Полный текст (5 398 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
تحرير إمارة عكا من الوجود الصليبي وهي آخر معاقلهم .
العام الهجري: ٦٩٠
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١٢٩١
تفاصيل الحدث:
شرع السلطان في الاهتمام بفتح عكا، وبعث الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار إلى الشام لتجهيز أعواد المجانيق، فقدم دمشق في سلخه وجهزت أعواد المجانيق من دمشق، وبرزت في أول ربيع الأول وتكاملت في ثاني عشره، وسار بها الأمير علم الدين سنجر الدواداري أحد أمراء الشام، ثم فرقت على الأمراء مقدمي الألوف، فتوجه كل أمير ومضافيه بما أمر بنقله منها، وتوجه الأمير حسام الدين لاجين نائب الشام بالجيش من دمشق في العشرين منه، وخرج من القاهرة الأمير سيف الدين طغريل الأيغاني إلى استنفار الناس من الحصون بممالك الشام: فوصل المظفر صاحب حماة إلى دمشق في ثالث عشريه، بعسكره وبمجانيق وزردخاناه، ووصل الأمير سيف الدين بلبان الطباخي نائب الفتوحات بعساكر الحصون وطرابلس، وبالمجانيق والزردخاناه في رابع عشريه، وسار جميع النواب بالعساكر إلى عكا، وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأول: توجه السلطان بالعساكر يريد أخذ عكا، وسير حريمه إلى دمشق فوصلوا إليها في سابع ربيع الآخر، وسار السلطان فنزل عكا في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر، ووصلت المجانيق يوم ثاني وصوله وعدتها اثنان وتسعون منجنيقاً، فتكامل نصبها في أربعة أيام، وأقيمت الستائر ووقع الحصار، وقد أتت جمائع الفرنج إلى عكا أرسالاً من البحر، صار بها عالم كبير، فاستمر الحصار إلى سادس عشر جمادى الأولى، وكثرت النقوب بأسوار عكا، فلما كان يوم الجمعة سابع عشره عزم السلطان على الزحف، فرتب كوساته على ثلاثمائة جمل، وأمر أن تضرب كلها دفعة واحدة، وركب السلطان وضربت فهال ذلك أهل عكا، وزحف بعساكره ومن اجتمع معه قبل شروق الشمس، فلم ترتفع الشمس حتى علت الصناجق الإسلامية على أسوار عكا، وهرب الفرنج في البحر وهلك منهم خلق كثير في الازدحام، والمسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون فقتلوا ما لا يحصي عده كثرة، وأخذوا من النساء والصبيان ما يتجاوز الوصف، وكان عند فتحها أن أقبل من الفرنج نحو عشرة آلاف في هيئة مستأمنين، ففرقهم السلطان على الأمراء فقتلوهم عن آخرهم، وكانت مدة حصار عكا أربعة وأربعين يوما، واستشهد من المسلمين الأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي ودفن بجلجولية، وعز الدين أيبك العزي نقيب العساكر، وسيف الدين أقمش الغتمي، وبدر الدين بيليك المسعودي، وشرف الدين قيران السكزي، وأربعة من مقدمي الحلقة وجماعة من العسكر، وفي يوم السبت ثامن عشره: وقع الهدم في مدينة عكا، فهدمت الأسوار والكنائس وغيرها وحرقت، وحمل كثير من الأسرى بها إلى الحصون الإسلامية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2627
استرداد مدن الساحل من الصليبيين .
العام الهجري: ٦٩٠
الشهر القمري: رجب
العام الميلادي: ١٢٩١
تفاصيل الحدث:
بعد أن من الله على المسلمين بفتح عكا، فتحت صور وحيفا وعثليث وبعض صيدا بغير قتال، وفر أهلها خوفا على أنفسهم، فتسلمها الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في بقية جمادى الأولى، فقدمت البشائر بتسليم مدينة صور في تاسع عشره، وبتسليم صيدا في العشرين منه، وأن طائفة من الفرنج عصوا في برج منها، فأمر السلطان بهدم صور وصيدا وعثليث وحيفا، فتوجه الأمير شمس الدين نبا الجمقدار ابن الجمقدار في حادي عشريه لهدم صور، واتفق أمر عجيب، وهو أن الفرنج لما قدموا إلى صور كان بها عز الدين نبا واليا عليها من قبل المصريين، فباع صور للفرنج بمال، وصار إلى دمشق.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2628
وفاة الملك المظفر صاحب ماردين وقيام ابنه بعده بالملك .
العام الهجري: ٦٩١
العام الميلادي: ١٢٩١
تفاصيل الحدث:
توفي الملك المظفر قرا أرسلان بن السعيد غازي بن المنصور أرتق بن إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، صاحب ماردين بعدما ملك ثلاثا وثلاثين سنة، وقام بعده ولده شمس الدين داود ولقب بالملك السعيد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2629
فتح السلطان الأشرف قلعة الروم .
العام الهجري: ٦٩١
الشهر القمري: رجب
العام الميلادي: ١٢٩٢
تفاصيل الحدث:
خرج السلطان من دمشق من يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى، فدخل حلب في ثامن عشريه، وخرج منها في رابع جمادى الآخرة يريد قلعة الروم فنزل عليها يوم الثلاثاء ثامنه، ونصب عشرين منجنيقا ورمى عليها، وعملت النقوب وعمل الأمير سنجر الشجاعي نائب دمشق سلسلة وشبكها في شراريف القلعة وأوثق طرفها بالأرض، فصعد الأجناد فيها وقاتلوا قتالاً شديداً، ففتح الله القلعة يوم السبت حادي عشر رجب عنوة، وقتل من بها من المقاتلة، وسبي الحريم والصبيان، وأخذ بترك الأرمن وكان بها فأسر، وكانت مدة حصارها ثلاثة وثلاثين يوما، وقد سماها السلطان قلعة المسلمين فعرفت بذلك، وحمل إليها زردخاناه وألفا ومائتي أسير، واستشهد عليها الأمير شرف الدين بن الخطير، فلما وردت البشائر إلى دمشق بفتح قلعة الروم زينت البلد ودقت البشائر، ورتب السلطان الأمير سنجر الشجاعي نائب الشام لعمارة قلعة المسلمين، فعمر ما هدمته المجانيق والنقوب، وخرب ربضها، وعاد السلطان راجعاً في يوم السبت ثامن عشره، فأقام بحلب إلى نصف شعبان، وعزل قرا سنقر عن نيابة حلب، وولى عوضه الأمير سيف الدين بلبان الطباخي المنصوري، ورتب بها الأمير عز الدين أيبك الموصلي شاد الدواوين ورحل السلطان إلى دمشق، فدخلها في الثانية من يوم الثلاثاء عشري شعبان، وبين يديه بترك الأرمن صاحب قلعة الروم وعدة من الأسرى.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2630
كيختو ملك التتار يهدد باجتياح بلاد الشام .
العام الهجري: ٦٩٢
العام الميلادي: ١٢٩٢
تفاصيل الحدث:
قدم رسل كيختو ملك التتار بكتابه يتضمن أنه يريد الإقامة بحلب، فإنها مما فتحه أبوه هولاكو، وإن لم يسمح له بذلك أخذ بلاد الشام، فأجابه السلطان بأنه قد وافق القان ما كان في نفسي، فإني كنت على عزم من أخذ بغداد، وقتل رجاله، فإني أرجو أن أردها دار إسلام كما كانت، وسينظر أينا يسبق إلى بلاد صاحبه وكتب إلى بلاد الشام بتجهيز الإقامات وعرض العساكر.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2631
الملك الأشرف يقتل عددا من أمرائه .
العام الهجري: ٦٩٢
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
في ليلة أول المحرم أخرج من في الجب من الأمراء وقد كان اعتقلهم قبل ذلك لأمور رآها منهم ومنهم من اعتقل قبل هذا وأطلق ثم اعتقل ثانيا، وهم سنقر الأشقر وجرمك والهاروني وبكتوت وبيبرس وطقصوا ولاجين، وأمر بخنقهم أمام السلطان، فخنقوا بأجمعهم حتى ماتوا، وتولى خنق لاجين الأمير قرا سنقر، فلما وضع الوتر في عنقه انقطع، فقال: " يا خوند مالي ذنب إلا حميي طقصوا وقد هلك، وأنا أطلق ابنته، وكان قرا سنقر له به عناية، فتلطف به ولم يعجل عليه، لما أراد الله من أن لاجين يقتل الأشرف ويملك موضعه، وانتظر أن تقع به شفاعة، فشفع الأمير بدر الدين بيدرا في لاجين، وساعده من حضر من الأمراء، فعفى عنه ظنا أنه لا يعيش.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2632
زلازل وأمطار شديدة في أرض فلسطين .
العام الهجري: ٦٩٢
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
وقع بغزة والرملة ولد والكرك زلازل عظيمة هدمت ثلاثة أبراج من قلعة الكرك، وتوالت الأمطار والسيول حتى خربت طواحين العوجاء وتكسرت أحجارها، ووجد في السيل أحد عشر أسداً موتي، وزلزلت أيضاً البلاد الساحلية فانهدمت عدة أماكن، فلما ورد الخبر بذلك خرج الأمير علاء الدين أيدغدي الشجاعي من في دمشق لعمارة ما تهدم بمرسوم شريف، وفي شهر رجب وقع ببعلبك أمطار وسيول خارجة عن الحد، ففد من كرومها ومزارعها ومساكنها ما تزيد قيمته على مائة ألف دينار.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2633
عقد صلح بين الملك الأشرف وبلاد سيس .
العام الهجري: ٦٩٢
الشهر القمري: جمادى الآخرة
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
ركب السلطان على الهجن في أول جمادى الأولى ومعه جماعة من أمرائه وخواصه، وسار إلى الكرك من غير الدرب الذي يسلك منه إلى الشام، فرتب أحوالها، وتوجه إلى دمشق، فقدمها في تاسع جمادى الآخرة بعد وصول الأمير بيدرا والوزير بثلاثة أيام، فأمر بالتجهيز إلى بهسنا وأخذها من الأرمن أهل سيس، فقدم رسل سيس يطلبون العفو، فاتفق الحال معهم على تسليم بهسنا ومرعش وتل حمدون، فسار الأمير طوغان والي البر بدمشق معهم ليتسلما، وقدم البريد إلى دمشق بتسليمها في أول رجب، فدقت البشائر، واستقر الأمير بدر الدين بكتاش في نيابة بهسنا، وعين لها قاض وخطيب، واستخدم لها رجال وحفظة، وقدم الأمير طوغان ومعه رسل سيس بالحمل والتقادم إلى دمشق في ثاني عشريه بعد توجه السلطان، فتبعوه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2634
وفاة الكاتب المؤرخ ابن عبدالظاهر .
العام الهجري: ٦٩٢
الشهر القمري: رجب
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
توفي الكاتب المؤرخ محيي الدين بن عبدالظاهر، وكان من أبرع المؤرخين الذين ظهروا في مطالع دولة المماليك البحرية، وكان إلى جانب كونه مؤرخا، كاتبا صاحب قلم بليغ أهّله لأن يحتل مكانة مرموقة في الصف الأول من كتاب العربية. ولد بالقاهرة في (٩ من المحرم ٦٢٠هـ = ١٢ من فبراير ١٢٢٣م)، بدأ حياته بحفظ القرآن مثل أقرانه من طلبة العلم، وتردد على حلقات الفقهاء والمحدثين. وامتدت ثقافته لتشمل الأدب والتاريخ والأخبار، وهو ما مكنه من الالتحاق بديوان الإنشاء على عهد الأيوبيين الذي كان يضم فحول الكتاب البارعين. ولم يبدأ نجم ابن عبدالظاهر في التألق والظهور إلا في عهد السلطان الظاهر بيبرس، حين عهد إليه بعمل شجرة نسب للخليفة الحاكم بأمر الله أحمد العباسي، الذي اختاره بيبرس خليفة للمسلمين في محاولة منه لإحياء الخلافة العباسية في القاهرة بعد أن سقطت في بغداد سنة (٦٥٦هـ = ١٢٥٧م)، ثم توثقت صلته بالظاهر بيبرس حتى صار موضع ثقته، فعندما أرسل إليه الملك المغولي بركة خان يطلب عقد حلف مع بيبرس كتب ابن عبدالظاهر صيغة الكتاب، وقرأه على السلطان بحضور الأمراء، كما كتب تفويض الظاهر بيبرس بولاية العهد إلى ولده الملك السعيد بركة خان. واحتفظ ابن عبدالظاهر بمكانته أيضا في عهد السلطان قلاوون الذي حكم مصر بعد الظاهر بيبرس وولديه، وكتب له تفويض السلطنة بولاية العهد إلى ابنه علاء الدين علي، ثم لابنه الملك الأشرف خليل قلاوون. وقد أشاد ببلاغته معاصروه وشهدوا له بالتقدم في صناعة الكتابة والأدب؛ فقد وصفه القلقشندي بأنه وأبناؤه "بيت الفصاحة ورؤوس البلاغة"، وقال عنه ابن تغري بردي بأنه "من سادات الكتاب ورؤسائهم وفضلائهم". ولما وضع ابن عبدالظاهر مؤلفاته التاريخية ضمنها عددا كبيرا من الوثائق التي كتبها، وصاغ أحداث عصره ووقائعه وصور أبطاله ومعاركه. وترك ابن عبدالظاهر عددا من المؤلفات التاريخية والأدبية وصل إلينا كثير منها مثل: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، وهذه السيرة كتبها المؤلف في حياة السلطان، وتشريف الأيام والعصور بسيرة السلطان الملك المنصور، وهي سيرة للمنصور قلاوون، والروضة البهية الزاهرة في خطط المُعِزّية القاهرة. وقد امتدت الحياة بابن عبدالظاهر حتى تجاوز السبعين من عمره قضى معظمها قريبا من الأحداث التي شهدتها مصر والشام فسجلها في كتبه. تُوفي في القاهرة في (٤ من شهر رجب من هذه السنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2635
واقعة النصراني الذي شتم الرسول ﷺ واستجارته بعساف بن أحمد بن حجي .
العام الهجري: ٦٩٣
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
كان هذا النصراني من أهل السويداء قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي ﷺ ، وقد استجار هذا النصراني بعساف ابن أحمد بن حجي أمير آل مري، فاجتمع شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك، وأرسل ليحضره فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس عسافا حين قدم ومعه الرجل فسبوه وشتموه، فقال عساف: هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافا ووقعت خبطة قوية فأرسل النائب فطلب الشيخين ابن تيمية والفارقي فضربهما بين يديه، ورسم عليهما في العذراوية وقدم النصراني فأسلم وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة، فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز، ثم في السنة التالية اتفق قتل عساف قريبا من مدينة رسول الله ﷺ ، قتله ابن أخيه هنالك، وصنف الشيخ تقي الدين بن تيمية بسبب هذه الواقعة كتابه المشهور الصارم المسلول على ساب الرسول.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2636
اغتيال السلطان الأشرف بن قلاوون .
العام الهجري: ٦٩٣
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
كانت العداوة قد اشتدت بين الوزير بيدرا وبين الملك الأشرف بسبب أفعال بيدرا واستحواذه على كثير من الأموال والإقطاعات، ثم إن بيدار جمع أعيان الأمراء من خشداشيته ومنهم الأمير لاجين والأمير قرا سنقر ومن يوافقه، وقرر معهم قتل السلطان، ثم في يوم الاثنين الثاني عشر من المحرم كان الملك الأشرف في الصيد وليس معه سوى الأمير شكار، فلما كان وقت العصر: بعث بيدرا من كشف له خبر السلطان، فقيل له ليس معه أحد، فلم يشعر السلطان إلا بغبار عظيم قد ثار، فقال لأمير شكار: اكشف خبر هذا الغبار، فساق إليه فوجد الأمير بيدرا وجماعة من الأمراء، فسألهم فلم يجيبوه، ومروا حتى وصلوا إلى السلطان وهو وحده، فابتدره بيدار بالسيف وضرب أبان يده، ثم ضربه ثانيا هد كتفه، فتقدم الأمير لاجين إليه وقال له: يا بيدرا من يريد ملك مصر والشام تكون هذه ضربته وضرب السلطان على كتفه حله، فسقط إلى الأرض، فجاءه بهادر رأس نوبة وأدخل السيف في دبره، واتكا عليه إلى أن أخرجه من حلقه، وتناوب الأمراء ضربه بالسيوف: وهم قرا سنقر، وآقسنقر الحسامي، ونوغاي، ومحمد خواجا، وطرنطاي الساقي، وألطنبغا رأس نوبة، فبقي الملك الأشرف ملقى في المكان الذي قتل به يومين، ثم جاء الأمير عز الدين أيدمر العجمي والي تروجة، فوجده في موضعه عريانا بادي العورة، فحمله على جمل إلى دار الولاية، وغسله في الحمام وكفنه، وجعله في بيت المال بدار الولاية إلى أن قدم الأمير سعد الدين كوجبا الناصري من القاهرة، وحمله في تابوته الذي كان فيه إلى تربته بالقرب من المشهد النفيسي ظاهر مصر، ودفنه بها سحر يوم الجمعة ثاني عشري صفر، فكانت مدة سلطنتة ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2637
ذكر ما وقع بالمدينة بعد قتل الأشرف .
العام الهجري: ٦٩٣
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
لما قتل السلطان الأشرف، كان الأمير سيف الدين سنكو الدوادار بصحبته، فلما شاهد قتله ركب وساق إلى أن أدرك طلب السلطان وعرفهم بذلك، واستمر سائقا بعد ذلك إلى أن دخل المدينة، فوجد الأمير علم الدين الدواداري في الصناعة يجهز المراكب، فأخبره بذلك سرا، ثم ركب بصحبته إلى القلعة، وكان الشجاعي بها نائب الغيبة، فاجتمعا به، وأخبراه بذلك، فركبوا على الفور إلى أن أتوا إلى ساحل النيل، وطلب الشجاعي والي مصر ووالي الصناعة والرؤساء، وأمر بإطلاق النداء على أهل المراكب جميعهم بأن لا يعدوا أحد إلى ذلك البر، وإلاَّ شنق على مركبه، ثم ركبوا في المركب وجمعوا سائر المراكب من الأعلى إلى الأسفل، ولم يدعوا في النيل مركبا إلا وأحضروه إلى ساحل مصر، وكذلك المعادي، وشخاتر الصيادين، ووكل بالساحل من يحفظ ذلك، واتفق وصول طلب السلطان والأمراء الذين كانوا معه بكرة النهار في ذلك اليوم، ووجدوا سائر المراكب والمعادي في بر مصر، ولم يجدوا إلى التعدية سبيلا، فاجتمعوا هناك، وخطر لهم أن الشجاعي كان متفقا مع بيدرا على قتل السلطان لأجل ما كان بينهم من المصاهرة، فاقتضى رأيهم أن يسلموا رأس بيدرا لبعض الغلمان ليؤديه إلى الشجاعي حتى يعلم أن هذا كان غريم السلطان وأنه قتل، فأخذه الغلام ووصل به إلى الشجاعي، وهو في الصناعة والمماليك البرجية حوله، وإلى جانبه الأمير علم الدين الدواداري، فلما رأى رأس بيدرا بكى وتوجع، ورسم بسير المراكب والمعادي.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2638
تولي بيدار ملك مصر ثم قتله بعد أيام .
العام الهجري: ٦٩٣
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
لما قتل بيدرا السلطان عاد بمن معه من الأمراء، ونزل بالدهليز وجلس في دست السلطة، وقام الأمراء فقبلوا الأرض بين يديه وحلفوا له، وتلقب بالملك الأوحد وقيل المعظم، وقيل الملك القاهر، ثم قبض بيدرا على الأمير بيسري والأمير بكتمر السلاح دار أمير جاندار، وقصد قتلهما ثم تركهما تحت الاحتياط لشفاعة الأمراء فيهما، وركب إلى الطرانة فبات بها وقد سار الأمراء والمماليك السلطانية ومعهم الأمير برغلي، وهم الذين كانوا بالدهليز والوطاق، وركبوا في آثار بيدرا ومن معه يريدون القبض عليه، فبلغ الأمير كتبغا ومن معه مقتل السلطان وسلطنة بيدرا، فلحق بمن معه الأمير برغلي ومن معه من الأمراء والمماليك، وجدوا بأجمعهم في طلب بيدرا ومن معه، وساقوا في تلك الليلة إلى الطرانة وقد لحق بيدرا بسيف الدين أبي بكر بن الجمقدار نائب أمير جاندار، والأمير صارم الدين الفخري، والأمير ركن الدين بيبرس أمير جاندار، ومعهم الزرد خاناه، عند المساء من يوم السبت الذي قتل فيه السلطان، فعندما أدركهم تقدم إليه بيبرس أمير جاندار وقال له: يا خوند هذا الذي فعلته كان، بمشورة الأمراء؟، فقال: نعم أنا قتلته، بمشورتهم وحضورهم، وها هم كلهم حاضرون، ثم شرع يعدد مساوئ الأشرف ومخازيه واستهتاره بالأمراء ومماليك أبيه، وإهماله لأمور المسلمين، ووزارته ابن السلعوس، ونفور الأمراء منه لمسكه عز الدين الأفرم وقتل سنقر الأشقر وطقصوا وغيره، وتأميره مماليكه، وقلة دينه وشربه الخمر في شهر رمضان وفسقه بالمردان، ثم سأل بيدرا عن الأمير كتبغا فلم يره فقيل له: هل كان عند كتبغا من هذه القضية علم؟ قال: نعم هو أول من أشار بها، فلما كان يوم الأحد ثاني يوم قتلة الأشرف: وافي الأمير كتبغا في طلب كبير من المماليك السلطانية عدته نحو الألفي فارس، وجماعة من الحلقة والعسكر ومعهم الأمير حسام الدين لاجين الأستادار الطرانة وبها بيدرا يريدون قتاله، وميز كتبغا أصحابه بعلائم حتى يعرفوا من جماعة بيدرا، وهم أنهم جعلوا مناديل من رقابهم إلى تحت آباطهم فأطلق بيدرا حينئذ الأميرين بيسري وبكتمر السلاح دار، ليكونا عونا له فكانا عونا عليه، ورتب كتبغا جماعة ترمي بالنشاب، وتقدم بمن معه وحملوا على بيدرا حملة منكرة، وقصد الأمير كتبغا بيدرا وقد فوق سهمه، وقال: يا بيدرا أين السلطان؟ ورماه بسهم وتبعه البقية بسهامهم، فولى بيدرا بمن معه وكتبغا في طلبه حتى أدركه، وقتل بيدرا بعدما قطعت يده ثم كتفه كما فعل بالأشرف، وحملت رأسه على رمح وبعث بها إلى قلعة الجبل فطيف بها القاهرة ومصر، ووجد في جيب بيدرا ورقة فيها: ما يقول السادة الفقهاء في رجل يشرب الخمر في شهر رمضان، ويفسق بالمردان ولا يصلي فهل على قاتله ذنب أو لا؟ فكتب جوابها، يقتل ولا إثم على قاتله، وعندما انهزم بيدرا هرب لاجين وقرا سنقر، ودخلا القاهرة فاختفيا، وكان الذي وصل إلى قلعة الجبل بخبر مقتل السلطان سيف الدين سنكو الدوادار، ولما بلغ الأمير علم الدين سنجر الشجاعي قتل السلطان ضم الحراريق والمعادي وسائر المراكب إلى بر مصر والقاهرة، وأمر ألا يعدى بأحد من الأمراء والمماليك إلا بإذنه، موصل الأمير زين الدين كتبغا ومن معه من الأمراء والمماليك، بعد قتل بيدرا وهزيمة أصحابه، فلم يجدوا مركباً يعدون به النيل، فأشار على من معه من الأمراء وهم حسام الدين لاجين الأستادار، وركن الدين بيبرس الجاشنكير، وسيف الدين برلغي وسيف الدين طغجي، وعز الدين طقطاي، وسيف الدين قطبة، وغيرهم أن ينزلوا في بر الجيزة بالخيام حتى يراسلوا الأمير سنجر الشجاعي، فوافقوه وضربوا الخيام وأقاموا بها، وبعثوا إلى الشجاعي فلم يمكنهم من التعدية، وما زالت الرسل بينهم وبينه حتى وقع الاتفاق على إقامة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فبعث عند ذلك الحراريق والمراكب إليهم بالجيزة، وعدوا بأجمعهم وصاروا إلى قلعة الجبل في رابع عشر المحرم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2639
قتل الأمراء الذين شاركوا في قتل الملك الأشرف .
العام الهجري: ٦٩٣
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
ثم وقع الطلب على الأمراء الذين كانوا مع بيدرا في قتل الأشرف، فأول من وجد منهم الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، والأمير جمال الدين أقش الموصلي الحاجب، فضربت أعناقهما وأحرقت أبدانهما في المجاير ثامن يوم سلطنة الناصر، ثم أخذ بعدهما سبعة أمراء: وهم حسام الدين طرنطاي الساقي، ونوغاي السلاح دار، وسيف الدين الناق الساقي السلاح دار، وسيف الدين أروس الحسامي السلاح دار، وعلاء الدين ألطبغا الجمدار، وأقسنقر الحسامي، وناصر الدين محمد بن خوجا ثم قبض على قوش قرا السلاح دار، وذلك في العشرين من المحرم فسجنوا بخزانة البنود من القاهرة، وتولى بيبرس الجاشنكير عقوبتهم ليقروا على من كان معهم، ثم أخرجوا يوم الاثنين ثامن عشره، وقطعت أيديهم بالساطور على قرم خشب بباب القلعة، وسمروا على الجمال وأيديهم معلقة، وشقوا بهم - ورأس بيدرا على رمح قدامهم - القاهرة ومصر، واجتمع لرؤيتهم من العالم ما لا يمكن حصره، بحيث كادت القاهرة ومصر أن تنهبا، ومروا بهم على أبواب دورهم، فلما جازوا على دار علاء الدين الطنبغا خرجت جواريه حاسرات يلطمن، ومعهن أولاده وغلمانه قد شقوا الثياب وعظم صياحهم، وكانت زوجته بأعلى الدار، فألقت نفسها لتقع عليه فأمسكنها جواريها، وهي تقول، ليتني فداك، وقطعت شعرها ورمته عليه فتهالك الناس من كثرة البكاء رحمة لهم واستمروا على ذلك أياماً: فمنهم من مات على ظهور الجمال، ومنهم من فكت مساميره وحمل إلى أهله ثم أخذ مرة ثانية وأعيد تسميره فمات، هذا وجواري الملك الأشرف وسيال حواشيه قد لبسن الحداد وتذرعن السخام، وطفن في الشوارع بالنواحات يقمن المأتم، فلم ير بمصر أشنع من تلك الأيام، ثم أخذ بعد ذلك الأمير سيف الدين قجقار الساقي فشنق بسوق الخيل، ولم يوقف لقراسنقر ولا للاجين على خبر ألبتة، ثم في أواخر رمضان ظهر الأمير حسام الدين لاجين، فاعتذر له عند السلطان فقبله وخلع عليه وأكرمه، وأنه لم يكن قتله باختياره.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2640
تولية الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر .
العام الهجري: ٦٩٣
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٣
تفاصيل الحدث:
لما قتل أخوه الملك الأشرف صلاح الدين خليل بالقرب من تروجة، وعدى الأمير زين الدين كتبغا والأمراء، اجتمع بهم الأمير علم الدين سنجر الشجاعي ومن كان بالقاهرة والقلعة من الأمراء الصالحية والمنصورية، وقرروا سلطنة الناصر محمد وأحضروه وعمره تسع سنين سوا أشهر في يوم السبت سادس عشر المحرم وأجلسوه على سرير السلطنة، ورتبوا الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة عوضاً عن بيدرا، والأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزيراً ومدبراً عوضاً عن ابن السلعوس، والأمير حسام الدين لاجين الرومي الأستادار أطابك العساكر، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستادارا، والأمير ركن الدين بيبرس الدوادار دواداراً، وأعطي إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، وجعل إليه أمر ديوان الإنشاء في المكاتبات والأجوبة والبريد، وأنفق في العسكر وحلفوا فصار كتبغا هو القائم بجميع أمور الدولة، وليس للملك الناصر من السلطنة إلا اسم الملك من غير زيادة على ذلك، وسكن كتبغا بدار النيابة من القلعة، وجعل الخوان يمد بين يديه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2641
وفاة الملك الحافظ غياث الدين محمد بن الملك السعيد .
العام الهجري: ٦٩٣
الشهر القمري: شعبان
العام الميلادي: ١٢٩٤
تفاصيل الحدث:
توفي الملك الحافظ غياث الدين محمد بن الملك السعيد معين الدين بن الملك الأمجد بهرام شاه بن المعز عز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب، وقد سمع الحديث وروى البخاري، وكان يحب العلماء والفقراء. وتوفي يوم الجمعة سادس شعبان.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2642
دخول أكثر التتار الإسلام بسبب إسلام ملكهم قازان بن أرغون .
العام الهجري: ٦٩٤
العام الميلادي: ١٢٩٤
تفاصيل الحدث:
ورد الخبر بأن كيختو بن أبغا بن هولاكو، الذي تسلطن بعد أخيه أرغون في سنة تسعين، قتل في سنة ثلاث وتسعين، وملك بعده ابن عمه بيدو، وهو ابن طرغاي بن هولاكو، فخرج عليه قازان بن أرغون بن أبغا نائب خراسان، وكسره وأخذ الملك منه، ويقال إنه أسلم على يد الشيخ صدر الدين بن حمويه الجويني، وقيل على يد الأمير توزون ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه، وتسمى بمحمود، وشهد الجمعة والخطبة، وخرب كنائس كثيرة، وضرب عليهم الجزية ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2643
وفاة ملك اليمن المنصور وما جرى بعده من قتال .
العام الهجري: ٦٩٤
العام الميلادي: ١٢٩٤
تفاصيل الحدث:
مات الملك المظفر شمس الدين أبي المظفر يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني صاحب اليمن في شهر رمضان فكانت مدته نحو خمس وأربعين سنة وكانت سيرته جيدة، وملك بعده ابنه الملك الأشرف ممهد الدين عمر ولي عهد هأيون، فنازعه أخوه الملك المؤيد هزبر الدين داود وجمع لقتاله، وحاصر عدن ثلاثة عشر يوما وملكها وأخذ الأموال بغير حق، وسار يريد تعز فبعث إليه الأشرف جيشا قاتله وأسره وحمله إليه، فاعتقله.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2644
فتنة المماليك بمصر .
العام الهجري: ٦٩٤
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٤
تفاصيل الحدث:
في ليلة الأربعاء حادي عشر المحرم اجتمع المماليك الأشرفية وخرجوا إلى الإسطبلات التي تحت القلعة، وركبوا الخيول ونهبوا ما قدروا عليه، وداروا على خوشداشيتهم فأركبوهم ومضوا إلى باب سعادة من أبواب القاهرة فأحرقوه، ودخلوا إلى دار الوزارة ليخرجوا من فيها من المماليك، فلم يوافقوهم على ذلك فتركوهم، وقصدوا سوق السلاح بالقاهرة، وفتحوا الحوانيت وأخذوا السلاح، ومضوا إلى خزانة البنود وأخرجوا من فيها من المماليك، وساروا إلى إسطبل السلطان ووقفوا تحت القلعة، فركب الأمراء الذين بالقلعة وقاتلوهم، فلم يثبتوا وانهزموا وتفرقوا، فقبض عليهم من القاهرة وضواحيها ولم يفلت منهم أحد، فضربت رقاب بعضهم بباب القلعة، وقطعت أيدي جماعة وأرجلهم، وغرق غير منهم، وفيهم من أكحل، وفيهم من قطعت ألسنتهم، ومنهم من صلب على باب زويلة، ومنهم من بقي، وفرق بعضهم على الأمراء وكانوا زيادة على ثلاثمائة مملوك.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2645
خلع الملك الناصر محمد بن المنصور وسلطنة الملك العادل كتبغا .
العام الهجري: ٦٩٤
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٤
تفاصيل الحدث:
في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم خلع الملك الناصر ابن قلاوون، وكانت أيامه سنة واحدة تنقص ثلاثة أيام، لم يكن له فيها أمر ولا نهي، بل كل ذلك بيد السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري الذي كان في مدة سلطنة الملك الناصر هو القائم بجميع أمور الدولة، وليس للناصر معه تصرف ألبتة، ثم إنه أخذ في أسباب السلطة بعد قتل الشجاعي المنافس الأول لكتبغا، ولما دخل المحرم انقطع في دار النيابة وأظهر أنه ضعيف البدن، وباطن أمره أنه يريد أن يقرر أموره في السلطنة فخرج إليه الناصر وعاده، فلما كانت فتنة المماليك، جلس في صباح تلك الليلة بدار النيابة وجمع الأمراء وقال لهم: قد انخرق ناموس المملكة، والحرمة لا تتم بسلطنة الناصر لصغر سنه، فاتفقوا على خلعه وإقامة كتبغا مكانه، وحلفوا له على ذلك، وقدم إليه فرس النوبة بالرقبة الملوكية، وركب من دار النيابة قبل أذان العصر من يوم الأربعاء حادي عشر المحرم، ودخل من باب القلة إلى الأدر السلطانية، والأمراء مشاة بين يديه حتى جلس على التخت بأهبة الملك، وتلقب بالملك العادل، ويذكر أن أصله من التتار من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت في سنة تسع وخمسين وستمائة؛ فأخذ الملك المنصور قلاوون وأدبه ثم أعتقه، وجعله من جملة مماليكه، ورقاه حتى صار من أكابر أمرائه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2646
وباء عام ومجاعة هائلة في مصر .
العام الهجري: ٦٩٤
الشهر القمري: ربيع الأول
العام الميلادي: ١٢٩٥
تفاصيل الحدث:
وقع بديار مصر كلها وباء، وعظم في القاهرة ومصر، وتزايد حتى كان يموت فيهما كل يوم ألوف، ويبقي الميت مطروحا في الأزقة والشوارع ملقى في الممرات والقوارع اليوم واليومين لا يوجد من يدفنه، لاشتغال الأصحاء بأمواتهم والسقماء بأمراضهم، وقصر مد النيل فتزايد الغلاء واشتد البلاء، وأجدبت بلاد برقة أيضاً، وعم الغلاء والقحط ممالك المشرق والمغرب والحجاز، وتزايد موت الناس حتى بلغت عدة من أطلق من الديوان في شهر ذي الحجة سبعة عشر ألفا وخمسمائة، سوى الغرباء والفقراء وهم أضعاف ذلك وأكل الناس من شدة الجوع الميتات والكلاب والقطاط والحمير، وأكل بعضهم لحم بعض، وأناف عدد من عرف بموته في كل يوم ألف نفس، سوى من لم يثبت اسمه في الديوان، فلما اشتد الأمر فرق السلطان الفقراء على أرباب الأموال بحسب حالهم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2647
وفاة السلطان "جلال الدين" سلطان الدولة الخلجية بالهند .
العام الهجري: ٦٩٤
الشهر القمري: رمضان
العام الميلادي: ١٢٩٥
تفاصيل الحدث:
توفي السلطان "جلال الدين" سلطان الدولة الخلجية بالهند وتولى "علاء الدين" الحكم مكانه. وقد زحف بجيشه إلى "دلهي"، حين جمعت زوجة جلال الدين أنصار زوجها، ونادت بابنها "ركن الدين إبراهيم" سلطانًا خلفًا لأبيه، لكن علاء الدين هاجم دلهي، وأجبر ركن الدين على الفرار إلى "الملتان"، ونصَّب نفسه على عرش الهند في دلهي سنة (٦٩٥ هـ = ١٢٩٥م). ولما استقرت الأمور لعلاء الدين بدأ يتجه لشؤون الدولة الحربية، ويعنى بالنواحي الاجتماعية، وكان سلطانًا قويًا طموحًا، نجح في دفع الخطر المغولي عن بلاده، وقاد جنده في فتوحات متصلة، حتى أظلت راية الإسلام شبه القارة الهندية كلها لأول مرة في التاريخ. ولكي يدفع هجمات المغول أقام سلسلة من الحصون على حدوده الغربية، وزودها بالجند والسلاح، ولكن ذلك لم يحُلْ دون هجمات المغول على الهند، فتوالت حملاتهم على الرغم مما كان يتكبدونه من خسائر على أيدي علاء الدين وقادته، مثلما حدث في سنة (٦٩٨هـ = ١٢٩٨م) حين سار سلطان المغول "قتلق خواجه" على رأس قوات كثيفة، فتصدى لها علاء الدين وقائداه "ظفرخان" و"ألج خان"، وأنزلوا بالمغول هزيمة قاصمة، لكنها لم تمنعهم من موالاة الهجوم مرات أخرى حتى تمكن القائد "غازي ملك تغلق" من القضاء على خطرهم تمامًا. وفي الوقت الذي كان فيه "علاء الدين" مشغولا بالقضاء على هجمات المغول كان يعد الجيوش لاستكمال فتح الهند، فأرسل في سنة (٦٩٩هـ = ١٢٩٩م) قائديْه "ألنخان" "ونصرت خان" لفتح حصن "رنتنبهور" أعظم حصون إقليم "الراجبوتانا"، فنجحا في مهمتهما بعد حروب دامية، ودخل الإقليم في طاعة "علاء الدين الخلجي"، ثم فتح إمارة "موار"، وكانت أمنع إمارات "الراجبوتانا" بقلعتها الحصينة القائمة على قمة جبل منحوتة في الصخر، ثم استولى على "ملوة" و"أوجين" و" دهري نجري"، ولم يكد يأتي عام (٧٠٦ هـ = ١٣٠٦) حتى كان "علاء الدين الخلجي" قد فتح "الهنستان" كلها من "البنغال" إلى "البنجاب". وواصل علاء الدين فتوحاته؛ فأرسل قائده الحبشي "كافور"، فاخترق أقاليم "ملوة" و"الكجرات"، ثم أردف ذلك بجيش آخر يقوده "أدلوغ خان"، واستولى الجيشان على "ديوكر، وتوالت انتصارات علاء الدين حتى تمكن من فتح الجنوب الهندي كله.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2648
وفاة ملك تونس الحفصي وتولي أبي عصيدة بعده .
العام الهجري: ٦٩٤
الشهر القمري: ذو الحجة
العام الميلادي: ١٢٩٥
تفاصيل الحدث:
مات ملك تونس الأمير أبو حفص عمر بن يحيى بن عبد الواحد لهن أبي حفص ليلة الجمعة رابع عشري ذي الحجة، فكانت مدته إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر، وبويع أبو عبد الله محمد المعروف بأبي عصيدة بن يحيى بن محمد بن يحيى بن عبد الواحد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2649
المجاعة والقحط ينتشران في مصر والشام والحجاز .
العام الهجري: ٦٩٥
العام الميلادي: ١٢٩٥
تفاصيل الحدث:
استمر الحال على الغلاء في الأسعار بشكل فاحش جدا وهلك معظم الدواب لعدم العلف حتى لم توجد دابة للكراء، وهلكت الكلاب والقطط من الجوع، وانكشف حال كثير من الناس، وشحت الأنفس حتى صار أكابر الأمراء يمنعون من يدخل عليهم من الأعيان عند مد أسمطتهم، وكثر تعزير محتسب القاهرة ومصر لبياعي لحوم الكلاب والميتات، ثم تفاقم الأمر فأكل الناس الميتة من الكلاب والمواشي وبني آدم، وأكل النساء أولادهن الموتى، ثم إن الأسعار انحلت في شهر رجب ثم في شوال تزايد السعر وساءت ظنون الناس، وكثر الشح وضاقت الأرزاق ووقفت الأحوال، واشتد البكاء وعظم ضجيج الناس في الأسواق من شدة الغلاء، وتزايد الوباء بحيث كان يخرج من كل باب من أبواب القاهرة في كل يوم ما يزيد على سبعمائة ميت، ويغسل في الميضأة من الغرباء الطرحاء في كل يوم نحو المائة والخمسين ميتا، ولا يكاد يوجد باب أحد من المستورين بالقاهرة ومصر إلا ويصبح على بابه عدة أموات قد طرحوا حتى يكفنهم، فيشتغل نهاره، ثم تزايد الأمر فصارت الأموات تدفن بغير غسل ولا كفن، فإنه يدفن الواحد في ثوب ثم ساعة ما يوضع في حفرته يؤخذ ثوبه حتى يلبس لميت آخر، فيكفن في الثوب الواحد عدة أموات، وعجز الناس عن مواراة الأموات في القبور لكثرتهم وقلة من يحفر لهم، فعملت حفائر كبار ألقيت فيها الأموات من الرجال والنساء والصبيان حتى تمتلئ الحفرة، ثم تطم بالتراب، وانتدب أناس لحمل الأموات ورميهم في الحفر، فكانوا يأخذون عن كل ميت نصف درهم، فيحمله الواحد منهم ويلقيه إما في حفرة أو في النيل إن كان قريباً منه، وصارت الولاة بالقاهرة ومصر تحمل الأموات في شباك على الجمال، ويعلقون الميت بيديه ورجليه من الجانبين، ويرمى في الحفر بالكيمان من غير غسل ولا كفن، ورمي كثير من الأموات في الآبار حتى تملأ ثم تردم، ومات كثير من الناس بأطراف البلاد فبقي على الطرقات حتى أكلته الكلاب، وأكل كثيراً منها بنو آدم أيضاً وحصر في شهر واحد من هذه السنة عدة من مات ممن قدر على معرفته، فبلغت العدة مائة ألف وسبعة وعشرين ألف إنسان، وعظم الموتان في أعمال مصر كلها حتى خلت القرى، وتأخر المطر ببلاد الشام حتى دخل فصل الشتاء ليلة الخميس سادس صفر وهو سادس عشر كانون الأول ولم يقع المطر، فتزايدت الأسعار في سائر بلاد الشام، وجفت المياه، فكانت الدابة تسقى بدرهم شربة واحدة، ويشرب الرجل بربع درهم شربة واحدة، ولم يبق عشب ولا مرعى، واشتد الغلاء بالحجاز.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2650
وفاة الملك السعيد صاحب ماردين وتولي أخيه بعده .
العام الهجري: ٦٩٥
العام الميلادي: ١٢٩٥
تفاصيل الحدث:
توفي الملك السعيد شمس الدين إيلغازي ابن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان ابن الملك السعيد صاحب ماردين الأرتقي، ودفن بتربة جده أرتق، وتولى بعده سلطنة ماردين أخوه الملك المنصور نجم الدين غازي، وكان مدة مملكة الملك السعيد هذا على ماردين دون الثلاث سنين.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2651
مجيء كثير من أسر المغول إلى مصر .
العام الهجري: ٦٩٥
الشهر القمري: ربيع الثاني
العام الميلادي: ١٢٩٦
تفاصيل الحدث:
قدم البريد بوصول طائفة الأويراتية من التتار ومقدمهم طرغاي زوج بنت هولاكو، وإنهم نحو الثمانية عشر ألف بيت، وقد فروا من غازان ملك التتار وعبروا الفرات يريدون الشام، فكتب إلى نائب الشام أن يبعث إليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري إلى الرحبة ليلقاهم، فخرج من دمشق، ثم توجه بعده الأمير سنقر الأعسر شاد الدواوين بدمشق، ووصلت أعيان الأويراتية صحبة سنقر الأعسر في ثالث عشريه، وكانت عدتهم مائة وثلاثة عشر رجلا، ومقدمهم طرغاي، ومن أكابرهم الوص وككباي، فتلقاهم النائب والأمراء واحتفل لقدومهم احتفالاً زائداً، ثم سار بهم الأمير قراسنقر إلى القاهرة يوم الاثنين سابع ربيع الآخر، فلما وصلوا بالغ السلطان في إكرامهم والإحسان إليهم، وأمر عدة منهم، وبقوا على كفرهم، ودخل شهر رمضان فلم يصم منهم أحد، وصاروا يأكلون الخيل من غير ذبحها، بل يربط الفرس ويضرب على وجهه حتى يموت فيؤكل، فأنف الأمراء من جلوسهم معهم بباب القلة في الخدمة، وعظم على الناس إكرامهم، وتزايد بعضهم في السلطان، وانطلقت الألسنة بذمه حتى أوجب ذلك خلع السلطان فيما بعد، وأما بقية الأويراتية فإنه كتب إلى سنجر الدواداري أن ينزلهم ببلاد الساحل، فمر بهم على مرج دمشق، وأخرجت الأسواق إليهم فنصبت بالمرج وبمنزلة الصنمين وفي الكسوة، ولم يمكن أحد من الأويرايتة أن يدخل مدينة دمشق، وأنزلوا من أراضي عثليث ممتدين في بلاد الساحل، وأقام الأمير سنجر عندهم إلى أن حضر السلطان إلى الشام، وقد هلك منهم عالم كبير، وأخذ الأمراء أولادهم الشباب للخدمة، وكثرت الرغبة فيهم لجمالهم، وتزوج الناس ببناتهم، وتنافس الأمراء والأجناد وغيرهم في صبيانهم وبناتهم، ثم انغمس من بقي منهم في العساكر، فتفرقوا في الممالك، ودخلوا في الإسلام واختلطوا بأهل البلاد، ويذكر أن أصل السلطان كتبغا هو من التتار كان مملوكا مغوليا ثم علا شأنه حتى تملك مصر فلذلك قدمت الأسر المغولية إليه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2652
وفاة زين الدين أبي البركات المنجي شيخ الحنابلة .
العام الهجري: ٦٩٥
الشهر القمري: شعبان
العام الميلادي: ١٢٩٦
تفاصيل الحدث:
توفي الشيخ زين الدين أبو البركات بن المنجي بن الصدر عز الدين أبي عمر عثمان بن أسعد بن المنجي بن بركات بن المتوكل التنوخي شيخ الحنابلة. ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة وسمع الحديث وتفقه فبرع في فنون من العلم كثيرة من الأصول والفروع والعربية والتفسير وغير ذلك وانتهت إليه رياسة المذهب وصنف في الأصول وشرح المقنع وله تعاليق في التفسير وكان قد جمع له بين حسن السمت والديانة والعلم والوجاهة وصحة الذهن والمناظرة وكثرة الصدقة ولم يزل يواظب على الجامع للاشتغال متبرعا حتى توفي يوم الخميس رابع شعبان وتوفيت معه زوجته أم محمد ست أبيها بنت صدر الدين الخجندي وصلى عليهما بعد الجمعة بجامع دمشق وحملا جميعا إلى سفح قاسيون شمال الجامع المظفري تحت الروضة فدفنا في تربة واحدة رحمهما الله تعالى وهو والد رئيس القضاة علاء الدين وكان شيخ المسمارية ثم وليها بعده ولداه شرف الدين وعلاء الدين وكان شيخ الحنبلية فدرس بها بعده الشيخ تقي الدين بن تيمية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2653
خلع الملك كتبغا وتولي حسام لاجين ملك مصر .
العام الهجري: ٦٩٦
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٦
تفاصيل الحدث:
رحل السلطان كتبغا من دمشق بعساكره يريد القاهرة، وقد توغرت صدور الأمراء وتواعدوا على الفتك به، فسار إلى أن نزل بالعوجاء قريباً من الرملة، وحضر الأمراء عنده بالدهليز، فأمر بإحضار الأمير بيسري فطلب طلبا حثيثاً، فلما حضر لم يقم له على عادته، وأغلظ له في الكلام ونسبه إلى أنه كاتب التتار، فكانت بينهما مفاوضة، ثم نهض السلطان، وانفض الأمراء وقد حرك منهم ما كان عندهم كامناً، فاجتمعوا عند الأمير حسام لاجين النائب وفيهم بيسري، وسألوه عما كان من السلطان في حق فقال: إن مماليك السلطان كتبوا عنك كتباً إلى التتار، وأحضروها إليه وقالوا إنك كتبتها، ونيته القبض عليك إذا وصل إلى مصر، وأن يقبض علي أيضاً وعلى أكابر الأمراء، ويقدم مماليكه، فأجمعوا عند ذلك على مبادرة السلطان، فركبوا يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم وقت الظهر: وهم لاجين بيسري وقرا سنقر وقبجاق والحاج بهادر الحاجب في آخرين، واستصحبوا معهم حمل نقارات وساقوا ملبسين إلى باب الدهليز، وحركت النقارات حربياً، فركب عدة من العادلية واقتتلوا، فتقدم تكلان العادلي فضربه الأمير لاجين في وجهه ضربة أخذت منه جانباً كبيراً، وجرح تكلان فرس لاجين وقتل الأمير بدر الدين بكتوت الأزرق العادلي في خيمته، وقتل الأمير سيف الدين بتخاص العادلي، وقد فر إلى الدهليز فأدركوه بباب الدهليز فقتلوه، وجرحوا عدة من المماليك العادلية، فلم يثبت العادل، وخرج من ظهر الدهليز، وركب فرس النوبة ببغلطاق صدر، وعبر على قنطرة العوجاء يريد دمشق من غير أن يفطن به أحد، ولم يدركه سوى خمسة من مماليكه، وهجم لاجين على الدهليز فلم يجد العادل وبلغه أنه فر، فساق خلفه فلم يدركه ورجع إلى الدهليز، فلما عاينه الأمراء ترجلوا له ومشوا في ركابه حتى نزل، فكانت مدة كتبغا، منذ جلس على التخت بقلعة الجبل في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وإلى أن فارق الدهليز بمنزلة العوجاء في يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم من هذه السنة، سنتين وسبعة عشر يوما، ثم أصبح السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري المعروف بالصغير هو سلطان مصر وملكها وكان أولا من جملة مماليك الملك المنصور علي بن الملك المعز أيبك، فلما خلع اشتراه الأمير سيف الدين قلاوون وهو أمير بسبعمائة وخمسين درهما، من غير مالك شرعي، فلما تبين له أنه من مماليك المنصور اشتراه مرة ثانية وحضروا بأجمعهم بين يدي لاجين واتفقوا على سلطنته، وشرطوا عليه أن يكون معهم كأحدهم، ولا ينفرد برأي دونهم، ولا يبسط أيدي مماليك ولا يقدمهم، وحلفوه على ذلك، فلما حلف قال له الأمير قبجاق المنصوري: نخشى أنك إذا جلست في منصب السلطنة تنسى هذا الذي تقرر بيننا وبينك، وتقدم مماليك وتخول مملوكك منكوتمر علينا، فيصيبنا منه ما أصابنا من مماليك كتبغا، وكان منكوتمر مملوك لاجين، وكان يوده ويؤثره، وله عنده مكانة متمكنة من قلبه، فحلف لاجين مرة ثانية أنه لا يفعل ذلك، ولا يخرج عما التزمه وشرطوه عليه، فحلف له الأمراء وأرباب الدولة، وتلقب بالملك المنصور، وركب بشعار السلطنة في يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2654
كتبغا السلطان المخلوع يستبد بدمشق ثم تؤخذ منه أيضا .
العام الهجري: ٦٩٦
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١٢٩٦
تفاصيل الحدث:
أما كتبغا فبعد أن هرب من لاجين وأمرائه الذين حاولوا قتله فإنه قدم قبله إلى دمشق أمير شكاره وهو مجروح، ليعلم الأمير أغرلو نائب دمشق بما وقع، فوصل في يوم الأربعاء سلخ المحرم، فكثر بدمشق القال والقيل، وألبس أغرلو العسكر السلاح ووقفوا خارج باب النصر، فوصل كتبغا في أربعة أنفس قبل الغروب وصعد القلعة، وحضر إليه الأمراء والقضاة وجددت له الأيمان، ثم أوقع الحوطة على أموال لاجين، وقدم في أول صفر الأمير زين الدين غلبك العادلي بطائفة من المماليك العادلية، وجلس شهاب الدين الحنفي وزير الملك العادل كتبغا في الوزارة بالقلعة، ورتب الأمور وأحوال السلطنة، فاشتهرت بدمشق سلطنة لاجين في يوم ثالث عشره، وأن البشائر دقت بصفد ونابلس والكرك، فصار كتبغا مقيماً بقلعة دمشق لا ينزل منها، وبعث الأمير سيف الدين طقصبا الناصري في جماعة لكشف الخبر، فعادوا وأخبروا بصحة سلطنة لاجين، فأمر كتبغا جماعة من دمشق، وأبطل عدة مكوس في يوم الجمعة سادس عشره، وكتب بذلك توقيعاً قرئ بالجامع، فبعث الملك المنصور لاجين من مصر الأمير سنقر الأعسر وكان في خدمته، فوصل إلى ظاهر دمشق في رابع عشره، وأقام ثلاثة أيام، وفرق عدة كتب على الأمراء وغيرهم وأخذ الأجوبة عنها، وحلف الأمراء، وسار إلى قارا وكان بها عدة أمراء مجردين فحلفهم وحلف عدة من الناس، وكتب بذلك كله إلى مصر، وسار إلى لد، فأقام بها في جماعة كبيرة لحفظ البلاد، ولم يعلم كتبغا بشيء من ذلك، فلما كان يوم السبت رابع عشريه: وصل الأمير سيف الدين كجكن وعدة من الأمراء كانوا مجردين بالرحبة، فلم يدخلوا دمشق، ونزلوا بميدان الحصا قريباً من مسجد القدم، فأعلنوا باسم السلطان الملك المنصور لاجين، وراسلوا الأمراء بدمشق فخرجوا إليهم طائفة بعد طائفة، وانحل أمر كتبغا، فتدارك نفسه وقال للأمراء: السلطان الملك المنصور خوشداشي، وأنا في خدمته وطاعته، وأنا أكون في بعض القاعات بالقلعة إلى أن يكاتب السلطان ويرد جوابه بما يقتضيه في أمري فأدخله الأمير جاغان الحسامي مكاناً من القلعة، واجتمع الأمراء بباب الميدان، وحلفوا للملك المنصور وكتبوا إليه بذلك، وحفظ جاغان القلعة ورتب بها من يحفظ كتبغا، وغلقت أبواب دمشق كلها إلا باب النصر، وركب العسكر بالسلاح ظاهر دمشق، وأحاط جماعة بالقلعة خوفا من خروج كتبغا وتحيزه في جهة أخرى، وكثر كلام الناس واختلفت أقوالهم، وعظم اجتماعهم بظاهر دمشق حتى أنه سقط في الخندق جماعة لشدة الزحام فيما بين باب النصر وباب القلعة، فمات نحو العشرة، واستمر الحال على هذا يوم السبت المذكور، ثم دقت البشائر بعد العصر على القلعة وأعلن بالدعاء للملك المنصور، ودعي له على المآذن في ليلة الأحد، وضربت البشائر على أبواب الأمراء، وفتحت الأبواب في يوم الأحد، وحضر الأمراء والقضاة بدار السعادة وحلفوا الأمراء بحضور الأمير أغرلو نائب الشام، وحلف هو وأظهر السرور، وركب أغرلو والأمير جاغان البريد إلى مصر، وبلغ ذلك الأمير سنقر الأعسر بلد، فنهض إلى دمشق ودخلها يوم الخميس تاسع عشريه، وقد تلقاه الناس وأشعلوا له الشموع، وأتاه الأعيان، ونودي من له مظلمة فعليه بباب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وفي يوم الجمعة أول شهر ربيع الأول: خطب بدمشق للملك المنصور، فلما كان يوم الجمعة ثامنه: وصل الأمير حسام الدين الأستادار بعسكر مصر ليحلف الأمراء، فحلفوا بدار السعادة في يوم السبت تاسعه، وقرئ عليهم كتاب الملك المنصور باستقراره في الملك وجلوسه على تخت الملك بقلعة الجبل، واجتماع الكلمة عليه وركوبه بالتشاريف الخليفتية والتقليد بين يديه من أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2655
وفاة البوصيري صاحب قصيدة البردة .
العام الهجري: ٦٩٧
العام الميلادي: ١٢٩٧
تفاصيل الحدث:
محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري المصري، وبوصير هي بين الفيوم وبني سويف بمصر، تنقل بين القدس والمدينة ومكة، ثم عاد إلى مصر وعمل كاتبا في الدولة ثم أصبح له كتاب يعلم الصبيان القرآن، كان صوفيا على الطريقة الشاذلية، اشتهر بقصيدته المشهورة بالبردة، واسمها الكواكب الدرية في مدح خير البرية، ويقال أن سبب نظمها أنه مرض مرضا شديدا فرأى النبي ﷺ في منامه فشكا له مرضه فألقى عليه النبي ﷺ البردة فقام من نومه وقد شفي، فعمل القصيدة، ولكن هذه القصيدة فيها كثير من الأبيات المخالفة للعقيدة الصحيحة وغلو في الثناء النبوي حتى وصف ببعض أوصاف الربوبية والنبي ﷺ يقول (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبدالله ورسوله) أو كما قال.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2656
خروج العساكر إلى سيس .
العام الهجري: ٦٩٧
الشهر القمري: محرم
العام الميلادي: ١٢٩٧
تفاصيل الحدث:
استشار السلطان لاجين الأمراء في أخذ سيس، وكان ذلك الوقت وقت اختلاف المغول، ثم عرض الجيش وجرد في مصر تجريدة فيها مجموعة من الأمراء وكتب كتاباً لنائب الشام سيف الدين قبجق بأن يتجرد ويجرد معه مجموعة من الأمراء، وكتب إلى نائب طرابلس أيضاً أن يتجرد بعساكرها، وإلى نائب حماة كذلك، وإلى نائب صفد فارس الدين اليكي الظاهري كذلك. فاجتمع هؤلاء مع الأمير سيف الدين بلبان الطباخي نائب حلب، وتوجهوا إلى سيس، وكان وصولهم إليها في شهر رجب الفرد، فشنوا الإغارة على أهلها، وأوقعوا بخيلها ورجلها، ودوخوا أرجاء حزنها وسهلها، وفتحوا تل حمدون والمصيصة وحموص وقلعة نجم وسروندكار وحجر شعلان والنقير وقلعة الهارونية.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2657
السلطان لاجين يقر بأنه مؤقت في الملك حتى يكبر الملك الناصر محمد بن قلاوون .
العام الهجري: ٦٩٧
الشهر القمري: صفر
العام الميلادي: ١٢٩٧
تفاصيل الحدث:
استدعى السلطان حسام لاجين قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي، وصي الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقال له: الملك الناصر ابن أستاذي، وأنا قائم في السلطنة كالنائب عنه إلى أن يحسن القيام بأمرها، والرأي أن يتوجه إلى الكرك وأمره بتجهيزه، ثم قال السلطان للملك الناصر محمد بن قلاوون: لو علمت أنهم يخلوك سلطانا والله تركت الملك لك، لكنهم لا يخلونه لك وأنا مملوكك ومملوك والدك، احفظ لك الملك، وأنت الآن تروح إلى الكرك إلى أن تترعرع وترتجل وتتحرج وتجرب الأمور وتعود إلى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة فيها، فقال له الناصر: فاحلف لي أن تبقي على نفسي وأنا أروح فحلف كل منهما على ما أراده الآخر، فخرج الناصر في أواخر صفر، ومعه الأمير سيف الدين سلار أمير مجلس، والأمير سيف الدين بهادر الحموي، والأمير أرغون الدوادار، وطيدمر جوباش رأس نوبة الجمدارية، فوصل إلى الكرك في رابع ربيع الأول، فقام لخدمته الأمير جمال الدين أقوش الأشرف نائب الكرك.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2658
فتح تل حمدون ومرعش .
العام الهجري: ٦٩٧
الشهر القمري: رجب
العام الميلادي: ١٢٩٨
تفاصيل الحدث:
قدم البريد من حلب بوقوع الخلف بين طقطاي وطائفة نغية حتى قتل منهم كثير من المغل، وانكسر الملك طقطاي، وأن غازان قتل وزيره نيروز وعدة ممن يلوذ به، فاتفق الرأي على أخذ سيس ما دام الخلف بين المغل، وأن يخرج الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح ومعه ثلاثة أمراء وعشرة آلاف فارس وكتب لنائب الشام بتجريد الأمير بيبرس الجالق وغيره من أمراء دمشق وصفد وطرابلس، وعرض الجيش، في جمادى الأولى، فلما تجهزوا سار الأمير بدر الدين بكتاش الفخري إلى غزاة سيس، ومعه من الأمراء حسام الدين لاجين الرومي الأستادار وشمس الدين أقسنقر كرتاي ومضافيهم، فدخلوا دمشق في خامس جمادى الآخرة، وخرج معهم منها الأمير بيبرس الجالق العجمي والأمير سيف الدين كجكن والأمير بهاء الدين قرا أرسلان ومضافيهم في ثامنه، وساروا بعسكر صفد وحمص وبلاد الساحل وطرابلس والملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، فلما بلغ مسيرهم متملك سيس بعث إلى السلطان يسأله العفو، فلم يجبه، ووصلت هذه العساكر إلى حلب، وجهز السلطان الأمير علم الدين سنجر الدواداري بمضافيه من القاهرة ليلحق بهم، فأدرك العساكر بحلب، وخرجوا منها بعسكر حلب إلى العمق، وهو عشرة آلاف فارس، فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش في طائفة من عقبة بغراس إلى اسكندرونة، ونازلوا تل حمدون، وتوجه الملك المظفر صاحب حماة والأمير علم الدين سنجر الدوادراي والأمير شمس الدين أقسنقر كرتاي في بقية الجيش إلى نهر جهان، ودخلوا جميعاً دربند سيس في يوم الخميس رابع رجب، وهناك اختلفوا، فأشار الأمير بكتاش بالحصار ومنازلة القلاع، وأشار سنجر الدواداري بالغارة فقط، وأراد أن يكون مقدم العسكر، ومنع الأمير بكتاش من الحصار ومنازلة القلاع فلم ينازعه، فوافقه بكتاش وقطعوا نهر جهان للغارة، ونزل صاحب حماة على مدينة سيس، وسار الأمير بكتاش إلى أذنة، واجتمعت العساكر جميعها عليها بعد أن قتلوا من ظفروا به من الأرمن وساقوا الأبقار والجواميس، ثم عادوا من أذنة إلى المصيصة بعد الغارة، وأقاموا عليها ثلاثة أيام حتى نصبوا جسراً مرت عليه العساكر إلى بغراس، ونزلوا بمرج أنطاكية ثلاثة أيام، ثم رحلوا إلى جسر الحديد يريدون العودة إلى مصر، فعادت العساكر من الروج إلى حلب وأقاموا بها ثمانية أيام، وتوجهوا إلى سيس من عقبة بغراس، وسار كجكن وقرا أرسلان إلى أياس وعادا شبه المنهزم، فإن الأرمن أكمنوا في البساتين، فأنكر عليهما الأمير بكتاش، فاعتذرا بضيق المسلك والتفاف الأشجار وعدم التمكن من العدو، ثم رحل بكتاش بجميع العساكر إلى تل حمدون، فوجدوها خالية وقد نزح من كان فيها من الأرمن إلى قلعة نجيمة فتسلمها في سابع رمضان وأقام بها من يحفظها، وسير الأمير بلبان الطباخي نائب حلب عسكرا فملكوا قلعة مرعش في رمضان أيضاً، وجاء الخبر إلى الأمير بكتاش وهو على تل حمدون بأن واديا تحت قلعة نجيمة وحميص قد امتلأ بالأرمن، وأن أهل قلعة نجيمة تحميهم، فبعث طائفة من العسكر إليهم فلم ينالوا غرضاً، فسير طائفة ثانية فعادت بغير طائل، فسار الأمراء في عدة وافرة وقاتلوا أهل نجيمة حتى ردوهم إلى القلعة، وزحفوا على الوادي وقتلوا وأسروا من فيه، ونازلوا قلعة نجيمة ليلة واحدة، وسار العسكر إلى الوطأة، وبقي الأمير بكتاش والملك المظفر في مقابلة من بالقلعة خشية أن يخرج أهل نجيمة فينالوا من أطراف العسكر، حتى صار العسكر بالوطأة، ثم اجتمعوا بها، فقدم البريد من السلطان بمنازلة قلعة نجيمة حتى تفتح فعادوا إلى حصارها، واختلف الأمير بكتاش والأمير سنجر الدواداري على قتالها، فقال الدواداري: متى نازلها الجيش بأسره لا يعلم من قاتل ممن عجز وتخاذل، والرأي أن يقاتل كل يوم أمير بألفه، وأخذ يدل بشجاعته، ويصغر شأن القلعة، وقال: أنا آخذها في حجري فسلموا له واتفقوا على تقديمه لقتالها قبل كل أحد، فتقدم الدواداري إليها بألفه حتى لاحف السور، فأصابه حجر المنجنيق فقطع مشط رجله، وسقط عن فرسه إلى الأرض، وكاد الأرمن يأخذونه، إلا أن الجماعة بادرت وحملته على جنوبة إلى وطاقه، ولزم الفراش، فعاد إلى حلب، وسار منها إلى القاهرة، وقتل في هذه النوبة الأمير علم الدين سنجر طقصبا الناصري، وزحف في هذا اليوم الأمير كرتاي ونقب سور القلعة وخلص منه ثلاثة أحجار، واستشهد معه ثلاثة عشر رجلا، ثم زحف الأمير بكتاش وصاحب حماة ببقيه الجيش طائفة بعد طائفة، وكل منهم يردف الآخر حتى وصلوا إلى السور وعليهم الجنويات، وأخذوا في النقب وأقاموا الستائر، وتابعوا الحصار أحدا وأربعين يوماً، وكان قد اجتمع بها من الفلاحين ونساء القرى وأولادهم خلق كثير، فلما قل الماء عندهم أخرجوا مرة مائتي رجل وثلاثمائة امرأة ومائة وخمسين صبيا، فقتل العسكر الرجال واقتسموا النساء والصبيان، ثم أخرجوا مرة أخرى مائة وخمسين رجلا ومائتي امرأة وخمسة وسبعين صبيا، ففعلوا بهم مثل ما فعلوا بمن تقدم، ثم أخرجوا مرة ثالثة طائفة أخرى، فأتوا على جميعهم بالقتل والسبي، حتى لم يتأخر بالقلعة إلا المقاتلة، وقلت المياه عندهم حتى اقتتلوا بالسيوف على الماء، فسألوا الأمان فأمنوا، وأخذت القلعة في ذي القعدة، وسار من فيها إلى حيث أراد، وأخذ أيضاً أحد عشر حصنا من الأرمن، ومنها النقير وحجر شغلان وسرقندكار وزنجفرة وحميص، وسلم ذلك كله الأمير بكتاش إلى الأمير سيف الدين أسندمر كرجي من أمراء دمشق، وعينه نائبا بها، فلم يزل أسندمر بها حتى قدم التتار، فباع ما فيها من الحواصل ونزح عنها، فأخذها الأرمن، ولما تم هذا الفتح عادت العساكر إلى حلب وكان الشتاء شديداً، فأقاموا بها، وبعث السلطان إليهم الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير عز الدين طقطاي، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأمير علاء الدين أيدغدي شقير الحسامي، في ثلاثة آلاف فارس من عساكر مصر، فدخلوا دمشق يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة، وساروا منها إلى حلب في عشريه، وأقاموا بها مع العسكر، وبعث متملك سيس إلى السلطان يسأل العفو.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2659
بعض أمراء المماليك يلجئون إلى المغول .
العام الهجري: ٦٩٨
العام الميلادي: ١٢٩٨
تفاصيل الحدث:
لما كان في أثناء المحرم رجعت طائفة من الجيش من بلاد سيس بسبب المرض الذي أصاب بعضهم، فجاء كتاب السلطان بالعتب الأكيد والوعيد الشديد لهم، وأن الجيش يخرج جميعا صحبة نائب السلطنة قبجق إلى هناك ونصب مشانق لمن تأخر بعذر أو غيره، فخرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجق وصحبته الجيوش وخرج أهل البلد للفرجة على الأطلاب على ما جرت به العادة، فبرز نائب السلطنة في أبهة عظيمة فدعت له العامة وكانوا يحبونه، واستمر الجيش سائرين قاصدين بلاد سيس، فلما وصلوا إلى حمص بلغ الأمير سيف الدين قبجق وجماعة من الأمراء أن السلطان قد تغلت خاطره بسبب سعي منكوتمر فيهم فإن السلطان لاجين لما تولى السلطنة خلف بوعده للأمراء أنه لن يلي مملوكه منكوتمر شيئا ولكنه أمره بل جعله نائبه الأول بل انقاد لرأيه في الأمراء حيث إن منكوتمر أمل أن يكون ولي عهد السلطان لاجين خاصة أن السلطان كان قد مرض ولم يكن له ولد ذكر وليا لعهده فعمل على إبعاد منافسيه من الأمراء الذين بمصر وتمكن من السعي بهم والقبض عليهم، وبدا أن السلطان يميل إلى الاحتجاب وتفويض أمور السلطنة إلى منكوتمر، وبقي عليه إزاحة أمراء الشام وإقامة غيرهم من مماليك السلطان وفي مصر والشام ليتمكن من مراده، وعلموا أن السلطان لا يخالفه لمحبته له، فاتفق جماعة منهم على الدخول إلى بلاد التتر والنجاة بأنفسهم، فساقوا من حمص فيمن أطاعهم، وهم قبجق وبزلي وبكتمر السلحدار والأيلي، واستمروا ذاهبين، فرجع كثير من الجيش إلى دمشق، وتخبطت الأمور وتأسفت لعوام على قبجق لحسن سيرته، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2660
اغتيال المنصور لاجين سلطان دولة المماليك وتنصيب محمد بن قلاوون السلطنة .
العام الهجري: ٦٩٨
الشهر القمري: ربيع الثاني
العام الميلادي: ١٢٩٩
تفاصيل الحدث:
قتل السلطان الملك المنصور لاجين ونائبه سيف الدين منكوتمر، كان ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الآخر، على يد الأمير سيف الدين كرجي الأشرفي ومن وافقه من الأمراء، وذلك بحضور القاضي حسام الدين الحنفي وهو جالس في خدمته يتحدثان، وقيل كانا يلعبان بالشطرنج، فلم يشعرا إلا وقد دخلوا عليهم فبادروا إلى السلطان بسرعة جهرة ليلة الجمعة فقتلوه وقتل نائبه منكوتمر صبرا صبيحة يوم الجمعة وألقي على مزبلة، واتفق الأمراء على إعادة ابن أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، فأرسلوا وراءه، وكان بالكرك ونادوا له بالقاهرة، وخطب له على المنابر قبل قدومه، وجاءت الكتب إلى نائب الشام قبجق فوجدوه قد فر خوفا من غائلة لاجين، فسارت إليه البريدية فلم يدركوه إلا وقد لحق بالمغول عند رأس العين، من أعمال ماردين، وتفارط الحال ولا قوة إلا بالله، وكان سبب قتل لاجين ونائبه منكوتمر هو ما بدر منهما تجاه الأمراء فإن لاجين كان قد حلف لهم يوم أن نصبوه سلطانا بعد قتله كتبغا أنه لن يولي منكوتمر شيئا بل سيقدمهم فهم الأمراء ولكن هذا ما لم يكن فقد قدم مملوكه وجعله نائبه وأصبح يعتقل الأمراء ويقتل بعضهم حتى إنه في أسبوع واحد قتل خمسة من الأمراء والذي لم يقتل أو يعتقل أبعد في الولايات السخيفة التي لا تليق بهم في الأماكن البعيدة وكل ذلك بتدبير النائب منكوتمر طمعا منه أن يلي السلطنة لأن لاجين لا ذرية له من الذكور، ولكن أفعاله تلك أوغرت عليه صدور الأمراء مما حدا بهم إلى قتلهما جميعا، ثم كان دخول الملك الناصر إلى مصر يوم السبت رابع جمادى الأولى، وكان يوما مشهودا، ودقت البشائر ودخل القضاة وأكابر الدولة إلى القلعة، وبويع بحضرة علم الدين أرجواش، وخطب له على المنابر بدمشق وغيرها بحضرة أكابر العلماء والقضاة والأمراء.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2661
وفاة الشيخ رسلان الصوفي .
العام الهجري: ٦٩٩
العام الميلادي: ١٢٩٩
تفاصيل الحدث:
رسلان بن يعقوب بن عبدالله بن عبدالرحمن الجعبري الدمشقي، صوفي مشهور في دمشق تعتقد فيه العامة كرامات كما هو شأنهم في المتصوفة، فنسبوا له الطيران في الهواء وأنه ما جلس تحت شجرة يابسة إلا اخضرت، بل نسب جهلة العوام إليه أنه هو السبب في انحسار التتار عن دمشق وأنه هو حامي البر والشام، بل إن بعضهم إلى اليوم يذكر ذلك عنه، توفي في دمشق ودفن فيها وقبره فيها معروف وله عنده مسجد يعرف به.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2662
المغول يهزمون المماليك في موقعة سلمية بالشام .
العام الهجري: ٦٩٩
الشهر القمري: ربيع الأول
العام الميلادي: ١٢٩٩
تفاصيل الحدث:
تحرك غازان متجها إلى بلاد الشام فقطع الفرات، وكانت الأخبار قد وصلت إلى السلطنة وتجهز العسكر من مصر ووصل إلى دمشق وتجهز عسكر دمشق، ووصلت الأخبار أن غازان قد وصل قريبا من حلب في جيش عظيم، حتى هرب كثير من أهل حلب وحماة إلى دمشق، ووصل العسكر المصري إلى دمشق، ثم خرج السلطان بالجيش من دمشق يوم الأحد سابع عشر ربيع الأول ولم يتخلف أحد من الجيوش، وخرج معهم خلق كثير من المتطوعة، فلما وصل السلطان إلى وادي الخزندار عند وادي سلمية قريبا من حمص، التقى مع التتر هناك يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول وتصادما، وقد كلت خيول السلطان وعساكره من السوق؛ والتحم القتال بين الفريقين، وحملت ميسرة المسلمين عليهم فكسرتهم أقبح كسرة، وقتلوا منهم جماعة كثيرة نحو خمسة آلاف أو أكثر ولم يقتل من المسلمين إلا اليسير، ثم حملت القلب أيضاً حملة هائلة وصدمت العدو أعظم صدمة، وثبت كل من الفريقين ثباتاً عظيماً ثم حصل تخاذل في عسكر الإسلام بعضهم في بعض - بلاء من الله تعالى - فانهزمت ميمنة السلطان بعد أن كان لاح لهم النصر فلا قوة إلا بالله، ولما انهزمت الميمنة انهزم أيضاً من كان وراء السناجق السلطانية من غير قتال، وألقى الله تعالى الهزيمة عليهم فانهزم جميع عساكر الإسلام بعد النصر؛ وساق السلطان في طائفة يسيرة من أمرائه ومدبري مملكته إلى نحو بعلبك وتركوا جميع الأثقال ملقاة؛ فبقيت العدد والسلاح والغنائم والأثقال ملأت تلك الأراضي حتى بقيت الرماح في الطرق كأنها القصب لا ينظر إليها أحد، ورمى الجند خوذهم عن رؤوسهم وجواشنهم وسلاحهم تخفيفاً عن الخيل لتنجيهم بأنفسهم، وقصدوا الجميع دمشق، وكان أكثر من وصل إلى دمشق من المنهزمين من طريق بعلبك، ولما بلغ أهل دمشق وغيرها كسرة السلطان عظم الضجيج والبكاء، وخرجت المخدرات حاسرات لا يعرفن أين يذهبن والأطفال بأيديهن، وصار كل واحد في شغل عن صاحبه إلى أن ورد عليهم الخبر أن ملك التتار قازان مسلم وأن غالب جيشه على ملة الإسلام، وأنهم لم يتبعوا المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحداً ممن وجدوه، وإنما يأخذون سلاحه ومركوبه ويطلقونه، فسكن بذلك روع أهل دمشق قليلاً، ثم صار من وصل إلى دمشق أخذ أهله وحواصله بحيث الإمكان وتوجه إلى جهة مصر، وبقي من بقي بدمشق في خمدة وحيرة لا يدرون ما عاقبة أمرهم؛ فطائفة تغلب عليهم الخوف، وطائفة يترجون حقن الدماء، وطائفة يترجون أكثر من ذلك من عدل وحسن سيرة.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2663
قيام معركة بين "محمود غازان" سلطان الدولة الإيلخانية و"الناصر قلاوون" سلطان دولة المماليك .
العام الهجري: ٦٩٩
الشهر القمري: ربيع الأول
العام الميلادي: ١٢٩٩
تفاصيل الحدث:
دارت معركة بين "محمود غازان" سلطان الدولة الإيلخانية و"الناصر قلاوون" سلطان دولة المماليك، وقد وقعت أحداثها عند "مرج المروج" شرقي حمص، وكانت معركة هائلة أسفرت عن انتصار غازان وجنوده، بسبب تفوقهم في العدة والعتاد، وتعرض السلطان المصري لمؤامرة لخلعه.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2664
دخول المغول إلى دمشق .
العام الهجري: ٦٩٩
الشهر القمري: ربيع الثاني
العام الميلادي: ١٣٠٠
تفاصيل الحدث:
بعد أن انهزم الجيش المصري والشامي من التتار وبعد ما حصل لأهل دمشق من الخوف الشديد، زاد الأمر أنه في ليلة الأحد ثاني ربيع الأول كسر المحبوسون بحبس أبي الصغير الحبس وخرجوا منه على حمية، وتفرقوا في البلد، وكانوا قريبا من مائتي رجل فنهبوا ما قدروا عليه وجاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب البراني وخرجوا منه إلى بر البلد، فتفرقوا حيث شاؤوا لا يقدر أحد على ردهم، وعاثت الحرافشة في ظاهر البلد فكسروا أبواب البساتين وقلعوا من الأبواب والشبابيك شيئا كثيرا، وباعوا ذلك بأرخص الأثمان، هذا وسلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين بن تيمية في مشهد علي واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقيه، وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر فاجتمعوا به عند النبك، وكلمه الشيخ تقي الدين كلاما قويا شديدا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين ولله الحمد، ودخل المسلمون ليلتئذ من جهة قازان فنزلوا بالبدرانية وغلقت أبواب البلد سوى باب توما، وخطب الخطيب بالجامع يوم الجمعة، ولم يذكر سلطانا في خطبته، وبعد الصلاة قدم الأمير إسماعيل ومعه جماعة من الرسل فنزلوا ببستان الظاهر عند الطرن، وحضر الفرمان بالأمان وطيف به في البلد، وقرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة، ونثر شيء من الذهب والفضة، وفي ثاني يوم من المناداة بالأمان طلبت الخيول والسلاح والأموال المخبأة عند الناس من جهة الدولة، وجلس ديوان الاستخلاص إذ ذاك بالمدرسة القيمرية، وفي يوم الاثنين عاشر الشهر قدم سيف الدين قبجق المنصوري الذي كان هرب إلى التتار فنزل في الميدان واقترب جيش التتر وكثر العيث في ظاهر البلد، وقتل جماعة وغلت الأسعار بالبلد جدا، وأرسل قبجق إلى نائب القلعة ليسلمها إلى التتر فامتنع أرجواش من ذلك أشد الامتناع، فجمع له قبجق أعيان البلد فكلموه أيضا فلم يجبهم إلى ذلك، وصمم على ترك تسليمها إليهم وبها عين تطرف، فإن الشيخ تقي الدين بن تيمية أرسل إلى نائب القلعة يقول له ذلك، لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لأهل الشام التي لا تزال دار إيمان وسنة، حتى ينزل بها عيسى ابن مريم، وفي يوم دخول قبجق إلى دمشق دخل السلطان ونائبه سلار إلى مصر كما جاءت البطاقة بذلك إلى القلعة، ودقت البشائر بها فقوي جأش الناس بعض قوة وفي يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر خطب لقازان على منبر دمشق بحضور المغول بالمقصورة ودعي له على السدة بعد الصلاة وقرئ عليها مرسوم بنيابة قبجق على الشام، وذهب إليه الأعيان فهنؤه بذلك، فأظهر الكرامة وأنه في تعب عظيم مع التتر، وفي يوم السبت النصف من ربيع الآخر شرعت التتار وصاحب سيس في نهب الصالحية ومسجد الأسدية ومسجد خاتون ودار الحديث الأشرفية بها واحترق جامع التوبة بالعقيبية، وكان هذا من جهة الكرج والأرمن من النصارى الذين هم مع التتار قبحهم الله، وسبوا من أهلها خلقا كثيرا وجما غفيرا، وجاء أكثر الناس إلى رباط الحنابلة فاحتاطت به التتار فحماه منهم شيخ الشيوخ المذكور، وأعطى في الساكن مال له صورة ثم اقتحموا عليه فسبوا منه خلقا كثيرا من بنات المشايخ وأولادهم ولما نكب دير الحنابلة في ثاني جمادى الأولى قتلوا خلقا من الرجال وأسروا من النساء كثيرا، ونال قاضي القضاة تقي الدين ابن تيمية أذى كثير، ويقال إنهم قتلوا من أهل الصالحية قريبا من أربعمائة، وأسروا نحوا من أربعة آلاف أسير، ونهبت كتب كثيرة من الرباط الناصري والضيائية، وخزانة ابن البزوري، وكانت تباع وهي مكتوب عليها الوقفية، وفعلوا بالمزة مثل ما فعلوا بالصالحية، وكذلك بداريا وبغيرها، وتحصن الناس منهم في الجامع بداريا ففتحوه قسرا وقتلوا منهم خلقا وسبوا نساءهم وأولادهم، وخرج الشيخ ابن تيمية في جماعة من أصحابه يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر إلى ملك التتر وعاد بعد يومين ولم يتفق اجتماعه به، حجبه عنه الوزير سعد الدين والرشيد مشير الدولة المسلماني ابن يهودي، والتزما له بقضاء الشغل، وذكرا له أن التتر لم يحصل لكثير منهم شيء إلى الآن، ولا بد لهم من شيء واشتهر بالبلد أن التتر يريدون دخول دمشق فانزعج الناس لذلك وخافوا خوفا شديدا، وأرادوا الخروج منها والهرب على وجوههم، وأين الفرار ولات حين مناص، وقد أخذ من البلد فوق العشرة آلاف فرس، ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل الأسواق كل سوق بحسبه من المال وشرع التتر في عمل مجانيق بالجامع ليرموا بها القلعة من صحن الجامع، وغلقت أبوابه ونزل التتار في مشاهده يحرسون أخشاب المجانيق، وينهبون ما حوله من الأسواق، وأهل البلد قد أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والمصادرات والتراسيم والعقوبات عمالة في أكابر أهل البلد ليلا ونهارا، حتى أخذ منهم شئ كثير من الأموال والأوقاف، كالجامع وغيره، ثم جاء مرسوم بصيانة الجامع وتوفير أوقافه وصرف ما كان يؤخذ بخزائن السلاح وإلى الحجاز، وقرئ ذلك المرسوم بعد صلاة الجمعة بالجامع في تاسع عشر جمادى الأولى، وفي ذلك اليوم توجه السلطان قازان وترك نوابه بالشام في ستين ألف مقاتل نحو بلاد العراق، وجاء كتابه إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، وفي عزمنا العود إليها في زمن الخريف، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها، وقد أعجزتهم القلعة أن يصلوا إلى حجر منها، وخرج سيف الدين قبجق لتوديع قطلوشاه نائب قازان وسار وراءه وضربت البشائر بالقلعة فرحا لرحيلهم، ولم تفتح القلعة، وأرسل أرجواش ثاني يوم من خروج قبجق القلعية إلى الجامع فكسروا أخشاب المنجنيقات المنصوبة به، وعادوا إلى القلعة سريعا سالمين، واستصحبوا معهم جماعة ممن كانوا يلوذون بالتتر قهرا إلى القلعة، منهم الشريف القمي، وهو شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم المرتضي العلوي، وجاءت الرسل من قبجق إلى دمشق فنادوا بها طيبوا أنفسكم وافتحوا دكاكينكم وتهيئوا غدا لتلقي سلطان الشام سيف الدين قبجق، فخرج الناس إلى أماكنهم فأشرفوا عليها فرأوا ما بها من الفساد والدمار، وانفك رؤساء البلد من التراسيم بعد ما ذاقوا شيئا كثيرا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
стр. 2665
رحيل المغول من دمشق وتركهم قبجق نائبا لهم فيها .
العام الهجري: ٦٩٩
الشهر القمري: جمادى الأولى
العام الميلادي: ١٣٠٠
تفاصيل الحدث:
رحل المغول من دمشق على أنهم سيعودون زمن الخريف ليدخلوا مصر أيضا، وعاد سيف الدين قبجق إلى دمشق يوم الخميس بعد الظهر خامس عشرين جمادى الأولى ومعه الألبكي وجماعة، وبين يديه السيوف مسللة وعلى رأسه عصابة فنزل بالقصر ونودي بالبلد نائبكم قبجق قد جاء فافتحوا دكاكينكم واعملوا معاشكم ولا يغرر أحد بنفسه هذا الزمان والأسعار في غاية الغلاء والقلة ولما كان في أواخر الشهر نادى قبجق بالبلد أن يخرج الناس إلى قراهم وأمر جماعة وانضاف إليه خلق من الأجناد، وكثرت الأراجيف على بابه، وعظم شأنه ودقت البشائر بالقلعة وركب قبجق بالعصائب في البلد والشاويشية بين يديه، وجهز نحوا من ألف فارس نحو خربة اللصوص، ومشى مشي الملوك في الولايات وتأمير الأمراء والمراسيم العالية النافذة ثم إنه ضمن الخمارات ومواضع الزنا من الحانات وغيرها، وجعلت دار ابن جرادة خارج من باب توما خمارة وحانة أيضا، وصار له على ذلك في كل يوم ألف درهم، وهي التي دمرته ومحقت آثاره وأخذ أموالا أخر من أوقاف المدارس وغيرها، ورجع بولاي من جهة الأغوار وقد عاث في الأرض فسادا، ونهب البلاد وخرب ومعه طائفة من التتر كثيرة، وقد خربوا قرى كثيرة، وقتلوا من أهلها وسبوا خلقا من أطفالها، وجبى لبولاي من دمشق أيضا جباية أخرى، وخرج طائفة من القلعة فقتلوا طائفة من التتر ونهبوهم، وقتل جماعة من المسلمين في غبون ذلك، وأخذوا طائفة ممن كان يلوذ بالتتر ورسم قبجق لخطيب البلد وجماعة من الأعيان أن يدخلوا القلعة فيتكلموا مع نائبها في المصالحة فدخلوا عليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، فكلموه وبالغوا معه فلم يجب إلى ذلك وقد أجاد وأحسن وأرجل في ذلك بيض الله وجهه، وفي ثامن رجب طلب قبجق القضاة والأعيان فحلفهم على المناصحة للدولة المحمودية - يعني قازان - فحلفوا له، وفي هذا اليوم خرج الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مخيم بولاي فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقذ كثيرا منهم من أيديهم، وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد، ثم راح إليه جماعة من أعيان دمشق ثم عادوا من عنده فشلحوا عند باب شرقي وأخذ ثيابهم وعمائمهم ورجعوا في شر حالة، ثم بعث في طلبهم فاختفى أكثرهم وتغيبوا عنه، ونودي بالجامع بعد الصلاة ثالث رجب من جهة نائب القلعة بأن العساكر المصرية قادمة إلى الشام، وفي عشية يوم السبت رحل بولاي وأصحابه من التتر وانشمروا عن دمشق وقد أراح الله منهم وساروا من على عقبة دمر فعاثوا في تلك النواحي فسادا، ولم يأت سابع الشهر وفي حواشي البلد منهم أحد، وقد أزاح الله شرهم عن العباد والبلاد، ونادى قبجق في الناس قد أمنت الطرقات ولم يبق بالشام من التتر أحد، وصلى قبجق يوم الجمعة عاشر رجب بالمقصورة، ومعه جماعة عليهم لأمة الحرب من السيوف والقسي والتراكيش فيها النشاب، وأمنت البلاد، وخرج الناس للفرجة في غيض السفرجل على عادتهم فعاثت عليهم طائفة من التتر، فلما رأوهم رجعوا إلى البلد هاربين مسرعين، ونهب بعض الناس بعضا ومنهم من ألقى نفسه في النهر، وإنما كانت هذه االطائفة مجتازين ليس لهم قرار، وتقلق قبجق من البلد ثم إنه خرج منها في جماعة من رؤسائها وأعيانها منهم عز الدين بن القلانسي ليتلقوا الجيش المصري وذلك أن جيش مصر خرج إلى الشام في تاسع رجب وجاءت البريدية بذلك، وبقي البلد ليس به أحد، ونادى أرجواش في البلد احفظوا الأسوار وأخرجوا ما كان عندكم من الأسلحة ولا تهملوا الأسوار والأبواب، ولا يبيتن أحد إلا على السور، ومن بات في داره شنق، فاجتمع الناس على الأسوار لحفظ البلاد، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يدور كل ليلة على الاسوار يحرض الناس على الصبر والقتال ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط، وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة بدمشق لصاحب مصر ففرح الناس بذلك، وكان يخطب لقازان بدمشق وغيرها من بلاد الشام مائة يوم سواء، وفي بكرة يوم الجمعة المذكور دار الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ وأصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف وأراقوا الخمور، وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش، ففرح الناس بذلك، ونودي يوم السبت ثامن عشر رجب بأن تزين البلد لقدوم العساكر المصرية، وفتح باب الفرج مضافا إلى باب النصر يوم الأحد تاسع عشر رجب، ففرح الناس بذلك وانفرجوا.
(تنبيه): التاريخ الميلادي تقريبي نظراً لاشتماله على أكثر من عام هجري أحياناً
следующие страницы →