← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[نتائج البحوث وخواتيم الكتب]ـ المؤلف: هذه نتائج وخواتيم رسائل علمية وأبحاث لمؤلفين مختلفين تحوي خلاصات ما فيها الناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net عدد الأجزاء: ٤ تم تحميله في/ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ [الكتاب مرقم آليا]

стр. 2

أخلاق وسلوك وآداب

стр. 3

الحوار آدابه وتطبيقاته في التربية الإسلامية المؤلف/ المشرف: خالد بن محمد المغامسي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني - الرياض ̈الرابعة سنة الطبع: ١٤٢٨هـ تصنيف رئيس: أخلاق وسلوك وآداب تصنيف فرعي: حوار - أسس ومناهج وأبحاث الخاتمة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد. فقد وصل البحث إلى نهايته، والحمد لله على توفيقه وإحسانه، وقد اجتهد الباحث في هذا قدر الاستطاعة، وقد استفاد منه فائدة عظيمة، كيف لا، وموضوع الحوار يعد من موضوعات العصر في هذه الأيام. وقد تناول الباحث في هذا البحث تعريف الحوار وأنواعه ودواعيه، ثم تحدث عن آداب الحوار وجعلها آداب عامة للحوار, وآداب خلال الحوار, وآداب بعد الحوار. ثم عدد الباحث بعضاً من فوائد الحوار في الأسرة والمجتمع والمدرسة ثم ذكر الباحث بعض التطبيقات التربوية لآداب الحوار في الأسرة والمجتمع والمدرسة. وقد التزم الباحث بالمنهج العلمي في خلال تناوله لموضوع البحث، فإن كان فيه خلل وتقصير فهذا طبع البشر، والأعمال البشرية لا تخلوا من الخطأ والتقصير، وإن كان فيه شيء من الجدة والإجادة فهذا بتوفيق من الله . وأسأل الله أن يغفر لي زللي وخطئي في هذا البحث إنه غفور رحيم, وأستغفره من كل تقصير. وقد توصل الباحث بفضل من الله ومنه تعالى على عدد من النتائج والتوصيات وسيذكرها الباحث كما يلي: أولاً: النتائج. ثانياً: التوصيات. أولاً: نتائج الدراسة: توصل الباحث بفضل من الله ومنَّة إلى عدد من النتائج أهمها ما يأتي: ١ - أن الحوار يأتي بمعنى المراجعة في الكلام. وكلمة الحوار لم ترد في القرآن والسنة بلفظها, وإنما وردت مشتقات لها. ٢ - أن الجدل المحمود ورد في القرآن الكريم عند الأمر بالدعوة إلى الله ومجادلة أهل الكتاب. ٣ - أن الحوار والجدل يتفقان في أن فيهما مراجعة في الكلام، غير أن الجدل فيه خصومة أما الحوار فلا يشترط وجود الخصومة فيه. ٤ - أن من أفضل الطرائق لحل أسباب الاختلاف هو الحوار، ويعد الحوار طريقة نافعة لعلاج الغلو. ٥ - أن الحوار دون التحلي بآدابه لا ينفع بل قد تكون نتائجه سيئة. ٦ - أن الكثير من الحوارات تفقد قيمتها، لانعدام أدب الإنصاف والعدل فيها. ٧ - أن الرجوع إلى الحق في الحوار من أهم الأمور التي قد يحصل من أجلها الحوار، وهو ليس بالأمر السهل الذي يحسنه كل أحد. ٨ - أن توثيق المعلومات الواردة في الحوار وذكر مصادرها، يجعل الطرف الآخر يتقبلها. ٩ - أن الحوار الهادئ بين الزوجين يزيد من المحبة والود بينهما، كذلك حوارهم حول تربية أبنائهم يزيد من قوة العلاقة بينهم. ١٠ - من فوائد الحوار بين الزوجين أنه يزيد من معلوماتهم الشرعية ومعلوماتهم الثقافية والعلمية، وكثير من المشكلات الزوجية يمكن حلها بالحوار. ١١ - أن الحوار بين الأبوين والأبناء يسهم في إصلاح الأبناء، وتهذيب سلوكهم، ويعود الأبناء على الجرأة ومواجهة الحياة، ويساعدهم في حل مشكلاتهم. ١٢ - الحوار بين الإدارة والمدرسين يساعد في تنظيم العمل وتطبيق النظام، ويساعد في تبادل الخبرات والمعلومات، كما أنه يسهم في حل المشكلات التي قد تقع داخل المدرسة. ١٣ - أن الحوار بين المعلمين والطلاب يساعد في تنمية العلاقات الاجتماعية بينهم. ١٤ - من فوائد الحوار بين المعلمين والطلاب أنه ينمي مهارات الطلاب ويسهم في تنمية تفكيرهم العلمي.

стр. 4

١٥ - من فوائد الحوار بين المدرسة وأولياء الأمور أنه يسهم في معرفة مشاكل الطلاب, والعمل على حلها، كما أنه يساعد في تنمية مهارات الطلاب، ويساعد في تعليم الطلاب وتثقيفهم. ١٦ - أن الجار يمكنه أن يعلم جاره ما ينفعه بالحوار، وإذا ظهر على الجار بعض تقصير في تركه لمعروف, أو فعله للمنكر, فعن طريق الحوار يمكن نصحه, وأمره بالمعروف, ونهيه عن المنكر. ١٧ - ومن فوائد الحوار في وسائل الإعلام الدعوة إلى الإسلام، والعمل على التقريب بين المسلمين. ١٨ - أن تطبيق الأبوين لآداب الحوار في أحاديثهم مع أبنائهم يساعد الأبناء على اكتساب هذه الآداب. ١٩ - أن عدم تحلي الأبناء بآداب الحوار قد يكون أحد أسبابه عدم تدريب الآباء لهم في الأخذ بهذه الآداب. ٢٠ - أن وجود آداب الحوار في الكتاب المدرسي أمر ضروري؛ لأن ذلك يساعد الطلاب على التعود على هذه الآداب ثم تطبيقها. ٢١ - أن طريقة الحوار من أفضل طرائق التدريس التي يجب على المعلم أن يستخدمها في تعليمه للطلاب، غير أن هذه الطريقة قد تكون عديمة الفائدة دون ممارسة آداب الحوار فيها. ٢٢ - يعد النشاط أسلوب تربوياً ناجحاً يمكن من خلاله ممارسة آداب الحوار، وذلك من خلال الإذاعة المدرسية والصحافة المدرسية والندوات والمحاضرات، وغير ذلك من أنواع النشاط. ٢٣ - أن وجود منتديات حوارية في شبكة المعلومات (الإنترنت) يفرض على مستخدمها الأخذ بآداب الحوار؛ لكي يستفاد من هذه المنتديات حق الفائدة. ٢٤ - الحذر من استغلال الحوار في الدعوات المشبوهة، وبث الأفكار المنحرفة. ثانياً: توصيات الدراسة: من التوصيات التي يوصي الباحث بها في بحثه هذا ما يأتي: ١ - دراسة الحوارات التي وردت في كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ والاستفادة منها. ٢ - تنبغي دراسة ما ورد إلينا عن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء هذه الأمة كانوا أشد الناس حرصاً على تطبيق آداب الحوار في كلامهم. ٣ - إجراء دراسة تطبيقية لمعرفة مدى الالتزام بآداب الحوار سواء في الأسرة أو في المدرسة أو في المجتمع، ومعرفة أسباب عدم التطبيق والعمل على حلها. ٤ - العمل على إجراء دراسة لمعرفة مدى تطبيق وسائل الإعلام لآداب الحوار من خلال برامجها وأفضل الطرائق لتطبيق هذه الآداب إن لم تكن تطبق. ٥ - إجراء دراسة لمعرفة مدى التزام الكتاب في الصحف والمجلات (العلمية) والكتب بآداب الحوار. ٦ - إجراء دراسة تدرس مدى تطبيق آداب الحوار في حوار المسلمين مع غيرهم. ٧ - أن تكون آداب الحوار موضوعاً من موضوعات المنهج المدرسي. ٨ - إقامة ندوات عن أدب الحوار، ويفضل تكرار هذه الندوات والتجديد في المشاركين فيها، ويمكن إقامة هذه الندوات في المدارس, والمساجد, والأماكن العامة, كالأندية الأدبية, والمجالس الأدبية. وعرض هذه الندوات في وسائل الإعلام من تلفاز, أو مذياع, أو صحافة, أو غير ذلك من الوسائل. ٩ - قيام رابطة العالم الإسلامي أو إحدى مؤسسات الدعوة الإسلامية عند تعريفها بالإسلام ودعوة غير المسلمين للإسلام، أن تذكر آداب الحوار, وأن توضح أن أحد أسباب انتشار الإسلام أنه يعتمد على الحوار في دعوته للآخرين مع مراعاته للآداب. ١٠ - يقترح الباحث إقامة مسابقات عن آداب الحوار وتشجيع الأفراد على المشاركة فيها، وهذه المسابقات تتكون على شكل أبحاث أو أسئلة أو غير ذلك، ثم تنشر نتائج للجمهور ليتعرف عليها ويستفيد منها. ١١ - قيام الدعوة والمصلحين بالحديث عن هذه الآداب, وعلى الرغم من وجود كتب وأشرطة عن الحوار وآدابه؛ إلا أن الناس في حاجة لمن يكرر عليهم هذه الآداب بأساليب مختلفة. ١٢ - القيام بدراسة عن أسباب الطلاق والتي قد يكون أحد أسبابها عدم مناقشة الزوجين لمشاكلهم, أو لانعدام آداب الحوار بين الزوجين. ١٣ - القيام بدراسة عن مدى استخدام الأستاذ الجامعي للحوار في تعليمه لطلابه, ومدى تطبيق آداب الحوار من الطرفين. ١٤ - يوصي الباحث كل مسلم يرغب في نشر الإسلام وتحقيق أفضل النتائج أن يلتزم بهذه الآداب. ١٥ - دراسة كتب المناظرة والجدل التي وضعها علماء الإسلام والاستفادة منها، وتوظيف ما ورد فيها تربوياً, وكيفية تطبيقه. ١٦ - إجراء دراسة عن الدعوة القائمة لحوار الحضارات، والعمل على توضيح سلبيات هذه الدعوة، وما تشتمل عليه من أفكار.

стр. 5

المروءة وخوارمها المؤلف/ المشرف: مشهور بن حسن آل سلمان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن عفان - الخبر ̈الثانية سنة الطبع: ١٤١٦هـ تصنيف رئيس: أخلاق وسلوك وآداب تصنيف فرعي: مروءة الخاتمة فوائد تجنب خوارم المروءة، هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب خوارم المروءة، الأولى: صون النفس، وهو حفظها وحمايتها عما يشينها، ويعيبها ويزري بها عند الله وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه، فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها، وزكاها وعلاها، ووضعها في أعلى المحال، وزاحم بها أهل العزائم والكمالات، ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل، وأطلق شناقها، وحل زمامها وأرخاه، ودساها ولم يصنها عن قبيح؛ فأقل ما في تجنب القبائح صون النفس. وثانيها: توفير الحسنات، ويكون ذلك من وجهين: أحدهما: توفير زمانه على اكتساب الحسنات، فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها. والثاني: توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها، بموازنة السيئات وحبوطها، فإن السيئات قد تحبط الحسنات، وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها، فلا بد أن تضعفها قطعا، فتجنبها يوفر ديوان الحسنات، وذلك بمنزلة من له مال حاصل، فإذا استدان عليه؛ فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه، فهكذا الحسنات والسيئات سواء. وثالثها: صيانة الإيمان، وذلك لأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود، فإن العبد، كما جاء في الحديث، " إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى حتى تعلو قلبه، وذلك الران الذي قال الله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤) سورة المطففين، فالقبائح تسود القلب، وتطفئ نوره، والإيمان هو نور في القلب، والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا؛ فالحسنات تزيد نور القلب والسيئات تطفئ نور القلب، وقد أخبر الله أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها، وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا؛ فقال: ﴿ ... وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ (٨٨) سورة النساء، وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب؛ فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ (١٣) سورة المائدة فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار، من تقسية القلب واللعنة وتحريف الكلم، ونسيان العلم، فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة سواء بسواء، ولذلك قال السلف: " المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت" فإيمان صاحب القبائح والخوارم كقوة المريض على حسب قوة المرض وضعفه، وهذه الأمور الثلاثة – وهي: صون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان – هي أرفع من باعث العامة على الورع؛ لأن صاحبها أرفع همة لأنه عامل على تزكية نفسه وصونها، وتأهيلها للوصول إلى ربها، فهو يصونها عما يشينها عنده، ويحجبها عنه ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها، لأنه يسير بها إلى ربه، ويطلب بها رضاه، ويصون إيمانه بربه: من حبه له، وتوحيده، ومعرفته به، ومراقبته إياه يطفئ نوره ويذهب بهجته، ويوهن قوته. نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وإيماننا، وأن يجنبنا ما يشيننا في دنيانا وديننا، وأن يرزقنا الهدى والسداد، وأن يرزقنا التقوى والرشاد، إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 6

أديان

стр. 7

الآثار العقدية للوثنية اليونانية المؤلف/ المشرف: علي بن عبدالعزيز الشبل المحقق/ المترجم: بدون الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ̈بدون سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: أديان تصنيف فرعي: وثنية الخاتمة: الحمد لله، وبعد هذه الرحلة مع الوثنية اليونانية القديمة يحسن أن أختم الموضوع بخلاصة لأهم النتائج التي بدت لي من خلال الموضوع: أولها: أننا نحمد الله وحده لا شريك له على أن هدانا إلى أحسن دين، وأنزل علينا أفضل كتاب، وأرسل إلينا خير رسول، فلم نتخبط في الوثنية والهوى والشرك والإلحاد، بل عرفنا أسمى ما طلب منا ومن غيرنا ألا وهو توحيده سبحانه بتجريد التوجه والالتجاء والعبادة له وحده دون سواه، ولم يكلنا إلى أنفسنا، أو يتركنا هملاً أو ينشئنا على غير هداه، بل تكرم وتفضل فأنشأنا في بيئة التوحيد والإيمان، ختم الله لنا عليه آمين. وثانيا: رأينا كيف أن الشياطين استهوت أولئك الأقوام حتى أخرجتهم من سلامة الفطرة السوية إلى الإلحاد والخرافة والوثنية. وثالثاً: كيف أن اعتقاد تعدد الآلهة – مع سقوطه في ميزان العقل فضلاً عن الشرع – أصبح مفخرة لأولئك الأمم ولمن جاء بعدهم ممن يمجدهم أو ينتسب إليهم لاسيما الحضارة الأوربية الحديثة، وكيف أنهم صوروا آلهتهم بتلك الصورة الوضعية والتي لا تناسب أشراف الناس فضلاً عن بقية المخلوقات من الملائكة فكيف بذات الله . وكيف أن النصرانية المحرفة بل واليهودية المبدلة قبلتا التأثر بعقائد أولئك الوثنيين دونما رادع من علم أو دين أو عقل، فمن مقل في ذلك منهم ومستكثر، وقوفاً على سنن الله تعالى كما قال تعالى في أول فاطر: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾. وأيضاً رأينا كيف أن الإفراد في تصور الآلهة في العقل يؤدي إلى تلك الصورة البشعة والدنيئة التي جعلت اليونانية بها معبوداتها. ورابعاً: أنه من آثار القوم في بلاد المسلمين، ما جلبه علينا المغرضون من بذر الخلاف بين المسلمين، وإحداث البدع والضلالة فيهم حتى وجد بين أهل الإسلام بدع كفرية، تمثلت في كثير من الفرق والمقالات والمناهج كالفلسفة، والباطنية، والجهمية، والرافضة، وغلاة التصوف، وفروع كل منها. ورم بنا أن أشهر الفرق الإسلامية التي تأثرت تأثراً جلياً بالوثنية اليونانية من خلال أبعادها المتعددة: ١ - الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام ومن أشهرهم الفارابي وابن سينا. ٢ - الباطنيون بمختلف ألقابهم. ٣ - غلاة التصوف أو الغنوصية. ٤ - الجهمية والمعتزلة، وما تفرع منهما أو تأثر بهما من فرق الكلاميين. وخامساً: ما نراه ونسمع به من آثار القوم مما يسمى بالدورة الأولمبية أو دورة الألعاب الأولمبية، والتي هي امتداد لأعياد الوثنيين ومناسباتهم الدينية، وأيضاً الثعبان الملتوي على كأس والذي أضحى علماً على الصيدليات، وربما المستشفيات الصغيرة والكبيرة. وسادساً: يجب التنبيه والتحذير من السفر إلى تلك البلاد، لأنه ما زالت باقية معالم تلك الأمة الوثنية، في معابدها وملاعبها وتماثيل آلهتها ومساكنها ومواطن أعيادها، كما أن المتأخرين منهم قد اعتنوا بذلك وعدوه تراثاً وآثارا مهمة لهم فحفظوها في متاحفهم وأماكن خاصة، ليرتادها الناس لاسيما السياح منهم – حيث بلاد اليونان من أكبر مراكز الاستقطاب السياحي في العالم – ولو لم يكن في ذلك إلا الحذر من قوله ﷺ في أمثالهم قوم ثمود كما في الصحيح: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين بأن يصيبكم ما أصابهم). هذا فضلاً عن حماية جانب العقيدة وكمالها من ضدها وضد كمالها الواجب، من أن يتطرق إليه شيء من آثارها أو تعظيمهم والإشادة بهم واعتقاد تقدمهم ومعرفتهم، نسأل الله العفو والعافية. ثم أنه لو لم يكن من ثمرات الموضوع ونتائجه المهمة إلا معرفة هذا الشر الذي انغمس فيه القوم، وانتقل بعدهم إلى من تأثر بهم بصور متنوعة. أقول لو لم يكن إلا معرفة هذا الشر والحذر والتحذير منه لكفى وشفى، لما في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان – ﵁ – قال: كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه ... الحديث. وبعد: فـ (الحمد لله الذي هدانا وما كانا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق) حمداً وثناءً على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضي الإسلام لنا ديناً، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده

стр. 8

الأصولية الإنجيلية نشأتها وغايتها وطرق مقاومتها المؤلف/ المشرف: صالح بن عبد الله الهذلول المحقق/ المترجم: بدون دار المسلم - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٦هـ تصنيف رئيس: أديان تصنيف فرعي: مسيحية الخاتمة الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليٌ من الذل، أن أعانني ويسر لي إتمام هذا الكتاب الذي توصَّلت من خلال عملي فيه إلى نتائج أراها هامة، وهي: ١ - أن الأوضاع الدينية والسياسية والاجتماعية التي سادت أوروبا في العصور الوسطى، هيأت الأجواء هناك لظهور حركات دينية، رأت في الانشقاق عن الكنيسة الكاثوليكية ضرورة تمليها عليها غيرتها الدينية. وكان أبرز تلك الحركات، حركة البروتستانت التي أفرزت حركات (إحيائية) كانت الأصولية الإنجيلية من أهمها، وأقواها، وأوسعها انتشاراً. ٢ - كما لعب اليهود المتنصرون (ظاهرياً) دوراً كبيراً في تهيئة المناخ الذي ولدت فيه الحركات (الإحيائية) في القرون الوسطى وما بعدها. ٣ - خطورة الاختراق الفكري، والعقائدي، وصعوبة علاجه، فإن بولس اليهودي، دخل المسيحية بعد صحبته للحواري برنابا (ولعل تلاميذ المسيح، ما كانوا ليثقوا بإيمان بولس بعدما كان من شدة عداوته لدينهم لولا برنابا الذي عرفه أولاً، وعرفهم به بعد أن وثق به) (١). إن تعجل برنابا في ثقته ببولس، ثم ثقة جميع الحواريين به بعد ذلك -أو أغلبهم- أحدث خطأً منهجياً في الديانة المسيحية، لم يكتف بإلقاء عبئه على مرتكبه فقط، بل إن الأمة كلها ذاقت ويلاته في الماضي، وهي اليوم تعاني من ذلك، وستتجرع غصته إلى يوم القيامة، فليتنبه لذلك دعاة الإسلام. ٤ - صهيونية الحركة الأصولية، والعبث اليهودي بها إلى مدى أن اتخذت النبوءات التوراتية صلب دعوتها، وعماد فكرها، وهذا الاتجاه انعكس على تعاملها مع الواقع، فانجرفت بلا ضابط، ولا وازع من خلق، أو دين، أو قانون (٢) في تأييدها المطلق لكل ما يدعم إسرائيل، ويثبت وجودها، ويضمن استمرارها وبقاءها. ٥ - تمكن الحركة الأصولية سياسياً في الغرب، وصل إلى المراكز العليا في السلطة، فكثيراً ما كان الرؤساء الأمريكيون يجاملونها، ويتلمسون رضاها، بل إن عدداً منهم كان أصولياً، وينتمي للحركة الأصولية. ٦ - القول بالفصل بين السلطة السياسية، والسلطة الدينية، قول خاطئ، بدليل أن أي حاكم أمريكي لابد أن يحظى بموافقة الكنيسة. والدولة العلمانية هي التي تقوم بجمع الضرائب للكنيسة. وهناك العديد من الحوادث لعبت الكنيسة فيها دوراً كبيراً، والتعليم الأساسي يقوم تربوياً على الدين ... كل هذه الأسباب، هيأت المجال للأصولية أن تخترق الحكم والسياسة. ٧ - إن علاقة الأصولية الإنجيلية باليهودية، أعطتها براحاً واسعاً في الدعاية، كما أكسبتها خبرةً في العمل السري والعلني. ٨ - الصبغة العدوانية والإرهابية التي تميّزت بها الحركة.

стр. 9

٩ - على الرغم من أن عدد الذين ينتمون إلى الأصولية لا بأس به، وأن انتشارهم له قوة، لكن أصواتاً عديدة من النصارى واليهود، وقفوا ضد هذا الفكر، ربما لأنه نوعٌ من الصراع بين العلمانية والدينيين أو لأن هذا الفكر بانحرافه أثار حتى المفكرين المسيحيين، وقد يكون الأمران معاً، الأمر الذي أدى لوجود أصوات ومجالس وكنائس نصرانية وكذلك يهودية تجابه هذه النَّزعة. ١٠ - أن الفهم الحرفي المبتور للنصوص، غالباً ما يولد تطرّفاً، فلابد من أخذ النصوص متكاملةً، وفهمها فهماً شاملاً، وعدم ضرب بعضها ببعض، ثم التخير منها نصاً معيناً ليبني عليه فكر جديد. وهذه المسألة لابد للدعاة أن يعوها، ويدركوها، ليستطيعوا تفسير كثيرٍ من الظواهر الجامحة التي نراها في الساحة الدعوية الإسلامية. ١١ - والكاتب، اكتشف ذلك كله، كما حاول بجهده الخاص أن يفند الأفكار الرئيسية عند هذه الفئة، وأن يقدم ذلك للمسلمين في وجازة ووضوح، كما يحفز الهمم إلى مقاومة هذه النّزعة والتحصن ضد الأفكار الهدمية الوافدة من الغرب، وذلك بالرجوع إلى مصادر الدين الإسلامي، والتمسك بها. ١٢ - وكنتيجةٍ للدراسة أيضاً -فإني أوصي بما يلي: أ) - هناك بعض المواضيع، لها صلةٌ كبيرة بموضوع الكتاب، وقد اكتفيت بالإلماح لها في ثناياه. وأرى أن تفرد ببحوث خاصة تأخذ حقها من الدراسة لما لها من أهمية كبيرةٍ يمكن بيانها بالنقاط التالية: ١ - إذا نظرنا إلى الأحداث الجارية الآن في مختلف أنحاء العالم، وخاصةً المتصلة بالمسلمين والمسلطة عليهم -وهي غالباً- مثل حرب الخليج، والصومال، وليبيريا، وكشمير، والبوسنة والهرسك، وليبيا، وأحداث اليمن، وفي جنوب لبنان، وداخل فلسطين ... ، هل بينها ترابط؟ وهل هي تحقق شيئاً من تطلعات الأصولية الإنجيلية، أو تتفق مع منهجها؟ وهل يمكن اعتبارها إرهاصات وتمهيد وتهيؤ للمواجهة الشاملة التي يعد لها الأصوليون الإنجيليون؟ خاصةً وأن بعض منظري الأصولية يفسرون بعض الأماكن الواردة في سفر حزقيا -الإصحاح ٣٨، ٣٩ - بأسماء هي في الحقيقة مناطق توتر في العالم اليوم، نحو: روش تعني الحبشة، وجومر يقولون إنها اليمن الجنوبية، وتوجرمة هي الأرمن، وبوت ليبيا، وفارس يراد بها إيران. وهذه البلدان كلها في نظرهم ستنضم إلى جيش (أبناء الظلام) أو القوى الشريرة في مهاجمة إسرائيل (١). أقول: إن هذا يحتاج لمزيد من البيان والتوضيح المدعّم بالحقائق والدراسة العلمية. ٢ - أما وقد اقترب -كما يزعمون- المجيء الثاني للمسيح، وهذا كما هو معلوم -حسب عقيدتهم- تسبقه معركة هرمجدون، والسؤال الذي يحتاج إلى جواب هو: ترتيبات السلام، ومعاهدات الصلح التي تجري الآن، هل يمكن اعتبارها لبنات في المشروع الصهيوني، وما يتصل به من أحداث؟ ب) - إن الأصوليين، وهم يدينون بمسيحية معبرنة، أهل كتاب وأصحاب عقيدة يؤمنون بها أشد الإيمان، ولهذا فإن الدخول معهم في جدل عقائدي، إن لم يكن غير مجدٍ، فإنه يستغرق وقتاً طويلاً، وجهداً كبيراً، ونتيجته وثمرته محدودة جداً، أما جدالهم ومناقشتهم بما يتعلق بمسائل الشريعة، والنظم التي جاءت في العهدين القديم والجديد، فإنه يفحمهم، ويوقفهم، ويلجمهم، نظراً لضحالة التشريعات فيهما، وسطحية النظم الواردة هناك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 10

الحوار مع أهل الكتاب أسسه ومناهجه في الكتاب والسنة المؤلف/ المشرف: خالد بن عبدالله القاسم المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار المسلم - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٤هـ تصنيف رئيس: أديان تصنيف فرعي: حوار - أسس ومناهج وأبحاث أولاً: أهم النتائج من خلال صفحات هذه الدراسة توصلت إلى النتائج التالية: ١ - كمال دين الإسلام من جميع نواحيه، مع نقص ما سواه من الأديان وخاصة أديان أهل الكتاب. ٢ - اهتمام الإسلام بالحرية، ومن مظاهر هذا الاهتمام ما يلي: أ- عدم إكراه أحد للدخول في الإسلام. ب- إعطاء المقيمين من أهل الكتاب في الدولة الإسلامية حقوقاً عادلة. جـ- دعوة الإسلام إلى الحوار مع أهل الكتاب وغيرهم بكل حرية ودون ضغوط. ٣ - حفل التاريخ بالكثير من تسامح المسلمين مع أهل الكتاب وغيرهم وتعصب أهل الكتاب. ٤ - يهدف الإسلام من الحوار مع أهل الكتاب إلى أغراض نبيلة ترجع فائدتها إلى أهل الكتاب أنفسهم، ولا يتعلق شيء منها بمصالح دنيوية. ٥ - تحريم موالاة أهل الكتاب، وعدم تمييع القضايا الدينية، أو التنازل عن أي شيء من الإسلام، باسم الحوار مع أهل الكتاب. ٦ - لا يجوز لأي أحد الحوار باسم الإسلام مع أهل الكتاب وغيرهم مالم يكن قد انطبقت عليه الشروط اللازمة لذلك، وأساسها الاستقامة في الدين، والتحلي بالأدب الرفيع، مع التمكن من ذلك بالعلم والحكمة. ٧ - اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بالأدب في الحوار، وخاصة مع أهل الكتاب، وهذا الأدب جزء من اهتمام الإسلام بالأخلاق. ٨ - وجوب التركيز في الحوار مع أهل الكتاب على الموضوعات التي تخدم الأهداف النبيلة التي شرعها الإسلام في محاورتهم، وأفضلها الموضوعات التي حاورهم فيها القرآن الكريم والرسول الأمين ﷺ . ٩ - وجوب دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام، واستخدام كافة المناهج العقلية بشرط أن تكون حقاً في ذاتها، وجواز الاحتجاج بما يسلمون به من مقدمات لبيان تناقضهم واضطرابهم. ١٠ - احتواء القرآن الكريم على أفضل المناهج العقلية في حواره مع أهل الكتاب، والتي يجب على من تصدى لهذا الأمر الإفادة منها. ١١ - قيام العلماء المسلمين خلال العصور المختلفة بعمل الكثير من الحوارات الرائعة مع أهل الكتاب، والتي يجب إبرازها والاستفادة منها. ثانياً: المقترحات أ- إنشاء قسم خاص يُعنى بالحوار مع أهل الكتاب في المؤسسات الدعوية الإسلامية، كرابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، وغيرهما، أو إنشاء هيئة خاصة مستقلة تُعنى بهذا الجانب ويكون لها فروع في الدول الإسلامية وخارجها ويكون من نشاطها: ١ - إعداد دعاة مؤهلين للحوار مع أهل الكتاب بتنظيم دورات علمية في هذا الموضوع مع دورات عملية تطبيقية، بحيث يتخرجون وقد استكملوا الشروط اللازمة لذلك. ٢ - تشجيع الحوارات بين علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب، والإشراف عليها. ٣ - تسجيل هذه المحاورات تلفزيونياً، وعلى أشرطة الكاسيت ونشر الجيد منها في كتب مستقلة، وفي الصحف والمجلات. ٤ - جمع وتحقيق ما يمكن جمعه من المحاورات القديمة والحديثة في موسوعة لتسهيل الاستفادة منها. ٥ - إصدار نشرة دورية تُعنى بهذا الجانب، للتمكن من متابعة ما يستجد في هذا الموضوع. ٦ - رصد النشاط التنصيري، ومخططات أهل الكتاب العدائية تجاه الإسلام، وعمل ما يمكن لمجابهته. ٧ - ترجمة الحوارات المفيدة إلى اللغات المختلفة ونشرها. ٨ - الدعوة للإسلام عبر وسائل الإعلام الغربية عن طريق استئجار قنوات في التلفزيون لعرض برامج دورية يبين من خلالها فضل الإسلام وسماحته، كما يعرض فيها محاورات منتقاة بين علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب. ب- اقترح للجامعات في الدول الإسلامية ما يلي: ١ - تدريس مادة في قسم الدعوة تعنى بهذا الموضوع. ٢ - توجيه أقسام الدراسات العليا ومراكز البحوث للاهتمام بهذا الموضوع وإعطائه حقه من الدراسة والبحث لأهميته في الوقت الراهن. ٣ - استضافة من لهم خبرة في هذا المجال للإفادة منهم. ٤ - عقد محاورات بين علماء الإسلام وعلماء أهل الكتاب وتشجيع الطلاب على حضورها. ٥ - عدم ابتعاث الطلاب للخارج إلا بعد إلمامهم بهذا الموضوع. جـ- أقترح لوزارات الإعلام في الدول الإسلامية الاهتمام بهذا الموضوع وعرض بعض الحوارات المفيدة عبر وسائل الإعلام المختلفة.

стр. 11

الصهيونية النصرانية – دراسة في ضوء العقيدة الإسلامية المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالعزيز بن أحمد العلي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار كنوز إشبيليا – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: أديان تصنيف فرعي: صهيونية - يهودية الخاتمة: وبعد؛ فإن من أهم ما قرره هذا البحث ما يلي: ١ - أن الصهيونية سميت بهذا الاسم نسبة إلى (صهيون) وهو اسم قديم للقدس، أو لهضبة مرتفعة يعلوها المسجد الأقصى. ٢ - أن الصهيونية مذهب يسعى إلى جمع اليهود في فلسطين، واتخاذ القدس عاصمة لهم، وهدم المسجد الأقصى وبناء معبد يهودي (الهيكل) مكانه، فكل من يعتقد ضرورة العمل لذلك فهو صهيوني، وبناء عليه فليس كل يهودي صهيونياً، فمن اليهود من لا يعتقد تلك العقيدة، وليس كل صهيوني يهودياً، فمن النصارى طوائف تعتقد تلك العقيدة، بل إن نحلة البهائية تعتقد قريباً مما تعتقده الصهيونية. ٣ - ظهر دعاة للصهيونية اليهودية، بصورة أفراد وجمعيات متفرقة، ولم تتشكل بصورة مذهب منظم يسعى إلى تحقيق عقيدته بعمل معلن إلا منذ مؤتمر بال سنة ١٨٩٧م بقيادة مؤسس المذهب، الصهيوني اليهودي (تيودور هرتزل). ٤ - بدأت الصهيونية النصرانية بالظهور منذ نشأة المذهب البروتستانتي النصراني على يد (مارتن لوثر) وأتباعه في القرن السادس عشر الميلادي، ثم قويت بعد ذلك في أوروبا على يد الطائفة البروتستانتية (التطهيرية) ثم في أمريكا على يد الطائفة نفسها، ثم طافة التدبيرية الصهيونية النصرانية، وقد بدأت في أمريكا منذ اكتشافها حتى غلبت على سياساتها. ٥ - الصهيونية النصرانية سبب رئيس في نشأة الصهيونية اليهودية، فهي التي حركت الصهاينة اليهود وشجعتهم على التنظيم والظهور، والسعي الجاد والسريع لاحتلال فلسطين؛ لاعتقاد الصهيونية النصرانية بأن ذلك يعجل بمجيء المسيح إلى الأرض, وقيام مملكة الرب الألفية على حد زعمهم. ٦ - يطلق على الصهيونية النصرانية أسماء أخرى، وهي: الأصولية، والإنجيلية أو الإيفانجيلية، والبيوريتانية, والتدبيرية، كما أن البروتستانتية تعد بطوائفها ومذاهبها وكنائسها المتعددة، اتجاهاً صهيونياً صريحاً، بل هي الأصل في نشأة الصهيونية النصرانية. ٧ - تصدر الصهيونية النصرانية عن مصادر عدة، منها: الكتاب المقدس عند النصارى بعهديه القديم والجديد، وما كتبه روادها الأوائل، وكذلك يعتمدون على الرؤى والنبوءات الواردة في أسفارهم. ٨ - للصهيونية النصرانية مبادئ يقوم عليها مذهبهم، أهمها: دعوى عصمة الكتاب المقدس عندهم، ودعوى ألوهية المسيح ﵇، وأنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك، وقولهم بالقيامة الجسدية والمجيء الثاني للمسيح، وأن بعض اليهود سيؤمن به عند مجيئه، ثم يقيم مملكة الرب الأرضية. ٩ - تشترك الصهيونية النصرانية مع الصهيونية اليهودية في عقائد رئيسة في المذهب الصهيوني، ألا وهي: دعوى أن اليهود شعب الله المختار، ضرورة جمع اليهود في فلسطين، ثم إقامة دولتهم فيها وجعل القدس عاصمة لها، ثم هدم المسجد الأقصى، وبناء معبد يهودي (الهيكل) مكانه، ثم وقوع معركة (هرمجدون)؛ ليقدم مخلص للبشرية، كل هذه اشتراك الصهاينة من اليهود والنصارى في اعتقادها، مع اختلاف فيما بينهم في بعض تفاصيلها. ١٠ - للصهاينة النصارى وسائل كثيرة في نشر مذهبهم، وإخضاع العالم لمطامعهم، ولعل من أهمها: التغلغل في منافذ القرار في دول كثيرة وكبيرة، وكذا استغلالهم لوسائل إعلام قوية، وإقامة جمعيات ومنظمات، وعقد مؤتمرات في دول شتى، ولعل الهيمنة الاقتصادية في دول كثيرة من أهم وسائلهم. ١١ - بالرغم من عداء اليهود للنصارى، إلا أن أغلبهم وبخاصة الصهاينة منهم يؤيدون الصهيونية النصرانية ويشجعونها؛ لكونها تعمل لتحقيق مصالحهم ومطامعهم الرئيسة.

стр. 12

١٢ - الصهيونية النصرانية تقترب من كثير من أفكار اليهود، وبخاصة الصهاينة منهم، وتتقرب إليهم بالسعي إلى تحقيق مطالبهم في التجمع بفلسطين، واحتلالها، واتخاذ القدس عاصمة لهم، ومن ثم حماية دولتهم والدفاع عنها. ولا يلزم من ذلك محبتهم لهم ولدينهم وجميع عقائدهم، وإنما لاعتقاد الصهاينة النصارى بأن الرب قدر أن المسيح لن يأتي آخر الزمان إلا إذا اجتمع اليهود في فلسطين وقامت لهم دولة فيها. وبعض النصارى الصهاينة يصرح بأنه يحب اليهود؛ لكونهم الأصل في بني إسرائيل، ولشعوره بعقدة الذنب تجاه تعذيب النصارى لهم وإهانتهم لهم في قرون طويلة، وهذا ما يكثر اليهود إثارته لتحريك مشاعر العالم نحوهم. وهناك سبب آخر لمناصرة الصهيونية النصرانية لليهود الا وهو الطمع في تنصيرهم عند مجيء المسيح، وهو ما يعتقدون وقوعه. ١٣ - منذ أن ظهرت الصهيونية وهي تظهر العداء للكاثوليك والأرثوذكس؛ لأن أصلها وهم البروتستانت كان سبب ظهورهم تسلط الكاثوليك على الناس بعقائد وشرائع ومطالب أثقلت كواهلهم, وخالفت الشرع والعقل، فجاءت البروتستانتية محتجة على ذلك ومعارضة له، إلا أنها هي نفسها تخبطت في أفكار متناقضة, وضلالات كثيرة. وبالرغم من عدائها للكاثوليك والأرثوذكس إلى أنها حاولت استمالات بعضهم للتعاون معها لتحقيق مصالح اليهود في فلسطين. ١٤ - كان للكاثوليك والأرثوذكس موقفاً قوياً ضد البروتستانت والصهاينة النصارى، وأصدروا بذلك بيانات وقرارات كثيرة، إلا أن موقف الكاثوليك قد تغير تدريجياً؛ وبخاصة منذ منتصف القرن الميلادي العشرين تقريباً، فظهر تعاطف الكاثوليك مع مطالب الصهاينة النصارى إلى حد كبير، وذلك بفعل تأثير الصهاينة النصارى عليهم، وللضغوط اليهودية وغيرها. ١٥ - تقف الصهيونية النصرانية من المسلمين موقفاً شديد العداوة، حيث يرون أنهم الخطر الأكبر عليهم؛ إذ أن دين المسلمين خاتم الأديان ومحفوظ بحفظ الله له، كما أن الإسلام يحث المسلمين على الجهاد، وتطهير المسجد الأقصى وبلاد المسلمين وفلسطين من رجس اليهود والنصارى، كما يرون قوة انتشار الإسلام وتوسعه حتى في البلاد الغربية، وهو ما أقلقهم وجعلهم يسعون إلى حربه ووصفه وأهله بأوصاف سيئة كثيرة. ١٦ - يجب على المسلمين تجاه الصهيونية النصرانية واجبات كثيرة لعل أهمها: إصلاح أوضاع المسلمين العقدية, والشرعية, والأخلاقية، وإعداد العدة والتربية على القوة والعزة والكرامة، وكشف حقيقة الأعداء ومخططاتهم, وتفنيد عقائدهم، وغير ذلك.

стр. 13

التقارب الديني - خطره - مراحله - آثاره المؤلف/ المشرف: الأمين الحاج محمد أحمد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتب الطيب لخدمة التراث الإسلامي والرسائل العلمية - القاهرة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: أديان تصنيف فرعي: تقارب بين الأديان خاتمة: الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه ربنا، الحمد لله على هدايته وإعانته وتوفيقه. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وأزواجه وذريته وآله وصحبه عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته. وبعد ... يستعظم بعض الإخوة الكرام النقد والمناصحة لبعض العاملين في مجال الدعوة الإسلامية وغيره من العلماء والدعاة وطلاب العلم سواء كان هذا النقد للأفكار والآراء مهما كانت درجة شذوذها ومخالفتها؛ أو كان في الأصول أو في الفروع، لظنهم – زادهم الله حرصا- أن ذلك سيؤدي إلى فتنة وإلى تفرق الجهود وإحداث حزازات وإحن في النفوس. وهذا لعمر الله من الأخطاء الفاحشة الفادحة ومن باب الحرص الذي لا مبرر له ولا داعي له. وما علم هؤلاء أن الفتنة أعظم الفتنة وأشدها في ترك المناصحة في أمور الدين ومجاملة الأشخاص ومداراتهم حيث لا تجوز المجاملة والمداراة. قال رسول الله ﷺ ((الدين النصيحة)) ثلاثا قالوا: لمن يا رسول الله قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) [متفق عليه من رواية جرير بن عبدالله البجلي – مسلم رقم (٤٥)]. فقد أوجب الله على عباده النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين من علماء وحكام وعامتهم على قدر الطاقة، ورحم الله عمر ﵁ حين دعا لمن نصحه واعتبر ذلك من باب الإهداء الذي يشكر عليه، فقال: رحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي.

стр. 14

إن من أوجب حقوق الله على عباده بعد توحيده وعدم الإشراك به رد الطاعنين على الإسلام ومقارعتهم بالحجة والبيان. قال العلامة ابن القيم ﵀ مبينا بعض حقوق الله على عباده: "ومن بعض حقوق الله على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان والسيف والسنان والقلب والجنان وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان" [هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص:١٠] وهذا المراد بالنصيحة لله وكتابه ورسوله. هناك أمور لا يجوز السكوت عنها، بل يجب الرد عليها في الحال على من كان أهلا لذلك، وهناك مسائل يجوز أن يغض الطرف عنها، وهناك أشياء يحرم التحدث عنها علنا. فالمسائل التي يجب الرد عليها على الكافية الطعن في أصول الدين. والتشكيك في الثوابت، والإتيان بالأقوال الشاذة التي تخرق الإجماع القولي والعملي، ومثال ذلك مسألة بحثنا هذا وما شاكلها خصوصا لو صدرت ممن له أتباع وشيع يقلدونه فيما يقول، فالسكوت مع هذه الحال لا تغتفر والخطيئة التي يجب أن يشهر ويعلن إنكارها مهما كانت الظروف والملابسات. أما المسائل التي يمكن أن يغض الطرف عنها فهي الخلافات الفقهية والأمور الاجتهادية التي تتسع لذلك. أما المسائل التي يحرم التحدث عنها علنا فهي المسائل الشخصية والسلوكية فلا بد لنا إذاً من التفريق والتمييز بين هذا فإن لكل مقام مقالا وصدق من قال: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى، فالأقوال الشاذة والبدع المنكرة والطعن في أصول الدين والتلاعب بما أجمع عليه المسلمون أمور يتعين على بعض طلاب العلم الرد عليها في الحال، لكي لا ينخدع بها الجهال، ثم يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا. وهذا ليس من باب الغيبة, ولا من باب الطعن والتشكيك في الدعاة، ولا هو سبب للتفريق والتشتيت الذي نهانا عنه الشرع، بل هو نصيحة يجب إسداؤها، وإذا سكت عنها وسكت أنت وسكت هذا ولم يتكلم ذاك فمن لها. رحم الله إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل وقدس الله روحه، حيث قيل له بسبب جرح وتعديل الرواة: لا تغتب العلماء فقال: ويحك هذه نصيحة، ليس هذا غيبة. وقال كذلك رادا على من تحرج من عملية الجرح وقال: (إنه يثقل عليّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا قال: (إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟) [تدريب الراوي للسيوطي ٢/ ٣٦٩] فالنصيحة دين وحق يجب أن يؤدى مهما كان الشخص قريبا أم بعيدا عنك عالما كان أم غير عالم صالحا كان أم طالحا. ورحم الله علماء السلف من هذه الأمة فقد كان الحق أحب إليهم من كل شيء وها هو علي بن المديني من أئمة الجرح والتعديل يسأل عن أبيه هل يؤخذ بروايته أم لا؟ فيقول لمن سألوه: سلوا عنه غيري فأعادوا المسألة فأطرق ثم رفع رأسه وقال: هو الدين، إنه ضعيف. حقا إنه الدين الذي يجعل الولاء أولا وأخيرا لله وحده لا لولد ولا لوالد، ولا لإمام مذهب، ولا لقائد جماعة، ولا لشيخ طريقة، وما فعله الإمام علي فعله أبو داود الإمام صاحب السنن، إذ قال عن ابنه" ابني عبدالله كذاب" ونحو من ذلك قول الذهبي في ولده أبي هريرة: إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه. ومن قبل أمير المؤمنين علي محذرا من تزويج ابنه الحسن ﵁، الحسن مزواج مطلاق لا تزوجوه. ومن قبل سيد الخلق، عندما استشارته فاطمة بنت قيس في الزواج من معاوية أو أبي الجهم قال لها: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه، ولكن انكحي أسامة بن زيد. ورحم الله مالكا الإمام حيث قال: لقد أدركت في هذا المسجد سبعين شيخا لو استسقى بهم الناس لسقوا ما أخذت منهم حديثا واحدا لأنهم ليسوا من أهل هذا الشأن. وقال يحيى بن معين ﵀: إنا لنطعن في أقوام لعلهم حطوا رواحلهم في الجنة أكثر من مائتي سنة. هذا بالنسبة لمن يطعن في الدين أو يشكك في أصوله، أو يخشى من الانخداع به، أما بالنسبة لما يصدر عن بعض العلماء الأثبات من هفوات وسقطات في مسائل الفروع وفي الأمور الاجتهادية خاصة لمن تجاوز القنطرة منهم (وثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه وندر جارحوه) فلا يلتفت إلى جرحه لأن المناقص خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث. ورحم الله الخطيب البغدادي حيث قال: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل - يعني من غير الأنبياء ﵈ إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فمتى كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. أما إذا كان الماء قليلا جدا لا يسد الرمق ولا يزيل الغصة وحلت به النجاسة فإنه ليعرفوا على حقيقتهم، والاشتغال بالرد على هذا الصنف عبادة وقربى إلى الله. ورحم الله أحمد الإمام قيل له: الرجل ليصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين وهذا أفضل. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 15

أصول فقه

стр. 16

أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي المؤلف/ المشرف: مصطفى ديب البغا المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار القلم - دمشق ̈الثانية سنة الطبع: ١٤١٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: اختلاف فقهاء - أصول فقه إن الله أرسل نبيه محمداً ﷺ ليكون للعالمين نذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل عليه الكتاب بالحق ليبين للناس ما نُزِّل إليهم ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً، وجعل شريعته خاتمة الشرائع إلى يوم الدين، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب:٤٠]. فكان الناس ـ على اختلاف أجناسهم وألوانهم، وتباعد أقطارهم وتباين لهجاتهم ـ مكلفين باتباع هديه والتزام طريقه: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ [سبأ: ٢٨]. وكان ﷺ المنقذ للإنسانية من غيابات الجهل ومن وهدة الضلال والعمى إلى العلم والمعرفة والإيمان والهدى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وكانت هذه الشريعة جامعة مانعة مهيمنة على الشرائع كلها، لا تحتاج إلى زيادة ولا تعديل: ?اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً [المائدة: ٣]. كما كانت هذه الشريعة متضمنة لكل خير، منزهة عن كل شر، ليس فيها إلا ما يصلح أمور العباد في داري المعاش والمعاد، لأنها شريعة الخالق إلى المخلوق، فهي طريق العابد إلى المعبود: ﴿وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت:٤١، ٤٢]. ولقد حفظ الله سبحانه هذه الشريعة من أن تنالها أيدي التغيير والتبديل، أو تعبث بها أهواء الزائغين والمضللين بالتحريف والتأويل، أو يطمع ذو مرض أو هوس أن يطمس معالمها ويستأصل شأفتها: ?إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: ٩]. كما جعل الله تعالى هذه الشريعة هي منهاج الحياة، وأوجب على الإنسانية جمعاء أن تسير على وفقه في شتى مرافق حياتها، حتى تضمن السعادة الخالدة، فتحقق الحياة الفضلى في دنياها، وتكفل النعيم والنجاة في أخراها: ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً﴾ [الجن: ١٦]. وكان في اتباع هذه الشريعة الهداية والنور: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣]. وكان في الإعراض عنها التعاسة والشقاء والبؤس والفناء: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه:١٢٤]. ولهذه المعاني كلها ـ وغيرها مثلها كثيرـ اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، تكفل للناس الحياة المثلى، مهما تباعدت بهم الديار، واختلفت فيهم الأقاليم ومضت فيهم الأجيال، فترعى مصالحهم في كل حين وآن بما يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر والفساد، وتضفي عليهم اليسر، وترفع عنهم الحرج والعسر في كل شأن من شؤونهم وحال من أحوالهم: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. وهذا من شأنه أن تكون هذه الشريعة ـ بأحكامها وتشريعاتها، وقواعدها وتقنيناتها، وأصولها وفروعها ـ مرنة مرونة الحياة، ومتسعة اتساع الكون، ليتمكن الناس من العمل بها، والسير على هديها والالتزام بحكمها، وهي شريعة الله المنزلة وآياته المحكمة وقرآنه المعجز، لا تداخلها الجاهليات المختلفة في حكم من أحكامها أو شأن من شؤونها: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢].

стр. 17

وهذا ما كفله الله سبحانه في هذه الشريعة للمهتدين بهديها الذين لا يعدلون عن سننها، ولا تنحرف بهم الأهواء عن سمو تشريعها ولا تزيغ قلوبهم عن فيض حِكَمها وأحكامها: ﴿أفحكم الجاهلية يبعون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ المائدة:٥٠. فكانت هذه الشريعة متعددة المصادر، متنوعة المدارك، لاستنباط ما يصلح حياة الناس من الأحكام التي تحقق مقاصد الشريعة في الخلق كما أرادها الخالق جلت حكمته. ومن هنا كانت المرونة، وكان الاتساع، وكانت الملائمة لكل زمان ومكان وكل شأن وحال. فلقد كانت هذه المرونة في كتاب الله تعالى المنزل على رسوله المصطفى?، وهو أصل الأصول في هذه الشريعة، والغاية التي تنتهي إليها أنظار المتبصرين، ومدارك أهل الاجتهاد والاستنباط، ليعرفوا حكم الله تعالى في كل حادثة ونازلة، وهو المرجع الذي ليس وراءه غاية لمستزيد، فقد فصل كل شيء وبينه أحسن تبيان: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]. وأتى على الأول والآخر: فنظم شؤون الحياة وبين علاقة الفرد بربه، وتناول أموره بتشريع الأحكام منذ كان جنيناً في رحم أمه إلى أن يصير رفاتاً في قبره، ينظم له شؤون حياته، فيضع الأسس السليمة وينير المسالك القويمة التي ترعى شخصه وتهذب نفسه، وتحفظ له حياته وعقله، وتصون ماله وعرضه، وتحكم علاقته ببني نوعه، بعد أن كفلت فيه الدين السليم والعقيدة الصافية، وأيقظت فيه الضمير الحي، وأدبته على مكارم الأخلاق، ولقد تبارك الله تعالى القائل: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام: ٣٨]. ثم كانت هذه المرونة في السنة المطهرة، ذلك المعين الفياض الذي لا ينضب مَدْركاً من مدارك الأحكام، تعرفنا حكم الله في كل كبير وصغير. فرسول الله ﷺ هو المبلغ عن ربه: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]. وهو المبين مراد الله فيما أنزل: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤]. فالسنة المطهرة تأكيد لما بين في كتاب الله من أحكام، وتفصيل لما أجمل، وتقييد لما أطلق، وتخصيص لما هو عام. ورسول الله ﷺ هو المظهر العملي لشريعة الله تعالى، فهو المكلف الأول: ﴿وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٣]. وهو القدوة الصالحة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]. وهو الذي يتلقى الوحي من السماء: ﴿وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وهو الذي قذف لله النور في قلبه، وأجرى الحق على لسانه وجعل طاعته من طاعته ومعصيته معصيته: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ [النساء: ٨٠]. لهذا كله كانت السنة المطهرة ـ في مجمل أحكامها وتشريعاتها ـ بمنزلة كتاب الله تعالى، ما ثبت فيها ثابت بوحي من الله سبحانه وأمر منه وتكليف: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧].

стр. 18

ولما كان الرسول ﵊ بشراً يعيش على الأرض عيشة المكلفين من عباد الله، وهو على صلة بأحوالهم وشؤونهم ـ والله أعلم بأحوالهم وشؤونهم ـ ويمارس أعمالهم ومصالحهم، ويتبصر بما يوقعهم في الحرج وما يخرج بهم إلى السعة واليسر، وهو أعرف الخلق بما يبلغ عن ربه، وأخبرهم بمقاصد الشريعة التي أفاضها الله على روحه وقلبه ـ ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] وهو الذي أولاه الله العناية، وعصمه من الزيغ ووفقه إلى الحق، وسدده إلى الصواب، لما كان رسول الله ﷺ متصفاً بهذه المعاني والصفات كان يشرع للناس من أحكام الله تعالى ما فيه خيرهم وصلاحهم، وما فيه رعاية مصالحهم في دنياهم، وفوزهم في أخراهم، كل ذلك بما يتفق وروح القرآن ومنهجه، وما يتفرع عن أصوله وقواعده، مما ألقاه الله في روعه فبينه للناس ثم أقره عليه. وبهذا كانت السنة ـ وهي مصدر عظيم من مصادر التشريع، ودليل أساسي من أدلة أحكامه ـ جامعة مانعة، عامة شاملة، لا تفوتها شاردة ولا واردة إلا وقد أعطتها حكماً شرعياً، فيها بيان لما كان وما سيكون، وفيها تنظيم عملي رائع لشؤون الحياة مستوحى عن الله خالق الحياة ومن يحيى، ومرتبط بمالك الملك والملكوت الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. فقلما تحدث حادثة، أو تنزل نازلة إلا ونجد في السنة المطهرة الحكم الشافي والبيان الوافي لها. وهكذا كانت المرونة والاتساع في شرع الله تعالى لعباده في الكتابة المنزل، وسنة نبيه المختار، صلوات الله وسلامه عليه. ومن بدهي القول أن وحي الله قد انقطع، وأحاديث رسول الله ﷺ قد توقفت بقبض رسول الله ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، ورغم أن كتاب الله تعالى لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأن السنة كانت المبينة والمفصلة والمتممة، فإن نصوصهما محصورة محدودة، والحوادث تتجدد وتتكرر، والمحصور لا يحيط بغير المحصور نصاً ولفظاً ـ وإن كان يحيط به معنى وتقعيداًـ ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى زيادة توسعة على الأمة، مَنًّا منه سبحانه وتفضلاً، ففتح لها باباً لاستخراج الأحكام لا يسد، وفجر لنا ينبوعاً لا ينضب، بل لا يزال يمدنا بالأحكام الشرعية لما يتجدد من تصرفات فيها جلب مصالح العباد وخيرهم، ودفع غوائل الشر والفساد عنهم، وكان هذا الفضل من الله فيما أرشدت إليه نصوص القرآن، ودلت عليه السنة المطهرة من إجماع أهل الحل والعقد، وذوي الخبرة والفهم في دين الله، عندما تقع واقعة أو تحدث حادثة، يعوزهم أن يجدوا لها نصاً صريحاً في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه ?، يدلهم على حكم الله تعالى فيها، فيجتمعون يتلمسون المستند لها في شرع الله بتداول الرأي وتقليب وجهات النظر، استرشاداً بقوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]. ثم يجمع رأيهم على حكم شرعي يصبح بعد الإجماع عليه حكم الله تعالى في هذه الحادثة لا يجوز لأحد أن يخالفه، التزاماً بقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ [النساء: ١١٥]. والأمة لا تحتاج إلى حكم شرعي في الحادثة إلا إذا كانت ذات شأن في حياتها، ولها صلة بأمور معاش الناس التي يريدونها مطية لمعادهم، وعلماء الأمة المخلصون ـ الذين يلتزمون شرع الله، ويريدون الصلاح للناس ـ لا يجمعون على حكم شرعي ـ سلباً أو إيجاباً ـ إلا إذا أيقنوا أن فيه تحقيق مقاصد الشرع من جلب النفع أو دفع الضر، ورعاية مصالح العباد.

стр. 19

وهكذا نجد أن اعتبار هذه الشريعة إجماع المجتهدين من الأمة حجة في استنباط الأحكام، ومصدراً رئيسياً من مصادر التشريع، قد أكسب هذه الشريعة مرونة واتساعاً، يلازمانها ما قامت السموات والأرض، وما زال على الأرض أناس يتعاملون وعلماء مجتهدون يجتمعون ويجمعون، وما زالت حوادث تتجدد، ووقائع تتشعب، فالإجماع يمدنا بأحكام شرعية مستمدة من شرع الله تعالى ـ تصلح للزمن وتتناسب مع المكان ـ في كل تصرف وشأن، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. على أن الأمر قد يكون فيه حرج وعسر، لو كان لزاماً على الأمة ـ في كل حادثة تجد ـ أو على كل قاض ومفت ـ تعرض له فتوى أو قضاء لا يجد لها نصاً في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه ﷺ ـ أن يجمع لذلك علماء الأمة، أو يحصل على رأيهم فيها. ولو كان الأمر كذلك لارتبكت الأمة في شؤونها وفاتها الكثير من المنافع، وربما سارت في تصرفاتها على غير هدى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وكان أمرها فرطاً. ولذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الشريعة أكثر واقعية عما يتصور في كل تشريع لم يكن نابعاً من فيض الله الحكيم، فأرشدت إلى كل ما فيه صلاح ونهت عن كل ما من شأنه الفساد، وكان مما أرشدت إليه ودلت عليه: أن يلجأ المجتهد المتبصرـ في فتواه وقضائه ـ إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ?، فإن لم يجد ضالته، عمد إلى ما أجمع عليه من سبقه من العلماء المجتهدين والأئمة المتقين، فإن لم يجد لم يقف مكتوف الأيدي حائراً تائهاً يترك الناس في ضياع، بل يعمل فكره ويشحذ ذهنه ويسبر أعماق النصوص والأحكام ليتعرف فيها على العلل والمناسبات، فإذا تجلى له الأمر ألحق الحادثة التي بين يديه بأقربها شبهاً، وأكثرها مناسبة مما نص على حكمه أو انعقد عليه الإجماع: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب﴾ [ص: ٢٩]. وهكذا كان القياس مصدراً رئيسياً وأصلاً من أصول التشريع الإسلامي، يستمد منه الفقيه أحكام الحوادث والوقائع، استرشاداً بقول الله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢]. وإذا كان القياس مصدراً من مصادر التشريع، فأجدر به من مصدر يضفي على هذا التشريع مرونة ما بعدها مرونة، ويكسبه صلاحية ـ لمختلف أطوار الحياة، وتقلب الحقب والأجيال، مع بعد القارات وتنائي الديار، لا تدانيها صلاحية، فما أكثر الأحكام المنصوص عليها والمجمع فيها، والتي يتمكن المجتهد أن ينظر فيها ويلحق بها ويقيس عليها، وليس من مغالاة القول: إنه ما من حادثة قائمة أو يمكن أن تحدث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ـ ورغم ما نجده من كثرة الاختراع وتطور الحياة وتعقد المعاملات ـ إلا ويستطيع العلماء العاملون والفقهاء الموفقون: أن يجدوا حادثة منصوصاً أو مجمعاً على حكمها، يمكنهم بأدنى جهد أن يقيسوها عليها ويلحقوها بها في الحكم، ثم تأخذ حكمها شرعياً، وتكون من جزئيات التشريع الإسلامي بعد أن كانت خارجة عنه. وهكذا نجد أن الشريعة الإسلامية بمصادرها الأربع هذه ـ والمتفق على اعتبارهاـ مستغنية عما سواها، كفيلة بسد حاجات الزمن وتطورات العصر مما يحتاجه إلى تشريع وتقنين.

стр. 20

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ازدادت هذه الشريعة مرونة واتساعاً وتلاؤماً بما اهتدى إليه الأئمة المجتهدون ـ بمجملهم ـ من المصادر التبعية، التي كانت موضوع هذه الرسالة، وقد رأينا مدرك كل إمام فيها، وما أرشده إلى القول بكل منها أو عدمه. والمهم في هذه الخاتمة أن نشير إلى ما كان لاعتبار هذه الأدلة ـ على الإجمال ـ مصادر من مصادر التشريع الإسلامي من أثر بيِّن في إعطاء هذه الشريعة المرونة الكافية، التي تجعلها أكثر صلاحية لكل زمان ومكان أكثر من ذي قبل، إذ إنه من بدهي القول أن التشريع ـ أي تشريع ـ كلما كثرت مصادرة وتعددت وتنوعت كلما كان أكثر مرونة واتساعاً، وبالتالي أكثر صلاحية للأجيال وبقاءً. لاسيما وأن هذا التعدد والتنوع إنما كان حفاظاً على المقاصد الأساسية التي بنى التشريع أحكامه على صيانتها، والإبقاء عليها سلباً وإيجاباً، لأن في هذه المقاصد صلاح المعاش والمعاد. ولسنا بحاجة إلى إعادة تفصيل القول في هذه الأدلة، لبرهان على ما أثمرته من مرونة واتساع، فقد رأينا كيف أن القول بالاستحسان عدل من غلو القياس ـ على رأي القائلين به ـ وأمدَّ التشريع الإسلامي بكثير من الأحكام الشرعية التي ربما وقف ظاهر القياس عائقاً دونها، وأوقع الناس في حرج وضيق، فكان الاستحسان ذاك المخرج الحسن والمتسع المشروع. وكذلك فعل الاستصلاح، حيث أغنى الفقه الإسلامية بكثير من الأحكام الشرعية، لعديد من الحوادث التي فيها جلب منفعة أو دفع مفسدة، لم يشهد لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء، وإنما شهد لها ما فيها من الحكمة المترتبة عليها سلباً أو إيجاباً. وأما القول بمذهب الصحابي ـ على ما عرف بيانه ـ فغني عن البيان ماله من أثر في مرونة التشريع، واتساع في الأحكام الشرعية، فالصحابة ذوو الاجتهاد والعمل ـ والذين يحتج بقولهم من يحتج ـ قد كثرت فتاواهم وتنوعت قضاياهم، وهم الذين فتحوا الآفاق وانتشروا فيها، وحدثت أيامهم الحوادث وتتالت الوقائع مما ليس فيه نص ـ وخاصة أنهم فتحوا بلداناً لها وقائعها وحوادثها مما يختلف عما ألفوه ـ فتعددت اجتهاداتهم وتنوعت مداركهم، واختلفت قضاياهم حسبما فهموا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وأصول الشريعة ومنهجها في تشريع الأحكام، وهم الذين تربوا في مدرسة الوحي والنبوة، وتخرجوا من دوحة القرآن والسنة، وهكذا فقد أغنت اجتهاداتهم وفتاواهم وقضاياهم التقنين الإسلامي، بحيث قلما نجد حادثة إلا ولأحدهم اجتهاد فيها أو في مثلها. وأما العرف والقول به فناهيك به من مصدر خصب فياض، يكسب التشريع تلاؤماً مع كل بيئة وزمن، ولا يترك التشريع جامداً غريباً ـ في كثير من أحكامه ـ عما يألفه الناس ويتعارفونه، بل يجعلهم على صلة دائمة بمصادره الأصلية وينابيعه الأساسية، مع المحافظة على رعاية مصالح الناس ورفع الحرج عن تصرفاتهم، إذ إن الناس لا يتعارفون إلا ما هم في حاجة ماسة إليه، وما هو أساسي في حياتهم. وقل مثل هذا في الاستصحاب، فالأصل في الناس براءة ذمتهم، والأصل في الأشياء الإباحة، فيبقى الناس في سعة وبحبوحة، ما دام لم يقم دليل على التزام الفعل أو تركه، فإذا قام الدليل على الفعل أو الترك كانت السعة والبحبوحة فيما قام عليه دليل الشرع. وفي هذا أيضاً مرونة واتساع ملحوظان في التشريع.

стр. 21

ونستطيع أن نقول مثل هذا أو قريباً منه في كل دليل من بقية الأدلة التي فصلناها في هذه الرسالة، وقد رأينا شيئاً من هذا عند بحث كل دليل وبيان أثره. والمهم أننا نرى في هذا التنوع والتعدد لمصادر التشريع مرونة واتساعاً وتلاؤماً، حيث إن المجتهد الفقيه ـ مفتياً كان أو قاضياً أو حاكماً ـ يسعه فيما إذا عرضت له قضية ـ كما يسع الأمة إذا حدثت حادثةـ أن يستنبط الحكم الشرعي لها بناء على هذا الدليل أو ذاك، طالما أنه دليل معتبر لدى إمام من الأئمة له ـ على اعتباره ـ حجته واستدلاله، بغض النظر عن مخالفة غيره له أو موافقته فيه، نظراً منه إلى ما يتلاءم مع ظروف الأمة وحاجات الزمن، وما يتطلبه جلب النفع للناس أو دفع المفسدة عنهم، رعاية لمصالحهم وتحقيقاً لمقاصد الشارع فيهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أن هذا التعدد للأدلة وهذا التنوع للمصادر نتج عنه كثرة كاثرة من الفروع الفقيهة والمسائل الاجتهادية، التي كان لها حكم شرعي بناء على اعتبار هذا الدليل أو ذاك، وبرأي هذا الإمام أو غيره، وهذا بلا شك مرونة واتساع من شأنه أن يجعل التشريع متلائماً مع حاجات الزمن واختلاف الأحوال، ولا غضاضة أن هذا القول متفق عليه أو مختلف فيه، إن التشريع إنما ينظر إليه بمجموع ما فيه من نظريات وآراء وأحكام، وقواعد وأسس، سواء ما كان منها محل وفاق أم محل اختلاف، ولا ينظر إلى التشريع برأي إمام أو اجتهاد فقيه، فمهما كان الحكم مختلفاً فيه لا يخرج عن كونه حكماً شرعياً من أحكام التشريع من حيث الجملة، يسع الأمة ـ بعلمائها الأتقياء العارفين ـ أن تختار هذا القول أو ذاك حسبما يتلاءم مع الزمن وما يرجحه لديها من قرائن وأحوال، ولا حرج في ذلك ولا خروج عن طوق الشرع وحكمه، إذ لم يقل أحد من الأئمة المجتهدين، ولا من العلماء ذوي الفقه والفهم في الدين: إن الأمة بأجمعها ملزمة بمذهب إمام أو قول عالم أو رأي فقيه، بل إن الأئمة أنفسهم رفضوا مثل هذا ولم يرضوه لأنفسهم، فضلاً عن أن يقولوا به. فهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يأتيه أبو جعفر المنصور يقول له: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره. فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورددوا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. وحكيت نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور مالكاً في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقال: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل سنة مضت، قال: وفقك الله يا أبا عبدالله. وحسبك هذا الكلام من إمام دار الهجرة شاهداً على ما قلناه، وعلى مرونة هذا التشريع الذي فهمه أمثال مالك رحمه الله تعالى من الأئمة الأبرار والعلماء الأعلام. وبعد، فإن هذه المرونة وهذا الاتساع وهذه الصلاحية وهذا التلاؤم الذي امتازت به الشريعة الإسلامية لا يعني ـ في حال من الأحوال ـ أنها قابلة للتغيير والتبديل، والتعديل والتطوير ـ كما يفهمه بعض من يدعي الإنصاف في نفسه لهذه الشريعة والحدب عليها ـ بحيث تخرج عن أصالتها ولا يبقى لها من الصلة بمصدرها الأساسي وهو كتاب الله المنزل إلا اسمها ورسمها، فتغير نصوصها وتبدل، وتفسر وتؤول بما يتلاءم مع تطور الزمن وما تعارف الناس فيه من مفاسد، وما ألفوه من منكر، وما اعتادوه من تصرفات هي مروق من الدين وخروج عنه، فلا يمكن أن يقرها بحال.

стр. 22

كذلك لا تعني هذه المرونة أن تلفق الاستدلالات والتفسيرات والتبريرات لكل ما دخل على الناس في تشريعاتهم وتقنيناتهم من باطل جاء الإسلام بإنكاره أصلاً وفرعاً، وما تمكن فيهم من جاهليات يتنزه شرع الله أن يسعها بأحكامه تقريراً واعتباراً بل ينبه إليها نفياً وإنكاراً. إن الصلاحية التي تتصف بها الشريعة الإسلامية هي صلاحية بالأصالة، ومرونتها مرونة ذاتية جوهرية، لأنها شريعة الله المحكمة ووحيه المنزل الذي تكفل ـ كما ذكرنا ـ بحفظه ورعايته، ولأن هذا التعدد والتنوع في الأدلة إنما كان ـ أيضاً ـ ليحفظ هذه الشريعة بنقاوتها وصفائها، ويدفع عنها كل ما يشوب هذا الصفاء أو يشوه تلك النقاوة، ولذا كانت هذه المرونة ـ على اتساعها ـ منضبطة بضوابط وقواعد، بحيث تبقى على أصالة هذه الشريعة وذاتيتها وجوهرها، وحتى لا ينطلق العنان بكل باحث ومجتهد أن يشرع في دين الله ما لم يأذن به الله تعالى. ولهذا نجد أن لكل دليل من أدلة التشريع وكل مصدر من مصادر أحكامه قواعده وضوابطه، على أساسها تستنبط الأحكام، وبمراعاتها تستخرج المسائل والفروع، وتفهم المقاصد والغايات، وفي ضوئها تجلب المصالح والمنافع، وتدرأ المضار والمفاسد. فنصوص الكتاب والسنة لها أصالتها وحصانتها، فلا مساغ للاجتهاد عند مورد النص، وما ثبت من حكم شرعي بنص صحيح وصريح فهو حكم ثابت وشرع محكم لا يتغير ولا يتبدل، ولا يجوز لأحد أن يخالفه مهما تغير الزمن وتبدلت الأحوال وادعي من المصلحة بمخالفته ما ادعي، لأن المصلحة ثابتة فيما شرع الله لعبادة أو سنه رسول الله ﷺ لأمته، والمفسدة في مخالفة أمرهما. وما لم ينص عليه صريحاً في كتاب أو سنة فهناك قواعد وضوابط ـ مستوحاة من الكتاب والسنة أنفسهماـ على أساسها تفهم النصوص وتستخرج الأحكام. ثم الاجتهاد ـ جماعياً كان أو فردياً ـ لا يكون أبداً إلا إذا فقد النص الصريح، وله أيضاً قواعده وضوابطه: فلا بد في الإجماع من مستند شرعي يعتمد عليه، مع ما اشترطه العلماء من شروط وقيود استوحوها من الكتاب والسنة، ليصبح الإجماع حجة ويكون حكمه ملزماً. وللقياس ـ أيضاً ـ أركانه وشروطه، وضوابطه وقيوده، وأسسه وقواعده حتى يكون مُعْتبراً ومَدْركاً من مدارك الأحكام. وكذلك رأينا ـ عند بحث أبواب هذه الرسالة ـ كيف أن كل دليل من الأدلة التي بحثت كان له شروط وقيود حتى يكون حجة معتبرة لدى من يقول به، فلا يخرج عن جوهر الشريعة وأصالتها، فلا عبرة بكل ما يصادم نصاً تشريعياً أو أصلاً متفقاً عليه من أصول الشريعة، سواء كان المصادم مصلحة أم استحساناً أم عرفاً أم غير ذلك، وسواء كان ظاهره جلب منفعة أم دفع مفسدة، لأن المصلحة فيه عندئذ تكون وهمية طالما أنه يصادم نصاً شرعياً ثابتاً، أو أصلاً من أصول التشريع. وحسبنا دليلاً على هذا أن القائلين بسد الذرائع إنما حملهم على القول به خوفهم من التلاعب على أحكام الشريعة، أو الوصول إلى العبث فيها، باتخاذ ما هو حلال من حيث الظاهر والأصل وسيلة إلى ما هو ممنوع ومحرم، فقالوا بسد الذرائع احتياطاً في شرع الله، مع أن الأمر لا يعدو ـ في الغالب ـ قيام شبهة في القصد، فما بالك إذا كان القصد صريحاً، والتحريم لما أحل والتحليل لما حرم مقصوداً وجريئاً؟ .. ويدعي أنه المصلحة وحاجة الزمن؟ .. فلا شك أنه مرفوض ومردود، والقول به فسوق ومروق، يخرج به مستحلة عن الإسلام، ويخلع عنه ربقة الإيمان، خاصة إذا كان معلوماً من الدين بالضرورة، كالقول بحل الربا، أو استباحة الخمر، أو خروج النساء كاسيات عاريات مائلات مميلات بحجة أن العرف قد جرى بهذا، أو أن المصلحة تقتضي ذاك، فالحق أنه لا مصلحة في مخالفة شرع الله، وإنما هي المفسدة والأهواء والضلال، تسيطر على النفوس المريضة كما سيطرت على أتباع الشرائع السابقة، فضلوا وأضلوا، وأضاعوا شرع الله تعالى ودينه المنزل عليهم، واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، فلعنهم الله على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون: ?كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون?. أما وأن هذه الشريعة خاتمة الشرائع فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يحفظها ويصونها، فقيض لها ـ في كل حين وزمن ـ علماء مخلصين ومجتهدين عالمين وطائفة بالحق ظاهرين، أنار قلوبهم لفهم دقائق هذه الشريعة وأسرارها، فهم يمحصون ويدققون، ويقعدون القواعد ويؤصلون الأصول، ويدفعون عن شرع الله تعالى ويكافحون، لتبقى شريعة صافية نقية، مصونة كما أرادها: ﴿وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]. هذه الحقيقة الخالدة أبد الآبدين ودهر الداهرين، نسأل الله التوفيق والسداد والحمد لله رب العالمين.

стр. 23

أصول الفتوى وتطبيق الأحكام الشرعية في بلاد غير المسلمين المؤلف/ المشرف: علي بن عباس الحكمي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مؤسسة الريان - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي خاتمة البحث في ختام هذا البحث أرى لزاماً عليَّ تتمياً للفائدة، وتذكيراً بجوهر الموضوع ولُبَّه، أن أذكر أهم نتائجه وبعض التوصيات المتعلقة به، وهي ما يلي: ١ - الفتوى في اللغة وفي الشرع: إِخبار عن شىء يهم المخْبًر، وإعانة له على أمر يحتاج إلى مساعدة من يستطيع مساعدته فيه، والمفتي هو الشخص المؤهل شرعاً لفعل ذلك في أحكام الشرع. ٢ - الفتوى تشبه الحكم والقضاء في أن كلا منهما إِخبار عن الحكم الشرعي ممن هو أهل للإِخبار بذلك ٣ - تفترق الفتوي عن الحكم والقضاء في عدة أمور مصدرها اختلاف مهمة الحاكم والقاضي عن مهمة المفتي، فالقاضي والحاكم مهمتهما فصل الخصومات، والإِلزام بالحقوق والواجبات في الدنيا، والمفتي مهمته بيان حكم الشرع الذي يجب على المسلم الالتزام به ديانة بينه وبين ربه. ولهذا كان حكم القاضي مفارقاً لفتوى المفتي فيما يلى: أ - قضاء القاضي وحكم الحاكم ملزم في الظاهر، وفتوى المفتي غير ملزمة في الظاهر. ب - قضاء القاضي لا ينقض في المسائل الاجتهادية مالم يخالف دليلاً مقطوعاً به من نص أو إِجماع. وفتوى المفتي تجوز مخالفتها من المفتي نفسه إذا تغير اجتهاده، أو من مجتهد غيره. جـ- الحكم والقضاء لا يدخل في العبادات إِلا فيما يتعلق منها بحقوق العباد فيما بينهم. والفتيا تدخل في جميع الأحكام من العبادات والمعاملات وسائر التصرفات. د- يشترط في القاضي ما لا يشترط في المفتي من الحرية والذكورية ونحوهما. ٤ - التأهل للفتوى، واستكمال شروطهما الشرعية الُممَكِّنة من القدرة عليها فرض على الكفاية، إذا قام به بعض الأمة سقط عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثموا، ويجب على ولاة أمر المسلمين العمل على توفير العدد الكافي من المؤهلين للفتيا، واتخاذ الوسائل وتهيئة السبل الموصلة إلى ذلك. ٥ - التصدي للفتيا - بعد التأهل لها - قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية وقد يكون مندوباً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون حراماً، أما غير المؤهل فتحرم عليه الفتوى مطلقاً. ٦ - للفتيا شروط لابد من توافرها فيمن يتصدى لها. وأهمها الإسلام، والعقل والبلوغ والعدالة، والتمكن من معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، بتوافر شروط الاجتهاد المفصلة في البحث. ٧ - وللمفتي صفات يجب توافرها فيه، وأخرى يحسن به التحلي بها، وآداب ينبغي له السير عليها. وقد ذكرنا أهم كل ذلك في مواضعه من البحث. ٨ - المفتي قد يكون مجتهداً مطلقاً مستقلاً عن أصول غيره، وقد يكون مجتهداً منتسباً إلى مذهب من المذاهب الفقهية المشهورة، والأول انعدم منذ القرن الرابع الهجرى، والثانى باق ٍ في كل عصر. ٩ - لايلزم من انعدام المجتهد المطلق المستقل عدم توافر شروط الاجتهاد في غيره وإِغلاق باب الاجتهاد. ١٠ - دعوى انعدام المجتهد إِنما المقصود بها عند كثير من قائليها المجتهد المستقل وهذه دعوى صحيحة. وأما انعدام من توافرت فيه شروط الاجتهاد ولو كان منتسباً إلى أحد المذاهب فدعوى غير صحيحة لمخالفتها الواقع، ولمناقضتها قول بعض القائلين بها، وقول كثير من الفقهاء المنتسبين إلى المذاهب أنهم لم يأخذوا بمذاهب أئمتهم تقليداً لهم، بل عن نظر واجتهاد. ١١ - الاجتهاد المطلق أي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها قد يتجزأ، فقد يكون المرء مجتهداً في بعض فروع الفقه أو أبوابه أو مسائله، وهذا ساعد كثيراً على القيام بفرض الكفاية في الفتوى.

стр. 24

١٢ - مع وجود المجتهدين في كل العصور إِلا أن العدد الذي يتأدى به فرض الكفاية منهم في القضاء والفتيا لم يتوافر في بعض العصور وفي بعض البلدان والنواحى، ولهذا أجمع أهل الفتيا على جواز تولية القضاء والفتيا لغير المجتهدين للضرورة. ١٣ - الفتوى شأنها عظيم، وخطرها جسيم، فهي توقيع عن الله، ودخول بين الله وبين خلقه، والقائم بها معرض للخطأ، فعليه أخذ الحيطة والحذر وعدم الإِقدام عليها إِلا بعد التأهل لها مع شدة المراقبة لله وملازمة التقوى. ١٤ - ولهذا كان السلف يتحاشونها، ويود كل واحد منهم أن يكفيه غيره تحملها ومع ذلك لم يضيعوها أو يفرطوا في التأهل لها والقيام بها عند الحاجة إِليهم. ١٥ - الفتوى قد تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، وذلك تبعاً لتغير العادات التي علقت بعض أحكام الشرع عليها، وهذا أحد لوازم صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، فلو جعلت أحكامها وفق عادات زمن معين أو مكان معين فيما يتعلق من الأحكام بالعوائد المختلفة لواقع الناس في ضيق وحرج. وما جعل الله على الناس في الدين من حرج. ١٦ - العوائد والأعراف التي علقت عليها بعض الأحكام الشرعية، وتتغير بتغيرها هي العوائد والأعراف التي لم يرد في الشرع طلبها بعينها أو منعها بعينها. ١٧ - فكل ما طلبه الشرع بعينه من العوائد إِيجاباً كالتنزه عن الأنجاس والتطهر منها وستر العورات، أو منعه الشرع بعينه كاجتناب الخبائث، وتحريم بعض المعاملات كالربا ونحوه، كل ذلك لا يجوز تغيير الحكم فيه منعاً أو إِباحة بسبب تغير العرف والعادة فيه. ١٨ - من شروط صحة الفتوى، ومن واجبات المفتي معرفة الوقائع وفهمها على حقيقتها فهما صحيحاً، والإِحاطة بجميع جوانبها وملابساتها، ومعرفة عوائد الناس وأعرافهم وأحوال المستفتين لتكون فتواه في محلها، وإِيقاع الأحكام مواقعها. ١٩ - الأحكام الشرعية لازمة لكل مكلف في كل زمان ومكان وحال متى ما توافرت الأسباب والشروط وانتفت الموانع، ولا تأثير لدار غير المسلمين في ترك واجب أو فعل محظور إِلا بعذر من الأعذار المعتبرة شرعاً. ٢٠ - الشريعة الإِسلامية اشتملت على أحكام أفعال العباد في كل الأحوال والأزمان والبقاع، وعلى المجتهدين والمفتين استنباط تلك الأحكام من أدلتها التفصيلية، أو من أصولها الثابتة الشاملة وقواعدها العامة الراسخة، واستعانة المفتين في العصور المتأخرة باجتهادات المجتهدين في مختلف العصور السابقة، مع ضرورة مراعاة الوقائع وخصائص كل واقعة ونازلة على حدة، ليطبق عليها الحكم المناسب. ٢١ - قد تنشأ أمور تتعلق بالعبادات أو المعاملات بسبب الإقامة في ديار غير المسلمين، تحتاج إلى بيان أحكامها، وهي في حقيقتها لا تخرج عما قرره الشرع من معاملة المسلم لغير المسلم، ومن تكليف المسلم بما كلفه الله به في الحالات العادية والظروف الطارئة. وعلى المسلم المكلف التعرف على حكم الله فيما يخصه، وسؤال أهل العلم والاجتهاد قدر المستطاع في معرفة من يجوز الأخذ عنه وتلقي الأحكام منه.

стр. 25

إعمال قاعدة سد الذرائع في باب البدعة المؤلف/ المشرف: محمد بن حسين الجيزاني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة دار المنهاج - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: سد الذرائع خاتمة البحث: في نهاية هذا الكتاب أحمد الله على ما وفق إليه وأنعم به، فله الحمد سبحانه في الآخرة والأولى، ثم هذه خلاصة لأبرز ما ورد في الكتاب: أولاً: معنى قاعدة سد الذرائع: أن الفعل المباح إذا كان ذريعة إلى محرم فالشارع يحرم هذه الذريعة وإن لم يقصد بها المحرم؛ لكونها في الغالب مفضية إليه. ثانياً: البدعة في الشرع هي: (ما أحدث في الدين من غير دليل). ثالثاً: من الأصول الكلية المقررة في هذه الشريعة: أن الذرائع المفضية إلى البدعة يجب سدها ومنعها. ومعنى هذا الأصل: أن كل عمل – ولو كان مشروعاً – يفضي إلى الإحداث في دين الله من غير دليل فهو – إن لم يكن بدعة – ملحق بالبدعة. والمقصود بهذا الأصل حماية جناب الشريعة من البدع، وذلك بمنع الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الابتداع. رابعاً: يشترط في أي فعل حتى يصير ذريعة مفضية إلى البدعة؛ فيلحق هذا الفعل بالبدعة شروط ثلاثة: ١ - أن يكون هذا الفعل مفضياً إلى البدعة. ٢ - أن يكون إفضاء هذا الفعل إلى البدعة مقطوعاً به أو غالباً. ٣ - ألا يترتب على اعتبار هذه الذريعة المفضية إلى البدعة بسدها والمنع منها مفسدة أخرى أعظم من مفسدة البدعة. خامساً: من الأمثلة على تطبيق السلف لقاعدة سد الذرائع في باب البدعة: ترك بعض الصحابة ﵁ الأضحية خشية أن يظن أنها واجبة؛ حيث نقل ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس ﵃. سادساً: يندرج تحت قاعدة سد ذرائع الابتداع الفروع الآتية: ١ - أن يوهم فعل النافلة المطلقة أنها سنة راتبة، وذلك مثل إقامة النافلة جماعة في المساجد. ٢ - أن يوهم فعل السنة أنها فريضة، وذلك كالتزام قراءة سورتي السجدة والدهر في صلاة فجر كل يوم جمعة. ٣ - أن يوهم فعل العبادة الموسعة أنها مخصصة بزمان أو مكان أو صفة أو كيفية معينة؛ كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا. ٤ - أن يلتصق بالعمل المشروع عمل زائد حتى يصير وصفاً لهذا العمل أو كالوصف له بحيث يوهم انضمامه إليه، وذلك كقول الرجل عند الذبح أو العتق: (اللهم هذا منك وإليك) إذا كان يفهم من هذا القول انضمام ذلك إلى العمل المشروع. أما إن فعل المكلف العبادة المشروعة وأتى بغيرها معها من غير قصد الانضمام، ولا جعله ذريعة للانضمام فلا حرج عليه حينئذ. ٥ - كل اجتماع راتب، يتكرر بتكرر الأسابيع, أو الشهور, أو الأعوام غير الاجتماعات المشروعة، وذلك كتخصيص السفر إلى بيت المقدس بيوم عرفة. ٦ - إذا فعل ما هو جائز شرعاً على وجه يعتقد فيه أنه مطلوب شرعاً؛ كزخرفة المساجد التي لا تبلغ أحد التحريم. والقدر الجامع لهذه الفروع والأصل الضابط لها: إن لكل حكم شرعي خاصية، والواجب ألا يسوى بين هذه الأحكام الشرعية، لا في القول, ولا الفعل, ولا في الاعتقاد.

стр. 26

إقرار الله ﷻ في زمن النبوة ومدى الاحتجاج به المؤلف/ المشرف: عبد الحميد بن علي أبو زنيد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة خاتمة البحث ونتيجته تبين من البحث أن أول من قال بعدم حجية فعل الصحابي في زمن نزول الوحي إذا لم يطلع عليه الرسول ﷺ وهو ما يسمى بإقرار الله - عمر بن الخطاب ﵁ بحضور جمع كبير من الصحابة وذلك في الأثر الذي أخرجه أبو جعفر الطحاوي في مشكل الآثار وبسند كل رجاله ثقات عدا محمد ابن إسحاق صاحب المغازي كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده والطبراني في معجمه الكبير والبزار وذلك عندما كان يفتي زيد بن ثابت ﵁ بعدم الاغتسال من الإكسال والذي ورد فيه أن رفاعة بن رافع قال قال لي عمر: "ما يقول هذا الفتى؟ فقلت: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ثم لا نغتسل. فقال عمر: أفسألتم النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال رفاعة: لا. فقال عمر ﵁: " لا يبلغني أن أحداً فعله إلا أنهكته عقوبةً". وكان ذلك بحضور جمع من الصحابة وانتشر الأمر مما جعل هذا الأمر يرقى لأن يكون إجماعاً سكوتياً لعدم النقل عن أحد من الصحابة بعدها مخالفة ذلك. ثم أشار إلى عدم حجيته أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي في بداية كتابه الجدل. ولا يشعر كلامه أنه قال رداً على أحدٍ بل قاله استطراداً عند بيان كيفية الاحتجاج بالكتاب والسنة. ثم بقيّ الأمر على ذلك كما يبدو حتى جاء الشيخ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ وألف كتابه عمدة الأحكام الذي جمع فيه ما اتفق عليه الشيخان من أحاديث الأحكام. وأدرج في حديث العزل ما نقله مسلم في صحيحه عن سفيان بن عيينة على أنه من لفظ جابر ﵁. وأصل الحديث: "كنا نعزل والقرآن ينزل" ولفظ سفيان المدرج "لو كان شيئاً ينهي عنه لنهانا عنه القرآن" فاطَّلع على عمدة الأحكام ابن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢هـ بقصد شرحه. ولم يتنبه لما حدث في الحديث من إدراج فقال: إن ظاهر لفظ الحديث يقتضي استدلال جابر بإقرار الله ثم قال: وهذا شيء غريب ويبدو أنه اطلع على الأمر بعده شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ وتلميذه المحقق شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيِّم الجوزية المتوفي سنة ٧٥١هـ فلم يتنبها لما حدث من الإدراج في حديث العزل اعتماداً على ما فعله الشيخ عبد الغني ﵀، ولذا فقد رويا الحديث في المسودة وأعلام الموقعين بلفظ عمدة الأحكام. فأوهم ذلك استدلال جابر بإقرار الله فقالا به وقسَّماه إلى قسمين: الأول: وهو فعل الصحابة في زمن الوحي ولو لم يطلع عليه الرسول ﷺ بحجة أن الله لا يقر الصحابة في زمن الوحي على ما يخالف الشرع. والثاني: هو أن الأصل في الأفعال والأشياء الإباحة إذا لم يرد دليل ناقل فسكوت الله دليل على إباحته. وبينت أن الأول ليس بحجة لأن معتمد من قال بحجيته هو ما أدرجه الشيخ عبد الغني في حديث جابر. والذي لو تنبه له من استدل به ما استدل به والعلم عند الله. وأما الثاني فإنه وإن كان له مأخذ وجيه فإن جماهير الأصوليين درجوا على عدم تسميته بإقرار الله سبحانه إنما اعتمدوا على العمومات الواردة الدالة على حكم الإباحة. ثم جاء ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي بن محمد المتوفى سنة ٨٥٢هـ أمير المؤمنين في الحديث صاحب الفتح فكشف عن هذا الإدراج ونبَّه عليه في كتابه فتح الباري، وبين ما فعله الشيخ عبد الغني المقدسي وما حدث مع ابن دقيق العيد.

стр. 27

ثم جاء الأمير الصنعاني محمد بن إسماعيل الكحلاني المتوفي سنة ١١٨٢هـ الذي اطلع كما يبدو على ما وقع لابن تيمية وابن القيم فاستدل بإقرار الله على إمامة الصبي المميز بحديث عمرو بن سلمة على أنه من إقرار الله مخالفاً بذلك جمهور شراح الحديث الذين احتجوا به على أنه سنة إقرارية لاستبعاد عدم اطلاع الرسول ﷺ ولاتفاق كل من صنف في علوم الحديث على أن فعل الصحابة المرفوع لزمن الوحي أنه حديث موقوف لفظاً مرفوع حكماً عدا ما نقل عن الاسماعيلي ﵀. ولكن الأمير الصنعاني لما وصل لحديث العزل تغيَّر حاله واختلف اختياره وأُعجب بما فعل ابن حجر ﵀ ولكنه أشار بإشارة لطيفةٍ خفية بدون جزم إلى احتمال إفادة بعض الأدلة حجية إقرار الله لرسول الله ﷺ . وكلامه هذا حق. ولذا حققت الكلام فيه وهو أن إقرار الله سبحانه لرسوله ﷺ فيما يتعلق بالتشريع حجة لا مرية فيها عند كل من جَّوز الاجتهاد لرسول الله ﷺ لا يقر على خطأ. ولذا فإن الذي توصلتُ إليه أنَّ إقرار الله سبحانه لرسول الله ﷺ فيما يتعلق بأمور التشريع دون أمور الدنيا أنه حجة. كما أنه يمكن أن يستفاد حكم الإباحة مما سكتَ عنه الله ورسوله ﷺ بالنسبة للأعيان. وأما بالنسبة للأفعال فلا يمكن حملها على إطلاقها بل لابدَّ من تقييدها حيث أن ما يفعل على سبيل القربى والعبادة ليس الأصل فيه الإباحة بل الأصل فيه موافقة التشريع. هذا ما تيسر جمعه وتقييده وكان الفراغ منه ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقين من شعبان سنة تسع وأربعمائة وألف. وصلى الله وسلم على خليله المصطفي ونبيه المجتبى وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً. وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِ العالمين.

стр. 28

اختلاف التنوع حقيقته ومناهج العلماء فيه"دراسة فقهية تأصيلية " المؤلف/ المشرف: خالد بن سعد الخشلان المحقق/ المترجم: بدون الناشر: كنوز إشبيليا - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة: أحمد الله في الختام كما حمدته في البدء، فهو وحده الذي أعان، ووفق حتى وصلت إلى هذه المرحلة، ولعلي في هذه الخاتمة أن ألخص أبرز ما جاء في البحث. أولاً: بدأت البحث بمقدمة تضمنت الإشارة إلى مقصد من المقاصد المهمة، التي جاءت بها هذه الشريعة المباركة، من الأمر بلزوم الجماعة، والائتلاف، والتحذير من الفرقة، والاختلاف، والشواهد القرآنية، والنبوية على ذلك، والتنبيه على أن الاختلاف الفقهي يجب ألا يكون سبباً في تفريق الجماعة، وحصول التنازع والبغي بين المسلمين، وبخاصة إذا كان الخلاف مرده: الاختلاف في صفات العبادة وهيئاتها، التي جاءت بها الشريعة، وهو ما يعرف باختلاف التنوع، الذي هو موضوع هذه الدراسة. ثم ذكرت أبرز الأسباب للكتابة في هذا الموضوع، والتي من أهمها: أهمية الموضوع، وكونه يسهم في إظهار بعض مقاصد التشريع، ولإزالة ما اكتنف هذا الموضوع من لبس في فهمه وتطبيقه. وختمت المقدمة بذكر خطة البحث، والمنهج المتبع في إعداده. ثانياً: أما المبحث الأول فوضحت فيه المراد بالاختلاف الفقهي، وأنواعه وأسبابه، من خلال ثلاثة مطالب، بينت في المطلب الأول المراد بالاختلاف الفقهي وأنه: تعدد أقوال المجتهدين في المسائل العملية، الفرعية، التي لم يدل دليل قاطع على حكمها. وفي المطلب الثاني: بينت أنواع الاختلاف الفقهي، وأنه يتنوع باعتبارات متعددة من حيث الدوافع والبواعث، ومن حيث ما يسوغ فيه الخلاف من المسائل، وما لا يسوغ، وتنوع الخلاف السائغ إلى اختلاف تضاد، واختلاف تنوع والذي هو محل هذه الدراسة. وفي المطلب الثالث: ذكرت أسباب الاختلاف الفقهي سواء كان اختلافاً مذموماً، أم مقبولاً، فذكرت أن من أسباب الاختلاف الفقهي المذموم: البغي، والجهل، وأتباع الهوى، والتقليد المذموم. وأما أسباب الاختلاف الفقهي المقبول فكثيرة، منها ما يعود إلى المجتهدين أنفسهم، من تفاوت في العقول والفهوم، وتفاوت في العلم، وتطرق السهو النسيان إلى بعضهم. ومن الأسباب ما يتعلق بالنصوص ذاتها من حيث ثبوتها ودلالتها على الأحكام من جهة، ومن حيث إحكامها وسلامتها من المعارض من جهة أخرى. وقسم ثالث: أسباب تعود إلى اختلاف الفقهاء في بعض مصادر التشريع من حيث الحجية وعدمها، وأسباب تعود إلى اختلاف الفقهاء في التقعيد الأصولي، أو التقعيد الفقهي. ثالثاً: أما المبحث الثاني فذكرت فيه حقيقة اختلاف التنوع، وأنواعه من خلال أربعة مطالب. بينت في المطلب الأول المراد باختلاف التنوع وأنه تعدد أقوال المجتهدين في اختيار الأولى، في المسائل التعبدية، التي ثبتت مشروعيتها، على أنواع متعددة. وأما المطالب الثاني فذكرت فيه ما يطلقه الفقهاء على هذا النوع من الاختلاف من أسماء وألقاب، كالاختلاف في الاختيار والأولى، والاختلاف المباح، والاختلاف الصوري. وفي المطلب الثالث بينت ما يجري فيه اختلاف التنوع بمفهومه العام، حيث يمكن جريانه في المسائل العلمية – باعتبار- والمسائل العملية، كما يجري بين المفسرين في تأويل آي القرآن العظيم، وفي أبواب العمل والدعوة. ونبهت على ضرورة العناية بهذا النوع من الاختلاف في هذه المجالات كلها.

стр. 29

وفي المطلب الرابع تحدثت عن أنواع اختلاف التنوع، من حيث مصدره، ورتبة ما اختلف عليه، وأنواعه من حيث اتفاق العلماء واختلافهم من جهة، ودلالة السنة على الوجوه والأفضل منها من جهة أخرى. وكذا أنواعه باعتبار ما يمكن جمعه من الوجوه وما لا يمكن. وأنواعه من حيث تفضيل بعض الوجوه على بعض. رابعاً: وفي المبحث الثالث وضحت الفرق بين اختلاف التنوع، وما يشبهه، فذكرت الفرق بين اختلاف التنوع، واختلاف التضاد، والفرق بين التخيير في اختلاف التنوع، والتخيير النصي، والفرق بين التخيير في اختلاف التنوع، والتخيير في المندوب، والمكروه، والمباح، وذلك كله في ثلاثة مطالب. خامساً: وأما المبحث الرابع فخصصته للحديث عن مشروعية اختلاف التنوع وشروطه، في أربعة مطالب. بينت في المطلب الأول الأدلة التي يستدل بها على وقوع اختلاف التنوع في الشريعة، بل ومشروعيته. وفي المطلب الثاني بينت الحكمة من مشروعية اختلاف التنوع، حيث تتجلى فيه صورة من صور السعة، والرحمة، والتيسير التي تميزت بها هذه الشريعة. وفي المطلب الثالث ذكرت الوجوه الدالة على أهمية العلم باختلاف التنوع بالنسبة للفقيه، والمفتي. وأما المطلب الرابع فبينت فيه شروط اختلاف التنوع، إذ ليس كل تخيير في الشريعة يعد من اختلاف التنوع بل لابد من شروط سبعة، متى توفرت صار الخلاف في المسألة من اختلاف التنوع. سادساً: وفي المبحث الخامس ذكرت مناهج الفقهاء في العبادات الواردة على وجوه متعددة وكان ذلك في أربعة مطالب. تحدثت في المطلب الأول عن مناهج الفقهاء في العبادات التي تعددت وجوهها من حيث النظر حيث ذهب فريق من أهل العلم إلى منهج الترجيح باختيار أحد الوجوه للعمل وترك ما سواه، بينما ذهب آخرون إلى منهج التخيير بين الوجوه بأن يختار المكلف ما شاء منها، دون كراهية لشيء منها. ورجحت هذا المنهج بأدلته. وأما مناهج الفقهاء في العبادات التي تعددت وجوهها من حيث العمل، فكان الحديث فيه في المطلب الثاني، حيث سلك فريق من أهل العلم منهج المداومة على أحد الوجوه، وفريق آخر سلك منهج الجمع، وذلك بالمجيء بالوجوه جميعها في وقت واحد متى ما أمكن ذلك. بينما سلك جماعة من المحققين منهج التنويع، وذلك بفعل الوجوه كلها على سبيل التنويع في أوقات متعددة، وبينت أن الأصل في هذا الباب التنويع بيت الوجوه، وأما الجمع بين الوجوه فمدار القول فيه على شواهد السنة كما تقدم تفصيل ذلك. ثم تحدثت في المطلب الثالث عن ضوابط التنويع في العمل بوجوه العبادة المتنوعة، بحيث تكون الوجوه كلها مما ثبتت مشروعيتها، وألا يكون العمل بالتنويع سبباً للتشويش بين العامة، وحدوث فتنة دينية أو دنيوية. وفي المطلب الرابع ذكرت ست فوائد للعمل بمنهج التنويع وهي أتباع السنة، وتحقيق كمال المتابعة، وحفظ السنة العملية وإحياؤها، والإعانة على حضور القلب، ومراعاة اختلاف الأحوال، وانتفاع المكلف بما في كل وجه من ميزة. سابعاً: وأما المبحث السادس فجعلته للحديث عن المفاضلة بين الوجوه المخير بينها، فبينت في المطلب الأول أن من الوجوه المخير بينها ما يسوغ فيه التفضيل، ومنها ما لا وجه للتفضيل فيه، وأن التفضيل إنما يحكم به بناء على دليل شرعي. حيث ذكرت في المطلب الثاني الأسباب التي من خلالها يمكن للفقيه القول بتفضيل أحد الوجوه على ما سواه.

стр. 30

اختلاف المفتين والموقف المطلوب تجاهه من عموم المسلمين (مؤصلا من أدلة الوحيين) المؤلف/ المشرف: حاتم بن عارف العوني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الصميعي – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: فتوى ومفتي ومستفتي الخاتمة: أهم نتائج الكتاب: ١ - أن الاختلاف واقع حتمي وفطري، وأن أصله مشروع. ٢ - أن للاختلاف أسباباً تُبين أنه قد يحدث: إما لعمق المسألة التي اختلف فيها وعظيم دقتها، وإما لتباين العلماء في درجات علمهم، ولاختلاف مداركهم وطرائق تكفيرهم وطبائعهم، وإما لاختلاف تصوراتهم عن الوقائع والأعيان التي تنزل الأحكام عليها. ٣ - ليس الاختلاف بالدال ضرورة على ضعف علم المختلفين، ولا على عدم انضباط علمهم، ولا على نسبية الحق. ٤ - أن الاختلاف في الشريعة منه ما هو اختلاف معتبر، وغير معتبر. ٥ - لاعتبار القول وسواغه شروط خمسة، مرجعها إلى ثلاثة أمور: • أن يكون القول صادراً ممن له حق الاجتهاد. • وأن لا يكون قوله مخالفاً لدليل ثابت واضح القطعية في دلالته: (فلا يخالف الإجماع، ولا يخرج عن مجموع أقوال السلف، ولا يخالف دليلاً ثابتاً واضح القطعية في دلالته). • وأن يكون صادراً عن أصل معتبر. ٦ - الموقف من الاختلاف السائغ: • الترجيح فيه ظني غالباً، وإن قطع به أحياناً، فلا يكون واضح القطعية. • هو اختلاف مباح. • لا يجوز إنكاره، ولا إلزام أحد بتركه، ولا منعه، ويجوز الأخذ به اجتهاداً أو تقليداً، ويجب أن يراعى بعد الوقوع فيه، ولا ينقض الحكم به. • لا يحق لأحد أن ينكر على الآخذ به اجتهاداً ولا تقليداً، ولا أن يناصحه على معنى الإنكار ولا الإلزام بتركه؛ لكن يستحب التناقش فيه بين العلماء على معنى التباحث واستثارة الفوائد. • لعامة ذلك استثناءات، هي خلاف الأصل فيه. ٧ - الموقف من الخلاف غير السائغ: • الحكم فيه واضح القطعية بتصويب قول وتخطئة قول. • هو اختلاف محرم ممنوع. • يجب إنكاره، والتحذير منه، وينقض الحكم به، ويجب على الحاكم منع إعلان الأخذ به اجتهاداً أو تقليداً ما دام منع إعلانه مقدوراً عليه. • ينكر على القائل به، مع وجوب الالتزام بمرتبة الإنكار التي يستحقها صاحبه بمراعاة درجة إعذاره، ومكانته في العلم والفضل؛ فلا يلزم من الإنكار عليه إسقاطه والتحذير منه. • لعامة ذلك استثناءات، هي خلاف الأصل فيه. ٨ - الذي لا يستحق الاستفتاء واحد من ثلاثة: • الجاهل (من كان خطؤه غالباً على صوابه). • الفاسق (من ارتكب كبيرة، أو أتى من الصغائر ما يصل إلى حد الكبيرة؛ في دلالة على الضعف الشديد في التدين). • من كان له أصل يخالف أصول أهل السنة في مصادر التلقي، ومنهج الاستنباط، أدى به هذا الأصل إلى أن يكون خطؤه أكثر من صوابه. ٩ - حاجة المسلمين الماسة إلى وضع منهج لتعاملهم مع الاختلاف، وخطورة معدم وضع هذا المنهج. ١٠ - ضرورة إشاعة منهج الترجيح من بين اختلاف العلماء المعتبرين حسب الترتيب التالي: • ما يرجحه الدليل. • ما عليه الجمهور. • ما قال به الأعلم والأتقى. • الأخذ بالأحوط. • الأخذ بالأيسر.

стр. 31

استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية المؤلف/ المشرف: عياض بن نامي السلمي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة درج كثير من الباحثين على أن يختموا بحوثهم بذكر أهم النتائج التي توصلوا إليها. واتباعا لهذه السنة الحميدة جعلت الخاتمة في إجمال أهم النتائج التي قاد البحث إليها وأوجزت في ذكرها لئلا تكون تكرارا مملا مع علمي بأن هذه الخلاصة لا تكفي عن قراءة البحث كاملا. ولقد جاءت أغلب النتائج موافقة لما توقعه الباحث بعد قراءته الأولية. والقليل منها كان مخالفا لتقديره وتوقعه. وأهم النتائج هي: ١ – أن الأصوليين قد عنوا بنصوص القرآن والسنة عناية كبيرة وجعلوهما مصدر التشريع الأساس الذي ترجع إليه المصادر الأخرى. ولقد دققوا النظر في دلالات الكتاب والسنة، ووضعوا القواعد الضابطة للاستدلال بهما. ٢ – أن أغلب القواعد الأصولية استدل عليها الأصوليون بالقرآن والسنة، على خلاف ما يظنه بعض من لم يدقق النظر في مؤلفاتهم من أن أغلب أدلتهم عقلية محضة. ٣ – أن استدلال الأصوليين بالكتاب والسنة على القواعد الأصولية قد أخذ أشكالا متعددة، من جهة استقلال النص المستدل به بالدلالة على القاعدة، وافتقاره إلى دليل آخر من النص أو الإجماع أو دليل العقل. ٤ - أن استدلالات الأصوليين على القواعد الأصولية بالكتاب والسنة ليس في درجة واحدة من الظهور والخفاء والقطعية والظنية، فمنها ما هو ظاهر الدلالة يدركه العالم باللغة ومعانيها، ومنها الخفي الذي لا ينتبه إليه إلا من أوتي ذكاء وفطنة، ومنها القوي الذي لا يجادل فيه إلا مكابر والضعيف الذي ينبغي التمسك به، والمتوسط الذي يحتاج إلى ما يقويه. ٥ – أن أكثر الأصوليين يستدلون بأخبار الآحاد على القواعد الأصولية إذا كانت القواعد المستدل عليها اجتهادية، لا يدعون فيها القطع، أو كان خبر الآحاد قد تلقته الأمة بالقبول أو تواتر معناه. ومنهم من يستدل به مطلقا. وأما رده مطلقا فلم تصح نسبته لأحد من الأصوليين. وما نقل عن بعضهم من رد الاستدلال به في الأصول لا يعنون به أصول الفقه، بل أصول الدين بدليل أنهم في كتبهم يستدلون به على القواعد الأصولية. ٦ – أن الأصوليين قد يصرحون بالدليل من القرآن أو السنة وقد يشيرون إليه إشارة مفهمة. وإذا صرحوا بالآية أو الحديث فإنهم غالبا يقتصرون على موضع الشاهد. وقد تبين للباحث أن اقتصارهم على بعض الدليل أو على معناه له أسباب كثيرة اشتمل البحث على أهمها. ٧ – أن كثيرا مما يذكره الأصوليون من الأدلة يبدو للوهلة الأولى أنها أدلة عقلية. وعند التحقيق يتبين للناظر أنها راجعة إلى نصوص من القرآن والسنة، استغنى المستدل عن ذكر نصوصها بالاستدلال بمعانيها، وساقها في صورة أدلة عقلية. ٨ – أن الأصوليين يذكرون في كتبهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة لغرضين: أ – التمثيل للقاعدة الأصولية. ب – الاستدلال لها. ٩ – أن الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي وردت في كتبهم في مقام الاستدلال قليلة. إذا قيست بما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة. كما أن بعضها صحيح المعنى، وردت أحاديث صحيحة في معناه غير أن إسناده لم يصح باللفظ الذي أورده. ١٠ - أن أغلب الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة المذكورة في مقام الاستدلال قد ذكروها للاستدلال بها لخصومهم، لا للمذاهب التي يرجحونها. وضموا إليها أدلة أخرى، ولم يكتفوا بها غالبا. ١١ – يؤخذ على الأصوليين أنهم يندر أن يتعرضوا لنقد الحديث الذي يذكرونه دليلا لخصومهم أو تخريجه. ولكنهم يلجأون إلى تأويله أحيانا ومعارضته بما هو أقوى منه أحيانا أخرى.

стр. 32

وعدم تعرضهم لنقد الحديث ناشئ عن عدم تضلعهم في علوم الحديث. ولهذا نجد الذين جمعوا بين الأصول والحديث كابن حزم وابن مفلح ينقدون الحديث، ويذكرون من خرجه من الأئمة وما قالوه فيه. ١٢ – يؤخذ على الأصوليين أنهم ربما غيروا لفظ الحديث المستدل به، ولم يذكروه بلفظه المشهور في كتب السنة. ويبدو أن ذلك ناشئ عن تجويزهم رواية الحديث بالمعنى، وعدم تمكنهم في علم الحديث. ١٣ – الكتب المصنفة على طريقة الشافعية أكثر اعتمادا على الاستدلال بالكتاب والسنة من الكتب المصنفة على طريقة الحنفية. وذلك ناتج عن أمرين: أ – أن طريقتهم في التأليف تحتم عليهم الاستدلال على كل قاعدة بما يدل على ثبوتها من الأدلة النقلية والعقلية. ب – أن القواعد التي ذكروها في كتبهم أكثر من القواعد التي ذكرها الحنفية. فقد أهملت كتب الحنفية الكلام عن قواعد كثيرة رأوا أنها ليس لها علاقة مباشرة بالفقه. ١٤ – بلغ عدد القواعد المستدل عليها بالقرآن في عينة البحث ١٩٩ قاعدة بعد حذف المكرر منها. وبلغ عدد القواعد المستدل عليها بالسنة ١٥٦ قاعدة بعد حذف المتكرر. وهذا يدل على كثرة القواعد المستدل عليها بالكتاب والسنة. كما يدل على أن القواعد المستدل عليها بالكتاب أكثر لأسباب أشرت إليها في ثنايا البحث. ١٥ – عدد الأدلة التي يذكرونها على القاعدة الواحدة يختلف اختلافا كبيرا. فقد يسوقون على القاعدة الواحدة عشرة أدلة من القرآن والسنة أو أكثر من ذلك. وقد يكتفون بدليل واحد. ولكن الغالب تعدد الأدلة. كما أن الأقوال المختلفة في القاعدة الواحدة قد يستدل عليها كل منهم بالنصوص من القرآن أو السنة، وقد يستدل عليها بعضهم بالنصوص ويستدل غيره بالإجماع، أو أقوال الصحابة، أو الأدلة العقلية. أما التوصيات التي يدعوا الباحث للأخذ بها فأهمها: ١ – أن يتوجه الباحثون لدراسة استدلال الأصوليين بالإجماع وأقوال الصحابة على القواعد الأصولية. ٢ – أن يبرز الباحثون في أصول الفقه الأدلة النقلية التي يستدل بها على القاعدة الأصولية، ويعيدوا صياغة الاستدلالات الموجودة في كتب أصول الفقه، ليعيدوها إلى أصولها من الكتاب والسنة لتظهر للقراء على حقيقتها فلا تبدوا في صورة أدلة عقلية محضة لا اعتماد لها على النص. بل يكون النص هو أساسها الذي تبنى عليه. ٣ – في الكتب المختصرة والميسرة التي تؤلف لعامة الناس ينبغي الاقتصار على الأدلة النقلية الظاهرة فتذكر الآية أو الحديث ثم يبين وجه الاستدلال منهما. وفي ختام هذا البحث أشكر الله جل وعلا الذي يسره لي واشكر كل من له يد في إخراجه وأرجو الله جل وعلا أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به ويغفر لي تقصيري إنه عفو كريم. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 33

اتخاذ القرار بالمصلحة المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن سطام آل سعود المحقق/ المترجم: بدون الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٦هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: مصالح ومفاسد الخاتمة أحمد الله في الختام كما حمدته في البدء وهو أهل للحمد في كل موطن وكل وقت وأشكره على توفيقه وعونه وهو المتفضل بالتوفيق والعون والمستحق للشكر عليهما وأثني عليه بما هيأه لي من أسباب لإتمام هذا البحث وهو وحده المستحق للثناء وبعد فبعد هذا البحث الذي أجريناه في اتخاذ القرار بالمصلحة نقف حيث انتهت بنا أبوابه ونرسم خلاصة البحث وأهم النتائج التي انتهى إليها فنقول البحث مركب من ثلاثة أمور: المصلحة المعتبرة شرعا والقرار واتخاذه فأما القسم الأول وهو المصلحة فمن أهم ما جاء في البحث عنها الآتي أولا: التفريق بين المصلحة والمنفعة وبيان أن المصلحة نوع من أنواع المنافع وهو أعلاها فكل مصلحة منفعة وليس كل منفعة مصلحة وإن ضابط التفريق هو أن من شروط المصلحة ألا تفوت مصلحة أفضل منها ولا يمكن ذلك إلا إذا كانت المصلحة هي أعلى المنافع فلا شيء فوقها يفوت ثانيا: أن الخيار الذي يكون اتخاذه مصلحة هو الخيار الأعلى نفعا ثالثا: أن معيار الأعلى نفعا لتقدير خيار المصلحة معيار ثابت من حيث إنه مطلوب دائما وممكن دائما وشامل ومن حيث إنه يتضمن جميع ما قد ينتجه الإنسان من أنواع النفع أو طرق الانتفاع رابعا: بيان أن وظيفة ضوابط المصلحة هي إجراء المصالح على عدل واعتدال دون إفراط أو تفريط خامسا: بيان أن وظيفة اعتبارات المصلحة هي تمييز الأعلى من الأدنى ليجري القرار بموجبه سادسا: بيان أن المصلحة هي مقصود القرار وأن المقاصد تمثل الإطار الخارجي للقرار فالقرار متى خرج عن إطار المقاصد الشرعية فسد وأما القسم الثاني وهو القرار فمن أهم ما جاء في البحث عنه الآتي: أولا: تعريف القرار بأنه: الخيار الأبرأ للذمة ثم بيان أن الأبرأ للذمة هو ما كان في اتخاذه مصلحة والمصلحة – كما سبق- متعلقة بالخيار الأعلى نفعا فيصبح الخيار الأبرأ للذمة: هو الخيار الأعلى نفعا وليس في الشرع ما ينفيه ثانيا: تقسيم الخيار الصحيح إلى خيار مجزئ وهو ما تحققت فيه أدنى درجات القبول وخيار مقبول وهو ما تحققت فيه أعلى درجات القبول وأن الأول يترتب عليه زوال الوزر ولا يترتب عليه كامل الأجر وأن الثاني أفضل منه لما يترتب عليه من أعظم مثوبة وأجر ثالثا: تقسيم القرارات إلى قرارات وضعية وقرارات تكليفية وبيان أقسام كل منها وأن القرارات الوضعية مدخلات في عملية اتخاذ القرار وهي علامات على القرارات التكليفية والتي تمثل مخرجات عملية اتخاذ القرار وأن هذا التقسيم مبناه على تقسيم الأصوليين للأحكام في الشريعة الإسلامية رابعا: بيان كيفية إعمال النية بكفاءة وفاعلية وذلك بمراعاة سرعة الشغل مع سرعة التفريغ بحيث لا تشغل النية بما قد يعجز الإنسان عن تفريغه وبيان كيفية إعمال ذلك في القرار واتخاذه وهو جانب المصلحة فيه أما القسم الثالث وهو اتخاذ القرار فمن أهم ما جاء في البحث عنه الآتي أولا: تعريف اتخاذ القرار بالمصلحة أنه الخيار الأبرأ للذمة لالتزامه وتمييزه عن تعريف القرار بإظهار جانب الطلب من جهة وجانب الالتزام من الجهة الأخرى ثانيا: بيان العلاقة بين الضوابط والقرار وأن الضابط الأول- وهو عدم مخالفة شرع الله – يختبر وجود المصلحة من عدمها في القرار وأن الضابط الثاني وهو عدم المصلحة لمصلحة أعلى منها يختبر وجود أعلى نفع في الخيار الذي يتخذ وأن الضابط الثالث وهو ألا يؤدي جلب المصلحة إلى مفسدة مساوية لها أو أكبر منها يختبر إجراء قرار المصلحة بما يحفظ المقاصد الشرعية

стр. 34

ثالثا: بيان أن الحال يمثل مسألة القرار وأنه مركب من تصور عمل الضوابط والاعتبارات – وفق المقاصد – على الواقع حسب الموارد المعنوية والمادية رابعا: بيان أن الموقف يمثل محل القرار وأنه معبر عن الصورة النهائية التي انتهى إليها إعمال الاعتبارات بعد تحقيق المناط خامسا: بيان أن اللازم هو صورة العمل المطلوب شرعا والمبني على الموقف الذي انتهى الأمر إليه سادسا: بيان أن اللازم شرعا قد يختلف عن الحكم الأصلي حسب الموقف فقد يزيد في الطلب أو ينقص وقد يتغير اتجاه الطلب الشرعي حسب ما تغيره الاعتبارات والضوابط والمقاصد سابعا: بيان أن الاجتهاد في اتخاذ القرار بالمصلحة مركب من ثلاث عمليات إجرائية وهي تنقيح مناط القرار وتخريج مناطه وتحقيقه ثامنا: بيان عدم لزوم إجراء العمليات الثلاث في كل قرار سوى تحقيق المناط وأن ذلك يعتمد على نوع القرار فالقرارات الابتكارية تتطلب تفعيل العمليات الثلاث بينما القرارات الجديدة تتطلب تفعيل تنقيح المناط مع تحقيقه فقط والقرارات التأصيلية تتطلب تفعيل تخريج المناط مع تحقيقه فقط وأخيرا القرارات التنفيذية فتتطلب تفعيل تحقيق المناط فقط تاسعا: بيان أن الإدارة هي في الحقيقة عملية منظمة لاستنباط القرارات الصحيحة وأن أصول الفقه عملية منظمة لاستنباط الأحكام الصحيحة وأن كليهما إذا دمجا وجد لدينا منهجية لاستنباط القرارات الصحيحة

стр. 35

اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن معمر السنوسي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٤هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة في ختام هذه الدراسة؛ أتوجه إلى الله سبحانه بالضراعة والإلحاف؛ أن يتقبل مني هذا العمل المتواضع، وأن يسخرني في طاعته ويملأ قلبي من تعظيمه وحبه ويحفني بعنايته وكلاءته. وأسأله – – أن يغفر لي ولوالدي وإخواني ومشايخي، ويسدد خطانا على طريقه ويختم لي ولهم بالحسنى. وفي الأسطر التالية موجز لأهم النتائج التي توصل إليها البحث: ١ـ إن مبدأ اعتبار المآلات من أهم القواعد التي يتأسس عليها علم مقاصد الشريعة؛ وذلك لما يمتاز به من خصائص الغائية والواقعية واستهداف الموازنة بين المصالح والمفاسد ولا شك أن هذه العناصر هي المحاور الجوهرية التي ينطلق منها النظر في مقاصد التشريع. ٢ـ إن الثروة الأصولية التي بأيدينا غنية جدا بقواعد الاجتهاد التطبيقي في القضايا المستجدة كما أن فيها الكثير من الضوابط والمسالك والقواعد الإجرائية التي تتعلق بتنظيم الروابط العضوية بين مناشئ الأحكام الشرعية والمصالح المتجددة في واقع الحياة ومرد هذا الثراء والخلود إلى القيم العامة والمقاصد الجوهرية التي تتصف بالشمول والواقعية والمرونة. ٣ـ إن نظرية اعتبار المآلات تقوم أساسا على مراعاة نتائج التصرفات والأفعال بحيث تتغيى أن تكون آثارها محققة للمصالح العامة والخاصة مع الحرص على ضرورة التطابق بين قصد المكلف في الامتثال وقصد الشارع في وضع التكاليف. ٤ـ إن الاجتهاد الذي يهمل ملاحظة المقاصد ولا يعتبر مآلات التصرفات: هو في حقيقته جهد غير مكتمل وقد يقع صاحبه في مناقضة مقاصد الشرع ويتسبب في إحداث المفاسد التي تنزهت الشريعة المطهرة عنها. ٥ـ إن اعتبار مآلات التصرفات أصل لاحظه الشارع في نفسه في تصريف الأحكام والتزمه الصحابة ﵃ بعد النبي ﷺ ويظهر جليا في اجتهادات سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ على وجه الخصوص ففقهه يعتبر بحق " فقه المآلات " كما أن الأئمة المجتهدين قد لا حظوه في اجتهاداتهم أيضا ويظهر ذلك أكثر في كل من المذهب المالكي والحنبلي ثم الحنفي فالشافعي. فالمالكية والحنابلة هم أكثر أهل المذاهب اهتماما بالمقاصد ورعاية المآلات من غيرهم على خلاف ما شاع من أن مذهب الحنابلة مذهب نصوص فقط والسبب – في نظري – هو ذلك الخطأ الشائع الذي يتمثل في توهم علاقة جدلية بين النص والمقاصد لذا فإن هذا البحث حاول في أكثر من موضع إثبات أن المقصد يعتبر عنصرا تكوينيا في بنية النص وليس أمرا خارجا عنه كما هو شائع. ٦ـ إن "سد الذرائع" و" إبطال الحيل" و" الاستحسان" و" مراعاة الخلاف" هي قواعد إجرائية تنظم الاجتهاد وليست أدلة في مقابل الأدلة الشرعية كما جرى عليه كثير من الأعلام لأن عدها في جملة " الأدلة" هو واحد من أهم الأسباب التي استثارت حفيظة بعض الفضلاء لشن الغارات ضدها. ٧ـ إن نصوص الشريعة العامة وطرائقها في تصريف الأحكام: تعتبر كفيلة بتوفير كل القواعد والمسالك الإجرائية لإصلاح واقع الناس ولا حاجة إلى استيراد النظم والمناهج من المواضعات الأرضية التي لم تسعد أهلها الخبيرين بها فضلا عن غيرهم. ٨ـ إن الشريعة لا تقتصر في اعتبار المآلات على ما هو متحقق وواقع بالفعل فقط بل يمتد نظرها إلى ملاحظة ما يتوقع في ثاني الحال أيضا لذا يمثل الطريق الوقائي العلاجي جناحي الاجتهاد المآلي انطلاقا من ضوابط محددة تضمن سلامة ذلك الاجتهاد. ٩ـ إن استقراء تصرفات الشريعة في مصادرها ومواردها يهدي إلى منهج دقيق للغاية في الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد من شأنه أن يضمن استقرار شؤون الأمة وانتظام أمورها على أحسن الأحوال وأفضلها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 36

اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي المؤلف/ المشرف: وليد بن علي الحسين المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار التدمرية - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة خاتمة البحث: بعد رحلة ماتعة قضيتها بين رفوف المكتبات, وصفحات الكتب, ومفردات البحث, ومسودات الورق أصل, إلى نهاية المطاف, فأضع الترحال, في ختام البحث, موجزاً فيها أهم النقاط التي توصلت إليها بالآتي: أولاً: يقصد باعتبار مآلات الأفعال الاعتداد بما تفضي إليه الأحكام عند تطبيقها بما يوافق مقاصد التشريع، ويعتبر الإمام الشاطبي أول من ذكر هذا المصطلح، ولعل السبب في عدم ذكر المصطلح قبل الإمام الشاطبي هو كونها قاعدة مقاصدية، واكتفاءً بذكر القواعد الأصولية المبنية على اعتبار المآلات والتي تمثل الجانب التطبيقي للقاعدة، وللفظ المآلات صلة بلفظ المسببات فهو لفظ مرادف، ومما يتصل بها أيضاً لفظ الوسائل حيث ينظر فيها إلى المآلات التي تفضي إليها من حيث تحقيقها لمقاصد التشريع لكنها, أخص لشمولية مصطلح المآلات. ثانياً: كان ظهور قاعدة اعتبار المآلات ونشأتها من الجانب التطبيقي, فقد ورد اعتبار المآلات في الأحكام الواردة في القرآن الكريم, والسنة النبوية, وآثار الصحابة، واعتبرها الفقهاء في تطبيقاتهم، ويعتبر المذهب المالكي أسبق المذاهب الفقهية في تأصيل القاعدة, وأوسعهم عملاً بها, فقد توسعوا في الاستدلال بالقواعد المآلية، ويليه المذهب الحنبلي ثم المذهب الحنفي ثم المذهب الشافعي. ثالثاً: تنوعت الأدلة الدالة على اعتبار مآلات الأفعال من القرآن الكريم, والسنة النبوية, وآثار الصحابة، وقد تضافرت بمجموعها ومدلولاتها المتنوعة في الدلالة على قطعية اعتبار المآلات، وإذا ثبت اعتبار الشارع للمآلات فيجب على المجتهد اعتبارها؛ لأنه النائب عن الشرع في الحكم على أفعال المكلفين, وتنزيل الأحكام وتطبيقها، لاسيما في هذا الزمان الذي تتسارع فيه المتغيرات, وتتبدل الأحوال والأزمان وتتجدد الوقائع. رابعاً: تتفرع قاعدة مآلات الأفعال عن قاعدة اعتبار المصالح في الأحكام، وتعدُ قاعدةً مقاصدية فهي جزء من مقاصد التشريع ومتفرعة عنها ومبنية عليها فالقواعد المآلية هي قواعد مقاصدية ولهذا يقترن كثيراً ذكر مآلات الأفعال بمقاصد التشريع. خامساً: يهدف اعتبار المآلات إلى تحقيق مقاصد التشريع في الأفعال ووقوعها موافقة لمقصود الشارع بها في الظاهر والباطن, وعدم مناقضتها في القصد أو المآل، حتى يكون قصد المكلف من الفعل والأثر المترتب عليه موافقاً لقصد الشارع، فلا يقصد المكلف بالفعل غير ما قصده الشارع به، كأن يقصد به التحيل على الأحكام أو المضارة بالغير، أو يفضي الفعل إلى نقيض ما قصد به شرعاً، وبهذا تسد ذرائع الحيل، وتدفع المفاسد قبل وقوعها، ويتحقق العدل الذي جاءت الشريعة به، ومن حكم ذلك أيضاً المحافظة على الغايات والمصالح المقصودة من التشريع، ووقاية مصالح المجتمع، كما يتبين بذلك واقعية الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ومراعاتها للحالات الاستثنائية، فقد كثر في الشريعة اعتبار حاجات المكلفين, والأحوال الطارئة, والاستثنائية، وعدم اعتبار المآلات قد يفضي إلى مناقضة مقاصد الشرع، وفوات المصالح المقصودة شرعاً أو حدوث مفاسد.

стр. 37

سادساً: يتفق العلماء جميعاً على اعتبار مآلات الأفعال والأخذ بها حتى الظاهرية فإنهم يعتدون بالمآلات التي يقطع بتحقق وقوعها، لكنهم يختلفون في مدى العمل بها والتوسع في استعمالها، ويرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف في تحقيق المناط الذي يتوصل به إلى معرفة ما سيؤول إليه الفعل بكشف مقاصد المكلفين, ومآلاتها التي لم تتضمنها صيغة العقد، فالحنفية والشافعية يتمسكون بظواهر العقود عملاً بالأصل ولا يحكمون بالتهمة، وهم بذلك نظروا إلى المآل باعتبار ما يؤول إليه ذلك من مصلحة استقرار التعامل بين الناس، وأما المالكية والحنابلة فيعتدون بالقصود الخفية إذا دلت عليها قرائن الأحوال, ويحكمون بالتهمة، وهذا ما يبرر توسعهم في الأخذ بسد الذرائع وإبطال الحيل. سابعاً: يرجع إلى اعتبار المآلات: قواعد تشرعية أصولية وفقهية تعمل على مراعاة المآل، ولا يستلزم اتفاق الأصوليين على اعتبار المآلات أن يتفقوا على حكم الفعل المبني على النظر في المآل، فقد يختلف الفقهاء في حكم الفعل مع اعتدادهم بمآله، وذلك عائد لأسباب منها خفاء المآل فكثيراً ما يكون المآل خفياً وهذا يحتاج إلى التفطن والتنبه له، ومنها تعارض المآلات، والاختلاف في المآل المفضي إليه الفعل، وغيرها من الأسباب. ثامناً: تتنوع مآلات الأفعال إلى أنواع عدة باعتبارات مختلفة، ويشترط لاعتبار المآلات شروط عامة هي أن يكون المآل متحقق الوقوع، وأن يكون جارياً على مقتضى مقاصد الشريعة، وأن يكون منضبطاً، وألا يؤدي اعتبارها إلى تفويت مصلحة راجحة, أو الوقوع في ضرر أشد، ولا يعتبر المآل إن كان نادر الوقوع، أو كان مناقضاً لمقاصد الشرع، أو أفضى إلى تفويت مصلحة راجحة، أو إلى ضرر أشد. تاسعاً: لكشف مآلات الأفعال طرق ومسالك يتوصل بها إلى معرفة المآلات، وهي متفاوتة من حيث مدى ظهورها وخفائها هي: التصريح بالمآل، والقرينة المحتفة، والظن الغالب، والتجربة، وأوسعها دلالة على المآلات القرينة, فيستدل بطبيعة المحل، وبالأحوال الملابسة للمحل، وبدلالة العادة، وبكثرة وقوع الفعل في الخارج، وبحال الشخص، وحال الواقع، ولا تنحصر معرفة المآلات بهذه الطرق فكل ما أفاد ظنا غالباً على مآل الفعل استدل به. عاشراً: تعتبر مآلات الأفعال عند استنباط الأحكام: بالأخذ بالقواعد الأصولية المآلية بشروطها المعتبرة عند الأصوليين، وهي كما يأتي: قاعدة المصالح وتعتمد على اعتبار ما يؤول إليه الفعل من مصلحة ملائمة لتصرفات الشارع. وقاعدة سد الذرائع: وتعتمد على منع الفعل المباح أو المشروع إذا كان يفضي إلى مفسدة، وعلى منع الفعل الذي يكون وسيلة إلى قصد محظور. وقاعدة فتح الذرائع: وتعتمد على طلب الفعل الذي يكون وسيلة على مصلحة ويتفاوت حكمه بتفاوت مصلحته، وعلى إباحة الفعل الممنوع الذي يكون مفضياً إلى مصلحة راجحة على مفسدته. وقاعدة مراعاة الخلاف وتعتمد على الخروج من الخلاف قبل وقوع الفعل من أجل الاحتياط وبراءة الذمة، وعلى مراعاة الخلاف بعد وقوع الفعل بأن يترك المجتهد العمل باجتهاده لما يفضي إليه ذلك من التيسير على المكلف وعدم وقوعه فيما هو أشد عليه من مخالفته وفق شروطه المعتبرة عند الأصوليين. وقاعدة الضرورة وتعتمد على إباحة ارتكاب فعل المحظور, وترك الفعل الواجب, إذا كان ذلك يفضي إلى الحفاظ على مصلحة ضرورية. وقاعدة رفع الحرج: وتعتمد على الترخيص في الفعل الممنوع إذا كان فعله مفضياً إلى حرج ومشقة؛ لأجل التيسير على الملكفين ورفع المشقة عنهم. وقاعدة تعليل الحكم بما يؤول إليه: وتعتمد على النظر في العلة الغائية التي يفضي إليها الحكم واعتبارها عند الحكم عليه.

стр. 38

وقد اتفق الأصوليون على اعتبار هذه القواعد والعمل بها، وما نقل من خلاف فيها فيرجع إلى عدم تحرير المصطلح المختلف في حجيته، أو إلى اعتبارها أصلاً مستقلاً بذاته، ولم قع خلاف في العمل بها, وإنما تفاوتوا في مدى إعمالها. الحادي عشر: تعتبر مآلات الأفعال عند الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الواقع وتطبيقها على المكلفين، ففي الفتوى ينظر المجتهد إلى ما يترتب عليها من الوقوع في مفسدة، أو إفضائها إلى مشقة وحرج، أو كونها تفضي إلى تفويت مصلحة أعظم منها، ويراعي زمن الفتوى من حيث فساد الزمان ومدى تورعهم عن الوقوع في المحرمات, من أجل ردعهم والتشديد عليهم في الفتوى، ومعرفة حال الواقع وتغير الظروف والأحوال، وتطور الزمان، والأخذ بالأسهل عند تكافئ الأقوال. وفي حال المستفتي ينظر إلى مآل الحكم في حق المستفتي, ويفتي كل مكلف بما يناسب حاله, من الردع والزجر, أو التسهيل والترخيص, أو التشديد عليه؛ لكونه ممن يقتدى به، وينظر في قصد المكلف من الفعل، ويحذر من مكر الناس وخداعهم، ويراعي حالة المستفتي ومدى قدرته وطاقته وما يفضي إليه الفعل في حقه، وعليه أن يتدرج في تبليغ الأحكام بما يناسب حال المكلف. وفي حال المفتي ينظر المجتهد في مآل الفعل من حيث اقتداء الناس به، فيترك الفعل غير الواجب إذا كان فعله مفضياً إلى اعتقاد وجوبه، أو يفضي إلى وقوع الناس في الحرج والمشقة أو المفسدة، ويترك الأخذ بالرخصة إذا كان الأخذ بها يفضي إلى مفسدة. وفي الفعل المفتى فيه ينظر إلى ما يفضي إليه الحكم وما هو وسيلة إليه ومدى تحقيقة للمقصد التشريعي. الثاني عشر: يجب على المجتهد مراعاة الظروف التي تحيط بالواقعة ويعتبر الخصوصيات نظراً لتأثيرها على الحكم، ومن الخطأ أن يجاب السائل بمقتضى الأصل دون اعتبار التوابع الإضافية ومناطات الأحكام والنظر في حال الزمان والمكان، أو يجعل المجتهد حكماً واحداً لجميع المكلفين دون اعتبار حال في مكلف، لتغير الحكم بتغيرها، أو ينزل الأحكام الفقهية دون اعتبار للواقع، وقد كانت الفتاوى الاجتهادية الصادرة عن الفقهاء المجتهدين مراعية لحال عصرهم وزمانهم، فلا يمكن تطبيقها في هذا العصر دون اعتبار للأحوال المتغيرة والعادات المتحددة. الثالث عشر: قد تتعارض المآلات التي يفضي إليها الفعل فيحتاج إلى الموازنة بينها وتقديم أعظم المصلحتين ودرء أشد المفسدتين، وتقديم ما غلب من المصلحة أو المفسدة عند تعارضهما، ويتفاوت المجتهدون كثيراً في تقدير المصالح والمفاسد وتمييز أعلى المصلحتين وأشد المفسدتين. الرابع عشر: قد يكون مآل الفعل ثابتاً لا يتغير بتغير زمان أو مكان ومن ذلك ما ورد في الشريعة من تعليل بعض الأحكام بمآلاتها التي تفضي إليها، وقد يكون مآل الفعل مما يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وهذا هو الغالب في المآلات، مما يؤكد أهمية اعتبار أحوال الزمان والمكان والظروف التي تحيط بالواقعة. الخامس عشر: تؤثر مآلات الأفعال على الأحكام التكليفية فلا يحكم على فعل بحكم تكليفي إلا بعد النظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، كما أن الأحكام التكليفية تتغير وتتحول من حكما لآخر، ومن نوع إلى نوع آخر نظراً للمآل المفضي إليه الفعل. السادس عشر: تؤثر المآلات على الأحكام الوضعية فينظر إليها من حيث القصد من إيقاعها، فإن كان القصد من فعل السبب أو الشرط أو المانع عدم ترتب الحكم تحايلاً لإسقاط واجب أو فعل ممنوع فإنه يكون باطلاً، ويأخذ السبب حكم ما يتسبب به, ولذا كان إيقاع الأسباب بمنزلة إيقاع مسبباتها، ولا يبنى الحكم على سبب يغلب على الظن وقوعه لكنه لم يقع بعد. السابع عشر: تؤثر مآلات الأفعال على الترجيح فمن المرجحات ما يرجع إلى اعتبار المآل والنظر فيما يؤول إليه الفعل.

стр. 39

الآراء الشاذة في أصول الفقه – دراسة استقرائية نقدية المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن عبدالله النملة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار التدمرية – السعودية ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة: أولاً: نتائج البحث: يظهر لي أنه يمكن عرض أهم نتائج البحث من خلال ثلاثة جوانب هي: الجانب الأول: نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين. الجانب الثاني: نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة. الجانب الثالث: نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها. وتفصيل ذلك كما يأتي: الجانب الأول: نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين: من أهم نتائج البحث حول الدراسة النظرية للرأي الشاذ ما يأتي: أولاً: أن للشاذ اصطلاحاً عند القراء، حيث أطلقوه على اللفظ إذا فقد أحد شروط القراءة الصحيحة، وأما الشاذ عند المفسرين فيريدون به الرأي غير المعتبر، وعند المحدثين: أن يروي الثقات حديثاً فينفرد واحد ويخالفهم. ثانياً: أن علماء أصول الفقه استعملوا مصطلح الشاذ بمعناه اللغوي، كما استعملوه باصطلاح القراء، والمحدثين، بالإضافة إلى اصطلاحهم. ثالثاً: أنه يوجد عدد من الفرق والمذاهب اشتهر عنها القول بآراء شاذة، أهمها: الخوارج، والرافضة، والظاهرية، كما يوجد عدد من أهل العلم كثرت نسبة الآراء الشاذة لهم، كربيعة الرأي، وداود الظاهري، وإسماعيل بن علية، وابن حزم. رابعاً: أن الذي يترجح للباحث هو اعتبار قول الظاهرية لانعقاد الإجماع في مسائل أصول الفقه، ولا اعتبار بخلافهم في الفروع الفقهية، وخاصة ما يتعلق بالقياس. خامساً: توصل الباحث إلى أن تعريف الرأي الشاذ في أصول الفقه هو: قول انفرد به قلة من المجتهدين من غير دليل معتبر. سادساً: جمع الباحث الألفاظ التي يوصف بها الرأي الشاذ كالباطل، والمحال، والخطأ، والغلط، والشغب، كما بين الفروق بين مصطلح الشاذ وما يشابهه من مصطلحات، كالنادر، والضعيف. سابعاً: للشاذ أنواع باعتبارات مختلفة، أهمها: أنواعه باعتبار قربه وبعده، وباعتبار القائل به، وباعتبار التصريح به، وباعتبار كونه داخل المذهب، وقد جرى بسطها، وذكر الأمثلة عليها في موضعه. ثامناً: أن لمعرفة الشاذ من الآراء طرق صريحة، كمخالفة الدليل القطعي، ومخالفة الإجماع، ومخالفة الأصل من غير دليل، ومخالفة قواعد الشريعة. وكذلك لمعرفة الرأي الشاذ طرق غير صريحة، ككون الجماهير على خلافه، وعدم نقل الرأي وهجره، وعدم متابعة القائل به، والتشنيع على قائله، وقد جرى بيانها بالتفصيل. تاسعاً: أن لوجود الرأي الشاذ أسباب منها ما يتعلق بأصول الفقه، كإنكار أحد الأصول الشرعية، أو الإفراط في الأخذ ببعضها، ومخالفة الدليل القطعي، وعدم بلوغ النص لصاحب الرأي، وتقديم العقل على النص، ومعارضة النصوص الصريحة بأصول اجتهادية، ومن تلك الأسباب ما هو متعلق بالعلوم الأخرى، كالخطأ في تفسير القرآن، والتعصب للمذهب العقدي، والاعتماد على نص غير معتبر، والنزوع إلى الهوى. عاشراً: ظهر للباحث أن شروط الرأي الشاذ يمكن حصرها بما يأتي: الشرط الأول: أن يكون الرأي مخالفاً للدليل القطعي إن وجد. الشرط الثاني: أن يكون الرأي مخالفاً لقول جماهير أهل العلم. الشرط الثالث: أن لا يمكن الجمع بين الرأي الشاذ، والآراء المعتبرة. حادي عشر: أن العلماء صرحوا بأن الرأي الشاذ قول باطل، لا يجوز القول به، ولا الاعتماد عليه في الفتوى، وأن ما حصل من تساهل في إيراد الرأي الشاذ أو الإفتاء به كان لأسباب من أهمها: عدم الواقعية في الفتوى، والتسرع فيها، وكثرة الفروض والتقديرات، والتعصب لإمام، أو رأي معين.

стр. 40

ثاني عشر: لا يجوز القياس، ولا التخريج على الرأي الشاذ، بل يترك على شذوذه؛ لأنه رأي باطل لا يصح البناء عليه. ثالث عشر: إذا حكم حاكم برأي شاذ فيجوز نقض حكمه؛ لأنه مخالف للدليل القطعي، وذلك له حالات تم بيانها في موضعه. رابع عشر: درس الباحث القواعد الأصولية، والفقهية المتعلقة بالشاذ دراسة موسعة، مبيناً أهم موضوعاتها، وتطبيقاتها. خامس عشر: للآراء الشاذة أثر على علم أصول الفقه، ومن ذلك الأثر ما هو إيجابي، كالتوسع في دراسة كثير من المسائل، والرد على الشبهات فيها، والعمل على تنقية هذا العلم من هذه الآراء، ببيانها، والتحذير منها، وكذلك من الفروع المبنية عليها. كما أن لهذه الآراء أثراً سلبياً على هذا العلم، كوجود اللوازم الباطلة لهذه الآراء، وزعزعة بعض الأصول الراسخة عند عامة المسلمين، وانتشار التقليد، ووضع الحديث، والتعصب، وتضخيم مصنفات أصول الفقه بهذه الآراء مع عدم فائدتها، وظهور بعض الفتن التي اعتمدت على بعضها. سادس عشر: لدفع الرأي الشاذ وإبطاله طرق هي: إثبات عدم صحة المخالفة، وإثبات أن الإجماع انعقد قبل خلاف من شذ، وإثبات أن المخالف رجع عن قوله الذي شذ به، وكذلك إثبات أن اتفاق المجتهدين ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين. الجانب الثاني: نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة: من خلال التأمل في الآراء التي تمت دراستها يظهر لي بعض النتائج العامة حولها، وهي كما يأتي: أولاً: أن الله جعل الأدلة الشرعية التفصيلية للاستدلال على الحكم الشرعي من خلال قواعد أصول الفقه، وليس للنص عليه، وبذلك يكون المجتهد المستنبط من النصوص الشرعية دائر بين الأجر، والأجرين. ثانياً: أن عدداً من مسائل أصول الفقه التي نقل فيها آراء شاذة يرجع الخلاف فيها إلى اللفظ، ولا ينبني عليها ثمرة. ثالثاً: أن بعض علماء أصول الفقه تميزوا بنقد الآراء الشاذة عند ذكرها، والتحذير منها، ومن أولئك الآمدي، المرداوي. رابعاً: أن مناهج علماء أصول الفقه تفاوتت في وصف الآراء بأنها شاذة؛ ذلك أن منهم من تساهل فأطلق على الرأي الضعيف، أو المرجوح بأنه رأي شاذ، ومنهم من لم يطلق هذا الوصف إلا على آراء معدودة. خامساً: تميز علماء أصول الفقه بالإنصاف عند مناقشة المخالفين، وخاصة أصحاب الآراء الشاذة، ويدل محاولة بعضهم الجمع بين الرأي الشاذ والآراء المعتبرة، أو بيان سبب وجوده، أو الاعتذار لمن نسب إليه. سادساً: أن التوسع في إدخال المباحث المنطقية في العلوم الشرعية، وخاصة أصول الفقه، وحرص بعض الأصوليين على ذلك أدى إلى وجود الآراء الشاذة، ذلك أن النظر في المشروع يباين النظر في المعقول. سابعاً: أن عقيدة بعض علماء أصول الفقه كان لها أثر على ما يختارونه من آراء، حيث ظهر أن عدداً من الآراء الشاذة عندهم كان سبب الخلاف فيها رجوعها إلى أصل عقدي انفردت به أحد الفرق. ثامناً: دقة علماء أصول الفقه في الاستنباط والاستدلال حيث نبهوا على آراء شاذة بسيطة، لم يعلم قائلها. الجانب الثالث: نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها: الآراء الشاذة في أصول الفقه لا يجوز الاعتماد عليها، ولا الاهتمام بها، كما لا يجوز ذكرها إلا لردها، وبيان بطلانها، وقد قمت بدراسة ذلك بتوسع فكان من أهم نتائجه ما يأتي: ١ - أن القول بمنع نسخ التكليف إلى الأثقل رأي شاذ؛ لمعارضته أصل التكليف، والنص القرآني الصريح. ٢ - أن الخلاف في حكم التكليف بالفعل قبل حدوثه خلاف لفظي، والجمهور على أن المنع رأي شاذ. ٣ - أن الخلاف في كون المباح مأمور به مع الكعبي خلاف لفظي، ومع ذلك فله جانب معنوي من خلال ما يلزم عليه من لوازم باطلة.
следующие страницы →