Полный текст (835 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وأما تلاوته قوله تعالى: (أقم الصلاة لذكري) ، وقد رواه قتادة مرة فقال: للذكرى ومرة قال لذكري كما هي القراءة المتواترة، وكان الزهري - أيضا - يقرأها للذكرى وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور، لأن المعنى: أد الصلاة حين الذكرى والمعنى أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها، وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي وقال مجاهد: أقم الصلاة لذكري أي تذكرني قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه، ومعنى قوله: أقم الصلاة لذكري، أي لأجل ذكري بها، والصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها كما في حديث عائشة المرفوع: إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله، خرجه الترمذي وأبو داود، فأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئا من ذكر الله الواجب عليه سهوا فليعد إليه إذا ذكر، كما قال تعالى: واذكر ربك إذا نسيت فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر الله بعد نسيانه".
وأما ترك الصلاة متعمدا فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له، ومنهم من يحكيه إجماعا واستدل بعضهم بعموم قول النبي ﷺ اقضوا الله الذي له، فالله أحق بالقضاء. واستدل بعضهم بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان أمره بالقضاء، فغير المعذور أولى، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له، فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق، ولهذا قال الأكثرون لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يمينا متعمدا فيها الكذب، لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا، وأيضا فإذا قيل إن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم فلا دليل على إلزام العامد بالقضاء فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء كالنائم والناسي.
واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء بأن النبي ﷺ أمر المجامع في رمضان عمدا بالقضاء كما خرجه أبو داود، وهو حديث في إسناده مقال، تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه، وأيضا فيفرق بين من ترك
стр. 247
الصلاة والصيام، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما فالثاني عليه القضاء كمن أفسد حجه، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك لأن الحج فريضة العمر، فمذهب الظاهرية أو أكثرهم أنه لا قضاء على المتعمد.
وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي، وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدا، أنه لا يجزئه قضاؤهما، ذكره في عقيدته في آخر مسنده، ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين منهم الجوزجاني، وأبو محمد البربهاري وابن بطة. قال ابن بطة: اعلم أن للصلاة أوقاتا فمن قدمها على أختها فلا فرض له من عذر وغيره ومن أخرها عن وقتها مختارا من غير عذر فلا فرض له فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر كالصلاة قبل الوقت، وقال في كل منها أنه ليس بفرض، يريد أنها تقع نفلا في الحالين، وقال البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئا إلا أن تكون لوقتها إلا أن تكون نسيانا، فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها فيجمع بين الصلاتين إن شاء. وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله فكيف يؤمر بفعل صلاة.
وروي عن طائفة من السلف منهم الحسن. وحكى الخلاف في ذلك إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي، فقال محمد بن نصر في كتاب الصلاة: إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمدا حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه وجعل توبته وقضاءها رجوعا منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية وأوجب عليه قضاءها، وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة ويرى عليه القضاء إذا تاب. وقال: أخبرني ابن أبي رزمة عن ابن المبارك أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياما ثم ندم، قال: يقضي ما ترك من الصلاة، قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا يستقيم على الحديث. قال إسحاق: يقول القياس على الأصل أن لا يقضي، وربما بني على الأصل ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن ههنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على
стр. 248
غير أحكام الكفار. رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد فأخذ بالاحتياط فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا، وكان يكفره إذا تركها عمدا حتى يذهب وقتها.
قال إسحاق: وأكثر أهل العمل على إعادة الصلاة إذا ترك صلاة متعمدا فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك فاحتاط في القضاء. قال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم إذا ارتد عن الإسلام ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته أن ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء، كالباغي، وقاطع الطريق.
قلت: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن ترك الصلاة إذا حكمنا بكفره فإنه يكون مرتدا ولا قضاء عليه، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد هما روايتان عن أحمد. ومذهب الشافعي وغيره الوجوب. وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمدا كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة أيضا، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي وأبي بكر وابن أبي موسى، ثم قال محمد بن نصر: فأما المروي عن الحسن فإن إسحاق ثنا، قال ثنا النضر عن الأشعث، عن الحسن قال إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا فإنه لا يقضيها، قال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين: أحدهما أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا، فلذلك لم ير عليه القضاء، لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره، والمعنى الثاني: أنه لم يكن يكفره بتركها فإنه ذهب إلى أن الله إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتي به بعد ذلكن فقد أتي به
стр. 249
في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه. ولا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به عن المأمور به، قال: وهذا قول مستنكر بالنظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه، قال: ومن ذهب إلى هذا قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها وفي النائم أيضا أنه لو لم يأت الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، لما وجب عليه من النظر قضاؤها أيضا، انتهى ما ذكره ملخصا.
وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمدا، فإنه إن كان كافرا بالترك متعمدا، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأن القضاء من له، بل ولا يدل عليه النظر، لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة كقاتل العمد وحالف اليمين الغموس، وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن مع جلالته وفضله وسمع علمه وزهده وورعه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحا عن التابعين أيضا، فيه شيئا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمدا أنه لا يقبل منه صلاة، كما روي عن الصديق - رضي الله عن هـ - أنه قال لعمر في وصيته له: أن لله حقا بالليل ولا يقبله بالنهار. وفي حديث مرفوع: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: منهم الذي لا يأتي الصلاة إلا دبارا، يعني فوات الوقت. خرجه أبو داود وبان ماجه من حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا، وفي إسناده ضعيف، ولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل كصلاة السكران في مدة الأربعين، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط.
فإن قيل فقد قال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها، وكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة المحافظة على مواقيتها، وإن تركها كفر، ففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها، وقد أمر النبي ﷺ بالصلاة خلف من
стр. 250
يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة، وقد سئل عن الأمراء وقتالهم، قال: لا، ما صلوا، وكانت على هذا الوجه، فدل على إجزائها.
قيل السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم متعمد التأخير عن الوقت الحاضر، فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت أحيانا عن غير تعمد لذلك، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين، وهذه الصلاة كلها مجزئة، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالاتفاق، وقد سئل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: (فويل للمصلين ... ) الآية، فدخل المسجد فرأى قوما قد أخروا الصلاة لا يتمون ركوعا ولا سجودا فقال: الذين سألتموني عنهم هم هؤلاء، هذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي ﷺ صلاة المنافقين وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي ﷺ بالصلاة خلفهم نافلة، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار وكغيرهم عند طائفة من العلماء فليس حكمهم حكم من ترك الصلاة، فإن التارك هو المؤخر عمدا إلى وقت مجمع على أنه غير جائز، كتأخير صلاة الليل إلى النهار، وصلاة النهار إلى الليل عمدا وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمدا، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة.
وفيما يلي شرح هذا الحديث من فتح الباري لابن حجر:
стр. 251
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة
وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة.
حدثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (وأقم الصلاة لذكري) .
قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: (وأقم الصلاة للذكرى) وقال حبان: حدثنا همام حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي ﷺ نحوه.
قوله: "باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، ولا يعيد إلا تلك الصلاة" قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الشارع "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضا: "لا كفارة لها إلا ذلك"، فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها، وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى.
ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله: "ولا يعيد إلا تلك الصلاة" إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة، حيث قال: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها"، فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضورها مثلها من الوقت الآتي، ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها" عند وقتها أي الصلاة التي تحضر لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج
стр. 252
وقتها، لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة: "من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها". قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا. قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى.
ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا، بل عدوا الحديث غلطا من راويه، وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضا: "أنهم قالوا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ : لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".
قوله: (وقال إبراهيم) أي النخعي، وأثره هذا موصول عند الثوري في جامعه عن منصور وغيره عنه. قوله: "عن همام" هو ابن يحيى، والإسناد كله بصريون. قوله: "من نسي صلاة فليصل" كذا وقع في جميع الروايات بحذف المفعول، ورواه مسلم عن هداب بن خالد عن همام بلفظ "فليصلها" وهو أبين للمراد. وزاد مسلم أيضا من رواية سعيد عن قتادة "أو نام عنها" وله من رواية المثنى بن سعيد الضبعي عن قتادة نحوه وسيأتي لفظه، وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلن وقال من قال: يقضي العامد بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب فتكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناس - مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه - فالعامد أولى. وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: "نسي" لأن النسيان يطلق على الترك، سواء كان عن ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم - نسوا الله فنسيهم) .
قال: ويقوي ذلك قوله: "لا كفارة لها" والنائم والناسي لا إثم عليه. قلت: وهو بحث ضعيف لأن الخبر بذكر النائم ثابت وقد قال فيه: "لا كفارة لها" والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد والقائل بأن العامد
стр. 253
لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي، بل يقول إنه لو شرع له القضاء لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالا من الناسي فكيف يستويان؟ ويمكن أن يقال إن إثم عليه مطلقا، ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته فصارت دينا عليه، والدين لا يسقط إلا بأدائه فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر من رمضان عامدا فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه، والله أعلم.
قوله: "قال موسى" أي دون أبي نعيم "قال همام: سمعته" يعني قتادة "يقول بعد" أي في وقت آخر "للذكرى" يعني أن هماما سمعه من قتادة مرة بلفظ للذكرى" بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة، ووقع عند مسلم من طريق يونس أن الزهري كان يقرأها كذلك، ومرة كان يقولها قتادة بلفظ "لذكري" بلام واحدة وكسر الراء وهي القراءة المشهورة. وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي ﷺ وفي رواية مسلم عن هداب قال قتادة: "وأقم الصلاة لذكري" وفي روايته من طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله ﷺ : "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: (وأقم الصلاة لذكري) وهذا ظاهر أن الجميع من كلام النبي ﷺ ، واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى ﵊ وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ، واختلف في المراد بقوله: "لذكري"، فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل إذا ذكرتها لك إياها، وهذا يعضد قراءة من قرأ "للذكرى"، وقال النخعي: اللام للظرف، أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعدما نسيت، وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرا لذكري، وقيل: المراد بقوله ذكري أمري، وقيل: المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنه أراد لذكر الصلاة وقال
стр. 254
التوربشتي: الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأن المعنى أقم الصلاة لذكرها، لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذكر صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها.
قوله: "وقال حبان" هو بفتح أوله والموحدة وهو ابن هلال، وأراد بهذا التعليق بيان سماع قتادة له من أنس لتصريحه فيها بالتحديث، وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء عن حبان بن هلال وفيه أن هماما سمعه من قتادة مرتين كما في رواية موسى.
المطلب الثالث جامع العلوم والحكم
وهو من أشهر كتب ابن رجب في الحديث، وأكثرها تداولا، وهو شرح لخمسين حديثا من جوامع الكلم، كان الإمام أبو عمرو بن الصلاح قد اختار بعضها وأملاها في مجلس سماه "الأحاديث الكلية"، ثم إن الإمام النووي أوصلها إلى اثنين وأربعين حديثا، أضاف إليها ابن رجب ثمانية أحاديث فبلغت عدتها خمسين حديثا ثم شرحها وفصلها في هذا الكتاب.
أما منهجه في الكتاب: فقد حدد منهجه في مقدمة الكتاب بقوله: "واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية".
ويقول كذلك: قد علمتك أنه ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي ﷺ الجوامع، وما تضمنته من الآداب والحكم، والمعارف والأحكام، والشرائع".
ويقول كذلك: وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ليعلم بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ (النووي) وإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره نبهت على ذلك كله.
стр. 255
ومن الجدير بالذكر أن هذا الكتاب ليس كتابا للوعظ، كما يظن، بل هو كتاب تناول أصول الحياة من الحديث فاشتمل على الحكم والأحكام وغرر الآداب والشرائع.
ففي الحديث الأول الذي هو "إنما الأعمال بالنيات" يتكلم عن النية وقيمتها في العمل، ويتوسع في الحديث عن النية في بعض الأعمال الشرعية كالطلاق مثلا.
وفي الحديث الثاني يتحدث عن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان وما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح.
وفي الحديث الثالث أركان الإسلام.
وفي الحديث الرابع عشر تحريم قتل النفس وما يتعلق بذلك من الأحكام.
وفي الثاني والثلاثين تحريم الضرر والضرار والكلام على ذلك.
وفي الثالث والثلاثين بيان أن المدعي تلزمه البينة واليمين تلزم المنكر، وتفصيل ذلك.
وفي التاسع الثلاثين أحكام الخطأ والنسيان.
وفي الرابع والأربعين ما حرم من النسب يحرم من الرضاع، وتفصيل أحكام الرضاع.
وفي السادس والأربعين تحريم شراب البتع.
هذه بعض أحاديث الأحكام التي احتوى عليها الكتاب مع التفصيل، وإفرادها بالشرح أمر مهم وضروري، حتى أحاديث الحكم والآداب فيها من التفصيلات ما يخرجها عن كونها للوعظ فقط.
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في الهند ومصر (١٣٤٦هـ - ١٣٨٢هـ) ، وهو شرع الدكتور محمد الأحمدي أبو النور بتحقيقه ولم يتمه.
المطلب الرابع رسائل ابن رجب التي تضمنت شرح حديث واحد
وهذه المجموعة من الرسائل تشرح كل واحدة منها حديثا واحدا ومنها ما يطول فيصل إلى قريب المائة صفحة، ومنها ما يقصر فلا يتجاوز عشر ورقات.
وفيما يلي عرض لهذه المسائل:
١ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عن هـ - قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة في صلاة الصبح حتى كدنا نترءى قرن الشمس، فخرج رسول الله ﷺ فثوب بالصلاة وصلى، وتجوز في صلاته، فما سلم قال: كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، رب، قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، رب. قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، رب. فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري وتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات. والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك.
стр. 256
وقال رسول الله ﷺ : إنها حق فادرسوها وتعلموها.
وقد تكلم الإمام ابن رجب على إسناده هذا الحديث، وفصل ما فيه من الأحكام والمعارف، وتقع هذه الرسالة في ست وتسعين صفحة من القطع المتوسط، وطبعت بمطبعة القاهرة، وقد طبعتها ذلك المطبعة المنيرية سنة ١٣٥٣هـ.
٢ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي ﷺ بعثت بالسيف بين يدي الساعة.
وهي رسالة عني بنشرها محمد حامد الفقي، وطبعت بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٤٩، ضمن مجموعة رسائل "من دفائن الكنوز"، وتقع بين ص ٩٢ - ١١٦.
وفيها شرح ابن رجب حديث ابن عمر - رضي الله عن هما - عن النبي ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
٣ - شرح حديث أبي الدرداء فيمن سلك طريقا يلتمس فيه علما.
وقد طبعت هذه الرسالة بمراجعة واهتمام الشيخ عبد الظاهر أبي السمح، بالمطبعة السلفية بمكة المكرمة، سنة ١٣٤٧هـ. وتقع في ستين صفحة.
٤ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى، مخطوطة في مكتبة فاتح باستانبول تحت رقم ٥٣١٨، ضمن مجموعة رسائل لابن رجب.
وهي شرح حديث: "الحمى كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار".
стр. 257
٥ - شرح حديث أن أغبط أوليائي عندي، مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول تحت رقم ٥٣١٨ وهي شرح لحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وهذا نصه:
"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف، ذو حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك، ثم نقر على إصبعيه فقال: عجلت منيته، قلت: بواكيه، قل تراثه".
أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه.
٦ - شرح حديث: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما"، مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول رقم ٥٣١٨ وهو الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من طريق العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا، ولا تعوجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه".
والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من جوفه واعظ الله في قلب المسلم.
٧ - شرح حديث شداد بن أوس إذا كنز الناس الذهب والفضة فأكثروا أنتم من هؤلاء الكلمات: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك.
وهي رسالة مخطوطة بمكتبة الأوقاف ببغداد رقم ٢٥/٤٧٦٧ مجاميع.
٨ - شرح حديث يتبع الميت ثلاث. مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول برقم ٥٣١٨ وهو حديث أنس عن النبي ﷺ ، قال:
стр. 258
"يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
٩ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع، طبع بمطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر سنة ١٣٥٨هـ وهو حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"مثل المؤمن كخامة الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، والفاخر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء.
١٠ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة. طبعت بمكتبة المنار بمصر سنة ١٣٤٠هـ، والمنيرية سنة ١٣٥١هـ وهي رسالة في شرح حديث النبي ﷺ :
"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ".
١١ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق، مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول رقم ٥٣١٨ مجموع.
وهي شرح لحديث رواه أبو داود من طريق عائشة - رضي الله عن ها - أنها سرقت لها ملحفة فجعلت تدعو على من سرقها، فقال النبي ﷺ : لا تسبخي عليه.
١٢ - المحجة في سير الدلجة، وطبعت بمطبعة الترقي بمكة المكرمة سنة ١٣٤٧هـ،.
وفيما شرح ابن رجب أربعة أحاديث أولها: لن ينجي منكم أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته.
١٣ - تحفة الأكياس في شرح وصية المصطفى لابن عباس طبع بمطبعة الإمام بمصر.
стр. 259
١٤ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال، شرح لحديث أخرجه البخاري: قالت النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجل ... مخطوطة بمكتبة فاتح باستانبول ٥٣١٨ مجموعة.
١٥ - ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، طبع بالمنيرية.
١٦ - صدقة السر وفضلها مخطوطة
стр. 260
الخاتمة في نتائج البحث
وختاما لهذه الدراسة حول "شرح علل الترمذي" فإنني أقف لأسجل أهم النتائج والفوائد التي توصلت إليها:
أولا: أوقفتني هذه الدراسة على أحد الأئمة الأعلام الذي كان لهم في الحديث باع طويل وفي علم العلل خاصة، وترك الآثار الشاهدة على سعة علمه، وقد رأينا منها شرح الترمذي، وشرح البخاري المسمى بفتح الباري، ثم هذا لكتاب الذي شرفت بتحقيقه، ودراسته.
ثانيا: كشف هذه الدراسة عن مفهوم محدد للعلة في الحديث، واستطعت بفضل الله أن أوفق بين الاشتقاق اللغوي، والاشتقاق الاصطلاحي، دون اللجوء إلى التأويل البعيد أو الحمل التعسفي.. ووقع الاختيار على تعريف للعلة رجحته على غيره، ورأيت أنه ينسجم مع المنهج التطبيقي لهذا العلم، وهو قول الإمام زين الدين عبد الرحمن العراقي: والمعلل خبر ظاهره السلامة أطلع فيه بعد التفتيش على قادح. وقد بينت ما في التعاريف الأخرى من عدم المناسبة.
ثالثا: أبرزت هذه الدراسة أن ميدان علم العلل هو حديث الثقات، وكشف عن سعة هذا الميدان وأنه أكبر من ميدان الجرح والتعديل، وذلك لأن علم الجرح والتعديل يحكم على الشخص بوصف عام، كأن يقال: صدوق، ثقة، ضابط، لين الحديث، ضعيف، كذاب، وأما علم العلل فهو يتناول الثقة
стр. 261
فيبحث في رواياته وينظر هل رواياته واحدة في كل الأماكن؟ وهل هي واحدة في كل الأزمان؟ وهل هي واحدة عن كل الشيوخ؟ ولا بد أن يجد الناقد أن الثقة يقوى في بلد ويضعف في أخرى، ويقوى في زمن ويضعف في زمن آخر، ويقوى في رجل ويضعف في آخر.
وهكذا فإن علم العلل يتابع الثقة في مختلف الأماكن ومختلف الأزمنة ومختلف الشيوخ الذين يروي عنهم، ومختلف الظروف التي تعتريه، من ضياع كتاب أو فقد عزيز أو فقدان البصر، ويتناوله من حيث ممارسته لحديث كل شيخ من شيوخه أو قلة ممارسته.
ومن هنا كان تتبع ثقة من الثقات في ضوء علم العلل يحتاج إلى جهود كبيرة، وقد ذكرت مصادر هذا العلم أن ابن المديني صنف علل ابن عيينة في ثلاثة عشر جزءا.
رابعا: ومن خلال دراسة شرح علل الترمذي استخلصت أسباب العلة في الحديث وأعدتها إلى ثمانية أسباب رئيسية، وأظن أن هذه الأسباب تجمل وتذكر مجتمعة لأول مرة إن شاء الله. وقد أبرزت السبب العام الذي هو الضعف البشري الذي لا يسلم معه أحد من الوهم مهما علت مرتبته وسمت مكانته. وفصلت موضوع الاختلاط، وتكلمت عن الأسباب العارضة. وعند كل سبب من هذه الأسباب كنت أسوق عددا من الأمثلة التطبيقية.
خامسا: في موضوع الكشف عن العلة بينت أن العلة لا تخضع معرفتها للفيوض الوجدانية، والكشوف، والتأملات الباطنية، وإنما تظهر العلة لممارس هذا العلم الذي حوى من المعارف ما يجعله قادرا على تتبع مسارب الإسناد ومساراته، والتقائه بغيره وافتراقه عنه.
وأما كلام عبد الرحمن بن مهدي أن معرفة العلة كالعرافة، فإنما هو محمول على كلام العالم بالعلة في مقابل الجاهل الذي لا يعرف شيئا عن هذا العلم.
ثم تكلمت عن وسائل الكشف عن العلل، وقد أوجزت في ذكر أهم
стр. 262
المعارف اللازمة لرجل العلل. وكل هذا استخلصته من الأمثلة الكثيرة المبثوثة في كتب العلل، وخاصة كتاب ابن رجب شرح علل الترمذي.
سادسا: وفي موضوع أنواع العلل: حاولت حصر أنواع علة الإسناد وأنواع علة المتن، وعرضت هذه الأنواع بعبارة سهلة مستعينا بالأمثلة التطبيقية المستمدة من كتب العلل المتنوعة.
سابعا: أظهر هذه الدراسة منهج ابن رجب في شرح علل الترميذي وكشف بالمقابل عن مناهج كتب العلل الأخرى فظهر لنا أن المناهج في تصنيف العلل ليست واحدة بل تنوعت إلى ستة مناهج، كان شرح العلل سابعها وأقربها إلى البناء النظري.
وأما في موضوع مصادر ابن رجب في العلل فقد عرضت الدراسة لستة من هذه المصادر وكشفت عن كتاب "علل الترمذي الكبير".
وثامنا: أما مباحث مصطلح الحديث التي ختمت بها الدراسة ففي موضوع المرسل ظهر لنا أن الإمام أحمد يوافق الشافعي في شروطه للعمل بالمرسل، وفي زيادة الثقة ظهر لنا أن الزيادة ليست مقبولة دائما إنما تكون مقبولة من المبرز في الحفظ.
وفي موضوع العنعنة خالفت رأي ابن رجب في رده على الإمام مسلم الذي يرى أن المعاصرة والبراءة من التدليس كافيان للحكم بالاتصال، وقد فصلت رأي ابن رجب وأدلته التي ساقها ليدلل على أن التفتيش عن السماع هو دأب العلماء وأنه لا يكفي مجرد اللقاء، وأن الوهم قد يدخل على الصيغ الصريحة، ولكنني لم أوافق ابن رجب فيما ذهب إليه وسقت عددا من الأدلة خلصت منها إلى أن رأي ابن رجب هذا لا ينصر البخاري كما أراد، لأن المعروف أن البخاري يشترط ثبوت اللقي لا ثبوت السماع.
وأما في موضوع زيادة الثقة فقد أبرزت الفوارق بين التقييد والإطلاق وبين زيادة الثقة، وأكدت رأي ابن رجب في رده على من جعل حديث "وتربتها طهورا" من قبيل زيادة الثقة، والصحيح أنه من باب تقييد المطلق.
стр. 263
تاسعا: كشفت هذه الدراسة عن الأسس التي صنفت على أساسها كتب الحديث وأنها كتب معللة، روعي في اختيار أحاديثها سلامتها من العلة وخاصة كتاب البخاري وكتاب مسلم.
عاشرا: وكشفت هذه الدراسة أن عملية التصحيح والتضعيف، اعتمادا على ما كتب في الجرح والتعديل، هي عملية ذات شق واحد، ولا يمكن الحكم على الحديث صحة أو ضعفا بعيدا عن علم العلل، وحتى تتم هذه العملية متوازنة متناسقة سليمة، فإنه لا بد من إخراج كتب العلل وجمع شتات هذه العلم، وتبويب معارفه، وإعادة تصنيف الثقات على أساسه.
стр. 264
القسم الثاني التحقيق
وصف لنسخ كتاب "شرح علل الترمذي المخطوطة
حصلت على ثلاث نسح خطية لكتاب "شرح علل الترمذي"، وفيما يلي وصف لهذه النسخ، مع إثبات نماذج مصورة عن أولها وآخرها:
١ - النسخة الأولى:
وهي نسخة أحمد الثالث - تركيا: ذات الرقم ٥٣٢ حديث. ويوجد عنها نسخة مصورة بالمكيروفيلم في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، ورقمها في المعهد ٢٤٨، وتبلغ عدة أوراق هذه النسخة ١٥١ ورقة.
وقد كتب على الورقة الأولى منها: "كتاب شرح علل الترمذي للإمام العلامة زين الدين بن رجب"، وهي بخط قاضي القضاة ابن اللحام بدمشق، وعليها خط المؤلف في مواضع كثيرة.
كما كتب عليها: "خمس عشرة كراسة وورقة واحدة". وفي الصفحة الأولى من هذه النسخة:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وعليه توكلي:
قال شيخنا الإمام العلامة، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام أوحد العلماء، الأعلام أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين بن رجب البغدادي الحنبلي فسح الله في مدته وختم له بخير في عافيته بمنه وكرمه، في كتاب شرح الترمذي له: كتاب الترمذي.
أما آخر هذه النسخة فهو:
"ووجدت في آخر نسخة من نسخ كتاب الجامع للترمذي مما كتب باليمن
стр. 265
بثغر عدن ما هذا صورته: أنشدنا الفقيه الحافظ أبو العباس أحمد بن معد بن عيسى التجيبي لنفسه في مدح أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي - رضي اله عنه -:
(كتاب الترمذي رياض علم ... حكت أزهار النجوم) "
إلى قوله، وهو آخر القصيدة وآخر الكتاب:
("من العلماء والفقهاء قدما ... وأهل الفضل والنهج القويم")
حالة هذه النسخة، كتبت بخط النسخ، وهي جيدة، ولا تخلو من خروم وخاصة في بعض الهوامش الداخلية في الأصل.
الناسخ:
أما ناسخها فهو الإمام علاء الدين بن اللحام قاضي قضاة دمشق وهو علي بن محمد بن علي بن عباس بن فتيان، البعلي، ثم الدمشقي الحنبلي، ويعرف بابن اللحام، وقد ترجمت له أثناء الكلام على تلاميذ ابن رجب، وذلك في صفحة ٢٦٤ من الدراسة.
وهذه النسخة قيمة للغاية لشهرة كاتبها، وهو أكبر تلاميذ ابن رجب، ولما حملت من تعليقات من ابن رجب نفسه، ولا شك أنها أقدم النسخ التي حصلت عليها ولهذا كله فقد اعتمدتها أصلا، ورمزت لها بالحرف (أ) .
٢ - النسخة الثانية:
وهي نسخة دار الكتب المصرية: ورمزنا لها بالرمز (د) :
ورقم هذه النسخة بدار الكتب المصرية ٤٩ مصطلح، وقد كتبت هذه النسخة بخط النسخ وعدد أوراقها ١٣٥ ورقة، وبها خروم كثيرة جدا، أكبرها خرم في أولها، بمقدار أربع عشرة لوحة. وفيها تصحيف وسقط.
وقد بدأت هذه النسخ بقوله:
"يتهم في الحديث، فقال: لأن أقطع الطريق أحب غلي من أن أروي عنه وهذا المقطع يقابله السطر الثالث من الورقة ١٤/أمن نسخة أحمد الثالث".
стр. 266
الناسخ وتاريخ النسخ:
وقد كتب في نهاية هذه النسخة:
"وكان الفراغ من تعليقه يوم الأحد ثامن عشر ربيع الآخر من شهور سنة تسع وتسعين وثمانمائة، بمكة المكرمة، زادها الله شرفا وتعظيما، ومهابة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد بن أبي حامد بن حسن بن علي المالكي البكري، والخليلي، غفر الله تعالى له ولإخوانه، ولأحبابه، ولمشايخه، والجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين".
(وما كنت أهلا للذي قد كتبته ... وأني لفي خوف من الله نادم)
(ولكنني أرجو من الله عفوه ... وأني لأهل العلم لا شك خادم)
ولقد بحثت عن ترجمة هذا النسخ في وفيات المئة العاشرة فوجدت في كتاب الكواكب السائرة ترجمة قد تكون هي ترجمة هذا الشيخ وجاء فيها: "هو محمد البكري العالم الورع الزاهد الشيخ صدر الدين البكري، حج وزار النبي ﷺ وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة ٩١٨هـ".
٣ - النسخة الثالثة:
وهذه النسخة دار الكتب الظاهرية بدمشق، ورمزنا لها بالحرف (ظ) :
وهذه النسخ مماثلة لنسخة دار الكتب في الخروم الكثيرة وخاصة الخرم الذي في أولها وهو بنفس مقدار خرم النسخة المصرية. وتتشابه النسختان في كثيرة من مواضع الخروم مما يرجح أنهما منسوختان عن أصل واحد، وتحمل هذه النسخة رقم ٤٠٥ حديث وعدد أوراقها ١٠٢ ورقة وهي بخط النسخ.
"قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن عيسى قال، ترك ابن المبارك الحسن بن دينار".
وتنقص هذه البداية سطرا واحدا عن نسخة دار الكتب المصرية.
وأما آخر هذه النسخة فهو قوله:
"والحمد لله وحده صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبي الله ونعم الوكيل، وكتبه محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زريق".
стр. 267
التعريف بالناسخ:
وقد بحثت في التراجم عن ابن زريق فوقع لي شخصان أحدهما يعرف بزريق والثاني يعرف بابن زريق. أما الأول فهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد ابن التقي سليمان بن حمزة المقدسي ثم الصالحي، ناصر الدين، قال ابن حجر: المعروف بزريق تصغير أزرق. وكانت وفاته سنة (٨٠٣) هـ.
وأما الثاني فهو ناصر الدين أبو عبد الله بن أبي كبر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المعروف بابن زريق، كذا ورد اسمه في ثبت سماعات كتاب المحدث الفاصل تحت عنوان: سمع محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، ابن زريق بقراءته على الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي، (سبط ابن العجمي) وكان ذلك سنة ٨٣٧هـ بالمدرسة الشرقية بحلب، وجاء في السماع: "وكتبه محمد بن أبي بكر ... " وساق الاسم كاملا، ثم جاء ذكر سماع إبراهيم بن عبد الله المقدسي الذئابي على الشيخ ناصر الدين محمد بن أبي بكر ابن زريق في ربيع الآخر سنة (٨٨١هـ) ثم ورد سماع ابن طولون الحنفي على الشيخ ناصر الدين ابن زريق في ربيع الآخر سنة ٨٩٩هـ.
ونخلص إلى أن صاحبنا هو ابن زريق الصالحي الحنبلي الإمام العالم المحدث ولد سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ولي مدرسة جده أبي عمر ابن قدامة، ومات سنة تسعمائة
стр. 268
رموز واصطلاحات التحقيق
اعتمدت نص نسخة أحمد الثالث أصلا للكتاب، ورمزت لها بالحرف (أ) ، وقابلت عليها النسختين الأخريين، ورمزت لنسخة دار الكتب المصرية بالحرف (د) ، ولنسخة دار الكتب الظاهرية بالحرف (ظ) .
وضعت الفوارق بين النسخ ضمن قوسين () وأشرت في الحاشية إلى النسخة المختلفة عن نسخة الأصل زيادة أو نقصا.
ولما كان استعمال صيغ التحمل (ثنا، نا، وأنا) كثيرا فقد جعلتها بين () قوسين حتى لا يلتبس الأمر على القارئ.
أما العناوين فقد عنونت كثيرا من مباحث الكتاب وجعلت هذه العناوين بين " " للدلالة على أنه من وضع المحقق.
وجميع الأرقام التي في النص هي من وضع المحقق.
وفيما يلي بعض المختصرات والرموز المستعلمة في التحقيق:
- تهذيب أو التعذيب: هو تعذيب التهذيب لابن حجر.
- اللسان: إذا كان في التراجم فهو لسان الميزان للذهبي، وإذا كان في تفسير الغريب فهو لسان العرب لابن منظور.
- الميزان: هو ميزان الاعتدال للذهبي.
- المغني: هو كتاب المغني في الضعفاء للذهبي.
стр. 269
- ?: إشارة لانتهاء اللوحة من المخطوط.
- ت: لسنة الوفاة.
وكل السنين المستعملة هي بالتاريخ الهجري، وما كان بالميلادي فإنني أنبه عليه، وليسهل تقسم الكتاب وبيان منهجه جعلته في بابين، فأطلقت على القسم الأول: الباب الأول "شرع علل الترمذي"،
стр. 270
" الباب الأول" "شرح علل الترمذي" لابن رجب الحنبلي "
стр. 271
بسم الله الرحمن الرحيم وبع ثقتي وعليه توكلي
قال شيخنا الشيخ الإمام العالم "العلامة، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام، وأوحد العلماء الأعلام، أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين بن رجب البغدادي الحنبلي - فسح الله له مدته، وختم له بخير في عافيته، بمنه وكرمه - في كتاب "شرح الترمذي" له:
كتاب العلل
قال أبو عيسى ﵀:
جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين:
حديث ابن عباس - رضي الله عن هما -: أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سقم".
стр. 272
وحدث النبي ﷺ إنه قال:
"إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه".
وقد بينا علة الحديثين جميعا في هذا الكتاب.
وكأن مراد الترمذي - رحمه الله تعالى - أحاديث الأحكام. وقد سبق الكلام على هذين الحديثين اللذين أشار إليهما ههنا في موضعهما في الكتاب.. وذكرنا مسالك العلماء فيهما من النسخ وغيره. وذكرنا أيضا عن بعضهم العمل بكل واحد من الحديثين.
وقوله: (قد بينا علة الحديثين جميعا في الكتاب) ، فإنما بين ما قد يستدل به للنسخ، لا أنه بين ضعف وإسناد.
وقد روى الترمذي في كتاب الحج حديث جابر في التلبية عن النساء،
стр. 273
ثم ذكر الإجماع على أنه لا يلبى عن النساء، فهذا ينبغي أن يكون حديثا ثالثا، مما لم يؤخذ به عند الترمذي.
وقد وردت أحاديث أخر قد ادعى بعضهم أنه لم يعمل بها أيضا. وقد ذكرنا غالبها في هذا الكتاب، فمنها ما خرجه الترمذي وأكثرها لم يخرجه:
فمنها حديث: "من غسل ميتا فليغسل ومن حمله فليتوضأ".
وقد قال الخطابي: لا أعلم أحدا من العلماء قال بوجوب ذلك. ولكن القائل باستحبابه يحمله على الندب، وذلك عمل به.
ومنها حديث أنه ﷺ : توضأ ثلاثا، وقال: "ومن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم".
стр. 274
وقد ذكر مسلم الإجماع على خلافه.
ومنها حديث التيمم إلى المناكب والآباط.
ومنها حديث التيمم إلى نصف الذراعين.
ومنها حديث الأكل في الصيام بعد الفجر، قال الجوزجاني: هو حديث قد أعيا العلماء معرفته.
ومنها حديث أنس في أكل البرد للصائم.
ومنها حديث ابن أم مكتوم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 275
لم يرخص له في ترك الجماعة. مع ما ذكره من ضرره وعدم قائد والسيول. وقد ذكر بعضهم أنه لا يعلم أحدا أخذ بذلك.
ومنها أحاديث النهي عن كرى الأرض، وهي أحاديث صحيحة ثابتة.
ومنها أحاديث المسح على النعلين ذكره الطحاوي وغيره.
ومنها حديث أن في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه.
ومنها حديث توريث المولى من أسفل. وقد ذكرنا الكلام عليه.
стр. 276
ومنها حديث الرضاع، أن لا يحرم إلا عشر رضعات.
ومنها حديث الطلاق الثلاث جمع.
ومنها حديث أسماء بن عميس في إحداد المتوفى عنها ثلاثة أيام.
ومنها حديث سلمة بن المحبق فيمن وقع على جارية امرأته.
ومنها حديث الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى. فجعل النبي ﷺ لها المهر، وقال: "الولد عبد" لكن قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال باسترقاق ولد الزنا.
стр. 277
ومنها أحاديث متعددة في الحج، مثل:
حديث النهي عن التمتع.
وحديث أن المعتمر إذا مسح الركن حل.
وحديث أن الوقوف بعرفة لا يفوت إلا بطلوع الشمس يوم النحر.
وحديث أن التحلل برمي الجمرة مشروط بطواف الإفاضة في بقية يوم
стр. 278
النحر وقد حكى عن عروة القول به.
وحديث الاضطباع في السعي بين الصفا والمروة.
وقد ادعى بعضهم ترك العمل بأحاديث أخر وهو خطأ ظاهر:
كدعوى ابن قتيبة الإجماع على ترك العمل بأحاديث المسح على العمامة.
стр. 279
ودعوى بعضهم الإجماع على ترك العمل بأحاديث فسخ الحج إلى العمرة.
ودعوى بعضهم الإجماع على ترك العمل بحديث: إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع.
قال ابن المنذر: ما علمت أحدا قال بظاهره غير الشعبي.
وكحديث ابن عباس في دية المكاتب.
стр. 280
قال الخطابي: لم يذهب إليه أحد سوى النخعي، وقد روى في ذلك شيء عن علي.
وذكر الطحاوي الإجماع على ترك العمل بحديث "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان".
وعلى ترك العمل بحديث تحريق متاع الغال إلا عن مكحول.
والطحاوي من أكثر الناس دعوى لترك العمل بأحاديث كثيرة، وعامة هذه الأحاديث قد ذكرناها في مواضعها من هذا الكتاب، مع بسط الكلام عليها، فمن أراد الوقوف عليها فليتتبعها من مظانها من الكتاب.
وقد ذكر للثوري ما روي عن عمر قال: من لم يدرك الصلاة بجمع مع الإمام فلا حج له. فقال الثوري: قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها.
وسنذكر هذا المعنى مستوفى عند الكلام على الحديث الغريب - إن شاء الله تعالى -.
стр. 281
" أسانيد أقوال الفقهاء عند الترمذي "
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: وما ذكرنا في هذا الكتاب من اختيار الفقهاء فما كان فيه من قول سفيان الثوري، فأكثره ما حدثنا:
محمد بن عثمان الكوفي، ثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري.
ومنه ما حدثني مكتوم أبو الفضل بن العباس الترمذي، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان..
وما كان فيه من قول مالك بن أنس.
стр. 282
فأكثره ما حدثني به إسحق بن موسى الأنصاري، ثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك بن أنس.
وما كان فيه من أبواب الصوم: فأخبرنا به أبو مصعب المدني، عن مالك بن أنس.
وبعض كلام مالك ما (أنا) به موسى بن حزام (أنا) عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس.
وما كان فيه من قول ابن المبارك:
فهو ما حدثنا به أحمد بن عبده الآملي عن أصحاب ابن المبارك.
ومنه ما روي عن أبي وهب، محمد بن مزاحم، عن ابن المبارك.
стр. 283
ومنه ما روي عن علي بن الحسن بن شقيق عن عبد الله.
ومنه ما روي عن عبدان عن سفيان بن عبد الملك ابن المباكر.
ومنه ما روي عن حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك.
وله رجال مسمون سوى من ذكرنا عن عبد الله بن المبارك.
- وما كان فيه من قول الشافعي:
فأكثره ما أخبرني به الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي.
وما كان من الوضوء والصلاة: (ثنا) به الوليد المكي عن الشافعي.
ومنه ما (ثنا) به أبو إسماعيل الترمذي (ثنا) يوسف بن يحيى القرشي
стр. 284
البويطي، عن الشافعي.
وذكر منه أشياء عن الربيع، عن الشافعين وقد أجاز لنا الربيع ذلك وكتب به إلينا.
- وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فهو ما (أنا) به إسحاق بن منصور الكوسج، عن أحمد وإسحاق، إلا ما في أبواب فإني لم أسمعه من إسحاق بن منصور وأخبرني به محمد بن موسى الأصم، عن إسحاق بن منصور، عن أحمد وإسحاق.
وبعض كلام إسحاق بن إبراهيم (أنا) به محمد بن أفلح عن إسحاق،
стр. 285
وقد بينا هذا على وجهه، في الكتاب الذي فيه الموقوف.
وأما ما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ، فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل. ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن. وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة.
ولم أر أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ، ومعرفة الأسانيد، كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل - رحمه الله تعالى -.
اعلم أن أبا عيسى ﵀ ذكر في هذا الكتاب مذاهب كثير من فقهاء أهل الحديث المشهورين: كسفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذكر فيه كثيرا من العلل والتواريخ والتراجم ولم يذكر أسانيد أكثر ذلك، فذكر ههنا أسانيد مجملة، وإن كان لم يحصل بها الوقوف على حقيقة أسانيد ذلك، حيث ذكر أن بعضه عن فلان، وبعضه عن فلان، ولم يبين ذلك البعض ولم يميزه.
следующие страницы →