← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ب - أخرج البخاري ومسلم عن البراء ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا، لم يدخلوا من قِبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبل بابه فكأنه عُيِّرَ بذلك فنزلت: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). وفي رواية للبخاري والنَّسَائِي عنه ﵁ قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). والدليل على تجدد الفعل هنا أن الآية نزلت عقب تعييره لما دخل البيت من بابه فدل على وقوعه في زمن الرسالة، بل بعد الهجرة لأنها نزلت في الأنصار. جـ - أخرج مسلم والبخاري والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: كانت الحمس لا يخرجون من مزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات. قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة قالت: الحمس هم الذين أنزل اللَّه فيهم: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) قالت: كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من مزدلفة يقولون: لا نفيض إلا من الحرم. فلما نزلت: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) رجعوا إلى عرفات. وفي رواية للشيخين عنها ﵂ قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ). وجه تجدد الفعل هنا: أن وقوفهم في مزدلفة استمر حتى حج رسول اللَّه ﷺ في السنة العاشرة فأمره اللَّه أن يأتي عرفات ثم يفيض منها. د - أخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: واللَّه لا أُطلقك فتبيني مني، ولا آويك

стр. 107

أبداً. قالت: وكيف ذاك؟ قال: أُطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة، حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من كان طلق ولم يكن طلق. هـ - أخرج البخاري وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. فقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... ) الآية، هذا النداء لم يقع لهم إلا بعد الرسالة لأنهم قبلها لم يكونوا من أهل الإيمان، ولو لم يكن هذا الفعل فيهم لكان نهيهم عنه لغواً ينزه عنه القرآن. و أخرج مسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول: من يعيرني تِطوَافاً؟ تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدأ منه فلا أُحِلُّه فنزلت هذه الآية: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). وبما تقدم يمكن أن أقول: إن السبب المصطلح عليه ينقسم إلى قسمين من حيث النشأة: الأول: أن ينشأ السبب سواء أكان فعلاً أم قولاً بعد الرسالة، وهذا الغالب. الثاني: أن يكون السبب موجودًا قبل الرسالة لكنه يتجدد بعدها فيكون كالجديد أصلاً. ثانياً: الموافقة بين اللفظين، لفظ الآية، ولفظ الحديث فلا بد أن يكون

стр. 108

بينهما قدر مشترك في الألفاظ والمعاني، ولهذا يقال: السؤال معاد في الجواب وذلك لما بينهما من الصلة، فالسؤال سبب الجواب، وكذلك الحديث سبب لنزول الآية، وإذا كان بينهما توافق في الألفاظ فلا بد أن يتوافقا في المعاني، وأسباب النزول مع الآيات تشهد بهذا. ثالثاً: سياق الآيات وأعني به الآيات التي تسبق موضع النزول وتتبعه، فهذه الآيات لا بد أن تكون في موضوعها وخطابها غير مخالفة للسبب في أصله وخطابه فلو كان سياق الآيات في أهل الكتاب ما صح أن يكون السبب في آيةٍ منه نازلاً في المشركين وكذلك أصل الموضوع فلو كان السياق القرآني في موضوع يخالف موضوع السبب قطعنا بأنه ليس بينهما صلة، وإن كان الحديث صحيحًا صريحاً في النزول. رابعاً: مراعاة التاريخ بين السبب والنزول، وقد لاحظت من تتبعي للأسباب أن السبب لا يتأخر عن النزول إلا لحكمة إلهية وفي أمثلة معروفة، فإذا وقعت المباعدة بينهما علمنا أنها ليست مما نحن فيه، وسواءٌ أكانت المباعدة الزمنية بين مكي ومدني أو بين المدني المتقدم أوائل الهجرة والمدني النازل في أواخرها. هذه أركان السبب كما بدت لي فمن حفظها ورعاها فهو حري أن يصيب ولا يخطئ في تحديد السبب من غيره، ومن تركها وأهملها فقد أضاع المفتاح الذي يفتح بابها. وثمَّ أمران آخران ليسا كهذه الأركان في المنزلة وإن كانا مؤثرين وهما: صحة الإسناد والتعبير بالنزول. فأما صحة الحديث فهي قرينة قوية في صحة السبب وثبوته، ومع هذا فمراسيل التابعين الذين تلقوا التفسير عن كبار الصحابة كانت ولا زالت تحظى بالقبول من العلماء، والاحتجاج بها في المعاني والأسباب. وأما التعبير بالنزول فلا ريب أنه ينفي التردد، وبجرئ القلب على الإقدام، والحكم بالسببية، فوجوده قرينة قوية في الدلالة على الأسباب، والله الموفق للصواب.

стр. 109

المبحث الثاني أسباب النزول من حيث صيغتها صيغة أسباب النزول من المباحث الرئيسة عند المؤلفين في الدراسات القرآنية عامة، وأسباب النزول خاصة، ولا تكاد عين القارئ تخطئ هذا الموضوع عند الحديث عن أسباب النزول، إلا أن الحديث في بعضها قديم تليد، وفي بعضها حديث جديد، وسأذكر ابتداء أقوالهم في الموضوع، ناقلاً قول الزرقاني في تقسيمه ذلك إلى صيغة صريحة، وغير صريحة؛ لأنه أول من قسم هذا التقسيم - حسب علمي - ثم تتابع المؤلفون بعده على ذلك بلا تعقب أو تنبيه، ثم أُعقِّب على ذلك بما أراه صحيحاً راجحاً في الموضوع. فأقول: لأسباب نزول القرآن عند المعاصرين صيغتان: الأولى: صيغة صريحة قال عنها الزرقاني: (تختلف عبارات القوم في التعبير عن سبب النزول فتارةً يصرح فيها بذكر السبب فيقال: (سبب نزول الآية كذا) وهذه العبارة نص في السببية لا تحتمل غيرها، وتارة لا يصرح بلفظ السبب ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، وهذه العبارة مثل تلك في الدلالة على السببية أيضًا، ومثاله رواية جابر الآتية قريبًا، ومرة يسأل الرسول فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول، ولا تعبير بتلك الفاء، ولكن السببية تفهم قطعًا من المقام كرواية ابن مسعود الآتية عندما سُئل النبي ﷺ عن الروح، وحكم هذه أيضًا حكم ما هو نص في السببية). اهـ. موضع الشاهد وخلاصة هذا الكلام أن الصريح عنده قسمان:

стр. 110

الأول: قول الراوي: (سبب نزول هذه الآية كذا). الثاني: قول الراوي: (حدث كذا فنزل كذا أو فنزلت الآية). وذكر حالاً أخرى جعل حكمها كحكم الأول، وهي أن يسأل النبي ﷺ عن أمر فيُوحى إليه بشأنه، ويجيب بما نزل عليه بدون ذكر السبب أو الفاء الداخلة على مادة النزول. فأما الأول وهو قوله: (سبب نزول الآية كذا) فهذا لا وجود له في الواقع فمع معاصرتي لأسباب النزول طوال مدة البحث، وكثرة تقليبي لها لم أجد سببًا واحدًا وردت فيه هذه الصيغة، كما أن الزرقاني لم يذكر مثالاً لهذا، ولا يخفى أن القواعد إنما تستمد من الأمثلة فأين هي الأمثلة هنا؟. ولعلي أعتذر للزرقاني هنا بأنه كان يتصور وجود شيء من هذا مع عدم استحضاره للمثال حين الكتابة فسطَّر ما كان يتصور. لكني أعجب كثيرًا ممن تابعه من المؤلفين على ذلك، إذ كان بإمكانهم البحث والتحرير قبل التسليم والتسطير. وأما الثاني: وهو دخول الفاء على مادة النزول بعد سرد حادثة فهذا أكثر الأساليب استعمالاً في أسباب النزول، ومع هذا فلا يعني وجود هذه الصيغة أن يكون الحديث سببًا للنزول، ولديّ من الأمثلة ما يكفي لإثبات هذا. ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: لما خرج النبي ﷺ إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم فنزلت: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة. ٢ - أخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول اللَّه ﷺ على التماسه. وأقام الناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق

стр. 111

فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماءٌ قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول اللَّه ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماءٌ، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول اللَّه ﷺ على فخذي فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماءٍ فأنزل الله ﵎ آية التيمم. وفي لفظ للبخاري: ثم إن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) فقال أُسيد بن حضير: لقد بارك اللَّه للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةً لهم. ٣ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: نزلت فيَّ أربع آيات. أصبت سيفاً، فأتى به النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه، فقال: (ضعه) ثم قام، فقال له النبي ﷺ : (ضعه من حيث أخذته) ثم قام فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه. فقال: ضعه، فقام فقال يا رسول اللَّه نفلنيه أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ : (ضعه من حيث أخذته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ). ٤ - أخرج البخاري عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عبَّاسٍ قرأ: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي، أو يتخلى فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم). ٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً

стр. 112

فتواصيت أنا وحفصة: أن أيَّتنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، قال: (لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود له) فنزلت: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ) - إلى - (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ). لعائشة وحفصة: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) لقوله: (بل شربت عسلاً) فهذه الأحاديث وقع فيها المنصوص وهو دخول فاء التعقيب على مادة النزول وليست أسباب نزول كما سيتضح من دراستها. وأما الحال الملحقة بالقسم الأول وهي قوله: (ومرةً يُسأل الرسول فيوحى إليه، ويجيب بما نزل عليه، ولا يكون تعبير بلفظ سبب النزول ولا تعبير بتلك الفاء لكن السببية تُفهم قطعاً من المقام). فأقول: إذا كانت السببية إنما تُفهم من المقام، فهذا يعني عدم وجود صيغة فضلاً عن كونها صريحة. ثم كيف يكون حكمُ هذه حكمَ ما هو نص في السببية، مع أن هذا النص ليس له وجود أصلاً. بل لو قال قائل: إن هذا من أبين الأدلة على عدم وجود صيغ معينة لأسباب النزول فضلاً عن تقسيمها إلى صريحة وغير صريحة لكان قائله حرياً بالصواب. الثانية: صيغة غير صريحة. قال الزرقاني: (ومرةً أخرى لا يصرح بلفظ السبب، ولا يؤتى بتلك الفاء ولا بذلك الجواب المبني على السؤال بل يقال: (نزلت هذه الآية في كذا) وهذه العبارة ليست نصاً في السببية بل تحتملها وتحتمل أمراً آخر وهو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام. والقرائن وحدها هي التي تعيّن أحد هذين الاحتمالين أو ترجحه). اهـ.

стр. 113

وهذا القول حق، وقد نص عليه بعض الأئمة الأعلام قبل زمن بعيد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارةً أنه سبب النزول، ويراد به تارةً أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا). اهـ. وقال الزركشي: (وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فذكر كلامًا ... حتى قال: فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع). اهـ. وقد قيّد بعض الفضلاء كلام هذين العَلَمَين فقال: (وقول هذين الإمامين لا ينطبق إلا إذا كان المحكي من الراوي حكمًا فقهياً لا حدثا أو شخصًا نزلت في أحدهما الآية، فإن الاسم أو الحدث لا يمكن أن يقال فيه: عُني بهذه الآية كذا وكذا، وإنما يُقال نزلت في فلان أو في الحدث الفلاني. وهذا القيد لم أرَ من سبق إليه، مع أنه واضح في كلام المتقدمين كما مضى والحمد للَّه على توفيقه). اهـ. ثم ذكر في الحاشية أنه وجد عبارةً لابن تيمية تقارب ما ذكر من تخصيص السبب بذكر الشخص. وإنما الغرض من نقل هذا الكلام هنا لأجل أن أُبين أن كلام شيخ الإسلام ﵀ لا يدل على تخصيص السبب بذكر الشخص. وبيان ذلك أن شيخ الإسلام قال: (الصنف الثاني): أن يذكر كلٌّ منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه ثم ذكر أمثلة لهذا حتى قال: وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كأسباب النزول المذكورة في التفسير، ثم ذكر كلامًا قال بعده: وإذا عُرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا، لا ينافي قول الآخر

стр. 114

نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما كما ذكرناه في التفسير بالمثال). هذا هو كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع، وأوله وآخره دائر على التفسير بالمثال. ولا يعني قوله: (لا سيما إن كان المذكور شخصًا) تخصيص السبب بذكر الشخص لأنه قال قبل ذلك: وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا. فإنه يعني بهذا الباب الصنف الثاني الذي جعله عنواناً لهذا الكلام. كما أن الأمثلة التي بين يديّ تتفق وما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أنهم تارةً يريدون بقولهم نزلت في كذا أنه سبب نزول، وتارةً يريدون أن ذلك داخل في الآية دن لم يكن السبب. فأما الأمثلة على إرادة السببية فمنها: - ١ - قال الله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨). أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن ابن عبَّاسٍ قال: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وقال ابن عبَّاسٍ: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. ٢ - أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) في عبد اللَّه بن حذافة السهمي إذ بعثه رسول اللَّه ﷺ في السرية. ٣ - أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.

стр. 115

وأما الأمثلة على أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب: ١ - أخرج البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر ﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها ... الحديث. ٢ - أخرج مسلم والبخاري والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيُّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون فنزلت: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). ٣ - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي وابن ماجه عن أبي ذر ﵁ أنه كان يقسم قسمًا: إن هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزةَ وعلي وعبيدةَ بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. والخلاصة التي تبينت لي بعد تتبع الموضوع واستقرائه أنه لا يوجد صيغة محددة لأسباب النزول سواء أكانت صريحة، أم غير صريحة إما لعدم الدليل على ذلك ألبتَّة كما في قولهم: سبب نزول الآية كذا، وإما لاضطراب الأساليب المستعملة في ذلك واختلافها وتناقضها من حيث التطبيق، وإن كان أكثرها شيوعًا قولهم: فأنزل اللَّه، أو فنزلت، ومع هذا فلا يعني استعمال هذين اللفظين تحقق السببية فيما دخلا عليه، وإنما يعني التصريح بذكر النزول فقط، والأساليب المستعملة في التعبير عن النزول كثيرة كقولهم: ونزلت، حتى أنزل اللَّه، فلما أنزل اللَّه، فيَّ نزلت، فينا نزلت، حتى نزل القرآن، حتى نزلت، ونزل فيهم القرآن، فأنزل الله تصديق ذلك، فبلغنا أنها نزلت، ما أحسب هذه الآية أُنزلت إلا في ذلك.

стр. 116

ومع كثرتها وتعددها تجد منها ما يكون سبباً حقاً، ومنها ما ليس كذلك مما يشير إلى أن الأسلوب المستعمل في التعبير عن النزول ليس أُسًّا ينتفي السبب بانتفائه، ويبقى ببقائه حتى عند مستعمليه. ولعلي أُبين بعض الأسباب التي أَدت إلى عدم إحكام أساليب التعبير عن أسباب النزول فأقول: أولاً: تصرف الرواة في الألفاظ كثير في هذا الباب، وإذا كانوا يُبدلون تلا بأنزل مع ما بينهما من فرق فلأن يكون الإبدال فيما هو أقل من ذلك من باب أولى. ثانياً: توسع السلف ﵏ في استعمال التعبير بالنزول حيث يطلقون هذا المفهوم على ما تضمنته الآية بعمومها من صور وأَمثلة فيظن من بعدهم أنهم يريدون بالنزول ما اصْطُلِح عليه أخيراً، وهو الحدث الذي تنزل بسببه الآية، وليس الأمر كذلك عندهم. ثالثاً: ظن بعضهم ﵏ في قضايا معينة أنها أسباب لنزول بعض الآيات وليس الأمر كذلك كما في الأمثلة التالية: ١ - أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً) بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ). ٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول اللَّه ﷺ كان إذا خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه ﷺ فإذا قدم رسول اللَّه ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ... ) الآية.

стр. 117

٣ - أخرج النَّسَائِي وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك ﵁ أن نفرًا من عُكْلٍ قدموا على النبي ﷺ فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي - كل - في طلبهم، فقال: فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَّرَ أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا فأنزل الله : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ). وحينئذٍ يبقى أن أقول إن ذكر مادة النزول في الحديث قرينة قوية، ورافد مهم في السببية لكن بضمها إلى غيرها. فالحديث إذا تحققت فيه أركان السبب كان سبباً للنزول وإن غابت عنه مادة النزول. كما أن المادة لا تغني عن الحديث شيئاً، ولا تصيره سبباً إذا دخلت عليه لكن غابت عنه أركان السبب. واللَّه أعلم. * * *

стр. 118

المبحث الثالث تعدد النازل والسبب واحد المراد هنا بتعدد النازل أن تكون الآيات النازلة بسبب واحد متعددة المواضع فبعضها في سورة، وبعضها في سورة أُخرى مع أن السبب الذي أدى إلى نزولها واحد، وقد ذكر المعاصرون أمثلة لهذا، أعرضت عنها لعلمي بضعفها في الدلالة على المقصود باستثناء مثال واحد ذكروه أرى أنه موافق للصواب، وسأشير إليه عند تدوينه وإليك الأمثلة: ١ - أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المنْبَتِر من قومه يزعم أنه خير منا؟ ونحن - يعني أهل الحجيج وأهل السدانة - قال: أنتم خير منه فنزلت: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ونزلت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) - إلى قوله -: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا). ب - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول اللَّه ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد اللَّه بن أبي أُمية بن المغيرة، فقال: (أيْ عمِّ، قل لا إله إلا اللَّه، كلمةً أحاجُّ لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي أُمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك)

стр. 119

فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) وأنزل اللَّه في أبي طالب: فقال لرسول الله ﷺ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). جـ - أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث فأنزل اللَّه: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) قال مجاهد: وأنزل فيها: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت مهاجرة. د - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارةً فنزل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ)، ونزل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ). وهذا النوع - أعني - تعدد الآيات النازلة لسبب أو حدث واحد واقع ولا إشكال فيه، ولا يوجد مانع من حصوله كما ظهر في الأمثلة. * * *

стр. 120

المبحث الرابع تعدد السبب والنازل واحد المراد هنا أن تتعدد الأسباب ويكون النازل آيةً أو آيات في موضع واحد، وقد ذكر المؤلفون في أسباب النزول، وعلوم القرآن عددا من الأمثلة على ذلك، لكنها لا تخلو من مقال. ولا تسلم من نقد، سيما أن هذه الأمثلة مكررة ينقلها اللاحق عن السابق. وسأذكر هنا الأمثلة التي تبينت لي بعد دراستي لأسباب النزول: ١ - قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧). أخرج البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان أصحابُ محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﵁ فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحًا شديداً، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ).

стр. 121

وأخرج البخاري أيضاً عن البراء ﵁ قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ). فالسبب تعدد هنا وهو الجوع والجهد، مع خيانة بعضهم أنفسهم في إتيان النساء مع أن النازل واحد. ب - قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩). أخرج البخاري ومسلم عن البراء ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا لم يدخلوا من قِبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فكانه عُيِّر بذلك فنزلت: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). فالآية نزلت على سببين: أحدهما: سؤالهم لرسول اللَّه ﷺ عن الأهلة، وجواب اللَّه لهم. الثاني: دخولهم لبيوتهم من ظهورها حال إحرامهم، فبين اللَّه أن ذلك ليس من البر. جـ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣). أخرج أبو داود والترمذي عن علي ﵁ أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فأمهم عليٌّ في المغرب فقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فخلط فيها فنزلت: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ). وأخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع

стр. 122

رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول اللَّه ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول اللَّه ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول اللَّه ﷺ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي فقام رسول اللَّه ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل اللَّه آية التيمم فتيمموا فقال أُسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته. فهذان سببان نزلت الآية بشأنهما، وهما الصلاة حال السكر، والتيمم عند عدم الماء. د - قال اللَّه تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ... ) إلى آخر السورة. هذه السورة نزلت على رسول اللَّه ﷺ منصرفه من الحديبية كما دلت على ذلك الأحاديث، وأقوال المفسرين، وقد تناولت عدداً من القضايا كانت سبباً لنزول بعض مقاطعها ومن ذلك: مبايعتهم لرسول الله ﷺ على القتال حين أُشيع أن عثمان قد قتل فكان ذلك سببًا لنزول قول اللَّه تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... ) الآية. ومن ذلك: كف اللَّه أيدي المشركين عن المؤمنين حين همت طائفة منهم بالعدوان عليهم فأنزل اللَّه: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤). إلى غير ذلك من الأسباب المتعددة التي تناولتها السورة بالحديث عنها واللَّه أعلم. وهكذا نجد أنه بالإمكان أن تتعدد الأسباب وينزل في ذلك آية واحدة أو آيات متعددة في موضع واحد وليس ثمةَ ما يمنع من ذلك. * * *

стр. 123

المبحث الخامس عموم اللفظ وخصوص السبب هذا المبحث أساسه ومصدره من المباحث الأصولية الهامة والمؤثرة في التطبيقات العملية للأحكام الشرعية، ونظراً لصلته الوثيقة بالنصوص الشرعية بوجه عام، فسيكون لزاماً أن يرتبط بأسباب النزول على نحو خاص، ويكون من المباحث الرئيسة في هذا الموضوع. وقبل الشروع في المقصود أود التعريف باللفظ العام والسبب الخاص فأقول: اللفظ العام: هو لفظ وضع وضعاً واحداً لكثير فير محصور مستغرق جميع ما يصلح له. مثال ذلك: لفظ المحسنين في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وقد احتُرز بقوله: (وضع وضعاً واحداً) عن المشترك، كالعين مثلاً تطلق على العين المعهودة، والجاسوس، والماء. وبقوله: (لكثير) عما لم يوضع للكثير كزيد وعمرو. وبقوله: (غير محصور): عن أسماء العدد فإن المائة مثلاً وضعت وضعاً واحدًا للكثير، لكن الكثير محصور. وبقوله: (مستغرق جميع ما يصلح له) عن الجمع المنكر الذي تدل القرينة على أنه غير عام، فإن هذا يكون واسطةٌ بين العام والخاص، نحو رأيت رجالاً، فإن من المعلوم أن جميع الرجال غير مرئي.

стр. 124

أما السبب الخاص: فالمراد به السبب الداعي إلى الخطاب أي سبب الورود. - وقد ذكر بعض أهل العلم أن القسمة العقلية لأحوال اللفظ مع السبب في العموم والخصوص لا تجاوز أربعة أحوال وهي: ١ - أن يكون السبب عاماً، واللفظ النازل عليه خاصاً. ٢ - أن يكون كلٌّ من السبب واللفظ النازل عليه عاماً. ٣ - أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه خاصاً. ٤ - أن يكون السبب خاصًا واللفظ النازل عليه عاماً. وسأنظر فيما يمكن قبوله أو رده من هذه الأحوال وفقا لما بين يديّ من الأسباب وأقوال العلماء. فأما الحال الأولى: وهي أن يكون السبب عامًا واللفظ النازل عليه خاصاً فهذا لا وجود له في أسباب النزول، وقد قال أبو شهبة: (وهذا القسم وإن صح عقلاً لكنه لا يجوز بلاغةً لعدم وجود التطابق بين السبب الذي هو بمنزلة السؤال، واللفظ النازل عليه الذي هو بمنزلة الجواب له فيكون بمنزلة من يقول هل للمسلمين أن يفعلوا كذا؟ فيجاب بأن لفلان أن يفعل كذا، ويترك حال الباقين، ومن ثمَّ لم يقع هذا في الكلام البليغ كالقرآن والسنة). اهـ. قلت: هذا يأتي في الكلام المعتاد وقد قال الطوفي: (ولو سأله جميع نسائه الطلاق، فقال فلانة طالق، اختص الطلاق بها وإن عمَّ السبب). اهـ. لكن العموم في السبب هنا ليس مطلقًا، بل هو نسبي لاختصاصه بنسائه فقط. وأما الحال الثانية: وهي أن يكون كلٌّ من السبب واللفظ النازل عليه

стр. 125

عاماً، فقد ذكر هذا بعض المؤلفين في علوم القرآن واستدلوا له بأدلة منها: ١ - الآيات النازلة في غزوة بدر، والآيات النازلة في غزوة أحد من سورة آل عمران. ٢ - قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ). ٣ - قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ). ٤ - قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ). ففي آية المحيض سأل المسلمون رسول اللَّه ﷺ عن معاملة الحائض. وفي الثانية سألوه عن كيفية توزيع الأنفال، وفي الثالثة سألوه عن معاملة يتامى النساء المسلمات في النكاح. فالسائلون جماعة من المسلمين وليس واحداً، فمن ثمَّ كان السؤال عاماً. وعندي - والله أعلم - أن هذا ليس دقيقاً، وفي نفسي منه شىء، ويعكر عليه أمران: الأول: أن الأُصوليين وهم أصحاب الشأن لم يذكروا أن السبب يكون عاماً - حسب اطلاعي - وهذا يوجب الشك فيما ذكره غيرهم. الثاني: ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: مرضت فجاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني، وأبو بكر وهما ماشيان، فأتاني وقد أُغمي عليَّ، فتوضأ رسول اللَّه ﷺ ثم صب وضوءه عليَّ، فأفقت، فقلت: يا رسول اللَّه، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ قال: فما أجابَنِي بشيء حتى نزلت آية الميراث. وآية الميراث هي قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ... ). وجه الدلالة من الحديث على المقصود أن يقال:

стр. 126

إن المستفتي عن ذلك واحد وهو جابر بن عبد اللَّه ﵄ وحينئذٍ فالأمر لا يخلو من حالين: الأولى: أن تقولوا إن السبب خاص وليس عامًا لأن السائل واحد وهو جابر فيقال لكم: ما الفرق إذن بين قوله: يسألونك، وقوله: يستفتونك، لأن طريقتكم تقتضي أن الأول سبب عام، والثاني سبب خاص؟ الثانية: أن تقولوا إن السبب عام إذ لا فرق بين يسألونك ويستفتونك، وحينئذٍ يقال لكم كيف جعلتم هذا سبباً عاماً مع أن السائل واحد وهو جابر ﵁؟ وهذا المثال بيِّن في التعكير على ما ذكروه من خصوص السبب وعمومه والله أعلم. أما الحال الثالثة: وهي أن يكون كلٌ من السبب واللفظ النازل عليه خاصاً فهذا واقع، والأمثلة عليه من أسباب النزول كثيرة ومنها: ١ - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول اللَّه ﷺ وشُج في وجهه، قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟ قال: فأنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨). فالسبب واللفظ كلاهما خاص هنا. ٢ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً؛ قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوم أشدُّ منه، قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين، قال: فقام عمر فقال: رضينا باللَّه رباً، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبياً، قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك فلان فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).

стр. 127

فالسبب خاص فيمن سأل، واللفظ خاص بعهد النبوة لأنه زمن نزول القرآن. ٣ - أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما مات عبد اللَّه بن أُبي بن سلول، دُعي له رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه ﷺ وثبتُ إليه فقلت: يا رسول اللَّه أَتصلي على ابن أُبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أُعدد عليه قوله، فتبسم رسول اللَّه ﷺ وقال: (أخِّر عني يا عمر) فلما أكثرت عليه قال: (إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها) قال: فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) - إلى قوله -: (وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ). فالسبب خاص بصلاة رسول اللَّه ﷺ على هذا المنافق، واللفظ خاص به أيضًا، لأن النفاق المانع من الصلاة على صاحبه لا يُعلم إلا من قِبَل اللَّه . ٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش، دعا الناس طعموا ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام معه من الناس وبقي ثلاثة، وإن النبي ﷺ جاء ليدخل فماذا القوم جلوس ثم إنهم قاموا فانطلقوا، قال: فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) - إلى قوله -: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). فالسبب خاص بالصحابة المتحدثين واللفظ خاص بالصحابة ﵃. ٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵁ في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) (لَا تُحَرِّكْ بِهِ

стр. 128

لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) فإن علينا أن نجمعه في صدرك ... فذكر الحديث وفيه: وكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه. فالسبب واللفظ كلاهما خاص برسول اللَّه ﷺ . وأما الحال الرابعة: وهي أن يكون اللفظ عاماً والسبب خاصاً فهذه الحال لبُّ المبحث وخلاصته، والغاية منه، ونظراً لهذا فسوف أتوسع قليلاً في ذكر أقوال العلماء وحججهم في هذه المسألة سواءً أكانوا من الأُصوليين أم غيرهم فأقول: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: الأول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يَسقط عموم اللفظ بالسبب الذي ورد عليه وإلى هذا ذهب أكثر العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد وهو المذهب المعتبر عند المحققين من الفقهاء والأُصوليين وعزاه ابن الحاجب إلى الجمهور واستدلوا بما يلي: أولاً: أن هذا اللفظ الوارد على سبب خاص، لو عري عن السبب كان عاماً؛ لأن دلالة العموم لفظية لا لعدم السبب، وإذا كانت دلالة العموم مستفادة من لفظه، فإن ورود اللفظ مع وجود السبب كوروده مع عدم السبب، فيكون مقتضيًا للعموم مع وجود السبب كما كان مقتضياً له مع عدمه. ثانياً: أن الحجة في لفظ الشارع لا في السبب، وإذا كان الأمر كذلك وجب مراعاة اللفظ عمومًا وخصوصًا كما لو ورد ابتداءً على غير سبب، فلو سألت امرأة زوجها الطلاق فقال كل نسائي طوالق عمهن الطلاق مع خصوص السبب، ولو سأله جميعُ نسائه الطلاق فقال: فلانة طالق اختص الطلاق بها وإن عم السبب. ثالثاً: لو كان ورود اللفظ العام على سبب خاص يسقط العموم لكان المانع للعموم وجودَ السبب وهذا ممتنع لوجهين: الأول: أن الأصل عدم منع السبب للعموم ومن ادعى ذلك فعليه الدليل.

стр. 129

الثاني: أن أكثر العمومات وردت بناء على أسباب خاصة، وقد عمم الصحابة أحكامها ولم يقصروها على أسباب ورودها، ولم ينكر ذلك عليهم فكان إجماعًا على التعميم ولو كان السبب مانعًا من اقتضاء اللفظ للعموم، لكان إجماع الأمة على التعميم خلاف الدليل. رابعاً: اللفظ العام الوارد على سبب خاص لا يقصر على سببه كالخطاب الوارد في مكان وزمان فإنه لا يقصر عليهما. خامساً: أن تخصيص اللفظ العام الوارد على سبب خاص بسببه الخاص يعني إلغاء الزيادة التي تكلم بها، وإذا قيل بعمومه كان ذلك اعتبارًا لها، واعتبار الزيادة أولى من إلغائها. القول الثاني: أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فيسقط عموم اللفظ بالسبب الذي ورد عليه، وقد نقل هذا المذهب عن مالك والشافعي وأحمد، وأبي ثور، والمزني وغيرهم وقال به جمع كثير من أهل العلم واستدلوا بما يلي: أولاً: أن المراد بهذا اللفظ بيان حكم السبب فقط، ولولا ذلك لما أخَّر بيان الحكم إلى زمن وقوع الواقعة لأنه ممتنع، وإذا كان المقصود بيان حكم السبب فقط وجب قصر اللفظ عليه. وأُجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن وقوع الواقعة في هذا الوقت أمر تقتضيه حكمة الله التي استأثر بعلمها دون غيره، فربما تفوت المصلحة، ولا يتأتى انقياد العباد لو تقدم الوقوع أو تأخر. الثاني: أنه يلزم منه أن تكون العمومات الواردة على أسباب خاصة كآية الظهار واللعان مختصةً بأسبابها لأنه أخر البيان إلى وقوع الواقعة وذلك خلاف الإجماع. ثانياً: لو كان اللفظ العام الوارد على سبب خاص مقصوداً به العموم لجاز تخصيص السبب وإخراجه عن العموم بالاجتهاد كما يجوز تخصيص غيره من الصور الداخلة تحت العموم بالاجتهاد ضرورة تساوي نسبة العموم إلى جميع الصور الداخلة تحته.

стр. 130

وأُجيب بمنع الملازمة بين قصد العموم باللفظ وجواز تخصيص السبب بالاجتهاد؛ لأن اللفظ ورد بياناً لحكم السبب فكان مقطوعاً به فيه فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد بخلاف غيره من الصور، فإن الخلاف جارٍ في كونه بيانًا لها أو لا، فكان تناوله لها مظنوناً، فلذلك جاز إخراجها عن عموم اللفظ بالتخصيص بالاجتهاد. ثالثاً: لولا اختصاص الحكم بسببه لما نقل الراوي السبب؛ لأن نقله على هذا التقدير يكون عديم الفائدة، لكن لما نقل الرواة أسباب الأحكام، وحافظوا على نقلها دل ذلك على اختصاص الحكم بالسبب. وأجيب بأنا لا نسلم أن نقل السبب لا فائدة له بل له فوائد: منها: بيان أخصية السبب بالحكم، أي أن السبب أخص بالحكم من غيره من صوره فيمتنع تخصيصه على ما سبق فيه. ومنها: معرفة تاريخ الحكم بمعرفة سببه، وفي معرفة التاريخ فائدة معرفة الناسخ من المنسوخ. ومنها: توسعة علم الشريعة بمعرفة الأحكام بأسبابها. ومنها: التأسي بوقائع السلف، وما جرى لهم، فيخف حكم المكاره على الناس. رابعاً: أن العام الوارد على سبب خاص، جواب له، والأصل في جواب السؤال أن يكون مطابقاً له، فلو كان هذا العام مراداً به العموم لم يكن مطابقًا، بل يصير ابتداء كلام فدل ذلك على أنه مراد به الاختصاص بسببه. وأجيب: بأنه إن أُريد بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه فقد وجد. وإن أُريد بها أن يكون الجواب مساوياً للسؤال فلا يكون بياناً لغير ما سُئل عنه فلا نسلم أنها الأصل. ولهذا لما سأل اللَّه موسى بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، فقد كان يكفي في الإجابة قوله: (هِيَ عَصَايَ) ولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الأصل لكان بيان موسى ﵇ لذلك على خلاف الأصل.

стр. 131

ومثل ذلك سؤاله ﵊ عن الوضوء بماء البحر فأجابهم وزادهم بحلِّ ميتته. وبما تقدم من أدلة القولين فقد تبين أن أسعد القولين بالصواب قول من قال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لسلامة الأدلة وخلوها من معارض صحيح. ولا يعني الخلاف في المسألة أن الأحكام النازلة بسبب حوادث خاصة أنها تختص بمن نزلت بسببهم، بل هي عامة لهم ولغيرهم حتى على قول من يرى أن العبرة بخصوص السبب لكن الفرق بين القولين أن من يرى أن العبرة بعموم اللفظ يقول أخذنا هذا العموم عن طريق اللفظ العام. أما من يرى أن العبرة بخصوص السبب فيقولون لم نأخذ العموم في هذه الأحكام من طريق اللفظ العام؛ لأن هذا اللفظ العام مختص بسببه، ولكن أخذنا ذلك العموم من القياس، أي قياس الحوادث المشابهة لما حدث لعويمر، وهلال، وأَوس على ما حدث لهؤلاء والله أعلم. وبعد ذكر قول الأُصوليين في المسألة سأذكر ما وقفت عليه من أقوال العلماء في اعتبارهم لعموم اللفظ دون خصوص السبب. فأقول: قال الطبري مقرراً هذه القاعدة: (وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب ويكون الحكم بها عاماً في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه) اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد يجيء كثيرًا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا لا سيما إن كان المذكور شخصاً كأسباب النزول المذكورة في التفسير كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت) فذكر كلامًا ... حتى قال: (فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص

стр. 132

بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم، ولا عاقل على الإطلاق. والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص فيعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ). اهـ. وقال أيضاً في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ووجهه ظاهر الخطاب، فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا موجب لخصوصه، وليس هو مختصاً بنفس السبب بالاتفاق، لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم، وليس هو من السبب، ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئًا منها لم يقصرعلى سببه). وقال ابن كثير في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ... ) الآية: (قلت: والصحيح أن الآية عامة وإن صح أنها وردت على سبب خاص، والأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء). اهـ. وقال السيوطي: (اختلف أهل الأصول هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ والأصح عندنا الأول، وقد نزلت آيات في أسباب واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها). اهـ. وقال السعدي: (العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وهذه قاعدة نافعة جدًا بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير، وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير ويقع الغلط والارتباك، وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم). اهـ.

стр. 133

وقال الشنقيطي: (فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن النبي ﷺ سُئل بما معناه هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم ساق حديث ابن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأة قبلةً فأتى رسول اللَّه ﷺ فذكر ذلك له فأنزلت عليه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) قال الرجل: ألي هذه؟ قال: (لمن عمل بها من أمتي)، وفي رواية في الصحيح قال: الجميع أمتي كلهم). فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت فى خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي ﷺ : ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي ﷺ له: (لجميع أُمتي) معناه أن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب والعلم عند اللَّه تعالى). اهـ. وبعد هذا التقرير من اعتبار عموم الألفاظ دون خصوص الأسباب سأذكر عددًا من الأمثلة تناولتها بالدراسة تدل على ذلك. ومنها: ١ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي والترمذي والنَّسَائِي عن أنس ﵁ قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول اللَّه لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). ٢ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل

стр. 134

صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً (فلما) حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحاً شديدًا، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ). ٣ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن كعب بن عجرة ﵁ قال: وقف عليَّ رسول اللَّه ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: (يؤذيك هوامك) قلت: نعمِ قال: (فاحلق رأسك) قال: فيَّ نزلت هذه الآية: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ... ) إلى آخرها فقال النبي ﷺ : (صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَق بين ستة أو انسك بما تيسر). ٤ - أخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن معقل بن يسار ﵁ أنها نزلت فيه: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) قال: زوجت أُختاً لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلاً لا بأس، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل اللَّه هذه الآية: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فقلت: الآن أفعل يا رسول اللَّه قال: (فزوجها إياه). ٥ - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللَّه ﷺ بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: فقال:

стр. 135

(يقضي اللَّه في ذلك) قال: فنزلت آية الميراث فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى عمهما، فقال: (أعطِ ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك). وآية الميراث هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... ) الآية. بقي أن يُقال جاء عن أبي أيوب الأنصاري، وابن عبَّاسٍ ﵄ ما يدل على أنهما يريان أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. فأما أبو أيوب فقد أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا سبحان اللَّه، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري، فقال: يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز اللَّه الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). والجواب أن يقال: لا دلالة في الحديث على اعتبار خصوص السبب دون عموم اللفظ لأن أبا أيوب ﵁ كان يرى الاقتحام في صفوف الأعداء مأذوناً به شرعاً لأنه كان يشاهد ذلك من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا ينكر عليهم وإذا أُذن فيه شرعاً فلن تنهى الآية عنه، وأما ما عدا ذلك من صور إلقاء النفس إلى التهلكة فإن الآية تتناولها، ولا تختص بمن نزلت فيه وهم الأنصار واللَّه أعلم. وأما ابن عبَّاسٍ فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوَّابه) إلى ابن عبَّاسٍ فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون. فقال ابن

стр. 136

عباس: مالكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. والجواب عن هذا أن يقال: لا دلالة في الحديث على اعتبار خصوص السبب دون عموم اللفظ ولعل هذا يتبين بتقسيم القضية إلى صورتين: الأولى: أن يفرح المرء بما أتى من فعل لا معصية فيه، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، من غير أن يقع منه كتمان شيء أو كذب على أحد فهذا لا تتناوله الآية كما قاله ابن عبَّاسٍ لأن صاحبه لم يقع منه عمل. غاية الأمر: أنه أحب أن يحمد بما لم يفعل، وهذه طبيعة النفس البشرية، وهذا هو الذي قصده مروان، ويدل على ذلك قوله: (لنعذبن أجمعون)، ولا يخفى أنه ليس كل الناس يكتمون ويكذبون، فتبين أن مراده ما تقدم. الثانية: أن يفعل المرء عين ما فعل اليهود من الكذب والكتمان فهذا ما يتناوله نص الآية، ولا فرق بين أن يقع الفعل من اليهود أو من غيرهم، وهذه الصورة لم يسأل عنها مروان لأنه لا يُستغرب أن يعذَّب من هذا حاله، وإنما كان استغرابه أن يُعذَّب على فعلٍ يقع من الجميع، ولا ذنب فيه. * * *

стр. 137

المبحث السادس تكرر النزول القول بتكرر نزول بعض آيات القرآن من المباحث القديمة المتجددة، يبعثه ويغذيه بعض الروايات المتعارضة في الظاهر، حيث ألجأت بعض العلماء إلى القول بهذا لما أشكل عليهم الجمع بينها أو ترجيح بعضها، وسأذكر ما وقفت عليه من قولي العلماء، وما احتجوا به على هذه المسألة، ثم أُتبع هذا بدراسة الأمثلة التي احتجوا بها على التكرر دراسة مختصرة ثم أُبين الراجح في المسألة فأقول: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: الأول: قول من يرى أن من القرآن ما تكرر نزوله واختار هذا ابن الحصار والسخاوي والزركشي والسيوطي. قال ابن الحصار: (قد يتكرر نزول الآية تذكيراً وموعظة). اهـ. وقال السخاوي: (فإن قيل: فما فائدة نزولها مرة ثانية؟ قلت: يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد، ونزلت في الثانية ببقية وجوهها نحو: ملك، ومالك، والسِّراط، والصراط ونحو ذلك). اهـ. وقال الزركشي: (وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه.

стр. 138

والحكمة في هذا كله: أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فتؤدَّى تلك الآية بعينها إلى النبي ﷺ تذكيراً لهم بها، وبأنها تتضمن هذه. والعالِم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل، مع حفظه لذلك النص). اهـ. وقال السيوطي: (تنبيه: قد يجعل من ذلك الأحرف التي تقرأ على وجهين فأكثر ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث أُبي: (إن ربي أرسل إليَّ أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أُمتي، فأرسل إليَّ أن اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فأرسل إليَّ أن اقرأه على سبعة أحرف) فهذا الحديث يدل على أن القرآن لم ينزل من أول وهلة بل مرةً بعد أخرى). اهـ. وخلاصة حجتهم ما يلي: ١ - أن النزول يتكرر لغرض إنزال بقية الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها. ٢ - تذكير المخاطبين وموعظتهم بها. ٣ - تعظيم شأن المنزل. ٤ - تذكير رسول اللَّه ﷺ بها خوف النسيان. ٥ - وجود أمثلة من القرآن تدل على هذا. القول الثاني: أنه ليس في القرآن شيء تكرر نزوله واحتجوا بما يلي: ١ - أن هذا خلاف الأصل، قال ابن حجر: (والأصل عدم تكرر النزول).

стр. 139

٢ - عدم الفائدة في تكرر النزول لأنه تحصيل حاصل. ٣ - عدم الدليل الصحيح على وقوع التكرر. والبداية بالجواب عما ذكره القائلون بتكرر النزول. فقولهم: إن النزول يتكرر لغرض إنزال بقية الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها. فالجواب عنه من وجوه: أ - أن من لازم القول بهذا ارتباطَ الأحرف السبعة بأسباب النزول؛ لأن النزول لن يتكرر إلا بوجود أسبابه. والواقع أن الأحرف السبعة تخالف أسباب النزول في الموضوع والغاية، فالغرض من تكرر النزول على فرض وقوعه معالجة ما يستدعي ذلك من القضايا الخاصة، بينما الغرض من إنزال القرآن على سبعة أحرف التيسير والتسهيل على الأمة عامة في قراءة القرآن وفرق بيِّن بين الأمرين. ب - أن مقتضى استدلالكم بنزول الأحرف السبعة على تكرر النزول أن يكون لما ذكرتم من الأمثلة صلة بالأحرف وهذا ما لا يوجد، حتى أنتم لما ذكرتم التكرار لم تقولوا إنها في النزول الأول كانت بحرف كذا، وبالنزول الثاني كانت بحرف كذا، بل غاية الأمر عندكم أنكم لجأتم للقول بتكرر النزول لما اشتبه عليكم المكي بالمدني. جـ - أن الأحرف السبعة التي نزل القرآن بها لو كان لها صلة بتكرر النزول لكانت الأدلة على تكرر النزول تربو عن المذكور بكثير، وهذا ليس بغريبٍ، إذا علمنا أن الأحرف سبعة وأن عدد سور القرآن يبلغ مائة وأربع عشرة سورة، فلماذا اقتصرتم على بضعة أمثلة يرددها اللاحق عن السابق، وتركتم الجم الغفير منها، ولم تصدروا بها قولكم مع أن الأدلة والأمثلة هي مادة حياة القول وسبب بقائه. وأما قولهم: إن في تكرر النزول لبعض الآيات تذكيراً وموعظةً بها. فالجواب أن يقال: إن التذكير والموعظة يحصل بالتفكر والتدبر في آيات اللَّه الشرعية والكونية.

стр. 140

قال اللَّه تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩). وقال تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥). وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥). فالذكرى تنال بالتدبر والتفكر لا بتكرار النزول، ولو كان التذكير والموعظة يستلزم التكرار لترتب على هذا أمران: الأول: تعطيل التفكر والتدبر في كتاب اللَّه مع أنه الغاية من الإنزال كما دلت على هذا الآية السابقة. الثاني: استمرار النزول ودوامه إلى قيام الساعة لأن حاجة الناس للتذكير والموعظة لا تنقطع، فهل كلما دعت حاجة إلى التذكير اقتضى الأمر النزول؟ هذا لا يقوله أحد، حتى وإن قال بتكرر النزول، ولعل المرء يقول القول لكن يغيب عن ذهنه لازمُه وما يترتب عليه واللَّه أعلم. وأما قولهم: إن في تكرر النزول تعظيماً لشأن المنزّل. فالجواب أن يقال: المنزّل لا يفتقر للتكرار حتى يكون عظيمًا بل يكفيه تعظيماً وتشريفًا أنه كلام اللَّه فهذا أعظم شرف للقرآن. ولو أننا ضربنا مثلاً - وللَّه المثل الأعلى - بملِكين من ملوك الدنيا، أحدهما يُصدر الأمر بالشيء فتتم الاستجابة لأمره بشكل كامل، ومن غير إبطاء. والآخر يفعل الشيء نفسه لكن أمره أحيانًا يواجه بالرفض، وأحيانًا بالتنفيذ الجزئي، وأحياناً بالإبطاء، فهو يضطر لفعل الشيء الواحد أن يصدر عددًا من الأوامر. فأيُّ المَلِكين أعظم شأناً في أمره وسلطانه؟ فالجواب: بلا ريب أن الأول أعظم شأناً في نفسه وأمره مع أنه لم يكرر أمره، بخلاف الثاني فالضعف يلتف حوله ويحيط بأمره مع كونه يكرر الأوامر التي لم تغن عنه شيئاً.

стр. 141

فإذا كان هذا شأن المخلوق على ما فيه من ضعف، فكيف الشأن بالخالق الذي له القوة جميعاً. وبهذا يتبين أن التكرر في النزول لا يدل على تعظيم المنزّل، بل التعظيم حاصل بنزوله فقط مرة واحدة. والله أعلم. وأما قولهم: إن في تكرر النزول تذكيراً لرسول الله ﷺ بها خوف نسيانه. فالجواب عن هذا أن يقال: إن الله تعالى قال: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وقال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). ولن يصطفي الله لرسالته أحداً إلا إن كان مهيأ للرسالة، صالحاً لها، مع إمداده، بما يكون به صلاح الدعوة، وقوة الحجة من الأسباب المادية الحسية والمعنوية، ولرسولنا محمد ﷺ من الأسباب أسماها وأعلاها، كيف لا وهو سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، ورسالته أوعبت الجنس والمكان والزمان. أفيمكن بعد هذا أن يقال إنه نسي الآية التي بين يديه، أو خفيت عليه دلالتها على تلك الحادثة حتى ينزل الوحي مرة ثانية. إن أحداً من العلماء الراسخين لو وقع هذا منه لكان مستغرباً باعثاً على الشك في حسن فهمه لنصوص الوحي، فكيف يقال هذا في رسول الله - ﷺ -؟ فقول الزركشي: (قد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه) لا يخلو من أمرين: الأول: إن أراد أن النسيان واقع من الصحابة ﵃ فرسول ﷺ بين أظهرهم يذكرهم بكتاب الله، وحينئذٍ تنتفي الحاجة للتكرار. الثاني: إن أراد أن النسيان واقع من رسول الله ﷺ فهذا عين الخطأ والخطل والخطر، والله المستعان. أما استدلالهم ببعض الروايات على تكرر النزول لتعارضها في الظاهر فإليك مناقشتها:

стр. 142

أولاً: الفاتحة فقد ذهب بعض أهل العلم إلى نزولها مرتين ظنا منهم أنها نزلت مرة في مكة، ومرة في المدينة. وقد استُدل على نزولها بمكة بأن الله ذكرها في سورة الحجر بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ومما يدل على أن المراد بالآية هنا سورة الفاتحة ما روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أُصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أُصلي فقال: (ألم يقل اللَّه: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ثم قال لي: (لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: (الحمد للَّه رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتُه). وجه الدلالة من الحديث على أنها مكية أن اللَّه تعالى ذكر إيتاءها رسوله ﷺ في سورة الحجر، وهذه السورة مكية كلها. قال ابن عاشور: (حكي الاتفاق عليها). وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون الفاتحة قد نزلت قبل سورة الحجر، وبناءً عليه لا بد أيضًا أن يكون نزولها في مكة. أما من استدل على نزولها بالمدينة فاحتج بما روى مسلم عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرا بحرف منهما إلا أُعطيته.

стр. 143

وجه الدلالة من الحديث على أنها مدنية: أنها قرنت بنزول الملك بها مع خواتيم سورة البقرة مع أنها مدنية. والراجح - واللَّه أعلم - أنه لا معارضة بين الحديثين، وأن السورة إنما أُنزلت في مكة فقط، أما حديث ابن عبَّاسٍ فلا يدل على أنها مدنية، بل غاية الأمر أن الحديث يدل على فضلها ولهذا قال القرطبي: (إن جبريل ﵇ نزل بها في مكة، ونزل هذا الملك بفضلها وثوابها في المدينة، فجبريل هو أمين الوحي وقد قال اللَّه تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) وهذا يقتضي نزوله بجميع القرآن دون استثناء). اهـ. ثانياً: قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣). أ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل ابن هشام، وعبد اللَّه بن أبي أُمية بن المغيرة، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي طالب: (يا عَمِّ قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا اللَّه، فقال رسول الله ﷺ : (أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل الله فيه: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... ). ب - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن علي ﵁ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه، وهما مشركان. فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) - إلى قوله -: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: (لما مات).

стр. 144

جـ - أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردوية والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ يومًا إلى المقابر فاتبعناه حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك. قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الذي أبكاني. هذه ثلاثة أحاديث جاء فيها نزول هذه الآية الكريمة، فذهب بعض العلماء لتكرر النزول. وعندي - واللَّه أعلم - أن هذه الأحاديث لا تدل على ذلك، وبيان ذلك أن يقال: إن حديث ابن مسعود ﵁ في زيارة النبي ﷺ قبر أمه واستغفاره لها، ونزول الآية فيه لا يصح سبباً للنزول لضعف سنده وقد قال فيه الذهبي: (هذا من غرائب الحديث) وقال ابن كثير: (غريب). وأما حديث علي ﵁ في سماعه رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فالحديث أيضاً لا يصح لضعفه في سنده، وشذوذه في متنه، فكيف يحتج به على النزول. فلم يبق إلا حديث المسيب ﵁ في استغفار رسول اللَّه ﷺ لعمه أبي طالب لصحة إسناده، واحتجاج جمهور العلماء به واللَّه أعلم. ثالثاً: قال اللَّه تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤). أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأةٍ قبلةً فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل اللَّه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: (لجميع أمتي كلهم).

стр. 145

قال الزركشي: (فهذا كان في المدينة، وسورة هود مكية بالاتفاق ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة). اهـ. وما ذكره الزركشي لا ريب أنه ضعيف، وقوله: إنها مكية بالاتفاق ليس بصحيح فقد قال ابن عبَّاسٍ وقتادة: إنها مدنية، وحسبك. بهما، ولا مانع أن تكون السورة مكيةً وهذه الآية منها مدنية لوجود السبب الدال على ذلك، وحينئذ ينتفي القول بتكرر النزول. رابعاً: قال الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦). أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أُصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربينَّ عليهم، قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : (كفوا عن القوم إلا أربعة). قال ابن الحصار: (إنها نزلت أولاً بمكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح تذكيرًا من الله لعباده). اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أن ما ذكره ابن الحصار في تكرر النزول ثلاث مرات قول ضعيف لا يستند إلى دليل. والعلماء متفقون على أن الآية نزلت لما همَّ الصحابة ﵃ أن يضاعفوا العقوبة بالمشركين حين مثَّلوا بشهدائهم يوم أُحد. قال ابن عطية: (أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد). اهـ.
следующие страницы →