← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أما المراد بالسفهاء فقد اختلفت أقوال المفسرين فقال بعضهم: هم مشركو قريش، وقال بعضهم: هم المنافقون، وقال بعضهم: هم اليهود، وهو قول الأكثرين، ويشهد له حديث البراء المتقدم: وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَل بيت المقدس فلما ولّى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. ويؤيد هذا قول الله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ). قال ابن كثير ﷺ : (أي واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن اللَّه تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمته وما خصه اللَّه تعالى به وشرّفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا تهدَّدهم بقوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). قلت: ومن المعلوم أن المنافقين والذين أشركوا ليسوا من الذين أُوتوا الكتاب فلم يبق إلا اليهود. * النتيجة: أن هذه الآية نزلت بسبب إنكار اليهود على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه التوجه إلى الكعبة بعد أن كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فالآية تبيّن سفههم في قولهم هذا وتُعَلِّم النبي ﷺ ما يجيبهم به. وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ القرآن، واحتجاج المفسرين به، واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 212

٥ - قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد باللَّه لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل اللَّه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ). ورواه ابن ماجه من حديث البراء بسياق مختلف.

стр. 213

٢ - وأخرج أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي من حديث ابن عبَّاسٍ نحوه. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذا الحديث جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال ابن العربي: (اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس).

стр. 214

قال القرطبي: (اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلى إلى بيت المقدس) اهـ. وقال السعدي: (ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل القبلة، فإن اللَّه لا يضيع إيمانهم، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها) اهـ. وقال ابن بطال: (لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت فى صلاتهم إلى بيت المقدس) اهـ. وإذا كان قد تبين ضعف وشذوذ رواية ابن ماجه فإن الثابت فى سبب نزول الآية أن الصحابة ﵃ هم الذين استشكلوا الأمر وليس رسول الله ﷺ هو الذي سأل جبريل ﵇ فأنزل الله الآية. كما دلت على هذا رواية ابن ماجه. وهنا إشكالان يحسن إيرادهما والجواب عنهما: الأول: كيف قال البراء ﵁ رجال قتلوا ولم يقع قبل تحويل القبلة قتال؟ فالجواب: قال ابن حجر: (ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك) اهـ. الثاني: كيف قال الله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟. فالجواب: قال الطبري: (إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك فإنهم أيضًا

стр. 215

قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة وظنوا أن عملهم قد بطل فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذٍ فوجَّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يُغَلِّبُوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه، وعن آخر غائب غير حاضر فعلنا بكما. وصنعنا بكما كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغُيَّب) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآية ما ثبت في الصحيح من حديث البراء ﵁ لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لِلفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم. * * * * *

стр. 216

٦ - قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، صلى نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهراً وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل اللَّه تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) فوجه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر، ثم خرج فمرَّ على قوم من الأنصار، فقال: هو يشهد أنه صلى مع النبي ﷺ ، وأنه قد وُجِّه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر. وأخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس. فنزلت: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ) الحديث. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورده جمهور المفسرين وجعلوه سبباً

стр. 217

لنزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية وابن كثير والسعدي. قال الطبري: (إنما قيل له ذلك ﷺ فيما بلغنا؛ لأنه كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من اللَّه جل ثناؤه أمره بالتحويل نحو الكعبة) اهـ. وقال البغوي: (جعل رسول اللَّه ﷺ يُديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فأنزل اللَّه تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ). اهـ. وقال السعدي: (يقول اللَّه لنبيه (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) أي كثرة تردده في جميع جهاته شوقاً وانتظارًا لنزول الوحي، باستقبال الكعبة إلى أن قال: وفي هذا بيان لفضله وشرفه ﷺ حيث إن اللَّه تعالى يسارع في رضاه، ثم صرح له باستقبالها فقال: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). اهـ. وقد اختلف في السبب الذي كان لأجله رسول اللَّه ﷺ يحب التوجه نحو المسجد الحرام: فقال بعضهم: لمخالفة اليهود لأنهم كانوا يقولون يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا وهو المروي عن مجاهد وابن زيد. وقال بعضهم: بل لأنها قبلة أبيه إبراهيم ﵇ وهو المروي عن ابن عباس. وقال بعضهم: بل ليتألف العرب لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم (١). والظاهر - والله أعلم - أن الآية تحتمل هذه الأقوال جميعاً إذ لا منافاة بينها ولا تعارض وإن كنت أميل إلى أن سبب ذلك - واللَّه أعلم - أن هذه البقعة أحب البقاع إلى اللَّه تعالى وأرضاها عنده، ويدل لذلك ما روى عبد اللَّه بن عديِّ بن الحمراء قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ واقفاً على الحَزْوَرة فقال:

стр. 218

(واللَّه إنك لخيرُ أرضِ الله، وأحبّ أرض الله إلى الله ولولا أَني أُخرجت منك ما خرجت). وهنا إشكال أورده الماوردي حيث قال: (فإن قيل: أكان رسول الله ﷺ غير راضٍ ببيت المقدس أن يكون له قبلة حتى قال له في الكعبة: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا)؟ قيل: لا يجوز أن يكون رسول الله ﷺ غير راضٍ ببيت المقدس، لما أمره الله تعالى به؛ لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى، لكن معنى ترضاها: أي تحبها وتهواها) اهـ. وعندي - والله أعلم - أن رسول اللَّه ﷺ يعلم أن وجهته إلى بيت المقدس وجهة مؤقتة وليست دائمة لحكمة ذكرها الله في كتابه فقال: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .. ) الآية فكان يتطلع ويتشوف أن يوجه إلى القبلة التي يحبها الله ويحبها هو، ولا يعني قوله: (تَرْضَاهَا) أنه لم يرض التوجه إلى بيت المقدس بل لأن رضاه بالتوجه إلى الكعبة أعظم وأبلغ (١). * النتيجة: أن سبب نزول هذه الآية أن رسول اللَّه ﷺ كان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت أحبَّ البقاع إلى اللَّه وإليه، كما دلَّ على ذلك حديثًا البراء وعبد اللَّه بن عدي بن الحمراء وكان جرّاء ذلك يرفع بصره إلى السماء ويقلب وجهه فيها رجاءَ أن يُوجَّه إلى الكعبة فأجابه الله لذلك وأنزل عليه الآية. وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول وموافقته للفظ القرآن، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.

стр. 219

٧ - قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري ومالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، وأنا يومئذٍ حديث السن: أرأيت قول اللَّه ﵎: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فلا أُرى على أحد شيئًا أن لا يطوف بهما؟. فقالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول، كانت فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما، إنما أُنزلت هذه الآية في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت مناةُ حذو قُدَيْدٍ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) زاد سفيان وأبو معاوية عن هشام: ما أتم اللَّه حج امرئ ولا

стр. 220

عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. وللبخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رجال من الأنصار ممن كان يُهلُّ لمناة، ومناةُ صنم بين مكة والمدينة قالوا: يا نبي اللَّه كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة. ولمسلم عنها ﵂ قالت: إنما أُنزل هذا في أُناس من الأنصار كانوا إذا أَهلّوا أهلّوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج ذكروا ذلك له فأنزل الله هذه الآية. ولمسلم عنها ﵂ أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة وإنهم سألوا رسول اللَّه ﷺ عن

стр. 221

ذلك حين أسلموا فأنزل اللَّه في ذلك: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ .. ). فمن خلال الروايات المتقدمة يتبين أن سبب امتناعهم من السعي بين الصفا والمروة هو تعظيم مناة وطائفة أخرى كان امتناعها عن السعي بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية ودليلها. ٢ - ما أخرج البخاري عن أنس ﵁ أنه قيل له: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل اللَّه: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) وللبخاري في رواية: سُئل أنس عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ). وفي رواية لمسلم عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه سمع رجالاً من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية فأنزل اللَّه الآية، وطائفة كان امتناعها عن السعي بينهما لأن اللَّه ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة. ٣ - ودليل ذلك ما أخرج البخاري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن رجال من أهل العلم: أن اللَّه تعالى لما ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول اللَّه! كنا نطوف بالصفا والمروة وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل اللَّه: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ).

стр. 222

ولمسلم عنه قال: وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فأنزل الله : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد جمهور المفسريين هذه الروايات وجعلوها سبباً لنزول الآية، وخلاصة هذه الروايات أن الآية أُنزلت لرفع الحرج عن المطوِّفين بين الصفا والمروة، وقد تعددت دوافع الحرج والامتناع حسبما أفادته الروايات: فطائفة كان امتناعها عن السعي بينهما تعظيماً لمناة. وطائفة كان امتناعها عن السعي بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية. وطائفة كان امتناعها عن السعي بينهما لأن الله ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر السعي بينهما. وعندي - والله أعلم - أنه يمكن ردُّ الدافع الأخير إلى سابقيه وجعله نتيجةً لهما وأثراً عنهما. وبيان ذلك: أن يُقال إن الامتناع إما أن يكون تعظيماً لمناة وإما لأن الطواف بينهما من أمر الجاهلية وأئاً كان الدافع فإن القوم قد أحجموا عن الطواف بينهما حتى أنزل اللَّه قوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فقالوا حينئذٍ: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فأنزل الله : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ). ومن خلال ما تقدم يبقى الدافع الأول وهو تعظيم مناة خالٍ من الاشتباه والالتباس والروايات فيه صريحة واضحة في الامتناع عن الطواف بين الصفا والمروة حيث جاء فيها:

стр. 223

بيان الحرج: (فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة). نفي الوقوع وبيان العلة: (كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة). نفي الحل: (كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة). أن هذا الفعل قديم موروث: (وكان ذلك سنةً في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة). أما الدافع الثاني للامتناع عن الطواف بينهما فلأنه من أمر الجاهلية كما حدّث أنس بذلك لما قيل له: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم لأنها كانت من شعائر الجاهلية. وفي رواية: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية. ولم يبين أنس ﵁ كيف كانا من شعائر الجاهلية، لكن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يُقال لهما: إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية قالت: فأنزل اللَّه: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) .. قالت: فطافوا. لكن قال القاضي عياض: (هذا خطأ والصواب ما جاء في الروايات الأُخر في الباب (يهلون لمناة) وأما إساف ونائلة فلم يكونا قط لجهة البحر) اهـ. قلت: وقول القاضي مؤيد بما روى زيد بن حارثة ﵁ قال: (وكان صنمان من نحاس يُقال لهما إساف ونائلة فطاف رسول اللَّه ﷺ وطفتُ معه فلما مررت مسحتُ به ... الحديث).

стр. 224

فقول زيد: فلما مررت مسحت به يدل على أنهما في المسجد إذ لو كانا على شط البحر لم يتمكن من المسح بهما. وأخرج الطبري عن الشعبي: أن وثنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إسافًا ووثنًا على المروة يسمى نائلة فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين وليس الطواف بهما من الشعائر قال: فأنزل اللَّه إنهما من الشعائر. وقال ابن كثير: يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة: وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم ... بمفضي السيول من إساف ونائل وبهذا التقرير يسلم الدافع الثاني من الاعتراض والرد فهل إلى الجمع بينهما من سبيل؟ الحافظ ابن حجر كأنه يميل إلى ترجيح رواية إساف ونائلة فقال بعد أن ذكر كلامًا، (فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية وتقدمها على رواية غيره) اهـ. وتارةً أخرى جعل المسألة محتملة فقال: (ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين: منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري أي (بسبب تعظيم مناة) واشترك الفريقان في الإسلام على التوقف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية فيجمع بين الروايتين بهذا) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن ما ذكره الحافظ احتمالاً هو المتعين لأنه يقتضي الجمع بين النصوص، ولا ريب أن إعمال الدليلين أولى من تعطيل أحدهما.

стр. 225

ثم إن ترك الطواف بينهما تعظيمًا لمناة رواتها أكثر وأشهر وأصح فكيف تترك ويقدم عليها غيرها. وفي الروايات ما يدل على الجمع بينهما: وجه ذلك أن أنساً ﵁ لما قيل له: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم لأنها كانت من شعائر الجاهلية، مع أن أنساً أنصاري، فليس كل الأنصار يدعون السعي بينهما تعظيمًا لمناة بل منهم من كان يفعل ذلك ومنهم من يرى أنهما من شعائر الجاهلية بسبب الصنمين عليهما وبهذا يتحقق الجمع بينهما واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الآية نزلت لرفع الحرج عن المطوفين بين الصفا والمروة لأن بعضهم كان قد امتنع عن السعي بينهما تعظيماً لمناة وبعضهم كان سبب امتناعه أنهما من شعائر الجاهلية لوجود الصنمين عليهما، فنزلت الآية إذناً من الله بالسعي بينهما. وإخباراً أنهما من شعائر اللَّه. وذلك لصحة أسانيد الأحاديث الواردة، وتصريحها بالنزول، واحتجاج المفسرين بها واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 226

٨ - قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان أصحابُ محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحاً شديداً ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ).

стр. 227

٢ - أخرج البخاري أيضاً عن البراء ﵁ قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل اللَّه: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ). ٣ - أخرج الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة، وقد سهر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نِمتُ، قال: ما نِمتِ، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل اللَّه تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ).

стр. 228

٤ - أخرج أبو داود عن ابن عبَّاسٍ ﵁: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فكان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته، وقد صلى العشاء ولم يفطر فأراد اللَّه أن يجعل ذلك يسراً لمن بقي ورخصة ومنفعة فقال سبحانه: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) وكان هذا مما نفع اللَّه به الناس ورخص لهم ويسر. ٥ - أخرج أبو داود عن ابن أبي ليلى قال: أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال فذكر الحديث .. وفيه قال: وحدثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال: فجاء عمر بن الخطاب، فأراد امرأته، فقالت: إني قد نِمتُ فظن أنها تعتل فأتاها، فجاء رجل من الأنصار، فأراد الطعام، فقالوا: حتى نسخن لك شيئاً فنام فلما أصبحوا أُنزلت عليه هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ).

стр. 229

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وقد ذكر جمهور المفسرين هذه الروايات وجعلوها سبباً لنزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 230

قال الطبري: (إن قال لنا قائل وما هذه الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم التي تاب الله منها عليهم فعفا عنهم؟ قيل: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين: أحدهما: جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراماً ذلك عليهم) اهـ. ثم ساق الأسباب. وقال البغوي: (قال أهل التفسير كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حلَّ له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة، أو يرقد قبلها، فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى الليلة القابلة). اهـ. ثم ساق الأسباب. وقال ابن كثير: (وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب، ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصةً ورفقاً) اهـ. وقال السعدي: (كان في أول فرض الصيام يحرم على المسلمين الأكل والشرب والجماع في الليل بعد النوم فحصلت المشقة لبعضهم فخفف اللَّه عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع سواء نام أو لم ينم لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أُمروا به) اهـ. وبناءً على ما تقدم فالآية في قول المفسرين نزلت على سببين: أحدهما في الطعام والشراب، والآخر في إتيان النساء. فأما الأول: وهو الامتناع من الطعام والشراب بعد النوم فقد دلَّ عليه حديث البراء بن عازب ﵁ ودلت الآية على رفع ذلك الحكم لأن اللَّه - جل وعلا - جعل غاية الامتناع من الطعام والشراب بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فدل هذا على أن ما قبل الغاية زمناً للطعام والشراب لا سيما أن نوم صرمة كان في أول الليل فرخص اللَّه في الليل كله.

стр. 231

أما الثاني: وهو الامتناع من النساء فقد دلّ عليه حديث البراء عند البخاري مجملاً وجاء مفصلاً عن كعب بن مالك وابن عبَّاسٍ وابن أبي ليلى ﵃ لكن في أسانيدها كلام - سطرته في الحاشية - ومع هذا فمجموع هذه الأحاديث يدل على ثبوت هذه القصة لا سيما أن لها أصلاً عند البخاري. وأما قول الطبري: (كانت خيانتهم أنفسهم في شيئين أحدهما المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم). فهذا غريب منه لأن الخيانة لم تقع في الطعام والشراب، ولا ذكرها اللَّه في سياق الطعام والشراب، بل لو وقع ذلك لما غشي على صرمة ﵁ بسبب الجهد والجوع. * مسألة: هل التحريم يحصل بالنوم وحده، أو بصلاة العشاء وحدها أو بالسابق منهما؟ فالجواب: أن حديث ابن عبَّاسٍ يدل على تعلق التحريم بصلاة العشاء وحدها لقوله: (إذا صلوا العتمة) وسائر الأحاديث التي معنا تعلق التحريم بالنوم وحده ولهذا قال ابن حجر: (اتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك كان مقيدًا بالنوم وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقُيد المنع من ذلك بحديث ابن عبَّاسٍ بصلاة العتمة وهذا أخص من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم كما في سائر الأحاديث) اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أن قول الحافظ مؤيد بما جاء في حديث كعب بن مالك: (فرجع عمر من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سهر عنده فوجد امرأته قد نامت) فقوله: (سهر عنده) يقتضي سهرُه أن يتجاوز صلاة العشاء، وحينئذٍ يكون الأمر بيِّنا ظاهرًا عند عمر لا اشتباه فيه. ثم امرأته أيضًا احتجت بالنوم ولو كان التحريم معلقًا بصلاة العشاء، لقالت: قد صليت العشاء لأنها لن تنام قبل الصلاة.

стр. 232

* النتيجة: أن الآية نزلت على سببين: الأول: قصة صرمة بن قيس في الطعام والشراب، والثاني: في الذين كانوا يخونون أنفسهم في إتيان النساء كعمر وكعب بن مالك وغيرهما ﵃ كما دلت على هذا الآية الكريمة فأولها وآخرها يتحدث عن حكم إتيان النساء ووسطها يتناول حكم الطعام والشراب ليالي الصيام وما تقدم مؤيد بصحة الأحاديث وتصريحها بالنزول واحتجاج المفسرين بها واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 233

٩ - قال اللَّه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن سهل بن سعد ﵁ قال: أُنزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل اللَّه بعدُ (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذا المقطع من الآية وأورده جمهور المفسرين وجعلوه سبباً للنزول منهم: الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي، وابن كثير وابن عاشور وهنا يحسن التنبيه إلى أن المفسرين والمحدِّثين حين يوردون

стр. 234

حديث سهل بن سعد السابق يذكرون معه حديث عدي بن حاتم ﵁ حيث قال: لما نزلت: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) عمدتُ إلى عقالٍ أسودَ وإلى عقالٍ أبيضَ فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرتُ له ذلك فقال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار). ولفظ مسلم: لما نزلت: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ). والظاهر - والله أعلم - أن سبب هذا الإيراد ظن بعضهم أن لحديث عدي علاقةً بسبب النزول وليس الأمر كذلك. ولهذا قال الطاهر بن عاشور: (يظهر من حديث سهل بن سعد أن مثل ما عمله عدي بن حاتم كان قد عمله غيره من قبله بمدة طويلة، فإن عدياً أسلم سنة تسع أو سنة عشر وصيام رمضان فرض سنة اثنتين ولا يعقل أن يبقى المسلمون سبع أو ثماني سنين في مثل هذا الخطأ، فمحمل حديث سهل بن سعد على أن يكون ما فيه وقع في أول مدة شرع الصيام ومحمل حديث عدي بن حاتم أن عدياً وقع في مثل الخطأ الذي وقع فيه من تقدموه فإن الذي عند مسلم عن عدي أنه ذكر الآية مستكملة) اهـ. يعني إلى قوله: (مِنَ الْفَجْرِ). قلت: ما ذكره ابن عاشور هو الصحيح المتعين لأن حديث سهل بن سعد صحيح صريح في أن سبب نزول قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) الخطأ الذي وقعوا فيه وهو ربط بعضهم في رجله خيطاً أبيض وخيطاً أسود. وسواءٌ كان لفظ مسلم في سياق الآية إلى قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) محفوظاً عن عدي بن حاتم ﵁ أو هو من تصرّف الرواة فإن هذا لا يغير من الأمر شيئاً لأن إسلام عدي تأخر كثيراً عن نزول الآية.

стр. 235

(١) نعم لو كان هذا الاختلاف في حديث سهل بن سعد ﵁ لكان اختلافاً مؤثراً في سبب النزول على اعتبار أن السببية مستمدة منه. وأما قول عدي ﵁: لما نزلت فلا يعني هذا أنه شهد نزول الآية على رسول اللَّه ﷺ . ولهذا قال الحافظ ابن حجر: (إما أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله: (لما نزلت) أي لما تليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية أو في السياق حذف تقديره لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع عمدتُ) اهـ. فإن قال قائل: إذا كان الرجال المذكورون في حديث سهل بن سعد قد تبين لهم الخطأ بنزول قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) فكيف يقع عديٌّ في الخطأ مع أن اللفظ بين يديه؟ فالجواب: ما ذكره ابن حجر بقوله: (وأما عديٌّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح، وحمل قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) على السببية فظن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) حتى ذكره بهذا النبي ﷺ . * النتيجة: هي أن قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) نزلت بسبب ما وقع من بعض القوم المذكورين في حديث سهل لصحة سنده وتصريحه بالنزول واحتجاج المفسرين به، وهذا ليس بغريب في القرآن فقد نزل قوله تعالى: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بسبب شكوى ابن أم مكتوم وستأتي دراسته إن شاء الله تعالى. وأما قضية عدي بن حاتم ﵁ فلا علاقة لها بالنزول وعدمه، إنما ارتباطها بفهمه النص فقط واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 236

١٠ - قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم عن البراء ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤُوا، لم يدخلوا من قِبَل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فكأنه عُيّرَ بذلك، فنزلت: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). وفي رواية للبخاري والنَّسَائِي عن البراء ﵁ قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل اللَّه: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء فى سبب نزول هذه الآية وقد أورده جمهور المفسرين وجعلوه سببًا لنزولها منهم: الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور. قال البغوي: (قال أهل التفسير: كان الناس في الجاهلية وفي أول

стр. 237

الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه) اهـ. فإن قيل: ما سبب فعلهم هذا؟ فالجواب: (أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحولَ بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضيَ إحرامهم، ويصلوا إلى منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها. قاله الزهري. ويعتقدون أن ذلك من البِرِّ والقُرب) اهـ. وقال القرطبي: (كان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، فإنهم كانوا إذا أهلُّوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعاً ألا يحول بينهم وبين السماء حائل فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي من بعد إحرامه من بيته، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته فكانوا يرون هذا من النسك والبر، كما كانوا يعتقدون أشياء نسكاً فرد عليهم فيها وبيّن الرب تعالى أن البر في امتثال أمره) اهـ. * تنبيه: ما صلة قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) بقوله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا)؟ قال القرطبي: (اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعاً). * النتيجة: أن الآية نزلت بسبب ما كان الأنصار يفعلونه عند إحرامهم بحج أو عمرة حيث كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها بل من ظهورها ظناً منهم أن هذا من البر والنسك فبين اللَّه أن هذا ليس من البر وأن البر في تقواه لصحة سند الحديث وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ القرآن، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.

стр. 238

١١ - قال الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التُّجِيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلُهُم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يُلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم لتُأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعزّ اللَّه الإسلام وكَثُر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكَثُر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيِّه ﷺ يردُّ علينا ما قلنا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.

стр. 239

٢ - وأخرج البخاري عن حذيفة ﵁: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال: نزلت في النفقة. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد المفسرون مع ذلك جملة من الأقوال وجعلوها أسبابًا لنزول الآية ومنها مع ما تقدم: ١ - أن الأنصار كان احتبس عليهم بعض الرزق، وكانوا قد أنفقوا نفقات، قال: فساء ظنهم وأمسكوا قال: فأنزل اللَّه: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم وهو مروي عن الشعبي ومجاهد وعكرمة. ٢ - وقال آخرون: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول اللَّه ﷺ بغير نفقة فإما أن يقطع بهم وإما أن يكونوا عالة على غيرهم فأمرهم اللَّه أن يستنفقوا مما رزقهم اللَّه ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وهذا مروي عن زيد بن أسلم. ٣ - وقال آخرون: هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويلقي بيده إلى التهلكة ويقول: لا توبة لي، وهو المروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني. ما تقدم هو خلاصة ما قيل في سبب نزول هذه الآية. وبعد النظر والتأمل يتبين الآتي في قولهم: إن الأنصار احتبس عليهم الرزق فساء ظنهم وأمسكوا، وهو عندي - واللَّه أعلم - معلول بالآتي: أ - أن القائل به من التابعين الذين لم يشهدوا التنزيل فقولهم فيه مرسل والمرسل من قسم الضعيف.

стр. 240

ب - قولهم: إن الأنصار احتبس عليهم الرزق، معلوم أن الرزق لو احتبس لم يحتبس عن الأنصار وحدهم إذ كان المهاجرون مخالطين لهم في ذلك الوقت فلماذا يختص الأنصار بانحباس الرزق ثم لو احتبس الرزق عليهم فأمسكوا لحاجتهم وأهليهم لم يكونوا ملومين لأن حفظ نفوسهم وأهليهم من أوجب الواجبات. جـ - قولهم: فساء ظنهم وأمسكوا. هذا واللَّه لا يليق بمن هو دون الأنصار بمراحل فكيف يليق بهم ويوصفون به وهم من نَصَرَ الدين وذاد عن رسول رب العالمين وبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم وأهليهم رخيصة لإعلاء كلمة اللَّه، ومن كان في ريب في ذلك فليقرأ ثناء المولى عليهم: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أفيصح هذا القول مع هذا الثناء الرباني فتأمل وأنت الحكم؟ وأما ما ذكر من أنها نزلت في قوم يغزون بغير نفقة فهو مرسل كالأول وقد قال الحافظ ابن حجر معقبًا عليه بعد ذكره: (فيلزم على قوله اختلاف المأمورين فالذين قيل لهم: (أنفقوا وأحسنوا) أصحاب الأموال، والذين قيل لهم: (ولا تلقوا) الغزاة بغير نفقة ولا يخفى ما فيه) اهـ. وأما قولهم: إن الآية نزلت في الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويقول: لا يغفر لي. فالظاهر - واللَّه أعلم - أن قائل هذا القول لم يرد به السببية وإِنَّمَا أراد أن الآية بعمومها تتناول من هذا حاله، وأنه ممن يلقي بنفسه إلى التهلكة بفعله هذا. ولعل مما يؤيد هذا الفهم من السياق خلوه من ذكر الذنوب والقنوط من رحمة اللَّه ولو كانت مرادةً أصلاً هنا لبينها اللَّه بأوضح من هذا كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) وإنما الآية آمرةٌ بالإنفاق في أولها وبالإحسان في آخرها.

стр. 241

وبهذا يتبين أن الثلاثة السابقة ليست من أسباب نزول الآية. فإن قيل: ما سبب نزول الآية إذن؟ فالجواب: أن السبب ما ذكره أبو أيوب الأنصاري من أن الآية نزلت فيهم لما همُّوا بالإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ . ومما يدل على هذا أمور: ١ - أن أبا أيوب أحد الذين وقع منهم هذا لقوله: فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه ﷺ وصاحب القصة أعلم بالمراد بها من غيره. ٢ - قول أبي أيوب ﵁ فأنزل اللَّه على نبيه يردُّ علينا ما قلنا، فقد صرح بأن الآية ردٌّ عليهم في قولهم هذا، وإذا كانت رداً عليهم فكيف يقال إنها نزلت في غيرهم. ٣ - أن أبا أيوب امتثل ما أُمر فلم يزل شاخصاً في سبيل اللَّه حتى قبض، ومن البعيد جداً أن يستمسك أبو أيوب بهذا حتى الموت وهو يشك أن الخطاب بالآية يعنيه. ٤ - أن القائل بهذا القول هم أكثر السلف وأكثر المفسرين والأكثرون أقرب للصواب في الغالب. فإن قيل: فما الجواب عن قول حذيفة نزلت في النفقة؟ فالجواب: أن حذيفة ﵁ لم يضف جديداً لأن الآية صدرت بالأمر بالإنفاق في سبيل، وهذا يتفق مع قول أبي أيوب تماماً لأن الجهاد في سبيل اللَّه يتضمن الإنفاق فيه بخلاف القعود على الأموال وإصلاحها ففيه من قصد الدنيا ما لا يخفى. * النتيجة: أن سبب نزول الآية قول أبي أيوب ﵁ ومن معه من الأنصار في حديثهم عن الإقامة في الأموال وإصلاح ما ضاع منها لأن الحديث في ذلك صحيح صريح قائله صحابي شهد التنزيل بل هو أحد الذين نزلت بسببهم الآية، ولم يوجد ما يعترضه حقاً واللَّه أعلم.

стр. 242

١٢ - قال اللَّه تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن كعب بن عجرة ﵁ قال: وقف عليّ رسول اللَّه ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: (يؤذيك هوامُّك). قلت: نعم، قال: (فاحلق رأسك، أو قال: احلق). قال فيَّ نزلت هذه الآية: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) إلى آخرها، فقال النبي ﷺ : (صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَق بين ستة، أو انسك بما تيسر).

стр. 243

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورده المفسرون وجعلوه سببًا لنزولها. كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (وقد تظاهرت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ أن هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى برأسه من صِئبانه، وذلك عام الحديبية). اهـ. وقال ابن عطية: (ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله ﷺ ورأسه يتناثر قملاً فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة). اهـ. * النتيجة: أن الآية نزلت بسبب ما جرى لكعب بن عجرة من الأذى في رأسه فأنزل اللَّه الرخصة لإزالة الأذى وبيان الفدية. * * * * *

стр. 244

١٣ - قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - ر. يما - قال: كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). ورواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلاً. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورده جمهور المفسرين وجعلوه سبباً لنزولها منهم الطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور وغيرهم. قال الطبري بعد أن ساق الروايات في ذلك: (وتزودوا من أقواتكم ما فيه بلاغكم إلى أداء فرض ربكم عليكم في حجكم ومناسككم، فإنه لا برَّ للَّه جل ثناؤه في ترككم التزود لأنفسكم ومسألتكم الناس، ولا في تضييع أقواتكم وإفسادها) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج

стр. 245

بغير زاد ويقولون نحن متوكلون ويقولون نحن نحج بيت اللَّه فلا يطعمنا فإذا قدموا مكة سألوا الناس). اهـ. وقال ابن العربي: (إنما خاطب اللَّه تعالى أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون نحن المتوكلون). اهـ. وقال القرطبي: (إن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما روى البخاري عن ابن عبَّاسٍ ثم ساق الحديث المذكور أعلاه .. ثم قال وهذا نص فيما ذكرنا وعليه أكثر المفسرين). اهـ. * النتيجة: أن الآية نزلت على السبب المذكور في حديث ابن عبَّاسٍ في شأن أهل اليمن الذين يحجون ولا يتزودون فأمرهم الله بالتزود المحسوس من الطعام والشراب والكساء وأخبرهم أن الزاد المعنوي وهو التقوى خير وأجل، كما قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ... ) وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 246

١٤ - قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم،

стр. 247

فنزلت: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج. ٢ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نُكري، فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرَّف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) فدعاه النبي ﷺ فقال: أنتم حجاج. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الروايات وجعلوها سبباً لنزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي،

стр. 248

وابن كثير والطاهر بن عاشور لكن بعد النظر والتأمل تبين أن بين السببين اختلافًا، فهل يمكن الجمع بينهما أو لا بد من الترجيح؟ أنا لم أجد من أهل العلم من تطرق لهذا ونظر فيه لكن لعل من أمثل ما يُجمع به بين السببين أن يقال: إن ابن عبَّاسٍ ﵄ علم ما حصل في القصة المذكورة التي رواها ابن عمر ثم ساقها على وجه الإجمال كما في حديثه، لكن يعكر على هذا أن المذكور في حديث ابن عبَّاسٍ أسواق الجاهلية المشهورة وفيها البيع والشراء بخلاف المذكور في حديث ابن عمر فإنه الإجارة وبدون ذكر الأسواق. ويمكن أن يقال بأن مراد ابن عبَّاسٍ بقوله: (فنزلت) ليس النزول المصطلح عليه عند العلماء وهو النزول عند حدوث واقعة أو إيراد سؤال فنزلت الآية جواباً لهذا لكن مراده أن الجمع بين التجارة والعبادة في الحج يتناول حكمَه لفظُ الآية وأنه مما أذن اللَّه فيه لكن يعكر على هذا قوله: فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت. فإن هذا اللفظ لا يسعف هذا الفهم. فإذا تعذر الجمع بينهما فلا بد من الترجيح وحينئذ هل يقدم حديث ابن عباس ﵁ لأن راويه البخاري، بخلاف حديث ابن عمر فراويه أحمد وأبو داود وقد أجمعت الأمة على أن أصح كتاب بعد كتاب اللَّه تعالى الجامع الصحيح للبخاري؟ يشكل على هذا أن حديث ابن عمر صحيح لا مطعن فيه بوجه من الوجوه. فما الجواب الفصل لحل هذا الإشكال؟ فالجواب: أن الحديث المقدم في السببية هو حديث ابن عمر ﷺ وبيان ذلك أن الحديث فصّل الحديث تفصيلاً يدل على الضبط والإتقان فقول ابن عمر ﵄: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني. يبين

стр. 249

أن سؤاله كسؤال النبي ﷺ فالقضية فيها سؤال، والسؤال أيضاً عن الكراء في الحج ثم قوله: فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية، دليل صريح على أن الآية نزلت بسبب سؤال الرجل. وقوله: فدعاه النبي ﷺ دليل على ما تقدم إذ لو كانوا جماعة كما في حديث ابن عبَّاسٍ لما قال الراوي (دعاه). ثم مما يؤيد هذا ويؤكده أن الأسواق الثلاثة تنتهي، قبل الحج وحينئذ تنفك التجارة عن العبادة فلا يبقى إشكال يُسأل عنه. فإن قيل: كيف قال ابن عبَّاسٍ: (فتأثموا فنزلت الآية)؟ فالجواب: ربما فهم ابن عبَّاسٍ هذا من قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) والجناح هو الإثم والحرج كما في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ) الآية. * النتيجة: أن سبب نزول الآية هو حديث ابن عمر ﵄ في قصة سؤال الرجل لرسول اللَّه ﷺ عن الكراء في الحج، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية، والآية بعموم لفظها تتناول جميع التجارات في الحج وليست مقصورة على صورة السبب وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 250

١٥ - قال الله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم والبخاري والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن هشام بن عروة ابن الزبير عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراةً إلا الحمس. والحمس قريش وما ولدت كانوا يطوفون عراةً إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً فيُعطي الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ. وكانت الحُمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يبلغون عرفات. قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة ﵂ قالت: الحمس هم الذين أنزل الله فيهم: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) قالت: كان الناس يفيضون من عرفات. وكان الحمس يفيضون من مزدلفة. يقولون: لا نفيض إلا من الحرم. فلما نزلت: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) رجعوا إلى عرفات. وفي رواية للبخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون
следующие страницы →