← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١٤ - قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت عكاظ ومجنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم،

стр. 247

فنزلت: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج. ٢ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نُكري، فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرَّف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) فدعاه النبي ﷺ فقال: أنتم حجاج. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الروايات وجعلوها سبباً لنزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي،

стр. 248

وابن كثير والطاهر بن عاشور لكن بعد النظر والتأمل تبين أن بين السببين اختلافًا، فهل يمكن الجمع بينهما أو لا بد من الترجيح؟ أنا لم أجد من أهل العلم من تطرق لهذا ونظر فيه لكن لعل من أمثل ما يُجمع به بين السببين أن يقال: إن ابن عبَّاسٍ ﵄ علم ما حصل في القصة المذكورة التي رواها ابن عمر ثم ساقها على وجه الإجمال كما في حديثه، لكن يعكر على هذا أن المذكور في حديث ابن عبَّاسٍ أسواق الجاهلية المشهورة وفيها البيع والشراء بخلاف المذكور في حديث ابن عمر فإنه الإجارة وبدون ذكر الأسواق. ويمكن أن يقال بأن مراد ابن عبَّاسٍ بقوله: (فنزلت) ليس النزول المصطلح عليه عند العلماء وهو النزول عند حدوث واقعة أو إيراد سؤال فنزلت الآية جواباً لهذا لكن مراده أن الجمع بين التجارة والعبادة في الحج يتناول حكمَه لفظُ الآية وأنه مما أذن اللَّه فيه لكن يعكر على هذا قوله: فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت. فإن هذا اللفظ لا يسعف هذا الفهم. فإذا تعذر الجمع بينهما فلا بد من الترجيح وحينئذ هل يقدم حديث ابن عباس ﵁ لأن راويه البخاري، بخلاف حديث ابن عمر فراويه أحمد وأبو داود وقد أجمعت الأمة على أن أصح كتاب بعد كتاب اللَّه تعالى الجامع الصحيح للبخاري؟ يشكل على هذا أن حديث ابن عمر صحيح لا مطعن فيه بوجه من الوجوه. فما الجواب الفصل لحل هذا الإشكال؟ فالجواب: أن الحديث المقدم في السببية هو حديث ابن عمر ﷺ وبيان ذلك أن الحديث فصّل الحديث تفصيلاً يدل على الضبط والإتقان فقول ابن عمر ﵄: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني. يبين

стр. 249

أن سؤاله كسؤال النبي ﷺ فالقضية فيها سؤال، والسؤال أيضاً عن الكراء في الحج ثم قوله: فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية، دليل صريح على أن الآية نزلت بسبب سؤال الرجل. وقوله: فدعاه النبي ﷺ دليل على ما تقدم إذ لو كانوا جماعة كما في حديث ابن عبَّاسٍ لما قال الراوي (دعاه). ثم مما يؤيد هذا ويؤكده أن الأسواق الثلاثة تنتهي، قبل الحج وحينئذ تنفك التجارة عن العبادة فلا يبقى إشكال يُسأل عنه. فإن قيل: كيف قال ابن عبَّاسٍ: (فتأثموا فنزلت الآية)؟ فالجواب: ربما فهم ابن عبَّاسٍ هذا من قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) والجناح هو الإثم والحرج كما في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... ) الآية. * النتيجة: أن سبب نزول الآية هو حديث ابن عمر ﵄ في قصة سؤال الرجل لرسول اللَّه ﷺ عن الكراء في الحج، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية، والآية بعموم لفظها تتناول جميع التجارات في الحج وليست مقصورة على صورة السبب وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 250

١٥ - قال الله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم والبخاري والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن هشام بن عروة ابن الزبير عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراةً إلا الحمس. والحمس قريش وما ولدت كانوا يطوفون عراةً إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً فيُعطي الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ. وكانت الحُمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يبلغون عرفات. قال هشام: فحدثني أبي عن عائشة ﵂ قالت: الحمس هم الذين أنزل الله فيهم: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) قالت: كان الناس يفيضون من عرفات. وكان الحمس يفيضون من مزدلفة. يقولون: لا نفيض إلا من الحرم. فلما نزلت: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) رجعوا إلى عرفات. وفي رواية للبخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون

стр. 251

بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد ذلك جمهور المفسرين وجعلوه سببًا لنزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور. قال ابن العربي: (وقد اختلف الناس في المراد بهذه الإفاضة على قولين: أحدهما: أن المراد به من عرفات مخالفةً لقريش، قاله الجماعة. الثاني: المراد به من المزدلفة إلى منى، قاله الضحاك وإنما صار إلى ذلك لأنه رأى الله تعالى ذكر هذه الإفاضة بعد ذكره الوقوف بالمشعر الحرام، والإفاضة التي بعد الوقوف بالمشعر الحرام هي الإفاضة إلى منى). اهـ. وقد اختلف العلماء في الجواب عن هذا الإشكال على أقوال: الأول: (أن هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم، قاله الطبري). اهـ. والمعنى على هذا: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات مع الناس فاذكروا الله عند المشعر الحرام. الثاني: (أن لفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة وترتيبها عليها في مطلق الذكر ونظيره قوله تعالى: (فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧). ومنه قول الشاعر:

стр. 252

إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده قاله الشنقيطي). اهـ واختاره أكثر المفسرين. الثالث: (أن المعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللَّه عند المشعر الحرام: يا معشر من حل بالمشعر الحرام أفيضوا من حيث أفاض الناس. وأخر اللَّه تعالى الخطاب إلى المشعر الحرام ليعمَّ من وقف بعرفة ومن لم يقف حتى يمتثله مع من وقف. ذكره ابن العربي وقال هو التحقيق). اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الصواب القول الثاني، وأن (ثم) للترتيب الذكري وليست للترتيب للزمني، أما الترتيب الزمني فقوله (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) أي من عرفات (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ). بقي أن يُقال: كيف قالت عائشة ﵂ في الرواية الأخرى: فلما جاء الإسلام أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، مع العلم أن النبي ﷺ كان يقف بعرفات ثم يفيض منها؟ فالجواب: أن يقال إن أمر اللَّه لنبيه ﷺ لا يمنع أن يكون المقصود بالخطاب غيره وهم الحمس لكن الخطاب توجه إليه باعتبار الرسالة. وقد يُقال: إن الآية لا تتضمن خطابًا مباشراً لرسول اللَّه ﷺ بل خاطبت الناس بلفظ (أفيضوا) ويكون المراد بقولها (أمر اللَّه نبيه) أي أنزل اللَّه على نبيه. ويمكن أن يُقال: إن لفظ هذا الحديث غير محفوظ بدليل مخالفته للحديث قبله وقولها فيه: (الحمس هم الذين أنزل اللَّه فيهم (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) لكن هذا خلاف الأصل وما دام الجمع ممكنًا بغيره فالعدول عنه أولى) واللَّه أعلم.

стр. 253

* النتيجة: أن سبب نزول الآية هو امتناع الحمس من الوقوف بعرفة والإفاضة منها واقتصارهم على الوقوف بالمزدلفة لأنها من الحرم فأنزل اللَّه على نبيه أمره إياهم بالإفاضة من عرفات كما يفيض سائر الناس. لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول واحتجاج المفسرين به، وموافقته للفظ الآية واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 254

١٦ - قال اللَّه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣). قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١). * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً فنزلت هذه الآية التي في البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال: فدُعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً فنزلت الآية التي في النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شفاءً فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال: فقال عمر: انتهينا انتهينا.

стр. 255

٢ - أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: حرمت الخمر ثلاث مرات؛ قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول اللَّه ﷺ عنهما فأنزل اللَّه على نبيه ﷺ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) إلى آخر الآية، فقال الناس: ما حُرِّم علينا إنما قال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) وكانوا يشربون الخمر. حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه في المغرب، خلط في قراءته فأنزل الله فيها آيةً أغلظ منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول اللَّه، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فُرُشهم، كانوا

стр. 256

يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله اللَّه رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل اللَّه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا) فقال النبي ﷺ : (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين كابن العربي وابن كثير حديث عمر ﵁ عند آية سورة البقرة. وعندي - واللَّه تعالى أعلم - أن هذا الحديث وان صح سنده ليس سبباً لنزول آية سورة البقرة فإن اللَّه تعالى نص فيها على وقوع السؤال بقوله: (يَسْأَلُونَكَ) وأن السؤال وقع عن شيئين وهما الخمر والميسر بقوله: (عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) فأين حديث عمر من سياق الآية فالاختلاف بينهما ظاهر من وجهين: الأول: أن الآية فيها السؤال عن الخمر والميسر جميعاً بينما حديث عمر فيه الدعاء بالبيان عن الخمر فقط. الثاني: أن الله قال في الآية: (يَسْأَلُونَكَ) وعمر ﵁ لم يسأل النبي ﷺ كما يدل على هذا لفظ الحديث وإنما دعا اللَّه فقال: (اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً) وفرق بين دعاء الله وسؤال رسوله ﷺ فسياق الآية والحديث يأبيان الاجتماع.

стр. 257

ولهذا (أعني عدم التطابق بين لفظ الآية وحديث عمر) ساق الواحدي والبغوي وابن عاشور حديثاً آخر في نزولها فقالوا: نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وهذا لا يصح سبباً في نزولها لأنه لا إسناد له في كتب السنة فتعيّن إطراحه. وأما ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ فإنه نصٌّ في الموضوع لولا الضعف الشديد في إسناده مما يحول ويمنع من الاستدلال به، بالإضافة إلى أنه لم يذكره من المفسرين إلا ابن كثير فقط. وإذا كان الأمر كذلك فإن الثابت الذي لا ريب فيه أن سبب نزول الآية أنهم سألوا رسول اللَّه ﷺ عن الخمر والميسر فأنزل اللَّه الآية لأن لفظ الآية الصريح يدل على ذلك. ولم أجد دليلاً صحيحًا صريحًا من السنة يدل على هذا السؤال واللَّه تعالى أعلم. أما سبب نزول الآيتين من سورة النساء والمائدة فستأتي دراستهما إن شاء الله في موضعهما من سورة النساء والمائدة. * النتيجة: أن السببين المذكورين لنزول الآية لا يصحان لأن حديث عمر صحيح غير صريح وحديث أبي هريرة صريح غير صحيح فلعل للآية سبباً لم يندرج ضمن نطاق البحث لكن الشيء الذي يدل عليه لفظ الآية أنها نزلت بسبب سؤالهم عن الخمر والميسر واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 258

١٧ - قال الله تعالى: (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما نزلت: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فذُكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) قال: فخالطوهم. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وعلى هذا جمهور المفسرين منهم الطبري

стр. 259

والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور. وهذا السبب وإن كان ضعيفاً من جهة إسناده لكنه يعتضد بأمرين: الأول: سياق الآية القرآني فإنه يدل على هذا السبب حيث يلاحظ التطابق بينه وبين لفظ الحديث من جهة توجيه السؤال لرسول الله ﷺ ومجيء الجواب من الله بقوله: (قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ). الثاني: أن هذا السبب قال به جمهور السلف والخلف ولهذا لما ساق ابن كثير هذا السبب قال: (وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي، وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف). اهـ. وإذا كان السبب مؤيدًا بما تقدم فإن هذا يدل على أن له أصلاً ثابتًا - والعلم عند اللَّه تعالى -. * النتيجة: أن هذه الآية نزلت على سبب ولم تنزل ابتداء ويدل على هذا سياقها حيث ذكر السؤال والجواب، لكن السبب المذكور هنا لا يخلو من ضعف ولعله يتأيد بما تقدم واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 260

١٨ - قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج الإمام أحمد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) حتى فرغ من الآية فقال رسول اللَّه ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول اللَّه، إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول اللَّه ﷺ فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما. ٢ - أخرج الدارمي عن عكرمة قال: كان أهل الجاهلية يصنعون في

стр. 261

الحائض نحواً من صنيع المجوس فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) فلم يزدد الأمر فيهن إلا شدة. ٣ - وأخرج الدارمي عن مجاهد قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن فسألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فأنزل الله : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) في الفرج ولا تعدوه. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية والذي عليه جمهور المفسرين في سبب نزولها ما جاء من حديث أنس ﵁ أن الصحابة ﵃ سألوا رسول اللَّه ﷺ عن فعل اليهود مع نسائهم حال الحيض فأنزل اللَّه الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور. وأما قول عكرمة: كان أهل الجاهلية يصنعون في الحائض نحواً من صنيع المجوس فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت الآية فهذا الأثر معلول بالآتي: ١ - أنه مرسل فعكرمة لم يدرك رسول اللَّه ﷺ أو يدرك زمن نزولها بالإضافة إلى مخالفة هذا الأثر للحديث الصحيح الصريح المرفوع كما سيتبين بعد ذلك. ٢ - قول عكرمة: كان أهل الجاهلية. هذا المصطلح اشتهر إطلاقه على الكفار في مكة فأما بعد الهجرة إلى المدينة فلا يعرف إلا المهاجرون والأنصار

стр. 262

والمنافقون واليهود فكيف يكون فعل أهل الجاهلية سببًا لنزول آية مدنية، هذا إذا أدركنا أن المسلمين لم يتأثروا بفعل أهل الجاهلية لأنهم يعرفون جهلهم بل كانوا يلحظون فعل اليهود لأنهم أهل كتاب وعندهم شبهة حق فيما لم ينزل على المسلمين فيه شيء. ٣ - لو كان أهل الجاهلية يصنعون هذا في الحائض أعني (الاعتزال التام) لما استغرب أصحاب رسول الله ﷺ هذا من اليهود لأنهم سيكونون قد عهدوه من قبل من أهل الجاهلية. أما قول مجاهد: كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن فهو معلول بالإرسال أيضًا كالأول وقد قال عنه ابن العربي: (وهذا ضعيف) اهـ. ثم لو كانوا يأتونهن في أدبارهن فأين جواب هذا في الآية؟ الآية لم تتعرض لهذا إلا بقوله تعالى: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) وهذا ليس صريحًا لأن يكون سبب نزولها؛ لأن السؤال في الآية موجّه إلى النبي ﷺ في شأن المحيض فقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى). فتبين بهذا ضعف هذين الأثرين وأنه لا يعول عليهما بشأن سبب نزول الآية. * النتيجة: أن سبب نزول الآية هو حديث أنس ﵁ حيث استشكل أصحاب النبي ﷺ فعل اليهود مع نسائهم حال الحيض فسألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله الآية مبينًا للمسلمين ما يحرم وما يحل من المرأة في تلك الحال. وذلك لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم. * * * * *

стр. 263

١٩ - قال اللَّه تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج مسلم والدارمي والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن جابر بن عبد اللَّه ﷺ قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). ٢ - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: جاء عمر إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي الليلة، قال: فلم يرد عليه رسول اللَّه ﷺ شيئاً قال: فأوحي إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى

стр. 264

شِئْتُمْ) أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة. ٣ - أخرج النَّسَائِي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى عبد اللَّه بن عمر: قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن، قال نافع: لقد كذبوا عليَّ، ولكني سأخبرك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) قال: يا نافع، هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ إنا كنا معشر قريش نجبيءُ النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل اللَّه تعالى: ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).

стр. 265

٤ - أخرج أبو داود عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: إن ابن عمر - واللَّه يغفر له - أوهم، إنما كان هذا الحي من الأنصار - وهم أهل وثن - مع هذا الحي من يهود - وهم أهل كتاب - وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يُشرِّحُون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نُؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شري أمرهما فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فأنزل اللَّه : ((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. ٥ - أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أن رجلاً أتى امرأته في

стр. 266

دبرها في عهد رسول الله ﷺ فوجد من ذلك وجداً شديداً فأنزل الله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر جمهور المفسرين هذه الأحاديث على تفاوت بينهم في ذكر بعضها وترك بعضها، ومن هؤلاء الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال السعدي: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) مقبلة ومدبرة، غير أنه لا يكون إلا في القبل، لكونه موضع الحرث، وهو الموضع الذي يكون منه

стр. 267

الولد، وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر؛ لأن اللَّه لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ في تحريم ذلك ولعن فاعله) اهـ. فأما ما روى النَّسَائِي عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً أتى امرأته في دبرها في عهد رسول الله ﷺ فوجد من ذلك وجداً شديداً. ففيه علتان قويتان: الأولى: في إسناده، فقد أنكر أبو حاتم أن يكون هذا الإسناد المروي لهذا المتن بل له إسناد آخر غيره تبين تفصيله في الحاشية. الثانية: في متنه، فقد قال ابن القيم: (هذا غلط بلا شك، غلط فيه سليمان بن بلال، أو ابن أبي أويس راويه عنه، وانقلبت عليه لفظة (مِن) بلفظة (في) وإنما هو (أتى امرأته من دبرها) ولعل هذه هي قصة عمر بن الخطاب بعينها لما حوَّل رحله، ووجد من ذلك وجداً شديداً فقال لرسول اللَّه ﷺ : هلكت، أو يكون بعض الرواة ظن أن ذلك هو الوطء في الدبر فرواه بالمعنى الذي ظنه) اهـ. وحينئذٍ ينحسر البحث في أربعة أحاديث، منها حديث النَّسَائِي عن أبي النضر في قصة نافع مع ابن عمر ﵄. وهذا الحديث - واللَّه أعلم - ليس سبب نزولها، وإن كان إسناده يحتمل التحسين لما روى أحمد والدارمي عن أم سلمة ﵂ قالت: إن الأنصار كانوا لا يُجبُّون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبَّى امرأته خرح ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة، نكحوا في نساء الأنصار، فجبّوهُن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها، فقالت لزوجها: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله ﷺ فدخلت على أم سلمة فذكرت ذلك لها، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول اللَّه ﷺ ، فلما جاء رسول الله ﷺ استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أمُّ سلمة رسول اللَّه ﷺ فقال: (ادعي

стр. 268

الأنصارية)، فدعيت فتلا عليها هذه الآية: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) صمامًا واحدًا. فسياق أم سلمة لهذا الحديث يقارب كثيرًا حديث ابن عمر ﵄ مما يشير إلى أن القصة في الحديثين واحدة، وهي في سياق أم سلمة أتم وأوفى كيف لا وقد وقعت في بيتها، وهي راويتها من غير واسطة، وقد أشار الحديث إلى حقيقتين هامتين: الأولى: أن حديث أم سلمة ﵂ لم يتعرض للنزول أعني قوله: (فأنزل) وإنما فيه أنه تلا عليها الآية فقط، وهذا كالتذكير لها بحكم نازل سابق. وإذا كان الأمر كذلك فان قول ابن عمر: فأنزل الله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) إما أن يكون من تصرف الرواة، أو يكون من قول ابن عمر، ولم يرد به النزول المصطلح عليه، وإنما أراد أن لفظ الآية يتضمن حكم هذه المسألة، أو ربما ظن أنها نزلت بسبب ذلك وليس الأمر كذلك. الثانية: أن أم سلمة ﵂ ذكرت في حديثها قول اليهود: من جبّى خرج ولده أحول، وهذا يدل على أن أصل الإشكال عند الأنصار ناشئ من اعتقاد اليهود في ذلك. أما حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عند أبي داود في توهيمه لابن عمر ﵄ فالجواب عنه كالجواب عما رواه النَّسَائِي عن نافع عن ابن عمر سواء بسواء، لأن شأن الحديثين واحد لوجهين: الأول: أن في حديث ابن عبَّاسٍ قالت: إنما كنا نُؤتى على حرف، وفي حديث ابن عمر: وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن. الثاني: أن في حديث ابن عبَّاسٍ: أن الأنصار يقتدون بأهل الكتاب، وفي حديث ابن عمر: فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وسبب الكراهة

стр. 269

والتعظيم اقتداؤهم بأهل الكتاب كما أشار إلى ذلك حديث أم سلمة ﵂ وحينئذٍ يؤول الحديثان إلى حديث أم سلمة وقد وقعت القصة في بيتها وخلا لفظها من النزول، والله أعلم. وهنا ينحسر البحث في حديثي جابر، وابن عبَّاسٍ في قصة عمر ﵃ فأيهما السبب؟ فيقال: المقدم في سبب النزول هو حديث جابر ﵁ لصحة إسناده، وكثرة رواته، وحديث ابن عبَّاسٍ في قصة عمر ضعيف لا يداني حديث جابر، فضلاً عن أن ينازعه السببية. وعلى فرض صحته يقال: إن عمر ﵁ ممن تأثر بقول اليهود، فلهذا قال: هلكت، ووجه تأثره: أنه قرشي، والقرشيون لم يكونوا يستنكرون التجبية كما دلت الأحاديث المتقدمة على ذلك، فلما سمع بقول اليهود تأثر به، فلما وقع منه ذلك خشي الهلاك فسأل فنزلت الآية ردًا على يهود فيما زعموا، وتطميناً لعمر ومن فعل فعله. واللَّه أعلم. * النتيجة: أن سبب نزول هذه الآية الكريمة حديث جابر ﵁ فيما زعمه اليهود أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قُبلها كان الولد أحول لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وعدم المعارض واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 270

٢٠ - قال الله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ﵂ أنها طُلقت على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله حين طُلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من أُنزلت فيها العدة للمطلقات. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وقد أورد ابن كثير هذا الحديث عند تفسيره لهذه الآية، وزاد على ذلك أن عيّن الآية النازلة فقال يعني: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ). وكذلك فعل أبو الطيب شمس الحق أبادي حيث قال: والمنزل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ). ولعل اختيارهما لهذه الآية عائد إلى الغالب، إذ عامّة المطلقات إنما

стр. 271

يُطلقن بعد الدخول بهن، وقبل إياسهن من المحيض، وهنّ حوائل. وإلا فإن عِدَدَ المطلقات متفاوتة، فمن المطلقات من تعتد بوضع الحمل، فيما إذا كانت حاملاً، ومنهن من تعتد ثلاثة أشهر كالآيسة، والصغيرة التي لم تحض، ومنهن من لا عدة عليها كالتي طُلقت قبل الدخول. وإذا نظرنا إلى الحديث، ومدى مناسبته لنزول الآية وجدنا المطابقة بينهما تامة من جميع الوجوه، مما يدل على أنه سبب نزولها. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وموافقته للفظ الآية، وسياق الآيات وتصريحه بالنزول والله أعلم. * * * * *

стр. 272

٢١ - قال الله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: كان الناس، والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: واللَّه لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويكِ أبداً. قالت: وكيف ذاك؟ قال: أُطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ حتى نزل القرآن: ((الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من كان طلق ومن لم يكن طلق. وأخرجه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وهذا الذي عليه جمهور

стр. 273

المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور فقد ذكروا هذا الحديث عند سياقهم لتفسيرها. قال الطبري: (ذِكر من قال إن هذه الآية أُنزلت لأن أهل الجاهلية، وأهل الإسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه، فجعل اللَّه تعالى ذكره لذلك حداً حرم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأته المطلقة إلا بعد زوج وجعلها حينئذٍ أملك بنفسها منه) اهـ. وقال ابن العربي: (ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكان عندهم العدة معلومةً مقدرة) اهـ. وقال ابن كثير: (هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مئة مرة ما دامت في العدة فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم اللَّه إلى ثلاث طلقات وأباح الرجعة في المرة والثنتين وأبانها بالكلية في الثالثة) اهـ. وقال السعدي: (كان الطلاق في الجاهلية واستمر أول الإسلام هو أن يطلق الرجل زوجته بلا نهاية، فكان إذا أراد مضارتها طلقها، فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، وصنع بها مثل ذلك أبدًا، فيحصل عليها من الضرر ما اللَّه به عليم. فأخبر تعالى أن الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان) اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أن اتفاق جمهور المفسرين على المعنى الذي دلَّ عليه حديث عروة المرسل يدل على أن لهذا أصلاً ثابتاً حملهم على القول بمقتضاه واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا، وإن كان الصحيح فيه الإرسال، هو سبب نزول الآية لصحة سنده إلى عروة، وتصريحه بالنزول، واحتجاج المفسرين به وتعويلهم عليه واللَّه أعلم.

стр. 274

٢٢ - قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مالك عن ثور بن زيد الديلي، أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها. كيما يُطول بذلك عليها العدة ليضارها فأنزل الله ﵎: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) يعظهم الله بذلك. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وهو المروي عن ابن عبَّاسٍ ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك والربيع والزهري، والسدي وغيرهم. قال الطبري: (أي لا تراجعوهنّ إن راجعتموهن في عددهن مضارةً لهن لتطولوا عليهن مدة انقضاء عددهن أو لتأخذوا منهن بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخلع منكم لمضارتكم إياهن بإمساككم إياهن ومراجعتكم إياهن ضراراً واعتداءً) اهـ.

стр. 275

وقال القرطبي: (وهذا الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) فأفادنا هذان الخبران أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصداً إلى الإضرار بها وهذا ظاهر) اهـ. * النتيجة: أن السبب المذكور في نزول الآية ضعيف لا يصلح للاحتجاج لكنه معتضد بما يروى عن ابن عبَّاسٍ والتابعين في ذلك، وظاهر السياق القرآني يؤيد ذلك ويدل على أن له أصلاً لأن قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) يدل على وجود شيء من ذلك وأن العلة لفعلهم هذا هي الاعتداء والظلم ولهذا كرر اللَّه في هذه الآية النهي والتذكير والعظة وختمها ببيان علمه بكل شيء وهذا يدل على تحذير بليغ وزجرٍ شديد. فلولا وجوده ما بلغ الله في التحذير هذا المبلغ واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 276

٢٣ - قال اللَّه تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن معقل بن يسار ﵁ أنها نزلت فيه، قال: زوجتُ أُختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوّجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً. وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فقلت: الآن أفعل يا رسول اللَّه، قال: فزوجها إياه. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر المفسرون هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل كانت له أُخت كان

стр. 277

زوَّجها من ابن عم لها، فطلقها وتركها فلم يراجعها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها منه، فأبى أن يزوجها إياه ومنعها منه وهي فيه راغبة ... ثم اختلف أهل التأويل في الرجل الذي كان فعل ذلك فنزلت فيه هذه الآية، فقال بعضهم: كان ذلك الرجل معقل بن يسار المزني، ثم ساق الروايات في ذلك) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني كانت تحت أبي القداح بن عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها) اهـ. وقال ابن العربي: (وقد صح أن معقل بن يسار كانت له أُخت فطلقها زوجها فلما انقضت عدتها خطبها فأبى معقل فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية) اهـ. وقال ابن كثير: (وهكذا ذكر غير واحد من السلف أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته) اهـ. * النتيجة: أن حديث معقل بن يسار ﵁ سبب نزول الآية لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لِلفظ الآية، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 278

٢٤ - قال اللَّه تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وفي رواية للبخاري، إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي ﷺ يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) فأمرنا بالسكوت. ٢ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي ﷺ منها قال فنزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.

стр. 279

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد المفسرون هذه الروايات وجعلوها من أسباب نزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور وغيرهم. وعند النظر في حديث زيد بن ثابت ﵁ أجد أنه مشكل من وجهين: الأول: قوله: ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي ﷺ منها فإن أراد بالأصحاب أهل الإيمان منهم فهذه الحال لا تنطبق عليهم فقد وصفهم اللَّه في كتابه بأجمل الأوصاف فقال عنهم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ... ) الآية. فقوله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ) هم أصحابه ﷺ وإن أراد بقوله أصحاب الظاهر وهم المنافقون فهذه الحال أيضاً لا تنطبق عليهم لما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أثقل صلاةٍ على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ... الحديث). الوجه الثاني: استدلاله بالآية على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر

стр. 280

وهذا يخالف النص الصحيح الصريح من سنة رسول الله ﷺ على أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر فقد أخرج الشيخان واللفظ لمسلم عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا) ثم صلاها بين العشائين بين المغرب والعشاء. وبهذا يتبين أن حديث زيد بن ثابت غير محفوظ فلا يستقيم الاحتجاج به على السببية، إذ مقتضى الاستدلال به أن نضرب بكتاب اللَّه سنةَ رسوله ﷺ الصحيحة وهذا أمر يبرأ منه من له أدنى حظ من علم أو إيمان واللَّه المستعان. وعند النظر في حديث زيد بن أرقم ﵁ يظهر لنا الإشكال التالي: وهو أن ظاهر الحديث أن تحريم الكلام في الصلاة إنما كان في المدينة لأن الآية مدنية بالاتفاق وهذا يخالف بظاهره حديث ابن مسعود ﵁ فقد روى الشيخان عنه ﵁ قال: كنا نسلِّم على النبي ﷺ وهو يصلي فيردّ علينا فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نسلم عليك فترد علينا؟ قال: إن في الصلاة شغلاً. وهذا يدل على أن تحريم الكلام في الصلاة سابقٌ للهجرة إلى المدينة لأن هجرتهم إلى الحبشة قبلها قطعًا فما الجواب؟ فالجواب من خمسة أوجه: أولاً: (أن زيد بن أرقم أراد بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الكلام واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها.

стр. 281

ثانياً: أنه أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ويكون ذلك قد أُبيح مرتين وحرم مرتين) اهـ. ثالثاً: (أن تحريم الكلام كان بمكة وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه). رابعاً: ذهب آخرون إلى الترجيح فقالوا يترجح حديث ابن مسعود لأنه حكى لفظ النبي ﷺ بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه. خامساً: قالوا: إن ابن مسعود ﵁ أراد بقوله: فلما رجعنا، رجوعه الثاني وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى وكان ابن مسعود مع الفريقين، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر، فظهر أن اجتماعه بالنبي ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة وإلى هذا الجمع نحا الخطابي ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم فإنها ظاهرة في أن كلاً من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) اهـ بتصرف. قلت: رواية كلثوم التي أشار إليها ابن حجر هي قول عبد اللَّه ﵁ كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي، فأسلم عليه فيرد عليَّ، فأتيته فسلمتُ عليه وهو يصلي فلم يرد عليَّ فلما سلم أشار إلى القوم فقال: إن اللَّه يعني أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر اللَّه وما ينبغي لكم وأن تقوموا للَّه قانتين. فقول عبد اللَّه في الحديث وأن تقوموا للَّه قانتين مع حديث زيد بن أرقم يدلان على أن القصة واحدة وأن ذلك كان بالمدينة.

стр. 282

بل لو قدرنا جدلاً أن ابن مسعود ﵁ لم يذكر في حديثه وقوموا لله قانتين واقتصر ذكرها في حديث زيد بن أرقم لما كان في هذا إشكال لأن التحريم سيكون حينئذٍ ثابتاً بحديث زيد ﵁ ويكون مجيء ابن مسعود ﵁ إلى المدينة بعد تحريم الكلام في الصلاة ولهذا قال له النبي ﷺ إن في الصلاة شغلاً. وهذا القول الأخير في الجمع بين الحديثين هو أصح الأقوال التي ذكرها ابن حجر والله أعلم. * النتيجة: أن سبب نزول الآية ما دلّ عليه حديث زيد بن أرقم ﵁ من أن الصحابة كانوا يتكلمون في الصلاة فيما بينهم عن حوائجهم فأنزل الله الآية آمرةً بالمحافظة على الصلاة والسكوت فيها ناهيةً عن الكلام الذي ليس من شأنها. لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 283

٢٥ - قال الله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت المرأة تكون مقلاةً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). وفي لفظ للنسائي عنه ﵁ قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكون لها ولد تجعل على نفسها لئن كان لها ولد لتهوِّدنه فلما أسلمت الأنصار قالوا: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 284

قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوَّدوهم أو نصَّروهم فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه فنهاهم اللَّه عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام). اهـ. وقال ابن كثير: (يقول تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاماً). اهـ. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم. * * * * *

стр. 285

٢٦ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي وابن ماجه عن البراء ﵁: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحابَ نخلٍ فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلَّته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلِّقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناسٌ ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلِّقه فأنزل اللَّه تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) قالوا: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثلُ ما أَعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده.
следующие страницы →