← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فإذا كان هذا شأن المخلوق على ما فيه من ضعف، فكيف الشأن بالخالق الذي له القوة جميعاً. وبهذا يتبين أن التكرر في النزول لا يدل على تعظيم المنزّل، بل التعظيم حاصل بنزوله فقط مرة واحدة. والله أعلم. وأما قولهم: إن في تكرر النزول تذكيراً لرسول الله ﷺ بها خوف نسيانه. فالجواب عن هذا أن يقال: إن الله تعالى قال: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وقال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ). ولن يصطفي الله لرسالته أحداً إلا إن كان مهيأ للرسالة، صالحاً لها، مع إمداده، بما يكون به صلاح الدعوة، وقوة الحجة من الأسباب المادية الحسية والمعنوية، ولرسولنا محمد ﷺ من الأسباب أسماها وأعلاها، كيف لا وهو سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، ورسالته أوعبت الجنس والمكان والزمان. أفيمكن بعد هذا أن يقال إنه نسي الآية التي بين يديه، أو خفيت عليه دلالتها على تلك الحادثة حتى ينزل الوحي مرة ثانية. إن أحداً من العلماء الراسخين لو وقع هذا منه لكان مستغرباً باعثاً على الشك في حسن فهمه لنصوص الوحي، فكيف يقال هذا في رسول الله - ﷺ -؟ فقول الزركشي: (قد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه) لا يخلو من أمرين: الأول: إن أراد أن النسيان واقع من الصحابة ﵃ فرسول ﷺ بين أظهرهم يذكرهم بكتاب الله، وحينئذٍ تنتفي الحاجة للتكرار. الثاني: إن أراد أن النسيان واقع من رسول الله ﷺ فهذا عين الخطأ والخطل والخطر، والله المستعان. أما استدلالهم ببعض الروايات على تكرر النزول لتعارضها في الظاهر فإليك مناقشتها:

стр. 142

أولاً: الفاتحة فقد ذهب بعض أهل العلم إلى نزولها مرتين ظنا منهم أنها نزلت مرة في مكة، ومرة في المدينة. وقد استُدل على نزولها بمكة بأن الله ذكرها في سورة الحجر بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ومما يدل على أن المراد بالآية هنا سورة الفاتحة ما روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أُصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أُصلي فقال: (ألم يقل اللَّه: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ثم قال لي: (لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: (الحمد للَّه رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتُه). وجه الدلالة من الحديث على أنها مكية أن اللَّه تعالى ذكر إيتاءها رسوله ﷺ في سورة الحجر، وهذه السورة مكية كلها. قال ابن عاشور: (حكي الاتفاق عليها). وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن تكون الفاتحة قد نزلت قبل سورة الحجر، وبناءً عليه لا بد أيضًا أن يكون نزولها في مكة. أما من استدل على نزولها بالمدينة فاحتج بما روى مسلم عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة لن تقرا بحرف منهما إلا أُعطيته.

стр. 143

وجه الدلالة من الحديث على أنها مدنية: أنها قرنت بنزول الملك بها مع خواتيم سورة البقرة مع أنها مدنية. والراجح - واللَّه أعلم - أنه لا معارضة بين الحديثين، وأن السورة إنما أُنزلت في مكة فقط، أما حديث ابن عبَّاسٍ فلا يدل على أنها مدنية، بل غاية الأمر أن الحديث يدل على فضلها ولهذا قال القرطبي: (إن جبريل ﵇ نزل بها في مكة، ونزل هذا الملك بفضلها وثوابها في المدينة، فجبريل هو أمين الوحي وقد قال اللَّه تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) وهذا يقتضي نزوله بجميع القرآن دون استثناء). اهـ. ثانياً: قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣). أ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل ابن هشام، وعبد اللَّه بن أبي أُمية بن المغيرة، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي طالب: (يا عَمِّ قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا اللَّه، فقال رسول الله ﷺ : (أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل الله فيه: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... ). ب - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن علي ﵁ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه، وهما مشركان. فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) - إلى قوله -: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: (لما مات).

стр. 144

جـ - أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردوية والبيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ يومًا إلى المقابر فاتبعناه حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك. قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الذي أبكاني. هذه ثلاثة أحاديث جاء فيها نزول هذه الآية الكريمة، فذهب بعض العلماء لتكرر النزول. وعندي - واللَّه أعلم - أن هذه الأحاديث لا تدل على ذلك، وبيان ذلك أن يقال: إن حديث ابن مسعود ﵁ في زيارة النبي ﷺ قبر أمه واستغفاره لها، ونزول الآية فيه لا يصح سبباً للنزول لضعف سنده وقد قال فيه الذهبي: (هذا من غرائب الحديث) وقال ابن كثير: (غريب). وأما حديث علي ﵁ في سماعه رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فالحديث أيضاً لا يصح لضعفه في سنده، وشذوذه في متنه، فكيف يحتج به على النزول. فلم يبق إلا حديث المسيب ﵁ في استغفار رسول اللَّه ﷺ لعمه أبي طالب لصحة إسناده، واحتجاج جمهور العلماء به واللَّه أعلم. ثالثاً: قال اللَّه تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤). أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأةٍ قبلةً فأتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل اللَّه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: (لجميع أمتي كلهم).

стр. 145

قال الزركشي: (فهذا كان في المدينة، وسورة هود مكية بالاتفاق ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة). اهـ. وما ذكره الزركشي لا ريب أنه ضعيف، وقوله: إنها مكية بالاتفاق ليس بصحيح فقد قال ابن عبَّاسٍ وقتادة: إنها مدنية، وحسبك. بهما، ولا مانع أن تكون السورة مكيةً وهذه الآية منها مدنية لوجود السبب الدال على ذلك، وحينئذ ينتفي القول بتكرر النزول. رابعاً: قال الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦). أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أُصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنربينَّ عليهم، قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : (كفوا عن القوم إلا أربعة). قال ابن الحصار: (إنها نزلت أولاً بمكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح تذكيرًا من الله لعباده). اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أن ما ذكره ابن الحصار في تكرر النزول ثلاث مرات قول ضعيف لا يستند إلى دليل. والعلماء متفقون على أن الآية نزلت لما همَّ الصحابة ﵃ أن يضاعفوا العقوبة بالمشركين حين مثَّلوا بشهدائهم يوم أُحد. قال ابن عطية: (أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد). اهـ.

стр. 146

فأما قول ابن الحصار: إنها نزلت أولاً بمكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، فيكفي هذا القول ضعفا عدم وجود الدليل عليه، ونزول سورة النحل بمكة قبل الهجرة لا يلزم منه أن تكون السورة كلها كذلك، ومن المعلوم أن من السور المكية آياتٍ مدنية والعكس صحيح. وأما قوله: إنها نزلت ثالثًا يوم الفتح فليس له دليل إلا ما جاء في حديث أُبي: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل اللَّه تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ... ) الآية. فهذا وهم بلا ريب إذ كيف يتأخر النزول عن السبب خمس سنين، ومما يدل على تطرق الوهم للحديث أن مداره على الربيع بن أنس وهو صدوق له أوهام. فإذا انتفى القول بنزولها قبل الهجرة ويوم الفتح لم يبق إلا نزولها عند غزوة أُحد واللَّه أعلم. خامساً: قال اللَّه تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥). أ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حرث بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود. فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي). ب - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح فسألوه فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... ) قالوا: أُوتينا علماً كثيرًا أُوتينا التوراة ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا قال: فأنزل اللَّه : (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩).

стр. 147

قال الزركشي عما تكرر نزوله: (ومثله ما في الصحيحين عن ابن مسعود في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة ومعلوم أن هذه في سورة (سبحان) وهي مكية بالاتفاق). اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أن ما ذكره الزركشي ليس بسديد لأن القول بأن الإسراء مكية بالاتفاق يعارضه حديث ابن مسعود ﵁ الدال على نزول هذه الآية في المدينة، ونزول السورة في مكة لا يعني أنها بكمالها مكية، بل هي مكية في الغالب. هذا من حيث المكي والمدني، أما النظر في الإسناد فحديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما وليس الأمر كذلك بالنسبة لحديث ابن عبَّاسٍ فكيف إذا كان مختلَفًا في وصله وإرساله. ثم ابن مسعود كان حاضرًا مشاهدًا لما وقع وقد روى ما شهد، بينما ابن عباس كان صغيراً لا يصح تحمله أو لم يولد بعد فكيف يكون حديثه على ما فيه ندًا لحديث ابن مسعود، وُيبنى عليه القول بالتكرار؟ سادساً: قال الله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ... ) الآيات. أخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ) - إلى قوله -: (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس. فهذا الحديث يدل على نزول الآيات يوم بدر، وهذا يعني أنها مدنية، بينما دلت الآثار وأقوال المفسرين على نزولها في مكة لما غلبت الفرسُ الرومَ فاستبشر بذلك المشركون. ومن هنا ذهب من ذهب إلى تكرر النزول لأنها نزلت قبل الهجرة وبعدها.

стр. 148

والراجح - واللَّه أعلم - أن ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد هذا لا يصح أن يكون سبباً للنزول لأن سياق الآيات يأبى ذلك ويرده وبيان ذلك أن يقال: إن الحديث يدل على أن ظهور الروم على فارس إنما وقع يوم بدر، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يبشر اللَّه المؤمنين بأن الروم ستنتصر على فارس في بضع سنين، والنصر قد تم للروم في يوم بدر - حسبما يقتضيه الحديث -. وإذا أضفت إلى هذه العلةِ إعراضَ المفسرين عنه واختيارهم لخلافه، وكون السورة مكية، وضعف إسناده واضطرابه تبين لك أنه لم يبق في الحديث رمق، وحينئذٍ تبقى آثار السلف وأقوال المفسرين الدالة على نزولها في مكة سالمةً من معارض صحيح، فينتفي القول بتكرر النزول لعدم الدليل عليه واللَّه أعلم. سابعاً: قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤). أخرج أحمد والترمذي عن أُبي بن كعب ﵁ أن المشركين قالوا للنبي ﷺ يا محمد انسب لنا ربك فأنزل اللَّه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ... ) السورة. فهذا الحديث يدل على نزولها في مكة لأن المشركين كانوا في مكة. وذهب بعض أهل العلم إلى نزولها في المدينة لأن السائلين من اليهود. قال الزركشي: (وكذلك ما ورد في (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أنها جواب للمشركين في مكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة). اهـ. والراجح - واللَّه أعلم - أن سورة الصمد لم تنزل إلا مرةً واحدةً في مكة، هذا على افتراض أن الحديث في سؤال المشركين لرسول اللَّه ﷺ عن نسب ربه يصح الاحتجاج به وإلا فالحديث مرسل ضعيف لأن مداره على أبي جعفر الرازي وهو صدوق سيئ الحفظ، وروايته عن الربيع خصوصًا فيها اضطراب كثير.

стр. 149

فإذا كان هذا شأن النزول في مكة مع أنه قول جمهور العلماء، فكيف إذن شأن النزول في المدينة مع أن المرويات فيه ضعيفة جداً بسبب الشذوذ، والانقطاع، وغير ذلك؟ وبناءً على ما تقدم هل يصح القول بتكرر النزول مع عدم الدليل الصحيح على ذلك؟ الجواب: لا، فليس للقائلين بتكرر النزول مثال واحد صحيح يسلم عند البحث والمناظرة، مع أن الأمثلة هي أقوى ما يُحتج به لقولهم. واللَّه أعلم. وأما القائلون بعدم تكرر النزول فاحتجوا بما يلي: أ - أن تكرر النزول خلاف الأصل. قال ابن حجر: (والأصل عدم تكرر النزول). وهذا حق أن الأصل عدمه، ومن خالف الأصل طولب بالدليل. ب - عدم الفائدة في تكرر النزول لأنه تحصيل حاصل، وهذا صحيح فلم أجد فيما ذكروا فائدة من تكرر النزول، بل هو تحصيل أمرٍ حاصل موجود. جـ - عدم وجود الدليل الصحيح على التكرر. وهذا حق بعدما تبين من دراسة الأمثلة التي ذكروها، وإذا انتفى دليل القول انتفى القول ضرورةً. وبما تقدم يتبين أنه ليس لتكرر نزول بعض السور والآيات وجود أصلاً في كتاب اللَّه تعالى أو سنّة رسوله ﷺ . وقد ذكر ابن القيم معنًى خاصاً لقولهم: نزلت مرتين وهو التذكير بالآية إما من النبي ﷺ وإما من جبريل فأُطلق على ذلك النزول. ولهذا لما ذكر قول بعض العلماء في نزول قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) وأنها نزلت في بني سلمة لما أرادوا النُّقلة إلى قرب المسجد قال: (وفي هذا القول نظر، فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يُقال هذه الآية وحدها مدنية، وأحسن من هذا أن تكون

стр. 150

ذُكرت عند هذه القصة ودلت عليها، وذُكروا بها عندها، إما من النبي ﷺ وإما من جبريل فأطلق على ذلك النزول ولعل هذا مراد من قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين). اهـ. وفي قول ابن القيم ﵀ نظر من وجهين: الأول: أن المعنى الذي ذكره لا يسعفه اللفظ؛ لأن التذكير لا يعبر عنه بالنزول، ولو أرادوا بتكرر النزول التذكير بالنازل لقالوا فذكرهم بها ولم يقولوا نزلت مرة بعد مرة. الثانى: أن هذا التوجيه منه متوجه لو كان بأيدينا مثال صحيح، أما مع عدم الدليل فلا يصح واللَّه أعلم. * * *

стр. 151

الفصل الثاني ضوابط الترجيح في أسباب النزول وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف. المبحث الثاني: الترجيح بتقديم السبب الموافق للفظ الآية على غيره. المبحث الثالث: الترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره. المبحث الرابع: الترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه. المبحث الخامس: الترجيح بدلالة السياق القرآني. المبحث السادس: الترجيح بدلالة الوقائع التاريخية.

стр. 152

الفصل الثاني ضوابط الترجيح في أسباب النزول الضوابط الترجيحية بمنزلة النجوم التي يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر كما قال اللَّه تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)، كما أن أثرها عميق في تحديد الراجح من المرجوح، وبيان الصواب من الخطأ، ولهذا أكبَّ بعض العلماء على تحديد الضوابط المؤثرة في الترجيح، وألَّفوا لأجل ذلك المؤلفات، وصنّفوا المصنفات إما استقلالاً، وإما تبعاً وإلحاقاً، إدراكاً منهم لأهمية ذلك في تحديد المسائل وتحريرها. ولئن كانت الضوابط مفيدة في الترجيح بين الأقوال والأسباب، فإن هذا لا يعني اطرادها في كل مسألة، فقد يتخلف هذا أحياناً إذا اقتضى الأمر ذلك ودلت عليه الدلائل من هنا وهناك كما هو الشأن فى سائر القواعد والضوابط. كما أن الحديث عن الترجيح بين الأسباب لا يعني بالضرورة أن يوجد سببان فأكثر، فتطبيق تلك الضوابط ممكن حتى مع وجود السبب الواحد فقط، فقد يتبين من إعمال الضوابط أن الآية لم تنزل على سبب أصلاً وإنما نزلت ابتداءً، وقد يتبين أيضاً أن للآية سببًا آخر غير الذي معنا. ومهما يكن من أمر فإن الغرض هنا هو الوصول إلى النتيجة عبر وسائل شرعية ومسالك علمية بعيداً عن هوى النفس وحظوظها. أما اختياري لهذه الضوابط دون غيرها فلاعتقادي أن لها تأثيراً في تعيين الأسباب. وسأجتهد في ذكر بعض الأمثلة التي تناولتها بالدراسة، إذ لا يخفى أثر المثال في ترسيخ المقال. وسأذكر - إن شاء الله - لكل ضابط خمسة أمثلة ليتبين للناظر وفرة الأمثلة

стр. 153

في أسباب النزول، وأنها ليست نادرةً كما يفعله بعض المؤلفين في الدراسات القرآنية، حيث يقتصرون على مثال واحد، وأحياناً لا يخلو من مقال. وأنا عازم - بإذن اللَّه - على بذل وسعي في اجتناب تكرار الأمثلة ما استطعت ومع هذا السعي فقد يوجد شيء تقتضيه مناسبة المثال. * * *

стр. 154

المبحث الأول الترجيح بتقديم الصحيح على الضعيف عناية العلماء بأسباب نزول القرآن خاصةً تبعٌ لعنايتهم بمباحث السنّة النبوية عامة، ذلك أن أسباب النزول أحاديث وقعت في العصر النبوي فنزل القرآن بسببها، وحينئذٍ يكون شأنها كشأن سائر الأحاديث سواء بسواء. ومن صور ذلك: العناية بدراسة أسانيدها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وقد بذل العلماء لأجل ذلك جهوداً مضنية عظيمة، وأوقاتاً ثمينةً من أعمارهم وألّفوا المؤلفات المختصرة والمطولة في التاريخ، والطبقات، والجرح والتعديل، وارتحلوا لأجل ذلك شرقاً وغرباً، طلباً للحديث، تحملاً وأداءً، سماعاً وإسماعاً، ووضعوا الأسانيد، وقعّدوا القواعد التي لم يجرِ لها نظير في التاريخ، كل ذلك وغيره طلباً لحفظ سنّة النبي ﷺ وصيانة لها من الضعيف والدخيل. وكانت نتيجة ذلك إعمالَ تلك القواعد في النصوص الشرعية، وتطبيقها عليها، وصولاً إلى خلاصة ذلك وهي معرفة أحكام اللَّه على المكلفين. ولئن كان هذا هو الأصل في الموضوع، فإن نظرةً في مناهج المحدثين تنبئك بأن هذا ليس مطرداً دوماً، إذ اعتمد العلماء أحاديث ضعيفة في الأحكام، ورتبوا عليها القول بالحلال والحرام. ومثلهم المفسرون فاستدلالهم بالأحاديث والآثار الضعيفة في إثبات المعاني، وأسباب النزول لا يخفى على من نظر فيه. ولعل سبب سلوكهم هذا المنهج مع الأحاديث والآثار الضعيفة نظراً منهم، ومراعاةً لما يحتف بها من قرائن الترجيح المتعددة. وقد شجعني هذا على الاعتقاد بأن بعض الأحاديث التي تناولتها بالبحث

стр. 155

والدراسة، وإن كانت ضعيفةً في أسانيدها إلا أنها صالحة لأن تكون أسباب نزول، للقرائن التي تؤيدها كمطابقتها لِلفظ الآية، وسياق القرآن وأقوال المفسرين، وتعدد مخارج الحديث وشواهده. وسأذكر من أقوال العلماء ما يدل على أن صحة الإسناد ليست شرطاً ثابتًا لقبول الحديث والاحتجاج به، بل إذا احتف به ما يقويه كان ذلك كافيًا في قبوله، والاعتماد عليه. وقال الزركشي: وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول أو آية من كتاب اللَّه تعالى فيحمله ذلك على قبول الحديث، والعمل به، واعتقاد صحته، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب اللَّه تعالى وسائر أصول الشريعة. قال ابن حجر: (وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب بأن هذا القسم - يعني الضعيف والمنقطع - لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفاً يأباه واللَّه الموفق). وقال بعده بيسير: (والقلب إلى ما حرره ابن القطان أميل). اهـ بتصرف يسير. وقال اللكنوي: (قال أبو الحسن بن الحضّار المالكي: قد يعلم الفقيه صحة الحديث - إذا لم يكن في سنده كذاب - بموافقة آية من كتاب اللَّه، أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبوله والعمل به). اهـ. ونقل عن السيوطي أنه اختار ذلك فقال: (المقبول ما تلقاه العلماء بالقبول، أو اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، أو وافق آية من القرآن،

стр. 156

أو بعض أصول الشريعة، حيث لم يكن في سنده كذاب على ما ذكره ابن الحصار). اهـ باختصار. وقد نقل اللكنوي نصوصًا كثيرة عن العلماء في هذا الباب تدل على ما تقدم، ولا ريب أن هذا يوجب للقلب طمأنينة وراحة في سلوك هذا المسلك والركون إليه. ومع هذا فلا يعني الكلام المتقدم إهمال صحة الإسناد، وعدم اعتباره، بل إذا اجتمعت ضوابط الترجيح مع صحة الإسناد كان الحديث هو المقدم في سبب النزول. وسأذكر من أقوال العلماء ما يبين رعايتهم لصحة الإسناد في إثبات الأسباب: - أولاً: البغوي ففي نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ... ) الآية. ذكر حديث البراء عند مسلم في قضية اليهودي الذي زنى، ثم ذكر قضية القبيلتين من اليهود وحال الدية بينهما فقال: (والأول أصح لأن الآية في الرجم). ثانياً: ابن العربي ففي نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ... ) الآية. فقد ذكر ابن العربي ستة أسباب لنزول الآية ثم قال: (هذه الروايات ضعيفة إلا الأولى - يعني بها قصة زينب - والسادسة - يعني بها حديث أنس عن عمر في موافقته لله). اهـ. ثالثاً: ابن كثير ففي قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... ) الآية. لما ذكر حديث خباب ﵁ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي،

стр. 157

وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناسٍ من أصحابه ... الحديث. قال ابن كثير: (وهذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر). اهـ. رابعاً: ابن حجر العسقلاني ففي قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). لما ذكر حديث ابن مسعود ﵁: (قال: وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي ثم ساق حديث ابن عبَّاسٍ ... ثم قال: ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح). وسأذكر أمثلة تناولتها بالدراسة يتبين فيها ترجيح الصحيح على الضعيف. ١ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤). فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، فأخذوا غنيمته، فأنزل اللَّه في ذلك إلى قوله: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تلك الغنيمة. فهذا الحديث هو سبب نزول الآية لصحة إسناده وليس ما رواه أحمد من حديث عبد اللَّه بن أبي حدرد ﵁ قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى إِضَم فخرجت في نفر من المسلمين ... الحديث. فإن هذا الحديث ضعيف لا يقارب حديث ابن عبَّاسٍ في صحة الإسناد.

стр. 158

٢ - قال الله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨). أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) قالت: الرجل تكون عنده المرأة، ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍ فنزلت هذه الآية في ذلك. فهذا الحديث هو سبب نزولها لصحة سنده وليس ما رواه الترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول اللَّه ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. فهذا الحديث ضعيف لا يحتج به. والله أعلم. ٣ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢). فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوم أشدُّ منه، قال: غطوا رؤوسهم ولهم حنين قال: فقام عمر فقال: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً، قال: فقام ذاك الرجل فقال: من أبي؟ قال: (أبوك فلان) فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). فهذا الحديث هو سبب نزول الآية لصحة سنده، وليس سببها ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وَللَّهِ

стр. 159

عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) قالوا: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت. قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: (لا، ولو قلت نعم لوجبت) فأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). فإن هذا الحديث ضعيف لا يقارب حديث أنس في الصحة. ٤ - قال اللَّه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١). أخرج أبو داود والنَّسَائِي من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم بدر من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح اللَّه عليهم قال المشيخة: كنا ردءاً لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول اللَّه ﷺ لنا فأنزل اللَّه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ... ) الآية. فهذا الحديث هو سبب نزولها لصحة سنده وليس سببها ما أخرجه أحمد عن عبادة بن الصامت فهذا ضعيف لا يثبت كما قاله البخاري ﵀. ٥ - قال اللَّه تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) ... الآية. وقد أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول اللَّه ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول اللَّه ﷺ لأبي طالب: (يا عمِّ قل لا إله إلا اللَّه كلمةً أشهد لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه، فقال

стр. 160

رسول الله ﷺ : (أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل الله فيه: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... ) الآية. فهذا الحديث هو سبب نزول الآية لصحة إسناده، وليس ما رواه أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن علي ﵁ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت. (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) - إلى قوله -: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: لما مات، فهذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على النزول لضعف إسناده. * * *

стр. 161

المبحث الثاني الترجيح بتقديم السبب الموافق لِلفظ الآية على غيره أسباب النزول التي نزلت بشأنها بعض آيات القرآن لوحِظ بعد تتبعها واستقرائها أنها تنحصر في نمطين: الأول: الأقوال التي تقع من رسول اللَّه ﷺ أو من أصحابه أو من غيرهم فكان اللَّه تعالى يجيبهم عنها تارةً بالتفصيل كما في قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ... ) الآية. فقد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصبَّ عليَّ من وضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول اللَّه لمن الميراث؟ إنما يرثني كلالة فنزلت آية الفرائض. وتارة بالإجمال كما في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). فقد ثبت في الصحيح أن سبب نزولها قول اليهود لبعضهم حين مر بهم رسول اللَّه ﷺ سلوه عن الروح، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح، فنزلت الآية. وتارةً بصرفهم عما سألوا وتنبيههم إلى الأهم كما في قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى ... ) الآية. فالسؤال إنما وقع عن المنفَق، وجاء الجواب ببيان المنفَق عليه لأنه الأهم.

стр. 162

وأيَّاً كان فالجامع المشترك بين هذه الأسئلة وأجوبتها هو الموافقة بين لفظي الآية وسبب نزولها. الثاني: الأفعال التي تقع من رسول اللَّه ﷺ أو من أصحابه أو من غيرهم فينزل القرآن معالجًا لها ومتحدثاً عنها وهذا هو الكثير في أسباب نزول القرآن. ومن خلال تتبعي لأسباب النزول ودراستها تبين لي أنه لا بد من وجود قدر من الاتفاق بين أسباب النزول، والآيات التي نزلت لأجلها في الألفاظ، وإذا كان سياق الآيات قبل الآية وبعدها مؤثراً في تحديد سبب النزول - كما سيتبين لك - مع أن العلاقة بينهما ليست مباشرة، فلا ريب أن الصلة بين لفظ الآية وسبب نزولها أكثر التصاقاً، وأشد اتفاقاً، وبالتالي أبلغ أثراً. ولأجل هذا فقد أثبتُّ أسباباً، ونفيت أخرى تطبيقاً لهذا الضابط وتثبيتاً له. وسأذكر من أقوال العلماء ما يبين ملاحظة الألفاظ في تحديد المعاني: أولاً: محمد بن جرير الطبري فقد ذكر قوله تعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥). ثم ذكر قولين في معنى الإفساد: أحدهما: قطع الطريق وإخافة السبيل، والثاني: قطع الرحم إلى أن قال: (غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريق، ويخيف السبيل لأن اللَّه - تعالى ذكره - وصفه في سياق الآية بأنه سعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، وذلك بفعل مخيف السبيل أشبه منه بفعل قطاع الرحم). اهـ. وكأنه - والله أعلم - راعى معنى السعي والإهلاك وأنهما يقتضيان الفعل بخلاف قطع الرحم فليس فيه إلا الترك. ثانياً: ابن عطية الأندلسي فإنه لما ذكع قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦).

стр. 163

قال: (قال السدي وقتادة وغيرهما: الآية الأولى في النساء المحصنات، يريد ويدخل معهم من أحصن من الرجال بالمعنى والآية الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين، ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه). اهـ. فانظر كيف وصف القول بالتمام ثم استدرك ذلك لأن لفظ الآية يقلق عنه، أي لا يناسبه فكيف تفسر الآية به؟. ثالثاً: ابن كثير فإنه لما ذكر حوار رسول اللَّه ﷺ مع الأنصار وفيه: (يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم اللَّه بي)؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، فقال ﷺ : (ألم تكونوا ضلالاً فهداكم اللَّه بي؟) قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: (أفلا تجيبوني؟) قالوا: ما نقول يا رسول اللَّه؟ قال: ألا تقولون: (ألم يخرجك قومك فآويناك، أو لم يكذبوك فصدقناك، أوَلم يخذلوك فنصرناك) قال: فما زال ﷺ يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا في أيدينا للَّه ولرسوله قال: فنزلت: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى). قال: (وليس يظهر بين هذه الآية وهذا السياق مناسبة واللَّه أعلم). رابعاً: الحافظ ابن حجر فإنه لما شرح حديث تميم الداري وعديِّ بن بداء في قصتهما مع السهمي الذي مات بأرض ليس بها مسلم، ونزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ). قال: (وخص جماعة القبول باهل الكتاب، وبالوصية، وبفقد المسلم حينئذ منهم ابن عبَّاسٍ، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية. وقوَّى ذلك عندهم حديث الباب فإن سياقه مطابق لظاهر الآية). اهـ باختصار يسير. خامساً: الشوكاني فإنه لما ذكر المستضعفين في قوله تعالى: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ... ). - قال: (والمراد بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال

стр. 164

الكفار، وهم الذين كان يدعو لهم النبي ﷺ فذكر كلامًا إلى أن قال: ولا يبعد أن يقال: إن لفظ الآية أوسع، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) فإنه يشعر باختصاص ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة). اهـ. سادساً: الشنقيطي فإنه ذكر قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... ) الآية. ثم ذكر ثلاثة أقوال في معنى المحصنات فقال: (قال بعض العلماء: المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات. وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات في الآية الحرائر. وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات المتزوجات، وعليه فمعنى الآية: وحرمت عليكم المتزوجات لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار وهذا القول هو الصحيح. ثم رد القول الأول، ورد الثاني وقال: إنه غير ظاهر لأن المعنى عليه: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى. وصرح العلامة ابن القيم بأن هذا القول مردود لفظًا ومعنى فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا، ويؤيده سبب النزول). اهـ بتصرف. وسأذكر من الأمثلة التي تناولتها بالدراسة ما يبين ارتباط الآيات بأسبابها من حيث الألفاظ. ١ - أخرج أحمد ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس ﵁: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل اللَّه : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) حتى فرغ من الآية. فقال رسول اللَّه ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).

стр. 165

٢ - أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لما مات عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول دُعي له رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه ﷺ وثبتُ إليه. فقلت: يا رسول الله، أَتصلي على ابن أبي، وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ أُعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﵁ وقال: (أخِّر عني يا عمر) فلما أكثرتُ عليه. قال: (إني خُيّرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها) قال. فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) - إلى قوله -: (وَهُمْ فَاسِقُونَ) قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ واللَّه ورسوله أعلم. ٣ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه مما قالوا، فقال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه: والله لا أُنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة فأنزل اللَّه: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى ... ) قال أبو بكر: بلى واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه لا أنزعها عنه أبداً. ٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا الناس طعموا ثم جلسوا يتحدثون قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام معه من الناس وبقي ثلاثة، وإن النبي ﷺ جاء ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل اللَّه - تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ)

стр. 166

- إلى قوله -: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). ٥ - أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن أبي مُليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي ﷺ وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافك فارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) - إلى قوله -: (عَظِيمٌ). وفي لفظ للبخاري: فنزل في ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) حتى انقضت. * * *

стр. 167

المبحث الثالث الترجيح بتقديم قول صاحب القصة على غيره من ضوابط الترجيح عند العلماء بين الروايات عند اختلافها تقديم ما رواه صاحب القصة على غيره لأنه أعلم بملابساتها، وقد أشار ابن قدامة إلى هذا المعنى فقال: (الرابع: أن يكون راوي أحدهما صاحب الواقعة فقول ميمونة: تزوجني النبي ﷺ ونحن حلالاًن يقدم على رواية ابن عبَّاسٍ: نكحها وهو محرم). اهـ. وهذا هو مذهب جمهور العلماء لكون ميمونة أعرف بحال العقد، ووقته، نظراً لاهتمامها ومراعاتها. وسأذكر أمثلة من دراستي وقع الترجيح فيها لهذا الاعتبار: ١ - قال اللَّه تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التجيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة

стр. 168

فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يُلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس: إنكم لتُأوِّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. ٢ - قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧). أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : (ألك بيّنة؟) قال: قلت: لا، قال: فقال لليهودي: (احلف). قال: قلت: يا رسول الله! إذن يحلف ويذهب بمالي قال: فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ... ) الآية. ٣ - قال الله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦).

стр. 169

أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مرضت فجاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فأتاني وقد أُغمي علي، فتوضأ رسول اللَّه ﷺ ثم صب وضوءه عليَّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله - وربما قال سفيان: فقلت: أي رسول اللَّه - كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ قال: فما أجابني بشيء حتى نزلت آية الميراث. فجابر ﵁ صاحب القصة، وبهذا يعلم أن ما رواه ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: سأل عمر بن الخطاب النبي ﷺ عن الكلالة، فقال: (أليس قد بيّن اللَّه ذلك؟) قال: فنزلت: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ). خطأ لا يصح لأن يكون سببًا للنزول. ٤ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١). أخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: وأتيتُ على نفر من الأنصار والمهاجرين. فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حشٍّ، والحشُّ البستان، فإذا رأس جزور مشوي عندهم، وزِقّ من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذُكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار، قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته، فأنزل اللَّه فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ). ٥ - قال اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤). أخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمنا الحديبية مع رسول اللَّه ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها قال:

стр. 170

فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية، فإما دعا وإما بسق فيها، قال: فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول اللَّه ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس، قال: (بايع يا سلمة) قال: قلت: قد بايعتك يا رسول اللَّه في أول الناس. قال: (وأيضاً) قال: ورآني رسول الله ﷺ عَزِلاً - يعني ليس معه سلاح -. قال: فأعطاني رسول الله ﷺ حَجَفةً أو درقةً، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: (ألا تبايعني يا سلمة) قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس، قال: (وأيضاً) قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: (يا سلمة أين حَجَفَتُكَ أو درقتك التي أعطيتك؟) قال: قلت: يا رسول اللَّه لقيني عمي عامر عَزِلاً فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: (إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيباً هو أحب إليَّ من نفسي) ثم إن المشركين راسلونا الصلح، حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، قال: وكنت تبيعاً لطلحة بن عبيد اللَّه أسقي فرسه، وأَحسه، وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك، إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قُتل ابن زُنيم. قال: فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذتُ سلاحهم، فجعلته ضِغثاً في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربتُ الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول اللَّه ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من القَبَلات يُقال له مكرز يقوده إلى رسول اللَّه ﷺ على فرس مُجَفف في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: (دعوهم يكن لهم بدءُ الفجور وثناه) فعفا عنهم رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ... ) الآية.

стр. 171

المبحث الرابع الترجيح بتقديم قول الشاهد للسبب على الغائب عنه من ضوابط الترجيح بين الروايات عند اختلافها، وعدم إمكان الجمع بينها تقديم رواية من باشر القصة أو حضرها، وقد تحدث عن ذلك ابن قدامة قائلاً: (الخامس: أن يكون أحدهما باشر القصة كرواية أبي رافع تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما مع رواية ابن عباس (يعني نكاحه إياها وهو محرم) فإن المباشر أحق بالمعرفة من الأجنبي ولذلك قدم الصحابة أخبار أزواج النبي ﷺ في صحة صوم من أصبح جنبًا وفي وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون الإنزال

стр. 172

على خبر من روى خلاف ذلك). اهـ. وقال السيوطي: (متى يرجح سبب على سبب. الحال الرابع: أن يستوي الإسنادان في الصحة فيرجح أحدهما بكون راويه حاضر القصة ثم ذكر قصة الروح وحديث ابن مسعود). اهـ. وسأذكر أمثلة من دراستي للأسباب تدل على ذلك: ١ - أخرج أحمد وأبو داود عن أبي أُمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرَّف، وترمون الجمار وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) فدعاه النبي ﷺ فقال: (أنتم حجاج). ٢ - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أُحد كُسرت رباعية رسول الله - ﷺ وشُجَّ في وجهه. قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟) قال: فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨). ٣ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغ رسولَ الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوم أشدُّ منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين قال: فقام عمر، فقال: رضينا باللَّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، قال: فقام ذاك الرجل فقال:

стр. 173

من أبي؟ قال: (أبوك فلان) فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). ٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي). ٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش دعا الناس، طعموا ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام معه من الناس، وبقي ثلاثة، وإن النبي ﷺ جاء ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا قال: فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فأرخى الحجاب بيني وبينه وأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) - إلى قوله -: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). * * *

стр. 174

المبحث الخامس الترجيح بدلالة السياق القرآني المراد بسياق القرآن هنا: (الآيات التي تسبق موضع الشاهد وتتبعه) ولدلالة السياق أثر كبير في فهم المعنى المنشود من الآية من حيث الموضوع، والخطاب، والأسباب التي أدت إليه، والآثار المترتبة عليه. ذلك لأن مقتضى البلاغة ارتباط الكلام بسابقه ولاحقه ارتباطاً يحوي المعنى ويضمه دون انفصال أو تشتت، بل مع حسن انتقال وتدرج في مراقي المباني والمعاني. ولكتاب اللَّه وكلامه من هذه المعاني أسماها وأوفاها، كيف لا واللَّه قد قال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ... ) الآية. وهذه الدلالة لا تختص بأسباب النزول، بل هي جوهرية لفهم أيِّ نص كان سواءٌ أكان النص إلهياً أم نبوياً أم من سائر الكلام، إلا أن دلالة السياق القرآني أبلغ أثراً من كل سياق؛ لأن القرآن العظيم لا يطرقه احتمال الخطأ والوهم بخلاف غيره فقد أصابه حظه من ذلك. ولئن كانت دلالة سياق القرآن في فهم معنى الآية هامة، فأثرها في تحديد سبب النزول أهم؛ لأن أسباب النزول قضايا وحوادث تعلق النزول بها، فلا بد أن يكون بينهما قدر من الاشتراك في الألفاظ والمعاني، وإلا فلا معنى لتسميتها أسباب نزول. وقد تبيّنتُ أثر السياق منذ البداية، وكان محل عنايتي حتى النهاية، وأسندتُ الحكم إليه كثيراً على الأسباب قبولاً ورداً، فكان صارماً لا ينبو، وجواداً لا يكبو، وفتح الله عليَّ بسبب إعماله خيراً كثيراً، وقادني إلى نتائج لم أرَ من أشار إليها أو نبّه عليها، فما أكثر المعضلات التي تصدى لها السياق

стр. 175

وحلها كأن لم تكن، وما أهون المشكلات إذا نصبتها على ميزان السياق فعادت هباءً منبثاً. ولست مبالغاً حين أقول: إن إهمال النظر في كامل السياق الذي ورد فيه الحديث قاد إلى زلل الأقدام، وضلال الأفهام في فهم النصوص الشرعية. فكم من خطأ ينشأ في فهم المعاني، وتحديد الأسباب حين يجتث الكلام من وسطه دون نظر أو تأمل في أوله ومنتهاه. والخطأ هنا لا يقتصر على مجرد اللفظ، بل تنسحب آثاره على الممارسة والعمل إذا كان محلُّ الخطأ نصوصَ الأعمال. فيا ليت شعري متى ندرك أن الكلمات ليست ثمراتٍ تقطف إحداهن دون ما جاورها ولهذا كانت عناية المحققين من العلماء بالسياق كبيرة، ونصوصهم في التنبيه على دوره كثيرة، وسأنقل من أقوالهم ما يؤيد تلك الحقيقة، ثم أُتبعها بذكر أمثلة من دراستي للأسباب، وأثر السياق في نتيجتها. فمن العلماء الذين بيّنوا أهميتها، أو جعلوها عمدة لهم في هذا الباب: أولاً: ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عبَّاسٍ ﵄ حين اعترض على من فهم قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) على غير معناها لأنه لم يراع الآيات قبلها فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوابه) إلى ابن عبَّاسٍ، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عبَّاسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) وتلا ابن عبَّاسٍ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ... ). ثانياً: إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري فقد اعتبر السياق فيصلاً في تحديد سبب النزول، وترك الحديث في سبب النزول مع صحة إسناده لما خالف السياق فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي

стр. 176

وابن ماجه عن عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدرًا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة كانا يسقيان بها كلاهما فقال النبي ﷺ للزبير: (اسق ثم أرسل إلى جارك) فغضب الأنصاري وقال: يا رسول اللَّه، أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ثم قال للزبير: (اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر) ... الحديث. قال عروة: قال الزبير: واللَّه ما أحسب هذه الآية أُنزلت إلا في ذلك: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥). قال الطبري: (وذكر أنها نزلت فيمن ذكرهم الله بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ... ) الآية. وهذا القول أولى بالصواب لأن قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) في سياق قصة الذين أسدى الله الخبر عنهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأتِ دلالة على انقطاعه أولى). اهـ. ثالثاً: أبو بكر ابن العربي فقد اعتمد عند ترجيحه المراد بقوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) على السياق فقال: (وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب وعليه يدل ظاهر القرآن، ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر). اهـ. وأهمل ما أخرج أحمد والنَّسَائِي عن ابن مسعود ﵁ قال: أخَّر رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون ْالصلاة، قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم) قال: وأنزل هؤلاء الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً) - حتى بلغ -: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).

стр. 177

وهذا يدل على اعتباره السياق أصلاً، ولهذا قدم دلالته على دلالة الحديث. رابعاً: ابن عطية فإنه لما ذكر قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً) قال: (لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب، عقَّب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه). اهـ ثم أشار إلى حديث ابن مسعود باختصار شديد. وقوله هذا يلاحظ فيه السياق، ولو اعتبر حديث ابن مسعود ما قال هذا الكلام. خامساً: القرطبي حيث اعتبر السياق في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ... ) الآية. وضعّف قول من قال: إنها نزلت في المشركين، فقد أخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ) الآية. نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. واستدل لتضعيف هذا القول بقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ثم قال: قال. أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت فى غير أهل الشرك وهو قوله جل ثناؤه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ). اهـ وهذه الآية تتلو آية الحرابة مباشرة. سادساً: شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد قال: (فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية، وما بعدها، وعرف مقصود القرآن تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج). اهـ.

стр. 178

سابعاً: ابن جزي الكلبي فقد اعتبر السياق أحد وجوه الترجيح فقال: (وأما وجوه الترجيح فهي اثنا عشر ثم قال: السادس: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله أو ما بعده). اهـ. ثامناً: أبو حيان الأندلسي حيث أعمل دلالة السياق في تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وربطها بما قبلها وهو قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ... ) الآية حيث قال: (والذي يظهر أن انتظام هذه الآية بما قبلها هو أنه لما ذكر منع المساجد من ذكر الله، والسعي في تخريبها نبّه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكر الله إذ المشرق والمغرب للَّه تعالى فأيُّ جهة أديتم العبادة فيها فهي لله يثيب على ذلك ولا يختص مكان التأدية في المسجد). ولم يجعل سبب نزول الآية ما أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندرِ أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). ولو اختار الحديث سبباً للنزول لألغى دلالة السياق القرآني ولا بد لأنهما لا يجتمعان. تاسعاً: ابن كثير فقد احتج بالسياق على رد قول ابن مسعود ﵁ في تفسير الدخان، ورجح أنه من الآيات المنتظرة وقال: (إن هذا ظاهر القرآن، قال اللَّه تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) أي بيِّن واضح يراه كل أحد وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد وهكذا قوله: (يَغْشَى النَّاسَ) أي يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمراً خياليًا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: (يَغْشَى النَّاسَ). اهـ.

стр. 179

عاشراً: بدر الدين الزركشي فقد قال: فصل: (ومما يعين على المعنى عند الإشكال أمور، ثم ذكر ثلاثة وقال: الرابع: دلالة السياق فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير). اهـ. الحادي عشر: ابن عاشور أعمل دلالة السياق في اختياراته، ورجح بها أقوالاً ورد بها أخرى ومن ذلك دفعه لحديث عمر في نزول قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... ) الآية. وأن ذلك نِزل في إشاعة طلاق رسول اللَّه ﷺ نساءه فقال: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ ... ) عطف على جملة: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) فضمير الجمع راجع إلى الضمائر قبله العائدة إلى المنافقين وهو الملائم للسياق ... إلى أن قال: والكلام مسوق مساق التوبيخ للمنافقين، واللوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة من المسلمين الأغرار). اهـ والآية نازلة في سرايا رسول اللَّه ﷺ وبعوثه. ومن الأمثلة التي تكشف أهمية دلالة السياق القرآني في الترجيح بين الأسباب ما يلي: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ واللَّه كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ فقال لي رسول اللَّه ﷺ : (ألك بيّنة؟) قال: قلت: لا، قال: فقال لليهودي: (احلف) قال: قلت: يا

стр. 180

رسول اللَّه إذن يحلف ويذهب بمالي، قال: فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ... ) إلى آخر الآية. فسياق الآَيات يؤيد القول بأن الحديث سبب نزولها لأن الآية التي تلت هذه الآية تتحدث عن اليهود في قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ) والآية التي قبلها تتحدث عنهم أيضًا في قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا). اهـ. ٢ - قال الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) وقد ذكر ابن القيم، وابن حجر - رحمهما اللَّه - أن هذه الآية نزلت في سياق الحديث عن قصة أُحد، وهذا يتفق مع ما أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أُحد كسرت رباعية رسول الله ﷺ وشُج في وجهه، قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله؟) قال: فأنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ). اهـ. ٣ - قال الله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١). وسياق هذه الآيات يتفق مع ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لما أُصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضرٍ ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع اللَّه لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد،
следующие страницы →