← Джавами‘

Джавами‘ · id 95557

نتائج البحوث وخواتيم الكتب

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (2 012 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي المؤلف/ المشرف: وليد بن علي الحسين المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار التدمرية - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة خاتمة البحث: بعد رحلة ماتعة قضيتها بين رفوف المكتبات, وصفحات الكتب, ومفردات البحث, ومسودات الورق أصل, إلى نهاية المطاف, فأضع الترحال, في ختام البحث, موجزاً فيها أهم النقاط التي توصلت إليها بالآتي: أولاً: يقصد باعتبار مآلات الأفعال الاعتداد بما تفضي إليه الأحكام عند تطبيقها بما يوافق مقاصد التشريع، ويعتبر الإمام الشاطبي أول من ذكر هذا المصطلح، ولعل السبب في عدم ذكر المصطلح قبل الإمام الشاطبي هو كونها قاعدة مقاصدية، واكتفاءً بذكر القواعد الأصولية المبنية على اعتبار المآلات والتي تمثل الجانب التطبيقي للقاعدة، وللفظ المآلات صلة بلفظ المسببات فهو لفظ مرادف، ومما يتصل بها أيضاً لفظ الوسائل حيث ينظر فيها إلى المآلات التي تفضي إليها من حيث تحقيقها لمقاصد التشريع لكنها, أخص لشمولية مصطلح المآلات. ثانياً: كان ظهور قاعدة اعتبار المآلات ونشأتها من الجانب التطبيقي, فقد ورد اعتبار المآلات في الأحكام الواردة في القرآن الكريم, والسنة النبوية, وآثار الصحابة، واعتبرها الفقهاء في تطبيقاتهم، ويعتبر المذهب المالكي أسبق المذاهب الفقهية في تأصيل القاعدة, وأوسعهم عملاً بها, فقد توسعوا في الاستدلال بالقواعد المآلية، ويليه المذهب الحنبلي ثم المذهب الحنفي ثم المذهب الشافعي. ثالثاً: تنوعت الأدلة الدالة على اعتبار مآلات الأفعال من القرآن الكريم, والسنة النبوية, وآثار الصحابة، وقد تضافرت بمجموعها ومدلولاتها المتنوعة في الدلالة على قطعية اعتبار المآلات، وإذا ثبت اعتبار الشارع للمآلات فيجب على المجتهد اعتبارها؛ لأنه النائب عن الشرع في الحكم على أفعال المكلفين, وتنزيل الأحكام وتطبيقها، لاسيما في هذا الزمان الذي تتسارع فيه المتغيرات, وتتبدل الأحوال والأزمان وتتجدد الوقائع. رابعاً: تتفرع قاعدة مآلات الأفعال عن قاعدة اعتبار المصالح في الأحكام، وتعدُ قاعدةً مقاصدية فهي جزء من مقاصد التشريع ومتفرعة عنها ومبنية عليها فالقواعد المآلية هي قواعد مقاصدية ولهذا يقترن كثيراً ذكر مآلات الأفعال بمقاصد التشريع. خامساً: يهدف اعتبار المآلات إلى تحقيق مقاصد التشريع في الأفعال ووقوعها موافقة لمقصود الشارع بها في الظاهر والباطن, وعدم مناقضتها في القصد أو المآل، حتى يكون قصد المكلف من الفعل والأثر المترتب عليه موافقاً لقصد الشارع، فلا يقصد المكلف بالفعل غير ما قصده الشارع به، كأن يقصد به التحيل على الأحكام أو المضارة بالغير، أو يفضي الفعل إلى نقيض ما قصد به شرعاً، وبهذا تسد ذرائع الحيل، وتدفع المفاسد قبل وقوعها، ويتحقق العدل الذي جاءت الشريعة به، ومن حكم ذلك أيضاً المحافظة على الغايات والمصالح المقصودة من التشريع، ووقاية مصالح المجتمع، كما يتبين بذلك واقعية الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، ومراعاتها للحالات الاستثنائية، فقد كثر في الشريعة اعتبار حاجات المكلفين, والأحوال الطارئة, والاستثنائية، وعدم اعتبار المآلات قد يفضي إلى مناقضة مقاصد الشرع، وفوات المصالح المقصودة شرعاً أو حدوث مفاسد.

стр. 37

سادساً: يتفق العلماء جميعاً على اعتبار مآلات الأفعال والأخذ بها حتى الظاهرية فإنهم يعتدون بالمآلات التي يقطع بتحقق وقوعها، لكنهم يختلفون في مدى العمل بها والتوسع في استعمالها، ويرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف في تحقيق المناط الذي يتوصل به إلى معرفة ما سيؤول إليه الفعل بكشف مقاصد المكلفين, ومآلاتها التي لم تتضمنها صيغة العقد، فالحنفية والشافعية يتمسكون بظواهر العقود عملاً بالأصل ولا يحكمون بالتهمة، وهم بذلك نظروا إلى المآل باعتبار ما يؤول إليه ذلك من مصلحة استقرار التعامل بين الناس، وأما المالكية والحنابلة فيعتدون بالقصود الخفية إذا دلت عليها قرائن الأحوال, ويحكمون بالتهمة، وهذا ما يبرر توسعهم في الأخذ بسد الذرائع وإبطال الحيل. سابعاً: يرجع إلى اعتبار المآلات: قواعد تشرعية أصولية وفقهية تعمل على مراعاة المآل، ولا يستلزم اتفاق الأصوليين على اعتبار المآلات أن يتفقوا على حكم الفعل المبني على النظر في المآل، فقد يختلف الفقهاء في حكم الفعل مع اعتدادهم بمآله، وذلك عائد لأسباب منها خفاء المآل فكثيراً ما يكون المآل خفياً وهذا يحتاج إلى التفطن والتنبه له، ومنها تعارض المآلات، والاختلاف في المآل المفضي إليه الفعل، وغيرها من الأسباب. ثامناً: تتنوع مآلات الأفعال إلى أنواع عدة باعتبارات مختلفة، ويشترط لاعتبار المآلات شروط عامة هي أن يكون المآل متحقق الوقوع، وأن يكون جارياً على مقتضى مقاصد الشريعة، وأن يكون منضبطاً، وألا يؤدي اعتبارها إلى تفويت مصلحة راجحة, أو الوقوع في ضرر أشد، ولا يعتبر المآل إن كان نادر الوقوع، أو كان مناقضاً لمقاصد الشرع، أو أفضى إلى تفويت مصلحة راجحة، أو إلى ضرر أشد. تاسعاً: لكشف مآلات الأفعال طرق ومسالك يتوصل بها إلى معرفة المآلات، وهي متفاوتة من حيث مدى ظهورها وخفائها هي: التصريح بالمآل، والقرينة المحتفة، والظن الغالب، والتجربة، وأوسعها دلالة على المآلات القرينة, فيستدل بطبيعة المحل، وبالأحوال الملابسة للمحل، وبدلالة العادة، وبكثرة وقوع الفعل في الخارج، وبحال الشخص، وحال الواقع، ولا تنحصر معرفة المآلات بهذه الطرق فكل ما أفاد ظنا غالباً على مآل الفعل استدل به. عاشراً: تعتبر مآلات الأفعال عند استنباط الأحكام: بالأخذ بالقواعد الأصولية المآلية بشروطها المعتبرة عند الأصوليين، وهي كما يأتي: قاعدة المصالح وتعتمد على اعتبار ما يؤول إليه الفعل من مصلحة ملائمة لتصرفات الشارع. وقاعدة سد الذرائع: وتعتمد على منع الفعل المباح أو المشروع إذا كان يفضي إلى مفسدة، وعلى منع الفعل الذي يكون وسيلة إلى قصد محظور. وقاعدة فتح الذرائع: وتعتمد على طلب الفعل الذي يكون وسيلة على مصلحة ويتفاوت حكمه بتفاوت مصلحته، وعلى إباحة الفعل الممنوع الذي يكون مفضياً إلى مصلحة راجحة على مفسدته. وقاعدة مراعاة الخلاف وتعتمد على الخروج من الخلاف قبل وقوع الفعل من أجل الاحتياط وبراءة الذمة، وعلى مراعاة الخلاف بعد وقوع الفعل بأن يترك المجتهد العمل باجتهاده لما يفضي إليه ذلك من التيسير على المكلف وعدم وقوعه فيما هو أشد عليه من مخالفته وفق شروطه المعتبرة عند الأصوليين. وقاعدة الضرورة وتعتمد على إباحة ارتكاب فعل المحظور, وترك الفعل الواجب, إذا كان ذلك يفضي إلى الحفاظ على مصلحة ضرورية. وقاعدة رفع الحرج: وتعتمد على الترخيص في الفعل الممنوع إذا كان فعله مفضياً إلى حرج ومشقة؛ لأجل التيسير على الملكفين ورفع المشقة عنهم. وقاعدة تعليل الحكم بما يؤول إليه: وتعتمد على النظر في العلة الغائية التي يفضي إليها الحكم واعتبارها عند الحكم عليه.

стр. 38

وقد اتفق الأصوليون على اعتبار هذه القواعد والعمل بها، وما نقل من خلاف فيها فيرجع إلى عدم تحرير المصطلح المختلف في حجيته، أو إلى اعتبارها أصلاً مستقلاً بذاته، ولم قع خلاف في العمل بها, وإنما تفاوتوا في مدى إعمالها. الحادي عشر: تعتبر مآلات الأفعال عند الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الواقع وتطبيقها على المكلفين، ففي الفتوى ينظر المجتهد إلى ما يترتب عليها من الوقوع في مفسدة، أو إفضائها إلى مشقة وحرج، أو كونها تفضي إلى تفويت مصلحة أعظم منها، ويراعي زمن الفتوى من حيث فساد الزمان ومدى تورعهم عن الوقوع في المحرمات, من أجل ردعهم والتشديد عليهم في الفتوى، ومعرفة حال الواقع وتغير الظروف والأحوال، وتطور الزمان، والأخذ بالأسهل عند تكافئ الأقوال. وفي حال المستفتي ينظر إلى مآل الحكم في حق المستفتي, ويفتي كل مكلف بما يناسب حاله, من الردع والزجر, أو التسهيل والترخيص, أو التشديد عليه؛ لكونه ممن يقتدى به، وينظر في قصد المكلف من الفعل، ويحذر من مكر الناس وخداعهم، ويراعي حالة المستفتي ومدى قدرته وطاقته وما يفضي إليه الفعل في حقه، وعليه أن يتدرج في تبليغ الأحكام بما يناسب حال المكلف. وفي حال المفتي ينظر المجتهد في مآل الفعل من حيث اقتداء الناس به، فيترك الفعل غير الواجب إذا كان فعله مفضياً إلى اعتقاد وجوبه، أو يفضي إلى وقوع الناس في الحرج والمشقة أو المفسدة، ويترك الأخذ بالرخصة إذا كان الأخذ بها يفضي إلى مفسدة. وفي الفعل المفتى فيه ينظر إلى ما يفضي إليه الحكم وما هو وسيلة إليه ومدى تحقيقة للمقصد التشريعي. الثاني عشر: يجب على المجتهد مراعاة الظروف التي تحيط بالواقعة ويعتبر الخصوصيات نظراً لتأثيرها على الحكم، ومن الخطأ أن يجاب السائل بمقتضى الأصل دون اعتبار التوابع الإضافية ومناطات الأحكام والنظر في حال الزمان والمكان، أو يجعل المجتهد حكماً واحداً لجميع المكلفين دون اعتبار حال في مكلف، لتغير الحكم بتغيرها، أو ينزل الأحكام الفقهية دون اعتبار للواقع، وقد كانت الفتاوى الاجتهادية الصادرة عن الفقهاء المجتهدين مراعية لحال عصرهم وزمانهم، فلا يمكن تطبيقها في هذا العصر دون اعتبار للأحوال المتغيرة والعادات المتحددة. الثالث عشر: قد تتعارض المآلات التي يفضي إليها الفعل فيحتاج إلى الموازنة بينها وتقديم أعظم المصلحتين ودرء أشد المفسدتين، وتقديم ما غلب من المصلحة أو المفسدة عند تعارضهما، ويتفاوت المجتهدون كثيراً في تقدير المصالح والمفاسد وتمييز أعلى المصلحتين وأشد المفسدتين. الرابع عشر: قد يكون مآل الفعل ثابتاً لا يتغير بتغير زمان أو مكان ومن ذلك ما ورد في الشريعة من تعليل بعض الأحكام بمآلاتها التي تفضي إليها، وقد يكون مآل الفعل مما يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، وهذا هو الغالب في المآلات، مما يؤكد أهمية اعتبار أحوال الزمان والمكان والظروف التي تحيط بالواقعة. الخامس عشر: تؤثر مآلات الأفعال على الأحكام التكليفية فلا يحكم على فعل بحكم تكليفي إلا بعد النظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، كما أن الأحكام التكليفية تتغير وتتحول من حكما لآخر، ومن نوع إلى نوع آخر نظراً للمآل المفضي إليه الفعل. السادس عشر: تؤثر المآلات على الأحكام الوضعية فينظر إليها من حيث القصد من إيقاعها، فإن كان القصد من فعل السبب أو الشرط أو المانع عدم ترتب الحكم تحايلاً لإسقاط واجب أو فعل ممنوع فإنه يكون باطلاً، ويأخذ السبب حكم ما يتسبب به, ولذا كان إيقاع الأسباب بمنزلة إيقاع مسبباتها، ولا يبنى الحكم على سبب يغلب على الظن وقوعه لكنه لم يقع بعد. السابع عشر: تؤثر مآلات الأفعال على الترجيح فمن المرجحات ما يرجع إلى اعتبار المآل والنظر فيما يؤول إليه الفعل.

стр. 39

الآراء الشاذة في أصول الفقه – دراسة استقرائية نقدية المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن عبدالله النملة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار التدمرية – السعودية ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٣٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة: أولاً: نتائج البحث: يظهر لي أنه يمكن عرض أهم نتائج البحث من خلال ثلاثة جوانب هي: الجانب الأول: نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين. الجانب الثاني: نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة. الجانب الثالث: نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها. وتفصيل ذلك كما يأتي: الجانب الأول: نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين: من أهم نتائج البحث حول الدراسة النظرية للرأي الشاذ ما يأتي: أولاً: أن للشاذ اصطلاحاً عند القراء، حيث أطلقوه على اللفظ إذا فقد أحد شروط القراءة الصحيحة، وأما الشاذ عند المفسرين فيريدون به الرأي غير المعتبر، وعند المحدثين: أن يروي الثقات حديثاً فينفرد واحد ويخالفهم. ثانياً: أن علماء أصول الفقه استعملوا مصطلح الشاذ بمعناه اللغوي، كما استعملوه باصطلاح القراء، والمحدثين، بالإضافة إلى اصطلاحهم. ثالثاً: أنه يوجد عدد من الفرق والمذاهب اشتهر عنها القول بآراء شاذة، أهمها: الخوارج، والرافضة، والظاهرية، كما يوجد عدد من أهل العلم كثرت نسبة الآراء الشاذة لهم، كربيعة الرأي، وداود الظاهري، وإسماعيل بن علية، وابن حزم. رابعاً: أن الذي يترجح للباحث هو اعتبار قول الظاهرية لانعقاد الإجماع في مسائل أصول الفقه، ولا اعتبار بخلافهم في الفروع الفقهية، وخاصة ما يتعلق بالقياس. خامساً: توصل الباحث إلى أن تعريف الرأي الشاذ في أصول الفقه هو: قول انفرد به قلة من المجتهدين من غير دليل معتبر. سادساً: جمع الباحث الألفاظ التي يوصف بها الرأي الشاذ كالباطل، والمحال، والخطأ، والغلط، والشغب، كما بين الفروق بين مصطلح الشاذ وما يشابهه من مصطلحات، كالنادر، والضعيف. سابعاً: للشاذ أنواع باعتبارات مختلفة، أهمها: أنواعه باعتبار قربه وبعده، وباعتبار القائل به، وباعتبار التصريح به، وباعتبار كونه داخل المذهب، وقد جرى بسطها، وذكر الأمثلة عليها في موضعه. ثامناً: أن لمعرفة الشاذ من الآراء طرق صريحة، كمخالفة الدليل القطعي، ومخالفة الإجماع، ومخالفة الأصل من غير دليل، ومخالفة قواعد الشريعة. وكذلك لمعرفة الرأي الشاذ طرق غير صريحة، ككون الجماهير على خلافه، وعدم نقل الرأي وهجره، وعدم متابعة القائل به، والتشنيع على قائله، وقد جرى بيانها بالتفصيل. تاسعاً: أن لوجود الرأي الشاذ أسباب منها ما يتعلق بأصول الفقه، كإنكار أحد الأصول الشرعية، أو الإفراط في الأخذ ببعضها، ومخالفة الدليل القطعي، وعدم بلوغ النص لصاحب الرأي، وتقديم العقل على النص، ومعارضة النصوص الصريحة بأصول اجتهادية، ومن تلك الأسباب ما هو متعلق بالعلوم الأخرى، كالخطأ في تفسير القرآن، والتعصب للمذهب العقدي، والاعتماد على نص غير معتبر، والنزوع إلى الهوى. عاشراً: ظهر للباحث أن شروط الرأي الشاذ يمكن حصرها بما يأتي: الشرط الأول: أن يكون الرأي مخالفاً للدليل القطعي إن وجد. الشرط الثاني: أن يكون الرأي مخالفاً لقول جماهير أهل العلم. الشرط الثالث: أن لا يمكن الجمع بين الرأي الشاذ، والآراء المعتبرة. حادي عشر: أن العلماء صرحوا بأن الرأي الشاذ قول باطل، لا يجوز القول به، ولا الاعتماد عليه في الفتوى، وأن ما حصل من تساهل في إيراد الرأي الشاذ أو الإفتاء به كان لأسباب من أهمها: عدم الواقعية في الفتوى، والتسرع فيها، وكثرة الفروض والتقديرات، والتعصب لإمام، أو رأي معين.

стр. 40

ثاني عشر: لا يجوز القياس، ولا التخريج على الرأي الشاذ، بل يترك على شذوذه؛ لأنه رأي باطل لا يصح البناء عليه. ثالث عشر: إذا حكم حاكم برأي شاذ فيجوز نقض حكمه؛ لأنه مخالف للدليل القطعي، وذلك له حالات تم بيانها في موضعه. رابع عشر: درس الباحث القواعد الأصولية، والفقهية المتعلقة بالشاذ دراسة موسعة، مبيناً أهم موضوعاتها، وتطبيقاتها. خامس عشر: للآراء الشاذة أثر على علم أصول الفقه، ومن ذلك الأثر ما هو إيجابي، كالتوسع في دراسة كثير من المسائل، والرد على الشبهات فيها، والعمل على تنقية هذا العلم من هذه الآراء، ببيانها، والتحذير منها، وكذلك من الفروع المبنية عليها. كما أن لهذه الآراء أثراً سلبياً على هذا العلم، كوجود اللوازم الباطلة لهذه الآراء، وزعزعة بعض الأصول الراسخة عند عامة المسلمين، وانتشار التقليد، ووضع الحديث، والتعصب، وتضخيم مصنفات أصول الفقه بهذه الآراء مع عدم فائدتها، وظهور بعض الفتن التي اعتمدت على بعضها. سادس عشر: لدفع الرأي الشاذ وإبطاله طرق هي: إثبات عدم صحة المخالفة، وإثبات أن الإجماع انعقد قبل خلاف من شذ، وإثبات أن المخالف رجع عن قوله الذي شذ به، وكذلك إثبات أن اتفاق المجتهدين ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين. الجانب الثاني: نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة: من خلال التأمل في الآراء التي تمت دراستها يظهر لي بعض النتائج العامة حولها، وهي كما يأتي: أولاً: أن الله جعل الأدلة الشرعية التفصيلية للاستدلال على الحكم الشرعي من خلال قواعد أصول الفقه، وليس للنص عليه، وبذلك يكون المجتهد المستنبط من النصوص الشرعية دائر بين الأجر، والأجرين. ثانياً: أن عدداً من مسائل أصول الفقه التي نقل فيها آراء شاذة يرجع الخلاف فيها إلى اللفظ، ولا ينبني عليها ثمرة. ثالثاً: أن بعض علماء أصول الفقه تميزوا بنقد الآراء الشاذة عند ذكرها، والتحذير منها، ومن أولئك الآمدي، المرداوي. رابعاً: أن مناهج علماء أصول الفقه تفاوتت في وصف الآراء بأنها شاذة؛ ذلك أن منهم من تساهل فأطلق على الرأي الضعيف، أو المرجوح بأنه رأي شاذ، ومنهم من لم يطلق هذا الوصف إلا على آراء معدودة. خامساً: تميز علماء أصول الفقه بالإنصاف عند مناقشة المخالفين، وخاصة أصحاب الآراء الشاذة، ويدل محاولة بعضهم الجمع بين الرأي الشاذ والآراء المعتبرة، أو بيان سبب وجوده، أو الاعتذار لمن نسب إليه. سادساً: أن التوسع في إدخال المباحث المنطقية في العلوم الشرعية، وخاصة أصول الفقه، وحرص بعض الأصوليين على ذلك أدى إلى وجود الآراء الشاذة، ذلك أن النظر في المشروع يباين النظر في المعقول. سابعاً: أن عقيدة بعض علماء أصول الفقه كان لها أثر على ما يختارونه من آراء، حيث ظهر أن عدداً من الآراء الشاذة عندهم كان سبب الخلاف فيها رجوعها إلى أصل عقدي انفردت به أحد الفرق. ثامناً: دقة علماء أصول الفقه في الاستنباط والاستدلال حيث نبهوا على آراء شاذة بسيطة، لم يعلم قائلها. الجانب الثالث: نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها: الآراء الشاذة في أصول الفقه لا يجوز الاعتماد عليها، ولا الاهتمام بها، كما لا يجوز ذكرها إلا لردها، وبيان بطلانها، وقد قمت بدراسة ذلك بتوسع فكان من أهم نتائجه ما يأتي: ١ - أن القول بمنع نسخ التكليف إلى الأثقل رأي شاذ؛ لمعارضته أصل التكليف، والنص القرآني الصريح. ٢ - أن الخلاف في حكم التكليف بالفعل قبل حدوثه خلاف لفظي، والجمهور على أن المنع رأي شاذ. ٣ - أن الخلاف في كون المباح مأمور به مع الكعبي خلاف لفظي، ومع ذلك فله جانب معنوي من خلال ما يلزم عليه من لوازم باطلة.

стр. 41

٤ - أن القول بمنع وقوع النسخ في القرآن رأي شاذ؛ لمخالفة الإجماع في ذلك. ٥ - أو وصف القول بمنع نسخ حكم الخطاب إلى غير بدل بأنه رأي شاذ غير صحيح، بل هو رأي معتبر استدل القائلون به بصريح منطوق القرآن. ٦ - أن القول بجواز كتمان أهل التواتر ما يحتاج إلى نقله ومعرفته رأي شاذ، ومن قال به فبناء على أصل عقدي لديه. ٧ - أن القول بمنع التعبد بخبر الواحد رأي شاذ لقيام الدليل القطعي على ذلك، وأن لهذا الرأي أثر كبير في التشكيك بأحكام شرعية كثيرة. ٨ - أن القول بإنكار الإجماع رأي شاذ، وغاية من قال به المطالبة بالدليل، وقد أثبت علماء أصول الفقه ذلك بأدلة كثيرة. ٩ - أن القول بجواز إثبات كل الأحكام الشرعية بالقياس رأي شاذ، وأن الخلاف في ذلك معنوي، حيث بني عليه مسائل في أصول الفقه. ١٠ - أن القول باشتراط الاتفاق على كون الأصل معللاً رأي شاذ، والخلاف في ذلك معنوي، حيث تخرج عليه عدد من الفروع الفقهية. ١١ - أن القول بإنكار الاعتراض على القياس بالمنع رأي شاذ، وقد انفرد به العنبري من غير دليل معتبر. ١٢ - أن وصف القول بتعبد النبي ﷺ قبل البعثة بشريعة إبراهيم ﵇ بأنه رأي شاذ غير صحيح؛ بل هو قول معتبر، وأقرب الأقوال في المسألة إلى الصواب. ١٣ - أن القول بحجية رؤيا النبي ﷺ بعد وفاته، وأنها مصدر للأحكام الشرعية رأي شاذ؛ لمخالفة الإجماع في إحداث طريق جديد للأحكام الشرعية، ولهذا الرأي أثر في الترويج لبعض العقائد والفتن على مر التاريخ الإسلامي. ١٤ - أن وصف القول بإفادة الجمع المنكر للعموم بأنه شاذ غير صحيح، وإن كان المترجح في ذلك عدم إفادته للعموم. ١٥ - أن ما نقل عن الإمام مالك من القول بقصر العام على سببه، ووصف بأنه رأي شاذ غير صحيح على إطلاقه، والراجح التفصيل، فالعام ذو السبب الخاص يحمل على عمومه في كلام الشارع؛ لأن المقام مقام تشريع، وأما في كلام الناس، وعقودهم فلا يحمل على العموم إن ورد على سبب خاص، وعليه فلا يكون رأياً شاذاً. ١٦ - أن القول بمنع تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد مطلقاً رأي شاذ لا اعتبار به؛ لمخالفته إجماع الصحابة، وجريان العمل على ذلك. ١٧ - أن القول بجواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه رأي شاذ، وكذلك لم تثبت نسبته لابن عباس، وما نسب للمالكية فهو مقيد بأن يكون الاستثناء منوياً حال التكلم. ١٨ - أن القول بمنع دلالة صيغة النهي على الفور رأي شاذ؛ لمخالفة الإجماع في ذلك، واختلف الأصوليون في نوع الخلاف في ذلك، والذي يترجح كونه معنوياً. ١٩ - أن القول بمنع الترادف في اللغة رأي شاذ، وأن المانعين تكلفوا أدلة لذلك لا اعتبار لها، كما تكلفوا ذكر فروق بين الألفاظ المترادفة. ٢٠ - أن القول بمنع البيان بالفعل رأي شاذ؛ لمخالفته الأدلة الصريحة في جواز ذلك، وأقواها الوقوع. ٢١ - أن القول بحجية مفهوم اللقب بإطلاق رأي شاذ؛ لمخالفة الأدلة القطعية في ذلك، ومع ذلك فإن تخصيص اللقب بالذكر قد تكون له فائدة، ولا يلزم أن تكون الفائدة الانفراد بالحكم، ومن نقل عن الإمام مالك، والإمام أحمد شيئاً من ذلك فقد قالا به لوجود قرينة تدل على التعليل، وهذا خارج محل النزاع. ٢٢ - أن القول باشتراط الإحاطة بالأحاديث للمجتهد رأي شاذ لمخالفة الدليل القطعي. ٢٣ - أن القول بمنع تقليد الميت مطلقاً رأي شاذ، ومع ذلك ينبغي الرجوع إلى الأحياء، وخاصة عند اختلاف الأزمان والأعراف، ويتأكد ذلك عند غلبة ظن المقلد به. ٢٤ - أن القول برد خبر الواحد لتعارضه مع القواعد العامة لا يخلو إما أن تكون القواعد تفيد القطع، وفي هذه الحالة تقدم القواعد، أو تكون القواعد ظنية فلا تقدم على خبر الواحد. ٢٥ - أن القول بأتباع المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين من غير ترجيح مطلقاً رأي شاذ؛ لأنه عمل بلا دليل، وأتباع للهوى فهو مخالف للإجماع بوجوب عمل المجتهد بالدليل الشرعي. ثانياً: توصيات البحث: من خلال إعداد هذه الرسالة في موضوع الآراء الشاذة يرى الباحث أن من أهم التوصيات في ذلك ما يأتي: أولاً: الدعوة إلى الاهتمام بدراسة موقف علماء أصول الفقه من المخالف من خلال استقراء مصنافتهم. ثانياً: التأكيد على أهمية جمع الآراء الشاذة في الفقه، ودراستها، وخاصة في كتب الخلاف العالي. ثالثاً: دعوة الباحثين إلى التوسع في دراسة بعض المسائل، والقضايا الأصولية التي لها أهمية كبيرة، وثمرة فقهية واسعة، ووصف أحد الآراء فيها بأنه شاذ، ومن ذلك حكم إحداث قول جديد، وتعارض الحديث مع القواعد العامة، وغيرها. رابعاً: أهمية بيان الفروق الأصولية بين الحدود والمسائل، وخاصة عند علماء أصول الفقه مختلفي المذاهب. خامساً: الدعوة إلى دراسة أثر العقائد على مسائل أصول الفقه، وكذلك جمع الشبهات حول علم أصول الفقه قديمها، وحديثها، والرد عليها.

стр. 42

الأعراف البشرية في ميزان الشريعة الإسلامية المؤلف/ المشرف: عمر بن سليمان الأشقر المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار النفائس ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: عرف وعادة الخاتمة يمكننا أن نوجز أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة في النقاط التالية: ١ - العرف والعادة: ما اعتاده الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، ولا فرق بين العرف والعادة في المعنى الاصطلاحي الفقهي. ٢ - للأعراف البشرية مكانة عظيمة عند الأمم التي تسودها تلك الأعراف، ولقوتها كانت هي القوانين التي تحكم الأمم والشعوب، وقد كانت هذه الأعراف الجدار الصلب الذي صدَّ الناس عن اتباع دين الله والانقياد له. ٣ - الأعراف البشرية كالقوانين الوضعية كلاهما لا يصلح لأن يكون هو المهيمن على المجتمع الإنساني، ولذا فإن الشريعة أقصت العرف في المجتمع الإسلامي، وحصرته في دائرة ضيقة. ٤ - استخدم الذين أرادوا إقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم الأعراف البشرية للصدِّ عن دين الله وشرعه. ٥ - المجال الذي يعمل فيه العرف عند المسلمين محصور في أمرين: الأول: تفسير النصوص المطلقة التي لم تفسرها اللغة ولا الشريعة. والثاني: الأحكام التي ليس للشريعة غرض في فعلها على وجه معين، وإنما المراد الإتيان بها على أي وجه كان، ولذا لم تنه الشريعة عنها، ولم تأمر بها، وتركت أمرها إلى ما تجري به العوائد والأعراف. ٦ - على الرغم من احتجاج العلماء بالعرف إلا أنه ليس دليلاً مستقلاً من أدلة الفقه الإسلامي، ولكنه دليل ظاهر يُرَدُّ دائما إلى دليل آخر من الأدلة الصحيحة. ٧ - يشترط في العرف الذي يعتبر شرعاً أن لا يخالف نصاً شرعياً ولا قاعدة شرعية، كما يشترط أن يكون مطرداً أو غالباً، وأن لا يصرح المتعاقدان بخلافه، وأن يكون موجوداً عند إنشاء التصرف. ٨ - العرف قد يكون قوليا أو عمليا، وقد يكون خاصاً أو عاماً. ٩ - لا يجوز الجمود على الأحكام الصادرة من أهل العلم المبنية على أعراف تغيرت وتبدلت، وقد كان هذا الجمود من أعظم الظلم الذي نسب إلى الشريعة، والشريعة منه براء.

стр. 43

الأمر صيغته ودلالته عند الأصوليين المؤلف/ المشرف: محمد بن ناصر بن عبدالعزيز الشثري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات ومنه نستمد العون. أما بعد: فقد ختمت بحث الأمر صيغته ودلالته وقد بذلت فيه من الجهد ما الله به عليم وكنت مثلاً أرجع إلى الكتاب الكبير من كتب الأصول الذي يعد مرجعاً في مذهبه فأجد فصلا صغيرا عن الأمر وتحته قول مجمل عن الأمر وهناك من العلماء من لم يذكر بعض مباحث الأمر بالكلية وأيضاً فمعظم الكتب المتقدمة تكون بعبارة غامضة وأسلوب غير واضح حتى أنك لا تدري إلى أي الأقوال يميل ولا أنسى جهود بعض العلماء الأجلاء ﵏ من قيامهم بتوضيح ما أجمل وتبيين ما غمض وباستقصاء كامل فجزاهم الله خير الجزاء. وما كان في بحثي هذا من توفيق فمن الله سبحانه وما كان من خطأ فمن نفسي. وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. والحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 44

الإعلام بمخالفات (الموافقات) و (الاعتصام) المؤلف/ المشرف: ناصر بن حمد الفهد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر الخاتمة: وأختم ما سبق بكلمة جميلة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (درء تعارض العقل والنقل) ٢/ ١٠٢ - بعد أن ذكر مجموعة من العلماء - من جنس الشاطبي ﵀ لهم علم وفضل وكلهم شاركوا المبتدعة في بعض أصولهم - حيث قال: (ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء من المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها. وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه والمؤمنين حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 45

الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي المؤلف/ المشرف: عبدالمجيد السوسرة الشرفي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - قطر ̈العدد ٦٢ - السنة ١٧ سنة الطبع: ١٤١٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: اجتهاد وتقليد الخاتمة وبعد أن أتيت على نهاية الموضوع، أرى من الواجب عليّ أن أسجل أهم النتائج التي انتهت إِليها الدراسة، وهي على النحو الآتي: - الاجتهاد الجماعي هو استفراغ أغلب المجتهدين الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعاً أو أغلبهم على ذلك الحكم بعد التشاور، وأنه بهذا يختلف عن الاجتهاد الفردي في كونه صادراً عن جماعة بعد اشتراكهم في مناقشته بطريقة شورية ... وأن الاجتهاد الجماعي يختلف عن الإجماع الأصولي في كون الأول لا يشترط فيه اتفاق كل المجتهدين، وإنما يكفي أغلبهم، بينما الثاني لابد فيه من اتفاق جميع المجتهدين. - الاجتهاد الجماعي مر في تاريخه بمراحل أربع، الأولى: بدايته على يد الخلفاء الراشدين ﵃، وبعض عصور الدولة الأموية .. ثم توقفه وهيمنة الاجتهاد الفردي .. ثم الدعوة إلى وقف الاجتهاد عموماً .. ثم المرحلة الرابعة، وهي فترة اشتداد الحاجة إِليه في العصر الحديث، واهتمام العلماء بالدعوة إِليه وتنشيطه، ليكون هو سبيل الأمة في معالجتها لقضاياها المعاصرة وتقنين نظمها وتشريعاتها. - لا بد أن يتوفر في كل عضو من أعضاء المجمع الاجتهادي، شروط الاجتهاد في حدها الأدنى على الأقل، وهي شروط المجتهد الجزئي، بعد الأخذ بالمخففات في الشروط العامة للمجتهد، ولا يصح الاجتهاد الجماعي من جماعة ليسوا مجتهدين. - الاجتهاد الجماعي له أهمية كبرى في التشريع، لما يحققه من أمور كثيرة، ولعل من أبرزها أنه يحقق مبدأ الشورى في الاجتهاد، ويكون لذلك أكبر الأثر في دقة الرأي وإِصابته، وتجنيب الاجتهاد الأخطاء التي قد تقع في حالة الاجتهاد الفردي، وبذلك يستمر الاجتهاد، ويقطع الطريق على من قد يحاول إرباكه .. كما أن الاجتهاد الجماعي يحقق للأمة ما فقدت بغياب المجتهد المطلق وتعذّر الإِجماع، ويعوضها عن ذلك بالتكامل الذي يحققه المجتهدون بمجموعهم .. كما أن الاجتهاد الجماعي يعتبر من أنجح السبل إلى توحيد النظم التشريعية للأمة، كما أنه أفضل وسيلة لمعالجة قضايانا المعاصرة، التي تشابكت فيها الأمور، وتداخلت فيها العلوم، وأصبح النظر والاجتهاد فيها لا يتحقق سليماً إِلا برؤية جماعية. - حجية الاجتهاد الجماعي ليست في منزلة حجية الإجماع – بالمعنى الأصولي – التي تكون قطعية يحرم مخالفتها، ولكنها حجية ظنية يكون اتباعها أولى من غيرها، إِلا إذا صدر بتنظيم الاجتهاد الجماعي قرار من ولي الأمر، فيجب اتباع ما يتوصل إِليه بالاجتهاد الجماعي والالتزام به. - أهم المجالات التي يجب أن يركز عليها الاجتهاد الجماعي ويصب اهتمامه بها، تتمثل في استنباط الأحكام للقضايا المستحدثة، التي لم تبحث من قبل الفقهاء السابقين، وكذلك القضايا التي سبق بحثها من قبل الفقهاء السابقين ولكن تعددت فيها آراؤهم، فيسعى المجمع إلى انتقاء أرجح تلك الأقوال وأنسبها لواقع الأمة ومصلحتها .. كما أن على المجمع أن يركز على المسائل التي صدرت فيها أحكام ولكنها بنيت على أسس تتغير لتغير الزمان والمكان أو العرف أو المصلحة .. كل تلك المجالات لا يصلح فيها الاجتهاد إِلا أن يكون جماعياً، أما إذا كان فردياً فلربما أتى على الأمة بالكثير من الأخطاء والمشاكل .. وقد أوردت – أثناء شرحي لتلك المجالات – الاعتبارات التي تلزم أن يكون الاجتهاد في تلك المجالات جماعياً. - الوسيلة المثلى في عصرنا لإقامة الاجتهاد الجماعي هي المجمع الفقهي العالمي، الذي يضم أغلب المجتهدين في الشريعة الإسلامية، ومعهم فريق من العلماء والمفكرين المتخصصين في شتى العلوم والمعارف الإنسانية، ويسعى المجمع إلى تحقيق مجموعة من الأهداف تصب في الاهتمام بمشكلات الأمة ووضع الحلول الشرعية المناسبة لها، والسعي إلى توحيد التشريعات لكافة الأقطار الإسلامية، ليكون بذلك نواة لوحدة الأمة الإسلامية، وأساساً للقائها الفكري والحضاري، وإِثراء فقهها الإِسلامي، على أن يلتزم في تكوينه بمجموعة من الأسس تجعل منه منارة علم وأساس نهضة، بعيداً عن الأهواء والهيمنة السلطوية أو النزعات الضيقة. تلك هي أبرز النتائج التي توصل إِليها البحث، والله أسأل أن يكتب لنا التوفيق والسداد، إِنه على ما يشاء قدير.

стр. 46

الاستقراء وأثره في القواعد الأصولية والفقهية - دراسة نظرية تطبيقية - المؤلف/ المشرف: الطيب السنوسي أحمد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار التدمرية - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٤هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية ١ـ النتائج: من النتائج التي توصلت إليها أثناء معايشتي لموضوعات البحث ما يلي: ١ـ أهمية التريث في تسليم العمومات؛ لأنها -غالبا - مبنية على الاستقراء، كما أنها - غالبا - تصاغ بتسرع وقبل أن يتحقق من صحتها والقواعد الكلية لا تقبل إلا إذا أسندها دليل قائم على أساس صحيح. ٢ـ الوسيلة الصحيحة للنهوض بأصول الفقه ومضاعفة وظيفته العملية هي دراسة القواعد الأصولية - التي من حقها أن تبنى على الاستقراء - باستقراء ما بنيت عليه من النصوص الشرعية أو الجزئيات اللغوية أو الفروع الفقهية العملية أما الدراسة التقليدية لمسائل أصول الفقه فهي ـ في غالبها - نقل وتكرار لا يأتي بجديد عما عهد في أكثر المراجع الأصولية. ٣ـ غياب منهج الاستقراء لدى كثير ممن كتبوا في أصول الفقه قديما وحديثا فقل أن ترى من قام باستقراء حقيقي واسع في دراسة القواعد الأصولية أو الفقهية تأسيسا أو ترجيحا أو نقدا وتصحيحا أو وضعا لضوابط صحيحة وإن الجهد المبذول من بعض ألأصوليين من بعد القرن الخامس والذي لم يتجاوز - في الغالب - التكرار لو بذل في دراسة القواعد الأصولية دراسة استقرائية لكان علم الأصول أكثر نضجا. ٤ـ أن دلالة الاستقراء - في ميدان العلوم الشرعية - ينضاف إليها في الغالب قرائن خارجية تؤيدها وتقويها. ٥ـ الأمور التي من حقها أن تبنى على الاستقراء إن تبين بالاستقراء الواسع خطأ ما حكي فيها باستقراء سابق فإنه لا يعتمد على أقوال السابقين فيها إذ إن أساس اعتمادها وهو الاستقراء بين الخطأ السابق كما أنه إذا أسس حكم على نص ضعيف ثم تبينت صحته أو العكس. ٦ـ أهمية تعلم علم المنطق فإنه مع ما وجه إلى أكثر مباحثه من انتقاد إلا أن فيه أمورا مهمة ثبتت صحتها وفائدتها لاسيما لمن يمارس كتب أصول الفقه، حيث إن طائفة من موضوعات الأصول صيغت بمصطلحات منطقية وبحثت بأسلوب منطقي فالمسائل المنطقية المتعلقة بدلالات الألفاظ وتقاسيم الكلام ومسائل الكلي والجزئي وبعض أشكال القياس وبعض أقسام القضايا مسائل مهمة لا يستغنى عنها ولذا لم يستغن عنها جميع الكاتبين في العلوم في الفقه والأصول والعقيدة واللغة وغير ذلك وبذلك يعلم أن توجيه النقد بإطلاق إلى المنطق من آثار إهمال الاستقراء فإن استقراء مسائله يوجب التفصيل في ذلك. ٧ـ أن الاستقراء أحد مباحث علم المنطق وأقسامه إلا أنه لا ينسحب إليه النقد الموجه إلى المنطق الأرسطي إذ الاستقراء بالإضافة إلى كونه أحد مباحث المنطق منهج إسلامي فطري قامت على صحته وأهميته الأدلة من الكتاب والسنة وهو المنطق الصحيح في الاستدلال والمنطق البديل للمنطق الأرسطي المنتقد والمتمثل في القياس. ٨ـ أن القاعدة الاستقرائية قد تكون قطعية وقد تكون ظنية وظنيتها لها مراتب متفاوته في القوة والضعف. ٩ ـ أن الاستقراء الناقص هو الاستقراء العلمي المؤسس للقواعد الكلية والنتائج العلمية في جميع العلوم. ١٠ـ خطأ من يظن أن أصول الفقه علم أساسه المنطق وعلم الكلام ويذمه تبعا لذلك. ٢ـ المقترحات الموصى بها: من الأمور التي رأيت التوصية بها ما يلي: ١ـ الاهتمام بهذا الدليل (الاستقراء) من قبل طلبة العلم وتطبيقه في دراستهم الشرعية لمسيس الحاجة إليه في سائر العلوم الشرعية.

стр. 47

٢ـ أن تتجه البحوث المفروضة على الطلاب أو البحوث المفروضة على الطلاب أو البحوث الحرة إلى اختيار طائفة من القواعد الأصولية أو الفقهية ودراستها على ضوء استقراء النصوص الشرعية المتعلقة بها استقراء واسعا صحيحا واستقراء تصرفات الفقهاء المجتهدين وأقوالهم تجاه تلك القواعد واستقراء ما يتعلق بها من اللغة العربية فهذا السبيل هو المنهج المفيد في دراسة القواعد الأصولية لكنه عمل لا يقوم به إلا قلة من طلبة العلم ممن اتسموا بالصبر على البحث وسعة الاطلاع وسلامة الهدف. إن مما تحتاجه الأمة لمسايرة مستجدات الحياة التي لم تكن تخطر ببالها هو تحقيق طائفة من القواعد الأصولية التي توجه النصوص الشرعية ذات العلاقة ببيان أحكام الحوادث وتحقيق طائفة من القواعد الفقهية التي تحكم تصرفات المكلفين وذلك بترجيح الراجح من تلك القواعد وعدم اعتماد المرجوح منها والتوصل إلى ما يضبطها لأن الأصل في كثير من هذه القواعد أن تؤسس على هذا الطريق وأن يبين الراجح والصحيح منها بهذا الطريق فإذا قدر أنها درست في وقت من الأوقات بمنهج كلامي أو بأسلوب جدلي فإن ذلك لا يسوع التقليد في دراستها على ذلك الوجه لأنها الآن ليست بحاجة إلى دراسة بالكيفية السابقة لكثرة ما بحثت به في الكتب ولكن الذي ينقص هذه المسائل هو الدارسة الاستقرائية. ومع أن قيام مثل هذا الاستقراء لترجيح القواعد الأصولية أو الفقهية هو تأسيس بعض القواعد الفقهية أو الأصولية يعد أمرا صعبا يحتاج إلى صبر جميل وقوة علمية إلا أن ما يسره الله في هذا العصر مما أنتجه العلم الحديث في مجال الحاسب الآلي يسهل بعض الصعاب في سلوك هذا الطريق مع العلم أن هذا النمط من الدارسة يكون جائز كبير من مادته خارج كتب الأصول ككتب التفسير وأحاديث الأحكام وشروحها وكتب اللغة والكتب التي تعنى بنقل النصوص الفقهية للأئمة. وغير ذلك. والحمد لله رب العالمين.

стр. 48

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية المؤلف/ المشرف: عابد بن محمد السفياني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة المنارة - مكة المكرمة ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٠٨هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة خاتمة وبعد أن انتهيت من دراسة موضوعات البحث أسجل هنا أهم ما ورد فيه من نتائج وهي: • أن إنزال الشرائع حق الله الخالص لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأنه سبحانه عزل عنه أهل السماء والأرض، فلا أحد يطاع لذاته إلاّ هو (والرسول إنما هو بشر يوحى إليه، بشير ونذير وسراج منير). وليس لأحد حق في التشريع، كما أنه ليس لأحد حق النسخ والتبديل والتغيير، فلله الخلق والأمر. • أن الرسول ﷺ إنما يطاع بإذن الله فطاعتهُ طاعةٌ لله، لأنّ كلّ ما جاء به إنما هو وحي أوحاه الله إليه، حكّمه على نفسه وبلّغه لأمته فهو مبلِّغ مبشر ونذير وسراج منير، واجتهاداته ﷺ لا تكون وحياً إلاّ بإقرار الوحي لها. • أن الرسول وإخوانه من المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، ومن تبعهم من المؤمنين، والبشر بعد ذلك أجمعون مكلفون بالخضوع لما جاء من عند الله من غير تبديل ولا تغيير لا يسعهم إلاّ ذلك. • أن الشريعة هي "نصوص الكتاب والسنة". • الأدلة الشرعية حجة الله على الخلق على الإطلاق والعموم، تثبت بها أمور الدين ابتداء وتخصيصاً وتقييداً .. ، ويزاد بالسنة على ما في القرآن ولا يسع أحد العذر في عدم اعتقاد موجبها والعمل به وعلامة ثبوتها صحة سندها والسلامة من الشذوذ والعلة. • أن هذه هي عقيدة الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان كما نقل العلماء الثقات الإجماع على ذلك قبل نشوء الأهواء. • أن القول بظنية الأدلة النقلية وتضعيفها بدعة من بدع المعتزلة وهي من آثار المسلك العقلي الفلسفي الذي ورثته المعتزلة عن طريق الثقافات الخارجية. • أن شبهة "المعارض العقلي" جهالة من جهالات المتكلمين لا يدعمها دليل شرعي ولا دليل عقلي. • أن علم الكلام هو أساس هذه البدع وبسبب انتشاره وُزّعَ الفكر الفلسفي وأثرّ أَثَرَه في الأصول، وحجب الأدلة عن الاستدلال على أمور العقيدة وتعدى ذلك إلى تضعيفها عند الاستدلال بها على الأحكام الشرعية. • أن علم المجتهدين في هذه الأمة هو الكشف عن أحكام هذه الشريعة وأفهامهم لها صفة الشرعية ويُطلق عليها اسم "الفقه الإسلامي" ومهمتهم هي الفهم والتطبيق لا معارضة النصوص بآرائهم وعقولهم. • الفقه الإسلامي منه المعلوم ومنه المظنون، ويشمل المعلوم من الدين بالضرورة. • أن الفقه الإسلامي يأخذ طبيعته من طبيعة هذه الشريعة من حيث الإلزام، ومن حيث اشتماله على العلم الذي يوجب لأهله الألفة والمتابعة للجيل القدوة، بخلاف "علم الكلام" فهو على الضد من ذلك. • الاجتهاد كشف واستنباط، والتشريع إنشاء للحكم ومن أهم الفروق بينهما: ـ التشريع حق الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والعصمة ثابتة لهذه الشريعة ولرسولها ﷺ . ـ والاجتهاد عمل المجتهدين ولا عصمة له، ويسألون عن الدليل، وهو بعد ذلك قابل للتصحيح، مع ثبوت الأجر في حالة الصواب والخطأ، ولا نُعصّم ولا نؤثّم. • أن المشرع له حق النسخ والتبديل، وأما المجتهد فليس له حق في ذلك. • أن أفهام المجتهدين إما أن تتفق وإما أن تختلف ففي الحالة الأولى هي الإجماع ومن صفاته: ـ أنه لا بد له من مستند وحكمه ثابت لأنه معصوم ولا يتبدّل أبداً، وهو ملزم للأمة جمعاء، وأصل محكم يُبنى عليه. وفي الحالة الثانية وهي حالة الاختلاف: ـ الحكم غير معصوم. ـ ثابت عند المجتهد إلاّ أن يغيّر اجتهاده. ـ ملزم له ولمن تابعه، وفي حالة اختيار الحاكم له يرتفع الخلاف ويكون ملزماً إلزاماً عاماً. ـ أن الاجتهاد لا بد له من مستند.

стр. 49

• الاجتهاد فريضة محكمة وهو الطريق لمعرفة قدرات المكلفين وحفظ عقيدة الأمة، وإدخال الحوادث المستجدة تحت أحكام الشريعة. • أنه ضروري ولا ينقطع إلاّ بانقطاع التكليف وإن تحقيق المناط وتخريجه نوعان من الاجتهاد اتفق الأصوليون على عدم انقطاعهما. • أن أهم شروط الاجتهاد العلم بالعربية، ومقاصد الشريعة، والمقصود منهما تحقق الملكة لا الإحاطة بالمفردات، وبيان أن مذهب الشاطبي مساعد لأقوال أئمة الأصول، وتحقيق ذلك. • أن الشروط الأخرى للاجتهاد يتضمنها هذان الشرطان. • أن ثبات الشريعة وشمولها لا يمكن أن يتحقق في واقع المجتمع إلا عن طريق الاجتهاد. • أن الاجتهاد في الشريعة مراتب كما أن الاجتهاد في اللغة مراتب وعلى علماء السنة السعي لإقامة مهمة الاجتهاد والبناء على ما سبق وللمجتهد أن يستظهر بغيره ويبني على ما عنده ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها. • أن مهمة التأسيس ـ كما هو الشأن عند الأئمة الأربعة ـ ليست كمهمة البناء بالنسبة لمن بعدهم فهذه أهون وأيسر. • أن المسالك الفاسدة التي وَرَّثَتْها الفرق الضالة هي أخطر ما يواجه مفهوم الثبات والشمول في الشريعة. • أن البناء على غير أصل من شيم المبتدعة وهو طريق للتبديل والإحداث في الدين. • أجمعت الأمة على أنه لا يجوز للمجتهد أن يبني إلاّ على أصل من كتاب وسنة، وذلك هو منهج الصحابة رضوان الله عليهم، والرد على الدكتور شلبي وتفنيد شبهه. • أن اتباع العقل والمتشابه مانع من ثبات الأحكام الشرعية، والثبات عدة الشمول. • مناقشة الشيخ محمد عبده في حل الفائدة الربوية وبيان أنه بناه على مسلك فاسد ـ وهو اتباع العقل والمتشابه ـ وبيان خطورة ذلك على نظام الاقتصاد الإسلامي. • مناقشة مؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم، وكشف مسلكه الفاسد وبيان خطورته على نظام الحكم الإسلامي ودفع الشبه عن ذلك، وإثبات أصول الحكم الإسلامي من خلال آية واحدة. • الجهل بالعربية مؤد إلى تغيير الأحكام والإخلال بمفهوم الشمول. • البراءة من مسالك المبتدعة هي الضمانة الوحيدة للمحافظة على ثبات الشريعة ولا شمول بغير ثبات. • أهل السنة مجمعون على اعتقاد كمال الدين عقيدة وشريعة، وتضمنه لما يحتاجه الخلق فلا توجد واقعة من الوقائع إلاّ وفي نصوص الشريعة بيان لحكمها. • أن آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ تفيد معنى الإكمال المقصود وبيان ذلك والجواب عما يعارضه. • أن الشريعة موضوعة على الأبدية فلا يختل لها نظام، وأن الأمة معصومة في تبليغها، كل طائفة وما يخصها، وأن الصحابة أعلم الخلق بذلك وأشدهم محافظة على ثبات الشريعة بالقول والعمل. • منهج القرآن في تربية الصحابة على الاعتقاد في صفات الله من أعظم الأسباب التي جعلتهم مدركين لصفات الشريعة محافظين عليها اعتقاداً وعملاً من التبديل والتغيير، بخلاف سلوك المتكلمين في دراسة الصفات فإنه سبب في نشأة التبديل والتغيير وتحكيم العقل في الشريعة بالزيادة والنقص وذلك خصيم الثبات، وإذا انتفى الثبات انتفى الشمول. • أن الكمال والثبات والشمول ألفاظ أتراب لا يقوم أحدها إلاّ بالآخر. • أن العمومات في الكتاب والسنة من أهم قواعد الثبات والشمول وهي قطعية، وأن الشاطبي أشد العلماء انتصاراً لهذه القضية، وأنه متابع لابن تيمية وأقوالهما فيها بعضها من بعض، وهو مذهب السلف، ولا تخصيص بالمنفصل، وإنما هو بيان لقصد الشارع من العمومات، وإلى ذلك يؤول مذهب الأصوليين عند التطبيق. • سلامة منهج الشاطبي من آثار علم الكلام، واعتماده على مقاصد العربية ومقاصد الشريعة، ووقوع مسلك المتكلمين في الاحتمالات والظنون. • الربط بين مسلكهم في وصف الأدلة بالظنية وفي وصف العمومات بها على الخصوص.

стр. 50

• تقوية العمومات الشرعية والاستدلال بها على القطع بالحكم قاعدة من قواعد الثبات، وتخصيصها بما ثبت من الأدلة متواتراً أو آحاداً قاعدة من قواعد الشمول. • إثبات أن منهج الصحابة في الاستدلال بالعمومات وتخصيصها كما ذكرت آنفاً، وبيان مجافاة مسلك المتكلمين له، وأن ما يُنْسبُ إليهم من القول بظنية العمومات أو ظنية أخبار الآحاد فرض لا صحة له. • الإعجاز التشريعي في العموم اللفظي والمعنوي متسق مع الإعجاز الكوني، وهو طريق لزيادة الإيمان ولإدراك مقاصد الشريعة وتحقيق شمولها وأنهما من العمق والتنوّع وتجدّد العطاء بحيث لا يتصور لهما انقطاع ما دام التكليف. • أن القياس الشرعي قاعدة من قواعد الشمول، وبالتزام ضوابطه كما هو منهج الصحابة رضوان الله عليهم يكون قاعدة من قواعد الثبات. • الشاطبي أعظم العلماء إدراكاً لسبب الخلاف بين المتوسعين في القياس والصادين عنه، وفيه دلالة على أن المنكرين له متأوّلون بخلاف موقف بعض أئمة الاعتزال فإنهم معاندون في إنكاره. • طريقة الشاطبي في دراسة القياس مشابهة لطريقة ابن القيم من حيث الترتيب والاستدلال والأسلوب، وهما متبعان لمذهب الصحابة رضوان الله عليهم ووسط بين المتوسعين في القياس والصادين عنه، وفيما قرراه السلامة من تغيير الأصل وتبديله، وبه يتحقق الشمول، وكل ذلك تبين من خلال مقارنة علمية بين طريقتيهما. • التعليل بالحكمة بشرط انضباطها محقق للشمول وهو قياس شرعي، وبه يتحقق ثبات حكم الأصل، أما إذا لم تنضبط فلا يجوز القياس عليها لأنها تؤدي إلى الاضطراب وهو خصيم الثبات. • أن مذهب الشاطبي في التعليل بالحكمة موافق لذلك، وأن طريقته في العمل بالقياس منضبطة والرد على الدكتور محمد مصطفى شلبي فيما نسبه إليه. • العقل لا يستقل بإدراك المصالح والمفاسد، ومهمته الفهم والتطبيق واكتشاف المعاني الشرعية، وليس من مهمته إنشاء الحكم ولا تغييره ولا تبديله والقياس منهج شرعي لا مسلك عقلي. • أدق التعريفات للمصلحة هو تعريف الشاطبي، فهو متضمن للضوابط الشرعية للعمل بالمصلحة عند أهل السنة. • التزام المجتهد بالعمل بالمصالح على هذا النحو سبب في تحقيق الشمول والثبات في آن واحد. • أن معاني النصوص لا تتناهى وعليها تُحمل الحوادث المستجدة ويُعرف حكمها، وجميع الوقائع متشابهة فهي في الحقيقة متناهية، ورد الشبه عن ذلك وتصحيح مقالة ابن الجويني. • الشريعة ثابتة كليات وجزئيات وما كان حكماً لله فهو كذلك إلى يوم القيامة، الواجب واجب، والمندوب مندوب، والحرام حرام، وتغيّر الفتوى إنما هو تحقيق مناط واختلاف وقائع ولا تغيّر في حكم الشريعة ولا اختلاف. • الصحابة رضوان الله عليهم محافظون على ضوابط الاستدلال الشرعي وعلى ثبات الأحكام، وما ذكره صاحب كتاب "تعليل الأحكام" من أنهم غيّروا وبدّلوا الأحكام تقوّلٌ عليهم بغير علم، وكذلك زعمه أنهم يبنون على غير أصل، وأن منهج الأصوليين على خلافهم، كل ذلك قول بلا علم ولا برهان. • أن اتباع المصلحة مشروط بشروط شرعية، والأصل في العبادات التعبد والأصل في العادات الالتفات إلى المعنى، وفي كلٍ معنى التعبد، وتحقيق مذهب الشاطبي والرد على صاحب تعليل الأحكام فيما نسبه إليه. • أن ما يسمى بقاعدة "تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان" لا أصل لها عند السلف الصالح، وأن ما نسبه صاحب رسالة "تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان" إلى الشاطبي وابن القيم، وكذلك ما نسبه الدكتور صبحي الصالح ليس بصواب. • عصمة الإجماع أصل من أصول الثبات في الحكم المجمع عليه، ويرفع الخلاف عن سنده بعد ذلك، والعبرة فيه بإجماع العلماء ولا عبرة فيه برأي العوام، والمقصود بالجماعة هم العلماء المتمسكون بالسنة والاتباع. • كما تدل السنة على عصمة الإجماع يدل القرآن والحجة في ذلك بيّنةٌ كما هو مذهب الشافعي وابن تيمية. • حكم الإجماع لا يُبدّل ولا يغيّر فهو معصوم أبداً وسبب في ربط أجيال الأمة بعضها ببعض، ومانع من تسرب آثار الكيد الذي يقوم به أعداء الإسلام وفي الوقت نفسه قاعدة من قواعد الشمول والثبات. وبعد الفراغ من هذا الكتاب نختم بحمد الله على توفيقه وإحسانه، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ﴿إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾.

стр. 51

الحاجة وأثرها في الأحكام – دراسة نظرية تطبيقية المؤلف/ المشرف: أحمد بن عبدالرحمن بن ناصر الرشيد المحقق/ المترجم: بدون الناشر: كنوز إشبيليا – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تنال المكرمات، أحمدك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشكرك على ما يسرت من إتمام هذا البحث وإنهائه، بالرغم مما صاحبه من صعوبات ومعوقات، هان أمرها، وسهل الخلاص منها – بعد توفيق الله – الجد والمثابرة والحرص والمصابرة والبحث والمدارسة. ويجدر بي في هذا المقام أن أقدم خلاصة هذا البحث وعصارته، وأخلص أهم ما توصلت إليه من نتائج وثمرات، وأتبع ذلك بذكر أهم التوصيات التي تبينت لي من خلال هذا البحث المتواضع، فأقول: أولاً: أهم نتائج البحث: - المقصود بالحاجة في البحث: الافتقار إلى الشيء، لأجل التوسعة ورفع الضيق والمشقة، مما يخالف الأدلة أو القواعد الشرعية. - ترتبط الحاجة ارتباطاً وثيقاً بعدد من المصطلحات الأصولية المتعلقة بأسباب التخفيف في الشريعة، حيث تكون سبباً لها، وهذه المصطلحات: المشقة، والحرج، وعموم البلوى. - تشترك الحاجة مع الضرورة في طائفة من الصفات والأحكام، ومن ذلك: - أن كلاً منهما يدل على معنى لغوي متقارب إن لم يكن واحداً، فكلاهما يطلق على ما يفتقر إليه بغض النظر عن درجة الافتقار. - أن كلاً منهما مفتقر إليه في الجملة، الأمر الذي جعل بعض أهل العلم يتوسع في إطلاق أحدهما على الآخر. - أن الحاجة والضرورة لهما أثر متقارب في تغيير الأحكام, أو تبديلها, أو تقديمها, أو تأخيرها, وما إلى ذلك، ولا أدَل على هذا التقارب من أن العلماء كثيراً ما يطلقون القول بأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة. - تفترق الحاجة عن الضرورة من جهات عديدة، وهي: - أن الحاجة هي: الافتقار إلى الشيء، لأجل التوسعة ورفع الضيق والمشقة، مما يخالف الأدلة أو القواعد الشرعية، أما الضرورة فهي: الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعاً. - أن الأحكام الثابتة بالضرورة أحكام مؤقتة معلقة بوجودها، أما الأحكام الثابتة بالحاجة فهي على قسمين: أ- الأحكام الثابتة بالحاجة العامة. وهذه أحكام مستمرة ودائمة. ب- الأحكام الثابتة بالحاجة الخاصة. وهذه الأحكام مؤقتة معلقة بوجود الحاجة. - أن الضرورة لابد من تحقيقها لكل فرد من أجل صحة العمل بما تقتضيه، أما الحاجة فهي على قسمين كذلك: أ- الحاجة العامة. وهذه لا يشترط تحققها في كل فرد من الأفراد. ب- الحاجة الخاصة. وهذه كالضرورة، فلابد من تحققها في كل فرد من الأفراد. - أن الحاجة أضعف من الضرورة في التأثير على المحرمات، ولذلك اختصت الحاجة بالتأثير على المحرمات الضعيفة وهي محرمات الوسائل، أما المحرمات القوية وهي محرمات المقاصد فإن التأثير فيها من خصائص الضرورة وحدها. - أن الضرورة مقدمة على الحاجة عند تعارضهما؛ لأنها أقوى منها. - أن الحاجة أعم من الضرورة وأوسع منها مدلولاً، ولذلك فإن كل ضرورة حاجة وليست كل حاجة ضرورة. - تنقسم الحاجة إلى أقسام متعددة من حيثيات مختلفة، لكل قسم منها أحكامه وآثاره، ومعرفة هذه الأقسام مفيد جداً في معرفة مراد أهل العلم بما أطلقوه من الحاجات، وتكون هذه الأقسام من حيثيات متعددة، كالآتي: - من حيث العموم والخصوص: حاجة عامة، وحاجة خاصة. - من حيث الإلحاح وعدمه: حاجة ملحة، وحاجة غير ملحة. - من حيث الوقوع وعدمه: حاجة واقعة، وحاجة متوقعة، وحاجة متوهمة. - من حيث تعلقها بفعل العبد وعدمه: حاجة واقعة بفعل العبد، وحاجة واقعة عليه من غير فعله. - من حيث تنزيلها منزلة الضرورة وعدمه: حاجة منزلة منزلة الضرورة وحاجة غير منزلة منزلة الضرورة.

стр. 52

- من حيث الثبوت والتجدد: حاجة ثابتة، وحاجة متجددة. - من حيث الأصلية والزيادة: حاجة أصلية وحاجة زائدة. - دلت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على اعتبار الحاجة ومشروعية العمل بها والحكم بمقتضاها، وعلى هذا انعقد إجماع الأمة على مر العصور. - هناك جملة من الأسباب التي أدت إلى تحقق الحاجة في مختلف المسائل والأحكام، وهذه الأسباب متنوعة، منها ما هو راجع إلى الأعذار الطارئة التي يتلبس بها بعض الناس وتقتضي التخفيف عنهم، ومنها ما هو عائد إلى تحقيق المصلحة المعتبرة في الخلق. - لا يجوز العمل بالحاجة على كل حال بل لابد من تحقق شروط العمل بها، وهذه الشروط منها ما هو شامل لأنواع الحاجة، ومنها ما هو خاص ببعض أنواعها، وهي: الشرط الأول: أن تكون الحاجة بالغة درجة الحرج والمشقة غير المعتادة. الشرط الثاني: أن تكون الحاجة متحققة يقيناً أو ظناً. الشرط الثالث: أن تكون الحاجة متعينة. الشرط الرابع: ألا يكون في الأخذ بالحاجة مخالفة لقصد الشرع. الشرط الخامس: ألا يعارض الحاجة ما هو أقوى منها. - لابد أن يكون العمل بالحاجة وفق الضوابط التالية: الضابط الأول: وجوب الرجوع إلى أهل العلم في الحكم بالحاجة والعمل بمقتضاها. الضابط الثاني: السعي لتقصير وقت الاستباحة المبنية على الحاجة. الضابط الثالث: أن يتقيد ما يباح للحاجة بوجودها. الضابط الرابع: أن يقدر ما يباح للحاجة بقدرها. الضابط الخامس: وجوب التقيد بالحدود التي تؤثر فيها الحاجة. يمكن إرجاع أثر الحاجة في الأحكام الشرعية عموماً إلى عدد من الآثار، وهي: الأثر الأول: الاستثناء من القواعد الشرعية ومخالفة القياس. الأثر الثاني: مشروعية الرخص. الأثر الثالث: إباحة المحظورات، وترك المأمورات. الأثر الرابع: اختلاف الأحكام باختلاف أحوال الناس؟ - الشواهد الدالة على اعتبار الحاجة والحكم بمقتضاها واضحة جلية في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وكتب أهل العلم شاهد واضح على هذا الأمر، حيث اشتملت على ما لا يمكن حصره من هذه الشواهد، سواء أكانت في العبادات أو المعاملات أو المناكحات أو الجنايات. - تختلف الحاجة باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، ولا يمكن تقديرها بمقدار ضابط لا يختلف باختلاف هذه الأمور، ولذلك ربطها أهل العلم بحالة الشخص المتوسط من الناس قوة وضعفاً في ظل الظروف العادية، ما لم يكن الشارع قد قدر الحاجة وربطها بأسبابها، فحينئذ يجب الالتزام بما قدره الشارع. - الزيادة على مقدار ما أبيح للحاجة يختلف باختلاف نوع الحاجة، فإن كانت الحاجة هي العامة فالزيادة على مقدارها جائز، وليس لزوال الحاجة فيه تأثير، وإن كانت الحاجة هي الحاجة الخاصة فلا يجوز الزيادة على مقدارها، وإذا زالت الحاجة انتهى أثرها، ورجع الحكم إلى ما كان عليه قبلها. - إذا اجتمعت الحاجات في حكم واحد وأمكن العمل بهن جميعاً، فهو الواجب، وإن تعذر ذلك قدم الأقوى منهن. - تتفاضل الأعمال والأوامر الشرعية بمقدار حاجة الناس إليها، فكل عمل اشتدت حاجة الناس إليه فهو أفضل من غيره من الأعمال، وأجر القائم به أكثر من أجر القائم بغيره. - يسر الشارع الحكيم في الواجبات التي يشق على الناس امتثالها والتزامها، وخفف عنهم فيها بجواز إسقاطها, أو تنقيصها, أو إبدالها بما هو أخف منها, أو بتقديمها على وقتها أو تأخيرها عنه. - إذا اشتدت الحاجة إلى شيء من المستحبات، فإنها تنقله من الاستحباب إلى الوجوب مراعاة لحاجة الناس وإن كان في الأصل غير واجب.

стр. 53

- إذا احتاج الإنسان إلى الإقدام على شيء من المحرمات فإنه يجوز له الإقدام عليه، ولا إثم عليه بسبب ذلك، بشرط أن يكون المحرم محرماً لغيره أو محرماً تحريم الوسائل، أما المحرمات تحريم المقاصد فالتأثير فيها من خصائص الضرورة. - المكروهات التي تدعو الحاجة إلى فعلها يزول عنها وصف الكراهة حال الحاجة إليها. - للحاجة أثر واضح في طائفة من الأحكام الوضعية، وهي كالتالي: - التخفيف في تحقق الأركان والشروط الشرعية. - التخفيف في الالتزام بالمواقيت الشرعية. - التخفيف في الالتزام بالمقادير الشرعية. - تشريع العقوبات التعزيرية أو درؤها بحسب ما تدعو الحاجة إليه. - عدم وجوب الضمان في طائفة من المسائل التي تقع الحاجة إليها. - مشروعية رخص الشارع وتخفيفاته. - الأصل في باب الاستدلال ألا يكون بالقطعي اليقيني، لكن لما كانت حاجة الناس داعية إلى التخفيف عليهم في هذا الأمر، أجاز الشارع الاستدلال بالظن على الأحكام، ولذلك عمل النبي ﷺ به في كثير من الوقائع. - العمل بأخبار الآحاد جائز ومشروع لحاجة الناس إليه، سواء أكانت فيما تعم الحاجة إليه أم لم تكن كذلك. - الحاجة من أقوى الأدلة الدالة على حجية الإجماع السكوتي عند من يحتج به من العلماء. - لا يسوغ الاستدلال بالقياس على حكم المسائل الشرعية إلا عند الحاجة إليه، وذلك بألا يوجد للمسألة نص خاص ولا إجماع، إلا إذا كان القياس موافقاً لحكم النص أو الإجماع. - حقيقة الاستحسان غالباً ما تكون راجعة إلى العمل بالحاجة؛ لأن فيه تقديماً للأرفق من الدليلين المتعارضين. - الحاجة من أهم الأسباب الداعية إلى سد الذرائع وفتحها. - الحاجة سبب من أسباب نشوء أعراف الناس وعاداتهم، وهي داعية إلى اعتبارها، كما أنها سبب من أسباب تغيرها وتبدلها. - الحاجة داعية إلى وضع صيغ دالة على العموم والشمول رفعاً للحرج عن الناس بالتنصيص على كل الأفراد. - يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة على الراجح من أقوال أهل العلم، ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة شرعاً باتفاق العلماء. - إذا سكت النبي ﷺ في بعض المواطن التي تدعو الحاجة فيها إلى البيان، فإن سكوته حينئذ يعد بياناً، ولذلك صورتان، وهما: - أن يسكت النبي ﷺ بعد أن سمع قولاً من أحد أصحابه أو رأى فعلاً من أحد منهم، ولم ينكر ذلك القول أو الفعل، فإن سكوته حينئذ دال على جواز ذلك القول أو الفعل، وهو ما يسمى بالتقرير الذي يعده أهل العلم نوعاً من أنواع السنة المحتج بها. - أن يسأل النبي ﷺ سؤالاً ويسكت عن إجابته، فإن سكوته حينئذ دال على أنه لا حكم للمسألة. - خفف أهل العلم في شروط الاجتهاد لضعف العلم وقلة العلماء، والتخفيف فيها على صور ثلاث، وهي: - التخفيف في تحقيق شروط الاجتهاد في نفسها، وذلك بالتمكن منها عند الحاجة إليها، وهو وقت الاجتهاد. - التخفيف في تحصيل شروط الاجتهاد في كل المسائل والأبواب، وذلك بالقول بجواز تجزؤ الاجتهاد. - التخفيف فيما كان الاجتهاد شرطاً له من المناصب والأعمال كالقضاء والإفتاء، وذلك بجواز تولي هذين المنصبين من لم يكن مجتهداً اجتهاداً مطلقاً. - يجب على المفتي أن يكون عارفاً بأحوال الناس بصيراً بحاجاتهم مطلعاً على ظروفهم المختلفة؛ وذلك من أجل أن يراعيها في فتاويه وأحكامه؛ لتكون مناسبة لأحوالهم ملائمة لظروفهم. - الحاجة سبب من أسباب تغير الأحكام المبنية على المصلحة، ولذلك فإن الفتوى المتعلقة بتلك الأحكام تتغير بتغير حاجات الناس وتنوع ظروفهم وتبدل أحوالهم.

стр. 54

- يجب على المفتي إجابة السائلين وبيان أحكام الشريعة للمستفتين إذا كانت الحاجة داعية إلى ذلك، بأن تكون المسألة واقعة، أما إن لم تكن واقعة لكنها متوقعة قريبة الحصول أو كان قصد السائل التعلم والتفقه والاعتبار استحب للمفتي الجواب. - الحاجة داعية إلى الترجيح بين الأدلة والقواعد المتعارضة؛ ليتمكن المكلفون من العمل، كما أنها طريق من طرق الترجيح بين الأدلة والقواعد المتعارضة عند بعض أهل العلم، وذلك بتقديم الأيسر والأرفق من الدليلين المتعارضين. - المقاصد الحاجية قسم مهم من أقسام مقاصد الشريعة بحسب قوتها في ذاتها، وتحتل مرتبة متوسطة بين الضروريات والتحسينات، والمقاصد الحاجية والحاجة والحاجي ألفاظ متقاربة في الدلالة والمعنى، وإن اختلفت فإنما تختلف باختلاف جهة النظر، فمن نظر إلى الافتقار نفسه عبر بالحاجة، ومن نظر إلى الأمر المفتقر إليه عبر بالحاجي، ومن نظر إلى المحافظة على الأمور المفتقر إليها عبر بالمقاصد الحاجية. - الحاجة لها أثر واضح في تقرير طائفة من القواعد الفقهية واعتبارها، وهي: - قاعدة العادة محكمة. - قاعدة الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان. - قاعدة الكتاب كالخطاب. - قاعدة السكوت عند الحاجة إلى البيان بيان. - قواعد الانتقال إلى البدل. - الحاجة داعية إلى الاستدلال بالقواعد الفقهية على المسائل التي ليس لحكمها نص خاص من الكتاب أو السنة أو من الإجماع، وهذه الثمرة من أهم ثمرات تقعيد القواعد وتأصيل الأصول. - الحاجة الماسة من جملة الأسباب الداعية إلى استثناء بعض المسائل من قواعدها وأصولها، وغالباً ما تكون هذه الحاجة هي الحاجة العامة، والشواهد الدالة على كون الحاجة سبباً في استثناء المسائل من قواعدها وأصولها كثيرة مشهورة عند العلماء. - دلت عدد من القواعد الفقهية على طبيعة العلاقة القائمة بين الحاجة والضرورة، وأهم هذه القواعد على الإطلاق القاعدة المشهورة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، والكلام على هذه القاعدة عظيم الشأن خطير العاقبة، وأول من أطلقها من أهل العلم – حسب ما اطلعت عليه – أبو المعالي الجويني، ثم تناقلها أهل العلم من مختلف المذاهب، وهذه القاعدة ليست على ظاهرها، ولذلك فإن التنزيل فيها لا يجوز أخذه على الإطلاق والعموم؛ لأنه لو كان كذلك لما كان هناك فرق بين الحاجة والضرورة، وغاية ما تفيده القاعدة أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظور الذي هو من خصائص الضرورة أصلاً، وذلك في بعض الحالات التي تشتد فيها الحاجة, وتقترب حقيقتها من الضرورة، ولذلك فإنه لابد من التعبير عن القاعدة بما يدفع هذا الإشكال، كأن يقال: الحاجة يجوز أن تنزل منزلة الضرورة، أو: الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، أو: الحاجة يمكن أن تنزل منزلة الضرورة. - تعتبر الحاجة ضابطاً للقدر المستباح لأجل الضرورة، كما تدل عليه قاعدة: الضرورة تبيح التناول من مال الغير بقدر الحاجة. - دلت عدد من القواعد الفقهية على حقيقة الحاجة وثبوتها ومقدارها والفرق بين بعض أنواعها: وهي القواعد التالية: - الحوائج الأصلية للإنسان لا تعد مالاً فاضلاً. - كل ما أبيح للحاجة العامة لم يعتبر فيه حقيقة الحاجة. - الحاجة العامة إذا وجدت أَثْبَتت الحكم في حق من ليس له حاجة. - ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها. - ما كان مباحاً للحاجة قدر بقدرها. - دلت عدد من القواعد الفقهية على أثر الحاجة في تغيير الأحكام أو تبديلها، وهي القواعد التالية: - الفعل المنهي عنه سدا للذريعة يباح للحاجة. - لو عم الحرام الأرض اكتفي بالحاجة في إباحته دون الضرورة.

стр. 55

- ما تدعو الحاجة إلى التصرف فيه من مال الغير أو حقه، ويتعذر استئذانه؛ إما للجهل بعينه أو لغيبته ومشقة انتظاره؛ فهذا التصرف مباح جائز موقوف على الإجازة، وهو في الأموال غير مختلف فيه. - العقد على المنفعة في موضع الحاجة من غير تقدير مدة جائز. - ما يحتاج إلى بيعه يجوز بيعه وإن كان معدوماً. - كل شيء يكون فيه دفع حاجة الناس الماسة فهو جائز. - البيع يصح في المجهول عند الحاجة. - كل ما اشتدت الحاجة إليه كانت التوسعة فيه أكثر. - ما احتيج إلى بيعه فإنه يوسع فيه ما لا يوسع في غيره. - قد توجب الشريعة التبرع عند الحاجة. - الحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل. - ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأموال والأعيان ولا ضرر في بذله؛ لِتَيسره وكثرة وجوده، أو المنافع المحتاج إليها؛ يجب بذله مجاناً بغير عوض في الأظهر. - الواجب بالشرع قد يرخص فيه عند الحاجة. - الواجبات تسقط للحاجة. - ثبوت الولاية على المعاوضة شرعاً للحاجة. - ما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس، فإنه يجب أن يباع بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. - كل ما كره استعماله مع الجواز فإنه بالحاجة لا يبقى مكروهاً. - السكوت عند الحاجة إلى البيان بيان. - أثرت الحاجة في طائفة من المسائل النازلة في مختلف كتب الفقه وأبوابه، وذلك بعد التأكد من ملائمة هذه المسائل لقواعد الحاجة وأصولها، وموافقتها لشروطها وضوابطها، وهذه المسائل كثيرة، ومنها المسائل الآتية: - استعمال قطرة الأنف والعين للصائم. - الطواف والسعي على سطح الحرم. - رمي الجمار في غير وقته المعتبر. - مبيت أيام التشريق في خارج منى. - التوسع في حقيقة القبض وحكمه. - شراء بيوت للسكنى في ديار الكفار. - تنازل المرأة عن حقها في النفقة أو المبيت أو فيهما. - التلقيح غير الطبيعي. - إجهاض الحمل المشوه. - إثبات النسب بالبصمة الوراثية. - الاعتماد على البصمة الوراثية في إثبات الجرائم. - استعمال الأجهزة الحديثة في إثبات الجنايات. - السجن مدى الحياة. - التبرع بالأعضاء وزراعتها. - إجراء عمليات التجميل. - تصوير ذوات الأرواح. - لم تقوى الحاجة على التأثير على بعض المسائل النازلة التي قد تدعو الحاجة إليها في هذه الأزمان؛ وذلك لمعارضتها لقواعد الحاجة وأصولها، ومخالفتها لشروطها وضوابطها، وهذه المسائل كثيرة، درست منها مسألتين، وهما: - الاستثمار والمتاجرة في أسهم الشركات المختلطة بمحرم. - عقد الإجارة المنتهية بالتمليك. ثانياً: التوصيات: - دراسة المسائل الفقهية التي أثرت الحاجة في حكمها، لاسيما ما نص على حكمه في الكتاب والسنة, أو انعقد عليه إجماع الأمة، وهذا الأمر من أهم المهمات لمن أراد الحديث عن الحاجة؛ لأن تلك المسائل قد انطوت مباحثها على طائفة مهمة من أحكام الحاجة وصفاتها، مما يسهم إسهاماً كبيراً في إيضاح حقيقة الحاجة ورسم حدودها وإبراز معالمها. - حصر الأصول والقواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بالحاجة، وجمعها في مكان واحد، ودراستها دراسة علمية تأصيلية تطبيقية، ولا يغني عن هذا الأمر ما تمت كتابته في هذا البحث؛ لأنه وإن جمع طائفة من تلك القواعد والضوابط إلا أنه لم يكن من مقاصده حصر جميعها ولا استقصاء القول في تفصيلاتها. - الاهتمام بالمقاصد الحاجية ودراستها دراسة مستفيضة، أسوة بما تحقق لقسيمتها المقاصد الضرورية, التي أكثر أهل العلم من الكلام عنها قديماً وحديثاً. - أوصي جميع الباحثين في العلوم الشرعية – خصوصاً المشتغلين بتحقيق كتب أهل العلم – أن يقوموا مشكورين بوضع فهارس دقيقة للقواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بالحاجة؛ من أجل أن يسهل الوصول إليها والإطلاع عليها، ومن ثم يمكن الاستفادة منها في معرفة مذاهب أهل العلم حول الحاجة تأصيلاً وتطبيقاً. - كما أوصي من تصدى لإفتاء الناس, والتوقيع عن رب العالمين بجملة من الأمور المتعلقة بالحاجة، وهي: - أن يكون بصيراً بحاجات الناس مطلعاً عليها مهتماً بها عالماً بأثرها؛ ليراعيها في أحكامه وفتاويه، ومن أجل أن يعطي كل مستفت ما يناسبه من الأحكام. - التنبيه على اختصاص الفتاوى المبنية على الحاجة بأصحابها الذين وقعت لهم الحاجة أو من شابههم في ذلك، وعدم مشاركة غيرهم لهم في ذلك، لاسيما في الفتاوى العامة المبثوثة في وسائل الإعلام المختلفة التي يستمع إليها غالب الناس في سائر الأقطار. - التأكيد على ربط العمل بالحاجة بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وعدم مخالفتها لها حقيقة ولا ضمناً.

стр. 56

الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس المؤلف/ المشرف: عبدالكريم بن علي النملة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة بعد نهاية الكتابة في هذا الموضوع أحببت أن أختمه بتذكير القارئ بأهم ما تضمنه هذا البحث للوقوف عليه وقفة إجمالية فأقول: أولاً: بعد ما ذكرت عدة تعريفات للرخصة، وشرحت كل تعريف وتبين في آخر الأمر أنها وإن اختلفت في اللفظ إلا أنها متقاربة في المعنى، وأن أقرب وأنسب تعريف للرخصة هو ما ذكره البيضاوي من أنها (الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر). ثانيا: أشرت إلى تعريف العزيمة بسبب أن الرخصة تقابلها في أكثر المباحث فقلت: إنها (الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض) وذكرت أن العلماء اختلفوا في شمولها للأحكام الشرعية. ثالثا: بينت أن العذر من مشقة وحاجة وضرورة – المشروط في الرخصة – أمر إضافي ليس له ضابط معين بحيث يكون المكلف فقيه نفسه في الأخذ بالرخصة فالمشاق تختلف بحسب الأفراد وبحسب الأزمان والأعمال، وليس كل الناس في تحمل المشاق على حد سواء. رابعا: رجحت أن الرخصة من أقسام الأحكام الوضعية؛ لقوة التصاقها بها. خامسا: فصلت القول في تقسيمات الرخصة؛ وقلت: إن لها تقسيمات أربعة: فهي تنقسم باعتبار أنواع الأحكام الشرعية إلى: واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به سوى هذا الخمر، والتيمم للمريض الذي يزيد مرضه إذا استعمل الماء، أو به جراحة كذلك، ولمن زيد في ثمن الماء له، والفطر في رمضان لمن خشي على نفسه الهلاك من الصيام وإن كان غير مسافر ولا مريض. وإلى مندوبة كقصر الصلاة في السفر، والإبراد بالظهر في شدة الحر. وإلى مباحة كالعريا، والسلم، والإجارة والقراض والمساقاة، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان، وذكرت أن المكره على التلفظ بكلمة الكفر لو امتنع عن ذلك فقد أخذ بالعزيمة وهو أفضل؛ لأنه بذل نفسه في دين الله تعالى، ومن أمثلة الرخصة المباحة – أيضا – الجمع بين الصلاتين في السفر، وتعجيل الزكاة، والنظر إلى المخطوبة، ورؤية الطبيب لعورة الرجل والمرأة عند الحاجة وغير ذلك من الأمثلة. وإلى رخصة خلاف أولى كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، والمسح على الخفين. وإلى رخصة مكروهة كالسفر للترخيص، وغسل الخف بدلا من مسحه. ووضحت بالأدلة أن الرخصة لا تكون محرمة. ثم ختمت تلك الأقسام للرخصة عند الجمهور ببيان أنه لا خلاف بين قول الشاطبي من أن حكم الرخصة الإباحة مطلقا وبين وصف الجمهور للرخصة بالوجوب والندب والإباحة والكراهة وخلاف الأولى؛ لأن معنى الرخصة العام هو اليسر والسهولة ورفع الحرج عن المكلفين أما وصف الرخصة بالوجوب والندب وغيرهما: فهو قدر زائد على مسمى الرخصة أثبتته الأدلة الخارجية. والرخصة تنقسم باعتبار الحقيقة والمجاز إلى قسمين رخصة حقيقية ورخصة مجازية وهذا عند الحنفية. والرخصة تنقسم باعتبار الكمال والنقصان إلى كاملة كالتيمم، وإلى ناقصة كالإفطار في رمضان. والرخصة تنقسم باعتبار المسبب لها إلى اختياري كالسفر، وإلى اضطراري كالغصة بلقمة. وبينت أن الأدلة على كل مثال في كل قسم من الأقسام تعتبر أدلة لمشروعية الرخصة بصورة عامة. سادسا: تكلمت عن موضوع يعتبر من أهم موضوعات الرخصة ألا وهو: (إثبات الرخص بالقياس) وقبل الخوض في هذا الموضوع ذكرت تمهيدا للدخول فيه بحثت فيه تعريف القياس لغة واصطلاحا وحجيته – باختصار -. ثم بعد ذلك فصلت القول في هذه المسألة مبينا خلاف العلماء فيها، وخلصت إلى أن القول الحق في هذه المسألة هو أن الرخص تثبت قياسا؛ لقوة الأدلة على ذلك، فنتيجة لذلك نقول بجواز بيع العنب بالزبيب قياسا على العرايا، وأن الصلاة تجمع من أجل الثلج قياسا على المطر وغير ذلك من الأمثلة. سابعا: وضعت بعض التنبيهات المهمة في آخر كل بحث أو مطلب إذا لزم الأمر. وأخيرا أدعو الله أن يجعل هذا العمل في موازين أعمالي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، وأن يدخل والدينا ومشائخنا وجميع أصحاب الحقوق علينا بواسع رحمته إنه سميع مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 57

الرخص الشرعية – أحكامها وضوابطها المؤلف/ المشرف: أسامة محمد الصلابي المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار الإيمان – مصر ̈بدون سنة الطبع: بدون تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة: وبعد أن منَّ الله علي بإتمام هذا البحث رأيت أن أختمه بأهم النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث وهي كما يلي: ١ - أن الفقه الإسلامي يمتاز بالمرونة والشمولية وتغطية جميع مجالات الحياة. ٢ - الشريعة الإسلامية مبنية على رفع المشقة عن الناس وإزالة الحرج عنهم، فالشريعة جاءت لتحقيق مصالحهم, ومن مصالحهم رفع الحرج عنهم. ٣ - أن المشقة تجلب التيسير أصل من أصول الشريعة الإسلامية ونصوص القرآن والسنة وأعمال الصحابة ﵃ دالة على ذلك في أكثر من موضع. ٤ - أثبت أن لرخص الشريعة ضوابط يجب أن تخضع لها وهي ضوابط كفيلة للفصل بين المشقة الوهمية والمشقة الحقيقية, وعلى من يفتي الناس أن يحيط بهذه الضوابط حتى لا ينزلق في فتواه فيفتي بالترخص في غير محله الصحيح. ٥ - ضوابط الرخص هي المعيار الأصلي الذي ينبغي الاستناد إليه فيما يباح بالرخص وما لا يباح. ٦ - فهم مقاصد الشريعة وفقه تفصيلاته أمر هام للغاية وينبغي مراجعتها ودقة النظر فيه. ٧ - إباحة الرخصة لا يسقط حق الآخرين من الضمان. وسيجد القارئ نتائج أخرى أثناء البحث.

стр. 58

الرخص الفقهية من القرآن والسنة النبوية المؤلف/ المشرف: محمد الشريف الرحموني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مؤسسات عبدالكريم بن عبدالله - تونس ̈الثانية سنة الطبع: ١٩٩٢م تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة آن لنا – في خاتمة هذه الرسالة – أن ننبه جميع المكلفين: من مستفتين ومفتين إلى بعض المسائل الهامة التي خرجت بها بعد مسيرة طويلة قضيتها مع رخص الشرع وتخفيفاته، مقارنة بعزائمه وحتمياته. أريد أن أقول لهم جميعا: أولا: إن الرخص الفقهية – على تضافر أدلتها، وعلى ما صح من حث المشرع عليها، وترغيبه في الأخذ بها، وعلى ما بذل في تقعيد قواعدها، وضبط جزئياتها وعلى ما تم ذكره من قيام أسبابها، وتوفر شروطها، وانتفاء موانعها. وحد حدودها، وتعيين مجالاتها – أنها رغم كل الاحتياطات والتحريات التي تتخذ قبل تطبيقها تبقى – مع ذلك – إضافية أي أن كل أحد من المكلفين فقيه نفسه في الأخذ بها أو في عدمه. ولزيادة توضيح هذه المسألة يمكن التذكير بأن المشقة – مثلا – التي تعتبر سببا هاما من أسباب الرخص تختلف قوة وضعفا، وتزداد شدة وخفة بحسب أحوال المسافرين، وأزمنة السفر، ومدته، ووسائله، وبحسب طبيعة الأعمال، ودرجة التصميم في العزائم، وما إلى هذا مما يتعذر ضبطه واطراده في جميع الناس، الأمر الذي جعل المشرع الحكيم يعدل عن إناطة الحكم بذات المشقة وبسنده إلى أمر آخر مما يدل غالبا عليها كما هو الحال في السفر، فقد أنيط به الحكم لأنه أقرب مظان حصولها. وقد ترك أمر المكلفين – مع ذلك – في أكثر الحالات موكولا إلى الاجتهاد الشخصي والفقه النفسي: فرب مريض يقوى في مرضه على ما لا يقوى عليه الآخر فتكون الرخصة مشروعة لأحد المريضين دون صاحبه، ورب مضطر قد اعتاد الصبر على الجوع والخصاصة فلا تختل مداركه بفقد الطعام بل تلحقه المشقة فقط، في حين تختل بفقده حال غيره فهذا يجب عليه الترخص والأول يكون مخيرا فيه إذا خلا عن المرجح. ورُبّ عامل حمله التحمس للعمل حتى خف عليه ما ثقل على غيره من الناس. وحسبك من ذلك ما يروى من أخبار أهل العبادات الذين صابروا الشدائد وتحملوا أعباء المشقات من تلقاء أنفسهم فخفت عليهم أنواع ثقلت على من كانوا دونهم، بل كانت – بالنسبة لهؤلاء – عذابا شديدا وألما أليما حسب تعبير الإمام الشاطبي. ولا غرابة في ذلك فإن القلوب إذا امتلأت بالإيمان نشطت للعبادة أعضاء الأبدان وجوارحها. أضف إلى ذلك أن بعض الناس يقطعون المسافات العظيمة يوميا: كالموزعين والموردين وأصحاب البريد قديما، فلا يترخصون – وليس لهم أن يترخصوا – وبعضهم يسافرون مرة في حياتهم أو مرتين مسافة دونهم فيترخصون – ويكون لهم ذلك – لأن طبيعة عمل أولئك أخرجتهم عن حد السفر إلى حد العادة بالنسبة إليهم بخلاف غيرهم. ثانيا: إن تتبع رخص المذاهب والجري وراءها والتحيل لدخول منطقتها دون سبب وجيه يعتبر هروبا من التكاليف وتخلصا من المسؤولية وهدما لعزائم الأوامر والنواهي وجحودا لحق الله تعالى في العبادة وهضما لحقوق عباده، وهو يتنافى مع مقصد الشارع من شرع التخفيف عموما والرخص بصفة خاصة، ولا يكون ذلك إلا من جبان هان عليه دينه فضعفت عزيمته. وقد عبر العلماء عن هذا العمل بأنه فسق لا يحل. وحكى ابن حزم الإجماع على اعتباره كذلك وقال – نقلا عن غيره -: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله.

стр. 59

ونقلوا عن الإمام أحمد أنه قال: لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقا. كما نقلوا عن إسماعيل القاضي أنه قال: دخلت على المعتضد فرفع إلي كتابا لأنظر فيه وقد جمع فيه صاحبه الرخص من زلل العلماء وما احتج له كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب. مع ملاحظة أن هذه النقول لا تعني منع العامي الذي التزم بتقليد مذهب معين أن يأخذ بمذهب غيره في مسألة ما، خاصة إذا توفرت شروط مبسوطة في كتب الأصول. ثالثا: إن الرخص أحكام الله تعالى شرعها لعباده في حالات خاصة وهي من الدقة والخفاء ما قد علمنا، ولذلك تعين على المجتهدين أن يتحروا في الفتوى بها غاية التحري، وأن لا يراعوا من أحوال المستفتين سوى ما يساعدهم على الاهتداء إلى حكم المولى ﵎، الذي يتلاءم مع أعذارهم ويتماشى مع أحوالهم، ولا حرج عليهم إذا اختلفت فتواهم في النازلة الواحدة باختلاف الأشخاص، فإنما شأنهم في هذا الأمر شأن الطبيب الحاذق مع مرضاه: يتعرف بدقة على أحوالهم ظاهرا وباطنا ويوظف ذلك في وصف العلاج لهم، وكثيرا ما تختلف وصفاته للمرض الواحد باختلافهم. لكن الحرج الذي لا يحتمل والمكروه الذي لا يبيحه الشرع هو أن يفتي هذا المفتي أو ذاك بما يشتهي أو يفتي زيدا بما لا يفتي به عمرا لصداقة بينهما، أو قرابة تشدهما أو وجاهة تستقطب أحدهما دون الآخر، ناسيا أو متناسيا أن المفتي مخبر عن الله تعالى في حكمه، وأنه لا يجوز لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه. يقول الشاطبي – في هذا المعنى – وقد صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال اتباعا لغرضه وشهوته أو لغرض ذلك القريب أو ذلك الصديق. وقال القرافي: لا ينبغي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف فذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين وهو دليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب للخلق دون الخالق فنعوذ بالله من صفات الغافلين. الذين أخرجوا الأمر – بتصرفهم الأخرق – عن كونه قانونا شرعيا وجعلوه متجرا ومكسبا حتى كتب بعض المؤلفين من المتطفلين على الفقه ما نصه: (نحن مع الدراهم كثرة وقلة.) ثم يعود الشاطبي إلى القول: بأن هذا الأمر وجد في الأزمنة الماضية فضلا عن زماننا ويدعم رأيه بنماذج من الأقوال والأفعال التي حوتها خزائن الكتب في مختلف الأغراض: فهذا البهلول بن راشد يقول – لعبد الرحيم بن أشرس حين جاء يطلب الرخصة في نازلة نزلت به -: يا ابن أشرس ما أنصفتم الناس إذا أتوكم في نوازلهم قلتم: قال مالك، قال مالك فإذا نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرخص. وذاك الإمام الباجي يتحدث عن بعض الفقهاء ممن عاصروه فيفيدنا بأن أحد المقربين إليهم اكترى جزءا من أرض على الشياع ثم أن رجلا آخر اكترى باقي الأرض فأراد المكتري الأول أن يأخذ بالشفعة ولكنه غاب عن البلد قبل أن يطالب بحقه فيها، فأُفتي المكتري الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أن لا شفعة في الإجارات فلما عاد الأول من سفره سأل أولئك الفقهاء عن مسألته فقالوا: ما علمنا أنها لك، وإلا أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها، وفعلا تم له الحكم على هذا الأساس. أما القاضي عياض فإنه ينقل إلينا بأمانة ما قاله محمد بن يحيى لزملائه من القضاة والمفتين لما امتنعوا من إفتاء أمير المؤمنين الناصر لدين الله في مسألة الوقف بغير مذهب مالك، وذكر أنه قال لهم – مبالغة في إحراجهم وتقربا من الخليفة -: ناشدتكم الله العظيم ألم تنزل بأحدكم مسألة بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم في ذلك؟ قالوا: بلى. قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك فخذوا به مآخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء فكلهم قدوة. ولعل القارئ الكريم يشاطرني الرأي بأن هذه الفتاوى المنتقدة لو جانبت الهوى وتعرت عن الأطماع والمحاباة لكانت مقبولة شرعا بل ربما عدت محققة لمقاصد الشارع في التخفيف والرحمة وإخراج المكلفين من الضيق. أما حين نقرأ رأي قاضي القضاة أبي عمر: محمد بن يوسف المتوفى سنة ٣٢٠هـ في التداوي من الخمار فلا يسعك إلا أن تقول مع من قال – إن صح الخبر – إنه مجون مرذول لا يصدر إلا عن الفساق والمستهترين. ولله الأمر من قبل ومن بعد ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ صدق الله العظيم.

стр. 60

السبب عند الأصوليين المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز عبدالرحمن الربيعة المحقق/ المترجم: بدون الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ̈بدون سنة الطبع: ١٣٩٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة بعد هذه الجولة التي أمضيناها مع "السبب عند الأصوليين" في فصوله ومباحثه، نقف حيث انتهت بنا مباحثه، ونرسم خلاصة هذه الجولة وأهم النتائج التي انتهت إليها، ثم نتقدم ببعض المقترحات التي هدى إليها البحث. فنقول: ١ - استهلت هذه الجولة الموضوع بتمهيد في معنى الحكم وأقسامه وتعريف كل قسم، إذ السبب وثيق الصلة بهذا، حيث إنه أحد أقسام الحكم الوضعي، فذهب التمهيد يعرف الحكم ويقسمه إلى عقلي وعادي وشرعي، ويقسم العقلي والعادي إلى أقسامهما الفرعية. وحيث كان الحكم الشرعي هو الذي يحتاج إليه الباحث في علم الفقه وأصوله، فقد ذهب التمهيد يبين تعريفه عند كل من الأصوليين والفقهاء ويشرح التعريفين ويبين وجهة كل واحد من الفريقين في تعريفه، كما ذهب يبين الخلاف في تقسيمه إلى تكليفي ووضعي أو أنه لا أقسام له وأنه واحد لا يتعدد، بحيث إنه يشمل معنى الاقتضاء والتخيير، والحكم الوضعي راجع إلى ما يسمى بالحكم التكليفي، فلا تقسيم إذن للحكم الشرعي. وقد سلك للدخول على ذلك بيان معنى كل من الحكم التكليفي والوضعي، حتى يكون الإنسان على بينة من حقيقتيهما عند عرض أدلة المختلفين في تقسيمه أو عدم تقسيمه. وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها البحث، أن الراجح تقسيم الحكم الشرعي، وأن الخلاف في التقسيم وعدمه، لا تظهر له ثمرة عملية. كما بين التمهيد أقسام الحكم التكليفي باعتبار الطلب ونوعه عند كل من الجمهور والحنفية، وفصل القول في آراء العلماء في وجه إدخال الندب والكراهة والإباحة تحت أقسام الحكم التكليفي. ثم مضى التمهيد يبين ما حصل من الخلاف الكثير في أنواع الحكم الوضعي وعدتها، واقتصر على التعريف بالأنواع المشهورة، وهي السبب، والعلة، والشرط، والمانع، والعزيمة والرخصة، والصحة والبطلان والفساد، مبينا وجهة نظره في الاقتصار عليها. وفي بحث العزيمة والرخصة تطرق التمهيد إلى الخلاف في أي النوعين يدخلان: أفي الحكم التكليفي أم في الوضعي، وقد انتهى إلى إدخالهما في الوضعي. كما أنه في بحث الصحة والبطلان والفساد تطرق إلى الخلاف في أي الأنواع تدخل، أفي الأحكام الشرعية التكليفية، أم في الوضعية، أم أنها أمور عقلية لا علاقة لها بأحكام الشرع. وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها في هذا، ترجيح القول بأنها أحكام وضعية. كما أنه في هذا البحث بين منشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور في التفرقة بين الفاسد والباطل في المعاملات وعدم التفرقة بينهما. وعلى ضوء ما تقدم من حقيقة الحكم التكليفي والوضعي وأمثلتهما والأحكام التي تجري عليهما، استطاع التمهيد أن يبرز الفروق بين الحكم التكليفي والوضعي ويحصرها في الأمور الآتية: الأول: أن حقيقة الحكم التكليفي الطلب أو التخيير، أما الوضعي فحقيقته مخالفة لذلك كل المخالفة، فهو لا يحمل شيئا من الطلب أو التخيير، بل غاية ما يحمله جعل الشارع شيئا لشيء آخر وربطه به. الثاني: أن الحكم التكليفي مقصود بذاته حين يكون طلبا، وقد يقصد به ذات الفعل، لكن لا على التعيين للفعل أو الترك، بل على التخيير بينهما، لكن قصد ذات الشيء موجود، وإن لم يوجد التعيين لنوع المقصود من فعل أو ترك. أما الحكم الوضعي فليس مقصودا بذاته. الثالث: أن الحكم التكليفي – كما يراه بعضهم – هو الأحكام الخمسة: الإيجاب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة. أما الوضعي، فينحصر في الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والبطلان، والعزائم، والرخص.

стр. 61

الرابع: أن الحكم التكليفي يشترط فيه علم المكلف به، وقدرته على الفعل المكلف به، وكونه من كسبه. أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه علم المكلف، ولا قدرته على الفعل المكلف به، ولا كونه من كسبه، إلا قاعدتان اشترط فيهما ما اشترط في الحكم التكليفي، وهما: الأسباب التي هي جنايات وأسباب للعقوبات، وأسباب انتقال الأملاك. الخامس: أن الخطاب في الحكم التكليفي، يتعلق دائما بفعل المكلف اقتضاء أو تخييرا، أما في الحكم الوضعي، فإن الخطاب قد يكون متعلقا بفعل المكلف، وقد يكون متعلقا بفعل غير المكلف، وقد لا يكون متعلقا بفعل الإنسان مطلقا. السادس: أن الأحكام التكليفية كلها من تكليف الشارع وحده. أما الأحكام الوضعية، فقد تكون من الشارع وضعا وإنشاء، وقد تكون من المكلف إنشاء لا وضعا. ومن أجل ما بين العلة والسبب من أمور كثيرة يتفقان فيها، فقد ذهب التمهيد يوطئ لموضوع البحث ببيان مذاهب العلماء في معنى العلة. ٢ - وقد سجل الفصل الأول البحث في حقيقة السبب، وفي بحثه له قسمه إلى مبحثين. المبحث الأول: معنى السبب، وفيه تطرق إلى ما قيل في معناه من حيث اللغة، ثم انتقل إلى ذكر معناه الاصطلاحي مبينا الخلاف في ذلك ومنشأه، ومقارنا بين كل معنى قيل فيه وبين المعاني التي قيلت في العلة لبيان أوجه التباين أو التشابه بينهما، ولهذا الغرض نفسه أجرى مقارنة بين المعنى الواحد للسبب الذي قال فيه أحد العلماء أو جملة منهم، أجرى مقارنة بينه وبين المعنى الذي قاله به في العلة. وفي نهاية بحث هذا المبحث أعلن عن أن التعريف الذي ستدور عليه دراستنا للسبب، هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي. وهو تعريف يشمل ما كانت المناسبة بينه وبين الحكم ظاهرة تدركها عقولنا، أو غير ظاهرة لا تدركها عقولنا. كما أعلن عن أن دراستنا للسبب، ستتناول السبب بالمعنى الذي ذكره العلماء في تخصيص العام بالسبب الخاص، وهو الداعي إلى الخطاب على طريق الورود، لا على طريق الوجوب والتأثير. أما المبحث الثاني:، فهو أسباب الأحكام، وفيه ذكر خلاف العلماء، في أن للأحكام أسباباً أو لا، وحصر الخلاف في ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: إثبات الأسباب للأحكام كلها. المذهب الثاني: إنكار الأسباب للأحكام كلها. المذهب الثالث: إثبات الأسباب للأحكام سوى العبادات. وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها ترجيح مذهب من قال بإثبات الأسباب للأحكام كلها. وفي هذا المذهب تطرق إلى الخلاف بين المعتزلة والغزالي في أن السبب مؤثر في الحكم بذاته، أو أنه مؤثر فيه لا بذاته، وأعطى القول الذي رآه حقا في هذا. ثم تطرق إلى ثلاثة أبحاث مبهمة، هي بيان أن نصب السبب سببا، حكم شرعي، وفائدة نصب الأسباب أسبابا للأحكام، والطرق التي بها يعرف السبب. ثم عقد بحثا فصل فيه الأحكام مع بيان سبب كل حكم على طريقة المتأخرين من الأصوليين الحنفية، وذكر الخلاف في سبب الحكم حيث وجد مع الأدلة وترجيح المختار. وأعقب هذا بطريقة المتقدمين من الأصوليين الحنفية في أسباب الأحكام في العبادات، ثم ختم ذلك بالموازنة بين الطريقتين، لبيان ما اتفقنا فيه وما اختلفنا فيه، ولبيان قرب إحداهما من الأخرى.

стр. 62

٣ - أما الفصل الثاني: فقد سجل البحث في تقسيم السبب باعتبارات مختلفة، وقد بلغت عدة مباحث هذا الفصل تسعة عشر مبحثا، كل واحد منها يمثل تقسيما مستقلا للسبب، وفي طليعتها تقسيم السبب باعتبار ما يطلق عليه اسم السبب، وهو ما سجله المبحث الأول من هذا الفصل، وفي بحثه له ذكر الخلاف في أن السبب ينقسم من هذه الناحية إلى أربعة أقسام: سبب حقيقي، وسبب في معنى العلة، وسبب مجازي، وسبب له شبهة العلة، أو أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: سبب حقيقي، وسبب في معنى العلة، وسبب مجازي. وبين معنى كل واحد، وحكمه، ومثل له، كما ذكر وجهة كل من الرأيين في التقسيم، ومورد القسمة للسبب في هذا التقسيم، ثم ختم البحث فيه بذكر اصطلاح الحنابلة في تقسيم السبب من هذه الناحية. ثم أخذ هذا الفصل يتابع البحث في المباحث، حتى وصل إلى المبحث الحادي عشر، وهو تقسيم السبب من حيث المشروعية وعدمها، وفي بحثه له بين أن السبب يقسم من هذه الناحية إلى قسمين: سبب مشروع وسبب ممنوع، وعرف كلا منهما ومثل له، ثم ذكر رأي بعض الباحثين في هذا التقسيم من حيث نفيه له وزعمه أن المجال لا يسمح بإقحام السبب الممنوع، بحجة أننا إنما نبحث تقسيم السبب الشرعي، والسبب الممنوع ليس من الشرعي في شيء، ولكنه تصدى لهم بالمناقشة التي أسفرت عن بطلان قولهم، ورجحان قول من قسم السبب الشرعي من حيث المشروعية وعدمها إلى هذين القسمين. وفي المبحث الثاني عشر بحث تقسيم السبب المشروع لحكمة من حيث العلم أو الظن بوقوع الحكمة به أو عدم ذلك، وذكر فيه أنه إذا علم أو ظن وقوع الحكمة به، فلا إشكال في المشروعية، أما إذا لم يعلم ولم يظن وقوع الحكمة به، فهو على ضربين: الأول: ألا يعلم ولا يظن وقوع الحكمة به، لعدم قبول المحل لتلك الحكمة، فترتفع المشروعية أصلا. الثاني: ألا يعلم ولا يظن وقوع الحكمة به لأمر خارجي، مع قبول المحل لها. وهو موضوع خلاف بين الأصوليين، فالجمهور يقولون ببقاء السبب على مشروعيته، وبعض الأصوليين يمنع من بقاء السبب سببا في هذا النوع. وبعد أن ساق هذا الفصل أدلة المختلفين وما يرد على كل من المناقشة، أعلن أن تحرير الخلاف غير دقيق، ذلك أن السبب الذي لا يعلم ولا يظن وقوع الحكمة به لأمر خارجي مع قبول المحل لها، تحته قسمان: القسم الأول: أن يتوهم وقوع الحكمة به، وهذا لا خلاف في بقاء السبب على مشروعيته. القسم الثاني: أن يعلم عدم وقوع الحكمة به، وهذا هو محل الخلاف. ثم مضى هذا الفصل يتابع بحثه في مباحثه حتى وصل المبحث الثامن عشر، وهو تقسيم السبب من حيث زمن ثبوت المسبب إلى ما يتقدم مسببه عليه وإلى ما لا يتقدم مسببه عليه، وفي ثنايا بحثه له بين ما انفرد به ابن عبدالسلام من المخالفة في بحث بعض جزئياته. ولما استوفى ذلك بحثا، بين أن هذا التقسيم هو منهج القرافي ومن تابعه، وهو مبني على وقوع ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية، وذكر أنه منهج منتقد، إذ لا يجوز تقدم المسبب على سببه، ثم مضى يستدل لذلك، ويجيب عن الأمثلة التي ذكرها القرافي وغيره ممن تابعه في القول بوقوع ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية. وبعد أن خلص له ذلك مضى يبين منهج غير القرافي ومتابعيه في السبب الشرعي من حيث زمن ثبوت مسببه. ٤ - وحيث كانت هناك أمور تشتبه بالسبب، فقد سجل الفصل الثالث البحث في إزالة هذا الاشتباه بعنوان (الفرق بين السبب وما قد يكون بينه وبينه نوع اتصال) وعقد له ثمانية مباحث، خصص لكل مبحث نوعا من الأنواع التي تشتبه بالسبب: بين فيه معناه، ومثل له، واستوعب خصائصه، ثم خلص في كل نوع بمقتضى المقارنة بين خصائصه وخصائص السبب إلى الفرق بينهما.

стр. 63

٥ - ثم جاء الفصل الرابع مسجلا البحث في حكم القياس في الأسباب. وقد مهد لذلك ببيان معناه في اللغة والاصطلاح وبيان معنى القياس في الأسباب، ونراه في المعنى الاصطلاحي لقياس الطرد قد اعترف بأن أسلم تعريف له، ما اختاره ابن الهمام وعزاه أمي ربادشاه إلى الجمهور، وهو "مساواة محل لآخر في علة حكم له شرعي، لا تدرك من نصه بمجرد فهم اللغة". ثم خاض في بحث حكم جريان القياس في الأسباب وكونه حجة فيها، فذكر أن من العلماء من جوز جريان القياس في الأسباب، فيكون حجة فيها، ومنهم من منع جريان القياس في الأسباب، فيكون حجة فيها، ومنهم من منع جريان القياس في الأسباب. فلا يكون حجة فيها، وعرض أدلة المذهبين، وما يرد عليها من مناقشات، وما يمكن الإجابة به عن بعض هذه المناقشات. وقد انتهى في ذلك إلى نتيجتين هامتين: الأولى: أن الخلاف بين القائلين بجواز القياس في الأسباب والقائلين بالمنع، لا يترتب عليه ثمرة. الثانية: أن الراجح هو مذهب المانعين للقياس في الأسباب. ٦ - أما الفصل الخامس، فقد جاء مسجلا البحث فيما يشبه السبب، وعقد ذلك ثلاثة مباحث: أما المبحث الأول، ففي العلة اسما ومعنى لا حكما. وقد بين فيه ضابطها، ووجه شابهتها للسبب، وأردف ذلك بأمثلة وضح فيها انطباقها على الممثل له ووجه الشبه فيها بالسبب. ولم يفته أن يسجل على التفتازاني (في التلويح) وهمه في تفسيره لصدر الشريعة (في التنقيح) بأن مرض الموت. والجرح، من قبيل علة العلة، وهما من قبيل العلة اسما ومعنى لا حكما. كما لم يفته أن يبين أن العلة اسما ومعنى لا حكما، قد توجد غير متشابهة للسبب. وأما المبحث الثاني، ففي العلة معنى لا اسما ولا حكما، وقد اتبع في توضيحه الخطوات التي اتبعها في المبحث الأول، وبين أن هذا المبحث هو علة العلة، وانطلاقا من هذا، مضى يبحث ثلاث نقاط مهمة: الأولى: هل تخلو علة العلة عن مشابهتها للسبب: الثانية: إذا كانت علة العلة لا تخلو عن مشابهتها للسبب، فما النسبة بينها وبين العلة اسما ومعنى لا حكما. وفي هذا سجل أن بينهما عموما وخصوصا من وجه. الثالثة: ما جرى من الخلاف في أن علة العلة، علة معنى لا اسما ولا حكما، أو أنها علة اسما ومعنى لا حكما. وكانت النتيجة التي انتهى إليها، ترجيح الرأي المشهور، وهو أن علة العلة، علة معنى لا أسما ولا حكما. وأما المبحث الثالث، ففي الشرط، وفي بحثه له، ذكر أقسامه، مع بيان حقيقة كل قسم وتوضيحه بالأمثلة، ثم استنتج من ذلك ما كان منها يشبه السبب، ووجه مشابهته له. ٧ - وحيث إن الأسباب إنما، تشرع من أجل ما يترتب عليها من المسببات، فقد جاء الفصل السادس مسجلا البحث فيما فيه ارتباط بين السبب أو المسبب، وعقد لذلك سبعة عشر مبحثا. وبحث في المبحث الأول مشروعية الأسباب من حيث استلزامها لمشروعية المسببات وعدم ذلك، وبين فيه أن الأسباب إذا تعلق بها أحكام شرعية تكليفية، فإنه لا يلزم أن تتعلق تلك الأحكام بمسبباتها، ثم عرض شبهة من يقول بالاستلزام، وانتهى بعد ذلك إلى رجحان قول من قال بعدم الاستلزام. كما عرض طريقة الشاطبي ومن تابعه من الباحثين المحدثين في الاستدلال لكون مشروعية الأسباب لا تستلزم مشروعية المسببات، وناقشها مناقشة موضوعية، إذ أنها طريقة تخالف واقع المسببات، كما أنها تخالف ما قاله الشاطبي نفسه في صدر المسألة. ثم مضى يتابع بحثه في هذه المباحث، حتى وصل إلى المبحث الحادي عشر، وهو أن الأسباب الممنوعة، قد يترتب عليها أحكام ضمنية ومصالح تبعية، فسجل في بحثه – فيما سجل – مناقشته للشاطبي في جعله القصد بالسبب المسبب الذي منع لأجله، مصلحة من شأن العاقل أن يقصد إليها، وهي مناقشة مبنية على ما يعضدها من أدلة.

стр. 64

وبحث في المبحث الثاني عشر تداخل الأسباب وتساقطها، فأوضح معنى التداخل بين الأسباب، وأن الأصل عدمه، وذكر ما ورد منه في أبواب الشريعة، والصور التي تتأتى في التداخل بين الأسباب، ومنهج ابن رجب في التداخل. ثم أوضح معنى تساقط الأسباب، وأن الأصل عدمه، كما ذكر قسمي تساقط الأسباب. ثم استنتج مما تقدم أوجه الاتفاق والافتراق بين قاعدتي تداخل الأسباب وتساقطها. ثم مضى في البحث حتى وصل إلى المبحث السادس عشر، وهو حكم الشرط إذا دخل على السبب في أنه هل يمنع انعقاده سببا في الحال، أو لا يمنع انعقاده سببا في الحال، وإنما يكون تأثيره في تأخير حكم السبب إلى حين وجوده، فعرض الخلاف في ذلك مع بيان دليل كل فريق، ثم فرع مسائل على الخلاف في هذه القضية. وفي المبحث السابع عشر بحث حكم السبب عند الشك في طريانه، من حيث الإلغاء والاعتبار، فبين أن القاعدة المجمع عليها من حيث الجملة، أن كل سبب شك في طريانه، فهو ملغي، فلا يترتب عليه مسببه، بل يجعل ذلك السبب كالمعدوم فلا يترتب عليه الحكم، كما أوضح تعذر الوفاء بهذه القاعدة المجمع عليها من حيث الجملة، في الطهارات من جميع الوجوه. ثم أتى بعد ذلك إلى بحث بقية المباحث التي عقدها. ٨ - ثم جاء الفصل السابع مسجلا البحث في مباحث متفرقة، وعقد في ذلك سبعة مباحث. وقد كان المبحث الأول في حالات الشك، باعتبار نصبه سببا وعدم نصبه. وقد تحصل له من ذلك أن الشك ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما ألغاه صاحب الشرع بالإجماع، فلم يعتبره سببا للحكم. الثاني: ما اعتبراه صاحب الشرع بالإجماع سببا للحكم. الثالث: ما اختلف في نصبه سببا. وكان المبحث الثاني فيما إذا كان وجوب الشيء مطلقا غير مقيد بسبب، لكنه في الخارج يتوقف على سبب، فهل يكون الخطاب الدال على وجوب ذلك الشيء دالاً أيضاً على وجوب السبب أو لا؟. وقد عرض فيه خلاف العلماء فيما إذا كان هذا السبب الذي يتوقف عليه وجود الشيء في الخارج، مقدورا للمكلف، عرض خلافهم في أن الدليل الدال على وجوب ذلك الشيء، هل يكون دالا أيضاً على وجوب هذا السبب الذي يتوقف عليه ذلك الشيء من حيث الوجود، أو لا يكون ذلك الدليل دالا على وجوبه، وإنما يكون وجوبه مستفادا من الدليل الذي دل عليه استقلالا. وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها. رجحان مذهب جمهور الأصوليين، وهو أن الخطاب الدال على وجوب الشيء، يدل أيضاً على وجوب السبب الذي يتوقف وجود ذلك الشيء في الخارج عليه، وتكون دلالته عليه التزامية. ثم مضى في بحث المباحث حتى وصل إلى المبحث الخامس، وهو الفرق بين قاعدة الإيجابات التي يتقدمها سبب تام، وبين قاعدة الإيجابات التي هي أجزاء الأسباب، فذكر فيه أن الإيجابات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما اتفق على أن السبب التام تقدمه. الثاني: ما اتفق على أنه جزء السبب. الثالث: ما اختلف فيه، هل هو من القسم الأول، أو من القسم الثاني. وقد بين حكم كل قسم من هذه الأقسام، من حيث جواز تأخيره عن السبب وعدم جواز ذلك، وحكى الخلاف فيما فيه خلاف. وجاء المبحث السادس، وهو الفرق بين السبب ودليل تقدم السبب. فأوضح الفرق بينهما، وفرع على مقتضاه مسائل. أما المبحث السابع، فقد كان في الفرق بين قاعدة الأسباب الفعلية، وقاعدة الأسباب القولية. وقد تحصل له أن الفرق بينهما يتم من ثمانية وجوه. ولم يكتف بعدها، بل أردفها بما يوضحها من مسائل. ولم ينس أن يذكر رأي ابن القيم في بعض ما ذكر من الفروق من حيث عدم صلاحيتها فروقا.

стр. 65

٩ - تلك الفصول السابقة كانت تسجل أبحاثا في السبب، بمعنى كونه وصفا ظاهرا منضبطا، دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي، سواء كانت المناسبة بينه وبين الحكم ظاهرة، تدركها عقولنا، أم غير ظاهرة، لا تدركها عقولنا. وحيث كان السبب في اصطلاح الأصوليين معنى آخر غير هذا، وذلك هو الداعي إلى الخطاب على طريق الورود، لا على طريق الوجوب والتأثير، وهو ما يتحقق في ورود اللفظ العام بناء على سبب خاص. حيث كان الأمر كذلك، فإننا نجد الفصل الثامن ينقلنا إلى بحث هذا المعنى للسبب في دائرة ما يتحقق فيه، ويسمه بتخصيص العام بالسبب الخاص. وقد مهد لذلك ببيان معنى العام والتخصيص في اللغة والاصطلاح. ثم ذكر أن لورود اللفظ العام بناء على سبب خاص أربع حالات: الحالة الأولى: أن يخرج العام مخرج الجزاء للسبب الذي تقدمه. الحالة الثانية: أن يكون اللفظ العام غير خارج مخرج الجزاء للسبب الذي تقدمه، ولا يستقل بنفسه، أي لا يفهم بدون ما تقدمه من السبب. الحالة الثالثة: أن يستقل العام بنفسه، أي يفهم معناه بدون ما تقدمه من السبب، ولكنه خرج مخرج الجواب، وهو غير زائد على مقدار الجواب. وقد وضحها بالأمثلة، وبين حكمها. فذكر أن الأولى يختص العام فيها بسببه. وذكر الخلاف في الثانية، مبطلا ما حكاه ابن ملك والعضد من الاتفاق على أن العام فيها يختص بسببه، لكنه انتهى إلى ترجيح القول بأن العام فيها يختص بسببه. كما ذكر أن الحالة الثالثة تحتمل اختصاص العام فيها بسببه، كما تحتمل عدم اختصاصه به. أما الحالة الرابعة: فهي أن يستقل العام بنفسه – أي يفهم بدون ما تقدمه من السبب – ويكون زائدا على مقدار الجواب. وبين أن هذه الحالة، لا يخلو الأمر فيها من أن يكون العام أعم من السبب في غير ذلك الحكم، أو أن يكون أعم منه في ذلك الحكم لا غير. فأما العام الذي هو أعم من السبب في غير ذلك الحكم، فقد اتفق العلماء على أن العبرة فيه بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما العام الذي هو أعم من السبب في ذلك الحكم لا غير، فإنه لا يخلو من حالة واحدة من أربع حالات: إما أن يوجد قرينة تدل على التعميم. أو يوجد قرينة تدل على التخصيص. أو لا يوجد شيء من هاتين القرينتين، لكن المتكلم نوع الجواب، دون قصد لمعنى ما جاء زيادة على مقدار الجواب. أو لا يوجد شيء من ذلك مطلقا. فأما الحالة الأولى، وهي ما إذا وجد قرينة تدل على التعميم، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. بلا خلاف كما ذكره بعض العلماء. وأما الحالة الثانية، وهي ما إذا وجد قرينة تدل على التخصيص، فإن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. وأما الحالة الثالثة، وهي ما إذا نوى المتكلم الجواب، دون قصد لمعنى ما جاء زيادة على مقدار الجواب فإنه يدين – أي يصدق – فيما بينه وبين الله تعالى، وتصير تلك الزيادة للتوكيد، لكنه لا يدين قضاء. وبهذا تكون العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ، ديانة لا قضاء. وأما الحالة الرابعة، وهي أن يكون هذا العام الذي هو أعم من السبب في ذلك الحكم لا غير، خاليا من قرينة تدل على التعميم، ومن قرينة تدل على التخصيص، ولم يكن المتكلم به ناويا الجواب، فهي محل خلاف بين العلماء، هل العبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أو العبرة فيها بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. وقد عرض هذا الفصل هذين القولين، وذكر من قال بهما وأدلة كل فريق وما يرد عليه من مناقشة والثمرة المترتبة على هذا الخلاف. وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها، رجحان مذهب القائلين بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 66

كما تطرق هذا الفصل إلى حكم تخصيص السبب وإخراجه عن العموم بالاجتهاد، فبين أنه إن كان هناك قرينة تدل على قطعية دخول السبب في العموم، فهو محل اتفاق على قطعية دخوله وعدم جواز تخصيصه وإخراجه عنه بالاجتهاد. وإن لم يكن هناك قرينة تدل على قطعية دخوله في العموم، فهو محل خلاف بين العلماء: فقيل: إنه مقطوع بدخوله في العموم فلا يجوز إخراجه منه بالتخصيص بالاجتهاد، وقيل: إنه مظنون دخوله في العموم، فيجوز إخراجه منه بالتخصيص بالاجتهاد، وقيل: إن السبب إن كان معيناً فمقطوع بدخوله في العموم، فلا يجوز إخراجه منه بالتخصيص بالاجتهاد، وإن كان نوع السبب، فمظنون الدخول في العموم، فيجوز إخراجه منه بالتخصيص بالاجتهاد. وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها، رجحان مذهب من قال، إن السبب مقطوع بدخوله في العموم، فلا يجوز إخراجه منه بالتخصيص بالاجتهاد. كما حقق القول فيما عزي إلى أبي حنيفة ﵀ من تجويزه إخراج السبب عن عموم اللفظ بالتخصيص بالاجتهاد. ولما كان الشافعي ﵀، قد نقل عنه كلا القولين في حكم العام الذي هو أعم من السبب في ذلك الحكم لا غير، حين يكون خاليا من قرينة تدل على التعميم أو التخصيص، ومن نية المتكلم به الجواب، دون قصد لمعنى ما جاء زيادة على مقدار الجواب، وكان التحقيق في القول الذي قال به من هذين القولين، يستحق أن يفرد بالبحث. لما كان الأمر كذلك، صنع هذا الفصل ذلك، وقد كانت النتيجة التي انتهى إليها، ترجيح القول بأنه يرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وحيث كان الحديث فيما تقدم مقصوداً به كلام الشارع، فقد أردفه بالبحث في كلام غير الشارع، وقد تحصل من بحثه أن للعلماء فيه ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المذهب الثاني: أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. المذهب الثالث: الفرق بين صور النهي وما أشبهها، وبين غيرها، فإن كانت صور نهي وما أشبهها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كانت غير صور نهي وما أشبهها، فالعبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. ثم ختم الفصل بحثه ببيان أن واقع أصول القوانين الوضعية على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ١٠ - وقد بدا لنا في أثناء البحث في هذا الموضوع مقترحات نتقدم ببعضها فيما يلي: أولا: أن السبب عند الأصوليين له من الأهمية ما يجعله حقيقا بأن يدرس بصفة مستقلة في كتاب مستقل أيضا. ثانيا: أنه يتعين على الحكومات الإسلامية تكوين هيئات علمية لتحقيق هذا التراث الضخم في علم أصول الفقه الإسلامي، الذي مازال حبيس خزائن الكتب، قابعا في أوراقه الأصلية، لم تهيأ له الوسائل ليأخذ طريقه إلى دور الطباعة. كما يتعين عليها طباعة ما يستحق الطبع – وما أكثره – مما تم أو يتم تحقيقه من هذه المخطوطات. كما يتعين عليها إعادة طبع ما نفد مما طبع من نفائس هذا الفن. ويتعين عليها أيضا تكوين هيئات علمية للإشراف على ما ينشره الباحثون المحدثون، لتلافي ما يقع فيه من أخطاء، وتقويمه التقويم الصحيح الذي به يعرف استحقاقه للنشر أو عدمه. وإني لمتفائل بأن هذه الهيئات العلمية، ستحد من هذا الخلط العجيب في المباحث التي نشاهدها فيما ينشر، ومن هذه السرقات التي صارت عادة سيئة يحترفها بعض الباحثين. ثالثا: ينبغي أن تفهرس مؤلفات العلماء السابقين فهرسة حديثة تكشف كل محتويات ما في الكتاب. كما ينبغي أن يقوم الباحثون المحدثون بذلك فيما ينشرونه من بحوث. رابعاً: الاهتمام بالموضوعات التي تبين سماحة الشريعة ويسرها، ومراعاتها للمصالح، وكمالها، وخلودها، ونحو ذلك، وتشجيع الباحثين للكتابة فيها. خامساً: ينبغي أن تكون البحوث المقررة للقواعد، مقرونة بالتطبيق عليها بما يندرج تحتها من مسائل، إذ المقصود منها معرفة أحكام هذه المسائل، حيث هي التي يحتاج إليها العامل في عمله. سادسا: أوصي بإعادة طباعة ثلاثة كتب هي: الموافقات للشاطبي، والفروق للقرافي، وكشف الأسرار لعبدالعزيز البخاري، وأن تكون هذه الطباعة قائمة على الأصول الفنية للطبع، ولاسيما الفروق وكشف الأسرار، حيث يفقدان في طباعتهما الموجودة بأيدينا الأصول الفنية أكثر مما يفقدها كتاب الموافقات. كما أوصي بفهرسة هذه الكتب الثلاثة فهرسة حديثة تكشف كل محتوياتها. وأوصي أيضا بتعاهد الجامعات والمعاهد بدراستها والرجوع إليها. سابعا: والمعاني الأصولية شديدة التأثر، فهي تتأثر بأدنى تحريف أو تصحيف في عبارة أو كلمة، وهو ما يعانيه الباحثون عند الاطلاع على كتب الأصول، وهذا التحريف أو التصحيف أو نحوهما راجع – بعد تحقيق الكتاب – إلى الأخطاء التي يرتكبها عمال الطباعة، وهذا جدير بالاقتراح بألا تمس هذه الكتب إلا أيد مدربة تدريبا ممتازا على أصول الطباعة الفنية. وبهذا نتلافى ما يمكننا تلافيه من أخطاء، ونخرج للباحثين كتبا خالية مما يعانون فيها بسببه. والحمد لله أولا وأخيرا.

стр. 67

الشرائع السابقة ومدى حجتها في الشريعة الإسلامية المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش المحقق/ المترجم: بدون الناشر: بدون ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٠هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: شرع من قبلنا الخاتمة تلخيص أهم نتائج البحث وما انتهى إليه ١ـ إنه لمن نعم الله تعالى عليّ أن وصلت إلى نهاية البحث وخاتمته وقد ازددت إيماناً بالله وملائكته، وكتبه ورسله، وإيماناً وثقة بشريعته الإسلامية الخالدة التي ختم الله بها جميع شرائع دينة، وجمع فيها محاسنها، وجعل أهلها خير أمة أخرجت للناس. ولا أدعي أنني وفيت البحث حقه، أو استقصيته وأتممته من جميع جوانبه، ولا أنني لم أخطئ في شيء منه، فهو جهد مقل، ويد الكاتب قصيرة وعين الناقد بصيرة. ٢ـ وإن مما واجهته أثناء البحث عدا كثرة المشاغل وعدم التفرغ، أن المكتوب في الموضوع لم يكن إلا مجملاً في كتب أصول الفقه سواء المطبوع منها أو المخطوط فيما أعلم، وما اشتملت عليه، يكاد أن يكون صورة مكررة. وإلا نتفاً مفرقة في كتب التفسير، والحديث والتاريخ، والتوحيد. هذا بالإضافة إلى قلة المراجع التي تعني بالتطبيق وتخريج الفروع على الأصول فيما أعلم، ولذا أعتقد أن رسالتي هذه أول محاولة لجمع الموضوع مع التطبيق عليه بأكثر أمثلته، وإفراده في كتاب مستقل. ٣ـ ولقد حرصت أن يكون البحث وافياً شاملاً لكل ما له علاقة بالموضوع وأن يكون الترتيب بين أبوابه وفصوله منسقاً مرتبطاً بعضها ببعض وبعناوين بارزة، ليكون أقرب إلى الفهم والانتفاع. ٤ـ وقد بدأت البحث بمقدمة اتضح بها معنى الشرع والشريعة والشرعة والمنهاج، والقانون. وتبين أن لفظ الشرع أو الشريعة لا يطلق على القوانين الوضعية والمبادئ الهدامة والعقائد الفاسدة، وأن الشارع على وجه الحقيقة هو الله وحده، وأحكامه هي التشريع الحق، وشريعته المحكمة هي المورد العذب الصافي الذي لا ينضب معينه وهي الغذاء للأرواح والنفوس ?أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نواً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها? ?يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين? وأنها تنتظم كل ما شرعه الله لعباده وسنه لهم من الأمر والنهي والحلال والحرام، والفرائض، والحدود، والعقائد، والمعاملات، والأخلاق وغير ذلك من جوانب الحياة المتعددة، وأن ما وافقها فهو حق مقبول، وما خالفها فهو مردود. وأن سموها وفضلها على القوانين الوضعية كفضل الخالق جل وعلا على المخلوق. وأن حاجة الإنسان إلى الشريعة الإسلامية المحكمة ضرورية، فهو أحوج إليها من حاجته إلى الطعام والشراب والهواء، ومن حاجته إلى السمع والبصر، كما شهد لذلك النقل والعقل. ٥ـ وبعد المقدمة أربعة أبواب، الباب الأول في الشرائع السابقة المذكورة في القرآن وأصحاب تلك الشرائع والكتب النازلة عليهم وفق ما جاء في القرآن العظيم. والباب الثاني في مقارنة إجمالية بين تلك الشرائع والشريعة الإسلامية. والباب الثالث في حكم الاحتجاج بالشرائع السابقة في الشريعة الإسلامية. والباب الرابع في التطبيق بذكر جملة مما قيل فيه إنه مأخوذ من شرع من قبلنا الوارد به شرعنا من الأحكام والقواعد التشريعية.

стр. 68

٦ـ وقد بينت في الباب الأول: أن الشرائع السابقة للإسلام قد باد أكثرها وما هو موجود منها محرف ومبدل كشريعتي التوراة والإنجيل وهما أشهر الشرائع السابقة، وقد وقع فيهما التحريف والتبديل، فهما غير التوراة التي جاء بها موسى والإنجيل الذي جاء به عيسى ابن مريم ﵉ المشتملتين على الهدى والنور كما وصفهما القرآن، فليستا من شرع من قبلنا الوارد به شرعنا إذاً وذكرت منهما كثيراً من الأمثلة التي تؤكد وقوع التحريف والتبديل فيهما، ومن ذلك ما هو مختلق ومكذوب على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في قصصهم الموجودة فيهما. مما يخالف ما قصه القرآن ونهجه في قصصهم وسيرتهم الطاهرة كما ذكرناه في الفصل الأول من هذا الباب وذكرنا فيه أصل دعوتهم ونماذج من شرائعهم. وبينت الطوائف ذات الأديان والكتب الإلهية المذكورة في القرآن، فذكرت طائفة اليهود وبعض مواقفهم السيئة مما فضحهم به القرآن وسجله عليهم من قبائح الأعمال، من زمن موسى ﵇ حتى مجيء الإسلام ورسوله ?. وذكرت طائفة النصارى وضلالهم في عيسى ﵇ وما نسبوه إلى الله مما ينزه عنه وبينت أن مذهب المسلمين في عيسى ﵇ وسط بين اليهود الذين نصبوا العداء له وحاولوا قتله وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه، وبين مذهب النصارى الذين غلوا فيه وزعموه إلهاً وبينت تناقضهم في الاتحاد والتثليث مع الرد عليهم، وبينت كذلك أن الشياطين هي أول من أضل النصارى وزين لهم القول بألوهية عيسى وأنه ابن الله وأوردت أمثلة تدل على ذلك من أناجيلهم التي بأيديهم ويزعمون أنها الإنجيل الحق الذي جاء به عيسى ﵇، وأمثلة أخرى تدل على أن عيسى ابن مريم ﵇ عبد الله ورسوله وأنه إنسان ابن إنسان لا مزية له على غيره من البشر. ولكن النصارى غلب عليهم الجهل والشرك أكثر من اليهود فهم ضالون على جهل واليهود غلب عليهم الكبر والحسد والحقد فهم أشد عداوة للمؤمنين من النصارى ومغضوب عليهم وضالون على علم كمثل الحمار يحمل أسفاراً. وفيه بينت نسخ الشرائع السابقة في الجملة بشريعة الإسلام بعد أن ذكرت معنى النسخ في اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وعلى أي الاصطلاحين نسخ الشرائع بعضها لبعض وأن مذهب المسلمين في النسخ وسط بين المنكرين له والمغالين فيه من أصحاب الشرائع والرد على المنكرين للنسخ من اليهود.

стр. 69

٧ـ وبينت في الباب الثاني أن المتفق عليه بين الشرائع أكثر من المختلف فيه وأن أصل دين الأنبياء ﵈ واحد هو أصل دين الإسلام وذكرت الحكمة في اختلاف الشرائع في الفروع دون الأصول كما بينت اشتمال الشريعة الإسلامية على محاسن الشرائع السابقة، لأنها قد جمعت في تشريعها بين العدل والفضل، وجاءت بأضعاف محاسن الوصايا العشر التي جاءت بها التوراة. ومحافظتها على الضروريات الخمس فوق كل الشرائع. وذكرت أبرز خصائص الشرائع السابقة: أن كل شريعة خاصة بأهلها، وأنها محدودة الجوانب لا تفي بكل حاجات أهلها الدينية والدنيوية، وأنها وقتية سرعان ما تزول إما بنسخ أو تحريف وتبديل، واشتمالها على الحرج والشدة في تكاليفها. وذكرت جملة من خصائص الشريعة الإسلامية: منها العموم، حيث أثبت بالأدلة الكثيرة من القرآن والسنة وإجماع الأمة وشهادة الواقع وما يقتضيه العقل، أن شريعة الإسلام التي بعث بها محمد ? عامة للجميع الإنس والجن. والخلق كلهم مطالبون بها من غير تفريق بين كتابي وأمي ولا بين عربي وأعجمي، فمن آمن بها واتبعها فهو من المسلمين الناجين يوم القيامة من النار الفائزين برضى الله ، ومن لم يؤمن بها وبرسولها ويتبعه فهو من الكافرين المعاندين المخلدين في النار يوم القيامة لا خيرة لأحد في ذلك. ومنها كمالها وشمولها لجميع متطلبات الحياة في كل زمان ومكان لا يحتاج المتمسكون بها إلى شيء معها أبداً من الأنظمة والقوانين الوضعية المخالفة لها ولا من الشرائع المحرفة المنسوخة بها. وبينت بعض الجوانب مما أولته الشريعة عنايتها .. ومنها حفظ الله لها فلا يقع فيها تحريف ولا تبديل كما وقع في الشرائع السابقة وأدلة ذلك من وجوه متعددة. ومنها التيسير في تكاليفها ورفع الحرج عنها. وقد ذكرت الأدلة على ذلك مع بعض الأمثلة على بعض الواجبات وبينت أن ما يلحق المكلف من المشقة والتعب أحياناً، غير مقصود. وبينت منزلة الرسل وفضلهم على غيرهم من الخلق وأن أفضلهم أولو العزم منهم وأفضل أولى العزم هو محمد ? وذكرت بعض ما خصه الله به من الفضائل. وبينت وجه الجمع بين ما يمنع من التفاضل بين الرسل من النصوص وبين قوله تعالى ?تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات? وبينت بعض ما خص الله به أمة النبي ? وفضلهم به على غيرهم من الأمم وأن ذلك الفضل كان بسبب نبيهم ? واتباعهم له فإذا ابتعدوا عن طاعته فليسوا بأهل لذلك التكريم والفضل وبينت كيف كانت حالة أهل الأرض قبيل بعثة النبي ? من التدهور الديني والخلقي وكيف تبدد هذا الظلام بنور الإسلام.

стр. 70

٨ـ وفي الباب الثالث ذكرت خلاف العلماء وأقوالهم في تعبد النبي ? قبل بعثته بشرع من قبله من الأنبياء، وبينت أدلة الأقوال وما يرد عليها من نقاش ثم رجحت القول الذي رأيته صواباً، وبينت الفائدة من بحث هذه المسألة وثمرة الخلاف فيها. وخلصت منها الآتي إلى مسألة أهم منها وهي: حكم تعبد النبي ? وأمته بعد البعثة بالشرائع السابقة، فأوضحت أولاً تحرير محل النزاع في المسألة بتقسيمها إلى ما هو متفق عليه بين الشرائع وإلى ما هو مختلف فيه ومثلت للمتفق عليه بأمثلة توضحه. وقسمت المختلف فيه إلى خمسة أقسام وبينت كل قسم منها ببعض الأمثلة ومن ذلك اتضح ما يفهم من كلام بعض العلماء أنه محل النزاع وليس كذلك، وبينت أن محل النزاع هو ما ثبت في شرعنا أنه شرع لمن قبلنا ولم يرد في شرعنا ما يوافقه أو يخالفه وهو القسم الخامس كما نص عليه كثير من الأصوليين، وذكرت خلاف العلماء وأقوالهم فيه مفصلة وبينت ماله حظ من الأدلة والنقاش من الأقوال، وجمعت أدلة كل قول على انفراد وناقشتها وبينت ما يستقيم الاستدلال به منها على محل النزاع وما لا يستقيم الاستدلال به منها عليه. وخلصت منها واحداً واحِداً إلى النظر في إمكان الجمع بينها وهل بينها منافاة أو لا؟ وهل الخلاف حقيقي أو صوري، وقد تبين لي بعد النظر والتدقيق في جميع الأدلة للأقوال المختلفة أن لا منافاة بينها وأن الخلاف أشبه ما يكون بالخلاف اللفظي وذكرت أنه على تقدير أن الخلاف حقيقي فأنا أختار القول بحجية شرع من قبلنا الوارد به شرعنا من غير نسخ. وسقت الأدلة على ذلك. وحققت في مذاهب الأئمة الأربعة عند أهل السنة في العمل بشرع من قبلنا الوارد به شرعنا من غير نسخ، وبينت من أقوال أصحابهم أنه لا يخلو مذهب منها في الجملة من العمل بشرع من قبلنا الوارد به شرعنا من غير نسخ قل ذلك أو كثر في بعضها دون بعض. وفي نهاية هذا الباب أوضحت حكم العمل بالقسم الرابع الذي سبق في تحرير محل النزاع وهو ما يسمى بالإسرائيليات. فبينت المراد منها وحكم التحدث بها وسؤال أهل الكتاب عن شيء من أخبارهم وحكم العمل بها، وبينت أن الصحابة ﵃ كانوا يحذرون من الإسرائيليات ومن سؤال أهل الكتاب عن شيء من أخبارهم وينهون عن التحدث بها، وأنه إن وجد من بعضهم شيء فهو قليل جداً, لأنهم أقل الناس تحديثاً بها. وبينت أن ما قيل عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه كان يحدث بالإسرائيليات ليس كما قيل عنه، وأن أبا هريرة ﵁ وهو أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله ?لم يكن يروي الإسرائيليات ولا يأخذ عن أهل الكتاب شيئاً. ٩ـ أما الباب الرابع فقد خصصته للتطبيق، حيث ذكرت فيه ما أمكنني ذكره من القواعد والأحكام التشريعية التي قيل إنها مأخوذة من شرع من قبلنا الوارد به شرعنا. وحرصت أن تكون شاملة لأكثر أبواب الفقه، فذكرت مجموعة من المسائل المتعلقة في العبادات. منها ما هو في التوحيد مما قد ينافي كماله ومنها ما هو في الطهارة، ومنها ما هو في الصلاة، ومنها ما هو في الزكاة، ومنها ما هو في الصيام، ومنها ما هو في الحج، ومنها ما هو في الجهاد. ومجموعة أخرى من المسائل في المعاملات، ومنها ما هو في البيع والشراء. ومنها ما هو في القرض، ومنها ما هو في الجعالة ومنها ما هو في الإجارة، ومنها ما هو في الهبة وغير ذلك. ومجموعة أخرى في النكاح. في أبواب منه متفرقة. ومجموعة في الحدود والقصاص والدية. ومجموعة أخرى في الأيمان والنذور ومجموعة أخرى في الحكم والقضاء ومجموعة في مواضيع مختلفة من أبواب متفرقة. هذا وقد بينت بعد كل مسألة ما يشهد لها في شرعنا بالموافقة أو المخالفة وذكرت حكمها في شرعنا مكتفياً بذكر الخلاف مع القول الذي يظهر لي رجحانه ووجه الترجيح في المسائل الخلافية من غير استقصاء المذاهب وأدلتها على التفصيل. وانتهيت من تلك المسائل كلها إلى أنه لم يوجد منها شيء إلا وله شاهد في شرعنا بالموافقة أو المخالفة جملة أو تفصيلاً من قريب أو بعيد مما يؤكد أن الخلاف في شرع من قبلنا الوارد به شرعنا من غير نسخ، خلاف لفظي يكاد أن لا يوجد له محل. ولا أدعي أنني استقصيت جميع ما ورد به شرعنا من شرائع السابقين فهي كثيرة، لكنها محاولة بذلت فيها ما أمكنني بذلة. والله أسأل أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد. حرر في ١٠/ ١١/١٣٩٨هـ الموافق ١٢/ ١٠/ ٧٨م

стр. 71

الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش المحقق/ المترجم: بدون الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٣هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قول الصحابي الخاتمة تلخيص أهم نتائج البحث وما ورد فيه: ١ـ في الختام أحمد الله وأشكره على ما يسره وهدى إليه وأسأله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ هذا وأعتذر عما وقع في البحث من تقصير فلا أدعي أنني وفيته حقه أو استقصيته من جميع جوانبه، أو أنني لم أخطئ في شيء والتسامح من شيم الكرام. والله وحده الذي يعلم قدر الجهد والعناء الذي لقيته في إعداده، فأسأله الثواب عليه وأن يجعله خالصا لوجهه إنه جواد كريم. ٢ـ لقد حرصت أن يكون البحث وافيا شاملا لأهم ما له علاقة بالموضوع وأن يكون الترتيب بين فصوله منسقا ومرتبطا بعضها ببعض وبعناوين بارزة ليكون أقرب إلى الفهم والانتفاع. ٣ـ كما حرصت أن يكون البحث في مسائله الخلافية جامعا لجميع أقوال أهل العلم في موضوعه، وأن تكون الأقوال والمذاهب منقولة بنصها عن العلماء السابقين أصحاب الكتب المعتمدة حتى يغني القارئ ويكفيه عن الرجوع إلى الكتب الأخرى في الموضوع وهذا على خلاف ما عليه بعض الكتبة من الاكتفاء بذكر اسم الكتاب أو صاحب القول فقط، مما يضطر القارئ إلى الرجوع إلى الكتاب والبحث عنه للاطلاع على القول بنصه. ٤ـ يطلق الصحابي عند جمهور المحدثين وبعض الأصوليين على من لقي النبي – ﷺ مؤمنا به عاقلا مميزا ومات على الإسلام ولا عبرة بما عدا ذلك من الاعتبارات والقيود في الأقوال الأخرى. ٥ـ من رآهم النبي – ﷺ – صغارا دون التمييز ووجدوا بحضرته الشريفة جاز إطلاق اسم الصحابي عليهم من هذا الوجه فقط لينالهم من شرف الصحبة والكرامة ما يميزهم عمن لم يروه – ولا رآهم ولا يدخلون في مسمى الصحابي من الوجوه الأخرى التي تخص الصحابي عرافاً كالعدالة للرواية عند المحدثين والاحتجاج بقوله عند من يراه حجة أو الترجيح بقوله عند الأصوليين. ٦ـ الخلاف في مسمى الصحابي خلاف حقيقي له ثمرة وليس لفظيا كما يفهم من كلام بعضهم. ٧ـ إنما نال الصحابة – رضوان عليهم – ما نالهم من الكرامة والفضل لكرامة النبي – ﷺ – وتفضيله على سائر المرسلين فصحابته خير الأصحاب باتفاق المسلمين وهم خير أمة أخرجت للناس وقرنهم خير القرون بلا منازع وأفضلهم وأتقاهم أشدهم اتباعا للنبي – ﷺ – وأشدهم تمسكا بهديه وهكذا من جاء بعدهم. ٨ـ الصحابة – ﵃ – كلهم عدول بتعديل الله ورسوله لهم فلا يسأل عن أحوالهم من أجل قبول أخبارهم وشهاداتهم، وكفي بشهادة الله ورسوله لهم بالعدالة والفضل والرضا عنهم تزكية فلا تطلب تزكيتهم ولا الحكم عليهم ممن هو دونهم وقد زكى بعضهم بعضا وهم خيار الأمم بلا مراء وجدال. ٩ـ الصحابة رضوان الله عليهم طبقات متفاوتون في العلم والفضل والرواية عن النبي – ﷺ – وملازمتهم له في حضره وشهود المشاهد الفاضلة مع النبي – ﷺ وملازمتهم له في حضره وسفره وجهادهم معه بالنفس والمال فليسوا في ذلك كله على درجة واحدة مع الاتفاق أن أفضلهم على الإطلاق الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – ﵃ – باتفاق أهل السنة والجماعة على أن أفضل الخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر – ﵃.

стр. 72

١٠ـ تبين من خلال النقول عن العلماء في بيان تحرير محل النزاع في الاحتجاج بقول الصحابي أن قول الصحابي المختلف فيه هو قوله في المسائل التكليفية الاجتهادية التي لم يظهر له فيها مخالف ولا موافقة الباقين سواء انتشر قوله في الباقين أو لم ينتشر فكلا القولين في الواقع محل نزاع بين العلماء وفرق بعضهم بين القولين في الحكم ولم يفرق بعضهم الآخر وأطلق كثير من الأصوليين على قول الصحابي إذا انتشر في الباقين ولم يظهر له مخالف الإجماع السكوتي. ١١ـ إنه من خلال النقول عن أصحاب المذاهب الأربعة وتتبع أقوال العلماء في الاحتجاج بقول الصحابي إذا انتشر ولم يظهر له مخالف تبين أنه لا يخلو مذهب منها في الجملة من القول بالاحتجاج في هذه المسألة وإن كان لبعضهم فيها أكثر من قول وأن القائلين فيها بالإجماع يعنون به الإجماع الظني ومن يقول بأنها حجة وليست بإجماع يعنون به كذلك أنها حجة ظنية فكان الخلاف بين أكثر المحتجين بها خلافا لفظيا وأنها على التحقيق حجة ظنية كخبر الواحد تقدم على القياس وهو ما يمكن به الجمع بين أدلة الأقوال وتعليلاتهم. والله أعلم. ١٢ـ قول الصحابي إذا لم ينتشر ولم يظهر له مخالف ولا موافقة الباقين مما عده أكثر الأصوليين محلا للنزاع في الاحتجاج بقول الصحابي وإنه من خلال حصر الأقوال في هذا المسألة وما استدل به لكل قول وبعد مناقشة الأدلة والنظر فيها بإمعان تبين أن قول الصحابي في تلك المسألة ليس بحجة تبنى عليها الأحكام استقلالا لكن يمكن أن يستأنس بقوله ويرجح به خلافا لمن منع من ذلك. ١٣ـ تقليد العامي للصحابي جائز مطلقا ولا يجوز ذلك للعالم إلا إذا لم يمكنه الاجتهاد أو كان اجتهد ولم يظهر له الحق خلافا لبعضهم. ١٤ـ تقليد الصحابي لا يعني الاحتجاج بقوله للفرق بينهما خلافا لقلة من العلماء وبعض المعاصرين. ١٥ـ يجوز على الصحيح من أقوال العلماء أن يرجح بقول الصحيح أحد الخبرين المتعارضين أو أحد القياسين المتساويين أو أحد الاحتمالين للحديث المحتمل خلافا لمن خص ذلك بقول الصحابي الذي شهد له الشرع بمزيد علم ولمن منع من الترجيح بقوله مطلقا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 73

التحرير في قاعدة المشقة تجلب التيسير المؤلف/ المشرف: عامر سعيد الزيباري المحقق/ المترجم: بدون الناشر: دار ابن حزم - بيروت ̈الأولى سنة الطبع: ١٤١٥هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: قواعد فقهية وأصولية الخاتمة إن الشريعة الإسلامية تمتاز بقابليتها للتجديد ومواكبتها للتطور الزمني والبشري على مر الأزمان والعصور، وتمتاز كذلك بخاصية التيسير ورفع الحرج ورعاية المصالح فحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. فهي شريعة تستحق البقاء والخلود وهي بحق أساس سعادة البشرية في ظل حضارة شاملة وكاملة. وصدق الله في كتابه العظيم: ﴿قَدّ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإذنِهِ وَيَهدِيِهم إلى صِرَاطٍ مُّستَقِيم ٍ﴾. فمن خلال هذا البحث اتضح أن الشريعة الإسلامية مثلما سلكت مسلك الحزم في تقرير أحكامها. اتخذت كذلك مسلك التيسير والرحمة بالقدر الذي لا يفضي إلى الإخلال بمقاصد الشريعة. ويتجلى ذلك بما ثبت من التيسيرات والأحكام الخاصة بالأعذار وفي هذا تأكيد على أن المقصود من التكليف هو حصول الامتثال وتحقيق مقاصد الشرع من جلب المصالح ودرء المفاسد. والمكلف مطالب بتحقيق طلب الشارع ما دام أنه قادر لما كلف به في الطلب الأول، فإذا حصل له ظرف طارئ من مرض أو سفر أو حاجة ونحو ذلك من أسباب التيسير فإنه يعدل إلى هذه الأحكام المخففة ولا يكلف نفسه معاناة الطلب الأول من غير أن ينقص من أجره شيء بل الأبعد من ذلك، أن المسلم إذا كان له عادة في أداء عبادة في حالة الصحة أو الإقامة ثم طرأ عليه من المرض أو السفر ما يمنعه ذلك، ثبت له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً أو مسافراً. يقول ﵊:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً". كما اتضح أن التيسير قد لا يكون مقصوراً على الظروف العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار بل ربما يشمل كذلك الحاجيات والضرورات العامة المؤقتة وذلك كأن يعرض الاضطرارللأمة أو طائفة عظيمة منها تستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي كسلامة الأمة وإبقاء قوتها. وهذا مما جعل الموضوع خصباً وقابلاً لأن ينال حظه من الدراسة الجادة والموضوعية لحاجة المسلم المعاصر إلى توضيح وضبط كثير من الأمور وبشكل خاص ما يتعرض له في حياته اليومية وكذلك ما يطرأ على المجتمع في مختلف جوانب الحياة من ظروف وتطورات أو طوارئ تتبدل بها الأحكام تخفيفاً أو تيسيراً. والله ولي التوفيق.

стр. 74

التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه مع مناقشة علمية لأصول المدرسة العقلية الحديثة المؤلف/ المشرف: عايض بن عبدالله بن عبدالعزيز الشهراني المحقق/ المترجم: بدون الناشر: كنوز إشبيليا – الرياض ̈الأولى سنة الطبع: ١٤٢٩هـ تصنيف رئيس: أصول فقه تصنيف فرعي: أصول فقه - أعمال منوعة الخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها: ١) أن العقل في اللغة يدور حول معنى المنع والحبس، ويطلق على عدة معان أخرى لها علاقة بهذا المعنى. وأما في الاصطلاح؛ فقد اختلف فيه العلماء كثيراً، والذي ترجَّح لي أنه يطلق على ثلاثة معان، وهي: ١ - الغريزة التي خلقها الله تعالى في الإنسان، والتي بها يَعلَم ويعقل، وتُميِّزه عن سائر الحيوان. ٢ - العلوم الضرورية التي لا يمكن أن يخلو منها عاقل. ٣ - العلوم المستفادة من التجارب. ٢) أن العقول تتفاوت بين الناس كما تتفاوت سائر صفات الأحياء؛ من القدرة والإرادة والسمع والبصر. ٣) أن العقل له مكانة كبيرة في شريعة الإسلام، ولا أدل على ذلك من كثرة تكرار مادة (عقل) في كتاب الله تعالى، وقد وردت كلها على سبيل مدح من اتصف به، أو ذم من انتفى عنه، أو على سبيل الحث على إعماله للوصول إلى حقيقة ما. ٤) أن المجالات التي يمكن للعقل أن يُعمل فيها دورَه كثيرة جداً، سواء في مجال الاعتقاد أو الشرائع أو الأخلاق أو التجارب والابتكارات. غير أن هناك مجالات يعجز العقل عن دركها؛ فينبغي عدم إقحامه فيها؛ وذلك كأمور الغيب، وإثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، والخوض في القدر، والحكم بالحل والحرمة والوجوب والندب والكراهة من دون الاستناد إلى النصوص الشرعية. ٥) أن التحسين مأخوذ من الحسن، وهو في اللغة: ضد السيء، والتقبيح مأخوذ من القبح، وهو في اللغة: ضد الحسن. ومعنى الحسن اصطلاحاً: هو النافع، أو ما يعود به على فاعله نفع. ومعنى القبيح اصطلاحاً: هو الضار، أو ما يعود به على فاعله ضرر. ٦) أن أول من وقع في شبهة التحسين والتقبيح العقليين هو إبليس عياذاً بالله منه، ثم تتابع على ذلك أتباعه من بني آدم؛ كالمجوس والثنوية والتناسخية والصابئة والبراهمة والفلاسفة وبعض اليهود والنصارى. ٧) أن أبرز فرقة من فرق أهل القبلة اشتهر عنها القول بالتحسين والتقبيح العقليين هي فرقة المعتزلة، وقد انتقل إليهم هذا القول عن طريق روافد غير إسلامية؛ كبعض النصارى من أمثال يوحنَّا أو يحيى الدمشقي، وكالثنوية المجوس، والبراهمة، وفلاسفة اليونان، وكان الفلاسفة اليونان من أقوى الروافد في ذلك. ٨) أن قاعدة التحسين والتقبيح العقليين من مهمات القواعد وكبار المسائل، وذلك لارتباطها بعلوم عدة؛ كعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، وعلم الفقه، إلى جانب كثرة الثمرات المترتبة على الخلاف فيها. ٩) أن الأصوليين ذكروا مسألة التحسين والتقبيح العقليين في كتب أصول الفقه لعلاقتها الكبيرة بمبحث الحكم التكليفي؛ إذ أن من قال بالتحسين والتقبيح بإطلاق رتَّب على ذلك الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، ومن لم يقل بذلك نفى هذا. ١٠) الذي ظهر لي أن مسألة التحسين والتقبيح العقليين فيها مواطن اتفاق بين العلماء، ومواطن اختلاف بينهم. أما مواطن الاتفاق فهي: ١ - الأحكام العقلية، كالحسابيات والهندسيات، ونحوها، فهذه الأحكام قد اتفق الجميع على أنها من مدارك العقول، ولا يتوقف دركها على الشرع المنقول. ٢ - الأحكام الشرعية التعبدية، وهذه لا خلاف بين العلماء في أن مرجعها إلى الشرع دون العقل. ٣ - أن كل ما أمر الله به ورسوله فهو حسن، وأن كل ما نهى الله عنه ورسوله فهو قبيح. وأما مواطن الاختلاف، فهي:

стр. 75

أ) إدراك العقول لحُسن الأشياء وقبحها؛ بمعنى أن الأفعال والأعيان هل في ذواتها حقائق متقررة هي أهل لأن تراعى وتؤثر وتستتبع الرفع من شأنها أو شأن المتصف بها؟ وحقائق هي أهل في نفسها لأن يُعدل عنها، وتستتبع الوضع من شأن من اتصف بها؟ ب) المجازاة على الأفعال بذم أو عقاب أو مدح أو ثواب هل تعرف بالعقل أو يستقلُّ الشرع بها؟ ١١) أن العلماء اختلفوا في محل النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليين على ثلاثة أقوال مشهورة إجمالاً، وهي: القول الأول: نفي التحسين والتقبيح العقليين؛ بمعنى نفي إدراك العقل لحسن الأشياء أو قبحها، وأن الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وليس في العقل حُسْن حَسَن ولا قُبْح قَبيح؛ بل حُسْن الأفعال وقُبْحها مستفادان من الشرع فحسب، ولا مدح ولا ثواب ولا ذم ولا عقاب إلا بالشرع. القول الثاني: أن العقل يمكنه إدراك حُسْن أو قُبْح كثير من الأفعال والأشياء؛ لما تشتمل عليه من صفات الحُسْن أو القُبْح الذاتيين، فتسمى الأشياء والأفعال قبل الشرع حَسَنة أو قَبيحة، لكن لا يترتب على ذلك الإدراك وجوب ولا تحريم ولا ثواب ولا عقاب؛ بل الأمر في ذلك متوقف على ورود الدليل الشرعي به. ١٢) أن الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين يعود إلى الخلاف في عدة أصول، أهمها ما يلي: أ) أفعال الله تعالى وأوامره ونواهيه: هل هي معللة بالحِكم والغايات أو لا؟ والحق في ذلك ما عليه السلف من أن الله تعالى خلق المخلوقات وفعل المفعولات وأمر بالمأمورات ونهى عن المنهيات لحِكمة مقصودة. ب) الحِكمة المثبتة لله تعالى: هل هي فعل يقوم بالله سبحانه قيام الصفة به؛ فيرجع إليه حُكمها ويشتق له اسمها أم ترجع إلى المخلوق فقط من غير أن يعود إلى الرب منها حُكم أو يشتق له منها اسم؟ والحق هو الأول، وهو ما عليه السلف الصالح. ج) إرادة الله تعالى هل تعلقها بجميع الأفعال تعلق واحد؟ فما وجد منها فهو مراد له، محبوب مرضي - طاعة كان أو معصية - وما لم يوجد منها فهو مكروه مبغوض، طاعة كان أو معصية أو لا؟ والحق ما عليه السلف من أن الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة، فالمعاصي كلها مكروهة لله؛ وإن وقعت بمشيئته وخلقه، والطاعات كلها محبوبة لله؛ وإن لم يشأها كوناً ممن لم يطعه. د) أفعال العباد هل هي مخلوقة لله أو لأنفسهم؟ والحق في ذلك ما عليه السلف من أن الله خالق أفعال العباد كلها، والعباد فاعلون لها حقيقة، ولهم قدرة حقيقية على أفعالهم، ولهم إرادات، والله خالقهم وخالق قُدَرِهم وإراداتهم، وإراداتهم خاضعة لمشيئة الله الكونية. ١٣) أن الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين خلاف معنوي؛ ترتبت عليه ثمرات عقدية وأصولية وفقهية. فمن الثمرات العقدية المترتبة على الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين ما يلي: أ) معرفة الله تعالى هل هي واجبة بالشرع أو بالعقل؟ ب) الخلاف في وجوب شكر المنعم عقلاً. ج) الخلاف في وجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى. د) الخلاف في وجوب اللطف على الله تعالى. هـ) الخلاف في وجوب الثواب على الطاعات. و) الخلاف في إثبات عذاب القبر. ز) الخلاف في الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن، وغير ذلك من الثمرات .. ومن الثمرات الفقهية المترتبة على الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين ما يلي: أ) الخلاف في صحة إسلام الصبي المميز. ب) الخلاف في قبول خبر الواحد في رؤية الهلال في الصحو. ج) الخلاف في انعقاد نَذْرِ من نَذَر صوم يوم العيد وأيام التشريق. د) الخلاف في قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض.
следующие страницы →