← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9552

شرح علل الترمذي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (835 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وبهذا يكون رأي ابن رجب واحدا في زيادة المتن وزيادة الإسناد، ولا يترك الأمر على مطلق الحافظ الضابط كما فعل الخطيب بل يتعداه إلى الضابط المبرز، المقدم في شيخه. اعتراضات ابن رجب على سابقيه في هذه المسألة: لقد ساق ابن رجب مجموعة من الاعتراضات على سابقيه، ويبدو في هذه الاعتراضات مصنفا بارعا، ومحققا ناقدا، ولم أجد من تعرض لهذه الأمور كما تعرض لها ابن رجب وسنسوق هذه الاعتراضات مع شيء من التفصيل. الاعتراض الأول: اعترض ابن رجب على الحاكم أبي عبد الله في كتابه معرفة علوم الحديث الذي لم يقبل الزيادة من الثقة في الإسناد، وقال: أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين الذين أرسلوا الحديث. فاعترض عليه ابن رجب بقوله: وهذا يخالف تصرفه في المستدرك، وذلك لأن الحاكم يقبل زيادة الثقة في الإسناد هناك. الاعتراض الثاني: اعترض ابن رجب على الخطيب البغدادي الذي اختار قبول الزيادة في الإسناد، مطلقا، إذا كانت من الثقة الحافظ، وذكره اختياره هذا في كتاب الكفاية. ولكنه خالف هذا في كتاب "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وفي هذا الكتاب قسم زيادة الإسناد إلى قسمين: - ما حكم فيه بصحة الزيادة في الإسناد. - ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. فقال ابن رجب تعقيبا على هذا: ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة، في إرسال الحديث ووصله، كلها

стр. 177

لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد" وقد عاب تصرفه هذا في كتاب "تمييز المزيد" محدثي الفقهاء، وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية. الاعتراض الثالث: واعتراض ابن رجب على الخطيب باعتراض آخر، وهو أنه ذكر في كتاب الكفاية، حكاية عن البخاري: أنه سئل عن حديث أبي إسحاق "في النكاح بلا ولي" فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة. وهذا يعني أن الزيادة في الإسناد مقبولة على الإطلاق من الثقة عند البخاري ولكن ابن رجب يعترض على هذا بقوله: وهذه الحكاية إن صحت فإن مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب البخاري يتبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة. قال ابن رجب: وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يورد في أكثر المواضع زيادات كثير من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد المتصل. قال ابن رجب فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزا في الحفظ قال ابن رجب: وقال الدارقطني في حديث زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلا، وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف، لكان القول قول من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما تقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ منه. الاعتراض الرابع: واعتراض ابن رجب على تصرف المصنفين قبله كالحاكم والخطيب وابن

стр. 178

الصلاح الذين جعلوا رواية "وجعل ترابها طهورا" زيادة ثقة على أصل الحديث، ولكن ابن رجب عاب صنيعهم هذا، فقال: وهذا ليس مما نحن فيه، لأن حديث حذيفة لم يرد بإسقاط هذه اللفظة وإثباتها، وأكثر الأحاديث فيها: "وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا". وحديث حذيفة فقط هو الذي ورد فيه "وجعل ترابها طهورا"، وقد روى هذا الحديث مسلم في صحيحه، وقد روى مسلم هذا الحديث عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة، في نفس الباب، ولم توجد عبارة حديث حذيفة السابق. وهذا اعتراض وجيه لابن رجب فحديث جابر غير حديث حذيفة، وليس حديث حذيفة زيادة ثقة، بل هو تقييد لمطلق حديث جابر وأبي هريرة، ولو أدرك بعض الفقهاء هذا الفرق بين زيادة الثقة وغيرها من أدلة التقييد لما أسقطوا التيمم بالتراب لأنها زيادة ثقة على أصل الحديث. الاعتراض الخامس: ذكر ابن رجب كلاما للإمام مسلم في كتاب التمييز له في قبول زيادة الثقة، جاء فيه "والحديث للزائد والحافظ لأنه في معنى الشاهد، الذي حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه". واعتراض ابن رجب على قياس الزيادة على الشهادة، فقال: وهذا القياس الذي ذكره ليس بجيد، لأنه لو كان كذلك لقبلت زيادة كل ثقة زاد في روايته، كما يقبل ذلك في الشهادة، وليس ذلك قول مسلم ولا قول أئمة الحافظ والله أعلم.

стр. 179

الباب الثاني: ترجمة ابن رجب عصره - حياته - جهوده في الحديث

стр. 180

الفصل الأول عصر ابن رجب تمهيد: (أ) الحالة السياسية. (ب) الحالة الاجتماعية. (ج) الحالة العلمية.

стр. 181

تمهيد ولد زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب في الثلث الثاني من القرن الثامن الهجري ببغداد، وكانت العراق تحت سلطان أحفاد هولاكو الذين دخلوا في الإسلام. وكانت ولادة ابن رجب سنة ٧٣٦ للهجرة،بعد مضي ثمانين عاما على سقوط بغداد، حاضرة الإسلام والخلافة، بأيدي المغول. وبالرغم من توالي الأيام، وإسلام الأحفاد، إلا أن الصورة القاتمة للغزو المغولي ظلت قائمة في النفوس، تشيع فيها القلق، وتهيج الذكريات المؤلمة لتلك الكارثة التي أفقدت الدولة الإسلامية مجدها، وقضت على مركز بغداد الروحي، والحضاري، والسياسي، والعلمي. وفي ظل تلك الذكريات يصعب المقام فتبحث النفوس عن مكان آخر، تتنفس فيه الصعداء، لا سيما وأن الوطن الإسلامي في ذلك الزمان لم يكن يعرف هذه الحدود السياسية والإقليمية، التي تفقد الإنسان حرية الحركة. وهكذا فإن البقية الباقية، من علماء بغداد، توجهت نحو حواضر الإسلام العامرة كدمشق والقاهرة. ومن هذه البقية الإمام المقرئ أحمد بن رجب، والد شيخنا عبد الرحمن الذي حمل أولاده، وتوجه تلقاء دمشق، وفيها نشأ ابنه عبد الرحمن، وفيها شب وترعرع واكتهل، وبها توفي. ولقد اكتنفت البلاد الشامية - موطن ابن رجب - كما اكتنفت البلاد

стр. 182

المصرية أحداث سياسية واجتماعية وعلمية شكلت بيئة معينة يخضع الأفراد لتأثيرها وتطبعهم بإيجابياتها وسلبياتها. وفيما يلي عرض سريع للحالات السياسية، والاجتماعية، والعلمية في بلاد الشام في القرن الثامن الهجري. (أ) الحالة السياسية ورث المماليك سلطان الأيوبيين على مصر والشام، بعد مقتل توران شاه سنة ٦٤٨هـ، وفي هذه السنة تولى الملك المعز أيبك التركماني كرسي السلطنة، وبعد بضع سنين، وعلى يد المظفر قطز، حطم المماليك غزو التتار وكان ذلك سنة ٦٥٧هـ، فسلمت البقية الباقية من العالم الإسلامي - بفضل الله وبرحمته - من تلك الهجمة الشرسة. وبذلك حقق المماليك في أوائل عهدهم مفخرة إسلامية كبرى، انضم إليها قضاؤهم على الفلول الصليبية، فطهروا البلاد الشامية من آخر قلاع الصليبيين. ويضاف إلى ما سبق أثر ثالث لا يقل أهمية عن دحر التتار والصليبيين، وهو إحياء الخلافة الإسلامية، وكان ذلك سنة ٦٥٩هـ، بعد سقوط بغداد بثلاث سنين، حيث نصب أبو القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر خليفة للمسلمين. ومع أن هذا المنصب ظل منصب تشريف، لا يحمل من حقيقة الخليفة إلا الاسم، إلا أنها كانت باردة وجهت قلوب المسلمين نحو هذه الدولة الجديدة، التي أصبحت حامية حمى المسلمين، ومركز خلافتهم بعد بغداد. وأما الحكم الفعلي فقد تعاقبت عليه فئتان من المماليك هما: ١ - المماليك البحرية (أو الأتراك) وحكموا من سنة ٦٤٨ إلى سنة ٧٨٤هـ.

стр. 183

٢ - المماليك البرجية (أو الجراكسة) وحكموا من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٩٢٣هـ. وقد أدرك الإمام ابن رجب طرفا من كلا العهدين، فعاش في ظل المماليك البحرية من سنة ٧٤٤ - إلى ٧٨٤هـ، وعاش في ظل البرجية من سنة ٧٨٤ - إلى ٧٩٥هـ أي حتى وافاه أجله. ويتسم عصر المماليك - رغم الانتصارات العسكرية التي حققها - بعدم الاستقرار، وكثرة الفتن، والتنافس على الحكم، أو قل: بالفوضى السياسية الكاملة، إذ في كل صفحة من صفحات تاريخ هذا العصر مخامرة على السلطان، أو صراع بين الأمراء، أو سفك للدماء، أو مصادرة للأموال، وكل هذه أمور عادية، أصبح المؤرخ يتقبلها، ويعرضها، دون استغراب أو تعجب. أما شكل النظام السياسي في الدولة المملوكية: فقد كانت القاهرة مركز الحكم، وفيها الخليفة العباسي، والسلطان المملوكي، وهو الحاكم الفعلي الذي يصرف الأمور، فيولي ويعزل، ويقطع الإقطاعات، ويسير الجيوش، ويساعد السلطان نائب له في مصر، وقد يستقل هذا النائب بالأمر إذا كان السلطان قاصرا، وغالبا ما يكون النائب من الشخصيات ذات المطامع، يتولى السلطنة وقد يصل عن طريق الفتك بالسلطان، أو يفتك به السلطان قبل أن يصل إلى مراده. وأما بلاد الشام - التي تعنينا بوجه خاص لأنها موطن ابن رجب - فهي تابعة للنظام في مصر، وتحكم بشكل مماثل، فهي مقسمة إلى عدة نيابات: نيابة دمشق، وحلب، وطرابلس، وحماة، وصفد، والكرك. وكل نائب في نيابته

стр. 184

سلطان مختصر، إلا أن دمشق تقف بين النيابات الشامية مقام السلطان في أكثر الأمور، ونائبها هو الذي يكتب عنه التوقيع، مع بقاء بعض المراكز الكبرى في النيابة من اختصاص السلطان، وذلك لضمان عدم الخروج عليه. وكان في كل نيابة أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، ووزير يتمتع بما يتمتع به الوزير في مصر، ويسمى ناظر النظار. وأما الدواوين: فأشهرها ديوان الإنشاء، وديوان النظر، وديوان الجيش ويلقب صاحب ديوان الإنشاء بكاتب السر، ويمثل ديوان النظر الإدارة المالية. ومما يمتاز به عصر المماليك أن الأحداث والمناصب السياسية حكر على عنصر المماليك، لا يشاركهم فيها أحد من عامة الناس، وإنما دور بقية الناس يقف عند مراقبة الأحداث، فإذا تغلب مملوك على آخر فعلى العامة أن تقيم الزينات، وتعلن الابتهاج، وكل ما يحدث في مركز الدولة تتأثر به دمشق وسائر النيابات، ونواب دمشق وغيرها، كسادتهم في القاهرة، بين جديد تقام له الزينات، وطريد غير مأسوف عليه، وهكذا دواليك. (ب) الحالة الاجتماعية في معرض الكلام عن الحالة الاجتماعية في العصر المماليكي سنتكلم إن شاء الله على ناحيتين بارزتين مؤثرتين في المجتمع: الأولى: فئات الناس الاجتماعية وأوضاعها المعيشية. الثانية: الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.

стр. 185

أما عن الأولى: فإن الباحث في تاريخ هذا العصر يجد أمامه فئات من الناس، كل فئة لها حالتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الفئات هي: المماليك، والعلماء، والتجار، والعامة، والفلاحون، والعربان. فالمماليك هم الطبقة الأولى في المجتمع وهم أصحاب السلطان والجاه في الدولة، ويرجع هؤلاء في أصلهم إلى جنسيات مختلفة، فمنهم التركي، ومنهم الجركسي، ومنهم المغولي، ومنهم الصيني، وينسب هؤلاء إلى سيدهم الذي اشتراهم إن كان سلطان من السلاطين أو تاجرا من التجار، كالمماليك الأشرفية والخليلية نسبة للسلطان الأشرف خليل، وكبرقوق العثماني، نسبة للتاجر الذي اشتراه. ولقد اعتنى السلاطين عناية فائقة بمماليكهم، وحرصوا على تربيتهم تربية سليمة، فإذا اشترى السلطان عددا من المماليك فإنه يرسلهم إلى الفحص أولا، للتأكد من سلامة أبدانهم، وبعد ذلك ينزل كل مملوك في طبقة جنسه، وكان في القلعة طباق، خصص لكل جنس من أجناس المماليك طبقة معينة. ويقوم بتربية هؤلاء المماليك مجموعة من الطواشية ويتردد عليهم الفقهاء والقراء ويعلمونهم القرآن والفقه كما يعلمونهم الخط وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغيد العيش، ويلقون من سلاطينهم كل تكريم وحنو، ولم يكن ينظر إليهم كالعبيد الأرقاء، وإنما ينظر إليهم بعين الإحسان والتربية، وهذا يعلل قوة ارتباطهم بأسانيدهم. وعندما يبلغ المملوك سن البلوغ يتلقى فنون الفروسية والحرب، وبعدها يخرج من الطباق، ثم يتدرج في الخدمة السلطانية، ويترقى حتى يصل إلى رتبة الأمراء. ولقد حرص السلاطين والأمراء على بقاء الانفصال تاما بين المماليك وسائر الناس، ومن مظاهر هذا الانفصال منع الزواج بين هذه الفئة وغيرها من

стр. 186

فئات المجتمع، وكان السلاطين يؤيدون هذا الانفصال بالتحذيرات المستمرة، وفرض العقوبات الرادعة. وهذه العزلة أوجدت هوة كبيرة بين المماليك الذين هم الحكام من جهة، وبين المحكومين من جهة أخرى، وأصبح الشعب لا يبالي بما يجري من الأحداث ولا تحركه أشجان السلاطين ومآسيهم إذا دارت الدائرة عليهم. ولم تسجل الكتب التي بين أيدينا موقف حاسمة لجماهير الناس فيما عدا بعض المواقف النادرة كنصرة العامة للسلطان الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٠٨هـ عندما تحالف زعيما البحرية والبرجية للتخلص منه، ولم يكن معه إلا عدد قليل من المماليك، ولم يخلصه من هذه الورطة - التي أوشكت أن تودي بحياته - إلا العامة الذين ثبتوا في أماكنهم وهم يصرخون "يا ناصر يا منصور، الله يخون من يخون ابن قلاوون" وهذا من الموقف النادرة التي شارك فيها الناس لتأييد سلطانهم. وأما العلماء: فقد لقي هؤلاء تكريم سلاطين المماليك، وكان للعلماء كلمتهم المسموعة، وسلطانهم الكبير على العامة، وهذا السلطان مكن بعضهم من الوقوف في وجه السلاطين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويصدعون بالحق، كالعز ابن عبد السلام، وشمس الدين الحريري قاضي الحنفية، وابن تيمية الحراني. وأما التجار: فقد شعر السلاطين بأن التجار هم المصدر الأول الذي يعتمدون عليه في سد حاجاتهم في الأوقات العصبية، لذا فقد كانت هذه الفئة تتمتع بمكانة مرموقة، وقد نشط السلاطين الحركة التجارية في بلادهم، وأعطوا التجار الأجانب امتيازات وتسهيلات تجارية، كل ذلك فتح الباب أمام التجار المسلمين لأن يجمعوا ثروات طائلة لانعكاس تلك التسهيلات عليهم، وقد

стр. 187

استفادوا كثيرا من ذلك المركز التجاري الممتاز، الذي جعل بلاد المماليك ملتقى النشاط التجاري العالمي آنذاك. والجدير بالذكر أنه بالرغم من هذه المكانة التي حظي بها التجار عند السلاطين، إلا أنهم كانوا يتعرضون لسطوتهم، فيؤخذ منهم المال الوفير بين الحين والآخر. وأما العامة: فتتألف من العمال، والصناع، والسقائين، والسوقة، والمكاريين، وكان أفراد هذه الفئة على درجة كبيرة من الفقر والحاجة. وأما الفلاحون: وهم سواد الناس، فلم يكن نصيبهم سوى الإهمال، وقد وصلت أحوالهم إلى درجة كبيرة من السوء، وزاد من هذا السوء كثرة المغارم، التي حلت بهم، والضرائب التي فرضت عليهم، علاوة على أنهم لم يسلموا من فئة العربان وبطشهم. وأما العربان فهؤلاء لهم شخصيتهم المتميزة، وهم المنافس الوحيد لفئة المماليك، ولذلك فهم يثورون بين الفينة والفينة، وفي بعض الأوقات يتمنعون عن دفع الضرائب والخراج. ومن أشهر ثورات هؤلاء الأعراب ثورة بدر بن سلام سنة ٧٧٩هـ، الذي هاجم دمنهور وفتك في أهلها، ولم تتمكن الدولة من إخماد هذه الثورة إلا بعد ثلاث سنين، أي سنة ٧٨٢هـ. ولقد جرب العربان حظهم مرة أخرى بالثورة، ومعهم الخليفة المتوكل والمماليك الأشرفية، وحاولوا قتل السلطان برقوق وتنصيب الخليفة المتوكل سلطانا، ولكن هذه المحاولة لم تفلح.

стр. 188

وأما الناحية الثانية من المؤثرات الاجتماعية: فهي الأوبئة والمجاعات: وما كان يتعرض له الناس في هذا القرن من الأوبئة والمجاعات فإن الحديث عنه يطول، ولا بد أن يكون لهذه الأوبئة أثرها على النفوس، فتوجهها نحو بارئها بالتضرع والخشية كلما قسمت القلوب، أو طال عليها الأمد. فهذا طاعون سنة ٧٤٩هـ ملأت مآسيه الصفحات، وما أصاب الناس من جرائه من العنت سجله المؤرخون، وعلى رأسهم عماد الدين بن كثير فقال: "وكثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزادت الأموات كل يوم على المائة، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج حتى يموت أكثرهم، ثم زاد الموتى على المائتين في كل يوم، وتعطلت مصالح الناس". ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يزداد الضنك على الناس حتى تكاد القلوب تخرج من صدورها، فيقول ابن كثير: "وفي يوم الاثنين ثاني عشر رجب حصل بدمشق وما حلوها ريح شديدة، أثارت غبارا شديدا، اصفر الجو منه، ثم اسود، حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس يستجيرون الله، ويستنصرون، ويبكون، مع ما هم فيه من شدة الموت، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي نحو المائة وخمسين". ويودع الناس هذا الموت الأسود، ويتنفسون الصعداء، وما إن تهل عليهم سنة ٧٦٥هـ حتى تأتي موجة أخرى منه، يصاحبها الجراد والغلاء، يقول ابن كثير: "واستهل شهر شوال سنة ٧٦٥هـ والجراد قد أتلف شيئا كثيرا من البلاد، ورعى الخضراوات والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وفقدت كثيرا من الأصحاب والأصدقاء". (ج) الحالة العلمية شهد العصر المملوكي بشكل عام، والقرن الثامن بشكل خاص، حركة علمية، ناشطة، ولقد كان هذا النشاط فريدا في كميته ونوعيته، ويبدو أن

стр. 189

السبب الرئيس في هذا النشاط هو التحدي الحضاري الذي بدأت الأمة الإسلامية تمارسه ردا على الموجات المغولية والصليبية، فبدأت الأمة تلقي بكل ثقلها لتثبت ذلك، وأنها لم تمت. ولعل هذا من الأسباب الكامنة، وراء إنشاء الكثرة الكاثرة من المدارس العلمية في كل مكان، حتى أنه لقد أصبح شغل أهل العصر الشاغل كيف يبنون المدارس، وماذا يقفون عليها من الأوقاف. ويرجع الكثير من إنشاء هذه المدارس إلى عهد نور الدين زنكي، وصلاح الدين، اللذين وجدا في المدرسة حصنا يحفظ على الأمة شخصيتها في وجه كل التحديات الصليبية من جهة، والفاطمية والباطنية من جهة أخرى. وقد كانت المدارس العلمية التي أنشئت في هذا العصر على درجة عالية من التنظيم والإدارة، ذات أهداف بينة ومناهج محددة، وكان لكل مدرسة شيخ، وفيها العدد الجم الغفير من المدرسين والمعيدين والإداريين، والخدم، وربما كان بعض هذه المدارس يفوق في إمكانياته جامعات هذا العصر وكلياته. فهذا ابن كثير يذكر في تاريخه في حوادث سنة ٧٢٤هـ نبذة عن المدرسة الناصرية، بالقاهرة، فيقول: كان عدد المدرسين ثلاثين في كل مذهب، فجعلهم السلطان أربعة وخمسين. ولا يحتاج هذا الخبر إلى تعليق لبيان إمكانية هذه المدرسة. أما المدرسة السكرية بدمشق، والتي كان شيخنا ابن رجب يسكن فيها فقد عين لهذه المدرسة ثلاثون محدثا لكل منهم جراية شهرية، وقرر فيها ثلاثون نفرا يقرأون القرآن، لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب. وقد تعاقب على مشيخة هذه المدرسة عبد الحليم بن تيمية، ثم أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الإمام المشهور، ثم الذهبي.

стр. 190

وقد كان في دمشق - وحدها - وحيث يقطن ابن رجب ثلاثمائة وخمسون مدرسة، منها ثماني عشرة دارا للحديث، وإلى جانب هذا العدد من المدارس وجد الكثير من الخوانق والربط والمساجد، وكلها تساهم في نشر الثقافة والعلم. وقد تجاوزت هذه الحركة العلمية رجال هذا العصر إلى نسائه لنجد العالمات والمسندات والفقيهات، وقد تتلمذ على كثير منهن مشايخ هذا العصر الأجلاء ومنهن ست العز بنت محمد بن الفخر المسندة (ت ٧٦٧هـ) ، التي سمع منها الحافظان العراقي والهيثمي، والمقرئ ابن رجب والد شيخنا عبد الرحمن. وكزينب بنت إسماعيل بن الخباز، التي تتلمذ عليها العراقي، وعبد الرحمن بن رجب، ومعظم مشايخ العصر. وأما مشاهير علماء هذا العصر فإنه يصعب حصرهم لكثرتهم، فقد امتلأت المدن والحواضر بكبار العلماء، وحتى القرى النائية والأمصار المهجورة كان عندها من العلماء من يسد حاجتها، وتفيض به على غيرها. ومن مشاهير علماء هذا العصر: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ) صاحب الفتاوى، ومنهاج السنة، والحسبة، والسياسة الشرعية وغيرها كثير من الكتب، والقاسم بن محمد البرزالي (ت ٧٤٠هـ) محدث الشام، وصاحب التاريخ، والمعجم الكبير، والحافظ جمال الدين المزي (ت ٧٤٢) صاحب تهذيب الكمال، والحافظ محمد بن قايماز الذهبي (ت ٧٤٨هـ) ، عالم التاريخ الموسوعي، وعالم الحديث، وصاحب الكتب الكثيرة كتاريخ الإسلام، وسير أعلام النبلاء وميزان الاعتدال، وغيرها كثير، والحافظ عماد الدين بن كثير (ت ٧٧٤هـ) صاحب التاريخ، والتفسير، وأحمد بن فضل الله العمري الدمشقي إمام أهل الأدب، والتاريخ، والجغرافيا، والاصطرلاب، ومسالك الأبصار له معلمة تاريخية كبرى، وصلاح الدين

стр. 191

خليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤هـ) صاحب الوافي بالوفيات. أما الذين عاشوا عامة هذا العصر ولكن وفياتهم كانت في القرن التاسع فهم كثيرون مثل الحافظ العراقي (ت ٨٠٦هـ) والهيثمي (ت ٨٠٧هـ) ، وابن خلدون (٨٠٨هـ) القلقشندي (ت ٨٠٣ هـ) وابن الملقن (ت ٨٠٥هـ) . ولقد قدم علماء هذا القرن موسوعات علمية في كل المجالات التاريخية، والفقهية، والحديثية، والأدبية، والجغرافية. ومن يستعرض بعض هذه الموسوعات ير أنها عنوان تحد كبير من هذه الأمة لأعدائها، ورد فعل للمحاولات التي بذلها المغول والصليبيون لطمس الحضارة الإسلامية. والباحث في هذه الموسوعات يخيل إليه كأن العلوم قد نسيت فوقف أهل هذا العصر أنفسهم على جمعها، وتبويبها وعرضها من جديد، وتحمل هذه الموسوعات بين طياتها الثقافة المتكاملة التي حفظت شخصية الأمة أمام أشرس الهجمات.

стр. 192

الفصل الثاني حياة ابن رجب وشيوخه وتلاميذه وآثاره

стр. 193

المبحث الأول حياة ابن رجب ١ - اسمه ونسبه ولقبه وكنيته . ٢ - مولده. ٣ - أسرته. ٤ - نشأته ورحلته. ٥ - وفاته. ٦ - عقيدة ابن رجب. ٧ - تأثره بابن تيمية وابن القيم. ٨ - أخلافه. ٩ - ثناء العلماء عليه. *** - ١ - اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته هو الإمام الحجة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين بن

стр. 194

محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي، ثم الدمشقي، أبو الفرج الشهير بابن رجب الحنبلي. لقبه المشهور زين الدين، ولقبه الشيخ شمس الدين عبد القادر النابلسي بالشيخ جمال الدين. وأما ما ذكره ابن تغري بردي فقال: شهاب الدين أبو العباس، فهو خطأ واضح، وإن كان ابن فهد قد سبقه إلى ذلك. وشهاب الدين هو لقب والده أحمد. وكذلك فقد وهم من كناه بأبي العباس إذ هي كنية أبيه كذلك. - ٢ - مولده ولد ابن رجب في بغداد سنة ٧٣٦هـ وأجمعت على ذلك مصادر ترجمته باستثناء بعضها كالدرر الكامنة لابن حجر، وطبقات الحفاظ للسيوطي وذيله على تذكرة الحفاظ حيث ذكر أنه ولد سنة ٧٠٦هـ، وهذا هو تاريخ ولادة والده أحمد. وقد تابعهما على هذا الخطأ صاحب كشف الظنون، ومما يثبت خطا هذا التاريخ ما ذكره العليمي في المنهج بقوله: قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤هـ وبذلك يتضح على وجه القطع أن مولده سنه ٧٣٦هـ. - ٣ - أسرة ابن رجب لم تتوسع المراجع التي بين أيدينا - على كثرتها - في التعريف بأسرة ابن رجب، وما ذكر في ثنايا هذه المراجع نثار لا يزيد على أسطر قليلة، ألقت بعض الضوء على حياة جده، أبي أحمد، وحياة والده أبي العباس، شهاب الدين أحمد. أما الجد عبد الرحمن المكنى بأبي أحمد، والملقب برجب، فكل ما ذكره عنه حفيده في طبقاته قوله: قرئ على جدي أبي أحمد - رجب بن الحسين - غير مرة - ببغداد وأنا حاضر، في الثالثة، والرابعة، والخامسة: أخبركم أبو عبد الله

стр. 195

محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى، أخبرنا أبو الحسن الداودي، أخبرنا أبو محمد السرخسي، أخبرنا أبو عبد الله الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار. وهذا الخبر - على قصره - يكشف عن مكانة جده أبي أحمد وأنه مهتم بالحديث ويقرأ عليه الناس. ويدل هذا الخبر كذلك على انه سماعه كان سنة ٦٨٦هـ ومعنى هذا أن الرجل عمر، وكانت وفاته سنة ٧٤٢هـ. وأما أبوه فهو أبو العباس شهاب الدين أحمد، ولد في بغداد صبيحة يوم السبت خامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦، ونشأ بها وسمع مشايخها، وقرأ بالروايات، ثم رحل إلى دمشق بأولاده سنة ٧٤٤هـ وسمع مشايخها كمحمد بن إسماعيل الخباز، ورحل إلى القدس، ثم حج سنة ٧٤٩هـ وبمكة اسمع ابنه عبد الرحمن ثلاثيات البخاري على الشيخ أبي حفص عمر، ثم رحل إلى مصر قبل سنة ٧٥٦ وفيها روى عن أبي الحرم القلانسي، وفي ذلك يقول صاحب المنهج الأحمد: وفيها روى عن أبي الجرم القلانسي، وذكره في مشيخته. وبعد ذلك جلس للإقراء بدمشق وانتفع به، وكان ذا خير ودين وعفاف ولقد سجل شيوخه في معجم خاص له، نقل منه ابن حجر كثيرا في الدرر الكامنة وقال عنه ابن حجر: "شيخنا"، ولا يعقل أن يكون ابن حجر قد تتلمذ فعلا على والد ابن رجب هذا ولعله قصد بهذه العبارة أن المقرئ شهاب الدين بن جرب هو شيخ شيوخه كالعراقي والهيثمي، وهذان من

стр. 196

تلاميذه، فعلا، ومن تلاميذه الذين أكدت المراجع أستاذيته لهم شمس الدين يوسف بن سيف الدين بن نجم الحنبلي الشيرازي (ت ٧٥١هـ) وعبد الله بن محمد بن قيم الضيائية. - ٤ - نشأته ورحلته قيض الله - تعالى - لابن رجب عوامل كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية الفذة، منها استعداده الفطري الموهوب، وأسرته الكريمة التي توارثت العلم كابرا عن كابر، وعصره المزدحم بالثقافة الموسوعية، والمعرفة المتنوعة، ونوابغ العلماء في كل مضمار. هذه العوامل وجهت ابن رجب في مرحلة مبكرة نحو الطلب. وقبل سن التمييز أحضر مجالس العلم والعلماء، ولقد سجل هذا في طبقاته، فيقول أثناء ترجمة شيخه عبد الرحيم بن عبد الله الزريراتي (ت ٧٤١هـ) : درس بالمجاهدية ببغداد، وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحقه. ويبدو أن هذا كان قبل الثالثة من عمره، لأنه يصرح بالتمييز بعد الثالثة، فيقول: قرئ على جدي أبي أحمد وأنا حاضر، في الثالثة، والرابعة، والخامسة وما يهمنا من هذا أنه أحضر مجالس العلم وهو صغير لا يكاد يحق شيئا. أما في الخامسة من عمره فقد فصل سماعاته بكل وعي ودقة وثقة، فنجده يقول: أخبرنا أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي، قرأت عليه وأنا في الخامسة. أو يحدد السنة التي سمع فيها فيقول: قرئ على أبي الربيع على ابن عبد الصمد، وأنا أسمع سنة ٧٤١هـ ببغداد.

стр. 197

وقد تلقى في هذا السن المبكر إجازات كبار العلماء في بغداد ودمشق، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مكانة أسرته العلمية، وأنها من الشهرة بحيث تكتب الإجازات إلى أبنائها، ويصرح ابن رجب بأنه تلقى الإجازات في طفولته المبكرة فيقول: وذكر شيخنا بالإجازة الإمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي البغديدي (ت ٧٣٩هـ) - كما ذكر بعض علماء الشام الذين أجازوه، كالقاسم بن محمد البرزالي (ت ٧٣٩هـ) ، ومحمد بن أحمد بن حسان التلي الدمشقي (ت ٧٤١هـ) . وقد ذكرنا سني الوفاة لهؤلاء الشيوخ للدلالة على أن الاجازات كانت وابن رجب في الثالثة أو الخامسة، وأن بعضها تلقاها ابن رجب وهو في بغداد من كبار علماء الشام. هذه بدايات الطلب كما سجلتها بعض المراجع وأهمها كتاب ابن رجب نفسه الذيل على طبقات الحنابلة، ولكن أسرة ابن رجب، بما عرفت من مذاق العلم والرحلة فيه، لم تقف عند هذا الحد، بل حمل أحمد بن رجب أبناءه، ومنهم صحابنا، وتوجه بهم نحو مركز الثقل، ومجتمع العلم والعلماء، فدخل بهم دمشق سنة ٧٤٤هـ، وبها سمع الوالد والولد كبار المسندين والمحدثين، وأدركا البقية الباقية من علماء القرن السابع، مثل شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب (ت ٧٤٥ هـ) والإمام علاء الدين أحمد بن عبد المؤمن السبكي ثم النووي (ت ٧٤٩هـ) . وفي دمشق سمع ابن رجب محمد بن إسماعيل الخباز

стр. 198

(ت ٧٥٦هـ) ومحمد بن إسماعيل الحموي الدمشقي (ت ٧٥٧هـ) ، ورحل إلى نابلس ليلتقي بجماعة من أصحاب عبد الحافظ بن بدران، ثم إلى القدس فسمع الحافظ أبا سعيد العلائي.

стр. 199

ورجع ابن رجب مع والده إلى بغداد سنة ٧٤٨هـ، وقد ذكر هذا في طبقاته أثناء ترجمته لسليمان بن أحمد النهرماري البغدادي، فقال: وتوفي في جمادى الآخرة سنة ٧٤٨هـ، وصلي عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، وفي بغداد قرأ على الشيخ أبي المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني، وفي ذلك يقول: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني بقراءتي عليه سنة ٧٤٩هـ. ويحدد مكان هذه القراءة في موضع آخر فيقول: ببغداد. ومن بغداد يتوجه مع والده إلى الحج، وبمكة يسمع ثلاثيات البخاري من الشيخ أبي حفص عمر بن علي بن الخليل البغدادي (ت ٧٥٩هـ) - عاد بعد ذلك إلى دمشق حيث لزم شيخه ابن قيم الجوزية إلى أن مات سنة ٧٥١هـ. وأما رحلته إلى مصر فقد كانت قبل سنة ٧٥٤هـ وهي السنة التي توفي بها شيخه أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي، وقد أكثر عنه، ونص على ذلك بقوله: قرأت على أبي الفتح محمد بن محمد الميدومي المصري بها. كما لقي بالقاهرة محمد بن إسماعيل الصوفي المعروف بابن الملوك (ت ٧٥٦هـ) وفي ذلك يقول: أخبرنا محمد بن إسماعيل الصوفي بالقاهرة والجدير بالذكر أن والده كان يرافقه في هذه الرحلة، فسمعا معا أبا الحرم القلانسي (ت ٧٦٥هـ) .

стр. 200

وفي سنة ٧٦٣هـ اتجه إلى الحج، وهناك التقى بالمشاهير من العلماء، ويبين هذا أثناء ترجمة شمس الدين محمد بن الشيخ أحمد السقا، فيقول: وقد جمعت بينه وبين قاضي قضاة مصر الموفق، وابن جماعة بمنى عام ثلاث وستين وسبعمائة. وبعد هذه الرحلة، الحافلة بالحركة والنشاط، استقر ابن رجب بدمشق، يدرس بمدارسها ويعقد المواعيد الوعظية، فدرس بالمدرسة الحنبلية بعد وفاة ابن التقي (٧٨٨هـ) وولي حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل سنة ٧٧١هـ. وظل ابن رجب يخرج الطلبة النجباء، والعلماء الأكفياء، ويصنف الكتب النافعة، والرسائل القيمة حتى وافاه أجله. ولم تذكر لنا مصادر ترجمته شيئا عن زواجه أو أولاده، وكل ما نعرفه أنه كان يسكن في المدرسة السكرية بالقصاعين منجمعا عن الناس، أي منعزلا عنهم، منصرفا إلى أموره العلمية - رحمه الله تعالى -. - ٥ - وفاته اتفقت مصادر الترجمة على أن وفاته ﵀ كانت سنة ٧٩٥هـ، وقول ابن تغري بردي في المنهل الصافي أن وفاته كانت سنة خمس وسبعين وسبعمائة تصحيف ظاهر، ولم تتفق مصادر الترجمة على تحديد يوم الوفاة وشهرها، فبينما يذكر صاحب المنهج الأحمد أن ذلك كان ليلة الاثنين رابع شهر رمضان المعظم، فإننا نجد صاحب المنهل الصافي يقول: إن ذلك كان في شهر رجب، وهو قول ابن ناصر الدين الذي نقله عنه صاحب المنهج الأحمد فقال:

стр. 201

وأرخ الشيخ شمس الدين بن ناصر الدين ﵀ وفاته في شهر رجب، من السنة المذكورة، وهي سنة ٧٩٥هـ، ثم قال: ودفن بمقبرة الباب الصغير، جوار قبر الشيخ الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي، ثم المقدسي، الدمشقي، المتوفى في ذي الحجة سنة ٤٨٦هـ، وهو الذي نشر مذهب الإمام أحمد ببيت المقدس، ثم بدمشق - رحمه الله تعالى -، وقال ابن ناصر الدين: ولقد حدثني من حضر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدين بن رجب جاء قبل أن يموت بأيام، فقال له: احفر لي ههنا لحدا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرعت نزل في القبر، واضطجع فيه، فأعجبه وقال: هذا جيد، ثم خرج، قال: فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتا، محمولا على نعشه، فوضعه في ذلك اللحد، وواريته فيه - رحمه الله تعالى -. - ٦ - عقيدة ابن رجب ابن رجب سلفي العقيدة، يمر آيات الصفات دونما تأويل أو تعطيل، وقد ذكر عقيدته هذه في أكثر من موضع في طبقاته، فنجده يسند حكاية جاء فيها: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فتناظرا، قال ابن فورك لمحمود، لا يجوز أن تصف الله بالفوقية لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية، لأن من جاز أن يكون له فوق جاء أن يكون له تحت، فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية فتلزمني أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك. قال: فبهت. وفي موضع آخر نقل قول أحمد: هذه الأحاديث نمرها كما جاءت. وقال في كتاب فضل علم السلف على الخلف: "والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل".

стр. 202

- ٧ - تأثر ابن رجب بابن تيمية وبابن القيم ومخالفته لهما في بعض المسائل يقف ابن تيمية علما على رأس القرن الثامن الهجري، وقد ضمت مدرسته أكابر علماء هذا العصر كالمزي والذهبي وابن كثير وابن القيم. ولا شك أن أشدهم تأثرا به هو ابن القيم الذي رافقه في سجنه حتى وافاه الأجل. فتشرب الرجل أخلاق شيخه وتبنى أفكاره وحرر أدلة اختياراته. وقد انتقل هذا التأثير إلى ابن رجب عبر شيخه ابن القيم كسائر الحنابلة في عصره، ولكن شخصية ابن رجب العلمية جعلته يراجع القضايا التي تبناها شيخه ويقدح فيها زناد ذهنه فكانت النتيجة أن خالف شيخه في بعضها، ومن ذلك قضية الطلاق، وأن لفظ الثلاث يقع واحدة، وأنه طلاق رجعي، هذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، اعتمادا على حديث يرويه طاوس، عن ابن عباس، وقد جاء إليه أبو الصهباء، فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ﵄ ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم. وقد أثارت هذه المسألة خلافات فقهية لا تقل عن تلك التي أثارتها وجهات النظر المتباينة في موضوع الصفات. وكان لابن رجب موقف من هذه القضية. وألف في ذلك رسالة اعتمد عليها الشيخ زاهد الكوثري في كتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق"، فقال: وكان ابن رجب من اتبع الحنابلة منذ صغره لابن القيم وشيخه، ثم تيقن ضلالهما في كثير من المسائل، ورد قولهما في هذه المسألة في كتاب سماه "مشكل

стр. 203

الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة" - ومن جملة ما يقول ابن رجب في كتابه المذكور: "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين، ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، إذا سيق بلفظ واحد" وأما حديث ابن عباس، فقد قال ابن رجب: فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان، أحدهما مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث، لشذوذه وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث مخالفا للأكثرين هو علة في الحديث، يوجب التوقف فيه، وأنه يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى القطان ويحيى بن معين، ثم قال ابن رجب: ومتى أجمع علماء الأمة على اطراح العمل بحديث وجب اطراحه، وترك العمل به. ثم قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس وهو راوي الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره الموفق ابن قدامة في المغني. وهذه أيضا علة في الحديث بانفرادها فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ، والانكار، وإجماع الأمة على خلافه. وعن طريق الثاني يقول ابن رجب: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها. وقد ذكر الشيخ الكوثري أدلة ابن رجب على هذا، وهي أدلة قوية. وقد ذكر ابن حجر عدول ابن رجب عن بعض مقالات ابن تيمية، فقال في الإنباء: ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره

стр. 204

التيميون، فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكان قد ترك الإفتاء بأخرة. كما ذكر ابن حجر قصة تدل على هذا خلاصتها أن على ابن أيبك الصفدي نظم قصيدة يتوسل فيها النبي ﷺ ويطلب منه الشفاعة، ويقول: يا خير خلق الله، فأنكر عليه الشيخ صدر الدين علي بن العز الحنفي هذا كله، فوصل الأمر إلى مصر، فأنكر القضاة قول ابن العز، وعقدت مجالس في دمشق للإنكار عليه وتعزيزه، وممن حضر هذه المجالس سعد الدين النووي وجمال الدين الكردي، وشرف الدين الغزي، وزين الدين بن رجب، وتقي الدين بن مفلح وأخوه، وشهاب الدين بن حجي، فتواردوا على الانكار عن ابن العز في أكثر ما قاله. ولعل هذه المواقف ساهمت في اختصار سيرة هذا الرجل فلم يأخذ حقه في كتب التراجم، فلا هو مع الحنابلة، ولا هو مع الشافعية أو غيرهم. - ٨ - أخلاقه كان ﵀ صاحب عبادة وتهجد، منجمعا عن الناس، لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن المدرس السكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئا من أمور الدنيا بعيدا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا الاشتغال بالعلم وبالجملة لم يخلق بعده مثله، هذه عبارة ابن قاضي شهبة في وصف أخلاق هذا الرجل، وهي ترسم صورة واضحة في ذهن القارئ تصور ابن رجب راغبا عن الدنيا وزينتها، وجاهها ووجاهتها، مع علم جم وعبادة شاغلة، ولا عجب أن يقال فيه بعد ذلك: اجتمعت الفرق عليه ومالت

стр. 205

القلوب بالمحبة إليه. ولقد كان ﵀ داعية محبة ووحدة ويظهر هذا أثناء ترجمته للحسن بن أحمد بن عبد الله البغدادي (ت ٤٧١هـ) فهو يقول: ولقد رأيت له في مجموعة من المعتقدات ما يوافق بين المذهبين الشافعي وأحمد، ويقصد به تأليف القلوب واجتماع الكلمة، مما أرجو له به عند الله الزلفى في العقبى، فلقد كان من شيوخ الإسلام النصحاء والفقهاء والألباء. - ٩ - ثناء العلماء عليه لقد استحق ابن رجب ثناء العلماء وتقديرهم بما كان عليه من الفضل والعلم، وما رأيت أحدا ترجم له إلا وأثنى عليه، ولم أجد كلمة واحدة تذمه أو تنقص من قدره، وهذا الإجماع نادر جدا، فكل رجل لا يخلو من مبغض أو حاسد أو ناقد إلا أن ابن رجب - وفقه الله تعالى - فاجتمعت الفرق على الثناء عليه، يقول ابن قاضي شهبة: كتب وقرأ وأتقن الفن واشتغل في المذهب حتى أتقنه وأكب على الاشتغال بمعرفة متون الحديث وعلله ومعانية. وقال فيه ابن حجر: ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالا وطرقا واطلاعا على معانيه: ونقل عن أبي حجي قوله: أتقن الفن وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق. وقال صاحب المنهج: وكان أحد الأئمة الحفاظ الكبار، والعلماء الزهاد الأخيار.

стр. 206

وقال النعيمي في الدارس: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة. وقال ابن فهد: الإمام الحافظ الحجة والفقيه العمدة أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد مفيد المحدثين واعظ المسلمين

стр. 207

المبحث الثاني شيوخ ابن رجب الحنبلي المطلب الأول: شيوخ ابن رجب. المطلب الثاني: ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب. ١ - ابن الخباز. ٢ - أبي سعيد العلائي. ٣ - الميدومي. *** لما كان المقام لا يتسع لذكر تراجم شيوخ ابن رجب، لأن هذا شيء يطول، فقد رأيت أن الفائدة تتحقق بما يلي: ١ - ذكر هؤلاء الشيوخ مرتبين على حروف المعجم، مع ذكر وفياتهم، إن وجد ذلك. ٢ - بيان طريق التحمل سماعا أو إجازة وزمان ذلك ومكانه. ٣ - الإشارة إلى مراجع ترجمة كل شيخ، والمكان الذي يبين أستاذيته لابن رجب. ٤ - الترجمة لأشهر شيوخه.

стр. 208

المطلب الأول شيوخ ابن رجب ١ - قاضي القضاة أبو العباس: أحمد بن الحسن بن عبد الله، المشهور بابن قاضي الجبل (٦٩٣ - ٧٧١هـ) سماعا في دمشق. ٢ - أبو العباس: أحمد بن سليمان الحنبلي، في بغداد، قراءة عليه. ٣ - شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن عبد الرحمن الحريري المقدسي الصالحي (٦٦٣ - ٧٥٨هـ) في دمشق سماعا. ٤ - أحمد بن عبد الكريم البعلي، شهاب الدين (٦٩٦ - ٧٧٧هـ) حدث ببلده وفي دمشق. ٥ - عماد الدين، أبو العباس: أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي (ت ٧٥٤هـ) سمعه في دمشق. ٦ - جمال الدين أبو العباس: أحمد بن علي بن محمد البابصري، البغدادي (٧٠٧ - ٧٥٠هـ) سمعه في بغداد. ٧ - شهاب الدين، أحمد بن محمد الشيرازي المعروف بـ (زغنش) .

стр. 209

٨ - بشر بن إبراهيم بن محمود بن بشر البعلبكي، الحنبلي (٦٨١ - ٧٦١هـ) سمعه في الشام. ٩ - صفي الدين، أبو عبد الله: الحسين بن بدران البصري البغدادي (٧١٢ - ٧٤٩هـ) قرأ عليه، في بغداد. ١٠ - صلاح الدين، أبو سعيد: خليل بن كيكلدي العلائي (٦٩٤ - ٧٦١هـ) سمعه في القدس. ١١ - جمال الدين أبو سليمان: داود بن إبراهيم العطار (٦٦٥ - ٧٥٢هـ) سمعه في دمشق. ١٢ - بنت الكمال: زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية (٦٤٦ - ٧٤٠هـ) إجازة، وهو في بغداد. ١٣ - نجم الدين، أبو المحامد، سليمان بن أحمد النهرماري البغدادي الفقيه. (ت ٧٤٨هـ) سمعه في بغداد. ١٤ - عز الدين: عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة،

стр. 210

قاضي المسلمين، (٦٩٤ - ٧٦٧هـ) قال عنه شيخنا، ولقيه في مصر ومكة. ١٥ - تاج الدين: عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجبة الواسطي، المقرئ (٦٧١ - ٧٤٠هـ) سمعه في بغداد. ١٦ - تقي الدين، أبو محمد: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد، المعروف بابن قيم الضيائية (٦٦٩ - ٧٦١هـ) سمعه في دمشق. ١٧ - صفي الدين، أبو الفضائل: عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله البغدادي الحنبلي (٦٥٨ - ٧٣٩هـ) إجازة في بغداد. ١٨ - عز الدين، أبو يعلى: حمزة بن موسى بن أحمد بن بدران المعروف: بابن شيخ السلامية (٧١٢ - ٧٦٩هـ) سمعه في دمشق. ١٩ - فخر الدين: عثمان بن يوسف بن أبي بكر النويري الفقيه، المالكي (٦٦٣ - ٧٥٦هـ) سمعه في مكة سنة ٧٤٩هـ.

стр. 211

٢٠ - علاء الدين، أبو الحسن علي بن الشيخ زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا (٦٧٣ - ٦٧٣هـ) سمعه في دمشق. ٢١ - أبو الربيع: علي بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر البغدادي، (٦٥٦ - ٧٤٢هـ) سمعه ببغداد وهو في الخامسة. ٢٢ - عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغي، الحلبي، ثم الدمشقي (٦٧٩ - ٧٧٨هـ) سمعه في دمشق. ٢٣ - سراج الدين أبو حفص: عمر بن علي بن موسى بن خليل البغدادي (٦٨٨ - ٧٤٩هـ) سمعه في دمشق. ٢٤ - سراج الدين، أبو حفص: عمر بن علي بن عمر القزويني، محدث العراق (٦٨٣ - ٧٥٠هـ) قراءة عليه في بغداد. ٢٥ - علم الدين، أبو محمد: القاسم بن محمد البرزالي، مؤرخ الشام (٦٦٥ - ٧٣٩هـ) إجازة من دمشق. ٢٦ - عز الدين أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٦٣ - ٧٤٨هـ) إجازة في دمشق.

стр. 212

٢٧ - أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن تمام بن حسان الصالحي (٦٥١ - ٧٤١هـ) إجازة من دمشق. ٢٨ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الدمشقي الأنصاري العبادي من ولد عبادة بن الصامت، المعروف بابن الخباز (٦٦٧ - ٧٥٦هـ) سمعه في دمشق وأكثر عنه جدا. ٢٩ - ناصر الدين، محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، ينتهي نسبة بالعادل الأيوبي، ويلقب بابن الملوك (٦٧٤ - ٧٥٦هـ) سمعه في مصر وأخذ عنه كثيرا. ٣٠ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد بن جرير الزرعي، ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١هـ) سمعه في دمشق ولازمه أزيد من سنة. ٣١ - أبو المعالي: محمد بن عبد الرزاق الشيباني في بغداد، قراءة عليه سنة ٧٤٩هـ. ٣٢ - صدر الدين، أبو الفتح: محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي (٦٦٤ - ٧٥٤هـ) سمعه في مصر.

стр. 213

٣٣ - فتح الدين، أبو الحرم: محمد بن محمد بن محمد القلانسي الحنبلي (٦٨٣ - ٧٦٥هـ) سمعه في القاهرة. ٣٤ - ابن النباش: ذكر ابن رجب أنه لازمه حتى الممات، ولم يذكر له تاريخ وفاة. ٣٥ - شمس الدين يوسف بن نجم الحنبلي (ت ٧٥١هـ) سمعه في دمشق. ٣٦ - جمال الدين، يوسف بن عبد الله بن العفيف المقدسي النابلسي (٦٩١ - ٧٥٤هـ) قرأ عليه سنن ابن ماجه بدمشق. هذا ما وفقني الله إلى تحصيله من شيوخ ابن رجب، استغرق مني دراسة طويلة، اطلعت أثناءها على كتب التراجم التي تناولت عصر ابن رجب وعلى كتب الطبقات كذلك، علما بأن من ترجموا لابن رجب لم يذكروا إلا عددا قليلا من الشيوخ، لا يزيد على الأربعة. المطلب الثاني ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب وفيما يلي ترجمة لثلاثة من شيوخه الذين أكثر من الرواية عنهم، أو أثروا فيه، فيما نحسب: ١ - ابن الخباز: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي، الأنصاري العبادي من ولد

стр. 214

عبادة بن الصامت، المعروف بابن الخباز. مولده في شهر رجب سنة ٦٦٧هـ وبكر به أبوه فأحضره على أحمد بن عبد الدائم، وإسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، وعبد الرحمن بن نجم الحنبلي - وهو آخر من حدث عنهم بالسماع - وأحمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، ومؤمل بن محمد البالسي، وأبي بكر بن عمر بن يونس المزي. روى عنه الأئمة والحفاظ أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، وأبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، والشريف أبو المحاسن محمد بن علي بن حمزة الحسيني، وزين الدين عبد الرحيم العراقي، وزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب. قال عنه العراقي: كان مسند الآفاق في زمانه وتفرد برواية مسلم بالسماع المتصل، وكان صدوقا مأمونا محبا للحديث وأهله. حدث قديما مع أبيه وهو ابن عشرين سنة واستمر يحدث نحوا من سبعين سنة، وتأخر إلى أن صار مسند دمشق في عصره. قال ابن حجر في الدرر: أكثر عنه شيخنا العراقي، وذكر لي أنه كان صبورا على السماع، وكان يكتسب بالنسخ. قال: فكنا نقرأ عليه وهو يعمل في منزله، من بكرة إلى العصر. قال أبو زرعة العراقي في طرح التثريب: انقطعت بموته كتب وأجزاء. مات في ثالث شهر رمضان سنة ٧٥٦هـ عن تسعين سنة إلا عشرة أشهر. وقد أكثر عنه ابن رجب وله عنه أسانيد كثيرة نشرها في كتابه طبقات الحنابلة أشرنا إلى بعضها في هامش ثبت مشيخة ابن رحب

стр. 215

٢ - أبو سعيد العلائي: شيخ الإسلام علاء الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي ثم المقدسي الشافعي، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وستمائة، وسمع الكثير ورحل وبلغ عدة شيوخه بالسماع سبعمائة، وأخذ عن مشايخ الدنيا، وأجيز بالفتوى وجد واجتهد حتى فاق أهل عصره، درس بدمشق بحلقة ابن صاحب حمص ونزل عنها للحافظ المزي، ودرس بالأسدية أيضا، وأعاد بالناصرية. ثم انتقل إلى القدس مدرسا بالصلاحية سنة ٧٣١هـ. وأقام بالقدس مدة طويلة يدرس ويفتي ويحدث ويصنف إلى أخر عمره. قال الآسنوي: كان حافظ زمانه إماما في الفقه والأصول وغيرهما. وله ذوق في معرفة الرجال وذكاء وفهم. قال ابن حجر: وقرأت بخط شيخنا العراق: توفي حافظ المشرق والمغرب صلاح الدين في ثالث المحرم. وذلك سنة ٧٦١هـ. قال صاحب الأنس الجليل: ومن تصانيفه القواعد المشهورة، وهو كتاب نفيس يشتمل على علمي الأصول والفروع. "والوشى المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ و"المراسيل" و"كتاب في المدلسين" وكتب أخرى كثيرة. وقد رحل إليه ابن رجب وسمع منه. ٣ - الميدومي: صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم بن عنان الميدومي. ولد في شعبان سنة ٦٦٤هـ وبكر به أبوه فأسمعه من النحيب، وابن علاق، وابن عزون. حدث بالكثير بالقاهرة ومصر، ورحل إلى القدس زائرا بعد الخمسين فأكثروا عنه، وسمع منه ابن رافع، والحسيني، والعراقي، وابن رجب، والشيخ سراج الدين البلقيني. قال الحسيني: وكان مسند الدنيا ولم يخلف بعده مثله. ووصفه ابن تغري بردي بالمسند المعمر. توفي في رمضان سنة ٧٥٤هـ. وقد تلقى عنه العلم الزين عبد الرحيم العراقي، وابن رجب، والبلقيني وابن الملقن، وغيرهم كثير. ***
следующие страницы →