Полный текст (5 398 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
هزيمة الموحدين في موقعة العقاب بالأندلس .
العام الهجري: ٦٠٩
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١٢١٢
تفاصيل الحدث:
انهزم الموحدون في وقعة العقاب أمام جيوش الأسبان من قشتالة وليون وتافار المتحالفة بقيادة ألفونسو الثامن ملك قشتالة وهذه المعركة وقعت قرب حصن العقاب في الخامس عشر من صفر وكان سبب إنكسار المسلمين أن البربر الموحدين لم يسلموا سلاحا انهزموا غضبا لتأخر أعطياتهم، فترتب على هذه الهزيمة تفكك وحدة الشمال الإفريقي وقيام ثلاث دول إسلامية مغربية هي دولة بني حفص شرقا ودولة بني زيان من بني عبد الواد بالمغرب الأقصى ودولة بني مرين غربا، فاستقلت هذه الدول عن دولة الموحدين.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2242
وفاة الناصر لدين الله خليفة الموحدين بالمغرب والأندلس .
العام الهجري: ٦١٠
العام الميلادي: ١٢١٣
تفاصيل الحدث:
هو الناصر لدين الله محمد بن يعقوب المنصور بالله أمير الموحدين بويع له بعد وفاة أبيه سنة ٥٩٥، وكان قد استرد تونس والمهدية وما كان استولى عليه علي بن غانية من إفريقيا كما استولى على طرابلس الغرب وانتزعها من الأمير قراقوش المصري كما انتزع جزيرة ميورقة وما حولها من الجزر جزر الباليار من بني غانية وكانوا نواب المرابطين فيها، وقاتل الأسبان فهزموه في وقعة العقاب عام ٦٠٩هـ ولما عاد إلى مراكش أخذ البيعة لولده يوسف الملقب بالمستنصر بالله ثم احتجب هو في قصره إلى أن مات في هذا العام.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2243
قتل إيدغمش صاحب همذان .
العام الهجري: ٦١٠
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢١٣
تفاصيل الحدث:
قتل إيدغمش الذي كان صاحب همذان، وقد كان سنة ثمان قد قدم إلى بغداد وأقام بها، فأنعم عليه الخليفة، وشرفه بالخلع، ثم سيره إلى همذان، فسار في جمادى الآخرة عن بغداد قاصداً إلى همذان، فوصل إلى بلاد ابن ترجم واجتمعا، وأقام ينتظر وصول عساكر بغداد إليه ليسير معه على قاعدة استقرت بينهم، وكان الخليفة قد عزل سليمان بن ترجم عن الإمارة على عشيرته من التركمان الإيوانية، وولى أخاه الأصغر، فأرسل سليمان إلى منكلي يعرفه بحال إيدغمش، ومضى هو على وجهه، فأخذوه فقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي، وتفرق من معه من أصحابه في البلاد، ووصل الخبر بقتله إلى بغداد، فعظم على الخليفة ذلك، وأرسل إلى منكلي ينكر عليه ما فعل، فأجاب جواباً شديداً، وتمكن من البلاد، وقوي أمره، وكثرت جموع عساكره.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2244
ملك خوارزم شاه كرمان ومكران والسند .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
إن خوارزم شاه محمد بن تكش كان من جملة أمراء أبيه أمير اسمه أبو بكر، ولقبه تاج الدين، وكان في ابتداء أمره جمالاً يكري الجمال في الأسفار، ثم جاءته السعادة، فاتصل بخوارزم شاه، وصار سيروان جماله، فرأى منه جلداً وأمانة، فقدمه إلى أن صار من أعيان أمراء عسكره، فولاه مدينة زوزن، وكان عاقلاً ذا رأي، وحزم، وشجاعة، فتقدم عند خوارزم شاه تقدماً كثيراً، فوثق به أكثر من جميع أمراء دولته، فقال أبو بكر لخوارزم شاه: إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي، فلو أضاف السلطان إلي عسكراً لملكتها في أسرع وقت، فسير معه عسكراً كثيراً فمضى إلى كرمان، وصاحبها اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر، فقاتله، فلم يكن له به قوة، وضعف، فملك أبو بكر بلاده في أسرع وقت، وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها إلى السند، من حدود كابل، وسار إلى هرمز، مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها، واسمه ملنك، وخطب بها لخوارزم شاه، وحمل عنها مالاً، وخطب له بقلهات، وبعض عمان، لأن أصحابها كانوا يطيعون صاحب هرمز. وقيل إن ملك خوارزم شاه لكرمان ومكران والسند كان في السنة التي قبلها أو بعدها بقليل.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2245
تبليط داخل الجامع الأموي .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
شرع في تبليط داخل الجامع الأموي وبدأوا من ناحية السبع الكبير، وكانت أرض الجامع قبل ذلك حفرا وجورا، فاستراح الناس في تبليطه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2246
أخذ المعظم قلعة صرخد من ابن قراجا .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
أخذ المعظم قلعة صرخد من ابن قراجا وعوضه عنها وسلمها إلى مملوكه عز الدين أيبك المعظمي، فثبتت في يده إلى أن انتزعها منه نجم الدين أيوب سنة أربع وأربعين وستمائة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2247
طرد أمير مكة منها .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
حج الملك المعظم ابن العادل ركب من الكرك على الهجن في حادي عشر ذي القعدة ومعه ابن موسك ومملوك أبيه وعز الدين أستاذ داره وخلق، فلما قدم المدينة النبوية تلقاه صاحبها سالم وسلم إليه مفاتيحها وخدمه خدمة تامة، وأما صاحب مكة قتادة فلم يرفع به رأسا، ولهذا لما قضى نسكه، وكان قارنا، وأنفق في المجاورين ما حمله إليهم من الصدقات وكر راجعا استصحب معه سالما صاحب المدينة وتشكى إلى أبيه عند رأس الماء ما لقيه من صاحب مكة، فأرسل العادل، مع سالم جيشا يطردون صاحب مكة، فلما انتهوا إليها هرب منهم في الأودية والجبال والبراري.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2248
وفاة أيوب صاحب اليمن وتملك أضسيس مكانه .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
مات صاحب اليمن أيوب بن طغتكين وتولاها سليمان بن شاهنشاه بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب باتفاق الأمراء عليه، فأرسل العادل إلى ولده الكامل أن يرسل إليها ولده أضسيس (ومعناه ما له اسم) وتسمى بالمسعود صلاح الدين يوسف، فخرج في جيش كثيف من مصر، وسار إلى بلاد اليمن، فاستولى على معاقلها، وظفر بصاحبها الملك سليمان شاه بن سعد الدين شاهنشاه ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب فسيره تحت الحوطة إلى مصر، فتملكها فظلم بها وفتك وغشم، وقتل من الأشراف نحوا من ثمانمائة، وأما من عداهم فكثير، وكان من أفجر الملوك وأكثرهم فسقا وأقلهم حياء ودينا، وقد ذكروا عنه ما تقشعر منه الأبدان وتنكره القلوب.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2249
سيطرة عز الدين كيكاوس بن كيخسرو السلجوقي على الأشكري ملك الروم .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
ظفر السلطان عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقي صاحب بلاد الروم بالأشكري ملك الروم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2250
تجمع فرنج قبرص وعكا وطرابلس وأنطاكية على المسلمين .
العام الهجري: ٦١١
العام الميلادي: ١٢١٤
تفاصيل الحدث:
تجمع فرنج قبرص وعكا وطرابلس وأنطاكية، وانضم إليهم عسكر ابن ملك الأرمن، لقصد بلاد المسلمين، فخافهم المسلمون، وكان أول ما بدأوا به بلاد الإسماعيلية، فنازلوا قلعة الخوابي، ثم ساروا عنها إلى أنطاكية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2251
حصار المدينة النبوية من قبل أمير مكة .
العام الهجري: ٦١٢
العام الميلادي: ١٢١٥
تفاصيل الحدث:
حاصر الأمير قتادة أمير مكة المدينة ومن بها وقطع نخلا كثيرا، فقاتله أهلها فكر خائبا خاسرا حسيرا، وكان صاحب المدينة بالشام فطلب من العادل نجدة على أمير مكة، فأرسل معه جيشا فأسرع في الأوبة فمات في أثناء الطريق، فاجتمع الجيش على ابن أخيه جماز فقصد مكة فالتقاه أميرها بالصفراء فاقتتلوا قتالا شديدا، فهرب المكيون وغنم منهم جماز شيئا كثيرا، وهرب قتادة إلى ينبع فساروا إليه فحاصروه بها وضيقوا عليه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2252
مناوشات بين الفرنج والروم والإسماعيلية .
العام الهجري: ٦١٢
العام الميلادي: ١٢١٥
تفاصيل الحدث:
أغارت الفرنج على بلاد الإسماعيلية فقتلوا ونهبوا ثم اصطلحوا، وأخذ ملك الروم كيكاوس مدينة إنطاكية من أيدي الفرنج ثم أخذها منه ابن لاون ملك الأرمن، ثم منه إبريس طرابلس، وسار عز الدين إلى بلاد الأرمن، وحاصر قلعة جابان، وهزم عندها جيوش الأرمن، ورجع إلى قيصرية قبل أن يستولي على قلعة جابان، ثم طلب الأرمن الصلح، وأجابهم إليه عز الدين، فأخذ في مقابل الصلح من بلاد الأرمن قلعة لؤلؤة ولوزاد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2253
قتل منكلي وولاية أغملش .
العام الهجري: ٦١٢
الشهر القمري: جمادى الأولى
العام الميلادي: ١٢١٥
تفاصيل الحدث:
انهزم منكلي صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد، ومضى هارباً، فقتل، وسبب ذلك أنه كان قد ملك البلاد، وقتل إيدغمش فأرسل إليه من الديوان الخليفي رسول ينكر ذلك عليه، وكان قد أوحش الأمير أوزبك ابن البهلوان، صاحب أذربيجان، فأرسل إليه يحرضه على منكلي ويعده النصرة، وأرسل أيضاً إلى جلال الدين الإسماعيلي، صاحب قلاع الإسماعيلية ببلاد العجم، ألموت وغيرها، يأمره بمساعدة أوزبك على قتال منكلي، واستقرت القواعد بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد، ولأوزبك بعضها، ويعطى جلال الدين بعضها، فلما استقرت القواعد بينهم على ذلك جهز الخليفة عسكراً كثيراً، وجعل مقدمهم مملوكه مظفر الدين سنقر، الملقب بوجه السبع، فساروا إلى همذان، فاجتمعت العساكر كلها فانزاح منكلي من بين أيديهم وتعلق بالجبال، وتبعوه، فنزلوا بسفح جبل هو في أعلاه بالقرب من مدينة كرج، وضاقت الميرة والأقوات على العسكر الخليفي جميعه ومن معهم، فحملوا عليه، فلم يثبت أوزبك، ومضى منهزماً، فعاد أصحاب منكلي وصعدوا الجبل، وعاد أوزبك إلى خيامه، فطمع منكلي حينئذ، ونزل من الغد في جميع عسكره، واصطفت العساكر للحرب، واقتتلوا أشد قتال يكون، فانهزم منكلي وصعد الجبل، واستولى عسكر الخليفة وأوزبك على البلاد، فأعطى جلال الدين، ملك الإسماعيلية، من البلاد ما كان استقر له، وأخذ الباقي أوزبك، فسلمه إلى أغلمش مملوك أخيه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2254
ملك خوارزم شاه غزنة وأعمالها .
العام الهجري: ٦١٢
الشهر القمري: شعبان
العام الميلادي: ١٢١٥
تفاصيل الحدث:
ملك خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة غزنة وأعمالها، وسبب ذلك أن خوارزم شاه لما استولى على عامة خراسان وملك باميان وغيرها، أرسل إلى تاج الدين، صاحب غزنة، يطلب منه أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويرسل إليه فيلاً واحداً ليصالحه ويقر بيده غزنة، ولا يعارضه فيها، فأحضر الأمراء وأعيان دولته واستشارهم، فخطب لخوارزم شاه، وضرب السكة باسمه، وأرسل إليه فيلاً، وأعاد رسوله إليه، ومضى إلى الصيد، فأرسل قتلغ تكين، والي غزنة، إلى خوارزم شاه يطلبه ليسلم إليه غزنة، فسار مجداً، وسبق خبره، فسلم إليه قتلغ تكين غزنة وقلعتها، فلما دخل إليها قتل من بها من عسكر الغورية لا سيما الأتراك، وقيل إن ملك خوارزم شاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة وستمائة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2255
وقوع برد شديد بالبصرة وهبوب ريح سوداء شديدة ببغداد .
العام الهجري: ٦١٣
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢١٦
تفاصيل الحدث:
وقع بالبصرة برد كثير، وهو مع كثرته عظيم القدر؛ قيل: كان أصغره مثل النازنجة الكبيرة، وقيل في أكبره ما يستحي الإنسان أن يذكره، فكسر كثيراً من رؤوس النخيل. وفي صفر من نفس العام هبت ببغداد ريح سوداء شديدة، كثيرة الغبار والقتام، وألقت رملاً كثيراً، وقلعت كثيراً من الشجر، فخاف الناس وتضرعوا، ودامت من العشاء الآخرة إلى ثلث الليل وانكشفت.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2256
وفاة الملك الظاهر صاحب حلب .
العام الهجري: ٦١٣
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١٢١٦
تفاصيل الحدث:
توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو صاحب مدينة حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام، وكان مرضه إسهالاً، وكان شديد السيرة، ضابطاً لأموره كلها، ولما اشتدت علته عهد بالملك بعده لولد له صغير اسمه محمد، ولقبه الملك العزيز غياث الدين، عمره ثلاث سنين، وعدل عن ولد كبير لأن الصغير كانت أمه ابنة عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب مصر ودمشق وغيرهما من البلاد، فعهد بالملك له ليبقى عمه البلاد عليه، ولا ينازعه فيها، ولما عهد الظاهر إلى ولده بذلك جعل أتابكه ومربيه خادماً رومياً، اسمه طغرل، ولقبه شهاب الدين، وهو من خيار عباد الله، كثير الصدقة والمعروف، ولما توفي الظاهر أحسن شهاب الدين هذا السيرة في الناس، وعدل فيهم، وأزال كثيراً من السنن الجارية، وأعاد أملاكاً كانت قد أخذت من أربابها، وقام بتربية الطفل أحسن قيام، وحفظ بلاده، واستقامت الأمور بحسن سيرته وعدله.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2257
ملك خوارزم شاه بلد الجبل .
العام الهجري: ٦١٤
العام الميلادي: ١٢١٧
تفاصيل الحدث:
سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى بلاد الجبل فملكها، وكان سبب حركته، في هذا الوقت، أشياء، أحدها: أنه كان قد استولى على ما وراء النهر، وظفر بالخطا، وعظم أمره، وعلا شأنه، وأطاعه القريب والبعيد؛ ومنها: أنه كان يهوى أن يخطب له ببغداد، ويلقب بالسلطان، ومنها: أن أغلمش لما ملك بلاد الجبل خطب له فيها جميعها، فلما قتله الباطنية غضب له، وخرج لئلا تخرج البلاد عن طاعته، فسار مجداً في عساكر تطبق الأرض، فوصل إلى الري فملكها، وكان أتابك سعد بن دكلا، صاحب بلاد فارس، لما بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره وسار نحو بلاد الجبل طمعاً في تملكها لخلوها عن حام وممانع، فوصل إلى أصفهان، فأطاعه أهلها، وسار منها يريد الري، ولم يعلم بقدوم خوارزم شاه، فلقيه مقدمه خوارزم شاه فظنها عساكر تلك الديار قد اجتمعت لقتاله ومنعه عن البلاد، فقاتلهم، وجد في محاربتهم حتى كاد يهزمهم، ثم انهزم وملك خوارزم شاه البلد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2258
قدوم خوازم شاه إلى بغداد طالبا السلطنة .
العام الهجري: ٦١٤
العام الميلادي: ١٢١٧
تفاصيل الحدث:
قدم السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش من همدان قاصدا إلى بغداد في أربعمائة ألف مقاتل، وقيل في ستمائة ألف، فاستعد له الخليفة واستخدم الجيوش وأرسل إلى الخليفة يطلب منه أن يكون بين يديه على قاعدة من تقدمه من الملوك السلاجقة، وأن يخطب له ببغداد، فلم يجبه الخليفة إلى ذلك، وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي، فلما وصل شاهد عنده من العظمة وكثرة الملوك بين يديه وأخذ السهروردي في خطبة هائلة فذكر فيها فضل بني العباس وشرفهم، والترجمان يعيد على الملك، فقال الملك أما ما ذكرت من فضل الخليفة فإنه ليس كذلك، ولكني إذا قدمت بغداد أقمت من يكون بهذه الصفة، وانصرف السهروردي راجعا، وأرسل الله تعالى على الملك وجنده ثلجا عظيما ثلاثة أيام حتى طم الحخراكي والخيام، ووصل إلى قريب رؤوس الأعلام، وتقطعت أيدي رجال وأرجلهم، وعمهم من البلاء ما لا يحد ولا يوصف، فمات كثير من الدواب والرجال فلم يحقق خوارزم شاه ما جاء لأجله وخاف أن يتغلب التتر على بلاده إذ قد بدؤوا بالتحرك فرجع إلى بلاده.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2259
انقضاء الهدنة مع الفرنج وغزوهم البلاد .
العام الهجري: ٦١٤
العام الميلادي: ١٢١٧
تفاصيل الحدث:
وصلت أمداد الفرنج في البحر من رومية الكبرى وغيرها من بلاد الفرنج في الغرب والشمال، إلا أن المتولي لها كان صاحب رومية، لأنه يتنزل عند الفرنج بمنزلة عظيمة، لا يرون مخالفة أمره ولا العدول عن حكمه فيما سرهم وساءهم، فجهز العساكر من عنده مع جماعة من مقدمي الفرنج، وأمر غيره من ملوك الفرنج إما أن يسير بنفسه، أو يرسل جيشاً، ففعلوا ما أمرهم، فاجتمعوا بعكا من ساحل الشام، وكان الملك العادل أبو بكر بن أيوب بمصر، فسار منها إلى الشام، فوصل إلى الرملة، ومنها إلى لد، وبرز الفرنج من عكا ليقصدوه، فسار العادل نحوهم، فوصل إلى نابلس عازماً على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد مما يلي عكا ليحميها منهم، فساروا هم فسبقوه، فنزل على بيسان من الأردن، فتقدم الفرنج إليه في شعبان عازمين على محاربته لعلمهم أنه في قلة من العسكر، لأن العساكر كانت متفرقة في البلاد، فلما رأى العادل قربهم منه لم ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه، خوفاً من هزيمة تكون عليه، وكان حازماً، كثير الحذر، ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم بالقرب منها، ويرسل إلى البلاد ويجمع العساكر، فوصل إلى مرج الصفر فنزل فيه، فأخذ الفرنج كل ما في بيسان من ذخائر قد جمعت، وكانت كثيرة، وغنموا شيئاً كثيراً، ونهبوا البلاد من بيسان إلى بانياس، وبثوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين، ونوى وأطراف البلاد، ونازلوا بانياس، وأقاموا عليها ثلاثة أيام، ثم عادوا عنها إلى مرج عكا ومعهم من الغنائم والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرة، سوى ما قتلوا، وأحرقوا، وأهلكوا، فأقاموا أياماً استراحوا خلالها، ثم جاؤوا إلى صور، وقصدوا بلد الشقيف، ونزلوا بينهم وبين بانياس مقدار فرسخين، فنهبوا البلاد: صيدا والشقيف، وعادوا إلى عكا؛ وكان هذا من نصف رمضان إلى العيد، والذي سلم من تلك البلاد كان مخفاً حتى قدر على النجاة، ولما نزل العادل على مرج الصفر سير ولده الملك المعظم عيسى، وهو صاحب دمشق في قطعة صالحة من الجيش إلى نابلس ليمنع الفرنج عن البيت المقدس.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2260
حصر الفرنج قلعة الطور وتخريبها .
العام الهجري: ٦١٤
العام الميلادي: ١٢١٧
تفاصيل الحدث:
لما نزل الفرنج بمرج عكا تجهزوا، وأخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق وغيرها، وقصدوا قلعة الطور، وهي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكا العادل قد بناها عن قريب، فتقدموا إليها وحصروها وزحفوا إليها، وصعدوا في جبلها حتى وصلوا إلى سورها وكادوا يملكونه، فاتفق أن بعض المسلمين ممن فيها قتل بعض ملوكهم، فعادوا عن القلعة فتركوها، وقصدوا عكا، وكانت مدة مقامهم على الطور سبعة عشر يوماً، ولما فارقوا الطور أقاموا قريباً، ثم ساروا في البحر إلى ديار مصر، فتوجه الملك المعظم إلى قلعة الطور فخربها إلى أن ألحقها بالأرض لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2261
قيام فتنة ببغداد بين أهل المأمونية وبني أهل باب الأزج .
العام الهجري: ٦١٤
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢١٧
تفاصيل الحدث:
وقعت ببغداد فتنة بين أهل المأمونية وبني أهل باب الأزج بسبب قتل سبع؛ وزاد الشر بينهم، واقتتلوا، فجرح بينهم كثير، فحضر نائب الباب وكفهم عن ذلك، فلم يقبلوا ذلك، وأسمعوه ما يكره، فأرسل من الديوان أمير من مماليك الخليفة، فرد أهل كل محلة إلى محلتهم، وسكنت الفتنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2262
قصد كيكاوس ولاية حلب .
العام الهجري: ٦١٥
العام الميلادي: ١٢١٨
تفاصيل الحدث:
سار عز الدين كيكاوس بن كيخسرو ملك الروم إلى ولاية حلب، قصداً للتغلب عليها، ومعه الأفضل بن صلاح الدين يوسف، حيث كان أشار عليه ذوو الرأي من أصحابه، وقالوا له: لا يتم لك هذا إلا بأن يكون معك أحد من بيت أيوب ليسهل على أهل البلاد وجندها الانقياد إليه؛ وهذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك، فأحضر الأفضل من سميساط إليه، واستقرت القواعد بينهما أن يكون ما يفتحه من حلب وأعمالها للأفضل، وهو في طاعة كيكاوس، والخطبة له في ذلك أجمع، ثم يقصدون ديار الجزيرة، فما يفتحونه مما بيد الملك الأشرف مثل: حران والرها من البلاد الجزرية، تكون لكيكاوس، وجرت الأيمان على ذلك، وجمعوا العساكر وساروا، فملكوا قلعة رغبان، فتسلمها الأفضل، فمال الناس حينئذ إليهما، ثم سارا إلى قلعة تل باشر، وفيها صاحبها ولد بدر الدين دلدرم الياروقي، فحصروه، وضيقوا عليه، وملكوها منه، فأخذها كيكاوس لنفسه، ولم يسلمها إلى الأفضل، فاستشعر الأفضل من ذلك، وقال: هذا أول الغدر؛ وخاف أنه إن ملك حلب يفعل به هكذا، فلا يحصل إلا أن يكون قد قلع بيته لغيره، ففترت نيته، وأعرض عما كان يفعله؛ وكذلك أيضاً أهل البلاد، وأما صاحب حلب فلما حدث هذا الأمر خاف أن يحصروه، وربما سلم أهل البلد والجند المدينة إلى الأفضل لميلهم إليه، فأرسل إلى الملك الأشرف ابن الملك العادل، صاحب الديار الجزرية وخلاط وغيرها، يستدعيه إليه لتكون طاعتهم له، ويخطبون له، ويجعل السكة باسمه، ويأخذ من أعمال حلب ما اختار، فجمع عسكره وأحضر إليه العرب من طيء وغيرهم، ونزل بظاهر حلب، ولما أخذ كيكاوس تل باشر كان الأفضل يشير بمعاجلة حلب قبل اجتماع العساكر بها، وقبل أن يحتاطوا ويتجهزوا، فعاد عن ذلك، وصار يقول: الرأي أننا نقصد منبج وغيرها لئلا يبقى لهم وراء ظهورنا شيء، قصداً للتمادي فتوجهوا من تل باشر إلى جهة منبج، وتقدم الأشرف نحوهم، وسارت العرب في مقدمته؛ وكان طائفة من عسكر كيكاوس، نحو ألف فارس، قد سبقت مقدمته له، فالتقوا هم والعرب ومن معهم من العسكر الأشرفي، فاقتتلوا، فانهزم عسكر كيكاوس، وعادوا إليه منهزمين، وأكثر العرب الأسر منهم والنهب لجودة خيلهم ودبر خيل الروم، فلما وصل إليه أصحابه منهزمين لم يثبت، بل ولى على أعقابه يطوي المراحل إلى بلاده خائفاً يترقب، فلما وصل إلى أطرافها أقام، فسار حينئذ الأشرف، فملك رغبان، وحصر تل باشر، وبها جمع من عسكر كيكاوس، فقاتلوه حتى غلبوا، فأخذت القلعة منهم، وأطلقهم الأشرف، وسلم الأشرف تل باشر وغيرها من بلد حلب إلى شهاب الدين أتابك، صاحب حلب، وكان عازماً على اتباع كيكاوس، ودخول بلاده، فأتاه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل، فاقتضت المصلحة العود إلى حلب.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2263
حصر الفرنج دمياط .
العام الهجري: ٦١٥
العام الميلادي: ١٢١٨
تفاصيل الحدث:
لما عاد الفرنج من حصار الطور أقاموا بعكا إلى أن دخلت هذه السنة، فساروا في البحر إلى دمياط، فوصلوا في صفر، فأرسلوا على بر الجيزة، بينهم وبين دمياط النيل، فإن بعض النيل يصب في البحر المالح عند دمياط، وقد بني في النيل برج كبير منيع، وجعلوا فيه سلاسل من حديد غلاظ، ومدوها في النيل إلى سور دمياط لتمنع المراكب الواصلة في البحر المالح أن تصعد في النيل إلى ديار مصر، ولولا هذا البرج وهذه السلاسل لكانت مراكب العدو لا يقدر أحد على منعها عن أقاصي ديار مصر وأدانيها، فلما نزل الفرنج على بر الجيزة، وبينهم وبين دمياط النيل، بنوا عليه سوراً، وجعلوا خندقاً يمنعهم من يريدهم، وشرعوا في قتال من بدمياط، وعملوا آلات، ومرمات، وأبراجاً متحركة يزحفون بها في المراكب إلى هذا البرج ليقاتلوه ويملكوه، وكان البرج مشحوناً بالرجال، وقد نزل الملك الكامل ابن الملك العادل، وهو صاحب ديار مصر، بمنزلة تعرف بالعادلية، بالقرب من دمياط، والعساكر متصلة من عنده إلى دمياط، ليمنع العدو من العبور إلى أرضهم، وأدام الفرنج قتال البرج وتابعوه، فلم يظفروا منه بشيء، وكسرت مرماتهم وآلاتهم، ومع هذا فهم ملازمون لقتاله، فبقوا كذلك أربعة أشهر ولم يقدروا على أخذه؛ فلما ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح في النيل ويتحكموا في البر، فنصب الملك الكامل عوض السلاسل جسراً عظيماً امتنعوا به من سلوك النيل، ثم إنهم قاتلوا عليه أيضاً قتالاً شديداً، كثيراً، متتابعاً حتى قطعوه، فلما قطع أخذ الملك الكامل عدة مراكب كبار وملأها وخرقها وغرقها في النيل، فمنعت المراكب من سلوكه، فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجاً هناك يعرف بالأزرق، كان النيل يجري فيه قديماً، فحفروا ذلك الخليج وعمقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل، وأجروا الماء فيه إلى البحر المالح، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يقال له بورة، على أرض الجيزة أيضاً، مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه من هناك، فإنهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلونه فيها؛ كانت دمياط تحجز بينهم وبينه، فلما صاروا في بورة حاذوه فقاتلوه في الماء، وزحفوا غير مرة، فلم يظفروا بطائل، ولم يتغير على أهل دمياط شيء لأن الميرة والأمداد متصلة بهم، والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج، فهم ممتنعون لا يصل إليهم أذى، وأبوابها مفتحة، وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر، فاتفق كما يريد الله ، أن الملك العادل توفي في جمادى الآخرة، فضعفت نفوس الناس لأنه السلطان حقيقة، وأولاده، وإن كانوا ملوكاً إلا أنه يحكمهم، والأمر إليه، وهو ملك البلاد، فاتفق موته والحال هكذا من مقاتلة العدو، وكان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين أحمد بن علي، ويعرف بابن المشطوب، وهو من الأكراد الهكارية، وهو أكبر أمير بمصر، وله لفيف كثير، وجميع الأمراء أرادوا أن يخلعوا الملك الكامل من الملك ويملكوا أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، فبلغ الخبر إلى الكامل، ففارق المنزلة ليلاً جريدة، وسار إلى قرية يقال لها أشموم طناح، فنزل عندها، وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم، فركب كل إنسان منهم هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم إلا اليسير الذي يخف حمله، وتركوا الباقي بحاله من ميرة، وسلاح، ودواب، وخيام وغير ذلك، ولحقوا بالكامل، وأما الفرنج فإنهم أصبحوا من الغد، فلم يروا من المسلمين أحداً على شاطئ النيل كجاري عادتهم، فبقوا لا يدرون ما الخبر، وإذ قد أتاهم من أخبرهم الخبر على حقيقة، فعبروا حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع ولا ممانع، وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة، فغنموا ما في معسكر المسلمين، فكان عظيماً يعجز العادين. وكان الملك الكامل يفارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من عسكره، وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة، فاتفق من لطف الله تعالى بالمسلمين أن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل وصل إلى أخيه الكامل بعد هذه الحركة بيومين، والناس في أمر مريج، فقوي به قلبه، واشتد ظهره، وثبت جنانه، وأقام بمنزلته، وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشام، فاتصل بالملك الأشرف وصار من جنده، فلما عبر الفرنج إلى أرض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها، ونهبوا البلاد المجاورة لدمياط، وقطعوا الطريق، وأفسدوا، وبالغوا في الإفساد، فكانوا أشد على المسلمين من الفرنج، وكان أضر شيء على أهل دمياط أنها لم يكن بها من العسكر أحد لأن السلطان ومن معه من العساكر كانوا عندها يمنعون العدو عنها، فأتتهم هذه الحركة بغتة، فلم يدخلها أحد من العسكر، وكان ذلك من فعل ابن المشطوب، لا جرم لم يمهله الله، وأخذه أخذة رابية، على ما نذكره إن شاء الله، وأحاط الفرنج بدمياط، وقاتلوها براً وبحراً، وعملوا عليهم خندقاً يمنعهم من يريدهم من المسلمين، وهذه كانت عادتهم، وأداموا القتال، واشتد الأمر على أهلها، وتعذرت عليهم الأقوات وغيرها، وسئموا القتال وملازمته، لأن الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم، وليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال بينهم مناوبة، ومع هذا فقد صبروا صبراً لم يسمع بمثله، وكثر القتل فيهم والجراح والموت والأمراض، ودام الحصار عليهم إلى السابع والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة، فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلتهم، وتعذر القوت عندهم، فسلموا البلد إلى الفرنج، في هذا التاريخ، بالأمان، فخرج منهم قوم وأقام آخرون لعجزهم عن الحركة، فتفرقوا أيدي سبا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2264
الصليبيون يحتلون دمياط (الحملة الصليبية الخامسة) .
العام الهجري: ٦١٥
العام الميلادي: ١٢١٨
تفاصيل الحدث:
تعتبر هذه الهجمة هي الحملة الصليبية الخامسة على المسلمين حيث اجتمع رأي الفرنج على الرحيل من عكا إلى مصر، والاجتهاد في تملكها، فأقلعوا في البحر، وأرسوا على دمياط، في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الأول على بر جيزة دمياط، وصار الفرنج في غربي النيل، فأحاطوا على معسكرهم خندقا، وبنوا بدائره سورا، وأخذوا في محاربة أهل دمياط، وعملوا آلات ومرمات، وأبراجا متحركة يزحفون بها في المراكب إلى برج السلسلة ليملكوه، حتى يتمكنوا من البلد، فخرج الكامل بمن بقي عنده من العسكر، لخمس خلون من ربيع الأول، وسير البعوث ليمنع الفرنج من العبور، وألح الفرنج في مقاتلة أهل البرج الذي على النيل حيث كانت السلاسل تمنع سفنهم من دخوله، فلم يظفروا بشيء، وكسرت مرماتهم وآلاتهم، وتمادى الأمر على ذلك أربعة أشهر، هذا والملك العادل يجهز عساكر الشام شيئا بعد شيء إلى دمياط، حتى صار عند الكامل من المقاتلة ما لا يكاد ينحصر عدده، هذا والعادل بمرج الصفر، فبينا هو في الاهتمام بأمر الفرنج، إذ ورد عليه الخبر بأخذ الفرنج برج السلسلة بدمياط، فمرض من ساعته، فرحل من المرج إلى عالقين، وقد اشتد مرضه، فمات في سابع جمادى الآخرة يوم الخميس، وكان الفرنج قد استولوا على برج السلسلة، وقطعوا السلاسل المتصلة به، لتعبر مراكبهم في بحر النيل، ويتمكنوا من أرض مصر، فنصب الملك الكامل عوضا من السلاسل جسرا عظيما، يمنع الفرنج من عبور النيل، فقاتل الفرنج عليه قتالا كثيرا حتى قطعوه، فأمر الكامل بتغريق عدة من المراكب في النيل، منعت الفرنج من سلوكه، فعدل الفرنج إلى خليج كان النيل يجري فيه قديما، فحفروه حفرا عميقا، وأجروا فيه الماء إلى البحر الملح، فجرت سفنهم فيه إلى ناحية بورة على أرض جيزة دمياط، تجاه المنزلة التي فيها الكامل، ليقاتلوه من هناك، فلما استقروا في بورة حاذوه، وقاتلوه في الماء، وزحفوا إليه غير مرة، فلم ينالوا منه غرضا طائلا، ولم يضر أهل دمياط ذلك، هذا والعربان تخطف الفرنج في كل ليلة، بحيث منعهم ذلك من الرقاد، خوفا من غاراتهم، وأدرك الناس الشتاء، فهاج البحر على معسكر المسلمين، وغرق الخيم، فعظم البلاء، واشتد الكرب، وألح الفرنج في القتال، ولم يبق إلا أن يملكوا البلاد، فأرسل الله سبحانه ريحا قطعت مراسي مرمة كانت للفرنج من عجائب الدنيا، فمرت تلك المرمة إلى البر الذي فيه المسلمون فملكوها، وبعث السلطان إلى الآفاق سبعين رسولا، يستنجد أهل الإسلام على قتال الفرنج، فقدمت النجدات من حماة وحلب، إلا أنه لما قدم على المعسكر موت العادل وقع الطمع في الملك الكامل، وثار العرب بنواحي أرض مصر، وكثر خلافهم واشتد ضررهم، وصار من الخلاف ما حرض الفرنج على التحرك، فبادر الفرنج عند ذلك، وعبروا بر دمياط وهم آمنون، من غير منازع ولا مدافع، وأخذوا كل ما كان في معسكر المسلمين، وكان شيئا لا يقدر قدره، وذلك لبضع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، فكان نزول الفرنج قبالة دمياط في يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الأول، ونزولهم في البر الشرقي " حيث مدينة دمياط " يوم الثلاثاء سادس ذي القعدة سنة ست عشرة، فتزلزل الملك الكامل، وهم بمفارقة أرض مصر، ثم تثبت، فتلاحق به العسكر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2265
وفاة الملك القاهر صاحب الموصل وتملك ولده بعده .
العام الهجري: ٦١٥
الشهر القمري: ربيع الأول
العام الميلادي: ١٢١٨
تفاصيل الحدث:
توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود بن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول، وكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر، وكان سبب موته أنه أخذته حمى، ثم فارقته الغد، وبقي يومين موعوكاً، ثم عاودته الحمى مع فيء كثير، وكرب شديد، وقلق متتابع، ثم برد بدنه، وعرق، وبقي كذلك إلى وسط الليل، ثم توفي، وكان لما حضرته الوفاة أوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه، وعمره حينئذ نحو عشر سنين، وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ، وهو الذي كان يتولى دولة القاهر ودولة أبيه نور الدين قبله، فلما قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين، وأجلسه في مملكة أبيه، وأرسل إلى الخليفة يطلب له التقليد والتشريف، وأرسل إلى الملوك، وأصحاب الأطراف المجاورين لهم، يطلب منهم تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه، فلم يصبح إلا وقد فرغ من كل ما يحتاج إليه، وجلس للعزاء، وحلف الجند والرعايا، وضبط المملكة، وبعد أيام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية، ولبدر الدين بالنظر في أمر دولته، والتشريفات لهما أيضاً، وأتتهما رسل الملوك بالتعزية، وبذل ما طلب منهم من العهود، واستقرت القواعد لهما.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2266
وفاة الملك العادل الأيوبي .
العام الهجري: ٦١٥
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١٢١٨
تفاصيل الحدث:
توفي الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أبي الشكر أيوب بن شاذي بن مروان، أخو صلاح الدين، وأحد ملوك الدولة الأيوبية. ولد بدمشق سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة (٥٣٨هـ). ولما ملك صلاح الدين الديار المصرية كان ينوب عنه في حال غيبته في الشام، ويستدعي منه الأموال للإنفاق على الجند وغيرهم. ولما ملك السلطان مدينة حلب سنة (٥٧٩هـ) أعطاها لولده الملك الظاهر غازي، ثم أخذها منه، وأعطاها للملك العادل، ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي لمصلحة وقع الاتفاق عليها بينه وبين أخيه صلاح الدين. وآخر الأمر أنه استقل بمصر سنة (٥٩٦هـ) واستقرت له القواعد، ثم خطب له بحلب سنة (٥٩٨هـ). وملك معها البلاد الشامية والشرقية، ثم ملك اليمن سنة (٦١٢هـ)، وسير إليها ابنه الملك المسعود صلاح الدين. ولما تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل الديار المصرية، والملك المعظم البلاد الشامية، والملك الأشرف البلاد الشرقية، والملك الأوحد نجم الدين أيوب ميا فارقين وتلك النواحي، وكان يتردد بينهم وينتقل إليهم من مملكة إلى أخرى. وكان ملكاً عظيماً ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته التجارب. حسن السيرة، جميل الطوية، وافر العقل، حازمًا في الأمور صالحًا محافظًا على الصلوات في أوقاتها، مائلاً إلى العلماء. وعند وصول الإفرنج إلى ساحل الشام، توجه أمامهم إلى جهة دمشق ليتجهز ويتأهب للقائهم، فلما وصل إلى عالقين -وهى قرية بظاهر دمشق - توفي بها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2267
وفاة الملك العادل الأيوبي صاحب مصر .
العام الهجري: ٦١٥
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١٢١٨
تفاصيل الحدث:
توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادى الآخرة، وكان لما توفي أخوه صلاح الدين قد ملك دمشق وديار مصر، وبقي مالكاً للبلاد إلى الآن، فلما ظهر الفرنج، سنة أربع عشرة وستمائة، قصد هو مرج الصفر، فلما سار الفرنج إلى ديار مصر انتقل هو إلى عالقين، فأقام به، ومرض، وتوفي، وحمل إلى دمشق، فدفن بالتربة التي له بها، وكانت مدة ملكه عشرين سنة إلا ثلاثة أشهر، وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده، فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي أعطاه أبوه، واتفقوا اتفاقاً حسناً لم يجر بينهم من الاختلاف شيء، ثم إن ابنه الكامل محمد تملك مصر بعده وقد كان أبوه أعطاه إياها وأكمل بعده قتال الفرنج.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2268
ما وراء النهر غزاها جنكيزخان وظلت في حكم المغول أبناء جنتباي خان غير المسلمين .
العام الهجري: ٦١٦
العام الميلادي: ١٢١٩
تفاصيل الحدث:
كان سبب غزو جنكيز خان لهذه المناطق هو أن خوارزم شاه قد بدأ يأخذ أموال التجار الذين من طرف جنكيز خان ثم زاد الأمر أن قتل سفير جنكيز نفسه الذي جاء من أجل إعادة تلك الأموال فأثار ذلك غضب جنكيز الذي جهز العساكر من فوره وانطلق إلى خوارزم شاه فوقع بينهما ما هو مسطور في الموسوعة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2269
ظهور المغول التتر وقتالهم مع المسلمين .
العام الهجري: ٦١٦
العام الميلادي: ١٢١٩
تفاصيل الحدث:
ظهر التتر إلى بلاد الإسلام، وهم نوع كثير من الترك، ومساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين، وكان السبب في ظهورهم أن ملكهم، ويسمى بجنكيزخان، المعروف بتموجين، كان قد فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان، وسير جماعة من التجار والأتراك، ومعهم شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما، إلى بلاد ما وراء النهر سمرقند وبخارى ليشتروا له ثياباً للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى أوترا، وهي آخر ولاية خوارزم شاه، وكان له نائب هناك، فلما ورد عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ويذكر له ما معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال وإنفاذه إليهم، فقتلهم، وسيّر ما معهم، وكان شيئاً كثيراً، فلما وصل إلى خوارزم شاه فرقه على تجار بخارى، وسمرقند، وأخذ ثمنه منهم، وكان بعد أن ملك ما وراء النهر من الخطا قد سد الطرق عن بلاد تركستان وما بعدها من البلاد، وإن طائفة من التتر أيضاً كانوا قد خرجوا قديماً والبلاد للخطا، فلما ملك خوارزم شاه البلاد بما وراء النهر من الخطا، قتلهم، واستولى هؤلاء التتر على تركستان: كاشغار، وبلاساغون وغيرهما، وصاروا يحاربون عساكر خوارزم شاه، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات وغيرها، فلما قتل نائب خوارزم شاه أصحاب جنكيزخان أرسل جواسيس إلى جنكيزخان لينظر ما هو، وكم مقدار ما معه من الترك، وما يريد أن يعمل، فمضى الجواسيس، وسلكوا المفازة والجبال التي على طريقهم، حتى وصلوا إليه، فعادوا بعد مدة طويلة وأخبروه بكثرة عددهم، وأنهم يخرجون عن الإحصاء، وأنهم من أصبر خلق الله على القتال لا يعرفون هزيمة، وأنهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم، فندم خوارزم شاه على قتل أصحابهم وأخذ أموالهم، وكان جنكيزخان قد سار إلى تركستان، فملك كاشغار، وبلاساغون، وجميع تلك البلاد، وأزال عنها التتر الأولى، فلم يظهر لهم خبر، ولا بقي لهم أثر، بل بادوا كما أصاب الخطا، وتجهز خوارزم شاه، وسار مبادراً ليسبق خبره ويكسبهم، فأدمن السير، فمضى، وقطع مسيرة أربعة أشهر، فوصل إلى بيوتهم، فلم ير فيها إلا النساء والصبيان والأثقال، فأوقع بهم وغنم الجميع، وسبى النساء والذرية، وكان سبب غيبة الكفار عن بيوتهم أنهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك يقال له كشلوخان، فقاتلوه، وهزموه، وغنموا أمواله وعادوا، فلقيهم في الطريق الخبر بما فعل خوارزم شاه بمخلفيهم، فجدوا السير، فأدركوه قبل أن يخرج عن بيوتهم، وتصافوا للحرب، واقتتلوا قتالاً لم يسمع بمثله، فبقوا في الحرب ثلاثة أيام بلياليها، فقتل من الطائفتين ما لا يعد، ولم ينهزم أحد منهم، أما المسلمون فإنهم صبروا حمية للدين، وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبق للمسلمين باقية، وأنهم يؤخذون لبعدهم عن بلادهم، وأما الكفار فصبروا لاستنقاذ أهليهم وأموالهم، واشتد بهم الأمر، حتى إن أحدهم كان ينزل عن فرسه ويقاتل قرنه رجلاً، ويتضاربون بالسكاكين، وجرى الدم على الأرض، حتى صارت الخيل تزلق من كثرته، واستنفذ الطائفتان وسعهم في الصبر والقتال، هذا القتال جميعه مع ابن جنكيزخان ولم يحضر أبوه الوقعة، ولم يشعر بها، فأحصي من قتل من المسلمين في هذه الوقعة فكانوا عشرين ألفاً، وأما من الكفار فلا يحصى من قتل منهم، فلما كان الليلة الرابعة افترقوا، فنزل بعضهم مقابل بعض، فلما أظلم الليل أوقد الكفار نيرانهم وتركوها بحالها وساروا، وكذلك فعل المسلمون أيضاً، كل منهم سئم القتال؛ فأما الكفار فعادوا إلى ملكهم جنكيزخان؛ وأما المسلمون فرجعوا إلى بخارى، فاستعد للحصار لعلمه بعجزه، لأن طائفة عسكره لم يقدر خوارزم شاه على أن يظفر بهم، فكيف إذا جاؤوا جميعهم مع ملكهم؟ فأمر أهل بخارى وسمرقند بالاستعداد للحصار، وجمع الذخائر للامتناع، وجعل في بخارى عشرين ألف فارس من العسكر يحمونها، وفي سمرقند خمسين ألفاً، وقال لهم: احفظوا البلد حتى أعود إلى خوارزم وخراسان وأجمع العساكر واستنجد بالمسلمين وأعود إليكم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2270
هزيمة عماد الدين من العسكر البدري .
العام الهجري: ٦١٦
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢١٩
تفاصيل الحدث:
كان عسكر البدري يحاصر العمادية وبها زنكي، فلما عاد العسكر عنها قويت نفسه، وفارقها، وعاد إلى قلعة العقر التي له ليتسلط على أعمال الموصل بالصحراء، فإنه كان قد فرغ من بلد الجبل، وأمده مظفر الدين بطائفة كثيرة من العسكر. ولما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره إلى أطراف الموصل يحمونها، فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثم إنهم اتفقوا بينهم على المسير إلى زنكي، وهو عند العقر في عسكره، ومحاربته؛ ففعلوا ذلك، ولم يأخذوا أمر بدر الدين بل أعلموه بمسيرهم جريدة ليس معهم إلا سلاحهم، ودواب يقاتلون عليها، فساروا ليلتهم، وصبحوا زنكي بكرة الأحد لأربع بقين من المحرم من سنة ست عشرة وستمائة، فالتقوا واقتتلوا تحت العقر، وعظم الخطب بينهم، فانتصر العسكر البدري، وانهزم عماد الدين وعسكره، وسار إلى إربل منهزماً، وعاد العسكر البدري إلى منزلته التي كان بها، وحضرت الرسل من الخليفة الناصر لدين الله ومن الملك الأشرف في تجديد الصلح، فاصطلحوا، وتحالفوا بحضور الرسل.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2271
وفاة قطب الدين محمد بن زنكي وملك ابنه .
العام الهجري: ٦١٦
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١٢١٩
تفاصيل الحدث:
توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب سنجار، وكان كريماً، حسن السيرة في رعيته، حسن المعاملة مع التجار، كثير الإحسان إليهم، وأما أصحابه فكانوا معه في أرغد عيش يعمهم بإحسانه، ولا يخافون أذاه، وكان عاجزاً عن حفظ بلده، مسلماً الأمور إلى نوابه, ولما توفي ملك بعده ابنه عماد الدين شاهنشاه، وركب الناس معه، وبقي مالكاً لسنجار عدة شهور، وسار إلى تل أعفر وهي له، فدخل عليه أخوه عمر بن محمد بن زنكي، ومعه جماعة، فقتلوه، وملك أخوه عمر بعده فبقي كذلك إلى أن سلم سنجار إلى الملك الأشرف، ولم يمتع بملكه الذي قطع رحمه، وأراق الدم الحرام لأجله, ولما سلم سنجار أخذ عوضها الرقة، ثم أخذت منه عن قريب، وتوفي بعد أخذها منه بقليل.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2272
وفاة الحافظ ابن عساكر .
العام الهجري: ٦١٦
الشهر القمري: جمادى الأولى
العام الميلادي: ١٢١٩
تفاصيل الحدث:
توفي أبو الحسن علي بن أبي محمد القاسم بن علي بن الحسن بن عبدالله الدمشقي، الحافظ ابن الحافظ، المعروف بابن عساكر، وكان قد قصد خراسان وسمع بها الحديث فأكثر، وعاد إلى بغداد، وبقي بها. رحمه الله تعالى.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2273
وفاة كيكاوس وملك كيقباذ أخيه .
العام الهجري: ٦١٦
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١٢٢٠
تفاصيل الحدث:
توفي صاحب الروم السلطان الملك الغالب عز الدين كيكاوس ابن السلطان كيخسرو بن قلج رسلان السلجوقي التركماني القتلمشي صاحب قونية وأقصرا وملطية. وهو أخو السلطان كيقباذ. كان جبارا، سفاكا للدماء، كسره الملك الأشرف لما قدم ليأخذ حلب وقت موت الملك الظاهر غازي، فاتهم أمراءه أنهم ما نصحوا في القتال. وسلق جماعة في القدور، وحرق آخرين، فأخذه الله فجاءة وهو مخمور، وقيل: ابتلي وتقطع بدنه. وكان أخوه علاء الدين كيقباذ في سجنه، فأخرجوه وملكوه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2274
إجلاء بني معروف عن البطائح وقتلهم .
العام الهجري: ٦١٦
الشهر القمري: ذو القعدة
العام الميلادي: ١٢٢٠
تفاصيل الحدث:
أمر الخليفة الناصر لدين الله الشريف معداً، متولي بلاد واسط، أن يسير إلى قتال بني معروف، فتجهز، وجمع معه من الرجالة من تكريت، وهيت، والحديثة، والأنبار، والحلة، والكوفة، وواسط، والبصرة، وغيرها، خلقاً كثيراً، وسار إليهم، ومقدمهم حينئذ معلى بن معروف، وهم قوم من ربيعة, وكانت بيوتهم غربي الفرات، تحت سوراء، وما يتصل بذلك من البطائح، وكثر فسادهم وأذاهم لما يقاربهم من القرى، وقطعوا الطريق، وأفسدوا في النواحي المقاربة لبطيحة العراق، فشكا أهل تلك البلاد إلى الديوان منهم، فأمر معداً أن يسير إليهم في الجموع، فسار إليهم، فاستعد بنو معروف لقتاله، فاقتتلوا بموضع يعرف بالمقبر، وهو تل كبير بالبطيحة بقرب العراق، وكثر القتل بينهم، ثم انهزم بنو معروف، وكثر القتل فيهم، والأسر، والغرق، وأخذت أموالهم، وحملت رؤوس كثيرة من القتلى إلى بغداد في ذي الحجة من السنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2275
المغول يغيرون على بخارى ويذبحون أهلها .
العام الهجري: ٦١٦
الشهر القمري: ذو الحجة
العام الميلادي: ١٢٢٠
تفاصيل الحدث:
نشوب القتال مع المغول وأمر خوارزم شاه بتحصين بخارى وسمرقند وقفله ليجمع العساكر من الأنحاء لقتال المغول، فلما فرغ من ذلك رحل عائداً إلى خراسان، فعبر جيحون، ونزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك، وأما الكفار فإنهم رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون ما وراء النهر، فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول خوارزم شاه، وحصروها، وقاتلوهما ثلاثة أيام قتالاً شديداً متتابعاً، فلم يكن للعسكر الخوارزمي بهم قوة، ففارقوا البلد عائدين إلى خراسان، فلما أصبح أهل البلد وليس عندهم من العسكر أحد ضعفت نفوسهم، فأرسلوا القاضي، وهو بدر الدين قاضي خان، ليطلب الأمان للناس، فأعطوهم الأمان، وكان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم، فاعتصموا بالقلعة، فلما أجابهم جنكيزخان إلى الأمان فتحت أبواب المدينة يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة، فدخل الكفار بخارى، ولم يتعرضوا لأحد بل قالوا لهم: كل ما هو للسلطان عندكم من ذخيرة وغيره أخرجوه إلينا، وساعدونا على قتال من بالقلعة؛ وأظهروا عندهم العدل وحسن السيرة، ودخل جنكيزخان بنفسه وأحاط بالقلعة، ونادى في البلد بأن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل، فحضروا جميعهم، فأمرهم بطم الخندق، فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونهم في الخندق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وبحق سمى الله نفسه صبوراً حليماً، وإلا كان خسف بهم الأرض عند فعل مثل هذا، ثم تابعوا الزحف إلى القلعة وبها نحو أربع مائة فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم، ومنعوا القلعة اثني عشر يوماً يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فقتل بعضهم، ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم، ووصل النقابون إلى سور القلعة فنقبوه، واشتد حينئذ القتال، ومن بها من المسلمين يرمون ما يجدون من حجارة ونار وسهام، فغضب اللعين، ورد أصحابه ذلك اليوم، وباكرهم من الغد، فجدوا في القتال، وقد تعب من بالقلعة ونصبوا، وجاءهم ما لا قبل لهم به، فقهرهم الكفار ودخلوا القلعة، وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قتلوا عن آخرهم، فلما فرغ من القلعة نادى أن يكتب له وجوه الناس ورؤساؤهم، ففعلوا ذلك، فلما عرضوا عليه أمر بإحضارهم فحضروا، فقال: أريد منكم النقرة التي باعكم خوارزم شاه، فإنها لي، ومن أصحابي أخذت، وهي عندكم، فأحضر كل من كان عنده شيء منها بين يديه، ثم أمرهم بالخروج من البلد، فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم، ليس مع أحد منه غير ثيابه التي عليه، ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه، وأحاط بالمسلمين، فأمر أصحابه أن يقتسموهم، فاقتسموهم، وكان يوماً عظيماً من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان، وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق، واقتسموا النساء أيضاً، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس، وارتكبوا من النساء العظيم، والناس ينظرون ويبكون، ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئاً مما نزل بهم، فمنهم من لم يرض بذلك، واختار الموت على ذلك فقاتل حتى قتل، ومن استسلم أخذ أسيراً، وألقوا النار في البلد، والمدارس، والمساجد، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2276
المغول يغيرون على سمرقند ويذبحون أهلها .
العام الهجري: ٦١٧
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٢٠
تفاصيل الحدث:
بعد استيلاء المغول على بخارى وما كان فيها منهم ثم إنهم رحلوا نحو سمرقند وقد تحققوا عجز خوارزم شاه عنهم، وهم بمكانه بين ترمذ وبلخ، واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى، فساروا بهم مشاة على أقبح صورة، فكل من أعيا وعجز عن المشي قتلوه، فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة، وتركوا الرجالة والأسارى والأثقال وراءهم، حتى تقدموا شيئاً فشيئاً، ليكون أرعب لقلوب المسلمين؛ فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه، فلما كان اليوم الثاني وصل الأسارى والرجالة والأثقال، ومع كل عشرة من الأسارى علم، فظن أهل البلد أن الجميع عساكر مقاتلة، وأحاطوا بالبلد وفيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية، وأما عامة البلد فلا يحصون كثرة، فخرج إليهم شجعان أهله، وأهل الجلد والقوة رجالة، ولم يخرج معهم من العسكر الخوارزمي أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين، فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد، فلم يزل التتر يتأخرون، وأهل البلد يتبعونهم، ويطمعون فيهم، وكان الكفار قد كمنوا لهم كميناً، فلما جاوزوا الكمين خرج عليهم وحال بينهم وبين البلد، ورجع الباقون الذين أنشبوا القتال أولاً، فبقوا في الوسط، وأخذهم السيف من كل جانب، فلم يسلم منهم أحد؛ قتلوا عن آخرهم شهداء، ﵃، وكانوا سبعين ألفاً على ما قيل، فلما رأى الباقون من الجند والعامة ذلك ضعفت نفوسهم وأيقنوا بالهلاك، فقال الجند، وكانوا أتراكاً: نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا؛ فطلبوا الأمان، فأجابوهم إلى ذلك، ففتحوا أبواب البلد، ولم يقدر العامة على منعهم، وخرجوا إلى الكفار بأهلهم وأموالهم، فقال لهم الكفار: ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم؛ ففعلوا ذلك، فلما أخذوا أسلحتهم ودوابهم وضعوا السيف فيهم وقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا أموالهم ودوابهم ونساءهم، فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم، ومن تأخر قتلوه، فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند مثل فعلهم مع أهل بخارى من النهب، والقتل، والسبي، والفساد، ودخلوا البلد فنهبوا ما فيه، وأحرقوا الجامع وتركوا باقي البلد على حاله، وافتضوا الأبكار، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال، وقتلوا من لم يصلح للسبي، وكان ذلك في المحرم، وكان خوارزم شاه بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند، فيرجعون ولا يقدرون على الوصول إليها.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2277
احتلال دمياط من قبل الفرنج .
العام الهجري: ٦١٧
الشهر القمري: شعبان
العام الميلادي: ١٢٢٠
تفاصيل الحدث:
اشتد قتال الفرنج، وعظمت نكايتهم لأهل دمياط، وكان فيها نحو العشرين ألف مقاتل، فنهكتهم الأمراض، وغلت عندهم الأسعار، وامتلأت الطرقات من الأموات، وعدمت الأقوات، فتسور الفرنج السور، وملكوا منه البلد يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان، فكانت مدة الحصار ستة عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً، وعندما أخذوا دمياط وضعوا السيف في الناس، فلم يعرف عدد من قتل لكثرتهم، ورحل السلطان بعد ذلك بيومين، ونزل قبالة طلخا، على رأس بحر أكوم ورأس بحر دمياط، وخيم بالمنزلة التي عرفت بالمنصورة وحصن الفرنج أسوار في دمياط، وجعلوا جامعها كنيسة، وبثوا سراياهم في القرى يقتلون ويأسرون، فعظم الخطب واشتد البلاء، وندب السلطان الناس وفرقهم في الأرض، فخرجوا إلى الآفاق يستصرخون الناس لاستنقاذ أرض مصر من أيدي الفرنج، وشرع السلطان في بناء الحور والفنادق والحمامات والأسواق بمنزلة المنصورة وجهز الفرنج من حصل في أيديهم من أسارى المسلمين في البحر إلى عكا وبرزوا من مدينة دمياط يريدون أخذ مصر والقاهرة، فنازلوا السلطان تجاه المنصورة، واجتمع الناس من أهل مصر وسائر النواحي ما بين أسوان إلى القاهرة، ونودي بالنفير العام، وألا يبقى أحد وذكروا أن ملك الفرنج قد أقطع ديار مصر لأصحابه وأنزل السلطان على ناحية شار مساح ألفي فارس، في آلاف من العربان، ليحولوا بين الفرنج وبين دمياط، وسارت الشواني - ومعها حراقة كبيرة - إلى رأس بحر المحلة، وعليها الأمير بدر الدين بن حسون، فانقطعت الميرة عن الفرنج من البر والبحر، وقدمت النجمات للملك الكافي من بلاد الشام، وخرجت أمم الفرنج من داخل البحر تريد مدد الفرنج على دمياط فوافى دمياط منهم طوائف لا يحصي لهم عدد فلما تكامل جمعهم بدمياط خرجوا منها، وقد زين لهم سوء عملهم أن يملكوا أرض مصر، ويستولوا منها على مماليك البسيطة كلها، فلما قدمت النجدات من المسلمين هال الفرنج ما رأوا، وكان قدوم هذه النجدات في ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة، وتتابع قدوم النجدات حتى بلغ عدد فرسان المسلمين نحو الأربعين ألفاً، فحاربوا الفرنج في البر والبحر، وأخفوا منهم ست شواني وجلاسة وبطسة، وأسروا منهم ألفين ومائتي رجل، ثم ظفروا أيضاً بثلاث قطائع فتضعضع الفرنج لذلك، وضاق بهم المقام، وبعثوا يسألون في الصلح.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2278
وفاة السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه .
العام الهجري: ٦١٧
الشهر القمري: شوال
العام الميلادي: ١٢٢٠
تفاصيل الحدث:
في الوقت الذي بدأ فيه الضعف يدب في أوصال الدولة السلجوقية كانت الدولة الخوارزمية تزداد قوة، حتى تمكنت من إزاحة دولة السلاجقة والاستيلاء على ما كان تحت يديها من بلاد، وكان السلطان "تكش" بطل هذه المرحلة، وتعد فترة حكمه التي امتدت أكثر من ربع قرن (٥٦٨ - ٥٩٦هـ = ١١٧٣ - ١٢٠٠م) العصر الذهبي للدولة الخوارزمية. ولما توفي "تكش" سنة (٥٩٦هـ = ١١٩٩م) خلفه ابنه "علاء الدين محمد"، وكان كأبيه طموحًا يتطلع إلى توسيع دولته وبسط نفوذها، فدخل في حروب مع جيرانه، فاستولى على معظم إقليم خراسان، وقضى على دولة الخطا سنة (٦٠٦هـ = ١٢٠٩م)، واستولى على بلاد ما وراء النهر، وأخضع لسلطانه مكران وكرمان والأقاليم الواقعة غربي نهر السند، وسيطر على ممتلكات دولة الغور في أفغانستان، وبلغت بذلك الدولة أقصى اتساعها في عهده، حيث امتدت من حدود العراق العربي غربًا إلى حدود الهند شرقًا، ومن شمال بحر قزوين وبحر آرال شمالاً إلى الخليج العربي والمحيط الهندي جنوبًا. وتزامن مع اتساع الدولة الخوارزمية وازدياد نفوذها ظهور المغول وبروز دولتهم على يد "جنكيزخان" الذي نجح في السيطرة على قبائل المغول، وإحكام قبضته عليهم، وما كاد يهل عام (٦٠٢هـ=١٢٠٦م) حتى كان قد أخضع لسلطانه كل بدو صحراء جوبي. وبعد أن رسخت أقدام جنكيزخان ووثق من قوته تطلع إلى توسيع رقعة دولته، وانطلق بجيشه نحو بلاد ما وراء النهر في خريف سنة (٦١٦هـ= ١٢١٩م) وتوالت هزائم الدولة الخوارزمية على يديه. وكانت الهزائم التي لقيها السلطان الخوارزمي قاسية فسقطت الدولة المترامية في سنوات قليلة، ولم يعد أمام السلطان سوى التوجه إلى مكان آمن يعيد فيه تنظيم جيشه ويعاود الجهاد حتى يسترد ما فقده، لكنها كانت أحلام بددها إصرار جنكيزخان على تتبع السلطان الفار من بلد إلى آخر، وجند المغول تطارده، حتى انتهى به المطاف إلى همدان في نحو عشرين ألفا من جنوده. وفي هذه الأثناء تمكن المغول من السيطرة على إقليم خوارزم، أهم ولايات الدولة، وأسروا تركان خان والدة السلطان ومن معها من أبنائه وبناته، فلما قُدّموا إلى جنكيزخان أمر بقتل أبناء السلطان محمد خوارزم وكانوا صغار السن، وزوّج أبناءه وبعض رجاله من بنات السلطان. وما كادت تصل هذه الأنباء المفجعة إلى السلطان حتى ازداد غمًا على غم، وأصابه الحزن والهم، وكان قد انتهى به الفرار إلى جزيرة في بحر قزوين، يحوطه اليأس والقنوط، فسيطر عليه القلق، وحلت به الأمراض، حتى أسلم الروح في (١٣ من شوال ٦١٧هـ=٩ من ديسمبر ١٢٢٠م)، وقبل وفاته أوصى لابنه جلال الدين منكبرتي بالسلطة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2279
استيلاء التتار على كثير من البلدان وما صنعوا فيها من الفظائع .
العام الهجري: ٦١٨
العام الميلادي: ١٢٢١
تفاصيل الحدث:
بعد ما فعل المغول في سمرقند ما فعلوه ثم إن جنكيزخان أقام هنالك وأرسل السرايا إلى البلدان فأرسل سرية إلى بلاد خراسان وتسميها التتار المغربة، وأرسل أخرى وراء خوارزم شاه، وكانوا عشرين ألفا فساروا وراءه فأدركوه وبينهم وبينه نهر جيحون وهو آمن بسببه، فلم يجدوا سفنا فعملوا لهم أحواضا يحملون عليها الأسلحة ويرسل أحدهم فرسه ويأخذ بذنبها فتجره الفرس بالماء وهو يجر الحوض الذي فيه سلاحه، حتى صاروا كلهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إلا وقد خالطوه، فهرب منهم إلى نيسابور ثم منها إلى غيرها وهم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم فصار كلما أتى بلدا ليجتمع فيه عساكره له يدركونه فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان وسار إلى قلعة في جزيرة فيه فكانت فيها وفاته، وقيل إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يدري أين ذهب، ولا إلى أي مفر هرب، وملكت التتار حواصله فوجدوا في خزانته ما لا يحصى، ثم ساروا إلى مازندران وقلاعها من أمنع القلاع، بحيث أن المسلمين لم يفتحوها إلا في سنة تسعين من أيام سليمان بن عبد الملك، ففتحها هؤلاء في أيسر مدة ونهبوا ما فيها وقتلوا أهاليها كلهم وسبوا وأحرقوا، ثم ترحلوا عنها نحو الري فدخلوها على حين غفلة من أهلها فقتلوهم وسبوا وأسروا، ثم ساروا إلى همذان فملكوها ثم إلى زنجان فقتلوا وسبوا، ثم قصدوا قزوين فنهبوها وقتلوا من أهلها نحوا من أربعين ألفا، ثم تيمموا بلاد أذربيجان فصالحهم ملكها أزبك بن البهلوان على مال حمله إليهم لشغله بما هو فيه من السكر وارتكاب السيئات والانهماك على الشهوات، فتركوه وساروا إلى موقان فقاتلهم الكرج في عشرة آلاف مقاتل فلم يقفوا بين أيديهم طرفة عين حتى انهزمت الكرج فأقبلوا إليهم بحدهم وحديدهم، فكسرتهم التتار وقعة ثانية أقبح هزيمة وأشنعها، وانقضت هذه السنة وهم في بلاد الكرج، فلما رأوا منهم ممانعة ومقاتلة يطول عليهم بها المطال عدلوا إلى غيرهم، وكذلك كانت عادتهم فساروا إلى تبريز فصالحهم أهلها بمال، ثم ساروا إلى مراغة فحصروها ونصبوا عليها المجانيق وتترسوا بالأسارى من المسلمين، وعلى البلد امرأة ففتحوا البلد بعد أيام وقتلوا من أهله خلقا لا يعلم عدتهم إلا الله عزوجل، وغنموا منه شيئا كثيرا، وسبوا وأسروا على عادتهم لعنهم الله لعنة تدخلهم نار جهنم، ثم قصدوا مدينة إربل فضاق المسلمون لذلك ذرعا وقال أهل تلك النواحي هذا أمر عصيب، وكتب الخليفة إلى أهل الموصل والملك الأشرف صاحب الجزيرة يقول: إني قد جهزت عسكرا فكونوا معه لقتال هؤلاء التتار، فأرسل الأشرف يعتذر إلى الخليفة بأنه متوجه نحو أخيه الكامل إلى الديار المصرية بسبب ما قد دهم المسلمين هناك من الفرنج، وأخذهم دمياط الذي قد أشرفوا بأخذهم له على أخذ الديار المصرية قاطبة، وكان أخوه المعظم قد قدم على والي حران يستنجده لأخيهما الكامل ليتحاجزوا الفرنج بدمياط وهو على أهبة المسير إلى الديار المصرية، فكتب الخليفة إلى مظفر الدين صاحب إربل ليكون هو المقدم على العساكر التي يبعثها الخليفة وهي عشرة آلاف مقاتل، فلم يقدم عليه منهم ثمانمائة فارس ثم تفرقوا قبل أن يجتمعوا، ولكن الله سلم بأن صرف همة التتار إلى ناحية همذان فصالحهم أهلها وترك عندهم التتار شحنة، ثم اتفقوا على قتل شحنتهم فرجعوا إليهم فحاصروهم حتى فتحوها قسرا وقتلوا أهلها عن آخرهم، ثم ساروا إلى أذربيجان ففتحوا أردبيل ثم تبريز ثم إلى بيلقان فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وجما غفيرا، وحرقوها وكانوا يفجرون بالنساء ثم يقتلونهن ويشقون بطونهن عن الأجنة ثم عادوا إلى بلاد الكرج وقد استعدت لهم الكرج فاقتتلوا معهم فكسروهم أيضا كسرة فظيعة، ثم فتحوا بلدانا كثيرة يقتلون أهلها ويسبون نساءها ويأسرون من الرجال ما يقاتلون بهم الحصون، يجعلونهم بين أيديهم ترسا يتقون بهم الرمي وغيره، ومن سلم منهم قتلوه بعد انقضاء الحرب، ثم ساروا إلى بلاد اللان والقبجاق فاقتتلوا معهم قتالا عظيما فكسروهم وقصدوا أكبر مدائن القبجاق وهي مدينة سوداق وفيها من الأمتعة والثياب والتجائر شيء كثير جدا، ولجأت القبجاق إلى بلاد الروس وكانوا نصارى فاتفقوا معهم على قتال التتار فالتقوا معهم فكسرتهم التتار كسرة فظيعة جدا، ثم ساروا نحو بلقار في حدود العشرين وستمائة ففرغوا من ذلك كله ورجعوا نحو ملكهم جنكيزخان لعنه الله وإياهم، هذا ما فعلته هذه السرية المغربة، وكان جنكيزخان قد أرسل سرية في هذه السنة إلى كلانة وأخرى إلى فرغانة فملكوها، وجهز جيشا آخر نحو خراسان فحاصروا بلخ فصالحهم أهلها، وكذلك صالحوا مدنا كثيرة أخرى، حتى انتهوا إلى الطالقان فأعجزتهم قلعتها وكانت حصينة فحاصروها ستة أشهر حتى عجزوا فكتبوا إلى جنكيزخان فقدم بنفسه فحاصرها أربعة أشهر أخرى حتى فتحها قهرا، ثم قتل كل من فيها وكل من في البلد بكماله خاصة وعامة، ثم قصدوا مدينة مرو مع جنكيزخان فقد عسكر بظاهرها نحو من مائتي ألف مقاتل من العرب وغيرهم فاقتتلوا معه قتالا عظيما حتى انكسر المسلمون فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم حصروا البلد خمسة أيام واستنزلوا نائبها خديعة ثم غدروا به وبأهل البلد فقتلوهم وغنموهم وسلبوهم وعاقبوهم بأنواع العذاب، حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبعمائة ألف إنسان، ثم ساروا إلى نيسابور ففعلوا فيها ما فعلوا بأهل مرو، ثم إلى طوس فقتلوا وخربوا مشهد علي بن موسى الرضى سلام الله عليه وعلى آبائه، وخربوا تربة الرشيد الخليفة فتركوه خرابا، ثم ساروا إلى غزنة فقاتلهم جلال الدين بن خوارزم شاه فكسرهم ثم عادوا إلى ملكهم جنكيزخان لعنه الله وإياهم، وأرسل جنكيزخان طائفة أخرى إلى مدينة خوارزم فحاصروها حتى فتحوا البلد قهرا فقتلوا من فيها قتلا ذريعا، ونهبوها وسبوا أهلها وأرسلوا الجسر الذي يمنع ماء جيحون منها فغرقت دورها وهلك جميع أهلها ثم عادوا إلى جنكيزخان وهو مخيم على الطالقان فجهز منهم طائفة إلى غزنة فاقتتل معهم جلال الدين بن خوارزم شاه فكسرهم جلال الدين كسرة عظيمة، واستنقذ منهم خلقا من أسارى المسلمين، ثم كتب إلى جنكيزخان يطلب منه أن يبرز بنفسه لقتاله، فقصده جنكيزخان فتواجها وقد تفرق على جلال الدين بعض جيشه ولم يبق بد من القتال، فاقتتلوا ثلاثة أيام لم يعهد قبلها مثلها من قتالهم، ثم ضعفت أصحاب جلال الدين فذهبوا فركبوا بحر الهند فسارت التتار إلى غزنة فأخذوها بلا كلفة ولا ممانعة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2280
وفاة قتادة أمير مكة وملك ابنه الحسن .
العام الهجري: ٦١٨
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١٢٢١
تفاصيل الحدث:
توفي قتادة بن إدريس العلوي، ثم الحسني، أمير مكة، حرسها الله، بها، وكان عمره نحو تسعين سنة، وكان في أول ملكه، لما ملك مكة، حرسها الله، حسن السيرة أزال عنها العبيد المفسدين، وحمى البلاد، وأحسن إلى الحجاج، وأكرمهم، وبقي كذلك مدة، ثم إنه بعد ذلك أساء السيرة، وجدد المكوس بمكة، وفعل أفعالاً شنيعة، ونهب الحاج في بعض السنين، وقيل في موت قتادة إن ابنه حسناً خنقه فمات؛ وسبب ذلك أن قتادة جمع جموعاً كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة، فنزل بوادي الفرع وهو مريض، وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة، فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض الجند: إن أخي مريض، وهو ميت لا محالة؛ وطلب منهم أن يحلفوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة، فحضر الحسن عند عمه، واجتمع إليه كثير من الأجناد والمماليك الذين لأبيه، فقال الحسن لعمه: قد فعلت كذا وكذا، فقال: لم أفعل؛ فأمر حسن الحاضرين بقتله، فلم يفعلوا، وقالوا: أنت أمير وهذا أمير، ولا نمد أيدينا إلى أحدكما، فقال له غلامان لقتادة: نحن عبيدك، فمرنا بما شئت؛ فأمرهم أن يجعلا عمامة عمه في عنقه، ففعلا، ثم قتله، فسمع قتادة الخبر، فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وحلف ليقتلن ابنه، وكان على ما كان من المرض، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن يعرفه الحال، ويقول له: ابدأ به قبل أن يقتلك؛ فعاد الحسن إلى مكة، فلما وصلها قصد دار أبيه في نفر يسير فوجد على باب الدار جمعاً كثيراً، فأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، ففارقوا الدار وعادوا إلى مساكنهم، ودخل الحسن إلى أبيه، فلما رآه أبوه شتمه، وبالغ في ذمه وتهديده، فوثب إليه الحسن فخنقه لوقته، وخرج إلى الحرم الشريف، وأحضر الأشراف، وقال: إن أبي قد اشتد مرضه، وقد أمركم أن تحلفوا لي أن أكون أنا أميركم؛ فحلفوا له، ثم إنه أظهر تابوتاً ودفنه ليظن الناس أنه مات، وكان قد دفنه سراً، فلما استقرت الإمارة بمكة له أرسل إلى أخيه الذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه، وكتم موت أبيه عنه، فلما حضر أخوه قتله أيضاً، واستقر أمره، وثبت قدمه، فارتكب عظيماً: قتل أباه وعمه وأخاه في أيام يسيرة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
следующие страницы →