Полный текст (1 008 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حرص المسلمين على الصلاة قالوا: هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غِرّة فأنبأ اللَّه بذلك نبيه ﷺ ونزلت الآية) اهـ.
والحديث كما تبين من دراسة إسناده معلول بعلتين:
الأولى: الانقطاع بين مجاهد وأبي عياش، الثانية: إعلاله بالإرسال فمن نظر إلى هاتين العلتين جزم بضعفه، ومن نظر إلى تصحيح الحديث من قِبَل بعض الأئمة الكبار واشتهاره عند أئمة التفسير ورواة الأخبار والسير كاد يجزم بأنه صحيح.
والظاهر - واللَّه أعلم - أن الحديث من مراسيل مجاهد ولا يمنع هذا أن يكون للحديث أصلاً إذا علمنا أن مجاهداً ممن قرأ التفسير على ابن عباس ﵄ ووقفه عند كل آية، مع ما يحتف بهذا من تصحيح الأئمة الكبار له واشتهاره عند المفسرين وأهل السير.
* النتيجة:
أن الحديث سبب نزول الآية الكريمة وإن كان من مراسيل مجاهد لكنه يعتضد بإمامته في التفسير وتلقيه عن ابن عبَّاسٍ وموافقته لسياق القرآن واشتهاره عند المفسرين وأهل السير والمغازي، مع تصحيح بعض الأئمة الكبار له مما يشعر أن للحديث أصلاً، واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 422
٦٥ - قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي عن قتادة بن النعمان ﵁ قال: كان أهل بيت منا يُقال لهم: بنو أُبيرقٍ بشر وبُشير ومبشر، وكان بُشير رجلاً منافقاً يقول
стр. 423
الشعر، يهجو به أصحاب رسول اللَّه ﷺ ثم ينحله بعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قال: وكانوا أهل بيتِ حاجةٍ وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافِطَة من الشام من الدرمك، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضَافِطَة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حِمْلاً من الدرمك فجعله في مَشْرُبَة له، وفي المشربة سلاح، درع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنُقِّبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي إنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذُهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نُرى فيما نُرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أُبيرق قالوا:
стр. 424
ونحن نسأل في الدار، والله ما نُرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟ فواللَّه ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهلُ جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مَشْرُبَةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي ﷺ : (سآمر في ذلك) فلما سمع بنو أُبيرق أتوا رجلاً منهم يُقال له أُسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بيِّنة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فكلمته، فقال: (عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه) قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أُكلم رسول اللَّه ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللَّه ﷺ فقال: الله المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) بني أُبيرق (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي مما قلت لقتادة: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا). (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا
стр. 425
أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) إلى قوله (غَفورًا رَّحِيمًا) أي: لو استغمْروا اللَّه لغفر لهم: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) إلى قوله (وَإِثْمًا مُبِينًا) قولهم للبيد: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) إلى قوله (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) فلما نزل القرآن أتى رسول اللَّه ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل اللَّه، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بُشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللَّه: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦). فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت:
стр. 426
أهديت لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير.
стр. 427
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها، وأورده بعضهم بسياق مقارب للمذكور، لكن الجميع اتفقوا على أن نزولها كان في بني أبيرق، كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال ابن العربي: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ .. ) الآية: (هذه الآية نزلت في شأن بني أُبيرق سرقوا طعام رفاعة بن زيد واعتذر عنهم قومهم بأنهم أهل خير فذكره مختصرًا إلى أن قال نهى اللَّه رسوله ﷺ عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة). اهـ.
وقال ابن عطية: (سببها باتفاق من المتأولين أمر بني أُبيرق وكانوا إخوة ... فساق الحديث). اهـ.
وقال القرطبي: (في هذه الآية تشريف للنبي ﷺ وتكريم وتعظيم وتفويض إليه وتقويم أيضًا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أُبيرق). اهـ.
وقال ابن كثير: (وقد ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أُبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة. ثم ساق الحديث) اهـ.
وقال ابن عاشور: (جمهور المفسرين على أن هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها أن إخوة ثلاثة يُقال لهم: بشر وبُشير ومبشر أبناء أُبيرق .. فساق الحديث). اهـ.
هذه أقوال المفسرين في شأن نزول الآيات. وقد تبين من دراسة سند الحديث أنه مرسل، وهو وإن كان ضعيفًا من جهة إسناده لكنه يعتضد بأمرين:
стр. 428
الأول: موافقته للسياق القرآني موافقة تامة، ومن المعلوم أن المطابقة بين سياق الآيات وسبب النزول قرينة تعضد السبب وتقويه.
الثاني: اعتماد المفسرين من السلف والمتأخرين له وتعويلهم عليه مما يدل على أن له أصلاً، ومن البعيد جدًا أن يعتمد المفسرون قديمًا وحديثًا على سبب ليس له أصل.
* النتيجة:
أن السبب المذكور في نزول تلك الآيات معلول بالإرسال ولعله يتأيد بموافقته للسياق القرآني، واعتماد المفسرين عليه في نزول الآيات واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 429
٦٦ - قال الله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة ﵂: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ). قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهن من النساء.
قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول اللَّه ﷺ بعدُ، فأنزل اللَّه : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) قالت: فبين الله في هذه أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها.
стр. 430
٢ - وفي لفظ لمسلم عن عائشة ﵂ في قوله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ).
قالت: أُنزلت في اليتيمة تكون عند الرجل فتشركه في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيشركه في ماله. فيعضلها فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور مع اختلاف بينهم في تفسيرها.
قال الطبري بعد سياق حديث عائشة ﵂ وغيره: (وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معنى قوله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي ما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أول هذه السورة وآخرها.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الصداق ليس مما كتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَل أحد، وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحد لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كتب لها لم يكن لقول قائل عنى بقوله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) الإقساط في صدقات يتامى النساء وجه) اهـ.
وابن العربي لما ساق حديث عائشة قال: (وفي ذلك من الحشو روايات لا فائدة في ذكرها هاهنا، يرجع معناها إلى قول عائشة ﵂) اهـ.
стр. 431
والإشكال الذي يَرِدُ هنا أن يُقال: ما هي الإضافة التي جاءت بها آية النساء الثانية؟ أو قل ما الفرق بين الآيتين؟
فالجواب: ابن كثير ﵀ قال: (والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء فقد وسع اللَّه وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة.
وتارة لا يكون فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر فنهاه الله أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها) اهـ.
وقال السعدي: (قوله: (وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ) هذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها، وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها، أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفًا من استخراجه من يده إن زوّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به، بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبًا عنها.
أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال، ولا يقسط في مهرها بل يعطيها دون ما تستحق) اهـ.
والظاهر والله أعلم أن ما ذكره ابن كثير والسعدي - رحمهما اللَّه - هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، والقول بغيره.
وبيان ذلك أن يقال إن اللَّه تحدث عن نكاح اليتامى من النساء في آيتين من نفس سورة النساء هما قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ .. ) وقوله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ .. ) وبعيدٌ عن بلاغة القرآن وفصاحته أن يكون حديثُ الآيتين عن معنى واحد يتكرر فيهما، فإن هذا نقص في كلام البشر فكيف بكلام الله جلَّ وعلا؟
فإن قيل: الثاني مؤكد للأول، فما الجواب؟
стр. 432
فالجواب أن يقال: إن كلام اللَّه إذا دار بين التوكيد والتأسيس تعين حمله على التأسيس لأنه يحمل معنى زائدًا على مجرد التوكيد.
وعلى هذا يكون حديث الآية الأولى عن الرجل تكون عنده اليتيمة ذات مال وجمال يريد أن يتزوجها بدون أن يقسط في صداقها، ولفظ الآية الأولى يدل على ذلك كما تقدم في أول سورة النساء.
وحديث الآية الثانية في الرجل تكون عنده اليتيمة تشاركه في ماله وليست ذات جمال، فيرغب عن نكاحها، ويكره أن يزوجها غيره لئلا يشاركه في مالها، فيعضلها لأجل ذلك، ولفظ الآية الثانية يدل على ذلك فإن اللَّه قال: (فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ) أي من حقوقهن وأموالهن اللاتي يملكنها ولهذا قال في آخر الآية (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) أي ترغبون عن نكاحهن.
ولفظ مسلم عن عائشة - رعِنها - يدل على هذا الفهم.
وأما قول الطبري: إن ذلك في المواريث، فسياق الآيات لا يسعفه.
وهنا سؤال: قالت عائشة ﵂ ثم استفتى الناس رسول اللَّه ﷺ بعدُ فأنزل اللَّه : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) فعن أيِّ شيء كانوا يستفتون؟ عائشة لم تبين هذا في حديثها، ولعل سبب سكوتها عن السؤال ظهوره في الجواب، فإن السؤال عادةً يظهر في الجواب.
فإذا كان الله قد أجابهم عمن يرغب عن نكاح اليتيمة ولا يؤتيها ما كتب لها، فحتماً كان سؤالهم عن ذلك، لأن اللَّه لما نهاهم عن نكاح من يرغبوا في جمالهن ومالهن بدون أن يقسطوا في صداقهن، فلم يبق إلا السؤال عمن لا يرغب في جمالهن ونكاحهن مع إمساكهن على أموالهن، وهذا ما بينته الآية.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما كان يجري في عهده ﷺ حيث كان بعض الناس يعضل اليتيمة عن النكاح لئلا يُشرك في مالها ويرغب هو عن نكاحها لقلة جمالها فاستفتى بعض الصحابة رسول الله ﷺ في ذلك فأنزل اللَّه الآية، وذلك لصحة السند وصراحة اللفظ وموافقة السياق.
стр. 433
٦٧ - قال الله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا). قالت: الرجل تكون عنده المرأة، ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلِّ فنزلت هذه الآية في ذلك.
ولفظ ابن ماجه: عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها. وولدت منه أولادًا. فأراد أن يستبدل بها فراضته على أن تقيم عنده ولا يقسم لها.
٢ - أخرج أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: يا ابن أُختي كان رسول اللَّه ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى
стр. 434
يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقت أن يفارقها رسول اللَّه ﷺ يا رسول اللَّه، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول اللَّه ﷺ منها. قالت: نقول في ذلك أنزل اللَّه تعالى وفي أشباهها أراه قال: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا).
стр. 435
٣ - وأخرج الترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ).
فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين الأحاديث المتقدمة جميعاً أو بعضها على اختلاف بينهم كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري: (إذا علمت المرأة من زوجها استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أَثَرَة عليها، وارتفاعًا بها عنها، إما لبغضة وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكبرها أو غير ذلك من أمورها فلا جناح على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحاً وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة، وتماسكاً بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق) اهـ.
стр. 436
وقال ابن كثير نحواً من قول الطبري وزاد: (وكذا فسرها ابن عبَّاسٍ وعبيدة السلماني ومجاهد ابن جبر والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتبة وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة ولا أعلم في ذلك خلافاً أن المراد بهذه الآية هذا واللَّه أعلم) اهـ.
وهذا الكلام المتقدم يتفق بحمد اللَّه مع ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ في الحديث الأول، وإذا اجتمع في سبب النزول صحة سنده، وموافقته لسياق الآيات، صحت رئاسته، واستقامت قوامته.
أما ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ وأن الآية نزلت في سودة حين أراد رسول اللَّه ﷺ فراقها فقد تبين من دراسة سنده أنه غير محفوظ.
وأما ما رواه الترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في شأن سودة أيضاً فهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما ثبت عن عائشة ﵂ من قولها الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها ويريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حلِّ. فنزلت الآية وذلك لصحة سنده وموافقته للفظ الآية وتصريحه بالنزول واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 437
٦٨ - قال الله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: مرضت فجاءني رسول اللَّه ﷺ يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فأتاني وقد أغمي عليَّ، فتوضأ رسول اللَّه ﷺ ثم صب وضوءه عليَّ فأفقت، فقلت: يا رسول اللَّه، وربما قال سفيان: فقلت: أي رسولَ اللَّه، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ قال: فما أجابني بشيء حتى نزلت آية الميراث.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وعلى هذا جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
стр. 438
قال البغوي: (نزلت في جابر بن عبد الله ﵄ ثم ساق الحديث) اهـ.
وقال القرطبي: (نزلت بسبب جابر ﵁ ثم ساق الحديث) اهـ.
وقال ابن عاشور: (ثبت في الصحيح أن الذي سأله هو جابر بن عبد الله ﵄ ثم ساق الحديث إلى قوله: فنزل قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) اهـ.
وهذا الحديث المذكور هو الصحيح في نزول آية الكلالة بخلاف قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ .. ) فإن هذه الآية لا تتفق مع حديث جابر وإن قال بهذا بعض أهل العلم؛ لأن الآية المذكورة في أول السورة إنما هي في الإخوة لأم دون الأشقاء، وآية الكلالة المذكورة في آخر السورة في الإخوة الأشقاء.
وقد روى الطبري عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال في خطبته: (ألا إن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها اللَّه في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم الله بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) مما جرت الرحم من العصبة) اهـ.
ومما يدل على أن الآية الثانية من النساء في الإخوة لأم أن الله سوى بينهم في الميراث فقال: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) وجعل لهم عند الاجتماع رجالاً ونساءًا لثلث بينهم جميعاً فقال: (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ .. ) بينما جعل للشقيقة النصف فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان مما ترك كما أنه فضل ذكرهم على أُنثاهم كالبنات تماماً فقال: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .. ) وبهذا يظهر الفرق بين الكلالتين في أول السورة وآخرها.
стр. 439
ومما يؤكد هذا أنه قد جاء عند الإمام أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال لجابر: (يا جابر إني لا أُراك ميتًا من وجعك هذا، فإن اللَّه قد أنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين .. الحديث).
فلو لم يكنَّ شقيقات لما جعل لهن الثلثين واللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية قصة جابر لصحة سندها، وصراحة لفظها، وموافقتها للفظ الآية، وقواعد الفرائض، واتفاق أكثر المفسرين على ذلك، واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 440
سورة المائدة
стр. 441
سورة المائدة
٦ ٩ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي. فأقام رسول اللَّه ﷺ على التماسه. وأقام الناس معه. وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول اللَّه ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي، قد نام. فقال: حبست رسول اللَّه ﷺ والناس وليسوا على ماء. وليس معهم ماء. قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، فقال: ما شاء اللَّه أن يقول. وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول اللَّه ﷺ على فخذي. فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماءٍ. فأنزل اللَّه ﵎ آية التيمم. فتيمموا. فقال أسيد ابن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
стр. 442
قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته.
وفي لفظ للبخاري: ثم إن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتُمس الماء فلم يوجد، فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ)
فقال أُسيد بن حضير: لقد بارك اللَّه للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةٌ لهم.
وأخرجه البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والنَّسَائِي وابن ماجه بلفظ
стр. 443
مقارب عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول اللَّه ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلَّوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك اللَّه خيراً، فواللَّه ما نزل بك أمر قطُّ إلا جعل اللَّه لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة.
وأخرج الحديث مختصراً أبو داود والنَّسَائِي وابن ماجه عن عمار بن ياسر ﵁.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد اختلف المفسرون في الآية التي نزلت على هذا السبب هل هي آية النساء أو آية المائدة؟
فذهب أكثر المفسرين إلى أن الآية التي في النساء هي التي نزلت على هذا الحديث ومن هؤلاء الطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير والسعدي والطاهر بن عاشور.
ومما يدل على اختيارهم لهذا القول أنهم ساقوا الحديث عند تفسير آية النساء كالطبري وبعضهم بالإضافة إلى ذلك يصرح بنزول آية النساء لهذا الحديث ومن هؤلاء:
стр. 444
البغوي فإنه لما ساق الحديث عند آية النساء قال: (وكان بدء التيمم ما أخبرنا أبو الحسن ... ) إلى أن ذكر حديث عائشة ﵂.
وقال القرطبي في سورة النساء بعد ذكر الروايات: (وهذا كله صحيح المعنى وليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع ما يقدح في الحديث ولا يوهن شيئًا منه لأن المعنى المراد من الحديث والمقصودَ به إليه هو نزول التيمم .. إلى أن قال: فهذا ما جاء في بدء التيمم والسبب فيه). اهـ.
وقال ابن كثير في نفس الموضع: (ذكر سبب نزول مشروعية التيمم وإنما ذكرنا ذلك هاهنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة وبيانه أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل ولا سيما صدرها فناسب أن يذكر السبب هاهنا وباللَّه الثقة) ثم ساق الأحاديث.
وقال السعدي في سورة النساء: (وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة وهو مشروعية التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء، ولله الحمد) اهـ.
وقال ابن عاشور في سورة النساء: (وقد شرع بهذه الآية حكم التيمم، أو قُرر شرعه السابق في سورة المائدة على الأصح) اهـ.
ومراده بالجملة الثانية: أن الله قرّر في سورة المائدة ما شرعه سابقًا في سورة النساء.
ومما يدل على هذا الفهم قوله في سورة المائدة: (إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحص من أن سورة المائدة هي من آخر السور نزولاً، وأنها نزلت في عام حجة الوداع جزمنا بأن هذه نزلت هنا تذكيرًا بنعمة عظيمة من نعم التشريع وهي مِنَّة شرع التيمم عند مشقة التطهر بالماء، فجزمنا بأن هذا الحكم كله مشروع من قبل وإنما ذكر هنا في عداد النعم التي امتن اللَّه بها على المسلمين، فإن الآثار صحت بأن الوضوء والغسل شرعًا مع وجوب الصلاة، وبأن التيمم شُرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ست. وقد تقدم لنا في
стр. 445
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) الخلاف في أن الآية التي نزل فيها شرع التيمم أهي آية سورة النساء أم آية سورة المائدة؟ وذكرنا هنالك أن حديث الموطأ من رواية مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ليس فيه تعيين الآية ولكن سماها آية التيمم، وكذلك اختار الواحدي في أسباب النزول، وذكرنا أن صريح رواية عمرو بن الحارث عن عائشة أن الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ). كما أخرجه البخاري عن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم ولا يساعد مختارنا في تاريخ نزول سورة المائدة، فإن لم يكن ما في حديث البخاري سهواً من أحد رواته غير عبد الرحمن بن القاسم وأبيه، أراد أن يذكر آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) وهي آية النساء، فذكر آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فتعين تأويله حينئذٍ بأن تكون آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) قد نزلت قبل نزول سورة المائدة ثم أُعيد نزولها في سورة المائدة، أو أمر الله أن توضع في هذا الموضع من سورة المائدة، والأرجح عندي: أن يكون ما في حديث البخاري وهما من بعض رواته لأن بين الآيتين مشابهة) اهـ.
هذه أقوال وحجج من اختار أن آية النساء هي الآية التي نزلت أولاً وكان سبب نزودها ضياع عقد عائشة ﵂.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الآية التي في المائدة هي التي نزلت بسبب قصة عائشة ومن هؤلاء ابن العربي. فقد قال لما ساق حديث عائشة مختصراً إلى قولها: فنزلت آية التيمم: (وهي معضلة ما وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم، إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أية آية عنت عائشة.
وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة عند فقد العقد كانت في غزوة المريسيع وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوماً ولا
стр. 446
مفعولاً لهم، فالله أعلم كيف كانت حال من عدم الماء وحانت عليه الصلاة فإحدى الآيتين مبينة والأخرى زائدة عليها وإحداهما سفرية والأخرى حضرية، ولما كان أمراً لا يتعلق به حكم خبأه اللَّه ولم يتيسر بيانه على يدي أحد، ولقد عجبت من البخاري بوّب في كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها التيمم، وأدخل حديث عائشة فقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) وبوّب في سورة المائدة فقال: باب (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) وأدخل حديث عائشة بعينه، وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة.
والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء التي يُذْكَر التيمم فيها في المائدة وهي النازلة في قصة عائشة، وكان الوضوء مفعولاً غير متلو، فكمل ذكره، وعقب بذكر بدله، واستوفيت النواقض فيه، ثم أُعيدت من قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله تعالى: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) حتى تكمل تلك الآية في سورة النساء جاء بأعيان مسائلها كمال هذه، ويتكرر البيان وليس لها نظير في القرآن، والذي يدل على أن آية عائشة هي آية المائدة أن المفسرين بالمدينة اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) يعني من النوم وكان ذلك في قصة عائشة واللَّه أعلم) اهـ.
وقال ابن عطية في سورة النساء: (ثم نزلت (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) إلى آخر الآية بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة المريسيع حين أقام على التماس العقد، هكذا قال الجمهور) اهـ.
وقال في سورة المائدة عند آية الوضوء: (لا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة ﵂ فيها نزلت آية التيمم وهي آية الوضوء لكن من حيث كان الوضوء متقرراً عندهم مستعملاً فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم، وآية النساء إما نزلت معها أو بعدها بيسير، وكانت قصة التيمم في سفر رسول اللَّه ﷺ في غزوة المريسيع، وفيها وقع حديث الإفك). اهـ.
стр. 447
وبعد أن ذكرت أقوال المفسرين في المسألة تفصيلاً سأذكر حجج كل قول باختصار ثم أُناقشها.
فأما القائلون بأن آية النساء نزلت أولاً وكانت مشروعية التيمم بها فحجتهم:
١ - أن آية النساء تقدمت في نزولها على آية المائدة لأنها نزلت قبل أن تحرم الخمر.
٢ - أن المائدة من آخر القرآن نزولاً لا سيما صدرها.
٣ - أن التيمم شرع في غزوة المريسيع.
أما قولهم: إن آية النساء تقدمت في نزولها على آية المائدة، فهذا صحيح لأن آية النساء نهت عن قربان الصلاة حال السكر وفي هذه المرحلة لم يُحرّم الخمر بعد، وإنما حرم الخمر بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)، وكان ذلك بعد غزوة أحد ودليل ذلك ما روى البخاري عن أنس ﵁ قال: كنت ساقيَ القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر منادياً فنادى، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها قال: فجرت في سكك المدينة. قال: وكانت خمرهم يومئذٍ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم قال فأنزل اللَّه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا).
فإن قيل: ما الدليل على أن ذلك كان بعد أحد؟
فالجواب: أمران:
الأول: ما روى البخاري عن جابر ﵁ قال: صَبَّح أُناس غداةَ أُحد
стр. 448
الخمر، فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء. وذلك قبل تحريمها.
الثاني: قول بعض الصحابة في حديث أنس السابق: (قتل قوم وهي في بطونهم) وإنما عنوا بهم شهداء أحد.
وأما قولهم: إن المائدة من آخر القرآن نزولاً لا سيما صدرها فهذا صحيح في الجملة وإلا فمن المائدة ما تقدم نزولها كتحريم الخمر، ورفع الجناح عمن مات وهو يشربها قبل التحريم، فإن هذا نزل بعد أحد.
أما صدرها فقد دلَّ على تأخر نزوله أمران:
الأول: نزول قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ) الآية.
فقد روى البخاري عن عمر ابن الخطاب ﵁ أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤنها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أيُّ آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة.
الثاني: ما روى الشيخان واللفظ للبخاري عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله بال ثم توضأ ومسح على خفيه ثم قام فصلى فسئل فقال: رأيت النبي ﷺ صنع مثل هذا.
قال إبراهيم: فكان يعجبهم لأن جريراً كان من آخر من أسلم.
ولفظ مسلم: لأن إسلام جريرٍ كان بعد نزول المائدة.
وذلك لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن مسح النبي ﷺ كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة فيكون منسوخاً فذكر جرير في حديثه أنه رآه يمسح بعد نزول المائدة.
стр. 449
وجه الدلالة من هذا الحديث على مسألتنا (أي تأخر نزول المائدة) أنه إذا كان يقع الاشتباه إلى هذا الحد بين سبق إسلام جرير ﵁ ونزول المائدة مع أنه من آخر من أسلم كما تقدم حتى لقد جزم الواقدي بأنه وفد على النبي ﷺ سنة عشر في شهر رمضان، وحتى جزم ابن عبد البر وأخطأ أنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بأربعين يوماً، أقول إذا كان يقع الاشتباه إلى هذا الحد؛ فإن هذا يدل على تأخر نزول آية الوضوء كثيراً واللَّه أعلم.
أما قولهم: إن التيمم شرع في غزوة المريسيع فهذا قول مرجوح، وغزوة المريسيع لم يأت للتيمم ذكر فيها كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه ﷺ بعد ما نزل الحجاب، فأنا أُحمل في هودجي، وأُنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذَن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي، وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنتُ ركبت وهم يحسِبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل العُلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل
стр. 450
وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس به دلّ ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليًّ ... الحديث).
فهذا حديث عائشة ﵂ في غزوة المريسيع ليس فيه ذكر للتيمم مطلقاً وليس فيه نزول آيات تتعلق بالتيمم، وإنما الذي أوجب الاشتباه عند العلماء فقد العقد في القصتين فظنوا أنها واحدة وليس الأمر كذلك فبين القصتين فروق من وجوه:
الأول: أن في الحديث الأول فأنزل الله آية التيمم، وليس في الثاني ذكر لذلك.
الثاني: أن في الحديث الأول احتباسهم طلبًا للعقد، وفي الثاني احتباسها وحدها.
الثالث: أن في الحديث الأول شكوى الناس أمرها لأبيها ومعاتبته إياها وليس ذلك في الثاني.
الرابع: أن في الحديث الأول أنهم وجدوا العقد تحت بعيرها الذي كانت عليه، وفي الثاني أنها وجدت عقدها هي بعدما استمر الجيش.
الخامس: أن في الأول أن رسول اللَّه ﷺ أقام على التماس العقد وفي لفظ: أن رسول اللَّه ﷺ أرسل ناساً من أصحابه في طلب القلادة، وفي الثاني لم يشعروا أنهم تركوا عائشة ﵂ فضلاً عن عقدها الذي لم يعلموا به.
السادس: أن الحديث الأول ليس فيه أنها مشت حتى جاوزت الجيش لقضاء شأنها كما في الحديث الثاني، بل كانت مع رسول اللَّه ﷺ واضعاً رأسه على فخذها.
السابع: أن في الحديث الأول أن أُناساً طلبوا القلادة فأدركتهم الصلاة فصلَّوا بغير وضوء وليس ذلك في الحديث الثاني.
стр. 451
الثامن: أن الحديث الثاني ليس فيه ذكر للماء وجوداً أو عدماً بخلاف الحديث الأول. فالفرق بين الحديثين كبير.
فإن قال قائل: هل قال بفقد العقد مرتين أحد من العلماء؟
فالجواب: نعم فابن قيم الجوزية ﵀ لما ذكر حديث نزول آية التيمم في سياق قصة المريسيع قال: (وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة وهو الظاهر ولكن فيها (يعني المريسيع) كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى) اهـ.
ومرادي من نقل كلام ابن القيم ﵀ أن العقد فقد مرتين بغض النظر عن السابق منهما - نزول آية التيمم، أو غزوة المريسيع فأوان الترجيح لم يحن بعد.
وبهذا تم الكلام على حجج المقدمين لسورة النساء في نزول آية التيمم ومناقشتها.
أما القائلون بأن التيمم شرع في آية المائدة فاحتجوا بما يلي:
١ - أن المفسرين بالمدينة اتفقوا على أن المراد بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) يعني من النوم وكان ذلك في قصة عائشة ﵂.
٢ - ويستدل لهم بأن البخاري روى عن عائشة ﵂ فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) فهذا صريح في أن المقصود آية المائدة.
أما قول ابن العربي إن المفسرين بالمدينة اتفقوا على أن المراد بالآية القيام من النوم فهذا مروي عن زيد بن أسلم والسدي.
ولا أدري ماذا يريد ابن العربي بهذا الاتفاق إن أراد أن قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) لا ينصرف إلا إلى حال واحدة، حال القيام من النوم فهذا مشكل، ولا أظنه يقول به، وإن كان لفظه يدل عليه.
وإن أراد أن قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) عام في القيام لها من النوم أو غيره، صار اللفظ محتملاً وعند الاحتمال يسقط الاستدلال.
стр. 452
ثم أيضًا أكثر المفسرين على خلاف قول زيد بن أسلم والسدي، فلماذا الاحتجاج بقولهما على من سواهما، وفي ظني أن الذي ألجأه إلى هذا استشكاله البيّن للمسألة فقد قال عنها:
(وهي معضلة ما وجدت لدائها من دواء عند أحد)، وقوله: (خبأه الله ولم يتيسر بيانه على يدي أحد).
وأما الحجة الثانية وهو ما رواه البخاري عن عائشة فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) فالجواب عنها من وجهين:
الأول: أن هذه الزيادة انفرد بها عمرو بن الحارث وخالف فيها الثقات الأثبات ثم هو وإن كان ثقة إلا أن له مناكير كما ذكر الإمام أحمد. فهذه الزيادة لا يصح نزولها، وقد تقدم بحث الطرق وبيان الوهم عند ذكر الحديث في الحاشية.
الثاني: أن بين الآيتين مشابهة فاحتمال الخطأ في ذكر إحدى الآيتين وارد من جهة الألفاظ ففي سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) وفي المائدة - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) فاتفقت الآيتان في أربعة ألفاظ، واختلفتا في لفظ واحد، مع وجود تشابه وتماثل في حرفي: القاف، والتاء مما يقرب من احتمال الخطأ.
وقد نبّه على هذين الوجهين باختصار ابن عاشور كما تقدم.
وبهذا تم الكلام على من احتج بتقديم آية المائدة في مشروعية التيمم.
وسأذكر خلاصة ما تقدم ليتبين أرجح القولين وأسعدهما بالصواب.
١ - أن آية التيمم في سورة النساء تقدمت في نزولها على آية التيمم في سورة المائدة لأنها نزلت قبل أن تحرم الخمر.
٢ - أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً لا سيما صدرها ومنه آية الوضوء فقد تأخر نزولها كثيراً.
٣ - أن التيمم لم يكن في غزوة المريسيع قط لعدم الدليل الصحيح على ذلك، كيف وقد خالف ذلك الدليل الصحيح.
٤ - أن إحدى روايات البخاري التي فيها التصريح بنزول قوله: (يَا أَيُّهَا
стр. 453
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) قد وقع الوهم في سندها واشتبهت مع غيرها في لفظها.
وبناء على ما تقدم يتبين أن الراجح أن التيمم شرع في آية سورة النساء بسبب فقد أم المؤمنين عائشة ﵂ لعقدها فأقاموا على التماسه جميعًا فلم يجدوه حتى أنزل الله آية التيمم، وكان ذلك قبل غزوة المريسيع بزمن بل قبل تحريم الخمر أيضًا واللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن سبب نزول آية التيمم في سورة النساء فقد عائشة ﵂ لعقدها حين كانت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، وذلك لأن نفس الآية من سورة المائدة تأخر نزولها كثيرًا مع تعدد القرائن الدالة على تقدم سورة النساء في النزول والله أعلم.
* * * * *
стр. 454
٧٠ - قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج النَّسَائِي وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك ﵁ أن نفرًا من عُكْلٍ قدموا على النبي ﷺ فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فقتلوا راعيها، واستاقوها، فبعث النبي ﷺ في طلبهم، قال: فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرطم، وسمَّر أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا فأنزل اللَّه : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
стр. 455
٢ - وأخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عمر ﵄ أن ناساً أغاروا على إبل النبي ﷺ فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمناً، فبعث في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج حين سأله.
٣ - وأخرج أبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ .. ) إلى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
стр. 456
* دراسة السبب:
هكذا جاء في سبب نزول الآية. وقد أورد المفسرون هذه الأحاديث وغيرها في سبب نزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
واختار الطبري بعد سياق الأقوال أن الآية تتحدث عن بني إسرائيل وأن حكمها يتناول أهل الإسلام فقال: (وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك لأن القصص التي قصها اللَّه جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطاً منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق فذكر كلامًا ... إلى أن قال: فتأويلها: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون يقول: لساعون في
стр. 457
الأرض بالفساد، وقاتلوا النفوس بغير نفس، وغير سعي في الأرض بالفساد حربا للَّه ولرسوله فمن فعل ذلك منهم يا محمد فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.
فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده، ومن قولك: إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين؟.
قيل: جاز أن يكون ذلك كذلك؛ لأن حكم من حارب اللَّه ورسوله وسعى في الأرض فسادًا من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة وإن كان داخلاً في حكمها كل ذمي وملي، وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحاً نزولها فيمن نزلت فيه) اهـ.
وقال ابن العربي: (ومن قال إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصواب؛ لأن عكلا وعرينة ارتدوا وقتلوا وأفسدوا، ولكن يبعد لأن الكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقط قبلها وقد قيل للكفار: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) وقال في المحاربين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) وفي الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا ينفى، وفيها قطع اليد والرجل والمرتد لا تقطع له يد ولا رجل فثبت أنها لا يراد بها المشركون ولا المرتدون) اهـ.
وقال ابن عطية: (ويشبه أن تكون نازلة في بني قريظة حين هموا بقتل النبي ﷺ وقال عكرمة والحسن نزلت الآية في المشركين، وفي هذا ضعف لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال). اهـ ثم ذكر من قال إنها نزلت في عكل وعرينة.
وقال القرطبي: (اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين ثم ساق الحديث.
стр. 458
ونقل قول من قال: إنها نزلت في المشركين، وقال: وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وقوله ﵊: (الإسلام يهدم ما قبله) أخرجه مسلم، والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله جل ثناؤه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام) اهـ.
وقال ابن كثير: (والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات) اهـ.
وقال ابن عاشور: (نزلت هذه الآية في شأن حكم النبي ﷺ في العرنيين وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التفسير وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيين) اهـ.
وسأذكر حجج المفسرين وأقوالهم باختصار ثم أتحول إلى مناقشتها.
الأول: قول الطبري ومن تبعه أن الآية نزلت في اليهود لأن سياق الآيات قبل الآية وبعدها تتحدث عن بني إسرائيل.
الثاني: أن الآية نزلت في المشركين، وحجتهم حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عند أبي داود والنَّسَائِي قال: نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
الثالث: أنها نزلت في العرنيين لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك - هكذا قال القرطبي وأضافه إلى الجمهور -.
الرابع: أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، قال هذا مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
стр. 459
أما قول الطبري: إن الآية نزلت في اليهود، فقد قال ابن العربي معقباً على هذا القول: (وهذا ما لم يصح فإنه لم يبلغنا أن أحدًا من اليهود حارب ولا أنه جوزي بهذا الجزاء) اهـ.
وعندي - والله أعلم - أن احتجاج الطبري بالسياق ليس بظاهر لأن الآيات تتحدث عن الفساد في الأرض عموماً ابتداء بابني آدم حيث قتل أحدهما أخاه، ثم ذكر بني إسرائيل وفسادهم ثم حذرنا من الحرابة والفساد في الأرض، ثم عقب ذلك بعقوبة السرقة وحد القطع فالآيات تتحدث عن الفساد في الأرض انتقالاً من طائفة إلى أخرى ومن أمة إلى أمة ومن نوع إلى نوع حيث بدأ بالقتل وختم بالسرقة.
وأما القول بأن الآية نزلت في المشركين فإسناده حسن إلى ابن عباس ﵄ لكن يعكر عليه أمور:
أولاً: قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) قال القرطبي: (وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم) اهـ.
وأقول: هذا الإجماع الذي ذكره القرطبي في الإسلام بعد القدرة، فكيف قال ابن عبَّاسٍ ﵄: (فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه) هذا خلاف الآية ابتداء وانتهاء. وإذا كان الإجماع منعقدا على قبول التوبة بعد القدرة فقبلها من باب أولى.
ثانياً: قول النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما قبله) وهذا قاله رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص عند البيعة حين أراد اشتراط مغفرة ما سلف مع أن عمراً لا يرتاب أحد أنه قد نال من المسلمين كثيرًا قبل إسلامه، ومع هذا فقد أُخبر بأن الإسلام يهدم ما كان قبله، ولم يطالب بضمان ما أتلف من الدماء والأموال قبل ذلك.
ثالثاً: ثبت في الصحيح عن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحُرُقات من جهينة فأدركت رجلاً
стр. 460
فقال: لا إله إلا اللَّه فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (أقال لا إله إلا اللَّه وقتلته) قال: قلت: يا رسول اللَّه إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا).
الشاهد من الحديث: أن الرجل أسلم بعد القدرة عليه ولما قتله أُسامة عوتب على ذلك عتابًا شديداً.
فالحديثان المتقدمان والآية قبلهما نصوص ثابتة في أن توبة الكافر مقبولة سواء أكان ذلك قبل القدرة عليه أم بعدها، وهذا لا يتفق مع قوله تعالى في سياق آية الحرابة (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فإن المفهوم من الآية، والمستقر عند العلماء أن التوبة بعد القدرة لا تغير من الأمر شيئاً.
قال السعدي: (ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب - بعد القدرة عليه - أنها لا تسقط عنه شيئاً) اهـ.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال: إن آية الحرابة نزلت في المشركين مع ما بينهما من الفروق.
رابعاً: أني مع قصوري وتقصيري لا أعلم أن النبي ﷺ فعل هذه العقوبة، وأنزل هذا الجزاء بأحد من المشركين الأصليين، بل كان ﵊ حين تقتضي المصلحة قتلهم لا يتجاوز القتل المعتاد.
أما القول بأن الآية نزلت في العرنيين لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، فإنه قد تبين من دراسة أسانيد هذه الأحاديث أن ذكر نزول الآية فيها وهم، وبناءً على هذا فلا دليل حينئذٍ على أن الآية نازلةٌ بسببهم، وإذا كان الأمر دائراً بين وجود السبب وعدمه فالأصل العدم حتى يقوم دليل صحيح صريح على ذلك.
فلم يبق إلا القول الرابع وأنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد وهذا هو الصحيح.
следующие страницы →