Полный текст (835 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
والثاني: أن يوجد مرسل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي عنه (المرسل) الأول، فيكون ذلك دليلا على تعدد مخرجه، وأن له أصلا بخلاف ما إذا كان المرسل الثاني لا يروي إلا عمن يروي عنه الأول) ، فإن الظاهر أن مخرجها واحد، لا تعدد فيه.
وهذا الثاني أضعف من الأول.
والثالث: أن لا يوجد شيء مرفوع يوافقه لا مسند ولا مرسل، لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة فيستدل (به) على أن للمرسل أصلا صحيحا أيضا، لأن الظاهر أن الصحابي إنما (أخذ) قوله عن النبي ﷺ .
والرابع: أن لا يوجد للمرسل ما يوافقه، ولا مسند، ولا مرسل، ولا قول صحابي لكنه يوجد عامة أهل العلم على القول به، فإنه يدل على أن له أصلا، وأنهم مستندون في قولهم إلى ذلك الأصل.
فإذا وجدت هذه الشرائط دلت على صحة المرسل، وأن له أصلا، وقبل واحتج به، ومع هذا فهو دون المتصل في الحجة، فإن المرسل وإن اجتمعت فيه هذه الشروط فإنه يحتمل أن يكون في الأصل مأخوذا عن غير من يحتج به، ولو عضده حديث متصل صحيح، لأنه يحتمل أن لا يكون أصل المرسل صحيحا، وإن عضده مرسل فيحتمل أن يكون أصلهما واحدا وأن يكون متلقى عن (غير مقبول) الرواية، وإن عضده قول الصحابي فيحتمل أن الصحابي قال برأيه من غير سماع من النبي ﷺ فلا يكون في ذلك ما يقوي المرسل. ويحتمل أن المرسل لما سمع قول الصحابي ظنه مرفوعا فغلط
стр. 492
ورفعه، ثم أرسله ولم يسم الصحابي، فما أكثر ما يغلط في رفع الموقوفات، وإن عضده موافقة قول عامة الفقهاء فهو كما لو عضده صحابي وأضعف، فإنه يحتمل أن يكون مستند الفقهاء اجتهادا منهم، وأن يكون المرسل غلط، ورفع كلام الفقهاء، لكن هذا في حق كبار التابعين بعيد جدا.
وقال الشافعي أيضا في كتاب الرهن الصغير وقد قيل له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟.
قال: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثر عن أحد عرفناه عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعة.
وهذا موافق لما ذكره في الرسالة.
فإن ابن المسيب من كبار التابعين، ولم تعرف له رواية عن غير ثقة، وقد اقترن بمراسيله كلها ما يعضدها.
وقد قرر كلام الشافعي هذا البيهقي في مواضع من تصانيفه كالسنن والمدخل ورسالته إلى أبي محمد الجويني وأنكر فيها على الجويني قوله: لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب. وأنكر صحة ذلك عن الشافعي، وكأنه لم يطلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها.
قال البيهقي: وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، وإن كان بعضهم أقوى مرسلا، منهما أو من أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حين اقترن به ما يعضده في مواضع منها: "النكاح بلا ولي" وفي "النهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان".
وقال بمرسل طاوس وعروة وأبي أماه بن سهل وعطاء بن أبي رباح
стр. 493
وعطاء بن يسار وابن سيرين وغيرهم من كبار التابعين، حين اقترن به ما أكده، ولم يجد ما هو أقوى منه، كما قال بمرسل ابن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وأكده بقول الصديق وبأنه روي عن وجه آخر مرسلا.
وقال: مرسل ابن المسيب عندنا حسن.
ولم يقل بمرسل ابن المسيب في زكاة الفطر بمدين من حنطة ولا بمرسلة في التولية في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بمرسله في دية المعاهد، ولا بمرسله "من ضرب أبه فاقتلوه"، لما لم يقترن بها من الأسباب ما يؤكدها، أو لما وجد من المعارض لها ما هو أقوى منها. انتهى ما ذكره البيهقي.
وأما مرسل أبي العالية (الرياحي) في الوضوء من القهقهة في الصلاة فقد رده الشافعي وأحمد.
وقال الشافعي: حديث أبي العالية الرياحي رياح، يشير إلى هذا المرسل، وأحمد رده بأنه مرسل مع أنه يحتج بالمراسيل كثيرا، وإنما ردا هذا المرسل لأن أبا العالية وإن كان من كبار التابعين فقد ذكر ابن سيرين أنه كان يصدق كل من حدثه، ولم يعضد مرسله هذا شيء مما يعتضد به المرسل، فإنه لم يرو من وجه متصل صحيح، بل ضعيف، ولم يرو من وجه آخر مرسل، إلا من وجوه ترجع كلها إلى أبي العالية.
стр. 494
وهذا المعنى الذي ذكره الشافعي من تقسيم المراسيل إلى (صحيح محتج به، وغير محتج به) ، يؤخذ من كلام غيره من العلماء، كما تقدم عن أحمد وغيره بقسيم المراسيل إلى صحيح، وضعيف، ولم يصحح أحمد المرسل مطلقا، ولا ضعفه مطلقا، وإنما ضعف مرسل من يأخذ عن غير ثقة، كما قال في مراسيل الحسن وعطاء، وهي أضعف المراسيل، لأنهما كانا يأخذان عن كل.
وقال أيضا: لا يعجبني (مراسيل) يحيى بن أبي كثير، لأنه يروي عن رجال ضعاف صغار.
وكذا قوله في مراسيل ابن جريج، قال: بعضها موضوعة.
وقال مهنا: قلت لأحمد: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ قال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث.
وهذا يدل على أنه إنما يضعف مراسيل من عرف بالرواية عن الضعفاء خاصة، وكان أحمد يقوي مراسيل من أدرك الصحابة، فأرسل عنهم.
قال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب، عن عمر، حجة؟ قال: هو عندنا حجة، وقد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ ومراده أنه سمع منه شيئا يسيرا، لم يرد أنه سمع منه كل ما روى عنه، فإنه كثير الرواية عنه، ولم يسمع ذلك كله منه قطعا.
ونقل مهنا عن أحمد أنه ذكر حديث إبراهيم بن محمد بن طلحة، وقال: قال عمر: "لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء"، قال: فقلت له: هذا مرسل عن عمر؟ قال: نعم. ولكن إبراهيم بن محمد بن طلحة كبير.
стр. 495
وقال في حديث عكرمة، عن النبي ﷺ "من لم يسجد على أنفه مع جبهته فلا صلاة له". هو مرسل أخشى أن لا يكون شيئا.
وقال في حديث عراك عن عائشة، حديث "حولوا مقعدتي إلى القبلة"، هو أحسن ما روي في الرخصة، وإن كان مرسلا، فإن مخرجه حسن، ويعني بإرساله أن عراكا لم يسمع من عائشة، وقال: إنما يروي عن عروة عن عائشة. فلعله حسنه لأن عراكا قد عرف أنه يروي حديث عائشة عن عروة عنها.
وظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجيء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه خلافه.
قال الأثرم: كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 496
وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجيء خلافه.
وقال أحمد في رواية مهنا، في حديث معمر عن سالم عن ابن عمر: أن غيلان أسلم وعند عشر نسوة، قال أحمد: ليس بصحيح والعمل عليه.
كان عبد الرزاق يقول: عن معمر عن الزهري، مرسلا. وظاهر هذا أنه يعمل به مع أنه مرسل، وليس بصحيح، ويحتمل أنه أراد: ليس بصحيح وصله، وقبله. وقد نص أحمد على تقديم قول الصحابي على الحديث المرسل.
وكذا كلام ابن المبارك، فإنه قد تقدم عنه أنه ضعف مرسل حجاج بن
стр. 497
دينار وقد احتمل مرسل غيره، فروى الحاكم، عن الأصم: (ثنا) عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: وجدت في كتاب أبي، (ثنا) الحسن بن عيسى، قال: حدثت ابن المبارك بحديث لأبي بكر بن عياش عن عاصم، عن النبي ﷺ فقال: حسن. فقلت لابن المبارك: إنه ليس فيه إسناد، فقال: إن عاصما يحتمل له أن يقول: قال رسول الله ﷺ .
قال: فغدوت إلى أبي بكر فإذا ابن المبارك قد سبقني إليهن وهو إلى جنبه فظننته قد سأله عنه.
فإذا احتمل مرسل عاصم بن بهدلة، فمرسل من هو أعلى منه من التابعين أولى.
وأما مراسيل ابن المسيب
فهي أصح المراسيل كما قال أحمد وغيره. وكذا قال ابن معين: أصح المراسيل ابن المسيب.
قال الحاكم: قد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة.
قال: وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره، كذا قال.
وهذا وجه ما نص عليه الشافعي في رواية يونس بن عبد الأعلى كما سبق.
стр. 498
ولقد أنكر الخطيب وغيره ذلك وقالوا: لابن المسيب مراسيل لا توجد مسنده.
وقد ذكر أصحاب مالك أن المرسل يقبل إذا كان مرسله ممن لا يروى إلا عن الثقات.
وقد ذكر ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع، فإنه قال: كل من عرف بالأخذ عن الضعفاء، والمسامحو في ذلك لم يحتج بما أرسله، تابعا كان أبو من دونه. وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول. فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح. وقالوا: مراسيل الحسن وعطاء لا يحتج بهما لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي قلابة، وأبي العالية، وقالوا: لا يقبل تدليس الأعمش لأنه إذا وقف أحال على غير مليء، يعنون على غير ثقة. إذا سألته عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريق وعباية بن ربعي، والحسن بن ذكوان. قالوا: ويقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما.
ثم ذكر بعد ذلك كلام إبراهيم النخعي الذي خرجه الترمذي ههنا.
стр. 499
ثم قال: إلى هذا نزع من أصحابنا من زعم أن مرسل الإمام أولى من مسنده لأن في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بمعيار على غيره. انتهى.
وقول من قبل مراسيل من لا يرسل إلا عن ثقة يدل على أن مذهبه أن الراوي إذا قال: حدثني الثقة، أنه يقبل حديثه ويحتج به، وإن لم يسم عين ذلك الرجل. وهو خلاف ما ذكره المتأخرون من المحدثين كالخطيب وغيره.
وذكره أيضا طائفة من أهل الأصول كأبي بكر الصيرفي وغيره. وقالوا: قد يوثق الرجل من يجرحه غيره، فلا بد من تسميته لنعرف هل هو ثقة، أم لا؟.
أما لو علم أنه لا يرسل إلا عن صحابي كان حديثه حجة، لأن الصحابة كلهم عدول. فلا يضر عدم المعرفة بعين من روى عنه منهم.
وكذلك لو قال تابعي: أخبرني بعض الصحابة، لكان حديثه متصلا يحتج به، كما نص عليه أحمد.
وكذا ذكر ابن عمار الموصلي، ومن الأصوليين أبو بكر الصيرفي وغيره، وقال البيهقي: هو مرسل.
стр. 500
" الاختلاف في تضعيف الرواة "
قال أبو عيسى ﵀:
وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم.
ذكر عن شعبة أنه ضعف أبا الزبير المكي وعبد الملك بن أبي سليمان وحكيم بن جبير، وترك الرواية عنهم.
ثم حدث شعبة عمن دون هؤلاء في الحفظ والعدالة، حدث عن جابر الجعفي، وإبراهيم بن مسلم الهجري، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، وغير واحد ممن يضعفون في الحديث.
حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان البصري (ثنا) أمية بن خالد قال: قلت لشعبة: تدع عبد الملك بن أبي سليمان ونحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي. قال: نعم.
قال أبو عيسى:
وقد كان شعبة حدث عن عبد الملك بن أبي سليمان، ثم تركه.
ويقال إنما تركه لما تفرد بالحديث الذي روي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال:
"الرجل أحق بشفعته ينتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقها واحداً".
وقد ثبت عن غير واحد من الأئمة، وحدثوا عن أبي الزبير، وعبد الملك بن أبي سليمان، وحكيم بن جبير.
стр. 501
حدثنا احمد بن منيع، (أنا) هشيم، (أنا) حجاج، وابن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، قال: كنا إذا خرجنا من عند جابر بن عبد الله تذاكرنا حديثه، وكان أبو الزبير أحفظنا للحديث.
حدثنا محمد بن (يحيى بن) أبي عمر المكي، (ثنا) سفيان بن عيينة قال: قال أبو الزبير، كان عطاء يقدمني إلى جابر بن عبد الله فأحفظ لهم الحديث.
حدثنا ابن أبي عمر، (ثنا) سفيان، قال: سمعت أيوب السختياني يقول: حدثني أبو الزبير، قال سفيان بيده فقبضها.
قال أبو عيسى:
إنما يعني به الإتقان والحفظ.
ويروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كان سفيان يقول: كان عبد الملك بن أبي سليمان ميزاناً في العلم.
حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد الله، قال: سألت يحيى بن سعيد عن حكيم بن جبير، فقال: تركه شعبة من أجل الحديث الذي روي في الصدقة. يعني حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "من سأل الناس، وله ما يغنيه، كان يوم القيامة خموشاً في وجهه".
قالوا: يا رسول الله، ما يغنيه؟.
قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب.
قال علي: قال يحيى: وقد حدث عن حكيم بن جبير سفيان الثوري وزائدة.
قال علي: ولم ير يحيى بحديثه بأساً.
أخبرنا محمود بن غيلان، (ثنا) يحيى بن آدم (عن سفيان الثوري، عن
стр. 502
حكيم بن جبير بحديث الصدقة، قال يحيى بن آدم) ، فقال عبد الله بن عثمان، صاحب شعبة لسفيان الثوري: لو غير حكيم حدث بهذا؟
فقال له سفيان: وما لحكيم، لا يحدث عنه شعبة؟ قال: نعم.
فقال سفيان الثوري: سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
قد تقدم أن رواه الحديث أربعة أقسام:
"١" ـ من هو متهم بالكذب.
"٢" ـ ومن هو صادق، لكن يغلب على حديثه الغلط والوهم، لسوء حفظه. وهذا القسمان متروكان.
"٣" ـ ومن هو صادق ويغلط أحياناً. وهذا القسم هو المحتج بحديثه.
"٤" ـ ومن هو صادق ويخطىء كثيراً ويهم، ولكن لا يغلب الخطأ عليه وهؤلاء مختلف في الرواية عنهم. والاحتجاج بهم.
وسبق الكلام على ذلك كله مستوفى، وبقي الكلام في أن بعض الرواة يختلف الحفاظ فيه من أي هذه الأقسام هو، فمنهم من يختلف فيه:
ـ هل هو متهم بالكذب، أم لا؟.
ـ ومنهم من يختلف فيه هل هو ممن غلب على حديثه الغلط أم لا؟. - ومنهم من يختلف فيه هل هو ممن كثر غلطه وفحش، أم ممن قل خطؤه وندر؟.
وقد ذكر الترمذي هنا بعض من اختلف في ترك حديثه، وفي الرواية عنه ونحن نذكر أمثلة هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرناها ـ إن شاء الله ـ.
стр. 503
" القسم الأول: المختلف فيه بالكذب وعدمه "
فمثال القسم الأول: وهو من اختلف فيه هل هو متهم بالكذب أم لا.
عكرمة مولى ابن عباس:
اتهمه بالكذب جماعة منهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وعلي بن عبد الله بن عباس، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم.
وأنكر ذلك جماعة آخرون:
قال أيوب: لم يكن بكذاب، ولم أكن أتهمه.
ووثقه ابن أبي ذئب وقال بكر المزني: أشهد أنه صدوق.
ووثقه أيضاً من الحفاظ يحيى بن معين وغيره.
وخرج له البخاري في صحيحه.
وقال ابن عدي: إذا روى عنه الثقات فهو مستقيم الحديث، ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه.
وقال أحمد ـ في رواية عنه: عمرو بن أبي عمرو كل شيء يرويه عن
стр. 504
عكرمة مضطرب، وكذا كل من يروي عن عكرمة، سماك وغيره. قيل له: فترى هذا من عكرمة أو منهم؟.
قال: لا، ما أحسبه إلا من قبل عكرمة.
وقال أحمد بن القاسم: رأيت أحمد ضعف رواية عكرمة، ولم ير روايته حجة.
قال أبو بكر الخلال: هذا في حديث خاص، قال: وعكرمة عند أبي عبد الله ثقة، يحتج بحديثه.
كذا قال. والظاهر خلافه، وقد يكون عن أحمد فيه روايتان، فإن المروزي نقل عن احمد أنه قال: عكرمة يحتج به.
وذكر يحيى بن معين عن محمد بن فضيل، (ثنا) عثمان بن حكيم قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل، وأنا جالس عنده، فقال: يا أبا أمامة، أسمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني بشيء فصدقوه، فإنه لن يكذب علي؟. قال: نعم.
وقال ابن معين: إذا سمعت من يقع في عكرمة فاتهمه على الإسلام.
وقال أبو حاتم الرازي: يحتج بحديثه إذا روى عنه الثقات.
قال: والذي أنكر عليه مالك ويحيى بن سعيد فلسبب رأيه، يعني أنه نسب إلى رأي الخوارج.
وأما تكذيب ابن عمر له، فقد روي من وجوه لا تصح، وقد أنكره مالك.
قال إسحاق بن عيسى: قلت لمالك: أبلغك أن ابن عمر قال لنافع:
стр. 505
لا تكذب علي، كما يكذب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا، ولكن بلغني أن ابن المسيب قال ذلك لبرد مولاه.
وذكر أحمد أن ابن سيرين كان يروي عنه ولا يسميه، وكذلك مالك، وأشار أحمد إلى أنهما طعنا في مذهبه ورأيه، لكن روي عن ابن سيرين أنه كذبه، من رواية الصلت بن دينار عنه، والصلت لا تقبل رواياته، وابن سيرين لا يروي عن كذاب أبداً.
"محمد بن إسحاق وغيره":
وممن اختلف في اتهامه بالكذب أيضاً محمد بن إسحاق، وقد سبق ذكره.
ومنهم جابر الجعفي، وقد سبق ذكره مستوفى في أبواب الأذان.
ومنهم كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، فإن الترمذي يصحح حديثه وقد مشى أمره غير واحد، وتركه الأكثرون وضرب أحمد على حديثه، ولم يخرجه في المسند.
ومنهم إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، والأكثرون على اتهامه بالكذب.
стр. 506
" القسم الثاني: المختلف فيه هل غلب عليه الوهم أم لا "؟
ومثال القسم الثاني، وهو من اختلف فيه، هل هو ممن غلب على حديثه الوهم والغلط أم لا؟.
عبد الله بن محمد بن عقيل:
وقد ذكر الترمذي في أول كتابه عن البخاري، أن أحمد وإسحاق والحميدي كانوا يحتجون بحديثه، وقد صحح الترمذي حديثه.
وقال ابن معين وغيره: لا يحتج به.
وقال الجوزجاني: عامة ما يروى عنه غريب وتوقف عنه.
عاصم بن عبيد الله العمري:
وكذلك عاصم بن عبيد الله العمري، فإن الترمذي يصحح حديثه في غير موضع، والأكثرون ذكروا أنه كان مغفلاً، يغلب عليه الوهم والخطأ.
قال شعبة: كان عاصم لو قلت له من بنى مسجد البصرة؟ لقال: حدثني فلان عن فلان أن النبي ﷺ بناه.
وقال شعبة أيضاً: كان عاصم لو قلت له: رأيت رجلاً راكباً حماراً، لقال: حدثني أبي.
стр. 507
" القسم الثالث: المختلف فيه في كثرة الخطأ وقلته "
ومثال القسم الثالث، وهو من اختلف فيه، هل هو ممن كثر خطؤه وفحش، أم ممن قل خطؤه؟.
حكيم بن جبير:
حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، فإنه قليل الحديث، وله أحاديث منكرة.
قال محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن عبد الرحمن بن مهدي، وسئل عن حكيم بن جبير، فقال: إنما روى أحاديث يسيرة، وفيها أحاديث منكرات.
وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: كم روى؟ إنما روى شيئاً يسيراً.
وقال يحيى: وقد روى عنه زائدة. قلت ليحيى من تركه؟ قال شعبة. قلت: من أجل حديث الصدقة؟ قال: نعم. ثم قال يحيى: نحن نحدث عمن دون هؤلاء.
стр. 508
وقد خرج الترمذي حديث الصدقة في كتاب الزكاة وحسنه، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى.
وقد احتج به أحمد في رواية عنه وعضده بأن سفيان رواه عن زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
وقد أنكر ابن معين وغيره حديث زبيد هذا.
وقال ابن حبان في حكيم بن جبير: كان غالياً في التشيع، كثير الوهم فيما يروي، كان أحمد لا يرضاه.
وخرج له ابن حبان حديث الصدقة، وقال: ليس له طريق يعرف، ولا رواية إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم هذا روى عنه الثوري والأعمش وزائدة، وغيرهم وتركه شعبة ويحيى وابن مهدي وقيل أن يحيى كان يحدث عنه.
وقال الجوزجاني: هو كذاب.
وقد تقدم أن الترمذي حسن حديثه. وقال أحمد في رواية عنه في حديث الصدقة: هو حسن، واحتج به، وقال مرة في حكيم: هو ضعيف الحديث مضطرب.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
стр. 509
وقال أبو زرعة في رأيه شيء، ومحله الصدق ـ إن شاء الله ـ.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود. قال وهو قريب من يونس بن خباب.
وثوير بن أبي فاختة.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال الدارقطني: متروك.
"عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي":
وممن اختلف في أمره، هل هو ممن فحش خطؤه أم لا؟ عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، واسم أبي سليمان ميسرة. قال أمية بن خالد: قلت لشعبة، ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه. قلت: تحدث عن محمد بن عبيد الله العرزمي تدع عبد الملك بن أبي سليمان، وكان حسن الحديث؟
قال: من حسنها فررت.
стр. 510
خرجه ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وغيرهم.
وقال وكيع عن شعبة: لو روى عبد الملك بن أبي سليمان حديثاً آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه.
وقد خرج الترمذي حديث الشفعة في كتاب الأحكام والأقضية، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى.
وقد ذكر الإمام أحمد أن له منكرات، وأنه يوصل أحاديث يرسلها غيره. وقد ذكرنا ذلك في كتاب النكاح في باب "تنكح المرأة على ثلاث".
وقال أبو بكر بن خلاد: وسمعت يحيى، وهو ابن سعيد، يقول: كان صفة حديث عبد الملك بن أبي سليمان فيها شيء منقطع يوصله، وموصل يقطعه.
وقال أحمد كان من الحفاظ، وكان سفيان الثوري يسميه الميزان.
وذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن نوفل بن مطهر، عن ابن المبارك عن سفيان قال:
حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
стр. 511
ووثقه يحيى بن معين، وسئل: هو أحب إليك أم ابن جريج؟ قال: كلاهما، ثبتان.
وقال أحمد: هو يخالف ابن جريج في أحاديث، وابن جريج عندنا أثبت منه.
وخرج له مسلم.
وإنما ترك شعبة حديثه لرواية حديث الشفعة، لأن شعبة من مذهبه أن من روى حديثاً غلطاً مجتمعاً عليه ولم يتهم نفسه فيتركه، ترك حديثه، وقد ذكرنا ذلك عنه فيما تقدم.
وروى نعيم بن حماد عن ابن مهدي عن شعبة، أنه سئل عمن يستوجب الترك؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين ما لا يعرف، أو تمادى في غلط مجمع عليه، فلم يشكك نفسه فيه، أو كذاب. وسائر الناس فارو عنهم.
وخرج أبو بكر الخطيب بإسناده عن ابن معين أنه سئل عن رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، أن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها، ورددتموها علي، فقد رجعت عنها، فقال: لا يكون صدوقاً أبداً إنما ذاك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا. فقيل ليحيى: فما يبريه؟ قال: يخرج كتاباً عتيقاً فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، وقد شبه له فيها، وأخطأ كما يخطىء الناس، ويرجع عنها، وأن لم يخرجه فهو كذاب أبداً.
стр. 512
وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن المبارك أن الحديث لا يكتب عن غلاط، لا يرجع.
وعن أحمد، أن الحديث لا يكتب عن رجل يغلط فيرد عليه، فلا يقبل.
"محمد بن عبيد الله العرزمي":
وأما محمد بن عبيد الله العرزمي، الذي روى عنه شعبة، وروى عنه سفيان أيضاً، فهو ابن أخي عبد الملك بن أبي سليمان، المذكور قبله.
وكان شريك ينسبه إلى جده، تدليساً، فيقول: حدثنا محمد بن أبي سليمان.
وقد تركه ابن المبارك، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه.
قال يحيى: سألته، فجعل لا يحفظ فأتيته بكتاب فجعل لا يحسن يقرأ.
قال وكيع: هو رجل صالح ذهبت كتبه، فكان يحدث حفظاً، فمن ذاك أتى.
وقال ابن نمير: هو رجل صدوق، ولكن ذهبت كتبه، وكان رديء الحفظ، فمن ثم أنكرت أحاديثه.
وضعفه ابن معين، وقال: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.
وقال الفلاس والنسائي: متروك الحديث.
وقال ابن عدي: عامة رواياته غير محفوظة.
стр. 513
وقال ابن حبان: كان صدوقاً إلا أن كتبه ذهبت، وكان رديء الحفظ فجعل يحدث من حفظه، ويهم، فكثر المناكير في رواياته.
"أبو الزبير المكي":
وأما أبو الزبير، محمد بن مسلم بن تدرس المكي، فإن شعبة ترك حديثه وأعتل بأنه رآه لا يحسن يصلي، وبأنه رآه يزن ويسترجح في الوزن، وبأن رجلاً أغضبه فافترى عليه وهو حاضر.
قال شعبة: وفي صدري لأبي الزبير عن جابر أربعمائة حديث، والله لأحدثت عنه حديثاً أبداً. ولم يذكر عليه كذباً ولا سوء حفظ.
وقد اختلف العلماء فيه:
قال المروذي: سالت أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، عن أبي الزبير، فقال: قد روى عنه قوم واحتملوه، روى عنه أيوب (وغيره) ، إلا أن شعبة لم يحدث عنه. قلت: هو لين الحديث؟. فكأنه لينه، قلت هو أحب إليك، أو أبو نضرة؟ قال: أبو نضرة أحب إلي. انتهى.
وتكلم فيه أيوب أيضاً قال ابن المديني: حدثنا سفيان، (ثنا) أيوب (ثنا) أبو الزبير، وهو أبو الزبير، يغمزه، كذا أخرجه العقيلي من طريق البخاري عن علي وهذا خلاف ما فسر به الترمذي أنه عنى حفظه واتقانه.
стр. 514
وخرج ابن عدي هذا الأثر من طريق الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان. وعنده، قال سفيان: هذه نقيصة. وهذا خلاف ما وجدنا في نسخ كتاب الترمذي.
وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: (ثنا) أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير، قلت لأبي: كأنه يضعفه؟ قال: نعم.
وخرج العقيلي من طريق أبي عوانة، قال: كنا عند عمرو بن دينار جلوساً، ومعنا أيوب فحدثنا أبو الزبير بحديث فقلت لأيوب: تدري ما هذا؟ فقال: هو لا يدري ما حدث، أدري هذا. وهذا يدل على أن أيوب كان يغمزه، لا أنه كان يقويه.
وخرج العقيلي من طريق أبي داود، (أنا) رجل من أهل مكة، قال: قال ابن جريج: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى حديث أبي الزبير يروى.
ومن طريق نعيم بن حماد، قال: سمعت سفيان يقول: حدثني أبو الزبير، وهو أبو الزبير، كأنه يضعفه.
وروى عبد الجبار بن العلاء، (ثنا) ابن عيينة، حدثني عمرو بن دينار وأبو الزبير، وعمرو بن دينار أوثق عندنا من أبي الزبير.
وقال ابن خراش: و (ثنا) زيد بن أخزم، (ثنا) أبو عاصم، سمعت ابن جريج يقول: إن أبا الزبير اتخذ جابراً مطية.
وقد وثقه ابن معين.
стр. 515
وقال أحمد في رواية ابن هاني: هو حجة احتج به.
وقال يعلى بن عطاء المكي: (ثنا) أبو الزبير المكي (أكمل) الناس عقلاً، وأحفظه.
وقال ابن عدي: كفى بأبي الزبير صدقاً أن يحدث عنه مالك، فإن مالكاً لا يحدث إلا عن ثقة ولا أعلم أحداً من الثقات تخلف عنه، إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة صدوق، لا بأس به. انتهى.
خرج حديثه مسلم، وخرج له البخاري مقروناً.
" أقسام الحديث عند الترمذي ".
قال أبو عيسى:
وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث حسن" فإنما أردنا به حسن إسناده ـ عندنا ـ.
كل حديث يروى لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من غير وجه نحو ذلك. فهو عندنا حديث حسن.
وما ذكرنا في هذا الكتاب "حديث غريب" فإن أهل الحديث يستغربون الحديث بمعان، رب حديث يكون غريباً لا يروى إلا من وجه واحد، مثل ما حدث به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: لو طعنت في فخذها اجزأ عنك.
فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهوراً عند أهل العلم فإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرفه إلا من حديثه.
стр. 516
(ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث لا يعرف إلا من حديثه) فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه، مثل ما روى عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ "نهى عن بيع الولاء، وعن هبته". لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، روى عنه عبيد الله بن عمر وشعبة وسفيان الثوري، ومالك بن أنس وابن عيينة وغير واحد من الأئمة، وروى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، فوهم فيه يحيى بن سليم، والصحيح هو عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، (هكذا روى عبد الوهاب الثقفي وعبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر) .
وروى المؤمل هذا الحديث عن شعبة، فقال شعبة: وددت أن عبد الله بن دينار أذن لي حتى أقوم إليه فاقبل رأسه.
أعلم أن الترمذي قسم ـ في كتابه هذا ـ الحديث إلى صحيح، وحسن، وغريب، وقد يجمع هذه الأوصاف الثلاثة في حديث واحد، وقد يجمع منها وصفين في الحديث، وقد يفرد أحدها في بعض الأحاديث، وقد نسب طائفة من العلماء الترمذي إلى التفرد بهذا التقسيم، ولا شك أنه هو الذي اشتهرت عنه هذه القسمة، وقد سبقه البخاري إلى ذلك، كما ذكره الترمذي عنه في كتاب العلل أنه قال في حديث "البحر هو الطهور ماؤه"، هو حديث حسن صحيح، وإنه قال في أحاديث كثيرة: هذا حديث حسن، وكذلك ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال في حديث إبراهيم بن أبي شيبان، عن يونس بن
стр. 517
ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي ﷺ .
"تجندون أجناداً ... الحديث".
قال: هو صحيح حسن غريب.
وقد كان أحمد وغيره يقولون: حديث حسن.
وأكثر ما كان الأئمة المتقدمون يقولون في الحديث أنه صحيح أو ضعيف، ويقولون: منكر وموضوع وباطل.
стр. 518
وكان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن.
وقد فسر الترمذي ههنا مراده بالحسن وفسر مراده بالغريب، ولم يفسر معنى الصحيح، ونحن نذكر ما قيل في معنى الصحيح، أولاً، ثم نشرح ما ذكره الترمذي في معنى الحسن والغريب، إن شاء الله تعالى.
" الصحيح من الحديث ومعناه "
أما الصحيح من الحديث، وهو الحديث المحتج به، فقد ذكر الشافعي ﵀ شروطه بكلام جامع، قال الربيع:
قال الشافعي: ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع (أموراً) منها:
أن يكون من حدث به ثقة في دينه معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام وإذا أدى بحروفه لم يبق وجه يخاف فيه إحالة الأحاديث.
حافظاً إن حدث من حفظه، حافظاً لكتابه، إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.
بريئاً من أن يكون مدلساً، يحدث عمن لقي، ما لم يسمع منه، أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات بخلافه.
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولاً إلى النبي
стр. 519
ـ ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه.
قال: ومن كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات، لم تقبل شهادته.
قال: وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلساً، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته. وليست تلك العورة بكذب فيرد بها حديثه، ولا (على) النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلناه من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثاً حتى يقول: حدثني أو سمعت.
" مضمون كلام الشافعي "
فقد تضمن كلامه ﵀ أن الحديث لا يحتج به حتى يجمع رواته من أولهم إلى آخرهم شروطاً.
أحدها: الثقة في الدين، وهي العدالة، وشروط العدالة مشهورة معروفة في كتب الفقه.
والثاني: المعرفة بالصدق في الحديث ويعني بذلك، أن يكون الراوي معروفاً بالصدق في رواياته، فلا يحتج بخبر من ليس بمعروف بالصدق، كالمجهول الحال، ولا من يعرف بغير الصدق.
وكذلك ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح، ولا يحتج به.
ومن أصحابنا من خرج قبول حديثه على الخلاف في قبول المرسل.
وقال الشافعي أيضاً: كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين
стр. 520
يذهب هذا المذهب في أن لا يقبل إلا ممن عرف. قال: وما لقيت ولا علمت أحداً من أهل (العلم) بالحديث يخالف هذا المذهب.
الثالث: العقل لما يحدث به، وقد روي مثل هذا الكلام عن جماعة من السلف. ذكر ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله، خرجه مسلم في مقدمة كتابه.
وروى إبراهيم بن المنذر، حدثني معن بن عيسى، قال: كان مالك يقول: لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعباده إذا كان لا يعرف ما يحدث به.
قال إبراهيم بن المنذر فذكرت هذا الحديث لمطرف بن عبد الله (اليساري) مولى زيد بن أسلم، فقال: ما أدري ما هذا، ولكن أشهد أني سمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد، يعني المدينة مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثاً قط، قيل: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون.
стр. 521
وروى ضمرة: عنه سعيد بن عبد العزيز عن مغيرة، عن إبراهيم قال: لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعرف حلالها من حرامها، وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه، وحرامه عن حلاله، وهو لا يشعر.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الحافظ الموصلي وقد سئل عن علي بن غراب، فقال: كان صاحب حديث بصيراً به، فقيل له: أليس هو ضعيفاً؟ قال: إنه كان يشيع، ولست بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوباً للتشيع أو للقدر، ولست براوٍ عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح، يعني الموصلي.
وحكى الترمذي في علله عن البخاري قال:
كل من لا يعرف صحيح الحديث من سقيمه لا أحدث عنه، وسمى منهم زمعة بن صالح وأيوب بن عتبة.
وحكى الحاكم هذا المذهب عن مالك وأبي حنيفة.
стр. 522
وحكى عن أكثر أهل الحديث الاحتجاج بحديث من لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه.
والظاهر ـ والله أعلم ـ حمل كلام الشافعي على من لا يحفظ لفظ الحديث، وإنما يحدث بالمعنى كما صرح بذلك فيما بعد، وكذلك نقل الربيع عنه في موضع آخر، أنه قال:
تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل المعنى، أو ينطق بها بغير لفظ المحدث، والناطق بها غير عامد (لاحالة) الحديث (فيختل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى وكان غير عاقل للحديث) فلم يقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل، إذا كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس روايته على معانيه، وهو لا يعقل المعنى، إلى أن قال: فالظنة فيمن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته (له) فيما هو ظنين فيه.
فهذا يبين أن الشافعي إنما اعتبر في الراوي أن يكون عارفاً بمعاني الحديث إذا كان يحدث بالمعنى ولا يحفظ الحروف، والله أعلم.
فقوله هنا، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ هو شرط واحد ليس فيه تكرير، بل مراده يعقل ما يحدث به فهم المعنى، ومراده بالعلم بما يحيل المعنى من الألفاظ معرفة الألفاظ التي تؤدي بها المعاني.
وقد فسر أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة قول الشافعي: عاقلاً لما يحدث به بأن مراده أن يكون الراوي ذا عقل فقط، قال: وهذا شرط بإجماع.
وهذا الذي قاله فيه نظر وضعيف، وهذا (كله) في حق من لا يحفظ
стр. 523
الحديث بألفاظه بدليل أنه قال بعد ذلك: أو أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى، فجعل هذا قسيماً للذي قبله، فقسم الرواة إلى قسمين:
من يحدث بالمعنى، فيشترط فيه أن يكون عاقلاً لما يحدث به من المعاني، عالماً بما يحيل المعنى من الألفاظ.
ومن يحدث باللفظ، فيشترط فيه الحفظ للفظ الحديث، واتقانه، وما علل به من اشتراط معرفة المعنى واللفظ المؤدي له فهو حق واضح، وقد سبق معنى ذلك عن إبراهيم النخعي.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم: سعيد بن زكريا المدائني كنا كتبنا عنه، ثم تركناه، قيل له: لم؟ قال: لم أكن أرى به في نفسه بأساً ولكن لم يكن بصاحب حديث.
وهذا محمول على أنه كان يحدث من حفظه أيضاً فيخشى عليه الغلط.
الرابع: حفظ الراوي، فإن كان يحدث من حفظه اعتبر حفظه لما يحدث به، لكن إن كان يحدث باللفظ اعتبر حفظه لألفاظ الحديث، وإن كان يحدث بالمعنى اعتبر معرفته بالمعنى واللفظ الدال عليه كما تقدم، وإن كان يحدث من كتابه اعتبر حفظه لكتابه، وقد سبق كلام الأئمة واختلافهم في جواز التحديث من الكتاب، وفي صفة حفظ الكتاب بما فيه كفاية.
الخامس: أن يكون في حديثه الذي لا ينفرد به يوافق الثقات في حديثهم، فلا يحدث بما لا يوافق الثقات وهذا الذي ذكره معنى قول كثير من الأئمة الحفاظ
стр. 524
في الجرح في كثير من الرواة يحدث بما يخالف الثقات، أو يحدث بما لا يتابعه الثقات (عليه) لكن الشافعي اعتبر أن لا يخالفه الثقات، ولهذا قال بعد هذا الكلام: (بريئاً) أن يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات خلافه. وقد فسر الشافعي الشاذ من الحديث بهذا.
قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثاً فيشذ عنهم واحد فيخالفهم.
وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن (لم) يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.
قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذ، الحديث المنكر الذي لا يعرف، وسيأتي لذلك مزيد إيضاح عند ذكر الحديث الغريب إن شاء الله تعالى.
السادس: أن لا يكون مدلساً، فمن كان مدلساً يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع ممن روى عنه، وهذا الذي ذكره الشافعي قد حكاه يعقوب بن شيبة عن يحيى بن معين.
وقال الشاذكوني: من أراد التدين بالحديث فلا يأخذ عن الأعمش، ولا عن قتادة إلا ما قالا: سمعناه.
وقال البرديجي: لا يحتج من حديث حميد إلا ما قال: (ثنا) أنس.
ولم يعتبر الشافعي أن يتكرر التدليس من الراوي، ولا أن يغلب على
стр. 525
حديثه، بل اعتبر ثبوت تدليسه، ولو بمرة واحدة. واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل، وقالوا: إذا غلب عليه التدليس لم يقبل حديثه حتى يقول: (ثنا) وهذا قول ابن المديني، حكاه يعقوب بن شيبة عنه.
وذكر مسلم في مقدمة كتابه أنه إنما يعتبر التصريح بالسماع ممن شهر بالتدليس، وعرف به، وهذا يحتمل أن يريد به كثرة التدليس في حديثه، ويحتمل أن يريد ثبوت ذلك عنه، وصحته، فيكون كقول الشافعي.
وفرقت طائفة بين أن يدلس عن الثقات أو عن الضعفاء، فإن كان يدلس عن الثقات قبل حديثه، وإن عنعنه، وإن كان يدلس عن غير الثقات لم يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع، وهذا الذي ذكره حسين الكرابيسي، وأبو الفتح الأزدي الموصلي الحافظ، وكذلك ذكره طائفة من فقهاء أصحابنا، وهذا بناء على قولهم بقبول المراسيل، واعتبروا كثرة التدليس في حق من يدلس عن غير الثقات، وكذا ذكر الحاكم أن المدلس إذا لم يذكر سماعه في الرواية فحكم حديثه حكم المرسل.
وكذلك أشار إليه أبو بكر الصيرفي في شرح رسالة الشافعي.
وأما الإمام أحمد فتوقف في المسألة، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس في الحديث، يحتج فيما لم يقبل فيه: حدثني، أو سمعت؟ قال: لا أدري.
стр. 526
وأما من يدلس عمن لم يره، فحكم حديثه حكم المرسل، وقد سبق ذكره ومتى صرح بالسماع، أو قال: (ثنا) أو (أنا) فهو حجة.
وزعم أبو الطيب الطبري من الشافعية أنه لا يحتج بقول المدلس: (أنا) ؛ لأنه قد يكون إجازة وهذا ضعيف، فإن مثله يتطرق إلى قوله: (ثنا) أيضاً، فإن ذلك جائز عند كثير من العلماء في الإجازة كما سبق، ثم إن الإجازة والمناولة تصح الرواية بهما على ما تقدم، فيحتج بحديث من حدث بهما حينئذ، وأيضاً فقد تستعمل "حدثنا" في الإرسال كما كان الحسن يقول: (ثنا) ابن عباس، ويتأوله أنه حدث أهل البصرة، ولكن هذا استعمال نادر، والحكم للغالب.
وأما قول الشافعي: إن التدليس ليس بكذب يرد به حديث صاحبه كله، فهذا أيضاً قول أحمد وغيره من الأئمة، لأن قول المدلس "عن فلان" ليس بكذب منه وإنما فيه كتمان من سمع منه عن فلان.
وحكى الخطيب هذا القول عن كثير من العلماء، وعن بعضهم أنه كذب يرد به حديث صاحبه، وممن قال إنه كذب: حماد بن زيد وأبو أسامة. وقال شعبة: هو أخو الكذب، وقال مرة: هو أشد من الزنا. وروى رزق الله بن موسى عن وكيع، قال: لا يحل تدليس (الثوب) ، فكيف يحل تدليس الحديث، وهذا في التدليس عن غير الثقات (أشد) .
وقال أحمد في التدليس: أكرهه. قيل له: قال شعبة: هو كذب. قال أحمد: لا قد دلس قوم، ونحن نروي عنهم، وقال يحيى بن معين: كان
стр. 527
الأعمش يرسل، فقيل له: إن بعض الناس قال: من أرسل لا يحتج بحديثه. فقال: الثوري إذا لا يحتج بحديثه. وقد كان يدلس: إنما سفيان أمير المؤمنين في الحديث، انتهى.
والتدليس مكروه عند الأكثرين لما فيه من الإيهام، وهو عن الكذابين أشد.
وقد صرح طائفة من العلماء، منهم مسلم في مقدمة كتابه بأن من روى عن غير ثقة، وهو يعرف حاله، ولم يبين ذلك لمن لا يعرفه أنه يكون آثماً بذلك، يريدون أنه فعل محرم، فإسقاط من ليس بثقة من الحديث أقبح من الرواية عنه من غير تبيين حاله.
ورخص في التدليس طائفة، قال يعقوب بن شيبة، من رخص فيه فإنما رخص فيه عن ثقة سمع (منه) ، وأما من دلس عمن لم يسمع منه، فلم يرخص فيه، وكذا إذا دلس عن غير ثقة، كذا قال يعقوب.
وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضاً، فلا يصح ما قال يعقوب.
وقول الشافعي ﵀: وأقبل الحديث حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلساً مراده أن تقبل العنعنة عمن عرف منه أنه ليس بمدلس، فإن الربيع نقل عنه أيضاً، قال في كلام له:
لم يعرف التدليس ببلدنا، فيمن مضى، ولا ممن أدركنا من أصحابنا، إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيراً له. وكان قول الرجل: سمعت فلاناً (يقول: سمعت فلاناً) وقوله: "حدثني فلان عن
стр. 528
فلان" سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، (فمن عرفناه) بهذا الطريق قبلنا منه: حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلساً. وظاهر هذا أنه لا يقبل العنعنة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس، ولا يحدث إلا عمن لقيه بما سمع منه، وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه وفيه زيادة أخرى عليه، وهي أنه اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضاً، ولا يحدث إلا بما سمع، وقد فسره أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعلم التدليس، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره، قال: وهذا الذي قاله صحيح. انتهى.
وهذه المسألة فيها اختلاف معروف بين العلماء.
وقد أطال القول فيها مسلم في مقدمة كتابه، واختار أنه تقبل العنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره، وأمكن لقيه له، ولا تعتبر المعرفة باجتماعهما والتقائهما.
وذكر عن بعضهم أنه اعتبر المعرفة بلقائهما واجتماعهما وأنه لا تقبل العنعنة من الثقة عمن لم يعرف أنه (لقيه و) اجتمع به ورد هذا القول على
стр. 529
قائله رداً بليغاً، ونسبه إلى مخالفة الإجماع في ذلك. واستدل مسلم على صحة قوله، باتفاق العلماء على قبول الخبر إذا رواه الثقة عن آخر ممن تيقن أنه سمع منه من غير اعتبار أن يقول: (ثنا) أو سمعت، ولو كان الإسناد لا يتصل إلا بالتصريح بالسماع لم يكن فرق بين الرواية عمن ثبت لقيه ومن لم يثبت، فإنا نجد كثيراً ممن روى عن رجل، ثم روى حديثاً عن آخر عنه.
وقد طرد بعض المتأخرين من الظاهرية ونحوهم هذا الأصل، وقال: كل خبر لا يصرح فيه بالسماع فإنه لا يحكم باتصاله مطلقاً، وربما تعلق بعضهم بقول شعبة: كل إسناد ليس فيه (ثنا) أو (أنا) فهو خل وبقل. وروى عن شعبة قال: فلان عن فلان ليس بحديث.
قال وكيع: وقال سفيان هو حديث.
قال ابن عبد البر: رجع شعبة إلى قول سفيان في هذا.
وهذا القول شاذ مطرح.
وقد حكى مسلم وغيره الإجماع على خلافه.
وقال الخطيب: أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدثين (ثنا) فلان عن فلان صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس. انتهى.
ومما استدل به مسلم على المخالف له: أن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة والقطان (وابن مهدي، قال) ومن بعدهم من أهل الحديث.
وذكر أن عبد الله بن يزيد روى عن حذيفة وأبي مسعود حديثين ولم يرد
стр. 530
أنه سمع منهما، ولا رآهما قط، ولم يطعن فيهما أحد. وذكر أيضاً رواية أبي عثمان النهدي، وأبي رافع الصائغ عن أبي بن كعب ورواية أبي عمرو الشيباني وأبي معمر عن أبي مسعود، ورواية عبيد بن عمير عن أم سلمة، ورواية ابن أبي ليلى عن أنس، وربعي بن حراش عن عمران بن حصين. ونافع بن جبير عن أبي شريح، والنعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد وعطاء بن يزيد عن تميم الداري، وسليمان بن يسار عن رافع بن خديج، وحميد الحميري عن أبي هريرة وكل هؤلاء لم يحفظ لهم عن هؤلاء الصحابة سماع ولا لقاء، يعني وقد قبل الناس حديثهم (عنهم) .
وقال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين أخبرني وعن؟. فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما وحمله البيهقي (على من) لا يعرف بالتدليس، (ويمكن حمله على من ثبت لقيه أيضاً) ، وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀ من أن إمكان اللقى كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره.
(وقد ذكر الترمذي في كتاب العلم أن سماع سعيد بن المسيب من أنس
следующие страницы →