← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9552

شرح علل الترمذي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (835 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وبعضها عن سعيد عن رجل، عن أبي هريرة، فاختلطت علي فصيرتها عن سعيد عن أبي هريرة. وإنما تكلم يحيى بن سعيد - عندنا - في ابن عجلان لهذا، وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير. أما سهيل بن أبي صالح السمان فقد تكلم فيه جماعة من الأئمة: قال ابن أبي خثيمة: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديث سهيل قال: وسئل ابن معين مرة أخرى عن سهيل، فقال: ليس بذاك وسئل مرة أخرى فقال: سهيل ضعيف. وحكى عباس الدوري قال: سئل يحيى بن معين عن حديث سهيل والعلاء بن عبد الرحمن، فقال: حديثهما قريب من السواء، وليس حديثهما بالحجة، قال: وسمعت يحيى يقول: سهيل صويلح، وفيه لين. قال: ومحمد بن عمرو أكبر من هؤلاء، يعني من سهيل والعلاء وعاصم بن عبيد الله، وابن عقيل. وقد سبق قول يحيى بن سعيد إن محمد بن عمرو أعلى من سهيل. وأنكر ذلك عليه أحمد، وقال: لم يكن ليحيى بسهيل علم. وكان قد جالس محمد بن عمرو. قال: وسهيل صالح. وقال أيضا: لم يصنع يحيى شيئا، الناس عندهم سهيل ليس مثل محمد بن عمرو. فقيل له: سهيل عندهم أثبت؟ قال: نعم. وقال أحمد أيضا.

стр. 352

سهيل ما أصلح حديثه. قال: والعلاء بن عبد الرحمن - عندي - فوق سهيل وفوق محمد بن عمرو. وقال عبد الله: سألت أبي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وعن سهيل عن أبيه فقال: ما سمعت أحدا يذكر العلاء إلا بخير. وقدم أبا صالح على العلاء، كذا في المسند، وإنما كان السؤال عن سهيل، لا عن أبيه. وقد ذكر الترمذي هنا عن ابن عيينة، قال: كنا نعد سهيلا ثبتا في الحديث. وقال ابن معين - في رواية عباس - في موضع آخر - عنه: سهيل: ثقة. ووثقه العجلي وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: هو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار. وقال أبو زرعة: سهيل أشبه، وأشهر من العلاء بن عبد الرحمن. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من العلاء، وأحب إلي من عمرو بن أبي عمرو، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقد روى عنه الأئمة، مالك وشعبة والثوري. وخرج له مسلم في صحيحه، والبخاري مقرونا بغيره.

стр. 353

" محمد بن عجلان " وأما محمد بن عجلان المدني، الفقيه الصالح فقد روى عنه شعبة ومالك والقطان وخلق. وقد وثقه ابن عيينة، وأحمد، وابن معين، وخرج مسلم حديثه مقرونا وتكلم جماعة في حفظه. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان. قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لو جربت من (أروى عنه) ، لم أرو إلا عن قليل. (وفي) كتاب علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة فاختلط علي فجعلته عن أبي هريرة. قال يحيى: سمعته منه أو حدثته عنه. ولا أعلم إلا أني سمعته منه. وقال أحمد: كان ثقة، إلا أنه اختلط عليه حديث المقبري، كان عن رجل، جعل يصيره عن أبي هريرة. وقال ابن عيينة: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة.

стр. 354

وروى أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، قال: كان ابن عجلان مضطرب الحديث في حديث نافع، ولم يكن له تلك القيمة عنده. وروى أبو محمد الرامهرمزي في كتابه، من طريق يحيى بن سعيد، قال: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان، وبها من يطلب الحديث، مليح بن وكيع، وحصف بن غياث، وعبد الله بن إدريس، ويوسف بن خالد السمتي. قلنا نأتي ابن عجلان. فقال ويوسف بن خالد: نقلب على هذا الشيخ حديثه ننظر فهمه. قال: فقلبوا فجعلوا ما كان عن سعيد، عن أبيه. وما كان عن أبيه عن سعيد. ثم جئنا إليه. لكن ابن إدريس تورع وجلس بالباب، وقال: لا أستحل، وجلس معه. ودخل حفص ويوسف بن خالد، ومليح، فسألوه، فمر فيها، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد العرض. فقرض عليه، فقال: ما سألتموني عن أبي فقد حدثني به سعيد، وما سألتموني عن سعيد، فقد حدثني به أبي، ثم أقبل على يوسف بن خالد، فقال:

стр. 355

إن كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الإٍسلام. وأقبل على حفص، فقال: ابتلاك الله في دينك ودنياك. وأقبل على مليح، فقال: لا نفعك الله بعلمك. قال يحيى: فمات مليح، ولم ينتفع به، وابتلى حفص في بدنه بالفالج. وبالقضاء في دينه. ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة. " محمد بن إسحاق بن يسار " وأما محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب المغازي، فيطول ذكر ترجمته على وجهها. وقد وثقه جماعة: قال أحمد: هو حسن الحديث. وقال مرة: يكتب من حديثه هذه الأحاديث (كأنه) يعني المغازي. وقال مرة: هو صالح الحديث، وأحتج به (أنا) أيضا. وقال ابن المديني: حديثه عندي صحيح. وقال ابن عيينة: ما سمعت أحدا تلكم في محمد بن إسحاق إلا في قوله بالقدر. وقال ابن معين مرة: هو ثقة، وليس بحجة.

стр. 356

وتكلم في آخرون: وكان يحيى بن سعيد شديد الحمل عليه، وكان لا يحدث عنه، ذكره عنه الإمام أحمد، وقال: ما رأيت يحيى أسوأ رأيا منه في محمد بن إسحاق، وليث (بن أبي سليم) وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وكان ابن مهدي يحدث عن رجل عنه. وكذبه مالك وهشام بن عروة والأعمش. ولا ريب أنه كان يتهم بأنواع من البدع، ومن التشيع والقدر وغيرهما. وكان يدلس عن غير الثقات، وربما دلس عن أهل الكتاب ما يأخذه عنهم من الأخبار. قال أحمد: هو كثير التدليس جدا. قيل له: فإذا قال: حدثنا أو (أنا) فهو ثقة؟. قال: هو يقول: أخبرني فيخالف يشير إلى أنه يصرح بالتحديث والأخبار ويخالف الناس في حديثه مع ذلك. وقال الجوزجاني: يمضع حديث الزهري بمنطقة حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة والحمادان والسفيانان وخلق. وخرج مسلم حديثه مقرونا بغيره.

стр. 357

" حماد بن سلمة " وأما حماد بن سلمة، فهو أرفع من هؤلاء كلهم. وهو الإمام الرباني العالم بالله، والعلم بأمر الله، أبو سلمة، (حماد بن سلمة) البصري، الفقيه، الزاهد، العابد. وقد روى عنه الأئمة الكبار مثل يحيى بن القطان وابن مهدي وابن المبارك، ومالك والثوري، وهما من أقرانه، وشعبة وهو أسن منه، وهو ثقة (ثقة) ، من أصلت الناس في السنة. ولذلك قال ابن معين: من ذكره بسوء فاتهمه على الإسلام. وأثنى عليه الأئمة ثناء عظيما. وفصل القول في رواياته: أنه من أثبت الناس في بعض شيوخه الذين لزمهم كثابت البناني، وعلي بن زيد ويضطرب في بعضهم الذين لم يكثر ملازمتهم كقتادة وأيوب وغيرهما، وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقد خرج له مسلم الكثير في صحيحه واستشهد به البخاري وقيل: إنه خرج له حديثا واحدا في الرقاق. وأنكر ابن حبان ذلك عليه، فقال:

стр. 358

لم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة، واحتج بأبي بكر بن عياش في كتابه وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ فغيره من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون. فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغير حفظه، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودا، وأنى يبلغ أبو بكر حماد بن سلمة في إتقانه أم جمعه، أم في علمه والدين والنسك والعلم والكتبة والجمع والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا معتزلي قدري أو مبتدعي جهمي، لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة. قال أبو عيسى: وهكذا من تكلم في ابن ليلى إنما تلكم فيه من قبل حفظه. قال علي: قال يحيى بن سعيد القطان: روى شعبة عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أيوب عن النبي ﷺ في العطاس. قال يحيى: ثم لقيت ابن أبي ليلى فحدثنا عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي ﷺ . قال أبو عيسى: ويروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا غير شيء، وكان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغير الإسناد. وإنما جاء هذا من قبل حفظه، لأن أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون. ومن منهم إنما كان يكتب بعد السماع. قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن أبي ليلى لا يحتج به.

стр. 359

قال أبو عيسى: وكذلك من تلكم من أهل العلم في مجالد بن سعيد وعبد الرحمن بن لهيعة وغيرهما، إنما تكلموا فيهم من قبل حفظهم وكثرة خطئهم، وقد روى عنهم غير واحد من الأئمة. فإذا انفرد واحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عنى إذا انفرج بالشيء، وأشد ما يكون في هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد أو جاء بما يتغير فيه المعنى. "ابن أبي ليلى" أما ابن أبي ليلى (فهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى) قاضي الكوفة. وكان من جلة الفقهاء المعتبرين وله حديث كثير، وهو صدوق لا يتهم بتعمد الكذب، ولكنه كان سيئ الحفظ جدا. قال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: ما رأيت أحدا أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى.

стр. 360

وقال النضر بن شميل: قال شعبة أفادني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى يقول: كان ابن أبي ليلى سيئ الحفظ وقال أحمد: هو مضطرب الحديث جدا سيئ الحفظ وقال: لا يحتج بحديثه. وذكر إبراهيم بن سعيد عن يحيى بن معين، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن ابن أبي ليلى ما روى عن عطاء. قال ابن معين: ابن أبي ليلى ضعيف في روايته. قال إبراهيم: وكان أحمد بن حنبل لا يحدث عنه. وقال أحمد بن حفص السعدي عن أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى ضعيف، وعن عطاء أكثره خطأ. وقال العجلي: كان صدوقا، جائز الحديث. وأما حديث العطاس الذي ذكره الترمذي أن ابن أبي ليلى اضطرب

стр. 361

فيه. فقد خرجه الترمذي أيضا في كتاب الأدب في باب "كيف يشمت العاطس" وسبق الكلام عليه هناك مستوفى. وذكر الترمذي أنه يروى عن ابن أبي ليلى نحو هذا غير شيء، وهو كما قال. وقد سبق له حديث في أبواب الدعاء "في أبواب الذكر عند الصباح والمساء وسبق له حديث آخر في القنوت في كتاب الصلاة. وحديث آخر في التيمم في آخر كتاب الطهارة. " مجاهد بن سعيد الهمذاني " وأما مجالد بن سعيد الهمذاني الكوفي، فليس هو بالحافظ أيضا، قد ضعفه غير واحد.

стр. 362

قال يحيى بن سعيد: لو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله فعل، يشير إلى أنه كان يقبل التلقين. وضعفه أحمد، وقال: كم من أعجوبة لمجالد. وقال مرة: هو يزيد في الأسانيد. وقال مرة: ليس بشيء يرفع حديثا كثيرا لا يرفعه الناس وقد احتمله الناس. وضعفه يحيى بن معين. وقال: لا يحتج به، وقال مرة: صالح. وقال النسائي: ليس بالقوي. قوال مرة: ثقة. وقال ابن حبان، يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال الدارقطني: ليس بثقة، يزيد بن أبي زياد أرجح منه، ومجالد لا يعتبر به. وخرج له مسلم مقرونا. وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه. وحدث ابن مهدي عن رجل عنه. عبد الله بن لهيعة وأما ابن لهيعة، فهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة، قاضي مصر، وهو كثي الاضطراب. وكان يحيى بن سعيد يضعفه لا يراه شيئا. وقد اختلف الأئمة في أمره:

стр. 363

فمنهم من قال: حديثه في أول عمره قبل احتراق كتبه أصح. وقد سمع منه قبل احتراق كتبه ابن المبارك والمقبري، كذا قال الفلاس وغيره. وقاله ابن معين في رواية عنه. ومنهم من قال: حديثه في عمره كله واحد، وهو ضعيف، وهو المشهور عن يحيى بن معين وأنكر أن تكون كتبه احترقت. وقال: لا يحتج به. وقال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتتبعان أصوله. وليس ممن يحتج به. وقال ابن مهدي: ما (اعتد) بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه. وقال مرة: لا أحمل عن ابن لهيعة قليلا ولا كثيران ثم قال: كتب لي ابن لهيعة كتابا فيه: (ثنا) عمرو بن شعيب، قال عبد الرحمن: فقرأته على ابن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، قال: أخبرني إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب. وقال أحمد: كان ابن لهيعة يحدث عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وكان (بعد) يحدث بها عن عمرو بن شعيب نفسه. وقال أيضا: ما حديث ابن لهيعة بحجة. وإني لأكتب كثيرا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض. وروى عن أحمد أنه قال: سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح، عبد الله بن وهب، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك.

стр. 364

وقال الجوزجاني: لا ينبغي أن يحتج بروايته، ولا يعتد بها. وقال ابن حبان: سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه سواء اكان من حديث أو لم يكن من حديثه، فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة، عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج (برواية) المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه. ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود، عن أحمد، قال: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وكذا نقله النسائي عن أبي داود عن أحمد. وذكر جعفر الفريابي عن بعض أصحابه عن قتيبة، قال: قال (لي) أحمد: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح.. قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة. وقال الثوري: (عند) ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع. وقال حججت حججا لألقى ابن لهيعة.

стр. 365

وكان ابن وهب يقول: حدثني (- والله -) الصادق البار عبد الله بن لهيعة. وأثنى عليه أحمد بن صالح المصري، وقال: هو صحيح الكتاب، فمن ضبط عنه من إملائه من كتابه فحديثه صحيح. قال: وأنا أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث حتى يجتمع أهل مصره على ترك حديثه. قال ابن عدي: هو حسن الحديث، يكتب حديثه، وقد حدث عنه الثقات: الثوري، وشعبة، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد. خرج مسلم حديثه مقرونا بعمرو بن الحارث. وأما البخاري والنسائي فإذا ذكرا إسنادا فيه ابن لهيعة وغيره سميا ذلك الغير، وكنيا عن اسم ابن لهيعة، ولم يسمياه. وممن يضطرب في حديثه أيضا شهر بن حوشب. وهو يروي المتن الواحد بأسانيد متعددة. ومنهم ليث بن أبي سليم، ويزيد بن أبي زياد الكوفي.

стр. 366

ومنهم عبد الملك بن عمير، على أن حديثه مخرج في الصحيحين، وقال أحمد: هو مضطرب الحديث جدا، وهو أشد اضطرابا من سماك. وممن يضطرب في حديثه سماك، وعاصم بن بهدلة. وقد ذكر الترمذي أن هؤلاء وأمثالهم ممن تكلم فيه من قبل حفظه، وكثرة خطئه لا يحتج بحديث أحد منهم إذا انفرد. يعني في الأحكام الشرعية والأمور العلمية، وأن أشد ما يكون ذلك إذا اضطرب أحدهم في الإسناد. فزاد فيه أو نقص، أو غير الإسناد أو غير المتن، تغييرا يتغير به المعنى. ومثال ذلك حديث رواه ابن لهيعة فزاد في إسناده على الناس، ورواه أيضا بغير الإسناد الذي رواه به الناس، ورواه بمعنى غير معنى حديث الناس: روى الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعبد الحميد بن جعفر كلهم عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: "لا يبول أحدكم مستقبل القبلة"، وأنا أول من حدث الناس بذلك. وفي رواية الليث بن سعد وغيره عن يزيد بن أبي حبيب، أنه سمع عبد الله بن الحارث يذكره.

стр. 367

ورواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن نافع، عن عبد الله بن الحارث (بن جزء) ، (فزاد في إسناده رجلا. ورواه أيضا عن عبد الله بن الحارث) سليمان بن زياد الحضرمي وسهيل بن ثعلبة. وقد رواه عن سليمان بن زياد غير واحد، منهم ابن لهيعة، وانفرد ابن لهيعة فرواه عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يبول مستقبل القبلة" وأنا أول من حدث الناس بذلك. وهذا اللفظ خطأ. تفرد به ابن لهيعة، وخالف رواية الناس كلهم. وقد روى مسلم في مقدمة كتابه، عن الحسن الحلواني: سمعت يزيد بن هارون وذكر زياد بن ميمون، فقال: حلفت أن لا أروي عنه شيئا، لقيته، فسألته عن حديث فحدثني به عن بكر المزني. ثم عدت إليه فحدثني به عن مورق. ثم عدت إليه فحدثني به عن الحسن (وكان ينسبه) إلى الكذب، انتهى. فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهما فإنه ينسب به إلى الكذب. وإن كان سيئ الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما (يحتمل مثل ذلك) ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما.

стр. 368

وقد كان عكرمة يتهم في رواية الحديث عن رجل ثم يرويه عن آخر حتى ظهر لهم سعة علمه وكثرة حديثه. وذكر معنى ذلك ابن لهيعة عن ابن هبيرة وأبي الأسود، عن إسماعيل بن عبيد الأنصاري، وكان من أصحاب ابن عباس. " الرواية باللفظ والمعنى " قال الترمذي ﵀: فإما من أقام الإسناد وحفظه وغيره اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم، إذا لم يتغير به المعنى. حدثنا محمد بن بشار، (ثنا) عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: "إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم" (ثنا) يحيى بن موسى، (أنا عبد الرزاق، (أنا) معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال: كنت أسمع من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد. (ثنا) أحمد بن منيع، (ثنا) محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون قال: كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يقيدون الحديث على حروفه. حدثنا علي بن خشرم، (ثنا) حفص بن غياث، عن عاصم الأحول،

стр. 369

قال: قلت لأبي عثمان النهدي: إنك تحدثنا بالحديث ثم تحدثنا به على غير ما حدثتنا!! قال: عليك بالسماع الأول. قال: حدثنا الجارود بن معاذ، (ثنا) وكيع عن الربيع بن صبيح عن الحسن، قال: إذا أصبت المعنى أجزأك. (ثنا) علي بن حجر، (أنا) ابن المبارك، عن سيف هو ابن سليمان، قال: سمعت مجاهدا يقول: أنقص من هذا الحديث إن شئت، ولا تزد فيه. حدثنا أبو عمار، الحسين بن حريث قال: (أنا) زيد بن حباب، عن رجل، قال: خرج إلينا سفيان الثوري، فقال: إن قلت لكم: إني أحدثكم كما سمعت، فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. حدثنا الحسين) بن حريث، قال: سمعت وكيعا يقول: إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. حديث واثلة بن الأسقع الموقوف ذكره البخاري في تاريخه وذكر أن

стр. 370

أبا نعيم النخعي رواه عن (العلاء) بن كثير عن مكحول، عن واثلة مرفوعا، قال: ولا يصح. والعلاء بن كثير منكر الحديث. مقصود الترمذي بهذا الفصل الذي ذكره ههنا، أن من أقام الأسانيد وحفظها، وغير المتون تغييرا لا يغير المعنى، انه حافظ ثقة يعتبر بحديثه: (وبنى ذلك على) أن رواية الحديث بالمعنى جائزة وحكاه عن أهل العلم، وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء. ونص عليه أحمد وقال: ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب بصير بالمعاني عالم بما يحيل المعنى، وما لا يحيله. نص على ذلك الشافعي. " أمثلة لرواية بالمعنى أحالت الحديث عن أصلة " وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه فغيروا المعنى: مثل ما اختصره بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي ﷺ قال لها وكانت حائضا: "انقضي رأسك وامتشطي"

стр. 371

وأدخله في باب غسل الحيض، وقد أنكر ذلك على من فعلة، لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم يؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام، وهي حائض. وروى بعضهم حديث إذا قرأ، يعني الإمام، فانصتوا. بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرا الإمام: "ولا الضالين" فانصتوا، فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها. وروى بعضهم حديث: كنا نؤديه على عهد النبي ﷺ يريد زكاة الفطر. فصحف نؤديه، فقال: نورثه، ثم فسره من عنده، فقال: يعني الجد. كل هذا تصرف سيئ، لا يجوز مثله. " جواز الرواية بالمعنى وأدلة ذلك من قال به " فأما الرواية بلفظ آخر لا يختل به المعنى، فهو الذي ذكر الترمذي جوازه عند أهل العلم، وذكره عمن ذكره من السلف. وروي عن الحسن أنه استدل لذلك بأن الله يقص قصص القرون السالفة بغير لغاتها. وروى قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: لقيت عدة من أصحاب النبي ﷺ فاختلفوا علي في اللفظ، واجتمعوا في المعنى.

стр. 372

وقد روى إجازة ذلك أيضا عن عائشة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس. وفي أسانيدها نظر. وروى معناه عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس، أنهم كانوا يحدثون عن النبي ﷺ ثم يقولون: أو نحو هذا، أو شبهه. وكان أنس يقول: أو كما قال. وهو أيضا قول عمرو بن دينار، وابن أبي نجيح وعمرو بن مرة، وجعفر بن محمد، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، وابن عيينة وأبي زرعة. وحكى عن أكثر الفقهاء. وروي فيه أحاديث مرفوعة، لا يصح شيء منها. " اتباع اللفظ ومن قال به " وكان ابن عمر - رضي الله عن هما - يشدد في اتباع لفظ الحديث، وينهي عن تغيير شيء منه، وكذلك محمد بن سيرين والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة. وهو قول مالك في حديث النبي ﷺ خاصة دون حديث غيره. وروى عنه أنه قال: استحب ذلك.

стр. 373

وحكى الإمام أحمد عن وكيع أنه كان يحدث على المعنى، وأن ابن مهدي كان يتبع الألفاظ ويتعاهدها. " رأي في جواز النقص دون الزيادة " ورخص طائفة في النقص في الحديث للشك فيه، دون الزيادة، منهم: مجاهد، وابن سيرين. وروى أيضا عن مالك أنه كان يترك منه كل ما شك فيه. " رأى ابن حبان اتباع اللفظ لمن ليس بفقيه " وقد قال ابن حبان في أول كتاب الضعفاء: الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون. ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها، وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة زاد في الخبر ثقة، حتى كأن السنن نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن بفقيه، وحدث من حفظه، ربما قلت المتن، وغير المعنى، حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلبه إلى شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار. انتهى.

стр. 374

" اعتراض على ابن حبان " وفيما ذكره نظر، وما أظنه سبق إليه. ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين كالأعمش وغيره، ولا قائل بذلك، اللهم إلا أن يعرف من أحد أنه لا يقيم متون الأحاديث، فيتوقف حينئذ فيما انفرد به فأما مجرد هذا الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه، فلا يكفي في رد حديثه - والله أعلم -. " الحفاظ المتقنون " قال أبو عيسى: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبيت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة، مع حفظهم. حدثنا محمد بن حميد الرازي، (ثنا) جرير عن عمارة بن القعقاع، قال: قال لي إبراهيم النخعي: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، فإنه حدثني مرة بحديث ثم سأله بعد ذلك بسنتين فلم يخرم منه حرفا. (ثنا) أبو حفص، عمرو بن علي. (ثنا) يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، قال: قلت لإبراهيم النخعي: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثا منك؟ قال: لأنه كان يكتب. حدثنا عبد الجبار بن العلاء، (ثنا) سفيان بن عيينة قال: قال عبد الملك بن عمير: إني لأحدث بالحديث فما أدع منه حرفا.

стр. 375

حدثنا الحسين بن مهدي البصري، (ثنا) عبد الرزاق (أنا) معمر، عن قتادة، قال: ما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي. حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي (ثنا) سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري. أخبرنا إبراهيم بن سعيد الجوهري (ثنا) سفيان بن عيينة قال: قال أيوب السختياني: ما علمت أحدا كان أعلم بحديث أهل المدينة بعد الزهري من يحيى بن أبي كثير. حدثنا محمد بن إسماعيل، (ثنا) سليمان بن حرب (ثنا) حماد بن زيد، قال: كان ابن عون يحدث، فإذا حدثته عن أيوب بخلافه تركه، فأقول: قد سمعته. فيقول: إن أيوب أعلمنا بحديث محمد بن سيرين. أخبرنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قلت ليحيى بن سعيد: أيهما أثبت هشام الدستوائي أو مسعر؟ قال: ما رأيت مثل مسعر. كان مسعر من أثبت الناس. حدثنا أبو بكر عند القدوس بن محمد، قال: وحدثنا أبو الوليد، قال: سمعت حماد بن زيد يقول: ما خالفني شعبة في شيء إلا تركته. قال أبو بكر: حدثني أبو الوليد، قال: قال لي حماد بن سلمة: إن أردت الحديث فعليك بشعبة. حدثنا عبد بن حميد، (ثنا) أبو داود، قال: قال شعبة ما رويت عن رجل حديثا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أحاديث أتيته أكثر من

стр. 376

عشر مرار. والذي رويت عنه (خمسين حديثا أتيته أكثر من خمسين مرة) . والذي رويت عنه مائة أتيت أكثر من مائة مرة، إلا حيان البارقي، فإني سمعت منه هذه الأحاديث، ثم عدت إليه فوجدته قد مات. حدثنا محمد بن إسماعيل، (ثنا) عبد الله بن أبي الأسود (أنا) ابن مهدي، قال: سمعت سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ليس أحد أحب إلي من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. قال علي: قلت ليحيى: أيهما كان أحفظ للأحاديث الطوال سفيان أو شعبة؟ قال: كان شعبة أمر فيها. قال يحيى: وكان شعبة أعلم بالرجال فلان، عن فلان وكان سفيان صاحب أبواب. حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: سمعت وكيعا يقول: قال شعبة: سفيان الثوري أحفظ مني. ما حدثني سفيان عن شيخ بشيء فسألته إلا وجدته كما حدثني. حدثنا عمرو بن علي، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: الأئمة في الحديث أربعة: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وحماد بن زيد.

стр. 377

قال أبو عيسى: سمعت إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: سمعت معن بن عيسى القزاز، يقول: كان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله ﷺ في الباء والتاء ونحوهما. أخبرنا أبو موسى حدثني إبراهيم بن عبد الله بن قريم الأنصاري، قاضي المدينة، قال: مر مالك بن أنس على أبي حازم، وهو جالس فجازه، فقيل له: قال: إني لم أجد موضوعا أجلس فيه، وكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم. أخبرنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيد: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان الثوري، عن إبراهيم النخعي. قال يحيى: ما في القوم أحد أصح حديثا من مالك بن أنس، كان مالك إماما في الحديث. سمعت أحمد بن الحسن، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان.

стр. 378

قال أحمد بن الحسن: وسئل أحمد بن حنبل عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدي. قال أحمد: وكيع أكبر في القلب وعبد الرحمن إمام. سمعت محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان الثقفي البصري يقول: سمعت علي بن المديني يقول: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني لم أر أحدا أعلم من عبد الرحمن بن مهدي. قال أبو عيسى: والكلام في هذا والرواية عن أهل العلم تكثر، وإنما بيننا شيئا منه على الاختصار. ليستدل به على منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم على بعض في الحفظ والإتقان، ومن تكلم فيه من أهل العلم لأي شيء تكلم فيه. " أقسام الرواة " وقد ذكرنا فيما تقدم أن الرواة ينقسمون أربعة أقسام: أحدهما: من يتهم بالكذب. والثاني: من لا يتهم، ولكن الغالب على حديثه الوهم والغلط. وأن هذين القسمين يترك تخريج حديثهم إلا لمجرد معرفته. والثالث: من هو صادق، ويكثر في حديثه الوهم ولا يغلب عليه. وقد ذكرنا الاختلاف في الرواية عنه وتركه. والرابع: الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط والخطأ في حديثهم وهذا هو القسم المحتج به بالاتفاق. وقد ذكر الترمذي حكم الأقسام الثلاثة فيما تقدم. وذكر ههنا حكم القسم الرابع. وهم الحفاظ المتقنون الذي يقل خطؤهم. وذكر أنه لم يسلم من الغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم، وهو كما قال.

стр. 379

" أخطاء الحفاظ " وقال ابن معين: من لم يخطئ فهو كذاب. وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب. وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم، وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم للحديث وقد جمع جزءا في ذلك. ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم. وقرأت بخط أبي حفص البرمكي الفقيه الحنبلي - ذكرت لأبي الحسن يعني الدارقطني: جاء عمرو بن يحيى المازني، في ذكره الحمار موضع البعير في توجه النبي ﷺ إلى خيبر. وأن أحمد لم يضعفه بذلك. فقال أبو الحسن: مثل هذا في الصحابة.

стр. 380

قال: روى رافع بن عمرو المزني. قال: رأيت النبي ﷺ يخطب على بلغة بمنى. وروى الناس كلهم خطبة النبي ﷺ على ناقة. أو جمل. أفيضعف الصحابي بذلك؟ انتهى. وقد ذكر الأثرم لأحمد أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى، وذكر له هذا الحديث. "أن النبي ﷺ صلى على حمار". قال: إنما هو على بعير. فقال أحمد: هذا سهل. وقال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ. وقال: حماد بن زيد قد أخطأ في غير شيء. وقال علي بن المديني: المحدثون صحفوا وأخطأوا ما خلا أربعة: يزيد بن زريع، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعبد الوارث بن سعيد.

стр. 381

وقال البرذعي: شهدت أبا زرعة ذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء. ثم ذكر عدة أسماء صحفها. وقال: (قال) عن سماك، عن عبد الله بن ظالم وإنما هو مالك بن ظالم. وقال ابن معين: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة كيس، لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد. " تراجم أعيان الحفاظ " وقد ذكر الترمذي ههنا تراجم طائفة من أعيان الحفاظ مختصرة، فنذكرهم ونذكر معهم طائفة ممن لم يسمع أيضا على وجه الاختصار إن شاء الله تعالى. "١ - أبو زرعة بن عمرو بن جرير": فمنهم أبو زرعة بن عمرو بن جرير، واسمه هرم، وقيل عبد الرحمن، قاله ابن معين وغيره. وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو. وجده جرير بن عبد الله البجلي الكوفي. يروي عن جده جرير، وعن أبي هريرة.

стр. 382

روى عنه إبراهيم النخعي، وغيره. قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) أبي، (ثنا) جريرة، عن عمارة بن القعقاع قال: قال لي إبراهيم: حدثني عن أبي زرعة، فإني سألته عن حديث، ثم سألته عنه بعد سنتين، فما أخرم منه حرفا. وخرجه ابن عدي، عن الحسين بن يوسف الفربري، عن أبي عيسى الترمذي، عن ابن حميد، كما أخرجه الترمذي ههنا. "٢ - سالم بن أبي الجعد، ت ١٠١": ومنهم سالم بن أبي الجعد. واسم أبي الجعد رافع الأشجعي، مولاهم الكوفي، وهو ثقة متفق على حديثه. وكلام منصور الذي خرجه الترمذي خرجه ابن عدي، عن الحسين بن يوسف، عن الترمذي: مع أن بعضهم تكلم في سالم بن أبي الجعد. قال ابن جرير: (ثنا) ابن حميد، (ثنا) جرير، عن المغيرة قال: ثلاثة كانوا لا يعبأون بحديثهم فذكر أحدهم سالم بن أبي الجعد. "٣ - عبد الله بن عمير، ت ١٣٦": ومنهم عبد الملك بن عمير القرشي الكوفي. يكنى أبا عمرو. وهو ثقة. متفق على حديثه. وقد سبق أن أحمد قال: هو كثير الاضطراب.

стр. 383

وقدم سماكا وعاصم بن أبي النجود عليه في الاضطراب، يعني انه أكثر منهم اضطرابا. وقال أحمد: (ثنا) سفيان، سمعت عبد الملك بن عمير يقول: والله إني لأحدث بالحديث، وما أدع منه حرفا. وخرجه ابن عدي عن الحسين بن يوسف، عن الترمذي، كما خرجه هنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد (ثنا) علي بن المديني، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان سفيان يعجب من حفظ عبد الملك قال صالح: قلت لأبي: هو عبد الملك بن عمير؟ قال: نعم. قال ابن أبي حاتم: فذكرته لأبي. قال: هذا وهم، إنما هو عبد الملك بن أبي سليمان. وعبد الملك بن عمير لم يوصف بالحفظ. "٤ - قتادة بن دعامة السدوسي، ت ١١٧": ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي البصري. يكنى أبا الخطاب، أحد الأئمة الأعلام، والحفاظ والثقات، والمتفق على صحة حديثهم. وإليه المنتهى في الحفظ والإتقان.

стр. 384

قال أبو هلال، عن غالب، عن بكر بن عبد الله المزني: من سره أن ينظر إلى أحفظ من أدركنا في زمانه، وأجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه، فلينظر إلى قتادة. ما رأيت الذي هو أحفظ منه ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه. وقال الصعق بن حزن: (ثنا) زيد أبو عبد الواحد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة. وروي عبد الرزاق، عن معمر أن ابن سيرين، قال في منام قص عليه، فعبره، فقال: قتادة احفظ الناس. وقال موسى بن إسماعيل، (ثنا) صاحب لنا عن مطر الوراق: _، قال: كان قتادة إذا سمع الحديث حفظه حفظا وكان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه.

стр. 385

وقال أحمد: (ثنا) عبد الرزاق، عن معمر، قال: قال قتادة لسعيد: خذ المصحف. فعرض عليه سورة البقرة فلم يخطئ فيها حرفا واحدا فقال: أحكمت. قال: نعم. قال: لأنا لصحيفة جابر بن عبد الله احفظ من لسورة البقرة. وكانت قرئت عليه. وبهذا الإسناد عن قتادة، قال: ما قلت لأحد قط: أعد علي. وقال أبو داود الطيالسي: ذكر سفيان (لشعبة) حديثا لقتادة، فقال سفيان: وكان في الدنيا مثل قتادة؟ "٥ - محمد بن شهاب الزهري، ت ١٢٤": ومنهم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري القرشي. يكنى أبا بكر، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ الإثبات. وكان يقال: انه أعلم الناس بكل فن. قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) أبو سلمة التبوذكي، (ثنا) ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: جالست جابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير فلم أر أحد أنسق للحديث من الزهري. وقال أحمد بن حنبل: قيل لسفيان، يعني ابن عيينة، قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أبصر بالحديث من الزهري. قال: نعم.

стр. 386

وروى ابن عدي بإسناده، عن الليث قال: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته. وعن عمر بن عبد العزيز قال: ما رأيت أحدا أحسن سوقا للحديث إذا حدث من الزهري. وعن أيوب السختياني، قال: ما رأيت أعلم من الزهري، قيل له: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري. وقال عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري: ما استعدت حديثا قط ولا شككت في حديث قط، إلا حديثا واحدا. فإذا هو كما حفظت. وقال أحمد: الزهري أحسن حديثا وأجود الناس إسنادا. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه. وكذا قال مكحول: وقال الثوري: مات الزهري يوم مات وما أحد أعلم بالسنة منه. وقال هشام بن عمار: (أنا) الوليد، عن سعيد، أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يملي على بعض ولده شيئا من الحديث، فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمائة حديث، فخرج الزهري من عند هشام فقال: أين أنتم

стр. 387

يا أصحاب الحديث، فحدثهم بتلك الأربعمائة، ثم لقي هشام بعد شهر، أو نحوه، فقال الزهري: إن ذلك الكتاب قد ضاع. فقال: لا عليك. فدعا بكاتب فأملاها عليه. ثم قابل هشام بالكتاب الأول. فما غادر حرفا واحدا. قال أبو حاتم الرازي: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم قتادة، ثم ثابت البناني. "٦ - يحيى بن أبي كثير، ت ١٢٩": ومنهم يحيى بن أبي كثير الطائي. يكنى أبا نصر من أهل اليمامة واسم أبي كثير صالح بن المتوكل. كان أحد الأئمة الربانيين، والحفاظ المتقنين. قال أيوب: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير. وذكر ابن المديني، انه سمع يحيى بن سعيد يقول: قال شعبة: حديث يحيى بن أبي كثير أحسن من حديث الزهري. وروى عبد الرحمن بن الحكم بن بشير قال: كان شعبة يقدم يحيى بن أبي كثير على الزهري. والحكاية التي ذكرها الترمذي عن أيوب خرجها ابن عدي، عن الحسين بن يوسف، عن الترمذي.

стр. 388

وكان يحيى بن أبي كثير يرسل. وضعف يحيى بن سعيد مرسلاته وقال: هي شبه الريح. وقال أحمد: لا تعجبني مراسيله، لأنه قد روى عن رجال صغار ضعاف. وليحيى بن أبي كثير كلام حسن في علم المعارف والمحبة والخشية والمخاوف. "٧ - أيوب بن أبي تميمة السختياني، ت ١٣١": ومنهم أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري يكنى أبا بكر، واسم أبيه كيسان. أحد الأئمة الأعلام الربانيين الحفاظ الأثبات. وكان شعبة يقول: (ثنا) أيوب السختياني وكان سيد الفقهاء. وقال أبو خشينة: سألت محمد بن سيرين: من حدثك بحديث كذا وكذا؟ قال: حدثني الثبت الثبت أيوب. وحدث (عنه) مالك بن أنس، وقال: ما حدثتكم عن أحد إلا أيوب أفضل منه. وروى عن (شعبة) مثله. وعن هشام بن عروة: قال: ما قدم علينا أحد من أهل العراق أفضل من أيوب السختياني ومسعر. وقال ابن أبي مليكة: أيوب ما بالمشرق مثله.

стр. 389

وقال عبد الوهاب الثقفي، سمعت ابن عون يقول: عليكم بأيوب. فانه أعلم مني، قال وسمعت يونس يقول: عليكم بأيوب، فإنه أعلم مني. وقال ابن المبارك: لم أر رجلا أفضل من أيوب. وقال القواريري: سمعت حماد بن زيد يقول: سمعت أيوب ويحيى بن عتيق وهشاما يتذاكران حديث محمد بن سيرين، فذكروا حديثا، فقال أيوب: هو كذا، فخالفه هشام ويحيى، ثم لم يقوما حتى رجعا إلى حفظ أيوب. قال: فأراد أيوب أن يضع من نفسه، فقال: وما الحفظ؟ وأي شيء الحفظ؟ هذا فلان يحفظ، قال حماد: رجل رأيته يضحك (به) . وقال ابن معين: أيوب ثقة، وهو أثبت من ابن عون. وإذا اختلف أيوب وابن عون في الحديث فأيوب أثبت منه. وسئل ابن معين عن أحاديث أيوب، اختلاف ابن علية وحماد بن زيد، فقال: إن أيوب كان يحفظ، وربما نسي شيء. قال يحيى: وأخبرني عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن أيوب أنه كان إذا قدم البصرة يقول: خذوها رطبة قبل أن تتغير، ولم يكن يكتب ولا يكتب. قيل ليحيى: كان شعبة هم أن يترك حديث أيوب. قال: كان أيوب خيرا من شعبة، ولكن لحال أنه كان يتحفظ. ولم يكن يكتب. قال يحيى: وأيوب ويونس وابن عون هؤلاء خيار الناس وسليمان التيمي أيضا.

стр. 390

وذكر ابن مهدي حماد بن زيد، قال: قال لي أيوب: لقد كنت أجمعت أن لا أحدث بشيء اختلف علي فيه. وقال سلام بن أبي مطيع، قال أيوب: لو كنت كاتبا عن أحد من الناس كتبت عن ابن شهاب. "٨ - مسعر بن كدام بن ظهير، ت ١٥٣": ومنهم مسعر بن كدام بن ظهير بن رافع الهلالي الرواسي. وقيل له: الرواسي لكبر رأسه. يكنى أبا سلمة، أحد الأئمة الأعلام الكوفيين. وكان هشام بن عروة يقول: ما رأيت بالكوفة مثله. وقال ابن عيينة: ما رأيت أفضل من مسعر. وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت مثل مسعر. وكان ابن عيينة يحدث عن مسعر، ويقول: كان مسعر من معادن الصدق. وقال الثوري: كنا إذا اختلفنا في شيء، سألنا مسعرا عنه. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: كان شعبة وسفيان إذا اختلفا قالا: اذهبا بنا إلى الميزان، مسعر.
следующие страницы →