Полный текст (1 008 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ثانياً: أنه أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ويكون ذلك قد أُبيح مرتين وحرم مرتين) اهـ.
ثالثاً: (أن تحريم الكلام كان بمكة وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه).
رابعاً: ذهب آخرون إلى الترجيح فقالوا يترجح حديث ابن مسعود لأنه حكى لفظ النبي ﷺ بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه.
خامساً: قالوا: إن ابن مسعود ﵁ أراد بقوله: فلما رجعنا، رجوعه الثاني وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى وكان ابن مسعود مع الفريقين، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر، فظهر أن اجتماعه بالنبي ﷺ بعد رجوعه كان بالمدينة وإلى هذا الجمع نحا الخطابي ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم فإنها ظاهرة في أن كلاً من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) اهـ بتصرف.
قلت: رواية كلثوم التي أشار إليها ابن حجر هي قول عبد اللَّه ﵁ كنت آتي النبي ﷺ وهو يصلي، فأسلم عليه فيرد عليَّ، فأتيته فسلمتُ عليه وهو يصلي فلم يرد عليَّ فلما سلم أشار إلى القوم فقال: إن اللَّه يعني أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر اللَّه وما ينبغي لكم وأن تقوموا للَّه قانتين.
فقول عبد اللَّه في الحديث وأن تقوموا للَّه قانتين مع حديث زيد بن أرقم يدلان على أن القصة واحدة وأن ذلك كان بالمدينة.
стр. 282
بل لو قدرنا جدلاً أن ابن مسعود ﵁ لم يذكر في حديثه وقوموا لله قانتين واقتصر ذكرها في حديث زيد بن أرقم لما كان في هذا إشكال لأن التحريم سيكون حينئذٍ ثابتاً بحديث زيد ﵁ ويكون مجيء ابن مسعود ﵁ إلى المدينة بعد تحريم الكلام في الصلاة ولهذا قال له النبي ﷺ إن في الصلاة شغلاً.
وهذا القول الأخير في الجمع بين الحديثين هو أصح الأقوال التي ذكرها ابن حجر والله أعلم.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية ما دلّ عليه حديث زيد بن أرقم ﵁ من أن الصحابة كانوا يتكلمون في الصلاة فيما بينهم عن حوائجهم فأنزل الله الآية آمرةً بالمحافظة على الصلاة والسكوت فيها ناهيةً عن الكلام الذي ليس من شأنها. لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 283
٢٥ - قال الله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت المرأة تكون مقلاةً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).
وفي لفظ للنسائي عنه ﵁ قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكون لها ولد تجعل على نفسها لئن كان لها ولد لتهوِّدنه فلما أسلمت الأنصار قالوا: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
стр. 284
قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوَّدوهم أو نصَّروهم فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه فنهاهم اللَّه عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام). اهـ.
وقال ابن كثير: (يقول تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاماً). اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم.
* * * * *
стр. 285
٢٦ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي وابن ماجه عن البراء ﵁: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحابَ نخلٍ فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلَّته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلِّقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناسٌ ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلِّقه فأنزل اللَّه تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) قالوا: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثلُ ما أَعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء.
قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده.
стр. 286
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر المفسرون هذا الحديث عند تفسيرها وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية وابن كثير.
قال الطبري: (لا تعمدوا الرديء من أموالكم في صدقاتكم فتصدقوا منه، ولكن تصدقوا من الطيب الجيد، وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار علق قنواً من حشف في الموضع الذي كان المسلمون يعلقون صدقة ثمارهم صدقةً من تمره). اهـ.
وقال ابن العربي: (لا خلاف بين أهل التفسير أنها نزلت في الرجل كان يأتي بالقنو من الحشف فيعلقه في المسجد يأكل منه الفقراء فنزلت: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما جاء فى حديث البراء، وإن كان إسناده لا يخلو من مقال، لتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم.
* * * * *
стр. 287
٢٧ - قال اللَّه تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم من المشركين فسألوا فرضخ لهم فنزلت هذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين الحديث بنصه كالطبري وابن العربي وابن كثير، وغيرهم ذكره بمعناه كالبغوي وابن عطية والقرطبي.
قال الطبري: (يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى
стр. 288
المشركين إلى الإسلام فتمنعهم صدقة التطوع ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن اللَّه هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له فلا تمنعهم الصدقة) اهـ.
وقال ابن عاشور: (نهى النبي ﷺ المسلمين عن الصدقة على الكفار إلجاءً لأولئك الكفار على الدخول في الإسلام.
والمعنى: أن ليس عليك أن تهديهم بأكثر من الدعوة والإرشاد دون هداهم بالفعل أو الإلجاء إذ لا هادي لمن يضلل الله وليس مثل هذا بميسّر للهدى) اهـ.
وكلام الطبري وابن عاشور وغيرهما من المفسرين تجدهم فيه ينسبون النهي عن التصدق على الكافرين إلى النبي ﷺ ليحملهم ذلك على الدخول في الإسلام عند الحاجة.
وهذا القول - فيما أعلم - ليس له مستند شرعي صحيح من كتاب اللَّه، أو سنة رسوله ﷺ وإنما حمل قائلَه عليه فهمُه لسياق الآية في قوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) وهذا ليس بسديد لأنه لا يلزم من التنبيهِ الوقوعُ في المحذور ودليل ذلك قول اللَّه : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥).
فهل وقع النبي ﷺ في الشرك أو قارب الوقوع فيه؟.
والجواب: لا بلا ريب ولا تردد فلم يقع شيء من ذلك بحمد اللَّه.
ثم أيضاً هذا الكلام معارض بأمرين:
الأول: سبب النزول، فقد جاء في السبب كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسبائهم ولم يقل كانوا ينهون، وأيضاً قوله فسألوا فرخص لهم، ولم يقل فمنعهم.
ولهذا قال ابن العربي: (في سبب نزولها قولان:
أحدهما: أن النبي ﷺ قال: لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فنزلت: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ).
الثاني: أنه ساق الحديث الذي معنا ثم قال: وهذا هو الصحيح لوجهين:
стр. 289
أحدهما: أن الأول حديث باطل.
الثاني: أن أسماء ﵂ قالت: (قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي ﷺ مع أبيها، فاستفتيت النبي ﷺ فقلت: إن أُمي قدمت وهي راغبة؟ قال: نعم صِلِي أُمكِ) فإنما شكوا في جواز الموالاة لهم، والصدقة عليهم فسألوا النبي ﷺ فأذن لهم). اهـ.
الأمر الثاني: أن النبي ﷺ في الزكاة الواجبة كان يعطي المؤلفة قلوبهم امتثالاً لأمر اللَّه، وترغيباً لهم في الدخول في الإسلام مع أن شأنها أعظم وأخطر وأجلُّ من صدقة التطوع في وجوب التحري والنظر لمستحقها، فكيف يفعل العكس والضد في غير الأموال الزكوية ويتخذه سبيلاً لجرِّ الناس إلى الإسلام؟
أليس هذا ينافي حكمة العقلاء فضلاً عن حكمة سيد الأنبياء.
* تنبيه:
فإن قال قائل: الآية خاطبتِ النبي ﷺ والكراهة وقعت من غيره فلماذا يوجه الخطاب إليه؟
والجواب: هذا صحيح، ووجه توجيه الخطاب للنبي ﷺ لأنه إمامهم وقدوتهم ومثل هذا موجود في القرآن كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين بالمعنى الذي دلَّ عليه واللَّه أعلم.
стр. 290
٢٨ - قال الله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول اللَّه ﷺ : (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أيْ رسول اللَّه كُلِفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول اللَّه ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم: فأنزل اللَّه في إثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى. فأنزل الله : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (قال: نعم) (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) (قال: نعم) (رَبَّنَا وَلَا
стр. 291
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (قال: نعم) (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (قال: نعم).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزول الآيتين منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال ابن عطية: (سبب هذه أنه لما نزلت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) وأشفق منها النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ثم تقرر الأمر على أن قالوا: سمعنا وأطعنا فرجعوا إلى التضرع والاستكانة مدحهم اللَّه وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى اللَّه تعالى، كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله أعاذنا اللَّه من نقمه) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ .. ) الآية أنهم قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
стр. 292
بعد نزول قوله سبحانه: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ).
وأن سبب نزول قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا .. ) الآية مكافأتهم على السمع والطاعة والاستجابة لأمر اللَّه حيث رفع عنهم المؤاخذة على الخطأ والنسيان وصرف عنهم الآصار التي كانت على من قبلهم. وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته لِلفظ الآيات، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 293
سورة آل عمران
стр. 294
سورة آل عمران
٢٩ - قال الله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أبو داود عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: (يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثلُ ما أصاب قريشاً) قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله في ذلك: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) قرأ مصرف إلى قوله: (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ببدر (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ).
стр. 295
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبباً لنزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور وعند النظر في سبب النزول المذكور تبين أنه لا يصح للعلة المشار إليها، ولعل النظر في السياق القرآني يؤيد ذلك فإن اللَّه قال في الآية: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ... ) وهذا مما شاهده المشركون يوم بدر، ولم يشاهده اليهود، فكيف يكون لهم آية؟
فإن قيل: يمكن أن يكون ذلك آية لليهود ولو لم يروه لكنهم سمعوه من المشركين وحينئذٍ تتحقق العظة؟
فالجواب: أن العظة تتحقق بالسماع لكن بالنظر أبلغ ولهذا كرر اللَّه ذلك وختم به الآية فقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) وهذه الجملة الأخيرة من الآية دالةٌ بوضوح على الحديث عن أمر مشاهد وهذا ما لم يتحقق لليهود وإنما وقع للمشركين، فصح بهذا أن يكون الخطاب موجهاً لهم وليس لغيرهم.
وربما يؤيد هذا أن اللَّه صدّر الحديث عن الكافرين بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ).
والمفاخرة والمباهاة بالأموال والأولاد من شأن المشركين لا الكتابيين
стр. 296
كما قال تعالى عن أحدهم (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧). (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥).
وقد مال إلى هذا الطاهر بن عاشور فقال: (والظاهر أن المراد بهم المشركون خاصة ولذلك أُعيد الاسم الظاهر ولم يؤت بالضمير بقرينة قوله بعده: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) إلى قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) وذلك مما شاهده المشركون يوم بدر) اهـ.
* النتيجة:
أن هذه الآية لم تنزل على سبب إنما هي وعيد للكافرين بأنهم سيحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ثم ذكرهم بما جرى لأشباههم يوم بدر وأنهم إن لم يؤمنوا فسيصيبهم ما أصابهم. وذلك لضعف سند الحديث، ومخالفته لسياق القرآن واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 297
٣٠ - قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) قال: فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجلٍ من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : (ألك بينة)؟ قال: قلت: لا، قال: فقال لليهودي: (احلف). قال: قلت: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب بمالي، قال: فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إلى آخر الآية.
٢ - أخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أن رجلاً أقام
стр. 298
سلعة في السوق فحلف فيها: لقد أَعطَى بها ما لم يُعْطَه، ليوقع فبها رجلاً من المسلمين، فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إلى آخر الآية.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد جمهور المفسرين هذين الحديثين عند ذكرهم لنزول الآية الكريمة منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
وحينئذٍ لا بد من النظر هل نزلت الآية على أحد السببين أو نزلت عليهما جميعاً؟
الحافظ ابن حجر ﵀ مال إلى الثاني وقال: (لا منافاة بينهما ويحمل على أن النزول كان بالسببين جميعاً، ولفظ الآية أعم من ذلك ولهذا وقع في صدر حديث ابن مسعود ما يقتضي ذلك) اهـ.
وابن العربي ﵀ يميل إلى ترجيح حديث ابن مسعود في قصة الأشعث بن قيس فقال بعد أن ذكر أسباب النزول في الآية: (والذي يصح أن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ فذكر الحديث .... ثم قال: وذلك يحتمل ما صح في الحديث وما روي عن اليهود) اهـ.
وعندي - واللَّه أعلم - أن الراجح ما اختاره ابن العربي في ترجيح حديث ابن مسعود لأن القصة بين الأشعث وبين رجل من اليهود والآية التي بعد هذه الآية تتحدث عن اليهود في قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ
стр. 299
بِالْكِتَابِ ... ) والآية التي قبلها تتحدث عنهم أيضًا في قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ... ).
ومما يؤيد هذا أيضًا أن حديث ابن مسعود رواه السبعة بينما لم يرو حديث ابن أبي أوفى سوى البخاري، والكثرة في الغالب قرينة على الصواب.
ثم الأشعث ﵁ يحلف ويقول: فيَّ واللَّه كان ذلك وهو لن يحلف إلا على ما ثبت عنده.
بقي أن يُقال: ما الجواب عن حديث ابن أبي أوفى؟
فالجواب: أن يُقال هذا ما غلب على ظنه من نزولها وليس بالضرورة أن يكون هو الصواب.
أو يُقال: قوله (فنزلت) أن حكم تلك الصورة يتناوله لفظ الآية فعبر عن ذلك بالنزول وهذا مبني على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
* النتيجة:
أن سبب نزول هذه الآية ما جرى للأشعث بن قيس في خصومة له مع يهودي في أرض حين خاف من يمين اليهودي أن تذهب بأرضه فأنزل اللَّه الآية. لصحة سنده، وموافقته لسياق الآيات، وتصريحه بالنزول والله أعلم.
* * * * *
стр. 300
٣١ - قال الله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي وأحمد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم فأرسل إلى قومه: سلوا رسول اللَّه ﷺ هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: إن فلانًا قد ندم، دانه قد أمرنا أن نسألك: هل له من توبة؟ فنزلت: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) إلى (غَفُورٌ رَحِيمٌ) فأرسل إليه فأسلم.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات، وقد ذكر المفسرون هذا الحديث
стр. 301
وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري: (اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، وفيمن نزلت، فقال بعضهم: نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري وكان مسلماً فارتد بعد إسلامه ثم ساق الحديث الذي معنا، وذكر قولاً آخر في نزولها، إلا أن الأخبار بالقول الأول أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن) اهـ بتصرف.
وقال البغوي عن الآية: (فحملها إليه رجل من قومه، وقرأها عليه فقال الحارث: إنك والله فيما علمت لصدوق، وإن رسول الله - جمعّ - لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه) اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور سبب نزول الآيات الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، واحتجاج المفسرين به، وموافقته لسياق الآيات والله أعلم.
* * * * *
стр. 302
٣٢ - قال اللَّه تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد والنَّسَائِي عن ابن مسعود ﵁ قال: أخَّر رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، قال: (أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر اللَّه هذه الساعة غيركم) قال: وأُنزل هؤلاء الآيات: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) حتى بلغ: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية، وقد أورد بعض المفسرين هذا الحديث
стр. 303
عند تفسير الآية لكنهم لم يعتمدوه سببًا لنزولها، وخالفوا ابن مسعود ﵁ الذي يرى أن معنى الآية: ليس أهل الكتاب، وأُمة محمد القائمة بحق اللَّه سواء عند اللَّه.
فقال الطبري: (ليس فريقاً أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر سواء، يعني بذلك أنهم غير متساوين وليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد، والخير والشر، وإنما قيل: ليسوا سواءً، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب الذَين ذكرهما اللَّه بقوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة، فقال: ((لَيْسُوا سَوَاءً) أي ليس هؤلاء سواء المؤمنون منهم والكافرون، ثم ابتدأ الخبر عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم بعدما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع ونخب الجنان، ومحالفة الذل والصغار وملازمة الفاقة والمسكنة وتحمل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة) اهـ.
وقال ابن العربي: (وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب وعليه يدل ظاهر القرآن، ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر) اهـ.
وقال ابن عطية: (لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب، عقّب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه) اهـ.
وقال ابن كثير بعد أن ساق حديث ابن مسعود ﵁: (والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد اللَّه بن
стр. 304
سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعيه وغيرهم) اهـ.
وقال ابن عاشور: (استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمهم، تأكيداً لما أفاده قوله: (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) فالضمير في قوله: (لَيْسُوا) لأهل الكتاب المتحدث عنهم آنفاً وهم اليهود) اهـ.
ومن خلال ما تقدم من نصوص العلماء في تفسير الآية المذكورة يتبين أنه ليس بين الآية المذكورة والحديث الذي سيقت فيه أيُّ ارتباط وعلى هذا فليست القصة المذكورة هي سبب نزول الآية واللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن الحديث الذي سيقت في ثناياه الآية ليس هو سبب نزولها لضعف سنده، ومخالفته لسياق القرآن وأقوال المفسرين، فلعل لها سبباً آخر لم يخرجه أصحاب الكتب التسعة.
* * * * *
стр. 305
٣٣ - قال الله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: فينا نزلت: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سَلِمة، وما نحب - وقال سفيانُ مرةً: وما يسرني - أنها لم تنزل، لقول الله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد المفسرون هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية وابن كثير وابن عاشور.
قال البغوي: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا) أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلاً، فلما بلغوا الشوط انخذل عبد اللَّه بن
стр. 306
أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم باللَّه في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد اللَّه بن أبي، فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكَّرهم اللَّه عظيم نعمته فقال : (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، ناصرهما وحافظهما) اهـ.
وقال القرطبي: (والهم من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أُبيّ بمن معه من المنافقين فحفظ اللَّه قلوبهم فلم يرجعوا فذلك قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) يعني حافظ قلوبهما عن تحقيق هذا الهم) اهـ.
وقال ابن عاشور: (وهمت بنو سلمة وبنو حارثة من المسلمين بالانخزال ثم عصمهم الله، فذلك قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) أي ناصرهما على ذلك الهم الشيطاني الذي لو صار عزمًا لكان سبب شقائهما فلعناية اللَّه بهما برأهما اللَّه من فعل ما همَّتا به) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما جرى لبني حارثة وبني سلمة من الهم في الانصراف عن رسول اللَّه ﷺ وترك الجهاد معه في غزوة أحد لما انصرف رأس المنافقين بثلث الجيش مغاضبًا رسول اللَّه ﷺ لأنه لم يأخذ برأيه ومشورته في البقاء في المدينة وترك الخروج إلى أحد. لصحة سنده وتصريحه بالنزول، واحتجاج المفسرين به، وموافقته للفظ الآية واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 307
٣٤ - قال الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يوم أُحد كسرت رباعية رسول اللَّه ﷺ وشُجَّ في وجهه، قال: فجعل الدم يسيل على وجهه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم، وهو يدعوهم إلى اللَّه؟). قال: فأنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
٢ - أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلانًا وفلاناً وفلانًا) بعد ما يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) فأنزل اللَّه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)
стр. 308
إلى قوله (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
وفي لفظ لأحمد والنَّسَائِي عنه ﵁ قال: ثم قال: (اللهم العن فلاناً وفلانًا) دعا على ناسٍ من المنافقين فأنزل اللَّه تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... ). وفي لفظ لأحمد عنه ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (اللهم العن فلاناً، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية) قال: فنزلت هذه الآية: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... ). قال: فتيب عليهم كُلِّهم.
وأخرجه البخاري معلقاً عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد اللَّه يقول: كان رسول اللَّه ﷺ يدعو على صفوان بن أُمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام. فنزلت: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
стр. 309
٣ - أخرج البخاري وأحمد والدارمي ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال: إذا قال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد: (اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف) يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: (اللهم العن فلانًا وفلانًا) لأحياءٍ من العرب، حتى أنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).
ولفظ مسلم عنه ﵁ قال: (اللهم العن لحيان ورِعْلاً وذكوان وعُصَيَّةَ عصت الله ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ
стр. 310
الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد ذكر المفسرون هذه الأحاديث في سبب نزولها لكنهم لم يخلصوا فيها إلى سبب معين يركن إليه ويعتمد عليه، ومن هؤلاء الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور، ومن المعلوم قطعاً أنه لا يمكن القول بأن هذه الأحاديث جميعاً سبب لنزول الآية الكريمة وحينئذٍ لا بد من النظر فيما يمكن اعتباره سبباً لنزولها فأقول مستعيناً باللَّه تعالى:
حديث أبي هريرة ﵁ في الدعاء على القبائل المذكورة ليس سبباً للنزول لما يلي:
١ - أن الآية نزلت في سياق الحديث عن قصة أحد - كما ذكره ابن القيم، وابن حجر - رحمة اللَّه عليهما، وقصة رعل، ولحيان، وذكوان، وعصيَّة كانت لما قُتل القراء في بئر معونة، وذلك في صفر من السنة الرابعة فكيف يتقدم النزول على السبب؟.
٢ - أن النبي ﷺ ترك الدعاء عليهم لما جاؤوا تائبين مسلمين وليس لأن الآية نزلت ناهيةً عن الدعاء عليهم.
٣ - أن ذكر النزول بسبب هذه القضية لم يثبت من حيث الإسناد وقد
стр. 311
تقدم شيء من هذا عند الكلام على رواية مسلم ومع هذا فقد قال ابن حجر معقباً على رواية البخاري: (ثم ظهر لي علة الخبر وأن فيه إدراجاً، وأن قوله: حتى أنزل الله، منقطع من رواية الزهري عمن بلّغه، بيّن ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال هنا يعني الزهري ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته) اهـ - يعني الانقطاع -.
وبما تقدم يتبين أن ذكر نزول الآية عند الدعاء على هؤلاء الأحياء من العرب لم يصح سنداً ومتناً وإن كان الدعاء عليهم ثابتًا في الصحيح والعلم عند الله تعالى.
وأما حديث ابن عمر ﵄ في دعاء النبي ﷺ على ناسٍ من المنافقين فأنزل اللَّه الآية. فقد تقدم بيان شذوذها من جهة الإسناد، وهي كذلك شاذة من جهة المتن إذ كان رسول اللَّه ﷺ يعامل المنافقين كما يعامل أصحابه المؤمنين لأنهم أصحاب في الظاهر ويشهد لذلك ما روى البخاري عن جابر ﵁ قال: كنا في غزاةٍ فذكر الحديث ... إلى أن قال عبد اللَّه بن أبي: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ، فبلغ النبي ﷺ فقام عمر، فقال: يا رسول اللَّه دعني أضربْ عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه). فانظر كيف عدهم أصحابًا فقد كانوا يصحبونه في الظاهر، وأمر سرائرهم إلى الله وحده فلماذا الدعاء عليهم؟.
أما حديث ابن عمر ﵄ في تسمية النفر الثلاثة من قريش عند الدعاء عليهم فلم يصح في حديث مرفوع كما تقدم بحث ذلك، وإنما الذي صح هو الدعاء على أُناس مبهمين فأنزل اللَّه الآية.
وحينئذٍ ينحسر النظر في حديث أنس في قصة أحد والنبي ﷺ يمسح الدم عن وجهه ويقول: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم) وحديث ابن عمر ﵄ في دعاء النبي ﷺ بعد الركوع فما الجواب عن هذين السببين؟.
стр. 312
الطبري ذهب إلى صلة الآية بما قبلها فقال: (يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء، فقوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) منصوب عطفاً على قوله: (أَوْ يَكْبِتَهُمْ). اهـ.
ثم ساق حديث أنس وذكر من القائلين به ابن عبَّاسٍ، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس.
وما ذُكر يشير إلى اختياره لحديث أنس ﵁ في سبب نزولها.
وقال السعدي: (لما أُصيب ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته وشج في رأسه جعل يقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية وبيّن أن الأمر كله للَّه، وأن الرسول ﷺ ليس له من الأمر شيء؛ لأنه عبد من عبيد اللَّه، والجميع تحت عبودية ربهم مدبَّرون لا مدبرون.
وهؤلاء الذين دعوت عليهم أيها الرسول، أو استبعدت فلاحهم وهدايتهم إن شاء اللَّه تاب عليهم، ووفقهم للدخول في الإسلام، وقد فعل فإن أكثر أولئك هداهم اللَّه فأسلموا.
وإن شاء اللَّه عذبهم فإنهم ظالمون، مستحقون لعقوبات اللَّه وعذابه) اهـ.
فالسعدي ﵀ وإن كان قدم حديث أنس، إلا أنه أشار إلى حديث ابن عمر في قوله: وهؤلاء الذين دعوت عليهم أيها الرسول. فإن حديث أنس خلا من الدعاء على أحد.
أما الطاهر بن عاشور فرد حديث أنس بأن النبي ﷺ لم يدّع لنفسه شيئاً أو عملاً حتى يقال: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).
وردَّ حديث ابن عمر بحديث ورد فيه قولُه: (إني لم أبعث لعاناً) ولم يعزه وبما ثبت من خُلُقه ﷺ أنه كان لا ينتقم لنفسه.
стр. 313
أما ابن حجر فمرةً قال: (والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد والله أعلم، ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بقتلهم (أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أي يخزيهم، ثم قال: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي فيسلموا (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أي إن ماتوا كفاراً) اهـ.
ومرةً جمع بينهما فقال: (وطريق الجمع بينه - أي حديث أنس - وبين حديث ابن عمر أنه ﷺ دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فنزلت الآية في الأمرين معاً، فيمًا وقع له من الأمر المذكور، وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم وذلك كله في أحد) اهـ.
وعندي - والله أعلم - أن حديث أنس بن مالك ﵁ أسعد بنزول الآية لما يلي:
١ - أن العلماء - فيما أعلم - متفقون على أن الآية نزلت في قصة أحد، وهذا ما جاء نصاً في حديث أنس، بخلاف حديث ابن عمر الذي خلا من هذا.
٢ - أن السبب معلوم في قول النبي ﷺ : (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم) لأنهم كسروا رباعيته، وشجوا وجهه، بينما السبب في لعنه لهؤلاء النفر غير معلوم، إذ يحتمل أن لعنهم كان في أحد ويحتمل أنه في غيرها، ولا يوجد ما يُعيّن ذلك.
وقول ابن حجر: (أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد) غير مسلَّم فأين الدليل على ذلك؟ ثم ما صلة هؤلاء النفر على وجه الخصوص بأحد؟ تعيينهم بالأسماء لم يثبت كما تقدم. ولو فرضنا جدلاً ثبوته لقلنا ألم يكن في المشركين من هو أنكى على المسلمين من هؤلاء النفر كخالد بن الوليد مثلاً فلماذا ترك الدعاء عليه إذا كان للدعاء علاقة بأحد؟
٣ - أن النبي ﷺ في لعنه لهؤلاء النفر لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يلعنهم بإذن اللَّه له، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعاتبه الله على ذلك بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) مع أنه قد أذن له فيه.
стр. 314
الثانية: أن يلعنهم اجتهادًا من نفسه، وعليه فكيف نجمع بين هذا وبين ما ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، قال: (وعليكم) فقالت عائشة: السام عليكم، ولعنكم اللَّه، وغضب عليكم، فقال رسول الله ﷺ : (مهلاً يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف أو الفحش ... الحديث).
فالنبي ﷺ هنا نهى عائشة، وأخبر أن فعلها من العنف أو الفحش الذي ينافي الرفق، مع أن اليهود هم أول من بدأ بالسوء، والله قد لعنهم وغضب عليهم في كتابه.
أفيمكن بعد هذا أن يفعل رسول الله ﷺ في صلاته، وهو يناجي ربه، ما ينهى عنه عائشة ﵂ وهو أتقى الناس لله وأخشاهم له؟
فلم يبق إلا أن لعنه لهؤلاء كان بأمر إلهي يستحق عليه الثناء، لا التوبيخ والعتاب.
٤ - أن المستقر من سيرة رسول اللَّه ﷺ وحاله مع الناس أنه لا ينتقم لنفسه كما روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تُنتهك حرمةُ الله فينتقم للَّه بها.
ولو كان لِلعنه صلة بأُحد لكان انتقاماً لنفسه لأن أبلغ ما فعله المشركون بأحد إصابتهم إياه، ولهذا استبعد فلاحهم بقوله: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى اللَّه). ومعلوم أن الدعاء على أحدٍ بسبب مع إهمال سببٍ أبلغَ منه ينافي حكمة العقلاء، فكيف بحكمة سيد الثقلين؟.
فإن قيل: ما الجواب عن حديث ابن عمر ﵄؟
стр. 315
فالجواب: أن حديث ابن عمر ثابت في دعاء النبي ﷺ على هؤلاء المبهمين، لكن ليس للدعاء صلة بغزوة أحد، بل في مناسبة أخرى، كما دعا على بعض أَحياء العرب من رعل، وذكوان، ولحيان، وعصيّة لما قتلوا القراء، وأن دعاءه إنما كان بإذن ربه.
وذِكرُ آية آل عمران في القصة لا تدل على نزولها في أُحدٍ وإنما تدل على اجتهاد ابن عمر وظنه أنها نزلت في أحد وليس الأمر كذلك واللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة قول رسول اللَّه ﷺ لما أُصيب في أُحد: كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى اللَّه، لصحة سنده، وتصريحه بالنزول وتحديداً في غزوة أحد، وموافقته للفظ الآية ومناسبته لحال رسول الله ﷺ واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 316
٣٥ - قال اللَّه تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: نزلت هذه الآية (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال بعض الناس لعل رسول اللَّه ﷺ أخذها، فأنزل اللَّه : ((وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) إلى آخر الآية.
стр. 317
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسير الآية منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور، لكن منهم من تعقّبه كالطبري وابن عاشور ومنهم من سكت عنه وهم الباقون.
وقد قال الطبري معقباً: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء ولا يكون نبياً من غلَّ، وإنما اخترنا ذلك لأن الله أوعد عقيب قوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أهلَ الغلول، فقال: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ) الآية والتي بعدها، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله ﷺ أن يتهموا رسول الله ﷺ بالغلول لعقّب ذلك بالوعيد على التهمة وسوء الظن برسول الله ﷺ ، لا بالوعيد على الغلول، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بيّن، أنه إنما عرّف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم؛ لأن ذلك جرم عظيم والأنبياء لا تأتي مثله).
وقد أجاد وأفاد الطاهر بن عاشور حين أشار إلى أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية إذ كيف تفقد القطيفة يوم بدر ولا تنزل الآية لأجل هذا إلا يوم أحد مع أن بين الغزوتين سنة وشهراً إذ كانت بدر في رمضان من السنة الثانية، وأحد في شوال من الثالثة، والآية إنما جاءت في سياق الحديث عن غزوة أحد، فهل يمكن أن يتأخر الجواب عن الحدث هذه المدة؟ هذا ما لم يقع والعلم عند اللَّه تعالى.
فإن قال قائل: إن فقد القطيفة إنما كان يوم أحد فنزلت الآية جواباً لهذا.
стр. 318
فالجواب: أن هذا لا يستقيم أيضاً لأن غزوة أحد لم يقع فيها غلول ولم يكن للمسلمين فيها غنيمة. اهـ بتصرف.
وهذا القول هو الراجح ويعضده من جهة السند أنه مضطرب، فهاتان علتان في المتن والإسناد.
* النتيجة:
أن هذا الحديث المذكور لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية الكريمة لما تقدم فإما أن تكون الآية لم تنزل على سبب أصلاً، أو كان لها سبب لا يندرج ضمن نطاق البحث فالله أعلم.
* * * * *
стр. 319
٣٦ - قال الله تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر قال: نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيِّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبلة، ثم مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: (اللهم أين ما وعدتني؟ اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً) قال: فما زال يستغيث ربه ، ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فردَّاه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي اللَّه، كذاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك وأنزل الله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ).
فلما كان يومئذٍ والتقوا فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً وأُسر منهم سبعون رجلاً فاستشار رسول اللَّه ﷺ أبا بكر وعلياً وعمر فقال أبو بكر: يا نبي اللَّه، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عَضُداً، فقال رسول اللّّه ﷺ : (ما ترى يا ابن
стр. 320
الخطاب؟) قال: قلت: واللَّه ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلانٍ - قريباً لعمر - فأضربَ عنقه وتمكّن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلانٍ، أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم اللَّه أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت فأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد، قال عمر: غدوت إلى النبي ﷺ فإذا هو قاعد وأبو بكر وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول اللَّه، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبَك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما، قال: فقال النبي ﷺ : (الذي عرض عليَّ أصحابك من الفداء، لقد عُرِض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة) - لشجرة قريبة - وأنزل اللَّه : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إلى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) من الفداء ثم أحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسأل الدم على وجهه وأنزل اللَّه تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بأخذكم الفداء.
следующие страницы →