Полный текст (1 008 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
* دراسة السبب:
هكذا جاء في سبب نزول الآية. وقد أورد المفسرون هذه الأحاديث وغيرها في سبب نزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
واختار الطبري بعد سياق الأقوال أن الآية تتحدث عن بني إسرائيل وأن حكمها يتناول أهل الإسلام فقال: (وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك لأن القصص التي قصها اللَّه جل وعز قبل هذه الآية وبعدها من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطاً منه يعرف الحكم فيهم وفي نظرائهم أولى وأحق فذكر كلامًا ... إلى أن قال: فتأويلها: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو سعى بفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون يقول: لساعون في
стр. 457
الأرض بالفساد، وقاتلوا النفوس بغير نفس، وغير سعي في الأرض بالفساد حربا للَّه ولرسوله فمن فعل ذلك منهم يا محمد فإنما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.
فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت في الحال التي ذكرت من حال نقض كافر من بني إسرائيل عهده، ومن قولك: إن حكم هذه الآية حكم من الله في أهل الإسلام دون أهل الحرب من المشركين؟.
قيل: جاز أن يكون ذلك كذلك؛ لأن حكم من حارب اللَّه ورسوله وسعى في الأرض فسادًا من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنوا بالآية كانوا أهل عهد وذمة وإن كان داخلاً في حكمها كل ذمي وملي، وليس يبطل بدخول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحاً نزولها فيمن نزلت فيه) اهـ.
وقال ابن العربي: (ومن قال إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصواب؛ لأن عكلا وعرينة ارتدوا وقتلوا وأفسدوا، ولكن يبعد لأن الكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة كما يسقط قبلها وقد قيل للكفار: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) وقال في المحاربين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) وفي الآية النفي لمن لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا ينفى، وفيها قطع اليد والرجل والمرتد لا تقطع له يد ولا رجل فثبت أنها لا يراد بها المشركون ولا المرتدون) اهـ.
وقال ابن عطية: (ويشبه أن تكون نازلة في بني قريظة حين هموا بقتل النبي ﷺ وقال عكرمة والحسن نزلت الآية في المشركين، وفي هذا ضعف لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال). اهـ ثم ذكر من قال إنها نزلت في عكل وعرينة.
وقال القرطبي: (اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فالذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين ثم ساق الحديث.
стр. 458
ونقل قول من قال: إنها نزلت في المشركين، وقال: وهذا ضعيف يرده قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، وقوله ﵊: (الإسلام يهدم ما قبله) أخرجه مسلم، والصحيح الأول لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: الآية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد. قال ابن المنذر: قول مالك صحيح، قال أبو ثور محتجاً لهذا القول: وفي الآية دليل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، وهو قوله جل ثناؤه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام) اهـ.
وقال ابن كثير: (والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات) اهـ.
وقال ابن عاشور: (نزلت هذه الآية في شأن حكم النبي ﷺ في العرنيين وبه يشعر صنيع البخاري إذ ترجم بهذه الآية من كتاب التفسير وأخرج عقبه حديث أنس بن مالك في العرنيين) اهـ.
وسأذكر حجج المفسرين وأقوالهم باختصار ثم أتحول إلى مناقشتها.
الأول: قول الطبري ومن تبعه أن الآية نزلت في اليهود لأن سياق الآيات قبل الآية وبعدها تتحدث عن بني إسرائيل.
الثاني: أن الآية نزلت في المشركين، وحجتهم حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عند أبي داود والنَّسَائِي قال: نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
الثالث: أنها نزلت في العرنيين لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك - هكذا قال القرطبي وأضافه إلى الجمهور -.
الرابع: أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد، قال هذا مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
стр. 459
أما قول الطبري: إن الآية نزلت في اليهود، فقد قال ابن العربي معقباً على هذا القول: (وهذا ما لم يصح فإنه لم يبلغنا أن أحدًا من اليهود حارب ولا أنه جوزي بهذا الجزاء) اهـ.
وعندي - والله أعلم - أن احتجاج الطبري بالسياق ليس بظاهر لأن الآيات تتحدث عن الفساد في الأرض عموماً ابتداء بابني آدم حيث قتل أحدهما أخاه، ثم ذكر بني إسرائيل وفسادهم ثم حذرنا من الحرابة والفساد في الأرض، ثم عقب ذلك بعقوبة السرقة وحد القطع فالآيات تتحدث عن الفساد في الأرض انتقالاً من طائفة إلى أخرى ومن أمة إلى أمة ومن نوع إلى نوع حيث بدأ بالقتل وختم بالسرقة.
وأما القول بأن الآية نزلت في المشركين فإسناده حسن إلى ابن عباس ﵄ لكن يعكر عليه أمور:
أولاً: قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) قال القرطبي: (وقد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم) اهـ.
وأقول: هذا الإجماع الذي ذكره القرطبي في الإسلام بعد القدرة، فكيف قال ابن عبَّاسٍ ﵄: (فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه) هذا خلاف الآية ابتداء وانتهاء. وإذا كان الإجماع منعقدا على قبول التوبة بعد القدرة فقبلها من باب أولى.
ثانياً: قول النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما قبله) وهذا قاله رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص عند البيعة حين أراد اشتراط مغفرة ما سلف مع أن عمراً لا يرتاب أحد أنه قد نال من المسلمين كثيرًا قبل إسلامه، ومع هذا فقد أُخبر بأن الإسلام يهدم ما كان قبله، ولم يطالب بضمان ما أتلف من الدماء والأموال قبل ذلك.
ثالثاً: ثبت في الصحيح عن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحُرُقات من جهينة فأدركت رجلاً
стр. 460
فقال: لا إله إلا اللَّه فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (أقال لا إله إلا اللَّه وقتلته) قال: قلت: يا رسول اللَّه إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا).
الشاهد من الحديث: أن الرجل أسلم بعد القدرة عليه ولما قتله أُسامة عوتب على ذلك عتابًا شديداً.
فالحديثان المتقدمان والآية قبلهما نصوص ثابتة في أن توبة الكافر مقبولة سواء أكان ذلك قبل القدرة عليه أم بعدها، وهذا لا يتفق مع قوله تعالى في سياق آية الحرابة (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فإن المفهوم من الآية، والمستقر عند العلماء أن التوبة بعد القدرة لا تغير من الأمر شيئاً.
قال السعدي: (ودل مفهوم الآية على أن توبة المحارب - بعد القدرة عليه - أنها لا تسقط عنه شيئاً) اهـ.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال: إن آية الحرابة نزلت في المشركين مع ما بينهما من الفروق.
رابعاً: أني مع قصوري وتقصيري لا أعلم أن النبي ﷺ فعل هذه العقوبة، وأنزل هذا الجزاء بأحد من المشركين الأصليين، بل كان ﵊ حين تقتضي المصلحة قتلهم لا يتجاوز القتل المعتاد.
أما القول بأن الآية نزلت في العرنيين لنصوص الأحاديث الثابتة في ذلك، فإنه قد تبين من دراسة أسانيد هذه الأحاديث أن ذكر نزول الآية فيها وهم، وبناءً على هذا فلا دليل حينئذٍ على أن الآية نازلةٌ بسببهم، وإذا كان الأمر دائراً بين وجود السبب وعدمه فالأصل العدم حتى يقوم دليل صحيح صريح على ذلك.
فلم يبق إلا القول الرابع وأنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الأرض بالفساد وهذا هو الصحيح.
стр. 461
قال ابن أبي عمر: (وهذه الآية في قول ابن عبَّاسٍ وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي) اهـ.
وليس المراد بقولنا: نزلت أن لها سببًا نزلت عليه، بل المراد أن لفظها يتناول أحكام قطاع الطريق، وإلا فالزمن بعيد بين قصة العرنيين حيث دارت أقوال العلماء حولها في سنة ست، وبين نزول سورة المائدة الذي تأخر كثيرًا. والله أعلم.
* النتيجة:
أن حديث العرنيين المذكور ليس سببًا لنزول الآية حيث لم يثبت من جهة الإسناد ذكر النزول، مع ما بين القصة، ونزول آية المائدة من الزمن الطويل واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 462
٧١ - قال اللَّه تعالى: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها - يعني أهلها -، فقال رسول الله ﷺ : (اقطعوا يدها)، فقالوا: نحن نفديها بخمس مائة دينار، قال: (اقطعوا يدها) قال: فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللَّه؟ قال: (نعم، أنت اليوم من خطيئتك كيومَ ولدتك أُمك) فأنزل الله في سورة المائدة: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ) إلى آخر الآية.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد الطبري وابن كثير هذا الحديث عند تفسيرها ولم يتعقباه بشيء.
стр. 463
والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ضعيف فلا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية الكريمة، ولعل هذا هو السبب في إعراض أكثر المفسرين عنه عند تفسيرهم لهذه الآية.
ومن الممكن أن يكون بعض الرواة ذكر الآية استدلالاً بها على قبول توبة السارق من بعد ظلمه، ولم يُرِد النزول الاصطلاحي عند العلماء بدليل أنه اقتصر على ذكر التوبة دون السبب المؤدي إليها وهو السرقة، ولو كان المراد النزول المعهود لقال: فأنزل الله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ... ) إلى قوله: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ).
* النتيجة:
أن هذه الآية لم تنزل بسبب هذه المرأة التي سرقت لضعف سند الحديث.
* * * * *
стр. 464
٧٢ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
стр. 465
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن البراء بن عازب ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي مُحمَّماً مجلوداً. فدعاهم ﷺ فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم. فقال: (أنشدك باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول اللَّه ﷺ : (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه). فأمر به فرجم. فأنزل الله : ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إلى قوله: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ). يقول: ائتوا محمداً ﷺ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) في الكفار كلها.
٢ - أخرج أحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: إن اللَّه أنزل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) قال ابن عبَّاسٍ: أنزلها اللَّه في الطائفتين من اليهود وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلةُ من العزيزة فديته مئة وسق.
стр. 466
فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ المدينة، وذَلَّت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول اللَّه ﷺ ورسول اللَّه ﷺ يومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمائة وَسْقِ، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا، وفَرَقاً منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك. فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللَّه ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً منا، وقهراً لهم، فَدُسُّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم، فلم تحكموه. فدسوا إلى رسول اللَّه ﷺ ناساً من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللَّه ﷺ فلما جاء رسول الله ﷺ أخبر اللَّه رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل اللَّه : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا) إلى قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ثم قال: فيهما واللَّه نزلت، وإياهما عنى اللَّه .
стр. 467
زاد أبو داود والنَّسَائِي ثم نزلت: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ .. ) الآية.
٣ - أخرج الترمذي عن زرارة بن أوفى يحدث عن عمران بن حصين أن رجلاً عض يد رجل فنزع يده فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك) فأنزل اللَّه: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
стр. 468
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآيات الكريمات. وقد أورد جمهور المفسرين السببين الأول والثاني وأعرضوا عن الثالث فلم يذكروه.
فأما السبب الأول في حكم النبي ﷺ برجم الزاني فقد تتابع على القول به جمهور المفسرين:
قال الطبري في ذلك كلامًا كثيراً، خلاصته: (أن اليهود إنما سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك ليعلموا، فإن لم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكماً فيهم وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا الرضا به وبحكمه) اهـ.
وقال البغوي بعد أن ساق حديث الرجم وأتبعه بقصة قريظة والنضير: (والأول أصح لأن الآية في الرجم) اهـ.
وقال ابن العربي: (فى سبب نزولها فيه ثلاثة أقوال: إلى أن قال: الثالث: أنها نزلت في اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا له: إن رجلاً منا وامرأةً زنيا فقال لهم رسول اللَّه ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فذكر الحديث بطوله ثم فند القولين الأولين إلى أن قال: والصحيح ما رواه الجماعة عن عبد اللَّه بن عمر وجابر بن عبد الله كلاهما في وصف القصة أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ وحكموه فكان ما ذكرنا في الأمر) اهـ.
стр. 469
وقال ابن عطية بعد أن ساق الأسباب المروية: (وهذه النوازل كلها وقعت ووقع غيرها مما يضارعها ويحسن أن يكون سببها لفضيحة اليهود في تحريفهم الكلم وتمرسهم بالدين) اهـ. - ومراده أن سببها قضية الزنى والرجم لأن التحريف وقع فيها -.
وقال القرطبي: (وقيل إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم وهذا أصح الأقوال) اهـ.
وقال ابن كثير: (والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا) اهـ.
وقال الشنقيطي: (اعلم أولاً أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا بعد الإحصان، وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة فتعمدوا تحريف كتاب اللَّه) اهـ.
وقال ابن عاشور: (وسبب نزول هذه الآية وما أشارت إليه ما محصّله: أن اليهود اختلفوا في حد الزاني حين زنى فيهم رجل بامرأة من أهل خيبر أو أهل فدك) اهـ.
فحجة من تقدم من العلماء على مذهبهم الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ وآثار السلف من الصحابة والتابعين الدالة على هذا.
وأما السبب الثاني: فقد تقدم أن جمهور المفسرين قد أوردوه، واقتصروا على ذلك إلا ابن العربي، وابن كثير، فالأول قد ضعفه وستأتي حجته، والثاني ألمح إلى تقويته فقال بعد سياق السببين: (وقد يكون اجتمع السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآيات في ذلك كله واللَّه أعلم ولهذا قال بعد ذلك: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) إلى آخرها وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص واللَّه أعلم) اهـ.
وبعد نقل كلام العلماء المتقدم وما احتجوا به على أقوالهم أقول:
стр. 470
أما حديث عمران بن حصين في قصة الرجل الذي عض يد أخيه فلا تصح أن تكون سبباً لنزول الآية الكريمة للأسباب التالية:
١ - أن ذكر نزول الآية شاذ غير محفوظ وتبين تفصيل ذلك في دراسة الإسناد.
٢ - أن النبي ﷺ قال: يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك. أقول: إذا كان النبي ﷺ نفى حقه في الدية فكيف يكون له قصاص ثم يقال فأنزل اللَّه: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). مع أن شأن القصاص أكبر من الدية، والله قال في نفس الآية (وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ) فيمنعه من الدية ويأذن له بالقصاص حسب دلالة هذا السبب، هذا من التناقض، وصدق اللَّه القائل: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢).
٣ - أن المفسرين أعرضوا عنه فلم يذكروه في موضعه مما يدل على عدم حجيته عندهم.
٤ - أن الشنقيطي ذكر أن الآية نزلت في شأن اليهود بالإجماع، وإذا كانت كذلك فكيف يقال إنها نزلت في شأن رجلين من أصحاب النبي ﷺ ؟
أما السبب الثاني وهو أن الآية نزلت في شأن بني قريظة والنضير فالحق أنها تتفق مع السياق القرآني فقولهم: (فدُسُّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يُعطكم حذرتم فلم تحكموه) يوافق قوله تعالى: - (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) لا يخالف قوله في الحديث فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناساً من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللَّه ﷺ . والمنافق هو الذي يؤمن بفيه دون قلبه لكن يعكر على هذا أن إسناد الحديث دائر بين الضعف والضعف الشديد، وأيضاً هو معارَض بحديث البراء الثابت في الصحيح.
وابن العربي ذكر علة ثالثة وهي أن بني قريظة اشتكت، والشكوى شيء غير التحكيم المنصوص عليه في سياق الآيات.
стр. 471
قال ابن العربي: (وأما من قال: إنها نزلت في شأن قريظة والنضير وما شكوه من التفضيل بينهم فضعيف لأن اللَّه تعالى أخبر أنه كان تحكيماً منهم للنبي ﷺ لا شكوى) اهـ.
وعندي أن ما ذكره ليس بوجيه فقد جاء في الحديث: ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللَّه ﷺ بينهم. فهذا تحكيم لكن الحديث معلول بما تقدم.
وأما قول ابن كثير: (إن قوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ .. ) يقوي أن سبب النزول قضية القصاص) فلا ريب أن هذا حق لو كان إسناد الحديث صحيحاً.
وحينئذ لا يبقى لدينا إلا حديث البراء بن عازب ﵁ في سبب نزول الآيات الكريمات، وقد اجتمع فيه أمور:
١ - صحة إسناده إلى النبي ﷺ .
٢ - موافقته للسياق القرآني.
٣ - اتفاق المفسرين على اختياره والقول بمقتضاه.
٤ - تصريحه بنزول الآيات الكريمة بسبب تلك القصة. وهذا ما لم يذكر في حديثي عبد اللَّه بن عمر وجابر بن عبد اللَّه ﵃ اللذَين ذكرهما ابن العربي في قضية زنى اليهوديين ورجمهما.
* النتيجة:
أن سبب نزول هذه الآيات حديث البراء بن عازب ﵁ في زنى اليهوديين، وحكم النبي ﷺ فيهما بالرجم لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق الآيات، واحتجاج المفسرين به والله أعلم.
* * * * *
стр. 472
٧٣ - قال الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي عبيدة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه يقع على الذنب فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ونزل فيهم القرآن فقال: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) حتى بلغ: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) قال: وكان نبي اللَّه ﷺ متكئًا فجلس فقال: (لا، حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطراً).
стр. 473
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد الطبري الحديث بنصه، أما سائر جمهور المفسرين فلم يذكروا التصريح بسبب النزول لكن منهم من ذكر الحديث بدون ذكر الآية، ومنهم من ذكر الحديث ثم قال: قرأ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .. ) والظاهر والله - تعالى أعلم - أن الحديث ليس سبباً لنزول الآية لما يلي:
أولأ: أن الحديث ضعيف بسبب انقطاعه.
ثانيًا: إعراض جمهور المفسرين عن ذكره والاحتجاج به على نزولها.
ثالثا: أن الآية تتحدث عن الكافرين الملعونين على لسان داود، وعيسى ابن مريم، ومن المعلوم أن دهراً طويلاً كان بين النبيين الكريمين، وبين النبي ﷺ فكيف ينزل قرآن بسبب قوم أذنبوا قبل نزوله بقرون.
وبناءً على ما تقدم يكون المراد بقوله: ونزل فيهم القرآن، أي: نزل في الحديث عنهم القرآن كما نزل كثيراً في الحديث عن الأمم السابقة.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية بسبب ضعفه، وكون المتحدث عنهم من الأمم السالفة.
* * * * *
стр. 474
٧٤ - قال الله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ).
стр. 475
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، واختار هذا جمهور المفسرين.
قال البغوي: (الآية فيمن أسلم منهم من النصارى مثل النجاشي وأصحابه، وقال: قال ابن عبَّاسٍ ﵄ في رواية عطاء: يريد النجاشي وأصحابه، قرأ عبيهم جعفر بالحبشة (كهيعص)، فما زالوا يبكون حتى فرغ. جعفر من القراءة) اهـ.
وقال ابن عطية: (وذكر سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن عبَّاسٍ أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول اللَّه ﷺ ليروه، ويعرفوا حاله، فقرأ النبي ﷺ عليهم القرآن فبكوا وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن).
وقال في موضع آخر: (وقوله تعالى: (وَإذَا سَمِعُوا) الضمير في سمعوا ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا الحق وقالوا آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك) اهـ.
وقال القرطبي: (وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى) اهـ.
وقال السعدي: (وهذه الآيات نزلت فى النصارى الذين آمنوا بمحمد ﷺ كالنجاشي وغيره، ممن آمن منهم) اهـ.
وقال ابن عاشور بعد أن ذكر كلامًا: (إن المعنيّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستين راهبًا من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن
стр. 476
وأسلموا ... إلى أن قال: فكانت الإشارة إليهم في هذه الآية تذكيرًا بفضلهم.
وهي من آخر ما نزل ولم يعرف قوم معينون من النصارى أسلموا في زمن الرسول ﷺ ولعل اللَّه أعلم رسوله بفريق من النصارى آمنوا - بمحمد ﷺ في قلوبهم ولم يتمكنوا من لقائه ... إلى أن قال: ولعل هؤلاء كان منهم من هو بأرض الحبشة أو باليمن. ولا شك أن النجاشي أصحمة منهم) اهـ.
وقد ذهب الطبري إلى عدم تعيين هؤلاء فقال بعد أن ذكر أقوالاً: (والصواب في ذلك من القول عندي أن اللَّه تعالى وصف صفةَ قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبي اللَّه ﷺ يجدهم أقرب الناس وداداً لأهل الإيمان باللَّه ورسوله ولم يسم لنا أسماءهم، وقد يجوز أن يكون أُريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أُريد به قوم كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا، لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه) اهـ.
والصواب - واللَّه أعلم - أن يقال: إن أُريد بقوله نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه أنها تقص قصصهم وتتحدث عنهم فهذا صحيح ولهذا (روى ابن إسحاق عن أم سلمة ﵂ في قصة الهجرة قالت: فقرأ (أي جعفر) عليه صدراً من (كهيعص) قالت: فبكى واللَّه النجاشي حتى اخضلَّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم) اهـ.
وإن أُريد بالنزول هنا ما اصطلح عليه العلماء فليس بصحيح ولهذا قال ابن كثير: (قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاسٍ: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب القرآن بكوا حتى
стр. 477
أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر لأن هذه الآية مدنية وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة) اهـ.
وما ذكره ابن كثير صحيح فإنه لا يعهد في القرآن أن يتأخر النزول عن السبب على هذا النحو لا سيما إذا عرفنا أن المائدة من آخر القرآن نزولاً.
وقد يقال: إن نزولها كان بسبب وفد بعثهم النجاشي، إلى النبي ﷺ ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا، وبكوا وخشعوا ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه وهو المروي عن سعيد بن جبير. فاللَّه أعلم.
* النتيجة:
أن قصة النجاشي وبكاءه ليست سبباً لنزول الآية لما بينهما من الزمن الطويل والأمد البعيد والله أعلم.
* * * * *
стр. 478
٧٥ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث ضمن أحاديث كثيرة وردت في هذا الباب منهم الطبري، والبغوي، وابن العربي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير.
قال القرطبي: (والأخبار بهذا المعنى كثيرة، وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي:
ما أخرج الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم
стр. 479
تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً فجاء رسول الله ﷺ فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وَخرَّجَا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا) اهـ محل الشاهد.
وكلام القرطبي ربما يشعر بأن الآية لم تنزل بسبب الأحاديث المذكورة في سببها لأنه ساق أحاديث لا صلة لها بنزول الآية.
وقد يؤيد ما ذهب إليه ما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
لكن الناظر في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ يجد أنه يطابق الآية مطابقة كاملة.
فقوله: فحرمت عليَّ اللحم يوافق قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ).
стр. 480
وقوله: اللحم يوافق قوله: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا).
فالظاهر - والله أعلم - أن الحديث سبب نزول الآية وإن كان الصحيح فيه الإرسال، لأمور ثلاثة:
١ - التصريح بالسببية.
٢ - مطابقة سياق الحديث للفظ الآية.
٣ - الاحتجاج به عند جمهور المفسرين.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور سبب نزول الآية للأسباب سالفة الذكر، واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 481
٧٦ - قال اللَّه تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج ابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة فنزلت: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد القرطبي وابن كثير هذا الحديث في تفسيرها ولم يتعقباه، لكن لفظ القرطبي فنزلت، أما ابن كثير
стр. 482
فقال: قال اللَّه تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ).
أما بقية المفسرين فأعرضوا عنه وهو جدير بالإعراض عنه لما يلي:
أولاً: إسناده المقطوع، فإنه لا تقوم به حجة.
ثانياً: عدم الصلة بين السبب المدعى والآية الكريمة، فحديث الآية عن الكفارة حين يحنث الحالف في يمينه، والسبب يدور على القوت والإنفاق وفرق بين هذين.
* النتيجة:
أن السبب المذكور ليس سببًا لنزول الآية الكريمة لضعف إسناده، وعدم الارتباط بينه وبين الآية الكريمة، مع إعراض المفسرين عنه. واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 483
٧٧ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين. فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمراً. وذلك قبل أن تحرم الخمر. قال: فأتيتهم في حَشٍّ - والحَشُّ البستان - فإذا رأس جزورٍ مشوي عندهم، وزِقٌّ من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم. قال فذُكِرتِ الأنصار والمهاجرون عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال: فأخذ رجل أحد لحي الرأس فضربني به فجرح بأنفي. فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته. فأنزل الله فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ).
وفي رواية لمسلم: فضرب به أنف سعد ففزره وكان أنف سعد مفزورًا.
стр. 484
٢ - أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا نهِلُوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا، جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته فيقول: قد فعل بي هذا أخي - وكانوا إخوةً ليس في قلوبهم ضغائن - واللَّه لو كان بي رءوفاً رحيماً ما فعل بي هذا، فوقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل اللَّه : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) فقال ناس: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد فأنزل الله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).
٣ - أخرج أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: حُرمت الخمرُ ثلاث مرات قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله ﷺ عنهما فأنزل اللَّه تعالى على نبيه ﷺ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فقال الناس: ما حُرِّم علينا، إنما قال: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) وكانوا يشربون الخمر.
حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل اللَّه فيها آيةً أغلظ منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق.
стр. 485
ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول اللَّه، ناس قتلوا في سبيل اللَّه، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله اللَّه رجساً من عمل الشيطان فأنزل الله: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا) فقال النبي ﷺ : (لو حُرمت عليهم لتركوها كما تركتم).
٤ - أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)، قال: فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً فنزلت الآية التي في النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)، فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربنَّ الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً. فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال: فقال عمر: انتهينا انتهينا.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وقد أورد بعض المفسرين جميع هذه الأحاديث واقتصر بعضهم على بعضها سرداً ورواية، ومن هؤلاء الطبري، والبغوي، وابن العربي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور.
стр. 486
وحينئذٍ لا بد من النظر والترجيح بين هذه الأحاديث فأقول:
أما حديث عمر ﵁ فليس سبباً في نزولها، وقد تقدم بيان هذا عند الآيتين في سورة البقرة والنساء، إلا أن يقال إن دعاء عمر ﵁ سبب غير مباشر لحصول البيان الشافي، وهذا ليس بسبب ظاهر في نزولها.
أما حديث أبي هريرة ﵁ فلا تقوم به حجة على نزولها بسبب ضعفه.
يبقى النظر في حديث سعد ﵁ وضرب الأنصاري له بلحي الجمل عندما شربا الخمر، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في اقتتال القبيلتين من الأنصار حين شربوا الخمر.
أما حديث سعد فإسناده ثابت لأنه في مسلم، وسياق الحديث يوافق الآية الكريمة ي قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) وهذا قد حصل فقد ضُرب سعد حتى فزر أنفه، ولا يخفى أثر مثل هذا التصرف على أحد ثم قوله: فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأخبرته فأنزل فيَّ شأن الخمر.
يؤكد حجية حديثه في شأن نزول الآية.
أما حديث ابن عبَّاسٍ في شأن اقتتال القبيلتين فإسناده حسن، وسياق الحديث يوافق الآية الكريمة، ولهذا لما أفاقوا من شربها، وجعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته ويقول: قد فعل بي هذا أخي، واللَّه لو كان بي رءوفًا رحيماً ما فعل بي هذا فوقعت في قلوبهم الضغائن، وهذا الذي يريده الشيطان.
فإن قال قائل: ما الجمع بين الحديثين، أو الراجح منهما؟ فالجواب من وجوه:
الأول: أن القصتين وقعتا في زمن واحد فنزلت الآية تتحدث عنهما جميعاً.
стр. 487
ويجاب عن قول سعد (فيَّ - يعني نفسه) لأنه لم يعلم بفعل غيره.
الثاني: أن قول ابن عبَّاسٍ: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، فيه وهم وأن إحداهما من الأنصار والأخرى من المهاجرين وحينئذٍ يوافق حديث سعد فقد جاء فيه وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين ... إلى أن قال: فذُكرت الأنصار والمهاجرون عندهم، وإذا كان الأمر كذلك صبَّ الحديثان في نهر واحد.
الجواب الثالث: أن المقدم في السببية حديث سعد لقوة إسناده ولا ريب أن ما رواه أحد الشيخين قرينة من قرائن الترجيح عند العلماء في الاحتجاج به على ما رواه غيرهما.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية قصة سعد ﵁ لصحة سند الحديث وتصريحه بالنزول وكونه صاحب القصة واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 488
٧٨ - قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأحمد والدارمي ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت ساقيَ القوم في منزل أبي طلحة وكان خمرهم يومئذٍ الفضيخ فأمر رسول اللَّه ﷺ منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حُرمت، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتُها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قُتل قوم وهي في بطونهم فأنزل اللَّه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا).
وأخرجه أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄.
وأخرجه الترمذي، من حديث ابن عبَّاسٍ والبراء بن عازب ﵁.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا
стр. 489
الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال السعدي: (لما نزل تحريم الخمر، والنهي الأكيد، والتشديد فيه تمنى أناس من المؤمنين أن يعلموا حال إخوانهم الذين ماتوا على الإسلام قبل تحريم الخمر وهم يشربونها فأنزل الله هذه الآية) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية ما رواه أنس ﵁ لصحة إسناده، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به وتصريحه بالنزول. واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 490
٧٩ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي عن أنس ابن مالك ﵁ قال: بلغ رسول اللَّه ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: (عرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) قال: فما أتى على أصحاب رسول اللَّه ﷺ يوم أشدُّ منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين قال: فقام عمر فقال: رضينا باللُّه رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً قال: فقام ذاك الرجل، فقال: من أبي؟ قال: (أبوك فلان). فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
وفي لفظ لمسلم: عن أبي موسى قال: سئل النبي ﷺ عن أشياء كرهها. فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: (سلوني عما شئتم) ... الحديث.
٢ - أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه ﷺ استهزاءً فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته:
стр. 491
أين ناقتي؟ فأنبزل الله فيهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى فرغ من الآية كلها.
٣ - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) قالوا: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: (لا ولو قلت نعم لوجبت) فأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إلى آخر الآية.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
стр. 492
والظاهر - واللَّه أعلم - أن في هذه الأسباب تفصيلاً فيقال:
أما حديث علي ﵁ في سؤالهم عن الحج أفي كل عام؟ فقد تبين من دراسة إسناده أنه لا يحتج به على النزول بسبب ضعف إسناده المفصلِ في موضعه.
وأما حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عند البخاري قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه ﷺ استهزاءً. فقد علق عليه ابن عاشور بما يفيد استبعاده لذلك فقال:
أولاً: (أن البخاري قد انفرد برواية الحديث دون غيره.
ثانياً: أن هؤلاء القوم من المنافقين لأن المؤمنين لا يستهزئون برسول اللَّه ﷺ ويكون الخطاب بالذين آمنوا أي أظهروا الإيمان.
ثالثاً: أن هذا رأي من ابن عبَّاسٍ، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا إلا أن يراد تحذير المؤمنين من مقاصد المستهزئين كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا). اهـ بتصرف.
وعندي - والله أعلم - أن انفراد البخاري بالحديث ليس علة تقدح فيه، فشأن البخاري أجلُّ من القدح في حديث انفرد بإخراجه.
وأما القول بأن هؤلاء المستهزئين منافقون فضعيف أيضاً فأول الآية صُدر بنداء الإيمان، وآخرها ختم بالمغفرة والحلم، وليس هذا شأن اللَّه مع المستهزئين واقرأ قول اللَّه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
فلم يبق إلا أن هذا رأي ابن عبَّاسٍ ﵄ ومما يؤيد هذا أنه خالف أنساً وأبا موسى الأشعري ﵁ في أن سببها كثرة الأسئلة التي لا نفع فيها ولا طائل تحتها.
وأما حديث أبي موسى فمجمل فسره حديث أنس ﵁.
стр. 493
وأما حديث أنس فرواته كثيرون، وشهرته ظاهرة، وموافقته لسياق الآية القرآني غير خافية، وذلك أن الله قال: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) فقد روى مسلم في حديث أنس قال: قال ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابني قط أعقَّ منك؟ أَأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقته.
فماذا سيكون حال عبد الله لو ظهر على لسان رسول الله ﷺ ما خافت منه أم عبد اللَّه؟
قال ابن عاشور: (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي إن تُظهر لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسؤكم) اهـ.
وأيضاً فقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) يوافق ما روى البخاري عن أنس ﵁ في سياق الحديث قال: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: (النار).
فما الظن بحال الرجل، وقد أُخبر أن مدخله النار بعد أن كان هذا خافيًا عليه؟
قال ابن عاشور: (ومنها ما ساءهم جوابه، وهو سؤال من سأل أين أبي، أو أين أنا فقيل له: في النار فهذا يسوءُه لا محالة) اهـ.
وأيضاً فقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... ) إلى قوله: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) يوافق ما روى الشيخان واللفظ لمسلم عن سعد بن وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 494
(أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم فحرِّم على الناس من أجل مسألته).
وهذه الأمثلة التي دلت عليها السنة الصحيحة لا ريب أنها أولى ما تُفسر به الآية الكريمة.
قال السعدي: (ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله ﷺ عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما لو بُين للسائل لم يكن له فيه خير، كسؤالهم للأمور غير الواقعة.
وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي المنهي عنها.
وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شىء من ذلك فهو مأمور به كما قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما روى أنس في أسئلتهم لرسول اللَّه ﷺ لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن مع ما يؤيده من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ والله أعلم.
* * * * *
стр. 495
٨٠ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مُخوَّصاً من ذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجامُ بمكة، فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: (لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن
следующие страницы →