← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9552

شرح علل الترمذي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (835 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فرقد، وأسقط منها سعد بن إبراهيم، وسليمان بن موسى، وذكر الطبقة الرابعة: الليث بن سعد، وجويرية بن أسماء وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، ويونس بن يزيد، لم يذكر غيرهم، وزاد في الخامسة ابن أبي ذئب وحنظلة بن أبي سفيان، وابن غنج، وأسقط ذكر أسامة وابن مغول، وذكر الطبقة السادسة سليمان بن موسى، وبرد بن سنان، وهشام بن الغاز، وابن أبي رواد، وزاد في السابعة عبيد الله بن الأخنس، وأسقط منها سعيداً، وعلي بن الحكم، وقال الطبقة الثامنة: عمر بن محمد زيد، وأسامة بن زيد، ومحمد بن إسحاق، وصخر بن جويرية، وهمام بن يحيى، وهشام بن سعد، قال: والتاسعة: الضعفاء: عبد الكريم أبي أمية، وليث بن أبي سليم، وحجاج بن أرطأة، وأشعث بن سوار، وعبد الله بن عمر وذكر طبقة عاشرة، وقال: هم المتروك حديثهم، إسحاق بن أبي فروة، وعبد الله بن نافع، وعمر بن قيس، ونجيح أبو معشر، وعثمان البري، وأبو أمية بن يعلى، ومحمد بن

стр. 562

عبد الرحمن بن المجير، وعبد العزيز بن عبيد الله. أصحاب الأعمش قال النسائي: هم سبع طبقات: الأولى: يحيى القطان، والثوري، وشعبة. الثانية: زائدة، وابن أبي زائدة، وحفص بن غياث. الثالثة: أبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وابو عوانة. الرابعة: قطبة بن عبد العزيز، ومفضل بن مهلهل، وداود الطائي

стр. 563

وفضيل بن عياض، وابن المبارك. الخامسة: ابن إدريس، وعيسى بن يونس، ووكيع، وحميد الرواسي، وعبد الله بن داود، والفضل بن موسى، وزهير بن معاوية. السادسة: أبو أسامة، وابن نمير، وعبد الواحد بن زياد. السابعة: عبيدة بن حميد، وعبدة بن سليمان. " الغريب " وأما الحديث الغريب فهو ضد المشهور. وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمون الغريب منه في الجملة، ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا، يعني المشهور. خرجه البيهقي من طريق الترمذي عن أحمد بن عبدة، عن أبي وهب عنه. وخرج أيضاً من طريق الزهري عن علي بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يعرف إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن.

стр. 564

وبإسناده عن مالك، قال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر، الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف، قال: من طلب غرائب الحديث كذب. وقال أبو نعيم: كان عندنا رجل يصلي كل يوم خمسمائة ركعة، سقط حديثه في الغرائب. وقال (عمرو) بن خالد: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس ينبغي للرجل أن يتوقى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلاً كان يصلي في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث. وذكر مسلم، في مقدمة كتابه، من طريق حماد بن زيد، أن أيوب قال لرجل: لزمت عمراً؟ قال: نعم، إنه يجيئنا بأشياء غرائب. قال: يقول له أيوب: إنما نفر أو نفرق من تلك الغرائب.

стр. 565

وقال رجل لخالد بن الحارث: (اخرج لي) حديث الأشعث لعلي أجد فيه شيئاً غريباً. فقال: لو كان فيه شيء غريب لمحوته. ونقل علي بن عثمان النفيلي، عن أحمد، قال: شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها. وقال المروذي: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب ما أقل الفقه فيهم. ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد، قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث "غريب" أو "فائدة" فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان. وإذا سمعتهم يقولون لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء. قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم

стр. 566

كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنباً، والثابت مصدوفاً عنه مطرحاً، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه. وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين الأعلام من أسلافنا الماضين. وهذا الذي ذكره الخطيب حق. ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير. " أنواع الغريب " ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة، وهي نوعان: - ما هو شاذ الاسناد، وسيذكر الترمذي، فيما بعد، بعض أمثلته. - وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت (الأحاديث) بخلافها، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها، وهذا كما قاله أحمد في حديث أسماء بنت عميس: "تسلبي ثلاثاً، ثم اصنعي ما بدا لك". إنه من الشاذ المطرح، مع أنه قد قال به شذوذ من العلماء في أن المتوفى عنها لا إحداد عليها بالكلية، كما سبق ذكره في موضعه.

стр. 567

وكذلك حديث طاوس عن ابن عباس، في الطلاق الثلاث، فقد تقدم في كتاب الطلاق كلام أحمد وغيره من الأئمة فيه، وإنه شاذ مطرح. قال إبراهيم بن أبي عبلة: من حمل شاذ العلم حمل شراً كثيراً. وقال معاوية بن قرة: إياك والشاذ من العلم. وقال شعبة: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ. قال صالح بن محمد الحافظ: الشاذ الحديث المنكر الذي لا يعرف. وقد تقدم قول ابن مهدي: لا يكون إماماً في العلم من يحدث بالشاذ من العلم. " اعتراض على الترمذي وبيان لمنهجه، ومنهج النسائي وأبي داود " وقد اعترض على الترمذي ﵀ بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالباً. وليس ذلك بعيب، فإنه ﵀ يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد. وكان مقصده ﵀ ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له.

стр. 568

وأما أبو داود ﵀ فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية، ولهذا قال في رسالته إلى أهل مكة: سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟ فاعلموا أنه كذلك (كله) ، إلا أن يكون قد روى من وجهين صحيحين، وأحدهما أقوى إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فانه يكثر، وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل، لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك. إلى أن قال: وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح مسنداً، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. إلى أن قال: والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الأحاديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل

стр. 569

الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فانه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم، ولو أحتج بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده علينا أحد. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإن عرف، وإلا فدعه. وذكر بقية الرسالة. وخرج البيهقي بإسناده عن ابن وهب، قال: لولا مالك بن انس والليث بن سعد لهلكت، كنت أظن أن كل ما جاء عن النبي ﷺ يعمل به. قال ابن أبي خيثمة: (ثنا) بن الأصبهاني. (ثنا) عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: إني لأسمع الحديث فآخذ منه ما يؤخذ به وأدع سائره. الغريب في اصطلاح الترمذي ثم لنرجع إلى ما ذكره الترمذي ﵀ فنقول: ذكر الترمذي ﵀ عند أهل الحديث يطلق بمعان: أحدها: "ما لا يروى إلا من وجه واحد": أن يكون الحديث لا يروى إلا من وجه واحد. ثم مثله بمثالين وهما في الحقيقة نوعان: أحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث أيضاً، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه،

стр. 570

عن النبي ﷺ "في الذكاة" فهذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، ثم اشتهر عن حماد ورواه عنه خلق فهو في أصل إسناده، غريب ثم صار مشهوراً عن حماد. قال الترمذي: ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. وقد خرج الترمذي في كتاب الصيد والذبائح هذا الحديث، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غيره، ولم يقل: إنه حسن، لما ذكر ههنا أن شرطه في الحسن أن يروى نحوه من غير وجه، وهذا ليس كذلك فإنه لم يرو في الذكاة في غير الحلق واللبة إلا في حال الضرورة. وحكى أيضاً ـ في كتاب العلل عن البخاري، أنه قال: لا يعرف لأبي العشراء شيء غير هذا. وقد ذكرنا هناك أن بعضهم ذكر لحماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه نحو عشرة أحاديث، لكن كل أسانيدها إلى حماد ضعيفة، لا يكاد يصح منها شيء عنه. ووهن أحمد حديث أبي العشراء في الذكاء أيضاً. النوع الثاني: أن يكون الإسناد مشهوراً، يروى به أحاديث كثيرة،

стр. 571

ولكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد، ومثله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته، فإنه لا يصح عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط. وقد خرجه الترمذي في كتاب البيوع وسبق الكلام عليه هناك مستوفى، وهو معدود من غرائب الصحيح فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا فتكلم فيه الإمام أحمد (ووهنه، ثم) قال: لم يتابع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ : قال: "الولاء لمن أعتق" لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. قلت: وروى نافع عن ابن عمر، من قوله: النهي عن بيع الولاء وعن هبته (غير) مرفوع. وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار، والله أعلم.

стр. 572

ومن غرائب الصحيح أيضاً حديث عمر عن النبي ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" الحديث وقد خرجه الترمذي في الجهاد، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى، فانه لم يصح إلا من حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. ومنها أيضاً، "حديث أنس" دخل النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، فانه لم يصح إلا من حديث مالك عن ابن شهاب عن أنس، وقد سبق ذكره في الجهاد أيضاً. وأمثلة ذلك كثيرة. " زيادة الثقة " قال أبو عيسى ﵀: ورب حديث أستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه، مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير. فزاد مالك في هذا الحديث "من المسلمين". وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر، ولم يذكر فيه من المسلمين". وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يعتمد على حفظه. وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به: منهم الشافعي

стр. 573

وأحمد بن حنبل، قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد زكاة الفطر عنهم، واحتجا بحديث مالك. فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه. هذا أيضاً نوع من الغريب، وهو أن يكون الحديث في نفسه مشهوراً لكن يزيد بعض الرواة في متنه زيادة تستغرب. وقد ذكر الترمذي أن الزيادة إن كانت من حافظ يعتمد على حفظه فإنها تقبل، يعني: وإن كان الذي زاد ثقة لا يعتمد على حفظه لا تقبل زيادته. وهذا ـ أيضاً ـ ظاهر كلام الإمام أحمد، قال في رواية صالح: قد أنكر على مالك هذا الحديث، يعني زيادته "من المسلمين". ومالك إذا انفرد بحديث هو ثقة. وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه، يعني في الحديث.

стр. 574

وقال: قد رواه العمري الصغير والجمحي ومالك. فذكر أحمد أن مالكاً يقبل تفرده، وعلل بزيادته في التثبيت على غيره، وبأنه قد توبع على هذه الزيادة. وقد ذكرنا هذه الزيادة، ومن تابع مالكاً عليها في كتاب الزكاة. ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها. وقد قال أحمد في رواية عنه: كنت أتهيب حديث مالك "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث (العمريين) قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين"؟ قال: نعم. وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة (واحد من الثقات) ، ولو كان مثل مالك، حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك، ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار. وسيأتي فيما بعد ـ إن شاء الله ـ عن يحيى القطان نحو ذلك أيضاً. وكلام الترمذي ههنا يدل على خلاف ذلك وأن العبرة برواية مالك، وأنه لا عبرة ممن تابعه ممن لا يعتمد على حفظه. وفي حديث ابن عمر في صدقة الفطر زيادات أخر لا تثبت، منها ذكر القمح، وكذلك في حديث أبي سعيد في صدقة الفطر زيادات، وقد ذكرنا ذلك كله مستوفى في كتاب الزكاة. وقال أحمد أيضاً: في حديث ابن فضيل عن الأعمش، عن عمارة بن

стр. 575

عمير، عن أبي عطية، عن عائشة في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها: "والملك لا شريك لك"، قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة، إنما تعرف عن ابن عمر، وذكر أن أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها: وخرجه البخاري بدونها أيضاً من طريق الثوري، عن الأعمش وقال: تابعه أبو معاوية. قال الخلال: أبو عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضاً ـ عن الأعمش. وكذلك قال أحمد في رواية الميموني: حديث أبي هريرة في الاستسعاء

стр. 576

يرويه ابن أبي عروبة. وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء. فالذي يدل عليه كلام الإمام أحمد في هذا الباب: إن زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة، ولم يتابع عليها، فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزاً في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك "من المسلمين": كنت أتهيبه حتى وجدته من حديث العمريين. وقال مرة: إذا انفرد مالك بحديث هو ثقة، وما قال أحد بالرأي أثبت منه. وقال في حديث أيوب عن نافع، عن ابن عمر المرفوع: من حلف فقال:

стр. 577

إن شاء الله فلا حنث عليه". خالفه الناس، عبيد الله وغيره فوقفوه. وأما أصحابنا الفقهاء، فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقاً، وعدمه مطلقاً، ولم يذكروا نصاً له بالقبول مطلقاً مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصاً عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك، مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان، إحداهما: فيه زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يؤخذ وهذا ليس مما نحن فيه، فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن يفوته الحج أن عليه القضاء، وعن بعضهم عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقول من زاد الدم، فإذا روي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين) ، وإنما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد. وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: إن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة. ومن الأصحاب من قال في هذه المسألة: إن تعدد المجلس الذي نقل فيه الحديث قبلت الزيادة وإن كان المجلس واحداً وكان الذي ترك الزيادة جماعة

стр. 578

لا يجوز عليهم الوهم لم تقبل الزيادة وإن كان ناقل الزيادة جماعة كثيرة قبلت، وإن كان راوي الزيادة واحداً والنقصان واحداً قدم أشهرهما (وأوثقهما) في الحفظ والضبط. قالوا: وإن خالفت الزيادة ظاهر المزيد عليه، لم تقبل. وحملوا كلام أحمد في حديث السعاية على ذلك. وليس في كلام أحمد تعرض لشيء من هذا التفصيل، وإنما يدل كلامه على ما ذكرناه أولاً. وأما الفرق بين أن يكون المجلس متحداً أو متعدداً فإنه مأخوذه مما ذكره بعضهم في حديث أبي موسى "في النكاح بلا ولي" فإن شعبة وسفيان أرسلاه عن أبي إسحاق، عن أبي بردة وإسرائيل وصله. ويقال إن سماع شعبة وسفيان كان واحداً، والذين وصلوه جماعة، فالظاهر أنهم سمعوه في مجالس متعددة. وقد أشار الترمذي إلى هذا في كتاب النكاح، كما تقدم.

стр. 579

وحكى (أصحابنا الفقهاء) عن أكثر الفقهاء والمتكلمين قبول الزيادة إذا كانت من ثقة، ولم تخالف المزيد وهو قول الشافعي. وعن أبي حنيفة أنها لا تقبل. وعن أصحاب مالك في ذلك وجهان. (وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر، فإنه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات. وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء أنه يكون ما انفرد به عنهم شاذاً غير مقبول، والله أعلم) . ولا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، كما ذكرنا في حديث النكاح بلا ولي، وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ ـ أيضاً ـ. وقد قال أحمد في حديث أسنده حماد بن سلمة: أي شيء ينفع وغيره يرسله؟. وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث. وهذا يخالف تصرفه في المستدرك. وقد صنف (في ذلك) الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه "تمييز المزيد في (متصل) الأسانيد" وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.

стр. 580

والثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء. وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد". (وقد عاب تصرفه في كتاب "تمييز المزيد") بعض محدثي الفقهاء وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية. وذكر في الكفاية، حكاية عن البخاري، أنه سئل عن حديث أبي إسحاق في "النكاح بلا ولي". قال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة. وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث. وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعاً أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة. (وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة) ، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد. فدل على أن مرادهم زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ. وقال الدارقطني في (حديث) زاد في إسناده رجلان ثقتان رجلاً،

стр. 581

وخالفهما الثوري فلم يذكره، قال: لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه، لأن زيادة الثقة مقبولة. وهذا تصريح بأنه إنما يقبل زيادة الثقة إذا لم يخالفه من هو أحفظ عنه. وأما الزيادة في المتون وألفاظ الحديث، فأبو داود ﵀ في كتاب السنن أكثر الناس اعتناء بذلك، وهو مما يعتني به محدثو الفقهاء. قال الحاكم: هذا مما يعز وجوده، ويقل في أهل الصنعة من يحفظه: وقد كان أبو بكر بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر بذلك، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد، يعني حسان بن محمد القرشي. وذكر الحاكم لذلك أمثلة منها: حديث الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود. سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل، قال: "الصلاة لأول وقتها". وقال: هذه الزيادة لم يذكرها غير بندار والحسن بن مكرم، وهما ثقتان، عن عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمر الشيباني.

стр. 582

وقال الدارقطني: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن زياد: كان يعرف زيادات الألفاظ في المتون. قال وكنا في مجلس فيه أبو طالب والجعابي وغيرهما، فجاء فقيه فسأل: من روى عن النبي ﷺ "وجعل تربتها طهوراً" فلم يجيبوه، ثم قاموا، وسألوا أبا بكر بن زياد، فقال: نعم، حدثنا فلان، وسرد الحديث. والحديث خرجه مسلم في صحيحه، من حديث حذيفة، وخرجه ابن خزيمة (في صحيحه) ولفظه. "وجعل ترابها لنا طهوراً". وقد تقدم الحديث في كتاب الصلاة، "في باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد". وهذا ـ أيضاً ـ ليس مما نحن فيه، لأن حديث حذيفة لم يرد بإسقاط هذه

стр. 583

اللفظة وإثباتها، وإنما وردت هذه اللفظة فيه، وأكثر الأحاديث فيها "وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً". وليس هذا من باب المطلق (والمقيد) ، كما ظنه بعضهم، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، ولا يقتضي ذلك التخصيص: إلا عند من يرى التخصيص بالمفهوم. ويرى أن للقب مفهوماً معتبراً. ومن الزيادات الغربية في المتون زيادة من زاد في حديث صفوان بن عسال "في المسح على الخفين": ثم يحدث بعد ذلك وضوءاً. وزيادة من زاد في حديث "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، قالوا: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: "ولا ركعتي الفجر". وقد ذكرنا الحديثين في موضوعهما من الكتاب، وهما زيادتان ضعيفتان.

стр. 584

وقد ذكر مسلم في كتاب التمييز حديث أيمن بن نابل، عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي ﷺ كان يقول في التشهد: بسم الله وبالله، والتحيات الله" الحديث. وذكر أن زيادة التسمية في التشهد تفرد بها أيمن بن نابل، وزاد في آخر التشهد: "وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار". وذكر أن الحفاظ رووه عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي عباس بدون هاتين الزيادتين. قال: والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يكثر عليهم الوهم في حفظهم. وذكر مسلم ـ أيضاً ـ في هذا الكتاب رواية من روى من الكوفيين ممن روى حديث ابن عمر في سؤال جبريل للنبي ﷺ عن شرائع الإسلام فأسقطوا من الإسناد عمر، وزاد في المتن ذكر الشرائع. قال مسلم في هذه الزيادة: هي غير مقبولة، لمخالفة من هو أحفظ منهم من الكوفيين كسفيان، ولمخالفة أهل البصرة لهم قاطبة، فلم يذكروا هذه الزيادة، وإنما ذكرها طائفة من المرجئة ليشيدوا بها مذهبهم.

стр. 585

وأما زيادة عمر في الإسناد، فقال: أهل البصرة أثبت وهم له أحفظ من أهل الكوفة إذ هم الوائدون في الإسناد عمر، ولم يحفظه الكوفيون، والحديث للزائد والحافظ، لأنه في معنى الشاهد الذي حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه. وهذا القياس الذي ذكره ليس بجيد، لأنه لو كان كذلك لقبلت زيادة كل ثقة، زاد في روايته، كما يقبل ذلك في الشهادة، وليس ذلك قول مسلم، ولا قول أئمة الحفاظ ـ والله أعلم ـ وإنما قبلت زيادة أهل البصرة في الإسناد لعمر (لأنهم) أحفظ وأوثق ممن تركه من الكوفيين، وفي كلامه ما يدل على أن صاحب الهوى إذا روى ما يعضد هواه فإنه لا يقبل منه، لا سيما إذا انفرد بذلك. ثالثها: "ما يروى من وجوه كثيرة ويستغرب من وجه معين": قال أبو عيسى ﵀: رب حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد: حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي وأبو السائب والحسين الأسود قالوا: (ثنا) أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده، أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معى واحد".

стр. 586

هذا حديث غريب من هذا الوجه، من قبل إسناده، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ . وإنما يستغرب من حديث أبي موسى. وسألت محمود بن غيلان عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب عن أبي أسامة. (وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث أبي كريب: عن أبي أسامة) ولم نعرفه إلا من حديث أبي كريب عن أبي أسامة. فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب، ويقول: ما علمت أن أحداً حدث بهذا غير أبي كريب. قال محمد: وكنا نرى أن أبي كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة. حدثنا عبد الله بن أبي زياد، وغير واحد، قالوا: (ثنا) شبابة بن سوار، (ثنا) شعبة، عن بكر بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، "أن النبي ﷺ نهى عن الدباء والمزفت". هذا حديث غريب من قبل إسناده. لا نعلم أحداً حدث به عن شعبة غير شبابة، وقد روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة، أنه نهى أن ينتبذ في الدباء، والمزفت. وحديث شبابة إنما يستغرب لأنه تفرد به عن شعبة. وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 587

"الحج عرفة". فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد. " غريب عن صحابي ومشهور عن آخرين من الصحابة " هذا نوع آخر من الغريب. وهو أن يكون الحديث يروى عن النبي ﷺ من طرق معروفة، ويروى عن بعض الصحابة من وجه يستغرب عنه بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه. وقد ذكر الترمذي لهذا النوع مثالين: أحدهما: حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده، عن أبيه أبي موسى. عن النبي ﷺ "المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعا". فهذا المتن معروف عن النبي ﷺ من وجوه متعددة وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ . وأما حديث أبي موسى هذا فخرجه مسلم، عن أبي كريب، وقد

стр. 588

استغربه غير واحد من هذا الوجه وذكروا أن ابا كريب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة. وذكر لأبي زرعة من رواه عن أبي أسامة غير أبي كريب، فكأنه أشار إلى أنهم أخذوه منه، وحسين بن الأسود كان يتهم بسرقة الحديث، وأبو هشام فيه ضعف أيضاً. وقد ذكرنا كلام أبي زرعة في هذا في كتاب الأطعمة وإنكاره، على أبي السائب وأبي هشام روايته، وظاهر كلام أحمد يدل على استنكار هذا الحديث أيضاً. قال أبو داود: سمعت أحمد، وذكر له حديث بريد هذا، فقال أحمد:

стр. 589

يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً، أحاديث ضعيفة، وجعل ينكر طلب الطرق نحو هذا. قال: هذا شيء لا تنتفعون به، أو نحو هذا الكلام. وإنما كره أحمد تطلب الطرق الغريبة الشاذة المنكرة: وأما الطرق الصحيحة المحفوظة فإنه كان يحث على طلبها، كما ذكرناه عنه في أول الكتاب. وما حكاه الترمذي عن البخاري ههنا أنه قال: كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي اسامة في المذاكرة، فهو تعليل للحديث، فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب. والمذاكرة يجعل فيها تسامح، بخلاف حال السماع، أو الإملاء، وكذلك لم يروه أحد عن بريد غير أبي أسامة. المثال الثاني: حديث شبابة، عن شعبة عن بكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ : أنه نهى عن الدباء والمزفت. فإن نهى النبي ﷺ عن الانتباذ في الدباء، والمزفت صحيح ثابت عنه، رواه عنه جماعة كثيرون من أصحابه، وأما رواية عبد الرحمن بن يعمر عنه فغريبة جداً، ولا تعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد بها شبابة عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عنه.

стр. 590

وعند شعبة بهذا الإسناد، عن عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج عرفة" في حديث ذكره. فهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد. وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت، فهو بهذا الإسناد غريب جداً، وقد أنكره على شبابة طوائف من الأئمة، منهم الإمام أحمد، والبخاري وأبو حاتم، وابن عدي. وأما ابن المديني فإنه سئل عنه، فقال: لا ينكر لمن سمع من شعبة، يعني حديثاً كثيراً، أن ينفرد بحديث غريب. وقال أحمد: إنما روى شعبة بهذا الإسناد: حديث (الحج) ، يشير إلى أنه لا يعرف بهذا الإسناد غير حديث الحج. وقد سبق ذكر هذا الحديث، مع الكلام عليه في كتاب الأشربة والله أعلم.

стр. 591

رابعاً: "ما كان مشهوراً عن الصحابي من طريق وغريباً من طريق آخر": قال أبو عيسى ﵀: (ثنا) محمد بن بشار (ثنا) معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو مزاحم: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يقضي قضاؤها فله قيراطان"، قالوا: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد". حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، (أنا) مروان بن محمد، عن معاوية بن سلام، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي مزاحم سمع أبا هريرة يقول عن النبي ﷺ : قال: "من تبع جنازة فله قيراط"، فذكره بمعناه. قال عبد الله بن عبد الرحمن: و (أنا) مروان عن معاوية بن سلام، قال: قال يحيى: وحدثني أبو سعيد مولى المهري عن حمزة بن سفينة، عن السائب، سمع عائشة، عن النبي ﷺ نحوه. قلت: لأبي محمد، عبد الله بن عبد الرحمن: ما الذي استغربوا من حديثك بالعراق؟

стр. 592

فقال: حديث السائب عن عائشة، عن النبي ﷺ فذكر الحديث. وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن، قال: وهذا حديث قد روي من غير وجه، عن عائشة، عن النبي ﷺ وإنما يستغرب هذا الحديث لحال إسناده لرواية السائب عن عائشة عن النبي ﷺ . هذا نوع آخر من الغريب. وهو أن يكون الحديث عن النبي ﷺ معروفاً من رواية صحابي عنه، من طريق أو من طرق ثم يروى عن ذلك الصحابي من وجه آخر، يستغرب من ذلك الوجه خاصة عنه، مثل ما ذكر الترمذي ههنا من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سعيد مولى المهري، عن حمزة بن سفينة عن السائب، عن عائشة، عن النبي ﷺ . وهذا الحديث إنما يعرف من رواية عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ، الذي خرجه الترمذي هنا عنه، ذكر أن البخاري كان يحدث به عنه. وقد ذكره البخاري في تاريخه عنه، فقال: قال عبد الله، (أنا) مروان، عن معاوية، فذكره. وخرجه بقي بن مخلد في مسنده، عن عبد الله الدارمي أيضاً. وذكر الترمذي عن الدارمي أن أهل العراق كانوا يستغربون من حديثه هذا الحديث

стр. 593

وحمزة بن سفينة الذي يرويه عن السائب بن يزيد، شيخ بصري، ذكره ابن حبان في ثقاته. وهذا الحديث مروي من وجوه متعددة عن عائشة، أنها صدقت أبا هريرة بما حدث به عن النبي ﷺ من هذا الحديث. وأما من حديث السائب بن يزيد عنها فلا يعرف إلا من هذا الوجه. ومما كان يستغرب من حديث الدارمي ـ أيضاً ـ بالعراق حديثه عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "نعم الادام الخل". وقد خرجه الترمذي في كتاب الأطعمة من كتابه هذا، ومسلم في صحيحه كلاهما عن الدارمي به. وقد سبق الكلام عليه في موضعه، وذكرنا أن كثيراً من الحفاظ استنكروه، على سليمان بن بلال منهم أحمد، وأبو حاتم، وأحمد بن صالح، وغيرهم. وكذلك قال جماعة منهم في حديث: "بيت لا تمر فيه جياع أهله". بهذا

стр. 594

الإسناد، ولكن هذا من نوع الغريب المذكور قبل هذا، فإنه غريب من حديث عائشة عن النبي ﷺ على أنه قد روي من وجه آخر عنها، وهو ضعيف. والحديث معروف من حديث جابر عن النبي ﷺ . " المنكر وحده " قال أبو عيسى ﵀: حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، (ثنا) يحيى بن سعيد القطان، (ثنا) المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "أعقلها وتوكل". قال عمرو بن علي: قال يحيى بن سعيد: وهذا عندي حديث منكر. قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث أنس بن مالك إلا من هذا الوجه. وقد روى عن عمرو بن أمية الضمري عن النبي ﷺ نحو هذا. قال أبو عيسى ﵀:

стр. 595

وقد وضعنا هذا الكتاب على الاختصار لما رجونا فيه من المنفعة، ونسأل الله النفع بما فيه وأن لا يجعله وبالاً علينا برحمته. آخر الكتاب والحمد لله وحده. حديث أنس هذا قد خرجه الترمذي فيما تقدم ـ أيضاً ـ في أواخر كتاب الزهد، وسبق هناك ذكره، وذكر حديث عمرو بن أمية الضمري ـ أيضاً ـ. وحديث أنس قد رواه غير واحد عن المغيرة بن أبي قرة، عن أنس. وقد تفرد به المغيرة عنه، ولهذا غربه الترمذي من حديث أنس. وقال يحيى القطان: هو عندي منكر. فهذا الحديث من الغرائب المنكرة. ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في العلل: أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلا من طريق الذي رواه فيكون منكراً. ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ . وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد الله بن دينار، عن

стр. 596

ابن عمر، عن النبي ﷺ "في النهي عن بيع الولاء وهبته". وكذا قال أحمد في حديث مالك، عن الزهري، عن عروة عن عائشة: "إن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم، وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى". قال: لم يقل هذا أحد إلا مالك. وقال: ما أظن مالكاً إلا غلط فيه، ولم يجىء به أحد غيره، وقال مرة: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة. ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث، في أن القارن يطوف طوافاً واحداً. قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي، ننظر في الحديث فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبي ﷺ أو عن أنس بن مالك من وجه آخر، لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي ﷺ ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكراً. وقال أيضاً: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ حديثاً لا يصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره، إذا كان متن الحديث معروفاً، ولا يكون منكراً ولا معلولاً. وقال في حديث رواه عمرو بن عاصم، عن همام، عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، أن رجلاً قال للنبي ﷺ "إني

стр. 597

أصبت حداً فأقمه علي" الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم. ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه. وخرج مسلم معناه أيضاً من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ فهذا شاهد لحديث أنس. ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد، والله أعلم. وقال إسحاق بن هانىء، قال لي أبو عبد الله، (يعني أحمد) ، قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله، يعني ابن عمر، أخطأ (إلا) في حديث

стр. 598

واحد لنافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام ... الحديث". قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه. قال (أبو عبد الله) : قال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه. وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر. وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك. قال عبد الله: سألت أبي عن حسين بن علي، الذي يروي حديث المواقيت فقال: هو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.

стр. 599

وقال أحمد في بريد بن عبد الله بن أبي بردة: يروي أحاديث مناكير. وقال أحمد في محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو قال: منكرة. وقال في زيد بن أبي أنيسة: إن حديثه لحسن مقارب، وأن فيها لبعض النكارة، قال: وهو على ذلك حسن الحديث. قال الأثرم: قلت لأحمد: إن له أحاديث أن لم تكن مناكير فهي غرائب، قال: نعم وهؤلاء الثلاثة متفق على الاحتجاج بحديثهم في الصحيح، وقد استنكر أحمد ما تفردوا به، وكذلك قال في عمرو بن الحارث: (له أحاديث) مناكير، وفي الحسين بن واقد، وخالد بن مخلد، وجماعة خرج لهم في الصحيح بعض ما ينفردون به. وأما تصرف الشيخين والأكثرين فيدل على خلاف هذا، وإن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه، وليس له علة فليس بمنكر. (وقد خرجا في الصحيحين حديث بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وحديث محمد بن إبراهيم التيمي، وحديث زيد بن أبي أنيسة) . وقد قال مسلم في أول كتابه: حكم أهل العلم والذي يعرف من مذهبهم في قبول ما ينفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل الحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئاً (ليس) عند أصحابه قبلت زيادته.

стр. 600

فأما من نراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على اتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح الذي عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم. (فصرح بأن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث قبل ما تفرد به، وحكاه عن أهل العلم) . وقد ذكرنا فيما تقدم قول الشافعي في الشاذ، وأنه قال: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة (من الحديث) ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف الناس. وكذا قال أبو بكر الأثرم، وحكى أبو يعلى الخليلي هذا القول عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان، أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك، لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به. وكذلك ذكر الحاكم، أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة، من الثقات، وليس له أصل متابع لذلك الثقة ولم يوقف له على علة. ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فرداً، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين
следующие страницы →