← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٩٦ - قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي ﷺ يقسم، جاء عبد اللَّه بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول اللَّه، فقال: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل) قال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه قال: (دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِئة، ينظر في قُذَذِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَصْلِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصَافِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نَضِيّهِ فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم، آيَتُهم رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه،

стр. 562

مثل ثدي المرأة، أو قال مثل البضعة تدَرْدَرُ، يخرجون على حين فرقة من الناس). قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ قال فنزلت فيه: وَمِنهُم (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال البغوي: (نزلت في ذي الخويصرة التميمي واسمه حرقوص بن زهير، أصل الخوارج) اهـ. * فائدة: سبب قول الرجل ما قال أنه لم يُعط من تلك القسمة فغضب من ذلك قال السعدي: (ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك في قسمة الصدقات، وينتقد عليك فيها وليس انتقادهم فيها وعيبهم، لقصد صحيح، ولا لرأي رجيح، وإنما مقصودهم أن يعطوا منها: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) اهـ.

стр. 563

وقال ابن عاشور: (عرف المنافقون بالشح، ومن شحهم أنهم يودون أن الصدقات توزع عليهم، فإذا رأوها توزع على غيرهم، طعنوا في إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم ويظهرون أنهم يغارون على مستحقيها، ويشمئزون من صرفها في غير أهلها، وإنما يرومون بذلك أن تقصر عليهم). اهـ بتصرف يسير. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة إسناده، وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 564

٩٧ - قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: لما أُمرنا بالصدقة كنا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن اللَّه لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاءً فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ .. ) الآية. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد الحديث الطبري والقرطبي وابن كثير في سبب نزولها وذكروا معه غيره. وساق البغوي وابن عطية وابن عاشور أحاديث مشابهة. قال الطبري: (يقول اللَّه تعالى ذكره: الذين يلمزون المطوعين في الصدقة

стр. 565

على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه اللَّه عليهم في أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم: إنما تصدقوا به رياءً وسمعة، ولم يريدوا وجه اللَّه، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدقون به إلا جهدهم وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون: لقد كان اللَّه عن صدقة هؤلاء غنيًا، سخرية منهم بهم ... إلى أن قال: وذكر أن المعنيّ بقوله: (الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي الأنصاري، وأن المعني بقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف) اهـ. قال ابن كثير: (وهذا أيضاً من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا إن اللَّه لغني عن صدقة هذا كما روى البخاري ... ثم ساق الحديث) اهـ. وقال البغوي: (قال أهل التفسير: حث رسول اللَّه ﷺ على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول اللَّه مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل اللَّه، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول اللَّه ﷺ : (بارك اللَّه لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ) فبارك اللَّه في ماله حتى أنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم، وتصدق يومئذٍ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحبحاب بصاعٍ من تمر، وقال: يا رسول اللَّه بتُّ ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلتُ صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول اللَّه ﷺ أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكنه أراد أن يذكر فيمن أعطى الصدقة فأنزل اللَّه : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) اهـ. قال ابن عطية: (وأما المتصدق بكثير الذي كان سببًا للآية فأكثر الروايات أنه عبد الرحمن بن عوف ثم ساق الحديث إلى أن قال: وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي فذكر الحديث إلى آخره) اهـ. وقال ابن عاشور: (نزلت بسبب حادث حدث في مدة نزول السورة:

стр. 566

ذلك أن النبي ﷺ حث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف ... فذكره) اهـ. وقال السعدي: (وهذا أيضاً من مخازي المنافقين فكانوا - قبحهم الله - لا يدعون شيئاً من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالاً، إلا قالوا وطعنوا بغياً وعدواناً، فلما حث الله ورسوله على الصدقة، بادر المسلمون إلى ذلك، وبذلوا من أموالهم، كلٌّ على حسب حاله، منهم المكثر ومنهم المقل، فيلمزون المكثر منهم، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة وقالوا للمقل الفقير: إن الله غني عن صدقة هذا، فأنزل الله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) اهـ. وهذه الأقوال المتقدمة للعلماء لا اختلاف بينها ولا تباين فمن ساق حديث أبي مسعود فقد أغفل ذكر الأسماء، ومن ساق حديث عبد الرحمن بن عوف فقد زاد على حديث أبي مسعود تفصيلاً وذكراً للأسماء وإلا فالحديثان يصبان في نهر واحد، ولعل البسط في حديث عبد الرحمن هو الذي حدا بعض العلماء إلى ذكره والنص عليه. * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة ما جاء في قصة أبي عقيل ومن معه حين تصدقوا فعابهم المنافقون على صدقاتهم وذلك لصحة سنده، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به وتصريحه بالنزول والله أعلم. * * * * *

стр. 567

٩٨ - قال الله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لما مات عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، دعي له رسول اللَّه ﷺ ليُصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه ﷺ وثبتُ إليه، فقلت: يا رسول اللَّه، أَتصلي على ابن أُبي، وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ أُعَدِّدُ عليه قولَه، فتبسم رسول اللَّه ﷺ وقال: (أَخِّرْ عني يا عمر). فلما أكثرتُ عليه، قال: (إني خُيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها)، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) إلى قوله: (وَهُمْ فَاسِقُونَ). قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذٍ، واللَّه ورسوله أعلم. وأخرجه البخاري، وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه من حديث ابن عمر ﵄.

стр. 568

وأخرج ابن ماجه من حديث جابر ﵁ نحوه. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ ولا تصل يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبداً ولا تتول دفنه وتقبره إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون من الإسلام، مفارقون أمر الله ونهيه وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبي ﷺ على عبد الله بن أبي) اهـ بتصرف يسير. وقال ابن العربي: (المسألة الأولى في سبب نزولها: ثبت في الصحاح والمصنفات حديث عبد الله بن عبَّاسٍ وغيره قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد اللَّه بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه. فذكر الحديث) اهـ. وقال ابن عطية: (هذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول وصلاة رسول الله ﷺ فذكر كلامًا إلى أن قال: وتظاهرت الروايات أن رسول اللَّه ﷺ صلى عليه، وأن الآية نزلت بعد ذلك). اهـ. وقال القرطبي: (روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبد اللَّه بن أبي ابن

стр. 569

سلول، وصلاة النبي ﷺ عليه. ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، وتظاهرت الروايات بأن النبي ﷺ صلى عليه، وأن الآية نزلت بعد ذلك) اهـ. وقال ابن كثير: (أمر اللَّه تعالى رسوله ﷺ أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات وأن لا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له لأنهم كفروا باللَّه ورسوله وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كل من عرف مقامَه وإن كان سبب نزول الآية في عبد اللَّه بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كما قال البخاري ثم ساق الحديث) اهـ. وبناءً على ما تقدم فإنه لا خلاف بين المفسرين أن قصة عبد اللَّه بن أبي ابن سلول وصلاة النبي ﷺ عليه هي سبب نزول الآيات الكريمة. * تنبيه: جاء في بعض ألفاظ الحديث من طريق ابن عمر قول عمر: أليس اللَّه قد نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فكيف قال عمر ذلك له مع أن قوله: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) كان بعد الصلاة عليه؟. أجاب الحافظ ابن حجر: (محصل الجواب أن عمر فهم من قوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، منع الصلاة عليهم، فأخبره النبي ﷺ أن لا منع، وأن الرجاء لم ينقطع بعد) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآيات الكريمة صلاة رسول اللَّه ﷺ على رأس المنافقين وذلك لصحة سنده، وموافقته للفظ الآية، وتعويل المفسرين عليه وتصريحه بالنزول واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 570

٩٩ - قال الله تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن كعب بن مالك ﵁ وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم: أنه لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط غير غزوتين: غزوة العسرة، وغزوة بدر، قال: فأجمعت صدق رسول اللَّه ﷺ ضحى، وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد، فيركع ركعتين، ونهى النبي ﷺ عن كلامي وكلام صاحبي ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر، وما من شيء أهم إليَّ من أن أموت فلا يصلي عليَّ النبي ﷺ أو يموت رسول الله ﷺ فأكونَ من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليَّ، فأنزل اللَّه توبتنا على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الآخر من الليل، ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معنيةً في أمري، فقال رسول الله ﷺ : (يا أم سلمة، تيب على كعب). قالت: أفلا أُرسل إليه فأُبشرَه، قال: (إذاً يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة). حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر

стр. 571

آذن بتوبة اللَّه علينا، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر، وكنا أيها الثلاثة الذين خُلِّفوا عن الأمر الذي قُبل من هؤلاء الذين اعتذروا، حين أنزل الله لنا التوبة، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله ﷺ من المتخلفين واعتذروا بالباطل، ذُكروا بشرّ ما ذكر به أحد، قال الله سبحانه: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة ولم أجد حديث كعب الذي معنا إلا عند الطبري، أما سائر المفسرين فحديثهم عن سبب نزول الآية ليس جليًا. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: يعتذر إليكم أيها المؤمنون باللَّه هؤلاء المتخلفون خلاف رسول اللَّه ﷺ التاركين جهاد المشركين معكم من المنافقين بالأباطيل والكذب إذا رجعتم إليهم من سفركم وجهادكم. ثم ذكر عند قوله تعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ): يقول تعالى ذكره: سيحلف أيها المؤمنون باللَّه لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللَّه إذا انصرفتم إليهم من غزوكم فدعوا تأنيبهم وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق) اهـ بتصرف يسير. وقال البغوي: (يُروى أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعةً وثمانين نفرًا فلما رجع رسول اللَّه ﷺ جاؤوا يعتذرون بالباطل قال اللَّه: (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ).

стр. 572

وقال في قوله: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ) إذا انصرفتم إليهم من غزوكم) اهـ. وقال ابن عطية: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ) هذه المخاطبة للنبي ﷺ وشُرك معه المسلمون في بعض لأن المنافقين كانوا يعتذرون أيضاً إلى المؤمنين، ولأن أنباء اللَّه أيضاً تحصل للمؤمنين. وقوله: (رَجَعْتُم) يريد من غزوة تبوك. وقال في قوله: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ): قيل إن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك) اهـ. وقال القرطبي: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ) أي من تبوك) اهـ. وقال السعدي: (لما ذكر تخلف المنافقين الأغنياء، وأنهم لا عذر لهم أخبر أنهم سوف يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم من غزاتكم، قل لهم لا تعتذروا لن نصدقكم في اعتذاركم الكاذب، قد نبأنا اللَّه من أخباركم وهو الصادق في قيله، فلم يبق للاعتذار فائدة لأنهم يعتذرون بخلاف ما أخبر اللَّه عنهم. ومحال أن يكونوا صادقين فيما يخالف خبر اللَّه الذي هو أعلى مراتب الصدق) اهـ. وقال ابن عاشور: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ) عائد إلى أقرب معاد وهو قوله: (وَقَعَدَ الَّذِينَ كذَبوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فإنهم فريق من المنافقين، فهم الذين اعتذروا بعد رجوع الناس من غزوة تبوك. وقال في قوله: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) هذا إخبار بما سيلاقي به المنافقون المسلمين قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو) اهـ. فأقوال المفسرين المتقدمة قد نصت بوضوح على أن اعتذارهم كان بعد رجوع المسلمين إليهم من غزوة تبوك. وزاد ابن عاشور على ذلك أن حدد زمن النزول بأنه قبل الحلف وبعد رجوع المسلمين من الغزو. لأنه قال: قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو.

стр. 573

فقوله: بعد رجوع المسلمين من الغزو هذا يوافق اختيار المفسرين وما ذهبوا إليه لقوله تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ). وقوله: قبل وقوعه يؤيده سياق الآيات فإن الآيات تتحدث عن المستقبل (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ .. ) وقوله: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ). فإن قيل: ألا يعكّر على هذا ما روى الشيخان عن كعب بن مالك قال: وأصبح رسول اللَّه ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول اللَّه ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى اللَّه. وجه ذلك: أن اللَّه أمر رسوله ﷺ بالإعراض عنهم ونهاه عن تصديقهم وإذا كان الأمر كذلك فكيف قبل رسول اللَّه ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى اللَّه. والجواب: أن هذا لا يعكّر لأن قبول علانيتهم، وترك سرائرهم إلى اللَّه لا يعني عدم الإعراض بل هو من الإعراض، ولهذا لما كلمه كعب في شأن خلفه قال: (أما هذا فقد صدق) وهذا يدل على عدم تصديقه للمنافقين. ومما يؤكد هذا اختلاف معاملته للفريقين. وأيضاً: كيف كان النزول قبل الاعتذار والحلف، وبعد الرجوع من الغزو؟ فإن حديث كعب ﵁ نص في أنه قدم من السفر فبدأ بالمسجد فلما جلس للناس جاءه المخلفون. فالزمن بين الرجوع والجلوس للناس قصير حسبما يدل عليه السياق، ولهذا لم يُشر أحد فيما أعلم إلى هذا النزول في ذلك الوقت إلا ابن عاشور.

стр. 574

وربما يكون مراده بقوله: (بعد رجوع المسلمين من الغزو) أي عندما شرعوا في ابتداء الرجوع أو عندما اقتربوا من المدينة، وعلى هذا ففي الزمن متسع، وحينئذٍ ينتفي الإشكال. وبناءً على ما قاله ابن عاشور وهو أن نزول الآيات سبق حدوث السبب، وهو الاعتذار والحلف، فإنه لا يقال حينئذٍ إن اعتذارهم سبب لنزول الآية الكريمة كما هو معلوم. وعندي أن القسمة في تلك المسألة لا تخرج عن واحد من ثلاثة: الأول: أن الآيات نزلت قبل اعتذارهم. الثاني: أن الآيات نزلت بعد اعتذارهم مباشرة. الثالث: أن الآيات نزلت بعد اعتذارهم بمدة. فأما الأول: فيترتب عليه انتفاء القول بالسببية لأن الآية إذا سبقت الحدث فإنه لا يكون سبباً لها. وأما الثاني: فيعكر عليه سياق الآيات وحديثها عن المستقبل، والسين الداخلة على يحلفون فإنها للتنفيس والمهلة. ويؤيد هذا أن الحديث خلا من ذكر النزول بعد اعتذارهم مباشرة من رسول الله ﷺ وحدث كهذا حري بالحفظ والضبط لو كان قد وقع. وأما الثالث: فيرد عليه ما يرد على الثاني من الحديث عن الاستقبال، ولولا سين التنفيس لأمكن الخلاص من الاستقبال هنا بمثل قوله تعالى: (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، أي فريقاً قتلتم، وفريقاً أسرتم، فعبر عن فعل مضى بفعل الاستقبال. ولعل مما يؤيد الثالث وينهض به سياق حديث كعب حيث قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفوا عن الأمر الذي قُبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله ﷺ من المتخلفين، واعتذروا بالباطل ذُكِرُوا بشرِّ ما ذكر به أحد قال الله سبحانه: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ).

стр. 575

فقوله: حين أنزل اللَّه لنا التوبة ... إلى أن قال: ذُكروا بشرِّ ما ذكر به أحد، يشير إلى أن التوبة على المؤمنين اقترنت بذم المنافقين. وأيضاً فقوله في السياق الطويل: فواللَّه ما أنعم اللَّه عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللَّه ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن اللَّه قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شرَّ ما قال لأحد فقال ﵎: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ) إلى قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ). فقوله: (حين أنزل الوحي) يفسره قوله: (حين أنزل اللَّه لنا التوبة) فقد اجتمع الثناء والقدح لأهل الكذب والمدح في سياق طويل للفريقين أجمع. فإن قال قائل: فما هو الصواب في المسألة؟ فالجواب: أن الحق فيها عندي لم يتحصحص، وأن الخيط الأبيض فيها من الخيط الأسود لم يتبين وحسبي فيها الاقتداء بابن القيم حين قال في غيرها: هذا وما نضجتْ لديَّ وعلمُها ... الموكولُ بعدُ لمنزلِ القرآنِ وأعوذ بالرحمن من جزم بلا ... علم وهذا غاية الإمكان واللَّه أعلم بالمراد بقوله ... ورسوله المبعوث بالفرقان لكني أجد نفسي تميل إلى أنها نزلت مع توبة اللَّه على المؤمنين، وأن اعتذارهم سبب نزولها، ولعل مما يؤيد ذلك ما ذكره ابن عطية في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) من أن الآية نزلت بعد قولهم. لكن اللَّه جعل المستقبل موضع الماضي للدلالة على استدامة ذلك، وأنهم يستمرون على ذلك القول، مع الإقرار بقبول ما اخترت للاعتراض واللَّه الموفق للصواب. * النتيجة: أن الآية تحتمل السببية وغيرها، وذلك لتعارض قرائن الترجيح في نفسي كيف لا وسين التنفيس تلاحقني، واللَّه خير مسؤول أن يفتح على القلب بالصواب واللَّه أعلم.

стр. 576

١٠٠ - قال الله تعالى: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.

стр. 577

وأخرجه ابن ماجه من حديث أبط أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ﵃ أن هذه الآية نزلت: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) قال رسول اللَّه ﷺ : يا معشر الأنصار إن اللَّه قد أثنى عليكم في الطهور. فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجي بالماء. قال: (فهو ذاك فعليكموه).

стр. 578

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذين الحديثين عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره في حاضري المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم رجال يحبون أن ينظفوا مقاعدهم بالماء إذا أتوا الغائط، واللَّه يحب المتطهرين بالماء) اهـ. وقال ابن العربي: (فقوله: (فِيهِ فِيهِ) ضميران يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع، وضمير الظرف الذي يقتضي الرجال المتطهرين هو مسجد قباء فذلك الذي أسس على التقوى وهو مسجد قباء والدليل على أن ضمير الرجال المتطهرين هو ضمير مسجد قباء حديث أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم) اهـ ووصف الحديث بأنه صحيح. قال السعدي: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ والنجاسات والأحداث ومن المعلوم أن من أحب شيئاً لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه. وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ وإقامة شرائع الدين وممن كانوا يتحرزون من مخالفة الله ورسوله. وسألهم النبي ﷺ بعدما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم فأخبروه أنهم يتبعون الحجارة الماء فحمدهم على صنيعهم) اهـ. وقال ابن عاشور: (وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين

стр. 579

الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دلّ عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد اللَّه وأنس بن مالك ثم ساق الحديث الذي معنا، وقال: فهذا يعم الأنصار كلهم ولا يعارضه سؤال النبي ﷺ أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضاً من الأنصار فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار). اهـ. فهذه أقوال المفسرين وقد سبقهم إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين، ولا يعكر صفو هذا الإجماع إلا ضعف أسانيد هذا الحديث بعدما تبين من دراستها ولعل مما يجبر ضعفها أمران: الأول: موافقة الحديث لسياق القرآن وهو تطابق تام. الحاني: إجماع المفسرين على القول به ولعل هذا الإجماع يجبر ضعف الإسناد. * النتيجة: أن سبب نزول الآية - والله أعلم إعناية أهل قباء بالطهارة بالماء وعدم اقتصارهم على الاستجمار بالحجارة، ذلك لموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 580

١٠١ - قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول اللَّه ﷺ فوجد عنده أبا جهل ابن هشام، وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي طالب: (يا عَمِّ قل لا إله إلا اللَّه، كلمة أشهد لك بها عند اللَّه). فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : (أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل اللَّه فيه: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ .. ). ٢ - وأخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن علي ﵁ قال: سمعت

стр. 581

رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان. فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ منزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) إلى قوله: (تَبَرَّأَ مِنْهُ) قال: (لما مات).

стр. 582

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين وقد أورد جمهور المفسرين هذين الحديثين وغيرهما في سبب النزول منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. أما حديث علي ﵁ فقد تبين من دراسة إسناده أنه حديث ضعيف لا ينهض للاحتجاج به. ولهذا قال ابن العربي بعد روايته: (وهذه أضعف الروايات) اهـ. وأما حديث المسيّب في قصة أبي طالب فقال عنه ابن العربي بعد سياقه لعدد من الروايات: (وإما أن تكون الرواية الأولى هي الصحيحة ويخبر به عما فعل النبي، وينهى المؤمنين أن يفعلوا مثله تأكيداً للخبر، وسائر الروايات محتملات) اهـ. وقد نبه ابن عطية على أن حديث أبي طالب هو سبب النزول عند جمهور العلماء فقال: (واختلف المفسرون في سبب هذه الآية. فقال الجمهور ومداره على ابن المسيب وعمرو بن دينار، نزلت في شأن أبي طالب. ثم ساق الحديث) اهـ. لكن أبى بعض أهل العلم أن يكون سبب نزولها قصة أبي طالب. فقد نقل القرطبي: عن الحسين بن الفضل أنه قال: (وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام، والنبي ﷺ بمكة) اهـ.

стр. 583

وقال ابن عاشور: (وأما ما روي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في استغفار النبي ﷺ لأبي طالب أو أنها نزلت في سؤاله ربه أن يستغفر لأمه آمنة حين زار قبرها بالأبواء فهما خبران واهيان لأن هذه السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل) اهـ. ولم يكتف بتوهية الحديث الثابت في الصحيحين بل زاد على ذلك قولاً لم يدل عليه دليل صحيح فقال: (ولعل المسلمين لما سمعوا تخيير النبي ﷺ في الاستغفار للمشركين ذهبوا يستغفرون لأهليهم وأصحابهم من المشركين طمعاً في إيصال النفع إليهم في الآخرة فأصبح ذلك ذريعةً إلى اعتقاد مساواة المشركين للمؤمنين في المغفرة فينتفي التفاضل الباعث على الرغبة في الإيمان فنهى الله النبي ﷺ والمؤمنين معاً عن الاستغفار للمشركين بعد أن رخصه للنبي ﷺ خاصة في قوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) اهـ. وتبعهم على ذلك الحافظ ابن حجر فقد ذكر عدداً من التعليلات أسوقها باختصار: ١ - (قال ويظهر أن المراد أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة، ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير بلفظ (فأنزل اللَّه بعد ذلك) (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا). ٢ - أن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقًا. يعني والآية مدنية. ٣ - ثبت أن النبي ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية. والأصل عدم تكرر النزول. اهـ. هذا خلاصة ما احتج به على ذلك، وقوله هذا يتضمن قول الحسين بن الفضل وابن عاشور وحينئذٍ سيكون البحث فيما ذكر جواباً للجميع. أما قوله: (سيأتي في التفسير بلفظ (فأنزل اللَّه بعد ذلك) فلم أجد هذا في التفسير لا في سورة براءة ولا في سورة القصص.

стр. 584

ولو فرضنا جدلاً أنه قد وُجِد فلا يصح الاستدلال بهذا اللفظ على تأخر النزول لأن النزول لن يكون إلا بعد الحدث فالبعدية لا بد منها، لكن هل هي بعدية قريبة أو بعيدة؟ هذا أمر لا يمكن العلم به من هذا اللفظ، وإذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال. ثم الحافظ ﵀ ناقض نفسه لأن معنى قوله: (فأنزل اللَّه بعد ذلك) أنه يرى أن القصة سبب لنزول الآية، لكن النزول تأخر، فكيف يتفق هذا مع قوله: إن الآية نزلت في استغفار النبي ﷺ لأمه، والأصل عدم تكرر النزول. وأما قوله: (إن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً) وقول ابن عاشور: لأن هذه السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل. فيقال: لا ريب أن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، لكن هل يملك أحدٌ الاتفاق على أن هاتين الآيتين قد نزلتا بالمدينة ولم تنزلا في مكة؟ الجواب: قطعاً لا، فقد ذكر السيوطي في الإتقان: (أن بعضهم استثنى هاتين الآيتين من النزول بالمدينة لما ورد أنها نزلت في قوله ﵊ لأبي طالب (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)) اهـ. ثم إذا كان الأمر محتملاً لنزول هاتين الآيتين في مكة بعد القصة مباشرة، وقال بهذا بعض أهل العلم، والقرائن التي ترجحه عديدة، أفيسوغ بعد هذا أن يحكم على هذا الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما بأنه خبر واهٍ كما قاله ابن عاشور؟ أو يسوغ أن تلغى دلالة الحدث على السببية ويحتج بغيره كما فعله ابن حجر؟ أما قوله: إنه ثبت أن النبي ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فنزلت الآية. فقد ذكر أدلة لذلك ثم قال: (فهذه طرق يعضد بعضها بعضاً). فمنها حديث ابن مسعود ﵁ قال: خرج رسول اللَّه ﷺ يومًا إلى المقابر ... فذكره.

стр. 585

قال الذهبي عنه: (هذا من غرائب الحديث). وقال ابن كثير: (غريب). ومنها حديث بريدة: قال كنت مع النبي ﷺ إذ وقف على عسفان فنظر يميناً وشمالاً فأبصر قبر أمه آمنة فذكر الحديث. ومنها حديث ابن عبَّاسٍ أن النبي ﷺ لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر فذكر الحديث. قال ابن كثير: (وهذا حديث غريب وسياق عجيب). وهذه الأحاديث الثلاثة قد أوردها السيوطي في الدر المنثور. ومع هذه الغرابة التي ذكرها العلماء في هذه الأحاديث. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي). وفي لفظ آخر: قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: (استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأُذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت). فهذا حديث زيارته واستئذانه في الاستغفار وليس فيه ذكر لنزول الآية، فكيف يقال ثبت من أحاديث تقدم حالها، ويترك هذا الحديث، وحديث المسيب في قصة مرض أبي طالب؟ وإذا ثبت هذا فاعلم أن قصة ألى طالب في مرضه ووفاته وقول النبي ﷺ (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) هي سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين. والذي حمل النبى ﷺ على هذا علمه ﵊ بقول إبراهيم لأبيه: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) فظن

стр. 586

- ﵊ أن هذا يسوغ له مع عمه فبين الله له عذر إبراهيم ﵊. ومما يدل على أن القصة سبب النزول قوله: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فالنبي ﷺ كان يخشى النهي ويتوقعه، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتأخر النزول هذا الزمن الطويل؛ لأن براءة من آخر القرآن نزولاً، أو يتأخر النهي حتى يزور قبر أمه، هذا بعيد. ثم أيضاً مما يدل على أن زيارته لقبر أمه لا صلة لها بالموضوع، أن استغفاره لعمه كان اتباعاً لإبراهيم ﵇ في استغفاره لأبيه، وهذا الاتباع في تلك الخصلة قد انقطع بنزول آية الممتحنة: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) والآية مدنية، وزيارة قبر أمه كان بعد الهجرة بل بعد إسلام أبي هريرة لأنه راوي الحديث، والله ينهى عن اتباع إبراهيم في تلك الخصلة، ويبين أنه ليس أُسوة فيها، فكيف يستغفر وبين يديه ما ترى؟ فإن قال قائل: ما تقول في استئذانه ربه أن يستغفر لأمه، وأنت تقول إن الآية نزلت في أبي طالب في مكة فكيف طلب الإذن؟ فالجواب: أن طلب الإذن لا يكون إلا من ممنوع، ولهذا قبل أن ينزل المنع قال: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. ثم إن طلب الإذن في استغفاره لأمه بعد نزول الآية في أبي طالب ليس فيه إشكال لأن أبا طالب أدرك الدعوة والرسالة فلم يؤمن بخلاف أمه التي ماتت وله ست سنين فظن ﵊ أن هذا الفرق مؤثر فاستأذن ربه في الاستغفار لها، فنهاه الله عن ذلك بدون قرآن. * النتيجة: أن استغفار رسول اللَّه ﷺ لعمه أبي طالب هو سبب نزول الآيتين الكريمتين، لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، وميل جمهور العلماء إليه وتصريحه بالنزول واللَّه أعلم.

стр. 587

١٠٢ - قال الله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن كعب بن مالك ﵁ يحدث حين تخلف عن قصة تبوك فواللَّه ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وأنزل اللَّه على رسوله ﷺ : (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) - إلى قوله - (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزول الآيات فمنهم من ساق الحديث بطوله، ومنهم من أشار إليه إشارة، ولم يسقه بتمامه، ومن هؤلاء الطبري والبغوي وابن

стр. 588

العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال القرطبي: (وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخر النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن) اهـ. وقال ابن عاشور: (والتعريف في (الثلاثة) تعريف العهد، فإنهم كانوا معروفين بين الناس وهم كعب بن مالك من بني سَلِمة، ومرارة بن الربيع العمري من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أُمية الواقفي من بني واقف، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر، ولما رجع النبي ﷺ من غزوة تبوك سألهم عن تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعترفوا بذنبهم وحزنوا. ونهى رسول الله ﷺ الناس عن كلامهم، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ثم عفا عنهم بعد خمسين ليلة، وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع الآخرين في صحيح البخاري مسلم طويل أغر) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآيات الكريمة ما جاء في قصة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ لصحة السند، وموافقة السياق القرآني، وإجماع المفسرين عليه والله أعلم. * * * * *

стр. 589

الجزء الثاني

стр. 590

سورة هود

стр. 591

سورة هود ١٠٣ - قال الله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري عن محمد بن عباد بن جعفر أن ابن عبَّاسٍ قرأ: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحيي، أو يتخلى فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة عند ابن عبَّاسٍ ﵄ وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث مع غيره عند نزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي، وابن عاشور. وهذا السبب المروي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ لا ينسجم مع سياق الآيات فالآية تتحدث عن هؤلاء حديث ذم وقدح، بينما المذكورون في الحديث ليسوا أهلاً للذم بل أهلٌ للثناء والمدح.

стр. 592

وقد قال القرطبي: (وقيل إن قوماً من المسلمين كانوا يتنسكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبين الله تعالى أن التنسك ما اشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل) اهـ. وقال ابن عاشور بعد ذكر السبب: (وهذا التفسير لا يناسب موقع الآية ولا اتساق الضمائر. فلعل مراد ابن عبَّاسٍ أن الآية تنطبق على صنيع هؤلاء وليس فعلهم هو سبب نزولها) اهـ. وما تقدم حق فإن الآية لم تنزل بسبب فعل هؤلاء المسلمين لأن السياق في غيرهم وهذا هو القول الأول. القول الثاني: ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الآية نزلت بسبب فعل المنافقين ولهذا قال الطبري: (قال بعضهم: ذلك كان من فعل بعض المنافقين، كان إذا مر برسول الله ﷺ غطى وجهه وثنى ظهره) اهـ. وقال القرطبي: (وقيل: قال المنافقون إذا أغلقنا أبوابنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية) اهـ. وقال الشنقيطي: (وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي ﷺ ثنى صدره وظهره، وطوطأ رأسه وغطى وجهه لكيلا يراه النبي ﷺ فيدعوه إلى الإيمان. حكي معناه عن عبد الله بن شداد) اهـ. وهذا القول يعكر عليه أمران: الأول: أن السورة مكية، والنفاق إنما كان بالمدينة، وليس معهوداً الحديث عن المنافقين في العهد المكي، ثم إن النفاق لم يظهر إلا بعد الهجرة، والسورة نزلت قبلها، فكيف تكون أحداث المدينة سبباً لنزول الآيات المكية؟ الثاني: أن الضمير في قوله: (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) يعود على اللَّه وليس على النبي ﷺ كما ذكره عامة المفسرين. قال الطبري: (إن الهاء في قوله: (منه) عائدة على اسم اللَّه، ولم يجر لمحمد ذكر قبلُ، فيجعل من ذكره ﷺ وهي في سياق الخبر عن اللَّه فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر اللَّه أولى) اهـ.

стр. 593

وقال ابن عطية: (فمعنى الآية: ألا إنهم يسرون العداوة ويتكتمون بها لتخفى في ظنهم عن الله، وهو تعالى حين تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون) اهـ. وقال ابن كثير: (وعود الضمير إلى الله أولى لقوله: (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) اهـ. وقال السعدي: (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أي من اللَّه، فتقع صدورهم حاجبةً لعلم اللَّه بأحوالهم، وبصره لهيئاتهم) اهـ. وقال الشنقيطي: (والضمير في قوله: (منه) عائد إلى اللَّه تعالى في أظهر القولين) اهـ. فإن قال قائل: ألا يمكن أن يكون مشركو مكة هم الذين كانوا يفعلون هذا؟ فالجواب: لا يمكن (لأن المشركين يومئذٍ لم يكونوا مصانعين للنبي ﷺ ) اهـ .. ثم يبقى الإشكال الآخر وهو أن الضمير يعود على اللَّه وليس على رسوله ﷺ وحينئذٍ ينتهي القول الثاني أيضًا، وهو نزولها في المنافقين لأن الآية مكية، ولأن الضمير يعود على اللَّه وليس على رسوله ﷺ . القول الثالث: أنها تتحدث عن المشركين، ومحاولة استتارهم عن اللَّه جل وعلا. قال القرطبي: (قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أخبر عن معاداة المشركين للنبي ﷺ والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم) اهـ. وقال السعدي: (يخبر تعالى عن حهل المشركين وشدة ضلالهم أنهم يثنون صدورهم أي يميلونها (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أي: من اللَّه فتقع صدورهم حاجبة لعلم الله بأحوالهم وبصره لهيئاتهم. قال تعالى - مبينًا خطأهم في هذا الظن - (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) أي

стр. 594

يتغطون بها، يعلمهم في تلك الحال، التي هي من أخفى الأشياء، بل (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ) من الأقوال والأفعال (وَمَا يُعْلِنُونَ) منها، بل ما هو أبلغ من ذلك وهو (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما فيها من الإرادات، والوساوس، والأفكار، التي لم ينطقوا بها سراً ولا جهراً، فكيف تخفى عليه حالكم، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه) اهـ. وقال الشنقيطي: (قال بعض العلماء معنى (يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) يغطون رؤوسهم لأجل كراهتهم استماع كلام الله كقوله تعالى عن نوح: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ). وقيل: كانوا إذا عملوا سوءاً ثنوا صدورهم، وغطوا رؤوسهم يظنون أنهم إن فعلوا ذلك أخفوا به عملهم على الله جل وعلا. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) اهـ. وقال ابن عاشور: (حُوِّل أسلوب الكلام عن مخاطبة النبي ﷺ بما أُمر بتبليغه إلى إعلامه بحال من أحوال الذين أمر بالتبليغ إليهم في جهلهم بإحاطة علم الله تعالى بكل حال من الكائنات من الذوات والأعمال ظاهرها وخفيها، فقدم لذلك إبطال وهم من أوهام الشرك أنهم في مكنة من إخفاء بعض أحوالهم عن الله تعالى. ثم ذكر كلامًا ... إلى أن قال: وضمائر الجماعة الغائبين عائدة إلى المشركين الذين أمر النبي ﷺ بالإبلاع إليهم في قوله: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) ثم ذكر كلامًا إلى أن قال: وهذا الكلام يحتمل الإجراء على حقيقة ألفاظه من الثني والصدور ويحتمل أن يكون تمثيلاً لهيئة نفسية بهيئة حسية. فعلى الاحتمال الأول يكون ذلك تعجيباً من جهالة أهل الشرك إذ كانوا يقيسون صفات الله تعالى على صفات الناس فيحسبون أن الله لا يطلع على ما يحجبونه عنه. وقد روي أن الآية أشارت إلى ما يفعله المشركون أن أحدهم يدخل بيته ويرخي الستر عليه، ويستغشي ثوبه، ويحني ظهره ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي؟ وذلك من جهلهم بعظمة اللَّه) اهـ. وبعد ذكر أقوال العلماء أود أن أبين الحقائق التالية: أولاً: أن الآية مكية، وبناءً على هذا فلا صلة لها بالمنافقين مطلقاً.

стр. 595

ثانياً: أن المعني بها قوم مشركون كما يدل عليه سياق الآيات السابق واللاحق وأسلوب خطابها، وبناء على هذا فلا صلة لها بالمسلمين الذين يستحيون عند الجماع وقضاء الحاجة من التكشف كما ذكره ابن عبَّاسٍ ﵄. ثالثاً: أن استتار المشركين واستخفاءهم كان عن اللَّه ولم يكن عن رسوله ﷺ . وقد اختلفت دوافع هذا الفعل عند العلماء: فقال بعضهم: أن الدافع هو إخفاء أعمالهم السيئة. وقيل: لئلا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره. وقيل: ليكتموا ما في قلوبهم. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا ليس سبب نزول الآية الكريمة لمخالفته سياق الآيات التي تتحدث عن المشركين في مكة واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 596

١٠٤ - قال اللَّه تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فاتى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: الجميع أمتي كلِّهم). وأخرجه مسلم والترمذي بلفظ آخر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها. فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك. فلم يرد النبي ﷺ شيئاً فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: (بل للناس كافة).

стр. 597

٢ - وأخرج الترمذي والنَّسَائِي نحوه عن أبي اليَسَر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا فقلت: إن في البيت تمرًا أطيبَ منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له، قال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا فلم أصبر فأتيت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له فقال: (أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا) حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، قال: وأطرق رسول الله ﷺ طويلاً حتى أوحى اللَّه إليه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ... ) إلى قوله (ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) قال أبو اليسر فأتيته فقرأها عليَّ رسول اللَّه ﷺ فقال أصحابه: يا رسول اللَّه ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: (بل للناس عامة).

стр. 598

وأخرج أحمد نحوه من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄. وأخرج الترمذي نحوه من حديث معاذ ﵁. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث أو بعضها على تفاوت بينهم منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب رجل نال من غير زوجته ولا ملك يمينه بعض ما يحرم عليه فتاب من ذنبه ذلك) اهـ. وقال ابن عطية: (وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار قيل هو أبو اليسر بن عمرو، وقيل اسمه عباد خلا بامرأة فقبلها ... فذكر الحديث) اهـ.

стр. 599

وقال القرطبي: (سبب النزول يعضد قول الجمهور نزلت في رجل من الأنصار) اهـ. والناظر في سورة هود يجد أنها مكية، وأما القصة فإنها مدنية فهل تكون سبباً لنزول الآية الكريمة؟ ابن العربي في شرح الترمذي: (قال: السابعة: اتفقوا على قوله: فأنزل الله أقم الصلاة) اهـ. ولا أدري ما يعني بهذا الاتفاق. وقال ابن عطية: (وروي أن الآية كانت نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله ﷺ في ذلك الرجل) اهـ. وقال ابن عاشور: (والظاهر أن المروي في هذه الآية هو الذي حمل ابن عباس وقتادة على القول بأن هذه الآية مدنية دون بقية هذه السورة لأنه وقع عند البخاري والترمذي قوله: (فأنزلت عليه) فإن كان كذلك كما ذكره الراوي فهذه الآية أُلحقت بهذه السورة في هذا المكان لمناسبة وقوع قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) قبلها وقوله: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، بعدها. وأما الذين رجحوا أن السورة كلها مكية فقالوا: إن الآية نزلت في الأمر بإقامة الصلوات، وإن النبي ﷺ أخبر بها الذي سأله عن القبلة الحرام وقد جاء تائباً ليعلمه بقوله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فيؤوّل قول الراوي: فأنزلت عليه، أنه أُنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل، ولجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب غير الفواحش. ويؤيد ذلك ما في رواية الترمذي عن علقمة والأسود عن ابن مسعود قوله: فتلا عليه رسول الله ﷺ (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) ولم يقولا: فأنزل عليه) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أنه ليس الإشكال في السورة هل هي مدنية أو مكية لأنه من الممكن أن تكون السورة مكية في أكثرها وبعضها مدني، والعكس صحيح لكن الإشكال في قوله: (فَأَنزَلَ اللَّهُ) أو قوله: (فتلا عليه) وما ذكره ابن عاشور هنا يحتمل الأمرين.

стр. 600

أما قول ابن عطية: (وروي أن الآية كانت نزلت قبل ذلك) فإني لا أدري ما يعني بقوله هذا. هل يريد أن الآية مكية؟ أو يريد أنها نزلت في غير هذا الرجل، فاستعملها رسول الله ﷺ فيه؟ الله أعلم. والظاهر لي - والله أعلم - أن قصة الرجل هي سبب نزول الآية لما يلي: ١ - أن أكثر الروايات تصرح بذكر النزول، فالبخاري، وأحمد، والنَّسَائِي، وابن ماجه لا يذكرون إلا النزول فقط. وأما مسلم والترمذي ففي أكثر رواياتهم أيضاً لا يذكرون إلا النزول، وفي روايات قليلة ذكروا التلاوة (فتلا عليه)، ومعلوم أن كثرة هؤلاء قرينة من قرائن الترجيح وكيف لا يكون ذلك، والبخاري معهم. ٢ - قول ابن العربي: اتفقوا على قوله: (فأنزل الله أقم الصلاة) ولا أدري من يعني بالمتفقين هل يعني بهم المحدثين وشراح الحديث لأنه قاله في عارضته على الترمذي، أو يعني بهم المفسرين لأنه منهم أيضاً، لا أدري لكن ليس غريباً أن يعني به الطرفين، وإنما المقصود هنا الاتفاق على نزول الآية الكريمة. ٣ - احتجاج المفسرين بالقصة على النزول، وجعلها سبباً لها، ولا ريب أن احتجاجهم هذا يقوي القلب ويجرئُ على الإقدام. وربما يؤيد النزول: أنه جاء في لفظ مسلم وتلا عليه هذه الآية (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ... ) فقال رجل من القوم: يا نبي اللَّه هذا له خاصة؟ قال: (بل للناس كافة). وجه الدلالة على النزول: أن الآية لو كانت قد نزلت قبل القصة لكان معلوماً أنها ليست له خاصة لأن مبرر التخصيص لم يوجد بعدُ وهو قصة الرجل مع المرأة، وستكون عامة بدون سؤال، فالسؤال عند القصة يدل على أن الآية حديثٌ نزولُها، والله الموفق للصواب. فإن قال قائل: ألفاظ الأحاديث التي ذكرتها ليست متطابقة لكنها متشابهة، فهل التشابه يدل على التغاير؟ فالجواب: لو كانت متطابقةً لما ذكرتها لأنها حينئذٍ ستكون حديثاً واحداً، أما التشابه فيدل على التغاير في التفاصيل وسرد القصة، أما أصلها
следующие страницы →