Полный текст (5 398 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
وقعة السودان بمصر .
العام الهجري: ٥٦٤
الشهر القمري: ذو القعدة
العام الميلادي: ١١٦٩
تفاصيل الحدث:
في أوائل ذي القعدة قتل مؤتمن الخلافة، وهو خصي كان بقصر العاضد، إليه الحكم فيه، والتقدم على جميع من يحويه، فاتفق هو وجماعة من المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى البلاد، والتقوي بهم على صلاح الدين ومن معه، وسيروا الكتب مع إنسان يثقون به، وأقاموا ينتظرون جوابه، وسار ذلك القاصد إلى البئر البيضاء، فلقيه إنسان تركماني، فرأى معه نعلين جديدين، فأخذهما منه وقال في نفسه: لو كانا مما يلبسه هذا الرجل لكانا خلقين، فإنه رث الهيئة، وارتاب به وبهما، فأتي بهما صلاح الدين ففتقهما، فرأى الكتاب فيهما، فقرأه وسكت عليه، وكان مقصود مؤتمن الخلافة أن يتحرك الفرنج إلى الديار المصرية، فإذا وصلوا إليها خرج صلاح الدين في العساكر إلى قتالهم، فيثور مؤتمن الخلافة بمن معه من المصريين على مخلفيهم فيقتلونهم، ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح الدين، فيأتونه من وراء ظهره، والفرنج من بين يديه، فلا يبق لهم باقية. فلما قرأ الكتاب سأل عن كاتبه فقيل: رجل يهودي، فأحضر، فأمر بضربه تقريره، فابتدأ وأسلم وأخبره الخبر، وأخفى صلاح الدين الحال، واستشعر مؤتمن الخلافة فلازم القصر ولم يخرج منه خوفاً، وإذا خرج لم يبعد صلاح الدين لا يظهر له شيئاً من الطلب، لئلا ينكر الحال ذلك، فلما طال الأمر خرج من القصر إلى قرية له تعرف بالحرقانية للتنزه، فلما علم به صلاح الدين أرسل إليه جماعة، فأخذوه وقتلوه وأتوه برأسه، وعزل جميع الخدم الذين يتولون أمر الخلافة واستعمل على الجميع بهاء الدين قراقوش، وهو خصي أبيض، وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا بأمره وحكمه، فغضب السودان الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة حمية، ولأنه كان يتعصب لهم، فحشدوا وأجمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألفاً، وقصدوا حرب الأجناد الصلاحية، فاجتمع العسكر أيضاً وقاتلوهم بين القصرين، وكثر القتل في الفريقين، فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة، فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين، فركبهم السيف، وأخذت عليهم أفواه السكك فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل، فأجيبوا إلى ذلك، فأخرجوا من مصر إلى الجيزة، فعبر إليهم وزير الدولة توارنشاه أخو صلاح الدين الأكبر في طائفة من العسكر، فأبادهم بالسيف، ولم يبق منهم إلا القليل الشريد، وكفى الله تعالى شرهم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 1997
غزوة لسرية نورية .
العام الهجري: ٥٦٥
العام الميلادي: ١١٦٩
تفاصيل الحدث:
كان شهاب الدين إلياس بن إيلغازي بن أرتك، صاحب قلعة البيرة، قد سار في عسكره، وهو في مائتي فارس، إلى نور الدين وهو بعشترا، فلما وصل إلى قرية اللبوة، وهي من عمل بعلبك، ركب متصيداً، فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ساروا للإغارة على بلاد الإسلام سابع عشر شوال، فوقع بعضهم على بعض، واقتتلوا واشتد القتال، وصبر الفريقان لاسيما المسلمون، فإن ألف فارس لا يصبرون لحملة ثلاثمائة فارس إفرنجية، وكثر القتلى بين الطائفتين، فانهزم الفرنج، وعمهم القتل والأسر، فلم يفلت منهم إلا من لا يعتد به، وسار شهاب الدين برؤوس القتلى والأسرى إلى نور الدين، فركب نور الدين والعسكر، فلقوهم، فرأى نور الدين في الرؤوس رأس مقدم الإسبتار، صاحب حصن الأكراد، وكان من الشجاعة بمحل كبير، وكان شجاً في حلوق المسلمين.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 1998
الحرب بين عساكر يوسف بن عبدالمؤمن وابن مردنيش بالأندلس .
العام الهجري: ٥٦٥
العام الميلادي: ١١٦٩
تفاصيل الحدث:
كان محمد بن سعيد بن مردنيش، ملك شرق الأندلس، قد اتفق هو والفرنج، وامتنع على عبد المؤمن وابنه بعده، فاستفحل أمره، لا سيما بعد وفاة عبد المؤمن، فلما كان هذه السنة جهز إليه يوسف بن عبد المؤمن العساكر الكثيرة مع أخيه عمر بن عبد المؤمن، فجاسوا بلاده وخربوها، وأخذوا مدينتين من بلاده، وأخافوا عساكر جنوده، وأقاموا ببلاده مدة يتنقلون فيها ويجبون الأموال، ثم إن ابن مردنيش توفي فدخل أولاده في طاعة ابن عبدالمؤمن.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 1999
محاصرة الفرنجة لدمياط ورجوعهم عنها .
العام الهجري: ٥٦٥
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١١٦٩
تفاصيل الحدث:
تحرك الفرنج لغزو ديار مصر خوفاً من صلاح الدين ونور الدين عندما بلغهم تمكنه من ديار مصر وقطع آثار جند المصريين. فكاتبوا فرنج صقلية وغيرهم واستنجدوا بهم، فأمدوهم بالمال والسلاح والرجال، وساروا بالدبابات والمنجنيقات إلى دمياط، فنزلوا عليها في مستهل صفر بألف ومائة مركب، ما بين شين ومسطح وشلندي وطريدة، وأحاطوا بها براً وبحراً، فأسرع صلاح الدين إلى دمياط وتحصن فيها، كما قام نور الدين زنكي بالإسراع بغزو البلدان التي يسيطرون عليها فحاصر الكرك، وأرسل كذلك نجدة إلى صلاح الدين وكانت القوة تتحرك إثر القوة، وكان على رأس أحدها والد صلاح الدين، واستمر حصار الصليبيين لمدينة دمياط خمسين يوما اضطروا بعدها لرفع الحصار عنها نتيجة الإمدادات التي كانت تصل إلى دمياط من نور الدين محمود وشدة مقاومة صلاح الدين بالإضافة إلى دعم الخليفة الفاطمي العاضد واستيلاء نور الدين على أجزاء من مملكة الصليبيين في بيت المقدس، ولفناء وقع فيهم؛ وغرق من مراكبهم نحو الثلثمائة مركب. فأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها، فغادر الصليبيون دمياط وتفرغ صلاح الدين لتوطيد أقدامه بمصر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2000
حصار نور الدين للكرك .
العام الهجري: ٥٦٥
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١١٧٠
تفاصيل الحدث:
أرسل صلاح الدين إلى نور الدين يطلب أن يرسل إليه والده نجم الدين أيوب، فجهزه نور الدين وسيره، وسير معه عسكراً، واجتمع معه من التجار خلق كثير، وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة، فخاف نور الدين عليهم من الفرنج، فسار في عساكره إلى الكرك، فحصره وضيق عليه ونصب عليه المجانيق، فأتاه الخبر أن الفرنج قد جمعوا له، وساروا إليه، وقد جعلوا في مقدمتهم إليه ابن هنفري وقريب بن الرقيق، وهما فارسا الفرنج في وقتهما، فرحل نور الدين نحو هذين المقدمين ليلقاهما ومن معهما قبل أن يلتحق بهما باقي الفرنج، فلما قاربهما رجعا واجتمعا بباقي الفرنج, وسلك نور الدين وسط بلادهم يسلب ويحرق ما على طريقه من القرى إلى أن وصل إلى بلاد الإسلام، فنزل على عشترا، وأقام ينتظر حركة الفرنج ليلقاهم، فلم يبرحوا من مكانهم، فأقام هو حتى أتاه خبر الزلزلة الحادثة فرحل, وأما نجم الدين أيوب فإنه وصل إلى مصر سالماً هو ومن معه وخرج العاضد الخليفة فالتقاه إكراماً له.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2001
زلازل في عدة أماكن .
العام الهجري: ٥٦٥
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١١٧٠
تفاصيل الحدث:
ثاني عشر شوال، كانت زلازل عظيمة متتابعة هائلة لم ير الناس مثلها، وعمت أكثر البلاد من الشام والجزيرة والموصل والعراق وغيرها من البلاد، وأشدها كان بالشام سقط منها بعض شرف الجامع الأموي وتشقق رأسا المنارتين الشرقية والغربية، وكانت المنارة الشمالية تهتز اهتزاز السعفة في الريح العاصفة، فخربت كثيراً من دمشق وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وبعرين وحلب وغيرها، وتهدمت أسوارها وقلاعها، وسقطت الدور على أهلها، وهلك منهم ما يخرج عن الحد، فلما أتى الخبر إلى نور الدين سار إلى بعلبك ليعمر ما انهدم من سورها وقلعتها، فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد وخراب أسوارها وقلاعها، وخلوها من أهلها، فجعل ببعلبك من يعمرها ويحميها ويحفظها، وسار إلى حمص ففعل مثل ذلك، ثم إلى حماة ثم إلى بعرين، وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الفرنج، ثم أتى مدينة حلب، فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد، فإنها كانت قد أتت عليها وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ، وكانوا لا يقدرون أن يأووا إلى مساكنهم خوفاً من الزلزلة، فأقام بظاهرها، وباشر عمارتها بنفسه، فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها، وأما بلاد الفرنج فإن الزلازل أيضاً عملت بها كذلك فاشتغلوا بعمارة بلادهم خوفاً من نور الدين عليها، فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده خوفاً من الآخر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2002
وفاة قطب الدين مودود .
العام الهجري: ٥٦٥
الشهر القمري: ذو الحجة
العام الميلادي: ١١٧٠
تفاصيل الحدث:
توفي قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، وقد كان من أحسن الملوك سيرة وأعفهم عن أموال رعيته، محسناً إليهم، كثير الإنعام عليهم، محبوباً إلى كبيرهم وصغيرهم، عطوفاً على شريفهم ووضيعهم، كريم الأخلاق، حسن الصحبة معهم, سريع الانفعال للخير، بطيئاً عن الشر، جم المناقب، قليل المعايب. وكان مرضه حمى حادة، ولما اشتد مرضه أوصى بالملك بعده لابنه الأكبر عماد الدين زنكي، ثم عدل عنه إلى ابنه الأكبر سيف الدين غازي.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2003
سار الملك نور الدين زنكي إلى الرقة فأخذها وأخذ نصيبين والخابور وسنجار .
العام الهجري: ٥٦٦
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١١٧٠
تفاصيل الحدث:
لما بلغ نور الدين محموداً وفاة أخيه قطب الدين مودود، صاحب الموصل، وملك ولده سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي كانت لأبيه، بعد وفاته، وقيام فخر الدين عبد المسيح بالأمر معه، وتحكمه عليه، أنف لذلك وكبر لديه وعظم عليه، وكان يبغض فخر الدين لما يبلغه عنه من خشونة سياسته، فقال: أنا أولى بتدبير أولاد أخي وملكهم؛ وسار عند انقضاء العزاء جريدة في قلة من العسكر، وعبرت الفرات، عند قلعة جعبر، مستهل المحرم، وقصد الرقة فحصرها وأخذها، ثم سار إلى الخابور فملكه جميعه، وملك نصيبين وأقام فيها يجمع العساكر، فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا، وكثر جمعه، وكان قد ترك أكثر عساكره في الشام لحفظ ثغوره، فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المجانيق وملكها، وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين، وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سراً، يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم، فسار إلى الموصل، وكان سيف الدين غازي وفخر الدين قد سيرا عز الدين مسعود بن قطب الدين إلى أتابك شمس الدين إيلدكز، صاحب همذان وبلد الجبل، وأذربيجان، وأصفهان، والري وتلك البلاد يستنجده على عمه نور الدين، فأرسل إيلدكز رسولاً إلى نور الدين ينهاه عن التعرض للموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسلطان، فلا تقصدها؛ فلم يلتفت إليه، فأقام نور الدين على الموصل، فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد إلى نور الدين فعلم ذلك، فأرسل إلى نور الدين بتسليم البلد إليه على أن يقره بيد سيف الدين، ويطلب لنفسه الأمان ولماله، فأجابه إلى ذلك، وشرط أن فخر الدين يأخذه معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعاً يرضيه، فتسلم البلد ثالث عشر جمادى الأولى، ودخل القلعة من باب السر لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه حلف أن لا يدخلها إلا من أحصن موضع فيها، ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من أبواب المظالم، وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور، وهكذا كان جميع بلاده من الشام ومصر، واستناب في قلعة الموصل خصياً له اسمه كمشتكين، ولقبه سعد الدين، وأمر سيف الدين أن لا ينفرد عنه بقليل من الأمور ولا بكثير، وحكمه في البلاد وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن أخيه قطب الدين، وكان مقام نور الدين بالموصل أربعة وعشرين يوما واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح، وغير اسمه فسماه عبد الله، وأقطعه إقطاعاً كبيراً.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2004
وفاة الخليفة العباسي المستنجد وخلافة ابنه المستضيء بأمر الله .
العام الهجري: ٥٦٦
الشهر القمري: ربيع الثاني
العام الميلادي: ١١٧١
تفاصيل الحدث:
تاسع ربيع الآخر، توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهراً وستة أيام، وصلي عليه يوم الأحد قبل الظهر، ودفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة ﵀، وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قايماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمير ببغداد، فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا، ووضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع لضعفه، ثم إنه دخل وأغلق الباب عليه فمات، وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين وصلبهما، فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار، وأعطاه خط الخليفة، فقال له: تعود وتقول إنني أوصلت الخط إلى الوزير؛ ففعل ذلك، وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش، وعرض الخط عليهم، فاتفقوا على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن وقايماز الحميدي، فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه، وأغلقا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات، ثم بعد وفاة المستنجد، أحضر هو وقطب الدين ابنه أبا محمد الحسن، وبايعاه بالخلافة، ولقباه المستضيء بأمر الله، وشرطا عليه شروطاً أن يكون عضد الدين وزيراً، وابنه كمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، ولم يتولى الخلافة من اسمه الحسن إلا الحسن بن علي بن أبي طالب والمستضيء بأمر الله، فبايعه أهل بيته البيعة الخاصة يوم توفي أبوه، وبايعه الناس في الغد في التاج بيعة عامة، ويذكر أن الخليفة المستنجد بالله كان من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية، عادلاً فيهم، كثير الرفق بهم، وأطلق كثيراً من المكوس، ولم يترك بالعراق منها شيئاً، وكان شديداً على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2005
غزو صلاح الدين الأيوبي بلاد الفرنج وفتح إيلة .
العام الهجري: ٥٦٦
الشهر القمري: ربيع الثاني
العام الميلادي: ١١٧١
تفاصيل الحدث:
سار صلاح الدين أيضاً عن مصر إلى بلاد الفرنج، فأغار على أعمال عسقلان والرملة، وهجم على ربض غزة فنهبه، وأتاه ملك الفرنج في قلة من العسكر مسرعين لرده عن البلاد، فقاتلهم وهزمهم، وأفلت ملك الفرنج بعد أن أشرف أن يؤخذ أسيراً، وعاد إلى مصر، وعمل مراكب مفصلة، وحملها قطعاً على الجبال في البر، وقصد إيلة، فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر، وحصر إيلة براً وبحراً، وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها وعاد إلى مصر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2006
إصلاحات صلاح الدين الأيوبي بمصر .
العام الهجري: ٥٦٦
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١١٧١
تفاصيل الحدث:
كان بمصر داراً للشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها من يريد حبسه فهدمها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وأزال ما كان بها من الظلم، وبنى دار العدل مدرسة للشافعية أيضاً وبنى مدرسة أخرى للمالكية، وعزل القضاة المصريين، وكانوا شيعة، وأقام قاضياً شافعياً في مصر، وولى قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الشافعي، فاستناب في سائر المعاملات قضاة شافعية، ومن حينئذ اشتهر مذهب الشافعي ومذهب مالك بديار مصر وتظاهر الناس بهما، واختفى مذهب الشيعة من الإمامية الإسماعيلية. وبطل من حينئذ مجلس الدعوة بالجامع الأزهر وغيره، واشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز بمصر، وبناها مدرسة للشافعية، كما أبطل صلاح الدين الأذان بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر، فكانت أول وصمة دخلت على الدولة الفاطمية، ثم أمر أن يذكر في الخطبة يوم الجمعة الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي، ثم أمر أن يذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة، فكان الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك، لا غير، ثم أمر صلاح الدين بتغيير شعار الفاطميين، وأبطل ذكر العاضد من الخطبة، وكان الخطيب يدعو للإمام أبي محمد، فتخاله العامة والروافض العاضد وهو يريد أبا محمد الحسن المستضئ بأمر الله الخليفة العباسي، ثم أعلن بالعزم على إقامة الخطبة العباسية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2007
غضب نور الدين زنكي من صلاح الدين الأيوبي ثم الاصطلاح فيما بعد .
العام الهجري: ٥٦٧
العام الميلادي: ١١٧١
تفاصيل الحدث:
كان سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر إلى بلاد الفرنج غازياً ونازل حصن الشوبك، وبينه وبين الكرك يوم، وحصره، وضيق على من به من الفرنج، وأدام القتال، وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام، فأجابهم إلى ذلك، فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصداً بلاد الفرنج ليدخل إليها من جهة أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال: أنت من جانب ونور الدين من جانب، ملكها، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نور الدين، وإن جاء نور الدين إليك وأنت هاهنا، فلا بد لك من الاجتماع به، وحينئذ يكون هو المتحكم فيك بما شاء، إن شاء تركك وإن شاء عزلك، فقد لا تقدر على الامتناع عليه؛ والمصلحة الرجوع إلى مصر، فرحل عن الشوبك عائدا إلى مصر، ولم يأخذه من الفرنج، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأطال الاعتذار، فلم يقبلها نور الدين منه، وتغير عليه وعزم على الدخول إلى مصر وإخراجه عنها، وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر، فجمع أهله، وفيهم أبوه نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمي، ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه، واستشارهم فلم يجبه أحد بكلمة واحدة، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فقال: إذا جاءنا قاتلناه، ومنعناه عن البلاد؛ ووافقه غيره من أهلهم، فشتم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك، واستعظمه، وشتم تقي الدين وأقعده، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين، ونحن أكثر محبة لك من جميع ما ترى، ووالله لو رأيت أنا وخالك هذا نور الدين، لم يمكننا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنفك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا، فما ظنك بغيرنا؟ وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم، وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوابه بها، فإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا؛ والرأي أن تكتب كتاباً من نجاب تقول فيه: بلغني بأنك تريد الحركة لأجل البلاد، فأي حاجة إلى هذا؟ يرسل المولى نجاباً يضع في رقبتي منديلاً ويأخذني إليك، وما هاهنا من يمنع عليك، وأقام الأمراء وغيرهم وتفرقوا على هذا، ففعل صلاح الدين ما أشار به، فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره، فكان الأمر كما ظنه أيوب، فتوفي نور الدين ولم يقصده، وملك صلاح الدين البلاد، وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2008
صلاح الدين الأيوبي يؤسس دولة الأيوبيين ويقضي على العبيديين (الفاطميين) في مصر .
العام الهجري: ٥٦٧
العام الميلادي: ١١٧١
تفاصيل الحدث:
لما مات العاضد غسله ابنه داود وصلى عليه، وجلس على الشدة، واستدعى صلاح الدين ليبايعه، فامتنع، وبعث إليه: أنا نائب عن أبيك في الخلافة ولم يوص بأنك ولي عهده، وقبض عليه وعلى بقية أولاد العاضد وأقاربه ونقله هو وجميع أقاربه وأهله إلى دار المظفر من حارة برجوان ووكل عليهم وعلى جميع ذخائر القصر، وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يحصل منهم نسل. وأغلقت القصور وتملكت الأملاك التي كانت لهم، وضربت الألواح على رباعهم وفرقت على خواص صلاح الدين كثير منها وبيع بعضها. وأعطى القصر الكبير لأمرائه فسكنوا فيه. وأسكن أباه نجم الدين أيوب في اللؤلؤة على الخليج، وصار كل من استحسن من الغز داراً أخرج صاحبها منها وسكنها، ونقلوا إلى قلعة الجبل، وهم ثلاثة وستون نفراً، فمات منهم إلى ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة ثلاثة وعشرون. وتولى وضع القيود في أرجلهم الأمير فخر الدين الطبنا أبو شعرة بن الدويك والي القاهرة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2009
وفاة العاضد بالله آخر الخلفاء العبيديين (الفاطميين) بمصر .
العام الهجري: ٥٦٧
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١١٧١
تفاصيل الحدث:
كان الخليفة العاضد الفاطمي ليس له من الأمر شيء بعد أن تمكن صلاح الدين من أمور مصر فظل العاضد محبوسا في قصره مضيقا عليه لا يعلم كثيرا مما يجري في دولته حتى إن الخطبة قطعت له وخطب للخليفة المستضيء وهو لا يعلم ثم مرض مرضا شديدا وكانت وفاته في العاشوراء من هذا العام فكان هو آخر الخلفاء الفاطميين على مصر وبه انتهت دولة الفاطميين وكانت جميع مدة ملكهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهر تقريباً.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2010
وصول الترك إلى إفريقية وملكهم طرابلس وغيرها .
العام الهجري: ٥٦٨
العام الميلادي: ١١٧٢
تفاصيل الحدث:
سارت طائفة من الترك من ديار مصر مع قراقوش مملوك تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى جبال نفوسة، واجتمع مسعود بن زمام المعروف بمسعود البلاط، وهو من أعيان العرب هناك، وكان خارجاً عن طاعة عبد المؤمن وأولاده، فاتفقا، وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب فحاصراها وضيقا على أهلها، ثم فتحت فاستولى قراقوش، وأسكن أهله قصرها، وملك كثيراً من بلاد إفريقية ما خلا المهدية وصفاقس وقفصة وتونس وما والاها من القرى والمواضع، وصار مع قراقوش عسكر كثير، فحكم على تلك البلاد بمساعدة العرب بما جبلت عليه من التخريب والنهب، والإفساد بقطع الأشجار والثمار، وغير ذلك، فجمع بها أموالاً عظيمة وجعلها بمدينة قابس، وقويت نفسه وحدثته بالاستيلاء على جميع إفريقية لبعد أبي يعقوب بن عبد المؤمن صاحبها عنها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2011
غزو ابن عبدالمؤمن الفرنج بالأندلس .
العام الهجري: ٥٦٨
العام الميلادي: ١١٧٢
تفاصيل الحدث:
جمع أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عساكره وسار من إشبيلية إلى الغزو، فقصد بلاد الفرنج، ونزل على مدينة رندة، وهي بالقرب من طليطلة شرقاً منها، وحصرها، واجتمعت الفرنج على ابن الأذفونش ملك طليطلة في جمع كثير، فلم يقدروا على لقاء المسلمين، فاتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين، وعدمت الأقوات عندهم، وهم في جمع كثير، فاضطروا إلى مفارقة بلاد الفرنج، فعادوا إلى إشبيلية، وأقام أبو يعقوب بها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في ذلك يجهز العساكر ويسيرها إلى غزو بلاد الفرنج في كل وقت، فكان فيها عدة وقائع وغزوات ظهر فيها من العرب من الشجاعة ما لا يوصف، وصار الفارس من العرب يبرز بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد، ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2012
مملكة مالي (وسط أفريقيا) تدخل الإسلام .
العام الهجري: ٥٦٨
العام الميلادي: ١١٧٢
تفاصيل الحدث:
إمبراطورية مالي الإسلامية قامت على أنقاض مملكة غانة الوثنية بعد أن هاجمها وأسقطها المرابطون ١٠٨٧م، الذين أخذوا على كاهلهم نشر الدين الإسلامي وفتح البلاد الوثنية. وبسقوط غانة بدأ الصراع والتنافس على عرش البلاد بين مملكتين أفريقيتين هما كانياجا وكانجابا ليكون النصر من نصيب كانجابا المسلمة بقيادة الملك سنديانا، وقد أتاح له هذا النصر الاستيلاء (في عصر الفتح والإمبراطوريات) على أكثر الأجزاء التي كانت تابعة لدولة غانة، وإقامة دولة إسلامية جديدة عرفت بدولة مالي أو ملي عام ١٢٤٠م. ونظرا للتوسع والازدهار الذي جاء في عهد الملك سنديانا نفسه، وفي عهد الملوك الذين جاءوا من بعده، صاروا يلقبون من يتولون السلطة بمنسى أي الملك الأكبر. والسلطان منسى موسى أعظم ملوك دولة مالي والذي امتد حكمه من سنة ١٣٠٧م إلى ١٣٣٢م، ويعد عصره من أزهى العصور، وقد عرف باسم كنكن موسى، وهو اسم والدته، والنسب بهذه الطريقة (أي إلى الأم) هو أمر مشهور لدى الأسر المالكة في غرب أفريقيا. وخلال فترة حكمه اتسعت حدود الدولة لتقارب مساحة كل دول غربي أوربا مجتمعة، فامتدت شمالا في الصحراء الغربية حتى اشتركت حدودها مع مراكش تقريبا، وغربا إلى المحيط الأطلسي، وشرقا حتى دولة الهوسا، وعرف عن جيشها النشاط الكبير حتى إنه فتح ٢٤ مدينة من مدن السودان في فترة قصيرة للغاية. وفي عهده ازدهرت المدن التجارية مثل مدينة تمبكتو، وسيطرت الدولة على مصادر الذهب والنحاس والملح، كما كانت ملتقى للقوافل التجارية من مراكش وشمال أفريقيا ومصر، ومما شجع على ذلك العدالة والأمن اللتان كانتا تسودان البلاد في عصره.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2013
غاره الفرنج على بلد حوران وغارة المسلمين على بلد الفرنج .
العام الهجري: ٥٦٨
الشهر القمري: ربيع الأول
العام الميلادي: ١١٧٢
تفاصيل الحدث:
اجتمعت الفرنج وساروا إلى بلد حوران من أعمال دمشق للغارة عليه، وبلغ الخبر إلى نور الدين وكان قد برز ونزل هو وعسكره بالكسوة، فسار إليهم مجداً، وقدم بجموعه عليهم، فلما علموا بقربه منهم دخلوا إلى السواد، وهو من أعمال دمشق أيضاً، ولحقهم المسلمون وتخطفوا من في ساقتهم ونالوا منهم، وسار نور الدين فنزل في عشترا، وسير منها سرية إلى أعمال طبرية، فشنوا الغارات عليها، فنهبوا وسبوا، وأحرقوا وخربوا، فسمع الفرنج ذلك، فرحلوا إليهم ليمنعوه عن بلادهم، فلما وصلوا كان المسلمون قد فرغوا من نهبهم وغنيمتهم، وعادوا وعبروا النهر، وأدركهم الفرنج، فوقف مقابلهم شجعان المسلمين وحماتهم يقاتلونهم، فاشتد القتال وصبر الفريقان، الفرنج يرومون أن يلحقوا الغنيمة فيردوها، والمسلمون يريدون أن يمنعونهم عنها لينجو بها من قد سار معها، فلما طال القتال بينهم وأبعدت الغنيمة وسلمت مع المسلمين عاد الفرنج ولم يقدروا أن يستردوا منها شيئاً.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2014
صلاح الدين الأيوبي يمد حدود مصر حتى جنوب النوبة .
العام الهجري: ٥٦٨
الشهر القمري: جمادى الأولى
العام الميلادي: ١١٧٣
تفاصيل الحدث:
سار شمس الدولة توارنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة، فوصل إلى أول بلادهم ليتغلب عليه ويتملكه، وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم الدخول إلى مصر وأخذها منهم، فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد النوبة أو بلاد اليمن، حتى إذا وصل إليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد، فإن قووا على منعه أقاموا بمصر، وإن عجزوا عن ذلك ركبوا البحر ولحقوا بالبلاد التي افتتحوها؛ فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان؛ ومنها إلى بلد النوبة، فنازل قلعة اسمها أبريم، فحصرها، وقاتله أهلها، فلم يكن لهم بقتال العسكر الإسلامي قوة، لأنهم ليس لهم جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب، فسلموها، فملكها وأقام فيها، ولم ير للبلاد دخلاً يرغب فيه وتحتمل المشقة لأجله، وقوتهم الذرة، فلما رأى عدم الحاصل، وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب والمشقة، وتركها وعاد إلى مصر بما غنم، وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2015
رحيل صلاح الدين الأيوبي عن مصر إلى الكرك وعوده عنها .
العام الهجري: ٥٦٨
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١١٧٣
تفاصيل الحدث:
رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكره جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك، والاجتماع مع نور الدين عليهن والاتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره، وسبب ذلك أن نور الدين لما أنكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في العام الماضي، وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه، أرسل يعتذر، ويعد من نفسه بالحركة على ما يقرره نور الدين، فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح الدين يخرج من مصر ونور الدين يسير من دمشق، فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل الآخر إليه، وتواعدا على يوم معلوم يكون فيه وصولهما؛ فسار صلاح الدين عن مصر لأن طريقه أصعب وأبعد وأشق، ووصل إلى الكرك وحصره، وأما نور الدين فإنه لما وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرق الأموال، وحصل الأزواد وما يحتاج إليه، وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم، وبينه وبين الكرك مرحلتان. فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله، واتفق رأيهم على العود إلى مصر، وترك الاجتماع بنور الدين، لأنهم علموا أنه إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلاً. فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه كان قد استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر، وأنه مريض شديد المرض، ويخاف أن يحدث عليه حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم، وأرسل معه من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف؛ فجاء الرسول إلى نور الدين وأعلمه ذلك فعظم عليه وعلم المراد من العود، إلا أنه لم يظهر للرسول تأثراً بل قال له: حفظ مصر أهم عندنا من غيرنا، وسار صلاح الدين إلى مصر فوجد أباه قد قضى نحبه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2016
صلاح الدين الأيوبي يمد النفوذ الأيوبي إلى اليمن ونهاية دولة بني مهدي وبني زريع فيها .
العام الهجري: ٥٦٩
العام الميلادي: ١١٧٣
تفاصيل الحدث:
لما عاد صلاح الدين إلى مصر استأذن نور الدين في أن يسير إلى اليمن لقصد عبد النبي، صاحب زبيد لأجل قطع الخطبة العباسية، فأذن في ذلك، فشرع يتجهز ويعد الأزواد والروايا والسلاح وغيره من الآلات، وجند الأجناد، فجمع وحشد، وسار عن مصر مستهل رجب، فوصل إلى مكة، أعزها الله تعالى، ومنها إلى زبيد، وفيها صاحبها المتغلب عليها المعروف بعبد النبي، فلما قرب منها رآه أهلها، فاستقلوا من معه، فقاتلهم شمس الدولة ومن معه، فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا، ووصل المصريون إلى سور زبيد، فلم يجدوا عليه من يمنعهم، فنصبوا السلالم، وصعدوا السور، فملكوا البلد عنوة ونهبوه وأكثروا النهب، وأخذوا عبد النبي أسيراً وزوجته المدعوة بالحرة، وسلم شمس الدولة عبد النبي إلى بعض أمراءه، يقال له سيف الدولة مبارك بن كامل من بني منقذ، أصحاب شيزر، وأمره أن يستخرج منه الأموال، وبذلك انتهت الدولة المهدية باليمن، ولما ملكوا زبيد واستقر الأمر لهم بها، ودان أهلها، وأقيمت فيها الخطبة العباسية، أصلحوا حالها، وساروا إلى عدن، وصاحبها ياسر، فسار إليهم وقاتلهم، فانهزم ياسر ومن معه، وسبقهم بعض عسكر شمس الدولة، فدخلوا البلد قبل أهله، فملكوه، وأخذوا صاحبه ياسر أسيراً، وأرادوا نهب البلد، فمنعهم شمس الدولة، وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها؛ فلم ينهب منها أحد شيئاً، فبقيت على حالها وثبت ملكه واستقر أمره، وبذلك انتهت دولة بني زريع فيها، ولما فرغ شمس الدولة من أمر عدن عاد إلى زبيد، وملك أيضاً قلعة التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون، واستناب بعدن عز الدين عثمان بن الزنجيلي، وبزبيد سيف الدولة مبارك ابن منقذ، وجعل في كل قلعة نائباً من أصحابه، وألقى ملكهم باليمن جرانه ودام، وأحسن شمس الدولة إلى أهالي البلاد، واستصفى طاعتهم بالعدل والإحسان، وعادت زبيد إلى أحسن أحوالها من العمارة والأمن.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2017
الفتنة ببغداد بين قطب الدين قايماز والخليفة .
العام الهجري: ٥٦٩
الشهر القمري: جمادى الأولى
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
كانت الفتنة ببغداد بين قطب الدين قايماز والخليفة، وسببها أن الخليفة أمر بإعادة عضد الدين بن رئيس الرؤساء إلى الوزارة، فمنع منه قطب الدين، وأغلق باب النوبي وباب العامة، وبقيت دار الخليفة كالمحاصرة، فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته، فقال قطب الدين: لا أقنع إلا بإخراج عضد الدين من بغداد؛ فأمر بالخروج منها، فالتجأ إلى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل، فأخذه إلى رباطه وأجاره، ونقله إلى دار الوزير بقطفتا، فأقام بها، ثم عاد إلى بيته في جمادى الآخرة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2018
إفشال محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي .
العام الهجري: ٥٦٩
الشهر القمري: رمضان
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
ثاني رمضان، صلب صلاح الدين يوسف بن أيوب جماعة ممن أرادوا الوثوب به من أصحاب الخلفاء العلويين، وسبب ذلك أن جماعة من شيعة العلويين منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة، وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم السودان، وحاشية القصر، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية، ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد، فإذا قصدوا البلاد، فإن خرج صلاح الدين إليهم بنفسه ثاروا هم بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العلوية، وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عنه، فلا يبقى له مقام مقابل الفرنج، وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به، وأخذوه أخذاً باليد لعدم وجود الناصر له والمساعد، وأرسلوا إلى الفرنج بصقلية والساحل في ذلك، وتقررت القاعدة بينهم، ولم يبق إلا رحيل الفرنج، وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين أدخلوا معهم في هذا الأمر الأمير زين الدين علي بن نجا الواعظ، المعروف بابن نجية، ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقاضي، إلا أن بني رزيك قالوا: يكون الوزير منا؛ وبني شاور قالوا: يكون الوزير منا؛ فلما علم ابن نجا الحال حضر عند صلاح الدين، وأعلمه حقيقة الأمر، فأمر بملازمتهم، ومخالطتهم، ومواطأتهم على ما يريدون أن يفعلوه، وتعريفه ما يتجدد أولاً بأول، ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليه، ثم وصل رسول من ملك الفرنج بالساحل الشامي إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، وهو في الظاهر إليه، والباطن إلى أولئك الجماعة، وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم، فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق به من النصارى، وداخله، فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته، فقبض حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة منهم: عمارة وعبد الصمد والعويرس وغيرهم وصلبهم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2019
وفاة نور الدين محمود زنكي صاحب الشام وتولي ابنه الصالح إسماعيل .
العام الهجري: ٥٦٩
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
توفي نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر، يوم الأربعاء حادي عشر شوال، بعلة الخوانيق، ودفن بقلعة دمشق، ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق، عند سوق الخواصين، ولما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وحلف له الأمراء والمقدمون بدمشق، وأقام بها، وأطاعه الناس بالشام وصلاح الدين بمصر، وخطب له بها، وضرب السكة باسمه، وتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم، وصار مدبر دولته؛ فقال له كمال الدين بن الشهرزوري ولمن معه من الأمراء: قد علمتم أن صلاح الدين صاحب مصر هو من مماليك نور الدين ونوابه أصحاب نور الدين، والمصلحة أن نشاوره في الذي نفعله، ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعتنا، ويجعل ذلك حجة علينا، وهو أقوى منا، لأنه قد انفرد اليوم بملك مصر؛ فلم يوافق هذا القول أغراضهم، وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجهم، فلم يمض غير قليل حتى وردت كتب لاح الدين إلى الملك الصالح يعزيه ويهنئه بالملك، وأرسل دنانير مصرية عليها اسمه ويعرفه أن الخطبة والطاعة له كما كانت لأبيه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2020
حصر الفرنج بانياس وعودهم عنها .
العام الهجري: ٥٦٩
الشهر القمري: ذو القعدة
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
لما مات نور الدين محمود، صاحب الشام، اجتمعت الفرنج وساروا إلى قلعة بانياس من أعمال دمشق فحصروها، فجمع شمس الدين محمد بن المقدم العسكر عنده بدمشق، فخرج عنها، فراسلهم، ولاطفهم، ثم أغلظ لهم بالقول، وقال لهم: إن أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس، فنحن على ما كنا عليه، وإلا فنرسل إلى سيف الدين، صاحب الموصل، ونصالحه، ونستنجده، ونرسل إلى صلاح الدين بمصر فنستنجده، ونقصد بلادكم من جهاتها كلها، فعلموا صدقه، فصالحوه على شيء من المال أخذوه وأسرى أطلقوا كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة، فلما سمع صلاح الدين بذلك أنكره واستعظمه، وكتب إلى الملك الصالح والأمراء الذين معه يقبح لهم ما فعلوه ويبذل من نفسه قصد بلاد الفرنج ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من بلاد الملك الصالح.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2021
وصول أسطول صقلية إلى الإسكندرية وانهزامه عنها .
العام الهجري: ٥٧٠
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
ظفر أهل الإسكندرية وعسكر مصر بأسطول الفرنج من صقلية، وكان سبب ذلك إرسال أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحل الشام، وإلى صاحب صقلية، ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من مصر، فجهز صاحب صقلية أسطولاً كثيراً، وسيره إلى الإسكندرية من ديار مصر، فوصلوا إليها في التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين، على حين غفلة من أهلها وطمأنينة، فخرج أهل الإسكندرية بعدتهم وسلاحهم ليمنعوهم من النزول، وأبعدوا عن البلد، فمنعهم الوالي من ذلك، وأمرهم بملازمة السور، ونزل الفرنج إلى البر مما يلي البحر والمنارة وتقدموا إلى المدينة ونصبوا عليها الدبابات والمجانيق وقاتلوا أشد قتال، وصبر لهم أهل البلد، وسيرت الكتب بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفع العدو عنهم، ووصل من العساكر الإسلامية كل من كان له في أقطاعة، وهو قريب من الإسكندرية، فقويت بهم نفوس أهلها، وأحسنوا القتال والصبر، فلما كان اليوم الثالث فتح المسلمون باب البلد وخرجوا منه على الفرنج من كل جانب، وهم غارون، واشتد القتال، فوصل المسلمون إلى الدبابات فأحرقوها، وصبروا للقتال فأنزل الله نصره عليهم، وفشل الفرنج وفتر حربهم، وكثر القتل والجراح في رجالاتهم، وأما صلاح الدين فإنه لما وصله الخبر سار بعساكره، وسير مملوكاً له ومعه ثلاث جنائب ليجد السير عليها إلى الإسكندرية يبشر بوصوله، وسير طائفة من العسكر إلى دمياط خوفاً عليها، واحتياطاً لها، فسار ذلك المملوك، فوصل الإسكندرية من يومه وقت العصر، والناس قد رجعوا من القتال، فنادى في البلد بمجيء صلاح الدين والعساكر مسرعين، فلما سمع الناس ذلك عادوا إلى القتال، وقد زال ما بهم من تعب وألم الجراح، وسمع الفرنج بقرب صلاح الدين في عساكره، فسقط في أيديهم، وازدادوا تعباً وفتوراً، فهاجمهم المسلمون عند اختلاط الظلام، ووصلوا إلى خيامهم فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة، وكثر القتل في رجالة الفرنج، فهرب كثير منهم إلى البحر، فغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير، وكفى الله المسلمين شرهم وحاق بالكافرين مكرهم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2022
محاولة فاشلة لإعادة الدولة العبيدية (الفاطمية) في مصر .
العام الهجري: ٥٧٠
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
جمع كنز الدولة والي أسوان العرب والسودان، وقصد القاهرة يريد إعادة الدولة الفاطمية، وأنفق في جموعه أموالا جزيلة، وانضم إليه جماعة ممن يهوى هواهم، فقتل عدة من أمراء صلاح الدين، وخرج في قرية طود رجل يعرف بعباس بن شادي، وأخذ بلاد قوص، وانتهب أموالها، فجهز السلطان صلاح الدين أخاه الملك العادل في جيش كثيف، ومعه الخطير مهذب بن مماتي، فسار وأوقع بشادي وبدد جموعه وقتله، ثم سار فلقيه كنز الدولة بناحية طود، وكانت بينهما حروب فر منها كنز الدولة، بعدما قتل أكثر عسكره، ثم قتل كنز الدولة في سابع صفر، وقدم العادل إلى القاهرة في ثامن عشر من صفر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2023
صلاح الدين الأيوبي يستولي على دمشق .
العام الهجري: ٥٧٠
الشهر القمري: ربيع الأول
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
سلخ ربيع الأول، ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق، وسبب ذلك أن نور الدين لما مات وملك ابنه الملك الصالح بعده كان بدمشق، ولما استولى سيف الدين على البلاد الجزرية خاف ابن الداية أن يغير إلى حلب فيملكها، فأرسل سعد الدين إلى دمشق ليحضر الملك الصالح ومعه العساكر إلى حلب، فلما وصلوا إليها قبض سعد الدين على شمس الدين بن الداية وأخوته، وعلى ابن الخشاب رئيس حلب ومقدم الأحداث فيها، واستبد سعد الدين بتدبير الملك الصالح، فخافه ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق وكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل ليعبر الفرات إليهم ليسلموا إليه دمشق فامتنع عن قصد دمشق، وراسل سعد الدين الملك الصالح وصالحهما على ما أخذه من البلاد، فلما امتنع عن العبور إلى دمشق عظم خوفهم، وقالوا: حيث صالحهم سيف الدين لم يبق لهم مانع عن المسير إلينا؛ فكاتبوا حينئذ صلاح الدين يوسف بن أيوب، صاحب مصر، واستدعوه ليملكوه عليهم، فلما وصلت الرسل إلى صلاح الدين بذلك لم يلبث، وسار جريدة في سبع مائة فارس والفرنج في طريقه، فلم يبال بهم، ثم سار صلاح الدين إلى دمشق فخرج كل من بها من العسكر إليه، فلقوه وخدموه، ودخل البلد، ونزل في دار والده المعروفة بدار العقيقي، وكانت القلعة بيد خادم اسمه ريحان، فأحضر صلاح الدين كمال الدين بن الشهرزوري وهو قاضي البلد والحاكم في جميع أموره من الديوان والوقف وغير ذلك، وأرسله إلى ريحان ليسلم القلعة إليه، وقال: أنا مملوك الملك الصالح، وما جئت إلا لأنصره وأخدمه، وأعيد البلاد التي أخذت منه إليه؛ وكان يخطب له في بلاده كلها، فصعد كمال الدين إلى ريحان، ولم يزل معه حتى سلم القلعة، فصعد صلاح الدين إليها، وأخذ ما فيها من الأموال، وأخرجها واتسع بها وثبت قدمه، وقويت نفسه، وهو مع هذا يظهر الطاعة للملك الصالح، ويخاطبه بالمملوك، والخطبة والسكة باسمه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2024
ملك صلاح الدين الأيوبي لحمص وحماة .
العام الهجري: ٥٧٠
الشهر القمري: جمادى الأولى
العام الميلادي: ١١٧٤
تفاصيل الحدث:
لما استقر ملك صلاح الدين لدمشق، وقرر أمرها، استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغدكين بن أيوب، وسار إلى مدينة حمص مستهل جمادى الأولى، وكانت حمص وحماة وقلعة بعين وسلمية وتل خالد والرها من بلد الجزيرة في أقطاع الأمير فخر الدين مسعود الزعفراني، فلما مات نور الدين لم يمكنه المقام بها لسوء سيرته في أهلها، ولم يكن له في قلاع هذه البلاد حكم إنما فيها ولاة لنور الدين. وكان بقلعة حمص وال يحفظها، فلما نزل صلاح الدين على حمص، حادي عشر الشهر المذكور، راسل من فيها بالتسليم، فامتنعوا، فقاتلهم من الغد، فملك البلد وأمن أهله، وامتنعت عليه القلعة وبقيت ممتنعة إلى أن عاد من حلب، وترك بمدينة حمص من يحفظها، ويمنع من بالقلعة من التصرف، وأن تصعد إليهم ميرة، وسار إلى مدينة حماة، وهو في جميع أحواله لا يظهر إلا طاعة الملك الصالح بن نور الدين، فلما وصل إلى حماة ملك المدينة مستهل جمادى الآخرة، وكان بقلعتها الأمير عز الدين جورديك، وهو من المماليك النورية، فامتنع من التسليم إلى صلاح الدين، فأرسل إليه صلاح الدين ما يعرفه ما هو عليه من طاعة الملك الصالح، وإنما يريد حفظ بلاده عليه، فاستحلفه جورديك على ذلك فحلف له وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة على طاعة الملك الصالح، وفي إطلاق شمس الدين علي وحسن وعثمان أولاد الداية من السجن، فسار جورديك إلى حلب، واستخلف بقلعة حماة أخاه ليحفظها، فلما وصل جورديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه، فلما علم أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها، ولما ملك صلاح الدين حماة سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح، وهو صبي عمره اثنتا عشر سنة، وجمع أهل حلب واتفقوا على القتال دونه، والمنع عن بلده، وجدوا في القتال، وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية، وبذل له أموالاً كثيرة ليقتلوا صلاح الدين، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره، فحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله، فقتل دونه، وقاتل الباقون من الإسماعيلية، فقتلوا جماعة ثم قتلوا، وبقي صلاح الدين محاصراً لحلب إلى سلخ جمادى الآخرة، ورحل عنها مستهل رجب وسبب ذلك هو مسير الفرنج إلى حمص وتجهزهم لقصدها فسمع صلاح الدين الخبر فرحل عن حلب، فوصل إلى حماة ثامن رجب، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم، ثم رحل إلى الرستن، فلما سمع الفرنج بقربه رحلوا عن حمص، ووصل صلاح الدين إليها، فحصر القلعة إلى أن ملكها في الحادي والعشرين من شعبان، فصار أكثر الشام بيده، ولما ملك حمص سار منها إلى بعلبك، وبها خادم اسمه يمن، وهو وال عليها من أيام نور الدين، فحصرها صلاح الدين، فأرسل يمن يطلب الأمان له ولمن عنده، فأمنهم صلاح الدين، وسلم القلعة رابع شهر رمضان.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2025
ملك صلاح الدين الأيوبي قلعة بعرين من الشام .
العام الهجري: ٥٧٠
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١١٧٥
تفاصيل الحدث:
في العشر الأول من شوال، ملك صلاح الدين قلعة بعرين من الشام، وكان صاحبها فخر الدين مسعود بن الزعفراني، وهو من أكابر الأمراء النورية، فلما رأى قوة صلاح الدين نزل منها، واتصل بصلاح الدين، ظن أنه يكرمه ويشاركه في ملكه، ولا ينفرد عنه بأمر مثل ما كان مع نور الدين، فلم ير من ذلك شيئاً، ففارقه، ولم يكن بقي من أقطاعه الذي كان له في الأيام النورية غير بعرين ونائبه بها، فلما صالح صلاح الدين الملك الصالح بحلب، عاد إلى حماة وسار منها إلى بعرين، وهي قريبة منها، فحصرها ونصب عليها المجانيق، وأدام قتالها، فسلمها واليها بالأمان، فلما ملكها عاد إلى حماة، فأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي، وأقطع حمص ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه، وسار منها إلى دمشق فدخلها أواخر شوال.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2026
وفاة ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق .
العام الهجري: ٥٧١
الشهر القمري: رجب
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
هو علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر أبو القاسم الدمشقي، أحد أكابر حفاظ الحديث ومن عني به سماعا وجمعا وتصنيفا واطلاعا وحفظا لأسانيده ومتونه، وإتقانا لأساليبه وفنونه، صاحب الكتاب المشهور تاريخ دمشق فحاز فيه قصب السبق، ومن نظر فيه وتأمله رأى ما وصفه فيه وأصله، وحكم بأنه فريد دهره، في التواريخ، هذا مع ما له في علوم الحديث من الكتب المفيدة، وما هو مشتمل عليه من العبادة والطرائق الحميدة، فله من المصنفات أيضا أطراف الكتب الستة، والشيوخ النبل، وتبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري، وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار، والأجزاء والأسفار، وقد أكثر في طلب الحديث من الترحال والأسفار، وجاز المدن والأقاليم والأمصار، وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من الحفاظ نسخا واستنساخا، ومقابلة وتصحيح الألفاظ، كانت وفاته في الحادي عشر من رجب، وله من العمر ثنتان وسبعون سنة، وحضر السلطان صلاح الدين جنازته ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى، وكان الذي صلى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2027
القتال بين صلاح الدين الأيوبي والحلبيين .
العام الهجري: ٥٧١
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
تجهز الحلبيون لقتال صلاح الدين، فاستدعى عساكر مصر، فلما وافته بدمشق في شعبان سار في أول رمضان، فلقيهم في عاشر شوال، وكانت بينهما وقعة تأخر فيها السلطان سيف الدين غازي صاحب الموصل، فظن الناس أنها هزيمة، فولت عساكرهم، وتبعهم صلاح الدين، فهلك منهم جماعة كثيرة، وملك خيمة غازي، وأسر عالما عظيما، واحتوى على أموال وذخائر وفرش وأطعمة وتحف تجل عن الوصف، وقدم عليه أخوه الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب من اليمن، فأعطاه سرادق السلطان غازي بما فيه من الفرش والآلات، وفرق الإسطبلات والخزائن على من معه، وخلع على الأسرى وأطلقهم، ولحق سيف الدين غازي بمن معه، فالتجأوا جميعا لحلب، ثم سار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو، وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل، ورحل صلاح الدين ونزل على حلب في رابع عشر شوال، فأقام عليها إلى تاسع عشره، ورحل إلى بزاعة، وقاتل أهل الحصن حتى تسلمه، وسار إلى منبج، فنزل عليها يوم الخميس رابع عشر منه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2028
ملك صلاح الدين الأيوبي لمنبج ومحاولة اغتياله من قبل الإسماعيلية .
العام الهجري: ٥٧١
الشهر القمري: ذو القعدة
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
سار صلاح الدين إلى بزاعة فحصرها، وقاتله من بالقلعة، ثم تسلمها وجعل بها من يحفظها، وسار إلى مدينة منبج فحصرها آخر شوال، وبها صاحب قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وكان شديد العداوة لصلاح الدين والتحريض عليه، والإطماع فيه، والطعن فيه، فصلاح الدين حنق عليه متهدد له، فأما المدينة فملكها، ولم تمتنع عليه، وبقي القلعة وبها صاحبها قد جمع إليها الرجال والذخائر والسلاح، فحصره صلاح الدين وضيق عليه وزحف إلى القلعة، فوصل النقابون إلى السور فنقبوها وملكوها عنوة، وغنم العسكر الصلاحي كل ما بها، وأخذ صاحبها ينال أسيراً، فأخذ صلاح الدين كل ماله ثم أطلقه صلاح الدين فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة، ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى قلعة إعزاز، فنازلها ثالث ذي القعدة، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، فنازلها وحصرها، وأحاط بها وضيق على من فيها ونصب عليها المجانيق، وقتل عليها كثير من العسكر؛ فبينما صلاح الدين يوماً في خيمة لبعض أمراءه يقال له جاولي، وهو مقدم الطائفة الأسدية، إذ وثب عليه باطني إسماعيلي فضربه بسكين في رأسه فجرحه، فلولا أن المغفر الزند كانت تحت القلنسوة لقتله، فبقي الباطني يضربه في رقبته بالسكين، وكان عليه كزاغند فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند فتقطعه، والزرد يمنعها من الوصول إلى رقبته فجاء أمير من أمراءه اسمه يازكش، فأمسك السكين بكفه فجرحه الباطني، ولم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطني، وجاء آخر من الإسماعيلية فقتل أيضاً، وثالث فقتل، ثم لازم حصار إعزاز ثمانية وثلاثين يوماً، كل يوم أشد قتالاً مما قبله، وكثرت النقوب فيها فأذعن من بها، وسلموا القلعة عليه، فتسلمها حادي عشر ذي الحجة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2029
وقوع فتنة ببغداد بين العامة وبعض الأتراك .
العام الهجري: ٥٧١
الشهر القمري: ذو الحجة
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
وقعت فتنة ببغداد، بين العامة وبعض الأتراك بسبب أخذ جمال النحر، فقتل بينهم جماعة ونهب شيء كثير من الأموال، ففرق الخليفة أموالاً جليلة فيمن نهب ماله.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2030
حصر صلاح الدين الأيوبي مدينة حلب .
العام الهجري: ٥٧١
الشهر القمري: ذو الحجة
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
لما ملك صلاح الدين إعزاز رحل إلى حلب فنازلها منتصف ذي الحجة وحصرها، وبها الملك الصالح ومن معه من العساكر، وقد قام العامة في حفظ البلد القيام المرضي، بحيث أنهم منعوا صلاح الدين من القرب من البلد، لأنه كان إذا تقدم للقتال خسر هو وأصحابه، كثر الجراح فيهم والقتل، كانوا يخرجون ويقاتلونه خارج البلد، فترك القتال وأخلد للمطاولة، وانقضت سنة إحدى وسبعين ودخلت سنة اثنتين وسبعين، وهو محاصر لها، ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح في العشرين من المحرم، فوقعت الإجابة إليه من الجانبين، لأن أهل حلب خافوا من طول الحصار، فإنهم ربما ضعفوا، وصلاح الدين رأى أنه لا يقدر على الدنو من البلد، ولا على قتال من به، فأجاب أيضاً، وتقررت القاعدة في الصلح للجميع، للملك الصالح، ولسيف الدين صاحب الموصل، ولصاحب الحصن، ولصاحب ماردين، وتحالفوا واستقرت القاعدة أن يكونوا كلهم عوناً على الناكث الغادر، فلما انفصل الأمر وتم الصلح رحل صلاح الدين عن حلب، بعد أن أعاد قلعة إعزاز إلى الملك الصالح، ورحل إلى بلد الإسماعيلية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2031
الفتنة بمكة وعزل أميرها وإقامة غيره .
العام الهجري: ٥٧١
الشهر القمري: ذو الحجة
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
كان بمكة حرب شديدة بين أمير الحاج طاشتكين وبين الأمير مكثر أمير مكة، وكان الخليفة قد أمر أمير الحاج بعزل مكثر وإقامة أخيه داود مقامه، وسبب ذلك أنه كان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس، فلما سار الحاج من عرفات لم يبيتوا بالمزدلفة، وإنما اجتازوا بها، فلم يرموا الجمار، إنما بعضهم رمى بعضها وهو سائر، ونزلوا الأبطح فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربوهم، وقتل من الفريقين جماعة، وصاح الناس: الغزاة إلى مكة، فهجموا عليها، فهرب أمير مكة مكثر، فصعد القلعة التي بناها على جبل أبي قبيس فحصروه بها، ففارقها وسار عن مكة، وولي أخوه داود الإمارة، ونهب كثير من الحاج مكة وأخذوا من أموال التجار المقيمين بها الشيء الكثير، وأحرقوا دوراً كثيرة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2032
صلاح الدين الأيوبي يبني سورا ضخما لحماية القاهرة .
العام الهجري: ٥٧٢
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
أمر السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ببناء السور على القاهرة والقلعة، ودوره تسعة وعشرون ألف فراع وثلاثمائة وذراعان بالذراع الهاشمي، فتولى ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وشرع في بناء القلعة، وحفر حول السور خندقا عميقا، وحفر واديه وضيق طريقه، وكان في مكان القلعة عدة مساجد منها مسجد سعد الدولة، فدخلت في جملة القلعة، وحفر فيها بئرا ينزل إليها بدرج منحوتة في الحجر إلى الماء.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2033
بناء مدرسة صلاح الدين الأيوبي .
العام الهجري: ٥٧٢
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
أمر الناصر ببناء مدرسة صلاح الدين للشافعية على قبر الشافعي، وجعل الشيخ نجم الدين الخبوشاني مدرسها وناظرها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2034
ظفر المسلمين بالفرنج والفرنج بالمسلمين .
العام الهجري: ٥٧٢
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
كان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم صاحب بعلبك، قد أتاه خبر أن جمعاً من الفرنج قد قصدوا البقاع من أعمال بعلبك، وأغاروا عليها، فسار إليهم، وكمن لهم في الشعاري والغياض، وأوقع بهم، وقتل فيهم وأكثر، وأسر نحو مائتي رجل منهم وسيرهم إلى صلاح الدين، وكان شمس الدولة تورانشاه، أخو صلاح الدين، وهو الذي ملك اليمن، قد وصل إلى دمشق، وهو فيها، فسمع أن طائفة من الفرنج قد خرجوا من بلادهم إلى أعمال دمشق، فسار إليهم ولقيهم عند عين الجر في تلك المروج، فلم يثبت لهم، وانهزم عنهم، فظفروا بجمع من أصحابه، فأسروهم، منهم سيف الدين أبو بكر بن السلار، وهو من أعيان الجند الدمشقيين، واجترأ الفرنج بعده، وانبسطوا في تلك الولاية، وجبروا الكسر الذي ناله منهم ابن المقدم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2035
مسير صلاح الدين الأيوبي إلى بلد الإسماعيلية .
العام الهجري: ٥٧٢
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١١٧٦
تفاصيل الحدث:
لما رحل صلاح الدين من حلب، قصد بلاد الإسماعيلية في مصياب، ليقاتلهم بما فعلوه من الوثوب عليه وإرادة قتله، فنهب بلدهم وخربه وأحرقه، وحصر قلعة مصياب، وهي أعظم حصونهم، وأحصن قلاعهم، فنصب عليها المجانيق، وضيق على من بها، ولم يزل كذلك، فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى شهاب الدين الحارمي، صاحب حماة، وهو ابن خال صلاح الدين، يسأله أن يدخل بينهم ويصلح الحال ويشفع فيهم، ويقول له: إن لم تفعل قتلناك وجميع أهل صلاح الدين وأمراءه، فحضر شهاب الدين عند صلاح الدين وشفع فيهم وسأل الصفح عنهم، فأجابه إلى ذلك، وصالحهم، ورحل عنهم، وكان عسكره قد ملوا من طول البيكار، وقد امتلأت أيديهم من غنائم عسكر الموصل، ونهب بلد الإسماعيلية، فطلبوا العود إلى بلادهم للراحة، فأذن لهم، وسار هو إلى مصر مع عسكرها، لأنه قد طال بعده عنها، ولم يمكنه المضي إليها فيما تقدم خوفاً على بلاد الشام؛ فلما انهزم سيف الدين، وحصر هو حلب، وملك بلادها، واصطلحوا، أمنا على البلاد، فسار إلى مصر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
следующие страницы →