى واحد بالملاطفة والإكثاب. فالأفعال (بيَّن ووضَّح وأعلن) تتعدى باللام فالقرآن يوضح لأتباعه أقوم السبل في تفجير الطاقة الإنسانية للعمل والبناء ويبين لأتباعه أقوم المناهج والأنظمة في الحكم والاجتماع والتعامل الدولي ... ويعلن لأتباعه أقوم المشاعر في العلاقات الإنسانية، وصيانة حرماتها وحقوقها، فالقوامة مطلقة (لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) فيمن يهديهي وفيما يهديهم في كل زمان ومكان.
وكان اللام جاءت مع الفعل (هدى) لتفتح له منافذ، ليكون على ما ذكرناه شاهدا، سائغا شرابه، فسياقه يعطيه مذاقه ويمنحه جماله فهو محير ولكن الحسن كذلك.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) .
ذكر الجمل: قوله بهادي العمي: ضمنه معنى الصرف فعداه بـ (عن).
وفي السمين: عن ضلالتهم فيه وجهان: الأول: أنه متعلق بهادي وعدي بـ عن
لتضمنه معنى تصرفهم. الثاني: متعلق بالعمي لأنك تقول: عمي عن كذا.
ذكره أبو البقاء.
стр. 642
وقال الآلوسي: وعن متعلقة بالهداية باعتبار تضمنها معنى الصرف
وجوز أبو البقاء أن تُعلق بالعمى الصادر عن ضلالتهم وفيه بُعد، وإيراد الجملة الاسمية - أنت بهادي - للمبالغة في نفي الهداية.
وقال البروسوي: وعن متعلق بالهداية باعتبار تضمّنها معنى الصرف.
والعمي جمع أعمى وهو افتقاد البصر تشبيها بـ (مَن) افتقد البصيرة (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِدَ).
أقول: صورة حية لجمود القلب وبلادة الحس، تُصورهم بالموتى مرة، وفي هيئة الصم مرة، وفي هيئة العمي مرة أخرى، فهم لا يسمعون الهادي ولا يبصرونه، ماتت قلوبهم عميت أبصارهم فما للنذير فيهم حيلة ولا إلى قلوبهم سبيل، وإنَّمَا السبيل إلى القلوب القابلة للهدى والمستعدة للاستماع فإنها تؤمن وتستجيب. فتضمين (هادِ) معنى (رادٍّ) يستجيب له السياق ويستضيء به المعنى فما أنت بهادٍ وإنما أنت مُبلّغ، وما أنت برادِّ العمي عن ضلالتهم إلى فطرتهم وإنما أنت نذير، تُسمع من له قلب أو ألقى السمع.
والسؤال: لم اختار المولى هدى بدلا من رد؟ والجواب: إنما بعث ليكون رسولَ هدايةٍ، فجمع التضمين المعنيين: الرد عن الضلالة، والهداية إلى الفطرة، إلى الإسلام، إلى الحق ... وهذا هو الغرض الذي أريد من (عن) وجيء بها من أجله، والذي هو من طبيعة الصنعة في هذه اللغة الشريفة.
إنه التضمين وهذه ثمراته. ويبقى الرد أوضح في الاستدلال على المراد
стр. 643
من الصرف لأن هذا معناه الإبعاد عن الضلالة فقط، أما الرد فهو الرجوع إلى الأصل إلى الفطرة، إلى الإسلام.
فإن كنت شارفت هذا المعنى أو ألمحت به أو تلوّح لك بعضه فاحمد اللَّه على نعمه وسلْه المزيد من فضله.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) .
قال ابن عباس: يهدي: يتبين. وذكر القرطبي والجمل: يهدي: مضمن معنى يتبين.
قال الزمخشري: وإنما عُدِّي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين وفاعله: أن لو نشاء.
وقال ابن القيم: ففعل الهداية متى عُدِّي باللام تضمَّن التخصيص بالشيء المطلوب فأتي باللام الدالة على الاختصاص والتعيين والتبيين، فإذا قلت هديته لكذا فُهِمَ معنى ذكرته له وهيأته له ووضحته له.
وقال الآلوسي: وتعدية فعل الهداية باللام لأنها بمعنى التبيين كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وهو كما قيل: إما بطريق المجاز أو التضمين.
أقول:: القرآن طب القلوب ودواؤها، يعطيها جُرعة من الخوف والحذَر من بأس اللَّه حين تركن إلى الدنيا ومغريات الحياة، كما يمنحها الطمأنينة في
стр. 644
جوار اللَّه كي لا تنتهي إلى اليأس وُتصاب بالشلل فَزِعةَ من نزول العذاب، قَلِقة من الدمار في ليل أو نهار.
القرآن في معالجته للنفوس يوقظ الحس بتجارب السابقين ومصارع المكذبين، لُيبقي القلوب في يقظة، متخلية من الأمن الكاذب أو الفزع القاتل، مُتحلية بالثقة بوعد اللَّه لعباده العاملين فسياق الآيات يفسر سنة اللَّه الجارية في خلقه والتي يشهد بها تاريخ القرى الخالية، ثم إن تشابك الأغراض الاجتماعية التي يؤديها اللفظ مع الأغراض اللغوية يقتضينا أن نوسع من مدى مداليله فتضمين (هدى) معنى (انجلى واتضح) يُنير الصورة ويُفصح عن المراد: أولم ينجل ويتضح للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء ... وما كان الغرض من لفظ يهدي إلا معالجة للمستهترين الغافلين أن يتعظوا بتجارب مَن سبقهم من الأمم ويهتدوا بهديهم.
فالتضمين جمع المعنيين (الهدى مع التجلية، والكشف، والتوضيح) وفاز بالحسنيين.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).
ذكر الزمخشري: إنا ثابتون على دين آبائنا. ومثله قال الرازي.
وذكر الآلوسي: تعدى هدى بـ (على) لتضمنه معنى الثبوت.
وذكر القرطبي: مهتدون على آثارهم: أي نهتدي بهم فجعل على بمعنى الباء.
стр. 645
أقول: صورة مُزرية لقطيع يمضي على طريق لا يتعرف على مَعالمه.
مَقُولة تنطلق من أفواههم تدعو إلى السخرية (مهتدون). الإسلام لا يُقر التقليد للآباء والأجداد، الإسلام تفتح في الضمير، وتحرّر في الفكر، مبني على إدراك سليم. لا يفتحون للرسل ولا للدعاة عيناً تبصر، ولا قلباً يحس، ولا عقلاً يستبين. بل أغلقوا قلوبهم وعقولهم وأبصارهم على دعوى متهافتة: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) بلا حجة ولا دليل (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فاللَّه يسخر منهم كيف تكون الهداية لهذا القطيع يمشي عل سَنَنٍ لا معالم لها؟ والذي كشف هذه السخرية حرف الجر (على) يتعدى به (مهتدون) فقد تضمَّن (الاهتداء) معنى (الاحتذاء)، ومعناه الاقتداء أي إنا على آثارهم محتذون، والاحتذاء سبيل الاهتداء وسبب من أسبابه ولكن لا على مثال الآباء والأجداد بل على مثال الرسل وورثة الأنبياء.
لم جاء تعبيرهم بلفظ مهتدين بدلا من محتذين؟ إنه التبرير أو التسويغ إذاً ليُصوروا موقفهم على أشرف أحواله وأنزه صفاته (مهتدين) ولو قالوا: مقتدين أو محتذين. لكانت سُلَّما إلى الطعن عليهم، ولأقيمت عليهم الحجة، إذ كيف يعرف الهدى من يمشي بغير بصر ولا بصيرة، على طريقة تُؤم وُتقصد؟!
إنه التضمين يأنق له السياق ويرتاح لاستعماله، ودليله سائغ غير مدفوع، إن ارتضيته أخذ بيديك وإنْ تجهمت له أخذ على يديك إلى أن تستضيء به، وتستمد التنبه على أسبابه.
* * *
стр. 646
قَالَ تَعَالَى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).
ذكر الطبري: وأدخلت الباء كما يقال: زوجتك فلانة وبفلانة. وكما قال: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج فيكون دخولها وخروجها بمعنى. لو أن المفسرين كانوا فسَّروه: وهزي إليك رطبا بجذع النخلة بمعنى على جذع النخلة وجها صحيحا، ولكني لست أحفظ عن أحد أنه فسَّره كذلك.
وقال أبو السعود: الباء صلة للتأكيد كما في قوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) أو لإلصاق الفعل بمدخولها أي افعلي الهز بجذعها وقيل: متعلق بمحذوف حال: هزي إليك الرطب كائنا بجذعها.
وذكر الجمل: يجوز أن تكون الباء زائدة كما في قوله: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ويجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفا والجار والمجرور حال من المحذوف: رطبا كائنة بجذع النخلة.
أقول: طفل وُلدَ الساعة يناديها من تحتها: (لا تحزني ... قد جعل ربك تحتك سريا) جرى للحظته من ينبوع في الجبل ونحسبها دهشت بل بُهتت ... ثم أفاقت، فاطمأنت إلى أن اللَّه لا يتركها ومعها حجتها: طفلها ينطق في المهد
لا زيادة في الحروف ولا تناوب، ومن زعم أنها للتأكيد فماذا تؤكد؟
стр. 647
وأرى أنه لا تضمين في الفعل لأنه يتعدى بالباء وهزها لإسقاط الرطب كمولد عيسى من غير أب، وكإشارتها للصبي ليتكلم، معجزة بعد معجزة بعد معجزة. فكما أن الهز لا يصلح في جني الرطب، كذلك الصبي في المهدِ غير قادر على الإفصاح عن الغرض.
ولعل الحكمة في اختيار الهز دون سواه هي الكشف عن المعجزة التي سُخرت لها وبالهز لا بغيره إيقاظ الضمير وتنبيه الروح في مريم للثبات على فضائلها النفسية، ولتحقيق الغاية الربانية: تشرف فلا تسقط، وتسود فلا تخضع، وتعتز فلا تذل، ولولا الهز لما كان منها اتخاذ سبب فالرازق هو اللَّه ولكنه أمرنا باتخاذ الأسباب سبحانه.
* * *
стр. 648
قَالَ تَعَالَى: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) (١).
قال العز والزركشي: ضمن (هلك) معنى (زال وذهب) لتفيد المعنيين.
وذكر الملياني: هلك: ضل أي ضلت عني حجتي.
وأورد الزمخشري: قال ابن عباس: ضلت عني حجتي ومعناه بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا. والسلطان: الملك والتسلط على الناس.
وروى الطبري: ذهبت عني حجتي وضلت. وعن ابن عباس: ضلت عن كل بينة فلم تغن عني شيئا. سمعت الضحاك: بينتي ضلت عني. أ. هـ.
أقول: سيدلي يوم القيامة ببينته عند السؤال ويدافع عن نفسه بحجته وقد أعدها ونمقها، ولكنه في الموقف العصيب تموت الحجج وتفنى البينات. وإذا بصفحة ذهنه ممسوحة مما كتب فيها ... لم زالت وما الذي جعلها تشرد عنه؟ إنه الموقف عند مليك مقتدر. وإذا فسرنا السلطان بالملك والتسلط والجاه فقد ضل عنه وشرد في ذلك اليوم الرعيب وبقي فريدا ذليلا شريدا مخذولا.
فتضمين (هلك) معنى (ضل وزال وشرد وولى وأدبر وأعرض ونأى) تخصيص للعموم وتقييد للمطلق والمعنيان: الهلاك والزوال مقصودان في سياق الآية فالزوال لاحق بالهلاك وقال له، ولم يسغ العدول عنه لدنوه من معناه وتعديته بـ (عَنْ)، ولولا دخول هذا الحرف على فعل لا يتعدى به لخفيت عنا هذه اللمحة؛ وأشرف الألفاظ ما تعددت وجوه معانيه. وفي لفظ الهلاك ما
стр. 649
ليس في لفظ: الزوال، والذهاب، والبطلان، ولا حتى الضلال. وإشاعة الرهبة فيما يحمله الهلاك من ظلال موحشة للحصول على الاستجابة، إنما يكون بتغذية الخيال بالصورة الحية والمشهد المشخص المتحرك.
فلنقف عند هذه الحروف متمهلين لتبدي لنا ما ووري عنا من شواردها، فإن تمنَّعن عليك فصرهن إليك بالملاطفة والملاينة.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) .
ذكر الزركشي: هلك: أي زال. وقال الملياني: هلك: ضل.
ويرى الآلوسي: إن عن لا يتعين كونها بمعنى (بعد) بل يمكن أن تبقى على معنى المجاوزة الذي لم يذكر البصريون سواه ويمكن أن تكون (عن) بمعنى (على) كما في قوله تعالى: (فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ).
أقول: هلك في سياق الآية يحتمل معنيين: القريب: وهو الموت وليس فيه تضمين. والبعيد: يتضمَّن معنى (الضلال) وكذلك الحياة ضمنها معنى (الإيمان) قَالَ تَعَالَى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا).
ولعل المعنى الثاني أرجح لأن اللَّه في يوم بدر فرق فيه بين الحق والباطل، وظروف المعركة كلها بينات لا تُنكر ولا يرتاب فيها اثنان. إنها ليست فى قدرة مخلوق، وإنها من صنع الخالق. ولقد صرح المشركون لحليف
стр. 650
لهم أراد أن يُمدهم: لئن كنا نقاتل الناس فما بنا من ضعف، ولئن كنا نقاتل اللَّه كما يزعم محمد فما لأحد باللَّه من طاقة. فإذا هلكوا كفارا بعد هذا فإنما يهلكون (يضلون) عن بينة. ومن حيَّ مؤمنا منهم فإنما يحيى (يهتدي) عن بينة.
فالهُلك والحياة تضمَّنتا معنى (الضلالة والهداية)، لأن المعركة بظروفها التي رافقتها كشفت عن بينة لا تُنكر، وتدبير ليس من تدبير البشر.
فالتضمين في لفظ: إنما يكون للعناية بما وراءه فالهُلك يؤنسك حين يرد مع الكفرة العتاة، ويوحشك حين يتعرض له المؤمنون. أما حمل الهلاك هنا على معنى الموت فترجيم إن أشْرفتَ عليه ظنا جاءك السياق بخلافه نصا، إذ كيف تكون الحياة عن بينة إن لم تتضمن معنى (الهدى والإيمان)؟ والعرب إذا أعطت للفظ حُكما قابلت ذلك بإعطاء المأخوذ منه حُكما من أحكام صاحبه عِمارة لبينهما، وما هو في معناه محمول بتأويلٍ عليه، والأمر في هذا أظهر وشواهده أكثر وأسير.
* * *
قَال تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) .
ذكر الزمخشري: تسرع وتطير نحوهم شوقاً، وهذا المعنى يتعدى باللام (هوت كف الوليد لها) وقرأ تهوى إليهم من هوى يهوى: إذا أحب.
ضمن معنى تنزع فعدي تعديته.
وذكر القرطبي: تهوي إليهم: تنزع. هوي نحوه إذا مال. وهوت الناقة هويا: عدت عدوا شديدا (وتهوي إليهم) مأخوذ منه. قوله تهوي إليهم: تحن إلى زيارة البيت. [وقرأ مجاهد: تَهْوَي إِلَيْهِمْ]: أي تهواهم وتجلهم.
стр. 651
وذهب أبو حيان: إلى أنه لما ضمن تهوي معنى تميل عداه بـ (إلى) وأصله أن يتعدى باللام ومثال ما في الآية قول الشاعر:
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن كأنجاسها
ومثله قال الآلوسي: تسرع وتطير نحوهم شوقا فضمن تهوي معنى
تميل فعداه بـ (إلى) وأصله أن يتعدى باللام.
وقال العكبري: هوى: يتعدى بنفسه وهوي يتعدى بـ (إلى). فالقراءة الثانية عديت بـ (إلى) حملا على تميل.
وذكر الزركشي: ضمن تهوي معنى تميل.
أقول: لعل تضمين (تهوي) معنى (تطير) أعون على إبراز معالم الصورة من تسرع وتنزع وتميل. فإبراهيم ﵇ يضرع فترتسم لدعائه المنيب الخاشع صورة لمواكب الحجيج، تطير قلوبهم شوقا إلى البيت العتيق في ذلك الوادي الجديب تهوي بهم جيادهم من كل صوب كأنها الطيور ترفرف بأجنحتها، تطير إلى جوار الله. لماذا؟ لتقيم ذريته الصلاة وتؤدي المناسك وتشكر [وتبتهل]. وما اختير الحرف (إلى) إلا ليكسب الفعل (هوي) نفاسة ونبلا في تصويره للحالة النفسية لقوافل الحجيج التي عرض لها، وهي تطير مسرعة إلى البيت العتيق، لبيك يا رب الحجيج لبيك ... لبيك ...
* * *
стр. 652
قَالَ تَعَالَى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا).
ذكر الزمخشري: أوحى لها بمعنى (أوحى إليها). وكذلك الزركشي والموزعي: وعدي أوحى باللام لا بـ (إلى) وإن كان المشهور تعدتيها بـ (إلى) لمراعاة الفواصل. قال العجاج:
أوحى لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت
وقال أبو حيان: أوحى لها: أي إليها كما قال أبو عبيدة. وقيل: أوحى لها أي أمرها. قاله مجاهد. وقال السدي: أوحى لها: أي قال لها.
وقيل: سخرها.
وذكر القرطبي: أن اللام بمعنى إلى. أوحى إليها لأن المعروف تعدي الوحي بها كقوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ). لكن قد يتعدى باللام ولعل اختيارها لمراعاة الفواصل. وجوز أن تكون اللام للتعليل أو المنفعة لأن الأرض بتحديثها بعمل العصاة يحصل لها تشف منهم بفضحها إياهم بذكر قبائحهم.
وقال الآلوسي: اللام على بابها من العلة والموحى إليه محذوف وهو الملائكة.
وذكر الجمل: أن التعدية باللام لمراعاة الفاصلة القرآنية، وفي السمين في هذه اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى (إلى) وأوثرت على اللام مراعاة للفواصل. والثاني: أنها على أصلها وأوحى يتعدى باللام وبـ إلى.
والثالث: أن اللام على بابها من العلة والموصل إليه محذوف وهو الملائكة والتقدير: أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض.
стр. 653
أقول: (أوحى) هنا بمعنى (أذن) لها وسمح بالتحديث عما فعله العباد على ظهرها فاللام على أصلها والتضمين قائم في الفعل وهذا ما قاله ابن عباس: (أوحى لها: أذن لها). تلوّح هذا المعنى في نبل قدره ونباوة محله حين تعدى الفعل بغير حرفه. المشهد يرسم انفعالات الإنسان في مشهد القيامة الكبرى: ما لها ... مشدوه مأخوذ فزعا ورعبا. وإن اللغة لتضيق عن تفسير معنى الوحي هنا لأنه مذهل ومروع، فلا بد من إرسال الخيال ليتملى ما لا يطيقه البيان. الأرض تتحدث بعد أن أذن لها ربها بالحديث، تتحدث عما اقترفته الجوارح: السمع والبصر واللسان وسائر الأعضاء، وحتى عن أسرار الضمائر وما تخفيه الصدور. وهذه أدهى من كل داهية في ذلك الموقف. وفي الأثر: " من تاب توبة نصوحا أنسى اللَّه حافظيه وبقاع الأرض خطاياه ".
وإنَّ مِنْ عمله ما يسقط منه لحم وجهه، وإن منها ما يهرب من مواجهته بينه وبين نفسه، فكيف به على رؤوس الخلائق! فلا ييئس ولا ينخذل ويستمر في طلب التوبة. والندم اللذين لا حدود لهما ولا نهاية.
فليست هذه اللام بمعنى إلى ولا اختيرت مراعاة لفاصلة، ولا توفيرا لوزن. وإنما قَطَّر فيها البصير المصور ماء البيان لنبصر من سرها ما استتر، فلا تجفُ على هذه الحروف. وما تباعد منها عنك رده بلطف الصنعة إلى ما استودعته هذه اللغة من كنوز في أفعالها.
إنه التضمين وإنه لكنز ثمين.
* * *
стр. 654
قَالَ تَعَالَى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
قال أبو حيان: اللام ليوم القيامة بمعنى في.
قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة: ترسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع وكذلك: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) أي في وقتها. وقيل: اللام للتعليل على حذف مضاف أي لحساب يوم القيامة. وذكر هذه الأوجه الشنقيطي.
وقال الزركشي: اللام بمعنى في.
وقال الآلوسي: ليوم القيامة بمعنى في يوم القيامة كما نص عليه ابن مالك وأنشد قول مسكين الدارمي:
أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم ... كما قد مضى من قبل عاد وتبع
وهو مذهب الكوفيين ووافقهم ابن قتيبة، أي نضع الموازين في يوم القيامة التي كانوا يستعجلونها.
وقال غير واحد هي للتعليل أي لأجل حساب يوم القيامة أو لأجل يوم القيامة، وجعلها بعضهم للاختصاص.
أقول: إن كانت اللام بمعنى (في) كما ذكر كثير من المفسرين فلماذا استبدلها الحكيم الخبير؟ ذلك ما أتحاماه لضعفه وإنما تضمن (وضع) معنى (نصب). والذي أنَّسني باختياره دون سواه ترشيح سياق الآية له، ثم تعدي
стр. 655
(نصب) باللام يما ترشد إليه الأحاديث الصحاح.
وأمر آخر: إن وضع الموازين هو إشعار بنصبها يوم القيامة، وتمهيد له.
فليبادر الغافلون المعرضون والمستهزئون المكذبون قبل أن يفجأهم النذير لأن الحساب توضع موازينه لتنصب، وما هذه الموازين إلا واحدة من نواميس الكون القائم على القسط والعدل، تشهد بالوحدانية والتي هي محور السورة.
ثم ما جاء عن ابن عباس: " يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصب عليهم الأجر صبا "، إنه منتهى الرحمة بهؤلاء ... والتضمين في الفعل أبلغ لدلالته على معنى الفعلين كما قاله أهل هذه الصناعة، وأبلغ الكلام ما تعددت وجوه إفادته فلا تركن إلى تناوب الحروف لتسلم من بوائق التعاور، وتُسَفم لعظمة الصانع في تضمين أفعالها.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) .
ذكر أبو حيان: ضُمن (وصينا) معنى (ألزمنا) فتعدى لاثنين الثاني (إحسانا).
وذكر الرازي وصاحب الجلالين: وصينا: أمرناه أن يحسن إليهما.
стр. 656
وقال البروسوي: أمرناه بأن يحسن بوالديه فحذف الفعل واقتصر على المصدر.
وقال الآلوسي: وقيل منصوب (إحسانا) مفعول مطلق على تضمين وصينا معنى أحسنا أي أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحسانا. وقيل: صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاءً ذا إحسانِ. وقيل: مفعول لأجله: أي وصيناه بهما لإحساننا إليهما. يعلق (بوالديه) بوصيا ولا يتعلق بـ (إحسانا) لأن أحسن لا يتعدى بالباء وإنَّمَا ب (إلى).
أقول: الوصاة لغةً العهد. وعهد اللهِ هنا هو الإحسان بوالديه اعترافا لهما بالجميل وردًّا لبعض معروفهما وبذلك يتحرر من الأنا، من الذات، من الشهوات. ويرتفع إلى مستوى إنساني كريم، مستوى الإحسان.
الوصية هنا صادرة من خالق الإنسان وموجهة للإنسان بصرف النظر عن عقيدته وعرقه وجنسه ولونه و ... تضمنت (الوصاة) هنا معنى (السؤال) بمعنى الطلب والمتعدي لمفعولين أولهما الإنسان وثانيهما الإحسان يسأل اللَّه الأبناء أن يكونوا في مستوى الإحسان، ودرجة الحسن هذه (بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) فوق درجة الإسلام والإيمان، فإذا نزل عن هذا المستوى السامق: مستوى سؤاله الإحسان بوالديه إلى الجبلة الطينية لتتضمن الوصاة معنى (الإلزام والأمر) كما جاء عند كثير من المفسرين فقد أخلد إلى الأرض. وفي تعليق شبه الجملة (بوالديه) بـ وصينا، يجعل معنى الإحسان في منظور ضيق وينطفئ نور المادة اللغوية للإحسان لتصبح حروفا جافة تنتهي إلى حطب يابس، لا ظل ولا ثمر ولا عطر ولا زهر.
стр. 657
نعم وصاة الإنسان بالإحسان وسيلة تربوية: سألناه وطالبناه إحسانا بوالديه.
فالولاء واللين والوجه السمح يحتاج إلى قلب كبير.
الوداعة والسكنية والكلمة الطيبة والصوت الخفيض والبسمة الحانية بحاجة إلى ممارسة طويلة.
التذلل لا عن ضعف بل عن حب تفيض به النفس على الجوارح فإذا هو خفيض الجناح ... هذا التوازن لا يكون إلا بأن يأخذ التعليم طريقه إلى مسارب النفس ودروبها وأشواكها حتى تصل إلى درجة تخرج عن دائرة التربية والتعليم إلى ما هو أعلى ... إلى الإيمان ... إلى درجة الإحسان.
وربط الجار والمجرور (بوالديه) بالإحسان أكشف لمزيّة المراد وأبهر من ربطها بـ (وصَّى) فالموصى بهما منوطان بالإحسان والإجلال والإلطاف، لا بالوصاة الخاوية من الظلال، ودليل آخر قول يوسف ﵇: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) فمن كمال عبوديته جاء بالباء لتفصح عما غمره به مولاه من الإحسان، يمسه، يرتديه، يتقلب في أعطافه. فالحرف عبَّر عن رصيد الجميل والإحسان المذخور في نفسه وقد وهم الآلوسي حين منع تعدي الإحسان بالباء ومنع قوم تقديم معمول المصدر عليه والصحيح أنه يجوز إذا كان ظرفا أو جاراً ومجروراً.
وأخيرا أقول: الوصاة إشارة تُغني عن العبارة لمن هو في المستوى الإنساني الشفيف. وصلة الوصاة بالإحسان من أكبر غايات الأداء التربوي
стр. 658
للتعامل بين الأبناء والآباء، والتلميح بالوصاة يغني عن التصريح وهو السؤال والاستعطاء والطلب.
فالإلزام يخرج عن الأريحية والطوعية إلى القسرية، واللَّه يريد أن يصدر الإحسان من ذات الإنسان راغبا غير مجبر ليحقق الأهداف التربوية المنشودة من وراء الوصاة. وفي هذا تكريم للأبناء أي تكريم.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) .
الوعظ: زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
وذكر العز بن عبد السلام: أي يؤمرون. وروى أبو حيان: قيل الوعظ بمعنى الأمر أي فعلوا ما يؤمرون به فانتهوا عما نهوا عنه. وقال في ري الظمآن: ولو فعلوا ما يوصَوْن به.
وذكر الرازي: لو شددنا التكليف على الناس نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذٍ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة فلْيقبلوها.
وقال الآلوسي: يوعظون به أي يؤمرون به مقرون بالوعد والوعيد من متابعة الرسول والانقياد إلى حكمه.
стр. 659
أقول: (وعظ) لا يتعدى بالباء فماذا تضمَّن حين دخلت عليه؟ العون والتثبيت والأجر العظيم مّمن؟ من اللَّه .. ولمن؟ للذي ينهض بالتكاليف فلا يستهتر ولا يتسهين، مع العزيمة وإخلاص النية، والشروع فيما افترضه عليه مولاه في حدود قدرته وطاقته.
تضمن (الوعظ) إذاً في سياق الآية معنى (التكليف) ولعله أسدُّ من الأمر. هذه التكاليف: عزائم ورخص. والأصل في التكليف العزيمة، والرخصة طارئة عليه. فمن عمد إلى جمع الرخص ليقول: إن الدين يسر، يتملق بذلك رضى المنحلين أو الطغاة أو الحاقدين فيستهتر ويستهين. فالدين ليس كذلك، ولكنه رخص وعزائم في حدود طاقة البشر (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وما جاءت الباء مع الفعل (وعظ) إلا لتضم إلى المواعظ التكاليف عن طريق التضمين وتنفي عن الدين أن يكون مجرد مواعظ تُرقق القلب وتذكر بالخير وتستنيم إلى الواقع، الواقع المنحل والفطر المتبلدة، فاللَّه الذي كلفهم أعلم بقدراتهم. ثم سياق الآية يوضح الرؤية ويتمم المعنى، فمجرد أنه فعل أي بدأ بما كُلف به، يتبعه العون من الله، ويتبعه التثبيت على المضي فيما أخذ به نفسه، ويستتبع الأجر العظيم من الله، وتتبعه الهداية إلى صراط اللَّه المستقيم. ولعل في اختيار لفظ (الوعظ) بدلا من (التكليف) دلالة على تكريم الإنسان ثم وروده بصيغة المضارع بدلا من الأمر
стр. 660
مع مجيء (لو) كان ذلك كله لإفادة (الحث). فالذي ينطلق للعمل عن طواعية ولمجرد سماعه للموعظة، أرقى درجة، وأسمى مكانة من الذي يعمل بتوجيهٍ من التكليف والأمر والقسر.
فارعَ هذه الحروف حق رعايتها. ولاطفْها ولا تجفُ عنها. وافزع إليها إذا وقعت في إلباس من أقوال بعض المعربين، يجتلِ التضمين عن جوهرها.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ).
قال العز: أي جمعت لوقت، فضمن (وقت) معنى (جمع) لإفادة المعنيين.
وقال مجاهد والزجاج: التوقيت هو تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
وقال الزمخشري: قرئ (أقتت) ووقتت بالتشديد والتخفيف فيهما، والأصل الواو ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
وذكر القرطبي: أي جمعت لوقتها ليوم القيامة فالمعنى جعل لها وقتا وأجلا للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. وقيل: أقتت: وعدت وأجلت.
وقيل: أرسلت بضم الهمزة بأوقات معلومة على ما علمه اللَّه وأراد. وعن الحسن: (ووقتت) بواوين وهو (فوعلت) من الوقت أيضا مثل: عوهدت.
стр. 661
وقرأ يحيى وأيوب وخالد: أقتت بالهمزة والتخفيف ومثله قال أبو حيان.
وقال البيضاوي: بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره.
أقول: صفارات الإنذار من الواحد القهار تهز المشاعر بهول النجوم وقد طمست، والسماء قد تشققت، والجبال قد نسفت ... إنه الهول الهائل والجلال المائل في مجلس الفصل، بمحضر من الرسل وقد تقدموا إلى الجليل في موعد مضروب وجدول مبرمج لعرض ما لديهم من حصيلة رسالاتهم إلى أممهم على تعاقب الأجيال. فالتوقيت هو الوقت المضروب لكل منهم في الجدول المعد لبرنامج ذلك اليوم العصيب.
فتضمين (أقتت) معنى (أحينت) أي حان لهم بلوغ موعدها أنور وأوضح من إلباسها معنى جمعت ووعدت وأجلت وأرسلت ... فقد حان للرسل أن يبلغوا ما أرجئوا من أجله. ويبقى حال التضمين موكلا إلى ملاطفة التأول لرقة حواشيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ).
قال ابن عباس: وكيل: شهيد. وذكر الزمخشري: الوكيل الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت عدِّي بـ (على) لذلك.
стр. 662
ونقل أبو حيان: عن قتادة: (وكيل) حفيظ وقال ابن الشجرة: رقيب.
أما أبو حيان فقال: الوكيل: الشاهد فتعدى بـ (على).
وذكر الجلالين: حفيظ أو شهيد. وفي لسان العرب: الوكيل: الكفيل.
أقول: (وكل) الذي يتعدى بـ (إلى) تعدى هنا بـ (على) فماذا تضمن؟ لقد جمع التضمين مع الشهادة معنى (الوكالة) القائمة بين شعيب وبين موسى ﵉ في عقد الزواج. فقد وقع موسى العقد بعد أن رضي بالعرض - يؤجر نفسه ثماني حجج - أو يتم العشر. ولا بد لصحة العقد بين المتعاقدين من شاهد يشهد على إبرامه ووكيل يكل إليه أمره. وجاء التضمين من وراء (على) ليجمع مع الوكالة إليه الشهادةَ عليه فلو قال: واللَّه على ما نقول شهيد لاحتجنا إلى وكيل، ولو جاء الوكيل متعديا بـ (إلى) لاحتجنا إلى شهيد. فتعدية الوكيل بـ (على) جمعت الحسنيين فاللَّه سبحانه وكيل وشهيد وكفى باللَّه شهيدا وكفى باللَّه وكيلا. وهذا موضع شريف تأنق لحسن الصنعة فيه وتعجب منه، وأكثر الناس يغفُلُ عنه لغموضه ولطفه، موضع نحتاج فيه إلى فضل تأمل لتحلى النفس بمعرفة السبب الذي كان له ومن أجله، فتستضيءُ به من غموض وتستمد التنبه على أسبابه لمعالب تستبين.
وتبقى حروف المعاني حباتِ جمانٍ في العقد النظيم لهذه اللغة الشريفة تشهد على إعجازها، ولُطف متسربها، فلم تأتِ الشهادة مصرحا بذكرها مكشوفا عنها، بل مدلولا عليها بالحرف، فنالت من شرف الإعجاز ما لا يكون لها لو صرحنا بها.
* * *
стр. 663
قَالَ تَعَالَى: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
في لسان العرب: الولاية معناها العزة والنُصرة والمَنعة.
وذكر الجلالين: الباء بمعنى مع جنوده لأنهم له كالركن. وتولى معنى أعرض.
وروى الطبري: معناها أدبر بقومه من جنده وأصحابه أي مع قومه.
وقال قتادة: غلب على قومه. وقال مجاهد: بعضده وأصحابه.
وقال الزمخشري: فازور وأعرض ونأى بجانبه. ومثله أبو حيان.
وقال البروسوي: ثنى عِطفه فأعرض عن الإيمان به وازور.
وذكر الآلوسي: فأعرض عن الإيمان بموسى، على أن ركنه جانب
بدنه وعطفه. والتولي: كناية عن الإعراض والباء للتعدية لأنه ثنى عِطفه، أو للملابسة أو المصاحبة. وكونها للسببية غير وجيه. وقيل: تولى بقوته.
أقول: من معاني صيغة (تفعَّل) الاتخاذ ومعناها هنا اتخذ وليا أي ناصرا ومعينا وعاصما. وعليه يكون (تولى) متضمَّنا معنى (اعتصم) بركنه.
وركن فرعون: جنوده وأصحابه وقومه وقوته كما مرّ وليس هو جانب البدن والعطف، فرعون إذاً يعتصم بقومه وقوته وجنده متهماً موسى بالسحر والجنون.
فرعون الطاغية في جنده وجبروته يأتيه موسى بحجته الساطعة وبرهانه القاطع
стр. 664
وهيبته المستمدة من ربه ... ماذا يكون موقف الطاغية؟ تولى بركنه. فهل نقول في مثل هذا الموقف العصيب: أدبر وأعرض وازورَّ كما ذكر بعض المفسرين ووَدَعَ موسى لشأنه. أم نقول: تمسك بجبروته واعتصم بقوة جنده وسلطانه وتبع موسى ليقضي عليه فكان من أمره ما كان؟ إن عَزَّ المسلك للوصول إلى المطلوب، فترسَّمْ في السياق السبيل. لقد كانت نتيجة الموقف النبذ باليم والغرق ... إنها نتيجة الطغيان والاعتزاز بالقوة والسلطان.
فهل يبقى بعد هذا مقالة لقائل: الباء بمعنى مع أو هي للتعدية أو السببية أو ... ؟! ثم لم قال (تولى) بدل (اعتصم)؟ لعل التولي أكشف عن نفسية فرعون وما فيه من معنى العزة والمنعة.
وكشف توليه عن كبريائه وصلَفه. أما الاعتصام ففيه من معنى الاستعانة بالآخرين ودخوله في عصمتهم ما يكشف عن ضعف المعتصم واستخزائه.
ولا يكشف عن معنى اللفظ إلا سياقه بالتأتي ولطف الصنعة. جاءت الباء إذاً تعريضا بغرض التولي وإيماءً إلى الاعتصام من وجه لا يفطن له إلا صاحب صنعة، فإن وجدت منصرفا في اللفظ تستعين به على فهم الغرض، ووجها تسلك فيه لتحديد المطلب، وشِعاباً تظفر بمرقوم منها، تجتني من ورائها ثمرات، فبادر، فإن كتاب اللَّه لا تنقضي عجائبه.
* * *
стр. 665
قَال تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا).
قال القرطبي: بيَّناه بلسانك، وقيل: أنزلناه بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه.
وذكر الجمل: أنزلناه ميسرا بلسانك.
وذكر الآلوسي: الباء بمعنى على، أو الباء على أصله وهو الإلصاق لتضمين يسرنا معنى أنزلنا. أي يسرناه منزلين له بلغتك.
وقال الزمخشري: أنزلناه أي بِلُغَتِكَ وسهلناه وفصلناه.
أقول: إن اللَّه مدح كتابه فقال: (عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) لأن مدار الأمر على البيان والتبيين والإفهام والتفهيم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة، لتكون العقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع، وذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الأسماع لحسن منطقهم فقال: (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) فالتضمين جرى في فعل (يسَّر) في معنى (بيَّن وأسهل) وهو يتعدى بالباء فإنما أسهلناه بلسانك
стр. 666
أي أسهلنا لسانك بهذه اللغة الشريفة تيسيرا على الناس لمعرفته وحفظه وصرفا عن الحزونة فلا يشق عليهم فهمه وبيانه. والغرض من التضمين أن يضم المعنيين: التيسير مع التبيين والتسهيل ليفيدهما جميعا، فلولا التضمين لما أسرع الخاطر لإلطاف النظر في هذه الباء التي أرابتنا في دخولها على فعل لا يتعدى بها. أما تضمين (يسرناه) معنى (أنزلناه)، فما علاقة التيسير بالإنزال؟ فتفطَّن لأسرار الحروف في هذه اللغة الشريفة والتي لا يكاد يحاط بها لتُسلم لعظمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ) المستولي على الفضل، والحائز جميع أسباب البلاغة والنبل، متى ظفرت بصفاء القريحة وسلامة الذوق وصحة الطبع وامتلاك الأداة.
стр. 667
خاتمة
وختاماً أقول: رحم الله قارئاً وقف عليه نتصدق على مؤلفه بدعوة صالحة يُثيبه اللَّه عليها، ويُجزل حظه منها.
ليس في وسعي أن أقول: إن هذا البحث قد استوفى آيات التضمين في كتاب اللَّه الكريم، فما يزال الميدان رحباً للعديد من الدراسات وإني لأرجو أن يسهم بحثي المتواضع في الكشف عن آيات بينات في إعجاز القرآن الكريم. فمن عرف أوضاع اللغة عرف المغزى من كل حرف بالغاً من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه. ومجمل القول: لا زيادة في الحروف التي يتعدى بها الفعل أو مشتقه.
وقولهم الزيادة فاطرحه ... وتنكشف المزية للمسؤول
فلو أن القارئ الكريم [تتبع]، ثم ألطف النظر، وأكثر التدبر لعلم علم اليقين أنه لا زيادة للحروف في كتاب اللَّه الكريم ولا إسقاط، ولا تعاور، ولكنه التضمين في أفعالها.
فلنتعرف حجة اللَّه في هذه الحروف لتكون أمهر وأبهر، وأقوى وأقهر، فلا شيء أحشد للذم على من ادعى تعاورها، ونعوذ باللَّه أن نسدي قولاً لا نعلمه ولو فعلنا لبقيت هذه الحروف مستورة واستمر السرار بأهلها واستولى الخفاء على جملتها.
стр. 668
وإذا اختلف المفسرون في الاستدلال على ظاهرة التضمين هل هي في الحرف أم في الفعل ومشتقاته؟
أقول: هل بنَوْا أدلتهم على السماع أم على القياس أم على الاستقراء؟ ومعلوم من الأصول التي تضبط الدليل النحوي:
١ - إذا تطرق إلى الدليل الاعتماد بطل به الاستدلال.
٢ - من عدل عن الأصل افتقر إلى دليل.
٣ - الاعتماد على ما لا نظير له من كلام العرب مردود وهكذا ... ولعلّ قارئاً يعتب عليَّ في عنوان الكتاب " التضمين النحوي " وأني ضيقت واسعاً حين قصدت التضمين على الدلالة النحوية، فهناك الدلالة المجازية والدلالة النفسية الذاتية، والدلالة الأسلوبية التي تختلف من كاتب لآخر، والدلالة الحقيقية و ...... فأعد القارئ الكريم بأني سأجعل العنوان في الطبعة الثانية إن مدَّ اللَّه في الأجل " ظاهرة التضمين في القرآن الكريم ".
* * *