← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9552

شرح علل الترمذي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (835 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال ابن معين: كان أكذب الناس. وقال قتيبة: وهو معروف بالكذب. ونسبه إلى (الوضع) أحمد وإسحاق ويحيى وغيرهم. قال ابن عدي: أجمعوا على (أنه يضع) الحديث. قال الترمذي: (ثنا) محمود بن غيلان، (ثنا) أبو يحيى الحماني سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أحدا أكذب من جابر، الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. قال أبو عيسى: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يقول: لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث، ولولا حماد لكان أه الكوفة بغير فقه. هذا يوجد في بعض النسخ، ولا يوجد في بعض. وجابر الجعفي قد سبق ذكره مستوفى في أبواب الأذان. وما ذكره وكيع غلو غير مقبول، فأين أبو إسحاق والأعمش ومنصور وغيرهم من أهل الثقة والصدق والأمانة؟ وأين إبراهيم وغيره من أهل الفقه والعلم؟ وإسقاط هذا الكتاب أولى مع أن الترمذي قد ذكره في غير هذا الموضع في كتابه أيضا.

стр. 317

قال أبو عيسى ﵀: سمعت أحمد بن الحسن يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فذكروا من تجب عليه الجمعة، فذكر فيه بعض أهل العلم من التابعين وغيرهم فقلت: فيه عن النبي ﷺ حديث؟ فقال: عن النبي ﷺ ؟ قلت: نعم، حدثنا حجاج بن نصير، (أنا) المعارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله". قال: فغضب أحمد، وقال: استغفر ربك، استغفر ربك مرتين. قال أبو عيسى: وإنما فعل أحمد هذا لأنه لم يصدق هذا عن النبي ﷺ لضعف إسناده، ولأنه لا يعرفه عن النبي ﷺ والحجاج بن نصير يضعف في الحديث، (وعبد الله بن) سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جدا في الحديث، فكل من روى عنه حديث، ممن يتهم أو يضعف لغفلته أو لكثرة خطئه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه فلا يحتج به. هذه الحكاية عن أحمد بن الحسين عن أحمد بن حنبل قد ذكرها الترمذي أيضا في كتاب الجمعة. وسبق ذكر هذا الحديث هناك وبيان ضعفه،

стр. 318

وفيه ثلاثة من الضعفاء: حجاج بن نصير الفساطيطي، ومعارك بن عباد، وعبد الله بن سعيد المقبري، وهو أبو عباد، وقد سبق ذكره وذكر حجاج أيضا ومعارك في الكتاب في غير موضع. وكان الثوري - يروي عن أبي عباد هذا ويقول: استبان لي كذبه في مجلس، وكان يحيى بن وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال يحيى بن معين: لا يكتب حديثه، وقال البخاري: تركوه. " جواز الرواية عن الضعفاء في الرقائق وضابط ذلك " وأما ما ذكره الترمذي أن الحديث إذا انفرد به من هو متهم بالكذب، أو من هو ضعيف في الحديث، لغفلته، وكثرة خطئه، ولم يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه، فإنه لا يحتج به، فمراده: أنه لا يحتج به في الأحكام الشرعية والأمور العملية وإن كان قد يروى حديث بعض هؤلاء في الرقائق والترغيب والترهيب. فقد رخص كثير من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها (عن الضعفاء) منهم: ابن مهدي وأحمد بن حنبل.

стр. 319

وقال رواد بن الجرح: سمعت سفيان الثوري يقول: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم، الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ. وقال ابن أبي حاتم: (ثنا) أبي، (ثنا) عبدة، قال: قيل لابن المبارك، وروى عن رجل حديثا، فقيل: هذا رجل ضعيف.. فقال: يحتمل أن يروى عنه هذا القدر، أو مثل هذه الأشياء. قلت لعبدة: مثل أي شيء) كان؟. قال: في أدب، في موعظة، في زهد. وقال ابن معين في موسى بن عبيدة: يكتب من حديثه الرقاق. وقال ابن عيينة: لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره. وقال أحمد في ابن إسحاق: يكتب عنه المغازي وشبهها. وقال ابن معين في زياد البكائي: لا بأس به في المغازي، وأما في غيرها فلا. وإنما يروى في الترهيب والترغيب والزهد والآداب أحاديث أهل الغفلة الذين لا يتهمون بالكذب. فأما أهل التهمة فيطرح حديثهم، كذا (قال) ابن (أبي) حاتم وغيره. وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تروى أحاديث الترغيب والترهيب إلا عمن تروى عنه الأحكام. قال الترمذي ﵀: وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء، وبينوا أحوالهم للناس: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن المنذر الباهلي، حدثنا يعلى بن عبيد، قال: قال لنا سفيان (الثوري) : اتقوا الكلبي، قال: فقيل له: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه. وأخبرني محمد بن إسماعيل: حدثني يحيى بن معين، ثنا عفان، عن أبي عوانة، قال: لما مات الحسن (البصري) ﵀ اشتهيت كلامه، فتتبعته عن أصحاب الحسن، فأتيت به أبان بن أبي عياش، فقرأه علي كله عن الحسن، فما استحل أن أروي عنه شيئا. قال أبو عيسى: وقد روى (عن) أبان بن أبي عياش غير واحد من الأئمة، وإن كان فيه من الضعف والغفلة ما وصفه (به) أبو عوانة وغيره فلا تغتروا برواية الثقات عن الناس، لأنه يروى عن ابن سيرين أنه قال: إن الرجل ليحدثني فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه. وقد روى غير واحد عن إبراهيم النخعي أن عبد الله بن مسعود كان يقنت في وتره قبل الركوع. وروى أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ كان يقنت في وتره قبل الركوع هكذا روى سفيان الثوري، عن أبان بن أبي عياش. وروى بعضهم عن أبان بن أبي عياش، بهذا الإسناد، نحو هذا، وزاد فيه، قال عبد الله بن مسعود: وأخبرتني أمي أنها باتت عند النبي ﷺ فرأت النبي ﷺ يقنت في وتره قبل الركوع. قال أبو عيسى: وأبان بن أبي عياش، وإن كان قد وصف بالعبادة والاجتهاد، فهذه حاله في الحديث. والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل، وإن كان صالحا لا يقيم الشهادة ولا يحفظها.

стр. 320

فكل من كان متهما في الحديث بالكذب، أو كان مغفلا يخطئ الكثيرن فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن (لا يشتغل) بالرواية عنه. ألا ترى أن عبد الله بن المبارك حدث عن قوم من أهل العلم، فلما تبين له أمرهم ترك الرواية عنهم؟ أخبرني موسى بن حزام، سمعت صالح بن عبد الله يقول: كنا عند أبي مقاتل السمرقندي، فجعل يروي عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال التي (كانت تروى) في وصية لقمان، وقتل سعيد بن جبير، وما أشبه هذه الأحاديث. فقال ابن أخ لأبي مقاتل: يا عم، لا تقل: حدثنا، فإنك لم تسع هذه الأشياء. قال: يا بني، هو كلام حسن. وسمعت الجارود يقول: كنا عند أبي معاوية، فذكر له حديث أبي مقاتل، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال:

стр. 321

سئل علي كور الزنابير، قال: لا بأس به، هو بمنزلة صيد البحر. قال أبو معاوية: ما أقول أن صاحبكم كذاب، ولكن هذا الحديث كذب. " المسألة الأولى: "رواية الثقة عن رجل هل ترفع جهالته ومتى ترتفع الجهالة "؟ ما ذكره الترمذي ﵀ يتضمن مسائل من علم الحديث. أحدها - أن رواية الثقة عن رجل لا تدل على توثيقه، فإن كثيرا من الثقات رووا عن الضعفاء، كسفيان الثوري وشعبة وغيرهما. وكان شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن الثقات لم أحدثكم إلا عن نفر يسير. قال يحيى القطان: إن لم أرو إلا عمن أرضى ما رويت عن خمسة، أو نحو ذلك. وقد اختلف الفقهاء وأهل الحديث في رواية الثقة عن رجل غير معروف: هل هو تعديل له، أم لا؟ وحكى أصحابها عن أحمد في ذلك روايتين. وحكوا عن الحنيفة أنه تعديل. وعن الشافعية خلاف ذلك. والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة،

стр. 322

فروايته عن إنسان تعديل له. ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل، وصرح بذلك طائفة من المحققين من أصحاب الشافعي. قال أحمد - في رواية الأثرم - إذا روى الحديث (عبد الرحمن) بن مهدي (عن) رجل، فهو حجة، ثم قال: كان عبد الرحمن أولا يتساهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، وكان يروى عن جابر، ثم تركه. (وقال) في رواية أبي زرعة: مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة. وقال (في) رواية ابن هانئ: ما روى مالك عن أحد إلا وهو ثقة. كل من روى عنه مالك فهو ثقة. وقال الميموني: سمعت أحمد - غير مرة - يقول: كان مالك من أثبت الناس. ولا تبال أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك، ولا سيما مدني. قال الميموني: وقال لي يحيى بن معين: لا تريد أن تسأل عن رجال مالك كل من حدث عنه ثقة إلا رجلا أو رجلين. وقال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل (مثل سماك) بن حرب، وأبي إسحاق؟

стр. 323

قال: هؤلاء يروون عن مجهولين، انتهى. وهذا تفصيل حسن. وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذهلي، الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدا عنه. وابن المديني يشترط أكثر من ذلك: فإنه يقول فيمن يروي عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم معا، إنه مجهول. ويقول فيمن يروي عنه شعبة وحده، إنه مجهول. وقال فيمن يروي عنه ابن المبارك ووكيع وعاصم، هو معروف. وقال فيمن يروي عنه عبد الحميد بن جعفر وابن لهيعة، ليس بالمشهور. وقال فيمن عنه ابن وهب وابن المبارك، معروف. وقال فيمن يروي عنه المقبري - وزيد بن أسلم، معروف. وقال في يسيع الحضرمي (معروف) وقال مرة أخرى مجهول،

стр. 324

روى عنه ذر وحده. وقال فيمن روى (عنه) مالك وابن عيينة معروف. وقد قسم المجهولين من شيوخ أبي إسحاق إلى طبقات متعددة. والظاهر أنه ينظر إلى اشتهار الرجل بين العلماء وكثرة حديثه، ونحو ذلك، لا ينظر إلى مجرد رواية الجماعة عنه. وقال في داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص: ليس بالمشهور، مع أنه روى عنه جماعة. وكذا قال أبو حاتم الرازي في إسحاق بن أسيد الخراساني: ليس بالمشهور، مع أنه روى عنه جماعة من المصريين لكنه لم يشتهر حديثه بين العلماء. وكذا قال أحمد في حصين بن عبد الرحمن الحارثي، ليس يعرف، ما روي عنه غير حجاج بن أرطأة وإسماعيل بن أبي خالد روى عنه حديثا واحدا. وقال في عبد الرحمن بن وعلة، إنه مجهول، مع أنه روى عنه جماعة، لكن مراده أنه لم يشتهر حديثه ولم ينتشر بين العلماء. " من روى عنه واحد ولكنه معروف " وقد صحح حديث بعض من روى عنه واحد ولم يجعله مجهولا. قال في خالد بن (شمير) : (لا يعلم) روى عنه أحد سوى الأسود بن شيبان، ولكنه حسن الحديث. وقال مرة أخرى: حديثه عندي صحيح. وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات. " رأى ابن عبد البر فيما يرفع الجهالة " وذكر ابن عبد البر في استذكاره أن من روي عنه ثلاثة فليس بمجهول. قال: وقيل: اثنان. وقد سئل مالك عن رجل، فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، ذكره مسلم في مقدمة كتابه من طريق بشر بن عمر عن مالك. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت ابن عيينة يقول: إنا كنا نتبع آثار مالك بن أنس، وننظر إلى الشيخ إن كان مالك ابن أنس كتب عنه وإلا تركناه. قال القاضي إسماعيل:

стр. 325

إنما يعتبر بمالك في أهل بلده (فأما الغرباء) فليس يحتج به فيهم، وبنحو هذا اعتذر غير واحد (عن مالك) في روايته عن عبد الكريم أبي أمية وغيره من الغرباء. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة، مما يقويه؟. قال: إذا كان معروفا (بالضعف) ، لم تقوه، روايته عنه، وإن كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه. قال: وسمعت أبي يقول: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة. إلا نفرا بأعيانهم. وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن الرجل، مما يقوي حديثه؟ قال: إي لعمري. قلت: الكلبي روى عنه الثوري. قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه. قلت: فما معنى رواية الثوري عنه، وهو غير ثقة عنده؟ قال: كان الثوري يذكر الرواية عن الرجل على الإنكار والتعجب، فيعلقون عنه روايته عنه. ولم تكن روايته عن الكلبي قبوله له. وذكر العقيلي بإسناده له عن الثوري، قال: إني لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: أسمع الحديث من الرجل وأتخذه دينا، وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه، وأسمع الحديث من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته.

стр. 326

المسألة الثانية: الرواية عن الضعفاء أهل التهمة بالكذب (والغلط) والغفلة وكثرة الخطأ وقد ذكر الترمذي للعلماء في ذلك قولين: أحدهما: جواز الرواية عنهم. حكاه عن سفيان الثوري، لكن كلامه في روايته عن الكلبي يدل على أنه لم يكن يحدث عنه إلا بما يعرف أنه صدق. والثاني: الامتناع عن ذلك. ذكره عن أبي عوانة وابن المبارك. وحكاه الترمذي عن أكثر أهل الحديث من الأئمة. وقد ذكر الحاكم المذهب الأول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، واعتمد في حكايته عن مالك على روايته عن عبد الكريم، أبي أمية، ولكن قد ذكرنا عذره في روايته عنه، وفي حكايته عن الشافعي على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى، وأبي داود سليمان بن عمروا النخعي، وغيرهما من المجروحين، وفي حكايته عن أبي حنيفة على روايته عن جابر الجعفي، وأبي العطوف الجزري. قال: وحدث أبو يوسف ومحمد بن الحسن، عن الحسن بن عمارة،

стр. 327

وعبد الله بن محرر، وغيرهما من المجروحين. قال: وكذلك من بعدهم من أئمة المسلمين، قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر إلى عصرنا هذا لم يخل حديث إمام من أئمة الفريقين (عن) مطعون فيه من المحدثين، وللأئمة في ذلك غرض ظاهر وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه والمنفرد به عدل أو مجروح. ثم روى بإسناده، عن الأثرم، قال: رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه!! فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق، عن معمر على الوجه، فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء بعد إنسان فيجعل بدل أبان ثابتا، ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت. إنما هي عن معمر عن أبان، لا عن ثابت. وذكر أيضا من طريق أحمد بن علي الأبار، قال: قال يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزا نضيجا. وخرج العقيلي من طريق أبي غسان، قال: جاءني علي بن المديني يكتب عني، عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فروة، فقلت له: أي شيء تصنع بها؟ " التفريق بين الكتابة عن الضعفاء والرواية عنهم " قلت: فرق بين كتابة حديث الضعيف وبين روايته فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها ولم يرووها، كما قال يحيى: سجرنا بها التنور. وكذلك أحمد حرق حديث (خلق ممن) كتب حديثهم، ولم يحدث به، وأسقط من المسند (حديث) خلق من المتروكين لم يخرجه فيه، مثل فائد أبي

стр. 328

(الورقاء) ، وكثير بن عبد الله المزني، وأبان بن أبي عياش وغيرهم، وكان يحدث عمن دونهم في الضعف. قال - في رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ - قد يحتاج الرجل يحدث عن الضعيف مثل عمرو بن مرزوق، وعمرو بن حكام، ومحمد بن معاوية، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن إسرائيل ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم. وقال - في روايته أيضا - وقد سأله: ترى أن نكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبدا منكر. قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت. كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا. وقال - في رواية ابن القاسم -: ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل، كأني أستدل به، مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد. وقال - في رواية المروذي -: كنت لا أكتب حديث جابر الجعفي، ثم كتبته، أعتبر به.

стр. 329

وقال في رواية مهنا وسأله: (لم) تكتب حديث أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف؟.. قال: أعرفه. وقال محمد بن رافع النيسابوري: رأيت أحمد بين يدي يزيد بن هارون وفي يده كتاب لزهير، عن جابر الجعفي، وهو يكتبه. قلت: يا أبا عبد الله، تنهوننا عن جابر وتكتبون (عنه) ؟. قال: نعرفه. وكذا قال أحمد في حديث عبيد الله الوصافي: (إنما) أكتبه للمعرفة. (والذي) يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين (كثر خطؤهم) للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف مثل في (في) حفظه شيء. ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه.

стр. 330

وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل. وأما الذين كتبوا حديث الكذابين، من أهل المعرفة والحفظ، فإنما كتبوه لمعرفته، وهذا كما (ذكروا أحاديثهم) في كتب الجرح والتعديل، ويقول بعضهم في كثير من أحاديثهم: لا يجوز ذكرها إلا ليبين أمرها أو معنى ذلك. وقد سبق عن ابن أبي حاتم: أنه يجوز رواية حديث من كثرت غفلته في غير الأحكام، وأما رواية أهل التهمة بالكذب فلا تجوز إلا مع بيان حاله وهذا هو الصحيح - والله أعلم -. المسألة الثالثة ذكر الترمذي أنه رب رجل صالح مجتهد في العبادة، ولا يقيم الشهادة ولا يحفظها وكذلك الحديث، لسوء حفظه، وكثره (غفلته) ، وقد سبق قول ابن المبارك في عباد بن كثير وعبد الله بن محرر. وروى مسلم في مقدمة كتاب من طريق محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: (لن ترى) الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. وفي رواية: لم تر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث. قال مسلم: يقول: يجري الكذب على (ألسنتهم) ، (ولا يتعمدون) الكذب. وروى أيضا بإسناده له عن أيوب، قال:

стр. 331

إن لي جارا، ثم ذكر من فضله، ولو شهد على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة. وروى ابن عدي بإسناده، عن أبي عاصم النبيل، قال: ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي أسامة، قال: إن الرجل يكون صالحا، ويكون كذابا، يعني: يحدث بما لا يحفظ. وقال الجوزجاني: سمعت أبا قدامة، يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: رب رجل صالح لو لم يحدث كان خيرا له، إنما هو أمانة، تأدية الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث. وروى عمرو الناقد: سمعت وكيعا، يقول، وذكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل، فقال: ذاك رجل صالح، وللحديث رجال. وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن مهدي قال: فتنة الحديث أشد من فتنة المال وفتنة الولد، لا تشبه فتنته فتنة. كم من رجل يظن به الخير، قد حمله فتنة الحديث على الكذب. يشير إلى أن من حدث من الصالحين من غير إتقان وحفظ فإنما حمله على ذلك حب الحديث، والتشبه بالحفاظ، فوقع في الكذب على النبي ﷺ وهو لا يعلم، ولو تورع واتقى الله لكف عن ذلك فسلم.

стр. 332

قال (أبو قلابة) ، عن علي بن المديني، سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، فقال: ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث، لأنهم يكتبون عن كل من يلقون لا تمييز لهم فيه. ويروي عن أبي عبد الله بن مندة، قال: إذا رأيت في حديث (ثنا) فلان الزاهد فاغسل يدك منه. (قال ابن عدي) : الصالحون قد وسموا بهذا الاسم أن يرووا أحاديث في فضائل الأعمال، موضوعة بواطيل ويتهم جماعة منهم بوضعها. وهؤلاء المشتغلون بالتعبد الذين يترك حديثهم على قسمين: منهم من شغلته العبادة عن الحفظ، فكثر الوهم في حديثه، فرفع الموقوف، ووصل المرسل، (وهؤلاء) مثل أبان بن أبي عياش ويزيد الرقاشي.

стр. 333

وقد كان شعبة يقول في كل واحد منهما: لأن أزني أحب إلي من أن احدث عنه. ومثل جعفر بن الزبير، ورشدين بن سعد، وعباد بن كثير، وعبد الله بن محرر والحسن بن أبي جعفر الجفري، وغيرهم: ومنهم من كان يتعمد الوضع، كما ذكر عن أحمد بن محمد بن غالب، غلام خليل، وعن زكريا بن يحيى الوقار المصري. " أبان بن أبي عياش " وقد ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما: أبان بن أبي عياش، وذكر حكاية أبي عوانة عنه أنه جمع حديث الحسن، ثم أتى به إليه فقرأه كله عليه، يعني أنه رواه له كله عن الحسن ولم يتوقف في ذلك. وقال أحمد: قال لي عفان: أول من أهلك أبان بن أبي عياش أبو عوانة، جمع حديث الحسن عامته، فجاء به إلى أبان فقرأه عليه. وقال مسلم - في أول كتابه - (ثنا) الحسن الحلواني، قال: سمعت عفان، قال: سمعت أبا عوانة يقول (لي) : ما بلغني عن الحسن حديث

стр. 334

إلا أتيت به أبن بن أبي عياش فقرأه علي. ثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، قال: سمعت أنا وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحوا من ألف حديث. قال علي: فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فعرض عليه ما سمع (من أبان) فما عرف منها إلا شيئا يسيرا خمسة أو ستة. وذكر العقيلي هذه الحكاية، ثم قال: وقال لنا أحمد بن علي الأبار، وكان شيخا صالحا: وأنا رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله، أترضى أبان بن أبي عياش؟ قال: لا. وذكر الترمذي حديث القنوت في الوتر، فإنه رفعه، والناس يقفونه على ابن مسعود. وربما وقف على إبراهيم، وقد سبق ذكره في أبواب الوتر من كتاب الصلاة وكان أبان لسوء حفظه يفعل ذلك كثيرا، يرفع الموقوف، ويصل المرسل، قال أبو زرعة لم يكن يتعمد الكذب، كان يسمع الحديث من أنس ومن شهر بن حوشب ومن الحسن، فلا يميز بينهم. قال ابن عدي: قد حدث عنه الثوري، ومعمر، وابن جريج، وإسرائيل وحماد بن سلمة، وغيرهم، وأرجو أنه ممن لا يتعمد الكذب، إلا أنه ممن يشتبه عليه ويغلط وعامة ما أتى من جهة الرواة عنه. لا من جهته، لأنه قد روى عنه قوم مجهولون وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، كما قال شعبة.

стр. 335

وذكر أن شعبة حدث عنه بحديث قنوت الوتر، فقيل له: تقول فيه ما قلت، ثم تحدث عنه؟ قال: إني لم أجد هذا الحديث إلا عنده. ذكرها من وجه منقطع، والمعروف أن شعبة قيل له: لم سمعت منه هذا الحديث؟ قال: ومن يصبر على هذا؟ أخرجه العقيلي وغيره. " أبو مقاتل السمرقندي " الرجل الآخر: أبو مقاتل السمرقندي، واسمه حفص بن سلم الفزاري، وهو من العباد، يروى عن الكوفيين، كأبي حنيفة، ومسعر، والثوري، عن البصريين كأيوبن والتيمي، وعن الحجازيين كهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وسهيل. قال أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد: هو مشهور بالصدق والعلم، غير مخرج في الصحيح، وكان ممن يفتى في أيامه. وله في الفقه والعلم محل، يعتني بجمع حديثه. وذكره الحاكم في تاريخ نيسابور، وقال: يروي المناكير. وسئل عنه إبراهيم بن طهمان، فقال: خذوا عنه عبادته، وحسبكم: وقد أفحش قتيبة بن سعيد وغيره القول فيه. مات سنة ثمان ومائتين. وذكره ابن حبان في كتاب "الضعفاء" وقال: كان صاحب تقشف وعبادة ولكنه كان يأتي بالأشياء المنكرة، التي يعلم من كتب الحديث أنه ليس لها أصل يرجع إليها.

стр. 336

سئل ابن المبارك (عنه) فقال: خذوا عن أبي مقاتل عبادته وحسبكم. وكان قتيبة بن سعيد يحمل علي شديدا ويضعفه بمرة. وقال: كان لا يدري ما يحدث به (وكان) عبد الرحمن بن مهدي يكذبه. قال نصر بن حاجب المروزي: ذكرت أبا مقاتل لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: والله لا تحل الرواية عنه. فقلت له: عيسى أن يكون كتب له في كتابه، وجهل ذلك. فقال: يكتب في كتابه الحديث؟ فكيف بما ذكرت عنه أنه قال: ماتت أمي بمكة فأردت الخروج منها فتكاريت فلقيت عبيد الله بن عمر، فأخبرته بذلك. فقال: حدثني نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ "من زار قبر أمه كان (كعمرة) " قال: فقطعت الكرى، وأقمت. فكيف يكتب هذا في كتابه؟. وكذلك وكيع بن الجراح كان يكذبه، وليس لهذا الحديث أصل يرجع إليه - انتهى ما ذكره ابن حبان. وذكره ابن عدي في كتابه، وذكر بإسناده عن قتيبة (بن سعيد) أنه سئل عن حديث كور الزنابير، فقال: (ثنا) أبو مقاتل السمرقندي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، سئل (علي) عن كور الزنابير، فقال: هم من هذا ابحر، لا بأس به.

стр. 337

قال: فقلت: يا أبا مقاتل، هو موضوع. قال: هو في كتابي، تقول: هو موضوع قال: فقلت: نعم، وضعوه في كتابك. وذكر بإسناده عن الجوزجاني قال: أبو مقاتل السمرقني كان فيما حدثت ينشئ للكلام الحسن إسنادا، ثم خرج (له) ابن عدي أحاديث منكرة، ثم قال: أبو مقاتلك هذا له أحاديث كثيرة، ويقع في أحاديثه مثل ما ذكرته وأعظم منه، وليس هو ممن يعتمد على رواياته. وذكره الإدريسي في تاريخ سمرقند، وغير واحد من العلماء. ووقع لابن أبي حاتم في ذكره غير وهم، فإنه قال: حفص بن سليمان أبو مقاتل روى عن عون بن أبي شداد، روى عنه موسى بن إسماعيل الجبلي كذا قال.

стр. 338

وقوله ابن سليمان وهم، وإنما هو ابن سلم، ثم قال: حفص بن مسلم أبو مقاتل السمرقندي روى عن الثوري، وجويبر، وعمرو بن عبيد، روى عنه أبو تميلة وإبراهيم بن شماس، سمعت أبي يقول بعض ذلك. فقوله ابن مسلم وهم أيضا، ووهم حيث جعل الراوي عن عون بن أبي شداد غير هذا. وهما رجل واحد. " أهل الصدق غير الحفاظ " قال أبو عيسى: وقد تكلم بعض أهل الحديث في وقم من جلة أهل العلم، وضعفوهم من قبل حفظهم، ووثقهم آخرون لجلالتهم وصدقهم، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا. وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو، ثم روى عنه: حدثنا أبو بكر عبد القدوس بن محمد العطار البصري، (ثنا) علي بن المديني. قال: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة، فقال: تريد العفو، أو تشدد؟. فقلت: لا، بل أشدد. فقال: ليس هو ممن تريد: كان يقول: أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. (قال يحيى) .

стр. 339

وسألت مالك بن أنس عن محمد بن عمرو فقال فيه نحو ما قلت. قال علي: قال يحيى: ومحمد بن عمرو أعلى من سهيل بن أبي صالح، وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة. قال علي: فقلت ليحيى: ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة؟ قال: لو شئت أن ألقنه لفعلت. قلت: كان يلقن؟. قال: نعم. قال علي: ولم يرو يحيى عن شريك، ولا عن أبي بكر بن عياش ولا عن الربيع بن صبيح، ولا عن المبارك بن فضالة. قال أبو عيسى: وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال (حفظهم) . وذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل يحدث من حفظه، مرة هكذا ومرة هكذا، لا يثبت على رواية واحدة، تركه. وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد (القطان) عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة. " أقسام الرواة " اعلم أن الرواة أقسام: فمنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من غلب على حديثه المناكير، لغفلته وسوء حفظه، وقد سبق ذكر هذين القسمين، وحكم الرواية عنهما. وقسم ثالث: أهل صدق وحفظ، ويندر الخطأ والوهم في حديثهم، أو يقل وهؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج (بهم) .

стр. 340

وقسم رابع: هم أيضا أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا. لكن ليس هو الغالب عليهم. وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا. وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة. " رأي الجمهور جواز الرواية عن هؤلاء " وعن ابن المبارك وابن مهدي، ووكيع، وغيرهم، أنهم حدثوا عنهم. وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث، (المصنفين) منهم في السنن والصحاح كمسلم بن الحجاج، وغيره، فإنه ذكر في مقدمة كتابه، أنه لا يخرج حديث من متهم عند أهل الحديث، أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ الإتقان: وأنهم على ضربين. أحدهما: من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش. الثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان ويشملهم اسم الصدق والستر وتعاطى العلم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم. قيل إنه أدركته المنية قبل أن يخرج حديث هؤلاء وقيل: أنه خرج لهم في المتابعات، وذلك كان مراده.

стр. 341

وعلى هذا المنوال نسج أبو داود والنسائي والترمذي، مع أنه خرج لبعض من هو دون هؤلاء، وبين ذلك لم يسكت عنه. " من لا يحتج بحديث غير الحفاظ المتقنين " وإلى طريقة يحيى بن سعيد يميل علي بن المديني (وصاحبته) . البخاري. وكان علي بن المديني فيما نقله عنه يعقوب بن شيبة لا يترك حديث رجل حتى يجتمع على تركه ابن مهدي، ويحيى القطان، فإن حدث عنه أحدهما (وتركه الآخر) حدث عنه. " رأي ابن مهدي يوافق رأي الجمهور " قال أحمد بن سنان: كان ابن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلا متهما بالكذب، أو رجلا الغالب عليه الغلط. وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: الناس

стр. 342

ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب في حديثه الوهم، لهذا يترك حديثه. وقال أبو بكر بن خلاد: سمعت ابن مهدي يقول: ثلاثة لا يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط. وقال إسحاق بن عيسى: سمعت ابن المبارك يقول: يكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاط لا يرجع، وكذاب، وصاحب هوى يدعو إلى بدعته، ورجل لا يحفظ فيحدث من حفظه. وقال الوليد بن شجاع: سمعت الأشجعي يذكر عن سفيان الثوري. قال: ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك. وقال الحسين بن منصور، أبو علي السلمي النيسابوري: سئل أحمد

стр. 343

عمن يكتب حديثه، فقال: عن الناس كلهم إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو إليه، أو كذاب، أو رجل يغلط في الحديث، فيرد عليه، فلا يقبل. وقال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: من كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة، لم تقبل شهادته. وكذا ذكر الحميدي، وهذا قد يكون موافقا لقول يحيى بن سعيد ومن تابعه. وروى نعيم بن حماد، حدثني ابن مهدي، قال: سئل شعبة: حديث من يترك؟. قال: من يكذب في الحديث، ومن يكثر الغلط، ومن يخطئ في حديث مجتمع عليه، فيقيم على غلطه ولا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. وذكر أبو حاتم الرازي: (ثنا) سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: اكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين؟ قال: نعم، قيل له: فثلاثين؟ قال: نعم. قيل له: فخمسين؟ قال: نعم. وقال حمزة السهمي: سألت الدارقطني عمن يكون كثير الخطأ. قال

стр. 344

أن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقطن وإن لم يرجع سقط. خرج ذلك كله أبو بكر الخطيب في كتابه الكفاية. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، عن أحمد الدروقي، (ثنا) ابن مهدي، قال: قيل لشعبة: متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا حدث عن المعروفين بما لا يعرف المعروفين، وإذا أكثر الغلط، وإذا روى حديثا غلطا مجتمعا عليه، فلم يتهم نفسه فيتركه، طرح حديثه. وما كان غير ذلك فارووا عنه. قال: و (ثنا) أبي، (أنا) سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لابن مهدي: اكتب عمن يغلط في مائة؟. قال: لا، مائة كثير، وهذه الرواية عن ابن مهدي توافق قول شعبة، ويحيى والشافعي: إن كثرة الغلط ترد به الرواية، وتخالف رواية ابن المثنى وأحمد بن سنان عنه أن الاعتبار في ذلك بالأغلب. وكلام الإمام أحمد يدل على مثل قول ابن المبارك ومن وافقه، فإنه حديث عن أبي سعيد مولى بني هاشم. وقد قال فيه: كان كثير الخطأ، ولم يترك حديثه. وحدث عن زيد بن الحباب وقال فيه: كان كثير الخطأ.

стр. 345

وقال أبو عثمان البرذعي: (ثنا) محمد بن يحيى النيسابوري، قال: قلت لأحمد بن حنبل في علي بن عاصم، وذكرت له خطأ، فقال لي أحمد: كان حماد بن سلمة يخطئ، وأومأ أحمد بن حنبل بيده، خطأ كثير. ولم ير بالرواية عنه بأسا. وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: متى يترك حديث الرجل؟ قال: إذا كان الغالب عليه الخطأ. وكلام الترمذي ههنا يحتمل مثل قول شعبة، ويحيى، ومن وفقهما، حيث ذكر أن من كان مغفلا يخطئ الكثير، فإنه لا يشتغل بالرواية عنه، عند أكثر أهل الحديث. وذكر أيضا قبل ذلك أن من ضعف لغفلته وكثرة خطئه لا يحتج بحديثه. فلم يعتبر إلا كثرة الخطأ. ويحتمل أن يكون مراده سقوط حديث من جمع بين الوصفين معا: الغفلة وكثرة الخطأ، دون من كان فيه أحدهما. أما الغفلة المجردة مع قلة الخطأ، أو كثرة الخطأ لسوء الحفظ دون الغفلة فهذا قول ثالث في المسألة - الله أعلم -.

стр. 346

" محمد بن عمرو بن علقمة " وأما محمد بن عمرو الذي تكلم فيه يحيى، فهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وقد تكلم فيه يحيى ومالك. وقال أحمد: كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين. قال: وهو مضطرب الحديث، والعلاء أحب إلي منه. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: ما زال الناس يتقون حديث محمد بن عمرو، قيل له: ما علة ذلك؟ قال: كان مرة يحدث عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.. ووثقه ابن معين في رواية أخرة. ونقل إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان أنه قال فيه: رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث. وقد ذكر الترمذي أن يحيى بن سعيد روى عنه، وكذلك روى عنه مالك في الموطأ، وخرج حديثه مسلم متابعة، وخرجه البخاري مقرونا. وقد قال يحيى بن سعيد: هو فوق سهيل بن أبي صالح، وخالفه في ذلك الإمام أحمد، وقال: ليس كما قال يحيى. قال أحمد: ولم يرو شعبة عن محمد بن عمرو إلا حديثا واحدا.

стр. 347

" عبد الرحمن بن حرملة " وأما عبد الرحمن بن حرملة الذي ذكر يحيى القطان أن محمد بن عمرو فوقه فهو مدني، كان يحيى القطان يضعفه، ولا يرضاه. وقال (ابن) المديني: راددت يحيى في ابن حرملة، فقال: ليس هو عندي مثل يحيى بن سعيد (الأنصاري) . وقال: سمعت سعيد بن المسيب. قال (يحيى) : لو شئت أن ألقنه أشياء. قال قلت: كان يلقن؟ قال: نعم. وقال أحمد في (ابن) حرملة: هو كذا وكذا، يضعفه. وقال ابن معين: لا بأس به. قيل له: يقولون: سمع من ابن المسيب، وهو صغير. قال: لا. وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين، عن يحيى، عن ابن حرملة، قال: كنت سيئ الحفظ، فسألت سعيد بن المسيب، فرخص لي في الكتاب.

стр. 348

" شريك بن عبد الله النخعي " وأما شريك فهو ابن عبد الله النخعي، قاضي الكوفة، وكان كثير الوهم، ولا سيما بعد أن ولي القضاء، وكان (فيه - أيضا -) في تلك الحالة تيه وكبر، واحتقار للأئمة الصالحين. وقد خرج حديثه مسلم مقرونا بغيره. ومن الأوهام المتعلقة بترجمته أن مسلما ذكر في كتاب الكنى أن أحمد سمع منه، وهو وهم، لم يسمع منه أحمد، إنما سمع من أصحابه. " أبو بكر بن عياش " وأما بكر بن عياش، فهو المقرئ الكوفي، وهو رجل صالح، لكنه كثير الوهم، ومع هذا فقد خرج البخاري حديثه. وأنكر عليه ابن حبان تخريج حديثه وتركه لحماد بن سلمة.

стр. 349

" الربيع بن صبيح ومبارك بن فضالة " وأما الربيع بن صبيح ومبارك بن فضالة فلم يخرج لهما في الصحيح. وقد وثق المبارك عفان وأبو زرعة وغيرهما، وقال شعبة: هو أحب إلي من الربيع، وسوى ابن معين بينهما في الضعف. وقال أحمد ما أقربهما، وقال مرة: مبارك أحب إلي إذا قال سمعت الحسن يشير إلى أنه يدلس. وقال نعيم: كان ابن مهدي لا يكتب للمبارك شيئا يقول فيه: سمعت الحسن. وقال الفلاس: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثنا عن مبارك.

стр. 350

وقال ابن معين: لم يرو عنه يحيى. وقال أحمد: تركه عبد الرحمن، لأنه كان يروي أقاويل الحسن، يأخذها من الناس. قال: وكان عبد الرحمن يروي عن الربيع بن صبيح. وكان الربيع رجلا صالحا. وقال الفلاس: كان عبد الرحمن يحدث عن الربيع، وكان يحيى لا يحدث عنه. *** قال أبو عيسى: وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، ومحمد بن عجلان، وأشباه هؤلاء من الأئمة، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم في بعض ما رووا، وقد حدث عنهم الأئمة. حدثنا الحسن بن علي الحلواني (ثنا) علي بن المديني قال: قال لنا سفيان بن عيينة: كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتا في الحديث. وحدثنا ابن أبي عمر، قال: قال سفيان بن عيينة: كان محمد ابن عجلان ثقة، مأمونا في الحديث. قال أبو عيسى: وإنما تكلم يحيى بن سعيد القطان - عندنا - في رواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري. حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيد: قال محمد بن عجلان: أحاديث سعيد المقبري بعضها عن سعيد عن أبي هريرة،

стр. 351

وبعضها عن سعيد عن رجل، عن أبي هريرة، فاختلطت علي فصيرتها عن سعيد عن أبي هريرة. وإنما تكلم يحيى بن سعيد - عندنا - في ابن عجلان لهذا، وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير. أما سهيل بن أبي صالح السمان فقد تكلم فيه جماعة من الأئمة: قال ابن أبي خثيمة: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديث سهيل قال: وسئل ابن معين مرة أخرى عن سهيل، فقال: ليس بذاك وسئل مرة أخرى فقال: سهيل ضعيف. وحكى عباس الدوري قال: سئل يحيى بن معين عن حديث سهيل والعلاء بن عبد الرحمن، فقال: حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بالحجة، قال: وسمعت يحيى يقول: سهيل صويلح، وفيه لين. قال: ومحمد بن عمرو أكبر من هؤلاء، يعني من سهيل والعلاء وعاصم بن عبيد الله، وابن عقيل. وقد سبق قول يحيى بن سعيد إن محمد بن عمرو أعلى من سهيل. وأنكر ذلك عليه أحمد، وقال: لم يكن ليحيى بسهيل علم. وكان قد جالس محمد بن عمرو. قال: وسهيل صالح. وقال أيضا: لم يصنع يحيى شيئا، الناس عندهم سهيل ليس مثل محمد بن عمرو. فقيل له: سهيل عندهم أثبت؟ قال: نعم. وقال أحمد أيضا.

стр. 352

سهيل ما أصلح حديثه. قال: والعلاء بن عبد الرحمن - عندي - فوق سهيل وفوق محمد بن عمرو. وقال عبد الله: سألت أبي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وعن سهيل عن أبيه فقال: ما سمعت أحدا يذكر العلاء إلا بخير. وقدم أبا صالح على العلاء، كذا في المسند، وإنما كان السؤال عن سهيل، لا عن أبيه. وقد ذكر الترمذي هنا عن ابن عيينة، قال: كنا نعد سهيلا ثبتا في الحديث. وقال ابن معين - في رواية عباس - في موضع آخر - عنه: سهيل: ثقة. ووثقه العجلي وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: هو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار. وقال أبو زرعة: سهيل أشبه، وأشهر من العلاء بن عبد الرحمن. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من العلاء، وأحب إلي من عمرو بن أبي عمرو، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقد روى عنه الأئمة، مالك وشعبة والثوري. وخرج له مسلم في صحيحه، والبخاري مقرونا بغيره.

стр. 353

" محمد بن عجلان " وأما محمد بن عجلان المدني، الفقيه الصالح فقد روى عنه شعبة ومالك والقطان وخلق. وقد وثقه ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، وخرج مسلم حديثه مقرونا وتكلم جماعة في حفظه. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان. قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لو جربت من (أروى عنه) ، لم أرو إلا عن قليل. (وفي) كتاب علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة فاختلط علي فجعلته عن أبي هريرة. قال يحيى: سمعته منه أو حدثته عنه. ولا أعلم إلا أني سمعته منه. وقال أحمد: كان ثقة، إلا أنه اختلط عليه حديث المقبري، كان عن رجل، جعل يصيره عن أبي هريرة. وقال ابن عيينة: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة.

стр. 354

وروى أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، قال: كان ابن عجلان مضطرب الحديث في حديث نافع، ولم يكن له تلك القيمة عنده. وروى أبو محمد الرامهرمزي في كتابه، من طريق يحيى بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان، وبها من يطلب الحديث، مليح بن وكيع، وحصف بن غياث، وعبد الله بن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي. قلنا نأتي ابن عجلان. فقال ويوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه ننظر فهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ما كان عن سعيد، عن أبيه. وما كان عن أبيه عن سعيد. ثم جئنا إليه. لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب، وقال: لا أستحل، وجلس معه. ودخل حفص ويوسف بن خالد، ومليح، فسألوه، فمر فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد العرض. فقرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي فقد حدثني به سعيد، وما سألتموني عن سعيد، فقد حدثني به أبي، ثم أقبل على يوسف بن خالد، فقال:

стр. 355

إن كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الإٍسلام. وأقبل على حفص، فقال: ابتلاك الله في دينك ودنياك. وأقبل على مليح، فقال: لا نفعك الله بعلمك. قال يحيى: فمات مليح، ولم ينتفع به، وابتلى حفص في بدنه بالفالج. وبالقضاء في دينه. ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة. " محمد بن إسحاق بن يسار " وأما محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب المغازي، فيطول ذكر ترجمته على وجهها. وقد وثقه جماعة: قال أحمد: هو حسن الحديث. وقال مرة: يكتب من حديثه هذه الأحاديث (كأنه) يعني المغازي. وقال مرة: هو صالح الحديث، وأحتج به (أنا) أيضا. وقال ابن المديني: حديثه عندي صحيح. وقال ابن عيينة: ما سمعت أحدا تلكم في محمد بن إسحاق إلا في قوله بالقدر. وقال ابن معين مرة: هو ثقة، وليس بحجة.
следующие страницы →