Полный текст (668 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
إن خفيت عنا اليوم فقد كانت بادية الصفحة للسلف إذ كانوا ألطف أذهانا وأسرع خواطر وأجرأ جنانا، وأذهب في الأنس بها والتورد لها.
والأمر في هذا أظهر، وشواهده أسْير وأكثر.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ).
قال الزمخشري: تنبت وفيها الدهن، وقُرئ تُنبت، وفيها وجهان: أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت وأنشد لزهير:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
والثاني: أن مفعوله محذوف: أي تُنبت زيتونها وفيه الزيت، وقُرىْ: تُنبَت بضم التاء وفتح الباء، وحكمه حكم تُنبإ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تُنْبِت) وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر (تَنْبُت) وقرأ ابن مسعود: (تخرج الدهن وصبغٍ للآكلين) وغيره: تخرج بالدهن أي تثمر بالدهن وعن بعضهم: تنبت بالدهان.
وقال الآلوسي: الباء للملابسة والمصاحبة مثلها في قولك: جاء بثياب السفر وهي متعلقة بمحذوف وقع حالا من خبر الشجرة أي تنبت ملتبسة بالدهن وهو عصارة كل ما فيه دسم، والمراد هنا الزيت وملابستها به باعتبار ملابسة ثمرها، فإنه الملابس له في الحقيقة. وجَوّزَ أن تكون الباء متعلقة بالفعل مُعدية له كما في قولك: ذهبت بزيد كأنه قيل: تُنبت الدهن بمعنى
стр. 597
تتضمنه وتحصله، ولا يخفى أن هذا وإن صح إلا أن إنبات الدهن غير معروف في الاستعمال. وقيل: الباء زائدة كما في قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ونسبة الإنبات إلى الشجرة بل وإلى الدهن مجازية.
قال الخفاجي: ويحتمل تعدية أنبت بالباء لمفعول ثانٍ.
قال الزركشي: إن الباء زائدة ثم قال: في موقع آخر: واعلم أنه لكون الباء بمعنى الهمزة لا يُجمع بينهما، فإن قلت: كيف جاء تنبت بالدهن، والهمزة في أنبت للنقل؟ قلت: لهم في الانفصال عنه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الباء زائدة، والثاني: أنها باء الحال كأنه قال: تُنبت ثمرها وفيه الدهن. والثالث: أن نبت وأنبت بمعنى.
وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: إن الباء مقحمة والمعنى: تُنبت الدهنَ.
أقول: لمن تقحم الباء أو جعلها زائدة: لقد استسرفت فيما تجشمت، ولعل تضمين (تُنبت) معنى (تنضح) أقرب للسياق وأحكم، لأن نضح يتعدى بالباء وكان النَّضح يحكي حكاية وصول الزيت إلى ثمرة الزيتون يرشح به نَسْغها شيئاً بعد شيء، تختزنه في ثمراتها حتى تمتلئ به ثم يُعصر فيكون منه الدهن (الزيت) وإذا كان حمل الظاهر (تنبت) على المحتمل
стр. 598
(تنضح) لابد له من دليل يعضده ليجعله راجحا، فتعدية نضح بالباء قرينة مرجحة له، والسياق بعد هذا يشي بالنماء والعطاء على هَينة وفي بطءٍ على المدى، كما تُرشح الأم ولدها باللبن.
وجمع التضمين المعنيين ليفيدهما جميعا: الإنبات والنضح.
أما أن نجعل الباء زائدة فمسألة مَعيفة ومذهب على علاته ذميم، والتورد فيه وعْر المسلك ثم هو تضييع للحكمة من وجودها، فما جاءت إلا لتُكسب المعنى نُبْلا وتظهر في النظم مزية، فمن غفل عن سر بيانها وحسن صنعتها فليُمسكْ عن القول بزيادتها، فالبيان المعجز غني عن الزيادة.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا).
الانتباذ: الاعتزال والانفراد، وقال البيضاوي: انتبذت متضمن معنى (أتت) وقال البروسوي: مكانا مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان.
وقال أبو حيان: انتبذت: افتعل من نبذ ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت. وانتصب مكانا على الظرف أي في مكان. وقال السدي: لتَطهُر من حيضها. وقال غيره: لتتعبد.
وقال الجمل: مكانا منصوب على الظرفية، ويصح أن يكون مفعولا به على تضمين انتبذت معنى أتت وفي السمين ما يؤيده: انتبذت مكانا:
стр. 599
اتخذته بمعزل بعيدا عن القوم. ووافقه أبو السعود: مكانا مفعول له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان المترتب وجودا واعتبارا على أصل معناه العامل في الجار والمجرور وهو السر في تأخيره عنه. أي انفردت منهم وأتت مكانا شرقيا.
وذكر الرازي: انتبذت: تنحَّت يقال: جلس نبذة من الناس أي ناحية و (انتبذت) معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية المشرق.
وذكر ابن عباس: انتبذت: انفردت وتنحَّت.
أقول: النبذ: الرمي إلى بعيد أو الإلقاء أو الطرح استهانة به وإظهارا للاستغناء عنه قَالَ تَعَالَى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) وانتبذ - على وزن افتعل - من معاني هذه الصيغة الاتخاذ أو الطلب، فمريم اتخذت مرمى بعيدا في شرقي أهلها أو طلبت معزلا (شعورا بمهانتها) منبوذا انتحت فيه في الشرق من أهلها. وقلت (مرمى) لأن النبذ: الرمي إلى بعيد فقد تضمن (انتبذت) معنى (اعتزلت) أي تنحت. والذي أنَّسني بهذا المعنى وسوغ هذا التضمين صيغة انتبذت - افتعل: اعتزل - كما قلت، وما أدري من أين جاء المفسرون بتضمين الانتباذ معنى (المجيء).
ويبقى التضمين كنزا من كنوز هذه اللغة نخلد إليه حين لا يثبت عند النظر سواه. فنأوي إلى سداد ونؤول إلى ثقة.
* * *
стр. 600
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ) .
ذكر أبو حيان والعكبري: نتقنا: جذبنا بشدة، وفوقهم حال عاملها
محذوف تقديره: نتقنا الجبل كائنا فوقه. وقال الحوفي وأبو البقاء: فوقهم
ظرف لـ نتقنا، ولا يمكن ذلك إلا إن ضُمِّن نتقنا معنى فعل يمكن أن يعمل في
(فوقهم) أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ).
وقال الزمخشري: نتقناه: قلعناه ورفعناه، ومنه نتق السقاء إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه.
وذكر الجمل: أن فوقهم فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف حال من الجبل، والثاني: أنه ظرف لـ نتقنا قاله الحوفي وأبو البقاء ولا يمكن ذلك إلا أن يُضمن معنى فعل يمكن أن يعمل في فوقهم أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) والنتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، وقيل: النتق: الجذب بشدة. وقال الفراء: هو الرفع، وقال ابن قتيبة: هو الزعزعة وقد عرفت أن فوقهم يجوز أن يكون منصوبا بنتق لأنه بمعنى رفع. أ. هـ.
وفي لسان العرب: النتق: الزعزعة والهز والجذب والنفض. ونتق الشيء جذبه واقتلعه وقال الفراء: نتقنا أي رفعنا
أقول: تضمين (نتق) هنا على اختلاف طعومه وألوانه وأشكاله من الرفع
стр. 601
والجذب والقلع والزعزعة والنفض لدى المفسرين جعل اللازم متعديا ليكون معجزة في بني إسرائيل وآية للأمم، تشهد على انطماس نور البصيرة لهذه الملة - يهود - في نقض العهود ورد المواثيق. إنه الميثاق أخذه سبحانه على بني إسرائيل في ظرف لا يمكن أن يَنسَوْه أبدا. رفع الله الجبل فوقهم كأنه ظلة، فأعطوه موثقهم في ظل هذه المعجزة المهولة خشية أن يسقط فوقهم.
لكن يهود هي اليهود، نقضت الميثاق ونسيت العهد ولَجَّت في المعصية فحق عليها القول ... وما ربنا بظلام للعبيد.
إنه التضمين وإنه البدر المنير يكشف الغامض ويُنير السبيل، ناهيك به ولا معدل بك عنه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ).
أورد الزركشي والسيوطي وابن هشام: الباء بمعنى (في) وكذلك الموزعي وذكر قول الأعشى:
* ما بكاء الكبير بالأطلال *
ذكر أبو السعود: بسحر: أي في سحر أي ملتبسين بسحر .. وقال الجمل: الباء بمعنى في أو هي للملابسة أي حال كونهم ملتبسين بسحر.
стр. 602
وحكى الآلوسي: بسحر: أي في سحر ويجوز كون الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين.
أقول: من جعل الباء بمعنى (في) أو جعلها للملابسة أو علقها بحال محذوفة فقد ركب السهل وآثر الراحة.
ولعل تضمين (نجى) معنى (خلُص أو تدارك) والمتعدي بالباء نتشرت به إلى المراد بالإيماء والتانيس لنستخرج الخبيء من أغراضه، فاللَّه سبحانه أخلص نبيه لوطا وآله بخالصة النجاة من قومه، بحفظه، ولطفه، وإحسانه. وتداركه بعنايته وبرّه ورأفته في أشرف الأوقات وأطيب الساعات أخلصناهم بسحر.
والعلاقة بين المضمّن والمضمّن فيه واضحة كما أرشد إليها النظر، فالنجاة قد تكون من غير نشوب أذى، فأما هنا فكانت بعد تسورهم جدار بيته والدخول عليه، ولولا استئذان جبريل ربه فبسط جناحيه فطمس أعينهم لأصابه منهم ما أصابه، ولكن اللَّه أخلصه بخالصة ... وتداركه بألطاف ...
أرأيت إلى هذه الباء كيف منحت فعلها (خلُص) بصيرة تكشف الغامض وتُبصر الخفي مما نشِب به، ثم سلم منه؟!
وفيها من لطف المأخذ ما تعجب منه وتأنق له.
إنه التضمين يضُم عن النظم جناحاه ليكشفَ المستور، ويعرِّيَ الغامض، وينيرَ السبيل.
* * *
стр. 603
قَالَ تَعَالَى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ).
قال أبو حيان: ضُمِّن معنى (أخرجناه) بنجاتنا إلى الأرض. ولذلك تعدى بـ (إلى)، ويحتمل أن يكون (إلى) متعلق بمحذوف أي منتهياً إلى الأرض فيكون في موضع الحال ولا تضمين في نجيناه.
وقال البروسوي: مهاجرا إلى الأرض.
وذكر الآلوسي: أنه قد ضمن نجيناه معنى أخرجناه فلذا عدي بـ (إلى) في قوله إلى الأرض التي باركنا فيها. وقيل: هي متعلقة بمحذوف وقع حالا أي منتهياً إلى الأرض فلا تضمين. وقيل: الصحيح الأول.
أقول: هذا إبرهيم ﵇ ينجيه ربه مع ابن أخيه لوط من مكيدة تدبر له وذهب المفسرون في (إلى) مذاهب فمنهم من علقها مع مجرورها بحال محذوفة (منتهياً أو مهاجرا) ومنهم من علقها بفعل نجيناه مضمنا معنى أخرجناه، وأخرجناه لفظ فيه استيحاش، يقع في النفس منه شيء، فقد يكون الإخراج مشوكاً أوعرت به السبل، أو فيه من استكراه الحال ما يؤدي.
ولعل في تضمين (أسلمناه) والمتعدي بـ (إلى) ما يهب الأنس به ويصرف الوحشة عنه فهو إلى السياق أميل، وبه أعنى حيث أسلمه مولاه إلى الأرض الطيبة إلى الشام، سليما معافى محفوظا. ولهذا جاء التعبير القرآني في منتهى اللطف والإيناس حين قال عز من قائل: ونجيناه. والنجاة يسرح فيها الطرف على مد النظر تجوب الآفاق بكثرة المشاهد وتعدد الصور من المعجزات والآيات.
стр. 604
وما كنا بحاجة إلى البحث عن بديل لـ نجيناه لولا أن تسلط عليه حرف ليس له به صلة نسب ولا سابق معرفة. ولو سألتني: لم عداه العليم الخبير بـ (إلى) لقلت: إن وراءها ملحظاً شريفاً، فقد تكون النجاة بغير خروجه من العراق أو بإهلاك قومه أو بصرف مكيدتهم عنه أو بملك يحمله على أجنحته أو ... أو فجاء الحرف (إلى) جوابا عن كل خاطر يخطر على بال بأن النجاة كانت: أسلمناه إلى أرض طيبة مباركة إلى الشام برعاية منا وحفظ، لم يمسسه سوء.
إنه التضمين يقف بنا على جواهر التفسير فيجري مجرى السَّحرِ لَطَفَاً وإن جلا عنه أكثر من ترى وَجَفَا.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) .
ذكر الزمخشري: أن البيوت منتصب على الحال.
وذكر أبو حيان: وقيل: مفعول ثان على تضمين وتنحتون معنى تتخذون وقيل: مفعول بـ تنحتون والجبال نصب على إسقاط (مِنْ) أي من الجبال.
وذكر الجمل: وفي السمين يجوز أن تنصب الجبال على إسقاط الخافض أي من الجبال كقوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) فيكون بيوتا مفعوله. ويجوز أن يضمن تنحتون معنى ما يتعدى لاثنين أي وتتخذون الجبال
стр. 605
بيوتا بالنحت أو تصيرونها بيوتا بالنحت. ويجوز أن تكون جبالا هو المفعول به وبيوتا حال مقدرة كقولك: خيط هذا الثوب جبة. (وبيوتا) وإن لم يكن مشتقا فإنه في معنى المشتق أي مسكونة.
وذكر أبو السعود: وقيل انتصاب الجبال على إسقاط الجار أي من الجبال وانتصاب بيوتا على المفعولية.
وذكر الآلوسي: انتصاب الجبال بنزع الخافض أي من الجبال ونصب بيوتا على المفعولية وجوز أن يضمن النحت معنى الاتخاذ فانتصابهما على المفعولية.
أقول: من زعم أن البيوت منصوب على الحال نقول له: الحال فضلة يستغنى عنه وعندها لا يتم معنى الآية، ومن ضمن تنحتون معنى تتخذون نقول له: لا داعي للتكرار ويغني عنه العطف بالواو، تتخذون من سهولها قصورا والجبال بيوتا. ولهذا تراني أفزع إلى التضمين لأستضيء وبه وأستعين، لِتعجبَ من أغراضٍ عدل إليها ومن أجلها.
لقد تضمن (النحت) معنى (الكسوة) والمتعدي لمفعولين. وليست البيوت المنحوتة في الصخور على سفوح الجبال إلا كسوة للجبال تجملها، وليس نحت الجبال إلا إلباسا لها بزينةِ البيوت والانتفاع منها.
أفرأيت كيف كسا التضمين (النحتَ) حُلةً بهية في مسارح النظر! ولو سأل سائل: لم استبدل تنحتون بـ تكسون؟ أقول: إنما ذكر سبحانه الأصل والسبب الذي قد يخفى علينا لبعده في الزمان عنا، فالنحت هو وسيلة إنشائها وهو السبب الذي له ومن أجله تمت صناعة البيوت وعمارتها. فتأملْه
стр. 606
لتأنسَ به وليكونَ لك حصة في تحصيله. ولو قال: تكسون الجبال بيوتا لما عرفنا خامتها ومادتها التي صُنعت منها وهي النحت.
إنه التضمين جعل نحت الجبال كسوة لها في إيجازه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) .
ذكر الزجاجي: اللام معناها (إلى) وكذلك الزركشي والموزعي.
وقال الزمخشري: مررت بهادِ يهدي للإسلام وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك.
وقال الآلوسي وأبو السعود: المراد بالنداء الدعاء.
أقول: ولعله يأتي لازما ومتعديا ففي اللازم يتضمن معنى (يدعو ويرشد) كما في قوله تعالى: (يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) فنداؤه مختص بالدعوة والإرشاد وفي قوله (نُودِيَ لِلصَّلَاةِ): أي دُعِي.
وفي المتعدي يتضمن معنى (كلم): قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ).
أو معنى (حاسب): قل تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا).
стр. 607
أو معنى (استغاث): قَالَ تَعَالَى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... ).
فإذا شارفنا أحد هذه المعاني في مساقه أو تلوح لنا بعضها على وجهٍ من التأويل عند أهل النظر أثبتناه لنُبل قدره.
ولعل إيثار (ينادي) على (يدعو) لينسجم مع السياق، فلفظ سمعنا يستدعي (ينادي) أما (يدعو) فقد تكون الدعوة عن طريق الكتب أو الصحف أو النشرات.
وهكذا اللفظ في يد القدرة البيانية المعجزة، تديره على طريقة وتنتزعه في أسلوب لتُظهره للحياة على أدق وأجمل ما يكون.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ).
قال أبو السعود: منذرون قيل: مذكرون.
وقال الشوكاني: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ) إلا بعد الإنذار إليهم والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
وقال الطبري: إلا بعد إرسالنا إليهم رسلا ينذرونهم بأسنا.
أقول: لم يتعرض أحد من المفسرين لهذه اللام فيما وقفت عليه. وما قاله الشوكاني: إلا بعد الإنذار إليهم فالإنذار لا يتعدى بـ (إلى). وما ذكره أبو السعود من تضمين منذورن لها معنى: مذكرون، فهذا لا يتعدى باللام
стр. 608
(أنذر) يتعدى بنفسه وبالباء، فإذا تعدى باللام فقد تضمنت النِّذارة معنى النصح والتبيين، والمتعدي باللام وبذلك يجمع التضمين معنى النِّذارة مع النصيحة والبيان وهل يكون إنذار إلا ويسبقه بيان؟.
ثم جاءت الذكرى بعد مصارع المنذرين. فالرسل تذكر بما سبق لها من بيان وتبيين، وإبلاغ وتحذير. فالإنذار وهو مقدمة الهلاك، شاءت رحمته ألا يهلك قرية حتى يبعث فيها رسولا. فالرسل ذكرى تنبه الغافلين وتوقظ النائمين، وما كنا ظالمين حين نوقع العذاب ونهلكهم أجمعين، لأنهم انحرفوا عن الفطرة، أُنذروا .... فأنى يبصرون! فما جاءت اللام مع النِّذراة إلا كالمنبهة على هذا المعنى الشريف (النصح) لتحصيله والإبانة عنه وتصويره. قال تعالى: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) أي أعذرت إليكم في النصيحة والتحذير.
فكما أن النذارة تخويف وتحذير، كذلك النصيحة هنا إبلاغ وتبيين ومن ورائه التحذير الذي لا وَعْيَ عنه. فالمضمّن فيه أخذ معنى من معاني صاحبه المضمّن. والفضل في تصوير معنى البيان في الإنذار وتأليقه كان لهذه اللام حين أمست مشتقا لا يألفها ولا يأنس بها، ولولا تعديه بها لبقي ما انطوى عليه من النصح دفينا واستولى الخفاء على جملته.
* * *
стр. 609
قَالَ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ).
قال أبو السعود: فإن تعلُّق كلمة (مِنْ) بالإنذار مع كون صلته الباء بتضمينه معنى [الفرار]. يقال: فرَّ منه أي هرب، وفيه تأكيد لما قبله من الفرار من العقاب إليه تعالى لكن لا بطريق التكرير كما قيل: بل بالنهي عن سببه.
أقول: أنذر يتعدى بنفسه وبالباء فحين تعدى بـ (مِن) فقد تضمَّن معنى (النجاة) فالرسول ﷺ منذر، نِذارته نجاة، والصلة (لكم) متعلقة بمبين والبيان أول سبيل النجاة وأخص أسبابها. وقول رسولنا الكريم ﷺ : " لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك " يعني أن النجاة منه إنما في الفرار إليه وهذا تأكيد لما أومأ إليه أبو السعود وعقد الغرض عليه قَالَ تَعَالَى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) فالرسول صلوات اللَّه عليه مُنج منه أي من عذابه بالتبيين لكل أسباب النجاة .. وهندسة الصوت في التنسيق الفني في القرآن الكريم أن يرد النظم في تقديم ما حقه التأخير ليحدث موجاتٍ صوتية توقع على أوتار القلب ترتيلا وتنغيما لا يحدثه أي ترتيب آخر. ولا يقع في وهم أحد أن يوازيه أو يدانيه في هذا النظم البديع فلو قلت: إني مبين لكم نذير منه، لأحدث اضطرابا في موسيقاه ونشاذا في تنغيمه الصوتي تضطرب معه النفس وتتأذى منه الأذن. فـ (مِنْ) هذه هي التي لوَّحت لنا بغرض النجاة ليستضيء به المنذرون ويتنبهوا على أسبابه.
فاحرص على تحصيل أسرار هذه الحروف ليتسع بك التصرف فيها
стр. 610
ولتجني منها لطائفها، وتستخرج أغراضها وقد تعددت وجوه إفادتها في مختلف أسيقتها، عَلَتْ باللغة أسمى مراتبها من قوة الفكر وصحة الأداء، مع سمو التعبير وجمال الصورة وهذا وجه من العربية لطيف مغفول عنه، فيه من حُسن الصنعة ما تأنَقُ له.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).
قال أبو حيان: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) متعلق بتنزل، و (مِن) للسبب أي تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل. وقال ابن عباس وعكرمة والكلبي: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) متعلق بقوله: (سَلَامٌ هِيَ) أي من كل أمر مخوف ينبغي أن يسلم منه هي سلام. وقال صاحب اللوائح: ولا يجوز أن يكون سلام التي هي المصدر عاملا فيما قبله لامتناع تقدم معمول المصدر على المصدر كما لا تتقدم الصلة على الموصول. أ. هـ وقال العكبري والجمل: (مِنْ) سببية.
وقال البروسوي: من أجل كل أمر أو بكل أمر من الخير والبركة كقوله تعالى: (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ).
وذكر الآلوسي: قال أبو حاتم: (مِنْ) بمعنى الباء أي تنزل بكل أمر، وجعلت الباء للسببية. ومنهم من جعلها للملابسة والمراد بملابستهم له: ملابستهم للأمر به فكانه قيل: تنزل الملائكة وهم مأمورون بكل أمر يكون في السنة.
стр. 611
وروى الطبري: ومعنى العدول من لام التعليل إلى (مِنْ) أن السائل كأنه يقول: من أين جئتم؟ فيقولون: ما لكم وهذا السؤال ولكن قولوا لأي أمر جئتم. من كل أمر: أي من أجل كل مهم.
أقول: الحذاق من أهل الصنعة يرفضون التضمين في الحرف - وانتهى القائلون به إلى أن (مِنْ) تضمَّن معنى الباء أو اللام يعني: السبب أو العلة أو الملابسة وكل هذا تفسير لمعنى الحرف لا أكثر. ويبقى السياق مبهوتا بلا لحظ. أما التضمين في الفعل فيعطي معنى في الملفوظ ومعنى في الملحوظ الُمقدر. ويبقى الحرف على أصله لا شأن له إلا في توجيه فعله.
ليلة القدر
وإحياءً لذكرى ما اشتملت عليه هذه الليلة في نزول أعظم كتاب على خير الخلق وأشرف الرسل، حضنا رسول اللَّه ﷺ على إحيائها في كل عام، فهي وسيلة من وسائل التربية لاستحياء هذه المشاعر الموصولة بهذا الحدث الضخم، والذي أفاض النور على الوجود نور الوحي. ونور الملائكة، ونور آيات اللَّه تتنزل بها الملائكة الكرام تستأذن في النزول لتشارك في حفل تكريم
المُنزل والمُنزل عليه، متدرجين فوجاً إثر فوج بين الأرض والملأ الأعلى إلى مطلع الفجر. وقيام هذه الليلة تثبيت لهذه المعاني في نفوس المؤمنين. ولا يُضيء مشاعل هذا المهرجان الكوني العظيم ولا يُحيي معانيه إلا القيام، فابتذالك جوارحك كلها في إعزازه فذاك غاية إكرامك له، وتناهيك في الحفل به لإحياء قلبك، لأن إدراك هذه المعاني ذهنيا لا يكفي في تحريك القلوب وإحياء المشاعر.
سلام هي حتى مطلع الفجر ... سلام في الضمير، وسلام في البيت، وسلام في المجتمع، وسلام في العالم أجمع. فإذا غاب السلام انطمست الفرحة، وأنطفا النور، وحل الظلام، واندلعت النيران.
стр. 612
ومن خلال هذه الخطوط العريضة لهذا المشهد العظيم، نذهب إلى تضمين (تتنزل) معنى (تَحْبُر وتبتهج) وكلاهما يتعدى بـ (مِن) فالملائكة والروح تَحْبُر من لطائفَ لا يُحاط بها ولا يُدرك مداها، وتبتهج من كل أمر نزلت به من كتاب اللَّه على رسوله في هذه الليلة المباركة، من أوامرَ ونواهٍ وشرائعَ وأحكامٍ ومواعظَ وآداب في شؤون العباد صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، مُجملها ومُفصلها، أولها وأخرها، لأنه خير كله، وسلام كله، وسرور دائم كله. ولو جاء التعبير: تَخبُر الملائكة من كل أمر لضاع علينا أمر النزول، ولو جاء النزول متعديا بالباء لضاع علينا معنى الابتهاج والفرحة.
فحروف المعاني إنما تستمد ضياءها من نور المادة اللغوية المصاحبة لها - الفعل أو مشتقه - فتحتاج إلى مزيد من التأمل، وليست حروفا موحشة مظلمة تتعاور وتتناوب.
وكم كنت أعان الخاطر وأفانيه وأتودده على أن يكشف لي معنى (مِن) هذه، حتى تبرَّج النزول بثوب البهجة والسرور ليكشف عن بيان المُنزَّل المعجز، ورِكازِ نظْمه البديع.
إنه التضمين ... من ذاق عرف.
* * *
стр. 613
قَالَ تَعَالَى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) .
قال الزمخشري: إلى الله: صلة أنصاري مضمنا معنى الإضافة. كأنه قيل؛ من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللَّه ينصرونني كما ينصرني.
وأورد أبو حيان: أقوالا منها: إلى الله: أي مع الله، قاله السُدّي.
وقال الحسن: في السبيل إلى الله. وقال أبو علي الفارسي: إلى الله: أي لله. كقوله: يهدي إلى الحق أي للحق. وقال ابن بحر: معي إلى الله. وقال أبو عبيدة: من أعواني في ذات الله. وذكر كثيرون أن (إلى) بمعنى (مع). أ. هـ.
وقال المرادي: و (إلى) في هذا أبلغ من (مع) لأنك لو قلت: من ينصرني مع فلان، لم يدل على أن فلانا وحده ينصرك، ولا بد. بخلاف (إلى) فإن نصرة ما دخلت عليه محققة واقعة مجزوم بها إذ المعنى على التضمين: من يضيف نصرته إلى نصرة فلان. وحكى ابن عصفور عن الكوفيين وحكاه ابن هشام عنهم وعن كثير من البصريين أن (إلى) بمعنى (مع) وورد ذلك في: تأويل مشكل القرآن، والصاحبي، والأزهية، والبرهان، والمغني، والإتقان، ومعاني القرآن للفراء، وشرح اللمحة البدرية، ومنتخب قرة العيون، ومعترك الأقران، ومجمع البيان، والجنى الداني.
أقول: ذكر المرادي: من نصيري مع فلان معناه أن فلانا وحده لا ينصرك بخلاف (إلى) فإن نصرة ما دخلت عليه محققة ومجزوم بها. أ. هـ، ولم يلتفت القائلون بتضمين الحروف إلى هذا الفارق الدقيق في توجيه المعنى بين الحرفين فجانَبَهم الصواب، ولو أخذوا بتضمين المشتق لتراجعوا عما قالوه.
стр. 614
وفي تضمين المشتق (نصير) معنى (مساند) والمتعدي بـ (إلى) منتهى الوضوح في المعنى وأكشف عن وجه التأويل وأنصع لجلاء الصورة: إذ لا بد لكل صاحب عقيدة من أنصار يحملون عِبأها ينهضون معه ويحامون عنه وُيبلغون دعوته فيَكِل إلى اللَّه أمره، ويعهد إليه شأنه، وُيسند إليه ظهره. وُيبدي
الحواريون استعدادهم لنصرة دين اللَّه ومعاضدة رسول اللَّه ﷺ فهم مساندوه
إلى الله، واللَّه هو النصير وهو السند والظهير. فيتوجهون إلى ربهم قائلين: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).
ومعناه عقدوا بيعة مع اللَّه على اتباع منهجه والاقتداء برسوله وتحقيق هذا المنهج وإيثار الموت في سبيله وهذا خير من حياةِ لا يتحقق في ظلها منهج الله. فشهادتهم خير من حياتهم، والشهادة في سبيل اللَّه أعز ما يحرص عليه المؤمن. فحين سأل من مسانديَّ إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله.
فلْنُرِح أنفسنا من هذا المسلك العسوف الذي ألزمنا فيه النحاة وكثير من المفسرين بجدع الأنف: تضمين الحروف. وهو منكور عند أهل الحذق بالعربية، ليس له وزن ولا يقوم به دليل.
* * *
стр. 615
قَالَ تَعَالَى: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) .
فقال الزجاج: تضمن (نصر) معنى (عصم)، وقال الزبيدي: نجاه وخلصه. وجُل المفسرين يضمنون (النصر) معنى (المَنعَة). قال الطبري: ينصرنا: يدفع عنا.
أقول: (نصر) يتعدى بـ (على) فعداه ربنا هنا بمن. ليتضمن معنى (أجار) فعذابه يتربص بهم في كل لحظة من ليل أو نهار، فجدير بهم أن يُحسوه ويبيتُوا على وجلٍ منه، ويحذروه ويتقوه. وعلى كل مؤمن أن يقف مع الحق أمام كل طاغية يُحذر وينصح مهما كانت النتائج ليُنقذَ نفسَه من غضب الله.
إنه منطق الفطرة المؤمنة الجريئة: من ينصرنا؟ هكذا وكأنه واحد منهم حين يجعل نفسه فيهم عسى أن يهتموا بتحذيره، ثم يُخوفهم ويُحذرهم من بأس اللَّه الذي لا يُنجيهم منه ما هم فيه من مُلك وسلطان.
ولعل سائلا يسأل: لم جاء التعبير بالنصر بدلا من الإجارة والإنقاذ والعصمة؟ والجواب: في لغة النصر لا بد من جبهتين: مهزوم ومنتصر. وفي لغة العصمة جبهة واحدة قَالَ تَعَالَى: (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ).
ألا ترى إلى اختلاف الحالين في الضعف والقوة! وهل يسمح الطاغية
стр. 616
لمؤمن آل فرعون وقد جاءه بأسلوب الناصح أن يُلغي وجوده وُيزيل سلطانه ونفوذه لو قال له: من يجيرنا من بأس اللَّه إن جاءنا - إنه إذاً أسلوب حكيم في مخاطبة الطغاة وإنه موضع حرج ومقام زَلْخ لا ترسو فيه قدم، تعجب من لُطف مدخله.
إنها الصنعة البيانية تربأ بنا أفرع مشارفها. تولِّد يقظة النفس لتحقق فضائلها.
وإنها لرعشات من نور الهداية على لسان مؤمن آل فرعون.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) .
ذكر الجمل والآلوسي والأشموني والمرادي والسيوطي والزركشي: الباء بمعنى (في). وقال ابن عباس: ببدر: يوم بدر.
أقول: لا يضق صدرك من هذه الباء ولا تسترسل في كذب الوهم فترميها إلى التناوب بل هي على أصلها، وإنما تضمن (نصر) معنى (أعز) والمتعدي بالباء فأسباب العزة حصلت بهذه البقعة على غير ميعاد بين
стр. 617
الفريقين، فالعَدد والعُدد، ونزول الملائكة، وطبيعة الأرض، ووجود الماء، وأمور ... فاللَّه وحده أعزكم ببدر وبيده النصر والهزيمة، واللَّه وحده يملك القوة والسلطان وله القهر والغلبة.
ولو قيل: ما العلاقة بين المضمن والمضمن فيه؟ أقول: العلاقة سببية فالنصر سبب من أسباب العز.
ولو سألت: لم عدل سبحانه من (أعز) إلى (نصر)؟ أقول: أسباب العز كثيرة، والمراد: العز الحربي بخاصة وهو النصر ثم يتبعه ما يتبعه. ثم هذه المقابلة بين العز والذل أعزكم ببدر وأنتم أذلة لو تجشمْت كُلفة البحث عنها وتحاملت على نفسك لتناهيت إلى عجز ولم تبلغ حاجتك لولا الباء التي أوقفك عليها التضمين في الفعل.
وكم مرّ عليها المفسرون دون استشفاف لمقاصدها السنية في نظمها البديع والتي لا تأتي إلا مع الأناة والصبر ولا تُبدي زينتها إلا لمُدلج، لأنهم وقعوا أسرى التناوب والتعاور والذي يخالف ما عليه أوضاع اللغة ويُنافرها.
وبعد ... ليس من شأن الحرف أن يقول: إن الطريق لمظلم، بل يقول: ها أنذا بجوار فعلي مضيء.
فاجتهد لتبلغ غور هذه اللغة الشريفة وتعجب من وسيع مذاهبها وتستضيء بأنوارها وتكشف أسرارها.
إنه التضمين في لغة القرآن الكريم ...
وتحير البلغاء في تفسيرها ... واستسلموا للعجز في تأويلها
* * *
стр. 618
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) .
روى الطبري: لانتصر بعقوبة منه لهم وكفاكم ذلك كله. وذكر الزمخشري: (انتصر) تضمن معنى (انتقم) منهم ببعض أسباب الهُلك من خسف أو رجفة أو حاصب أو غرق أو موت جارف ولكن أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، وليبلو الكافرين بالمؤمنين بما وجب لهم من العذاب.
وروى القرطبي: أي أهلكهم بغير قتال. وذكر الراغب في مفرداته: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) إنما قال: فانتصر ولم يقل: انصر تنبيها أن ما يلحقني يلحقك حيث أني جئتهم بأمرك فإذا نصرتني فقد انتصرت لنفسك.
وقال أبو السعود: انتصر منهم: انتقم منهم ببعض أسباب الهلكة والاستئصال.
أقول: ولعل الذي ينتصرله السياق: تضمين (انتصر) معنى (انتقم أو أصاب منهم) وأنزل بهم ما شاء من أصناف البلاء والهلك من خسف أو غرق أو رجفة أو ... ولو شاء لأصاب منهم بغير هذه الأسباب جميعا ولكنه سبحانه يبتليكم ويرئيكم فما أشد مضض الابتلاء تستكد فيه وتدأب، فليس أكرم على المؤمن من إعزاز دين اللَّه ونُصرة الحق الذي يحيا به ليُعز وجهه
стр. 619
ويعلي قدره ويجاهد من أجله فاللَّه يريد أن يتم النصر على أيديكم أيها المؤمنون حين تفرُغُ نفوسكم من أعراض الدنيا وزخارفها ولم يعد في قلوبكم ما يشغَلُها عن رضوان الله.
وإذا سأل سائل ما العلاقة بين (انتصر) و (أصاب ونقم)؟ فأقول: أليس إهلاك أعداء اللَّه نصراً لأولياء اللَّه وأحبابه؟ والسؤال الآخر: لم فضل (انتصر) على (نقم أو أصاب)؟ والجواب: إن الانتصار يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة وفيه ابتلاء واختبار وفتنة ولا شيء من ذلك في الانتقام والإصابة والاستئصال. ثم إن الانتصار أوقع في النفس من الإصابة وأذهب في الدلالة على القصد. فإن شئت أن تبحث عن أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز في اختيار حروف المعاني فلاطف النظر فيها فأفعالها تحتاج إلى فضل بيان، لتسمحَ لك بكل متأبٍّ عليك.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) .
ذكر السيوطي والزركشي: (مِنْ) بمعنى (على). وأضاف أنه يضمن معنى: منعناه منهم بالنصر.
قَال تعالى: (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ).
وقال المرادي: على القوم: كذا قال الأخفش: والأحسن أن يضمن
стр. 620
الفعل معنى (منعناه بالنصر) من القوم: ضمن (ينصر) معنى (يجير ويمنع) وعُدِّي بـ (مِن) لتضمنه معنى نجيناه بـ نصرناه وعصمناه ومنعناه.
وقال أستاذنا سعيد الأفغاني: أجرناه.
وذكر أبو حيان والعكبري: عدي نصرناه بـ (مِن) لتضمنه معنى نجيناه بـ نصرنا أو عصمناه ومنعناه. وقال أبو عبيدة: (مِنْ) بمعنى (على).
وقال الزمخشري: ونصرناه هو نصر الذي مطاوعه انتصر، وسمعت هذليا يدعو على سارق: اللهم انصرهم منه: أي اجعلهم منتصرين منه.
وروى الآلوسي: نصرناه من: أي حميناه منهم بإهلاكهم وتخليصه.
وقيل: أي نصرناه عليهم ف (مِنْ) بمعنى (على). وقال بعضهم: إن النصر يتعدى بـ (على) و (مِنْ). ففي أساس البلاغة نصره اللَّه تعالى على عدوه ونصره من عدوه وفرق بينهما: بأن المتعدي بـ (على) يدل على مجرد الإعانة والمتعدي بـ (مِن) يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار.
وروى الجمل: نصرناه ضمن معنى (المنع) فعدي بمن.
أقول: الأولى أن تبقى (مِنْ) على أصلها و (نصر) تضمن معنى (نجى وعصم ومنع وأجار). ونجاته من أيديهم نصر كبير له ولدعوته ودينه.
ومن سنن الكون التي لا تتخلف أن يغلب الحق باطلهم. وأن يُهلك اللَّه
стр. 621
الظالمين ويُنجي رسله وعباده المؤمنين قَالَ تَعَالَى: (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) وما توهمه بعض النحاة من تضمين الحروف فللمعربين آراء على خلاف الصواب. ولهذه اللغة أصول إن خفيت عن البعض فقد تنكشف لآخرين من ذوي التحصيل على وجه تقبله دواعي النظر وكما قال سيبويه: فما خفي عنا فلا تخفَّ إلى نقضه بل نتهم نظرنا فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
ذكر الزركشي وابن هشام والهروي والأشموني والموزعي والرماني: (عن) بمعنى (الباء).
وقال الزمخشري: وليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه.
وذكر الجمل: (عن) على بابها متعلق بـ ينطق مع نوع تضمين أي: وما يصدر نطقه عن هوى نفسه.
وذكر القرطبي: قال قتادة: وما ينطق عن هواه، وقيل: عن الهوى أي بالهوى، قاله أبو عبيدة كقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) أي عنه.
قال النحاس؛ قول قتادة أوْلى وتكون (عن) على بابها أي ما يخرج نطقه عن رأيه وإنما هو بوحي من الله. وحكى الآلوسي: والنطق مضمّن معنى (الصدور) فعدي بـ (عَنْ) وقيل: هي بمعنى الباء وليس بذلك.
стр. 622
أقول: النطق هو الكلام وهو لا يتعدى بـ (عَنْ) وتضمين (عن) معنى الباء ليس بشيء وتضمين (نطق) معنى (صدر) كما جاء عند أغلب المفسرين لا يفي بالحاجة، فلا نقول صدر عن الهوى بل لا بد من ضم صدر إلى نطق والتأويل مستكره والأصل في التضمين: اللجوء إلى المستخف، والعدول عن المستثقل، فتضمين (نطق) معنى (أفصح) أخف وألطف وهو يتعدى بـ (عَنْ)، ففي اللسان: أفصح عن الشيء إذا كشفه وبتنه.
والإفصاح أخص من النطق لأنه لا يكون إلا مع البيان ووضوح الدلالة.
وما كان تعدّي نطق بـ (عَنْ) إلا لتخصيص العموم، فالنطق أعم وأسير قال تعالى: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) والإفصاح أخص وأبين في الدلالة على المراد قَالَ تَعَالَى: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) فجمع التضمين النطق مع الإفصاح حين تعدى بغير حرفه تَحفِّيا بالمعنى وتوصلاً إلى إدراك المطلب. ووجه آخر في صرف المعنى يحتمله السياق: عُدِّي نطق بـ عن حملا على سكت. والعرب قد تحمل الشيء على نقيضه كما تحمله على نظيره فالأصل: وما ينطق بالهوى، فإذا لم ينطق بهواه فقد سكت وإذا سكت عن الهوى فقد نطق بالحق فيما يُبلِّغ عن مولاه، وسكت عن كل وهم باطل.
إنه التضمين، وإنه غَوْر بطين، يحتاج مجتاحه إلى فقاهة في الصنعة ودُربة في وجوه التأويل. هاهو صلوات اللَّه عليه في الأفق الوضئ المرفرف بأجنحة النور في الملأ العلوي فهل يُفصح عن هوى نفس؟ إنما يفصح عن الحق وقوله الحق لأنه يتلقى من الحق.
стр. 623
كُشفت عنه الحجب، يسمع ويرى ويحفظ ما وعى عن تبُّتت وروْية ويقين، فـ (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ).
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) ذكر السيوطي: (مِنْ) بمعنى (الباء) وكذلك ابن هشام والزركشي.
وذكر أبو حيان: قال السدي وقتادة: المعنى يُسارقون النظر لما كانوا فيه من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين وإنما ينظرون من بعضها فيجوز على هذا التأويل أن يكون الطرف مصدرا أي من نظر خفي.
ويجوز أن يكون (مِنْ) بمعنى (الباء).
وروى القرطبي: وقال يونس: (مِنْ) بمعنى (الباء) أي ينظرون بطرف خفي من الذل والخوف.
وذكر الآلوسي: وقال ابن عباس: خفي: ذليل، وقيل: يحشرون عميا فلا ينظرون إلا بقلوبهم وذاك نظر من طرف خفي وهو تأويل متكلف.
وروى ابن مالك في التسهيل عن الأخفش أن يونس قال: إنها بمعنى الباء.
стр. 624
أقول: ولعل تضمين (نظر) معنى (غضَّ) المتعدي بـ (مِن) يكشف لنا عن سر استبدال الحرف، ويصرفنا عن القول بالتعاور والتناوب، ويصور لنا ذلهم يوم العرض فطرفهم كسير، مشفقون من ذل الموقف، غضيض طرفهم، خاشعون من الذل، مطرقون من الخوف مع اليأس مما ينتظرهم من ألوان العذاب الأليم ومن سوء المصير.
كانوا هم الطغاة البغاة، فتهاوت كبرياؤهم، وانهارت قواهم من رؤية جهنم، خاشعين لا من حياء وخجل بل من ذلة وهوان. فـ (مِنْ) هذه هي التي صرفت النظر من معنى الحياء: ينظرون بطرف خفي، إلى الغضاضة، معنى الذل والهوان (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) يفضون صورة شاخصة قميئة،
توحي باليأس والانهيار مع التطلع إلى أي بارقةٍ للخلاص، ساعةً تلاشى عندها الزمن كشف التضمين عن قباحتها في الطرف الغضيض الذليل الكسير والنظر الحسير.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) .
قال أبو حيان: تضمَّن (أنعم) معنى (التفضيل). لأن الأصل أن يصل إلى المفعول بنفسه، وأنعمت عينَه: أي سررتها. وأنعم عليه: بالغ في التفضل عليه والهمزة في (أنعم) تجعل الشيء مصاحبا لما صيغ منه إلا أنه
стр. 625
ضمن معنى التفضل فعُدِّي بـ (على) وأصله التعدية بنفسه. أنعمته أي جعلته صاحب نعمة وهذه أحد معاني (أفعل).
أقول: الله المتفضل على عباده، وهل تصدر النعم إلا عن صاحب فضل؟ ولا فضل أعظم من الهداية إلى الصراط المستقيم، ولا نعمة أسمى من نعمة هذا الدين الحنيف ترتفع فوق السحب. فمن شملتهم لم تبق نعمة بعدها إلا أصابتهم، وكانت معلاة لهم شاهدة بفضلهم. كفراشة تتواثب على النوَّار في روضة مزهرة.
اهدنا معرفة الطريق الموصلة إليك مع الاستقامة عليها، فهذه الهداية ضمان السعادة وصراط المهتدين الواصلين. و (على) في جوارها للإنعام ومؤانستها له، يتعدى بها ولا يستغنى عنها، فمنها بدتْ محاسنه وحسرت عن وجه نعمته وفضله تملأ الطرف، وتغني عن الوصف.
الفعل (أنعم) إذاً يتعدى بـ (على) كما جاء في قوله سبحانه: (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) وفي قوله: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) وفي قوله سبحانه: (قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) وفي قوله سبحانه: (أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ) وفي قوله سبحانه: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) وقوله سبحانه: (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ)
وغيرها كثير. وفي قول النبي ﷺ : " أحب أهلي إلي من قد أنعم اللَّه عليه
وأنعمتُ عليه أسامة بن زيد " وفي قوله صلوات اللَّه عليه: " ما أنعم اللَّه على
стр. 626
عبد نعمة ... " وكثير غيره. فلا تضمين في الفعل إذاً لأنه يتعدى بنفسه كما يتعدى بـ (على). واللَّه تعالى أعلم.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
قال الزمخشري: ما نقموا منهم: ما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان. ومثله قال الجمل والآلوسي والبيضاوي وأبو حيان وأبو السعود والرازي والشوكاني و ... أقول: ليست النقمة مشاعر نفسية، تقف عند حدود العيب والإنكار كما ذكر الزمخشري والمفسرون، ولكن (النقمة) تضمَّنت معنى (المصيبة) والمتعدية بمن: أصابت منهم بإلقائهم في الأخدود وإحراقهم في النار، قال علي بن أبي طالب ﵁:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين فَتي سِني
فِعلة تتقزّز النفس من شناعتها، ومشهد يملأ النفس بشحنة من الغضب على الفاعلين الملعونين. أما صورة المؤمنين فتملأ القلب بروعة الإيمان
стр. 627
المستعلي على الجسد، والعقيدة المتصرة على الحياة.
كم كانت الخسارة فادحة لو حَرَص المؤمنون على حياتهم بلا عقيدة! كم كانت البشرية تنحظ لو سيطر الطغاة على الروح! لقد سمت عقيدتهم وهم يجدون مس النار في أجسادهم إلى المستوى الذي يُشرف أجيالهم على مر العصور.
وكان الملائكة تطمع في سجدةِ تكريم لهم وإعزاز وإكبار، كما كانت لأبيهم يوم خُلق.
فلولا (من) هذه لما انكشف لنا المستور من خسة الناقمين ولؤمهم، وما أصابوا من المؤمنين إلا لإيمانهم بالله، ولم يقل آمنوا بل قال: (يؤمنوا)، ليفيد الحدوث والتجدد على إيمانهم، فالطغاة يزاولون الجريمة ويشاهدون أطوار التعذيب في لذة ومتاع. ولو تراجع المؤمنون عن إيمانهم لما أوقعوا عليهم العذاب وأصابوا منهم ما أصابوه بالكيّ والشي.
فهل نذهب بعد هذا إلى تضمين النقمة معنى العيب والإنكار؟!
* * *
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ) .
الفصيحة حكاها ثعلب: نقم ينقم. والأخرى حكاها الكسائي: نقِم ينقَم.
وذكر الزمخشري: وما تنقمون: كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في الإسلام.
стр. 628
وتساءل أبو حيان: هل تعيبون علينا أو تنكرون وتعدون ذنبا أو نقيصة ما لا يُنكر ولا يُعاب، وهو الإيمان بالكتب المنزلة، وفسّر (تنقمون) بتسخطون وتتكرّهون.
وقال القرطبي: تنقمون: معناها؛ تسخطون، وقيل: تكرهون.
وقيل: تُنكرون. يقال: نقمت على الرجل: عتبت عليه، ونقمته إذا كرهته.
ويسأل الآلوسي: هل تنكرون وتعيبون منا؟. وقال العكبري؛ تنقمون منا: تكرهون منا.
وأخلص إلى القول: سؤال تقريري لكشف العداوة يواجَه به أهل الكتاب، إنها مواجهة مخجلة، ناصبوا المسلمين فيها العِداء ورصدوا لهم، وحاربوهم. ثم هو بعد هذا سؤال استنكاري يستنكره المسلم الغيور لينفر من موالاتهم. حرب مشبوبة منذ ألف وأربعمائة عام، لم يخب أُوارها منذ أن قام للمسلمين كيان وأصبح لهم وجود.
فتضمين (نقم) معنى (أصاب) أسد من أنكر وسخط وكره وعاب وعتب كما توهم المفسرون من هذه المشاعر النفسية. فإن ما ينزل بالمسلمين من المصائب وما يبتلون به من شرور أهل الكتاب يهود ونصارى شرقا وغربا لم ينقطع على مدار التاريخ. فاختار العليم الخبير لفظ تنقمون وعداه بمن ليكون المسلم على بصيرة من موقفه منهم، فلا تمييع ولا تلبيس ولا طمْس.
стр. 629
إنهم يُصيبون منا - يُنزلون بنا المصائب - وإنها الحرب السافرة، فشلت في الحروب الصليبية فجاءت في ثياب التبشير، وآخر الأمر في حمامات السلام. واليوم في قتل الأبرياء وتدمير المساجد والمنازل في أفغانستان والشيشان وفلسطين والعراق والفلبين وفي كل مكان فلا خداع ولا تخدير. إنه الصراع مع العقيدة فلا أسواق ولا أموال ولا كذب.
أما العلاقة بين المضمن والمضمن فيه فعلاقة وشيجة. كل مصيبة (تُصيبون منا) تنزل بالمسلمين من أهل الكتاب يهودا كانوا أو نصارى فأسبابها ما يحملونه من نقمة وحقد على هذا الدين وعلى المتمسكين به، الجادين في عودته إلى الحياة ولو تعدى نقم بحرفه المعتاد، ما ظفرنا بوجه من التأويل يصرف عنا العيب والكراهية والاستنكار والسخط (وكل ذلك شعور نفسي لا رصيد له من الواقع).
نعم تعدى (نقم) بـ (مِن) ليبصرنا بنار حرب ضروس تخطط لها مؤسسات
يهودية صليبية، ويأخذ بأيدينا في إلطاف النظر كيف نواجههم ... وكيف نوجه ما يرد من معاني هذه الحروف في تأتٍّ وتأنٍّ دونما استعجال منا ولا إجبال.
ويؤيدنا في هذا ما ورد في سورة البروج.
* * *
قَال تعالى: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا) .
ذكر السيوطي وكذلك الموزعي: الباء للمصاحبة بدليل.
قوله تعالى: (جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ).
وقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ).
стр. 630
وقال الزمخشري: بسلام: أي مسلما محفوظا من جهتنا أو مسلما عليك مقربا.
ويرى أبو حيان: أن بسلام معناه مصحوبا بسلام. ومثله قال الآلوسي.
وقال الجمل: متلبسا بسلام. قال المثقب العبدي:
* يجتذب الآريّة بالمرود *
أي مع المرود.
وذهب الزركشي: إلى أن الباء بمعنى مع. وتبعه في ذلك المرادي والسيوطي والأشموني وابن هشام.
أقول: هل الباء بمعنى مع أو بمعنى الملابسة أو المصاحبة أو الملامسة والحفظ أو ..... ؟ أم (هبط) تضمن معنى (حل) المتعدي بالباء؟ فاحلل بسلام من الله، دل على التكريم، وفيه نجاة من قومه، والبشرى بقبول توبته، والرضا والسلام من كل أذى، وقد يكون السلام بمعنى التسليم والتحية من اللَّه كما قرأ الكسائي، أو بركات من الرزق والنسل والذرية.
стр. 631
أما إذا تعدى بـ (مِن) فإنه يتضمن معنى (الخروج). في قوله تعالى: (فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا) وقوله تعالى: (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وفي قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) تضمن الهبوط معنى السقوط وحين يتعدى بنفسه في قوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) فإنه يتضمن معنى (النزول).
أرأيت كيف يتغير معنى (الهبوط) بتغير الحروف التي يتعدى بها؟! ولو توهمتَ آخذا بتعاور الحروف لحرمت نفسك من محاسن هذه الصنعة وسددت عليك باب الحظوة بها.
ولو سأل سائل: لم اختار الهبوط على الحلول وهذه أندى ظلالًا؟ قلت: لو قال: احلل لضاع علينا معنى الهبوط أي النزول فليس معنى حلول السفينة هو نزول أهلها منها. ولو قال: (يا نوح اهبط): سينزل إلى أين؟ لا بد من قرار ودار سلام يحل بها، وإلا بقي مرتحلا ليس له مقام.
فجمع التضمين الهبوط مع الحلول فأفادهما جميعا، وبذلك أسفر وجهه عن غرض تعدية الفعل بغير حرفه لدى الاستقراء له والبحث عن كنهه. فإياك والوقوف مع كثافة الذهن في التناوب والتعاور لأنها تدعوك لإنكار هذه اللطائف.
* * *
стр. 632
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا).
ذكر أبو حيان: قال ابن عطية: الضمير يعود على الوقت والباء بمعنى في. وكذلك أبو السعود: ونافلة يجوز أن ينتصب بـ تهجد إذا تضمن معنى صل نافلة لك. قاله الحوفي.
وقال الآلوسي: الضمير (به) يعود على القرآن والباء للظرفية أي فيه.
أقول: (تهجد) تضمَّن معنى (تزود) وهذا يتعدى بالباء. والتنفل تطوع يتزود به المتنفل، ولا غنى للدعاة عن هذا الزاد إذا أرادوا النجاح لدعوتهم.
هذا هو الزاد لهذا الطريق: التهجد للتزود بالقرآن، بالتقوى.
القرآن روح الصلاة وقوامها ... فيه شفاء ... فيه رحمة ... فيه طمأنينة ... به الزاد كله.
شفاء من آفات القلب، ونزغات الشيطان، وعصمة من الشطط والزلل، ونور يضيء الطريق للسالكين، وفيه علم الأولين والآخرين.
اللَّه يوجه رسوله للاتصال به واستمداد العَون منه في أشرف الأوقات، في هدأة الليل، يكون لترتيل كلام اللَّه إيقاعُه في القلب وأثره في الحس، وعندها يتحرر القلب المتصل باللَّه من كل سلطان عداه، والمستمد منه ينقطع عن كل مددٍ سواه تلك هي أسرار الحروف لا يتلوح معناها إلا من خلال أسيقتها، فقد صرفت هذه الباءُ التهجدَ - وهو ترك الهجود - إلى معنى التزود - وهو طلب
стр. 633
الزاد - وما معنى التهجد إن لم يكن لهذا الزاد؟!
أما القول بالتناوب فمرجعه إلى تَرك التأمل، وخمود النفس، فمَن سلك هذا المسلك أعتم عليه السبيل. وضمن (يبعثك) معنى (يقيمك) قاله الزمخشري.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) .
قال أبو حيان: وقيل أرض الله: أي المدينة (فتهاجروا فيها): فتخرجوا إليها.
وذكر صاحب [فتح القدير]: المراد بالأرض: المدينة والأوْلى بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمراد بالأرض: كل بقعة تصلح للهجرة إليها.
وذكر الزركشي وابن هشام وابن الجوزي: أن تهاجروا فيها أي: إليها.
أقول: الحرف لا يشفع بشرح معناه إلا سياقه، أما التناوب في الحروف فاصرف وجهك عنه وادع إلى اطراحه.
لم عدَّاه ربنا بـ (في) وهو يتعدى بـ (إلى)؟ إنها التربية بمعالجة النفس البشرية لمطاردة عامل الشح والضعف، ففي مشهد الاحتضار وما فيه من رهبة،
стр. 634
وحضور الملائكة وما لهم من رجفة تسألهم: فيم كنتم؟ ويجيب المحتضرون بكل مذلة: كنا مستضعفين في الأرض. ويأتي التأنيب: ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها؟! إذاً حرصهم على أموالهم ومصالحهم وثمراتهم أمسكهم في دار الكفر، وهناك دار إسلام، يجهر فيها بعقيدته ويأمن على دينه، والهجرة إليها مستطاعة، ولكنها ذات تكاليف، ولابد للمهاجر أن يتغلب على عوامل الضعف والحرص والشح والخوف ... فتضمين (تهاجروا) معنى (تضربوا) وهو المتعدي بـ (في) جمع إلى الهجرة جهاد النفس حين يضرب في الأرض العريضة والفسيحة ليُوفر فيها الأمن لعقيدته.
ما أحوج المهاجر إلى ركوب الأخطار ... صابراً على ما يعانيه، وخوفا من معرة الرضا بالدنية (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وتصاونا من رذيلة القعود والتخلف مع المتخلفين أو التولي يوم الزحف. والقرآن لا يكشف عن أسراره إلا للسالكين إلى اللَّه السبيل يفوضون أمرهم لله في ثقة بالنصر بعد
أن لجؤوا إليه، وعصر الخوارق لم ينتهِ من نوح ﵇ إلى يومنا هذا فإذا خفيت عن البعض فلا تخفى عن الموصولين بالله.
كما يتحمل السياق تضمين (هاجر) معنى (ساح) المتعدي بـ (في) ليجمع إلى الهجرة السياحة فينجو من الفتنة في دينه إلى دار يأمن فيها على عقيدته، وإن كانت تكاليف السياحة باهظة: يترك القرابات والصداقات والأموال والمصالح ويتعرض لمخاوف انقطاع الرزق، ومتاعب تحصيله وآلام الغربة
стр. 635
ومخاطرها وتكاليفها وملاحقة الأعداء المتربصين به ... فالنص علاج لما يطرأ على النفس من ضعف أو شح أو تقصير في مواجهة التكاليف، تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس.
فلا تخلد إلى رأي إلا بعد السَبْر والتأمل والإنعام والتصفح، فإن وجدت حجة مقطوعا بها صرت إليها واعتمدتها فتفطن لأسرار هذه الحروف في كتاب اللَّه لتسلّم لعظمة الصنعة فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
ذكر الفيروزابادي: هداه اللَّه الطريق وله وإليه. فهدى لا وجه له في تعديته بالباء.
وروى الطبري في تفسيره: يهدون بالحق أي يستقيمون عليه ويعملون، وبه يعدلون وبالحق يعطون ويأخذون وينصفون من أنفسهم فلا يجورون.
وقال الرازي: لا يخلو زمان عن من يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه. ومثله أبو حيان: البحر: ٤/ ٤٣٠.
وذكر ابن كثير: يهدون بالحق: يقولونه ويدعون إليه، قال سعيد عن قتادة: عن النبي ﷺ يقول: " إذا قرأ هذه الآية: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ): هذه لكم، وقد أُعطي القوم بين أيديكم مثلها.
следующие страницы →