← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وقد أورد المفسرون هذه الأسباب عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور والشنقيطي. فأما حديث عبادة بن الصامت ﵁ فقد قال عنه البخاري: لا يثبت، كما تقدم ذلك في دراسة إسناده. فيبقى النظر حينئذٍ بين حديث سعد في أن الآية نزلت فيه، وحديث ابن عباس في أن الآية نزلت في اختلاف الصحابة في المغنم يوم بدر. فأما حديث سعد فيعضده أمور: أ - أن أحد رواته الإمام مسلم. ب - أن سعدًا صاحب القصة، وصاحب القصة غالباً أعلم بها من غيره. جـ - أن سعدًا كان يصرِّح بنزول أربع آيات فيه، هذه الآية إحداها. وأما حديث ابن عبَّاسٍ فيؤيده لفظ الآية فإن الله قال في كتابه يسألونك ولم يقع في حديث سعد ﵁ سؤال، ولهذا قال القرطبي عن حديث سعد: (يقتضي أن يكون ثَمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث، وقال بعضهم: إن (عن) بمعنى (من) لأنه إنما سأل شيئًا معينًا وهو السيف) اهـ.

стр. 527

ثم إن اللَّه قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) أي عن حكمها وقسمها ومشروعيتها، وهذا لم يقع في حديث سعد، بل الذي وقع في حديثه أنه سأل نفلاً، وفرق بين من يسأل عن الشيء وبين من يسأل الشيء فالأول مستفهم، والثاني يريد العطاء. فإن قيل: حديث ابن عبَّاسٍ لم يذكر فيه أنهم سألوا رسول اللَّه ﷺ عن حكم هذا؟ فالجواب: أن هذا صحيح، لكن عند التنازع، ليس لهم إلا أن يسألوا رسول الله ﷺ امتثالاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩). ثم في السياق أيضاً قول اللَّه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وليس في حديث سعد نزل، أو فساد ذات البين، بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فإنهم تنازعوا في المغنم (فقال المشيخة: كنا ردءًا لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول اللَّه ﷺ لنا) وإلى هذا الخلاف أشار عدد من المفسرين نظرا إلى سياق الآية: قال ابن عطية: (فيجيء من مجموع هذه الآثار أن نفوس أهل بدر تنافرت ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأَثرة لا سيما من أبلى فأنزل اللَّه الآية فرضي المسلمون وسلموا، فأصلح اللَّه ذات بينهم، ورد عليهم غنائمهم). اهـ. وقال السعدي: (وكانت هذه الآيات في هذه السورة، قد نزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عنها فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) كيف تقسم وعلى من تقسم؟) اهـ. وقال الشنقيطي: (جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها فقال بعضهم: نحن الذين حُزْنا الغنائم وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب، وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءاً لو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي ﷺ ) اهـ.

стр. 528

وقال ابن عاشور: (وعُطف الأمر بإصلاح ذات البين لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت: (اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا) فأمرهم الله بالتصافح) اهـ. وبما تقدم يتبين أن أسعد الدليلين بالآية وأحرى الحديثين بها حديث ابن عباس ﵁ لما بين الآية والحديث من الموافقة والمطابقة. فإن قيل: كيف تجيب عن حديث سعد بأن الآية نزلت فيه؟ فالجواب: أن لفظ الترمذي لحديث سعد جاء فيه: قال: (لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: (هذا ليس لي ولا لك) فقلت: عسى أن يُعطَى هذا من لا يبلي بلائي فجاءني الرسول فقال: (إنك سألتني وليس لي، وقد صار لي وهو لك) قال: فنزلت (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ). فقول رسول الله ﷺ : (هذا ليس لي ولا لك)، هنا لم يقع التنازع بين المسلمين بعدُ في شأن الغنائم، فلما وقع وأنزل اللَّه فيهم الآية جاء إليه وقال له: قد صار لي وهو لك. وقوله: (فنزلت يسألونك عن الأنفال) ظناً منه أنها نزلت فيه لقرب قصته من قصتهم وإلا فالأمر ليس كما ظن. وربما دلّ هذا اللفظ على أن قصة سعد ليست سبب نزولها، ولهذا قال له رسول الله ﷺ : (هذا ليس لي ولا لك) ولو كان سؤال سعد سبب نزولها لقال فنزلت الآية، لكنه أخَّر النزول حتى قال فجاءني الرسول فقال: (إنك سألتني وليس لي وقد صار لي وهو لك) فدل هذا على وقوع فاصل الله أعلم بزمنه. * النتيجة: أن سبب نزول الآيات الكريمة حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في اختلاف الصحابة وتنازعهم يوم بدر في الغنائم، وذلك لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، واعتماد جمهور العلماء عليه كما قاله الشنقيطي، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 529

٨٨ - قال اللَّه تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن عبد اللَّه بن عبَّاسٍ ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه (اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر. فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه. ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي اللَّه كذاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل اللَّه : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمده اللَّهُ بالملائكة.

стр. 530

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد بعض المفسرين هذا الحديث في سبب نزول هذه الآية منهم الطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. * النتيجة: أن هذا الحديث سبب لنزول الآية الكريمة لصحة إسناده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن، واعتماده عند المفسرين والله أعلم. * * * * *

стр. 531

٨٩ - قال الله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير قال: كان المستفتحَ يوم بدر أبو جهل، وإنه قال حين التقى القوم: اللهم أيُّنا كان أقطع للرحم، وآتى لما لا نعرف فافتح الغد، وكان ذلك استفتاحه فأنزل اللَّه: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا

стр. 532

الحديث أو غيره مما يماثله منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله ﷺ ببدر إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم وأظلم الفئتين وتستنصروه عليه فقد جاءكم حكم الله ونصره المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل) اهـ. وقال البغوي: (ذلك أن أبا جهل - لعنه الله - قال يوم بدر لما التقى الناس: اللهم أيّنا أفخر؟ يعني نفسه ومحمداً ﷺ قاطعاً للرحم وأتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه) اهـ. وقال ابن عطية: (قال أكثر المتأولين هذه الآية مخاطبة للكفار أهل مكة وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يدعو أبداً في محافل قريش ويقول اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يُعرف فأهلكه واجعله المغلوب يريد محمداً ﷺ وإياهم ... ثم ذكر غيره ... إلى أن قال: فقال لهم الله إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم أي كما ترونه عليكم لا لكم) اهـ. وقال القرطبي: (والصحيح أنه خطاب للكفار فإنهم لما نفروا لنصرة العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أهدى الطائفتين وأفضل الدينين) اهـ. وقال ابن كثير: (يقول تعالى للكفار: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) أي تستنصروا وتستقضوا اللَّه وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم ثم ساق الحديث وغيره معه) اهـ. وقال الشنقيطي: (المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء: الحكم وذلك أن قريشاً لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة وزعموا أنهم قطان بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج ونحو ذلك، وأن محمداً ﷺ فرق الجماعة، وقطع الرحم، وسفّه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا اللَّه أن يحكم بينهم وبين النبي ﷺ بأن يهلك الظالم منهم وينصر

стр. 533

المحق فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره وأنزل الآية، ويدل على أن المراد بالفتح هنا الحكم أنه تعالى اتبعه بما يدل على أن الخطاب لكفار مكة وهو قوله: (وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ) اهـ. وقال ابن عاشور: (وذكر المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر استنصروا الله تجاه الكعبة، وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يوم بدر استنصروا اللَّه أيضاً وقالوا: ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه، فخوطبوا بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم) اهـ. قلت: وما ذكره بعض المفسرين من أن الاستفتاح كان من قريش لا يعكر على الحديث الذي معنا وفيه أن سببها استفتاح أبي جهل؛ لأن ابن عطية ذكر أن أبا جهل كان يدعو أبداً في محافل قريش فربما كان النزول عند دعائه هو لأنه أكثرهم استفتاحاً، وإلا فقد أشار القرطبي وابن عاشور إلى أن المشركين يستفتحون أيضاً. * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة استفتاح أبي جهل وغيره المذكور في الحديث وهو وإن كان مرسلاً لكنه يتأيد بلفظ الآية، واحتجاج المفسرين من السلف والخلف به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 534

٩٥ - قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) قال: تشاورت قريش ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوثاق. يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليَّ على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﵁ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي ﷺ فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خُلِط عليهم فصعدوا في الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا، لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ.

стр. 535

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير الآية الكريمة، وقد أورد الطبري وابن كثير الحديث بنصه. قال ابن العربي مصرحًا بسبب نزولها: (قد بينا أنها مكية، وسبب نزولها والمراد بها ما روي أن قريشًا اجتمعت في دار الندوة، وقالت: إن أمر محمد قد طال علينا. فماذا ترون؟ فأخذوا في كل جانب من القول فذكر الحديث ... ) اهـ. وقال ابن عطية: (وهذا المكر الذي ذكره اللَّه في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارة إلى اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره، الحديث بطوله وهو الذي كان خروج رسول اللَّه ﷺ من مكة بسببه) اهـ. وقال القرطبي: (هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي ﷺ في دار الندوة فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ... حتى ذكر الحديث) اهـ. وقال السعدي: (واذكر أيها الرسول ما منّ الله به عليك إذ يمكر بك الذين كفروا حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي ﷺ إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه، وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم من دعوته - وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم، فكل أبدى من هذه الآراء رأيا رآه. فاتفق رأيهم على رأي رآه شريرهم، أبو جهل - لعنه اللَّه - وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفاً صارمًا ويقتله الجميع قتلة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل، فيرضى بنو هاشم ثمَّ بديته فلا يقدرون على مقاومة جميع قريش، فترصدوا للنبي ﷺ في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه، فجاء الوحي من السماء، وخرج عليهم فذر على رؤوسهم التراب

стр. 536

وخرج وأعمى الله أبصارهم عنه، حتى إذا استبطأوه جاءهم آتٍ وقال: خيبكم الله قد خرج محمد وذرَّ على رؤوسكم التراب فنفض كلٌّ منهم التراب عن رأسه ومنع الله رسوله منهم وأذن له في الهجرة إلى المدينة) اهـ. وقال ابن عاشور: (أشارت الآية إلى تردد قريش في أمر النبي ﷺ حين اجتمعوا للتشاور في ذلك بدار الندوة في الأيام الأخيرة قُبيل هجرته) اهـ. وبما تقدم من نصوص العلماء يتبين أن ابن العربي وحده ذهب إلى أن القصة سبب لنزول الآية، وما عداه من العلماء لم يذكروا السببية، لكنهم أشاروا إلى أن الآية تتحدث عن مكر قريش بالنبي ﷺ حبساً أو قتلاً أو نفياً وإخراجاً وهذا هو الصحيح فإنه لا شيء يدل على أن الآية نزلت بسبب تلك القصة بل الدليل يدل على عكس ذلك فإن هذا المكر والتشاور كان بمكة، والآية التي تتحدث عن ذلك مدنية ولهذا قال البغوي: (واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا وإذ قالوا اللهم؛ لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) اهـ. وإذا كان الأمر كذلك فكيف تنزل آية مدنية بسبب قصة مكية هذا خلاف المعهود عند العلماء في سبب النزول. ثم يضاف إلى هذا أمران آخران: الأول: أن ابن عبَّاسٍ ﵄ لم يذكر سبب النزول ولم يصرح به بل ذكر الآية من باب التفسير لها. الثاني: أن الحديث ضعيف الإسناد فلا يحتج به على سبب النزول. * النتيجة: أن الحديث ليس سبباً لنزول الآية، لضعف سنده، وطول الأمد بين القصة ونزول الآية، مع ترك جل المفسرين الاحتجاج به على السببية واللَّه أعلم.

стр. 537

٩١ - قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو جهل: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. فنزلت: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث، لكنهم مع ذلك مختلفون فيه فمنهم من يذكر نزول الآية بسبب هذا القول ومنهم من أغفل ذكر النزول، ومنهم من يذكر اسم أبي جهل والنضر كالبغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. ومنهم من يذكر النضر بن الحارث وحده كالطبري وابن عطية. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد أيضًا ما حل بمن قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) إذ مكرت لهم فأتيتهم بعذاب أليم، وكان ذلك العذاب

стр. 538

قتلهم بالسيف يوم بدر، وهذه الآية أيضاً ذكر أنها نزلت في النضر بن الحارث) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في النضر بن الحارث من بنى عبد الدار إلى أن قال ... وروى أنس ﵁ أن الذي قاله أبو جهل - لعنه الله -) اهـ. وقال ابن عطية: (روي عن مجاهد وابن جبير وعطاء والسدي أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث، وفيه نزلت هذه الآية. وترتب أن يقول النضر بن الحارث مقالةً وينسبها القرآن إلى جميعهم لأن النضر كان فيهم موسوماً بالنبل والفهم مسكونًا إلى قوله، فكان إذا قال قولاً قاله منهم كثير واتبعوه عليه حسبما يفعله الناس أبداً بعلمائهم وفقهائهم) اهـ. وقال القرطبي: (واختلف فيمن قال هذه المقالة فقال مجاهد وابن جبير: قائل هذا هو النضر بن الحارث، أنس بن مالك: قائله أبو جهل رواه البخاري ومسلم) اهـ. وكذلك ابن كثير لكنه قدم القول بأن القائل أبو جهل ثم أعقبه بقول من قال: إنه النضر بن الحارث. وقال ابن عاشور: (قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث، صاحب المقالة السابقة وقالها أيضاً أبو جهل، وإسناد القول إلى جميع المشركين من حيث إنهم كانوا يؤيدونه ويحكونه ويحاكونه) اهـ. وقال القرطبي: (قول أبي جهل: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) غلب على أبي جهل جهلُه فساء قولُه وفعلُه انظر كيف غلبت عليه جهالتُه وشقوته، فاستجيبت منه دعوته، فجدل صريعاً وسحب على وجهه إلى جهنم سحبًا قصيفاً) اهـ. وقال ابن حجر: (قال أبو جهل: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا .. ) إلخ ظاهر

стр. 539

في أنه القائل ذلك وإن كان هذا القول نسب إلى جماعة فلعله بدأ به ورضي الباقون فنُسب إليهم. وقد روى الطبراني من طريق ابن عبَّاسٍ أن القائل ذلك هو النضر بن الحارث قال: فأنزل اللَّه تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) وكذا قال مجاهد وعطاء والسدي ولا ينافي ذلك ما في الصحيح لاحتمال أن يكونا قالاه ولكن نسبته إلى أبي جهل) اهـ. وبعد ذكر أقوال العلماء لا بد من تحرير أمرين: الأول: من هو القائل؟ الثاني: هل هذه المقالة هي سبب نزول الآية الكريمة؟ أما الأول: فقد صح الحديث عن أنس ﵁ بأنه أبو جهل، لكن يعكر على هذا أن أنساً أنصاري لا يعرف أبا جهل ولم يسمع منه ثم هو صغير السن وقتها، وهذا ربما هو الذي حمل أكثر المفسرين على القول بأنه النضر بن الحارث لأن الذي قال هذا ابن عبَّاسٍ وهو وإن كان صغيراً وقتها لكن الله علمه التأويل وميّزه به، ثم ابن عبَّاسٍ أيضاً يسمع هذا الكلام من أبيه وغيره وهو من أهل مكة، وأهل البلد عادةً أدرى بما فيه، ومما يؤيد هذا أن الآية التي سبقتها قالوا إنها تتحدث عن النضر بن الحارث فهو الذي قال: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) وإذا كان هذا قوله فليكن ما بعده قولاً له أيضاً وهذا لا يمنع أن يكون أبو جهل قال هذا تلقفا لمقالة النضر فسمعه من سمعه فظن أنه قوله أصلاً. أما الثاني: وهو هل هذا الدعاء سبب نزول الآية؟ فالجواب: أن المعروف عند المفسرين أن سورة الأنفال نزلت ببدر فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبَّاسٍ: سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر. قال ابن عاشور: (وقد اتفق رجال الأثر كلهم على أنها نزلت في غزوة

стр. 540

بدر: قال ابن إسحاق أنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها، وكانت غزوة بدر في رمضان من العام الثاني للهجرة بعد عام ونصف من يوم الهجرة) اهـ. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون الدعاء هذا سبباً لنزول آية بعده بعام ونصف؟ هذا ليس معهوداً وليس مصطلحاً عليه عند العلماء. فإن قال قائل: هذا الدعاء لم يكن بمكة إنما كان ببدر عند حضورهم لحرب رسول الله ﷺ وعلى هذا فليس بين الدعاء والنزول أمد. فالجواب: أن هذا الإيراد غير صحيح بل الدعاء كان بمكة بدلالة الآيات نفسها فإن الله قال: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فقال اللَّه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). فعند الدعاء كان النبي ﷺ فيهم، ولم يكن فيهم إلا حين كان بمكة قبل الهجرة. ثم أيضاً قول الله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) لو كان الاستغفار يوم بدر لما وقع عليهم العذاب من القتل والأسرة لأن الاستغفار يمنع العذاب بنص الآية، فدل هذا على أن الاستغفار كان في الزمن الذي كان النبي ﷺ فيه بمكة وأضيف أيضاً لما سبق أن اللَّه بدأ الآية بقوله (وإذ) وهي ظرف لما مضى من الزمان، ومثلها قبلها (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ... ) الآية فالآيات تذكِّر رسول الله ﷺ بما ناله من الكافرين، وبرحمة اللَّه به وإحسانه إليه إذ أنجاه من المجرمين والحمد للَّه رب العالمين. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبب نزول الآية الكريمة لوجود زمن طويل بين القصة والنزول، بل الآية تذكير للنبي ﷺ لما جرى بينه وبين المشركين ولعل هذا هو سبب ترك المفسرين لهذا الحديث في السببية والتفاتهم لحديث النضر بن الحارث والله أعلم.

стр. 541

٩٢ - قال اللَّه تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما نزلت: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) قال: فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في نزول هذه الآية. وقد أورد الطبري والقرطبي وابن كثير هذا الحديث على تفاوت بينهم في سياقه طولاً وقصرًا. قال البغوي: (كان هذا يوم بدر فرض اللَّه على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين فخفف اللَّه عنهم فنزل: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) اهـ. وقال ابن العربي: (قال قوم: كان هذا يوم بدر ثم نسخ، وهذا خطأ من قائله لأن المسلمين كانوا يوم بدر ثلاثمائة ونيِّفًا، والكفار كانوا تسعمائة ونيِّفًا فكان للواحد ثلاثة، وأما هذه المقابلة وهي الواحد بالعشرة فلم ينقل أن المسلمين صافُّوا المشركين عليها قط، ولكن الباري فرض ذلك عليهم أولاً،

стр. 542

وعلله بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه وهو الثواب، وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه ثم نسخ ذلك) اهـ. قال ابن عاشور: (هذه الآية نزلت بعد نزول الآية التي قبلها بمدة. قال في الكشاف: (وذلك بعد مدة طويلة). ولعله بعد نزول جميع سورة الأنفال، ولعلها وضعت في هذا الموضع لأنها نزلت مفردة غير متصلة بآيات سورة أخرى، فجعل لها هذا الموضع لأنه أنسب بها لتكون متصلة بالآية التي نسخت هي حكمَها، ولم أرَ من عيَّن زمن نزولها ولا شك أنه كان قبل فتح مكة فهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً محضاً لأنها آية مستقلة) اهـ. قال ابن حجر: (قوله: (شق ذلك على المسلمين) زاد الإسماعيلي من طريق سفيان ابن أبي شيبة عن جرير (جهد الناس ذلك وشق عليهم). قوله: (فجاء التخفيف) في رواية الإسماعيلي: فنزلت الآية الأخرى - وزاد - ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين، ولا قوم من مثلهم) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن قول البغوي كان هذا يوم بدر فرض اللَّه على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين قولٌ صحيح فقد تقدم في السبب السابق أن سورة الأنفال نزلت في بدر. وأن قول ابن العربي: لم ينقل أن المسلمين صافُّوا المشركين عليها قط، ولكن الباري فرض ذلك عليهم أولاً، أن هذا صحيح. وأما قول ابن عاشور: أنها نزلت بعد الآية التي قبلها بمدة، ونقله عن صاحب الكشاف (وذلك بعد مدة طويلة) فلا أدري من أين أتى بهذا؟ وعلى أيِّ شيء يعتمد؟ ثم هو بعد سطرين فقط يقول: ولم أرَ من عيَّن زمن نزولها، هذا تردد يستغرب عليه. أما قول ابن حجر في رواية الإسماعيلي: (جهد الناس ذلك وشق عليهم، إلى قوله: فنزلت الآية الأخرى) فهذا صحيح، وهو نظير قولهم

стр. 543

لما نزل: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) بعد أن اشتد عليهم: أي رسول اللَّه كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ... إلى أن قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل اللَّه في إثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) ونظير ذلك أمرهم بتقديم الصدقة عند مناجاة رسوله ﷺ ثم لما رأى ﵎ شفقة المؤمنين ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة سهل الأمر عليهم ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة. فإن قال قائل: ما قولك في قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) فالضعف يظهر عند التطبيق، والتخفيف بعده، وأنت صححت قول ابن العربي في أن هذا لم يقع؟ فالجواب: أن الضعف يظهر بالقول كما يظهر بالفعل، وفي القصة الأولى أظهر الصحابة ضعفهم بأقوالهم فقالوا: (وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها). وإذا كان الأمر كذلك فإني لا أرى ما يمنع أن يكون ثبات الواحد للعشرة من هذا الباب فلما شق على المسلمين فرضُ ذلك عليهم نسخه اللَّه بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا). ولعل مما يؤيد قولي: قوله: (شق ذلك على المسلمين)، وقوله: (جهد الناس ذلك وشق عليهم) فإن هذا يشير إلى أن التخفيف جاء سريعاً. ولم يتأخر كما اختاره الزمخشري، وهذا من رحمة اللَّه بهذه الأمة التي رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت على غيرهم ممن سبقهم. بل روح الشريعة وقلبها، وبها اليسر والسماحة ورفع الخرج، فالحمد للَّه أولاً وآخراً، وظاهرًا، وباطناً. * النتيجة: أن سبب نزول قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) أنه قد شق على المسلمين

стр. 544

ثبات الواحد منهم لعشرة من الكافرين، والذي دعاني لاختيار هذا مع أنه ليس لي سلف أتشبَّث به من المفسرين، أن روايات الحديث تشير إليه، وكذلك بعض الأمثلة المشابهة في كتاب الله، والتي ذكرت اثنين منها، مع صحة إسناده، وارتباطه بحدث معين، وموافقته للفظ الآية والله أعلم. * * * * *

стр. 545

٩٣ - قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي اللَّه ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه، مادّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمده الله بالملائكة. قال أبو زُمَيْل: فحدثني ابن عبَّاسٍ قال: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه. إذ سمع ضربة بالسوط فوقه. وصوت الفارس يقول: أَقْدِم حيزوم. فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً. فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط فاخضرَّ ذلك أجمع،

стр. 546

فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول اللَّه - كلهم - فقال: (صدقت. ذلك من مدد السماء الثالثة) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال أبو زميل: قال ابن عبَّاسٍ: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكر: يا نبي اللَّه هم بنو العم والعشيرة أَرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوةً على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : (ما ترى يا ابن الخطاب) قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه. وتمكني من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت. فلما كان من الغد جئت فإذا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أيِّ شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما. فقال رسول اللَّه ﷺ : (أَبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء. لقد عُرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة) شجرة قريبة من نبي اللَّه ﷺ . وأنزل اللَّه : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إلى قوله .. (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فأحل اللَّه الغنيمة لهم. وأخرج أحمد والترمذي نحوه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.

стр. 547

وأخرج أحمد نحوه من حديث أنس بن مالك ﵁. ٢ - وأخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل النار من السماء فتأكلها، فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل اللَّه : (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا).

стр. 548

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. وقد دلّ حديث أبي هريرة ﵁ على صلة الغنائم بقوله : (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا). ومال إلى هذا الطبري فقال: (لولا قضاء من اللَّه سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة، وأن اللَّه قضى فيما قضى، أنه لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله ﷺ ناصرًا دين اللَّه لنالكم من اللَّه بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم) اهـ. وقال ابن العربي: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) في إحلال الغنيمة لعذَّبتم بما اقتحمتم فيها مما ليس لكم اقتحامه إلا بشرع) اهـ. وقال القرطبي: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) اختلف الناس في كتاب اللَّه السابق على أقوال أصحها ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرمة على من قبلنا فلما كان يوم بدر أسرع الناس إلى الغنائم فأنزل الله : (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) أي بتحليل الغنائم) اهـ.

стр. 549

وقال ابن كثير: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) لهذه الأمة بإحلال الغنائم) اهـ. وعندي - والله تعالى أعلم - أن قوله تعالى: (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) له صلة باستبقاء الأسرى وأخذ الفداء عن ذلك، ولا صلة له بالغنيمة لوجهين: الأول: أن رسول الله ﷺ قال لعمر: أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة. فالنبي ﷺ ذكر أخذهم الفداء الناشئ عن استبقاء الرجال وربط العذاب بذلك، ولم يأتِ للغنائم ذكر، وأولى ما يُفسر به القرآن الصحيح من السنة. الثاني: أن الله ذكر الفداء بقوله: (أَخَذْتُمْ) وهو تعبير النبي ﷺ وذكر الغنيمة بقوله: (غَنِمْتُمْ) واختلاف المباني يدل على اختلاف المقصود من المعاني. فإن قال قائل: العذاب المستحق عليهم بأخذهم الفداء ما الذي رفعه؟ فالجواب: (الكتاب السابق من أنه لا يعذب من غير أن يتقدم بالإنذار) اهـ. وهنا أسئلة ثلاثة تنتظر الجواب: الأول: جاء في حديث أبي هريرة ﵁ فلما كان يوم بدر أسرِع الناس في الغنائم فأنزل الله : (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فالحديث دلّ على صلة الآية بالغنائم. فالجواب: أن الآيات نزلت دفعة واحدة فظن بعض الناس أن لها صلةً بها فحدّث بذلك وأبو هريرة لم يشهد هذا بنفسه لأنه لم يُسلم بعد، والذي يحمل على هذا الظن أن الله ذكر بعدها أكل الغنائم فقال: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) فالتبس هذا بهذا. فإن قيل: هل سبق إلى هذا القول أحد من المفسرين؟

стр. 550

فالجواب: نعم فقد قال ابن عطية في قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) (المراد ما أُخذ من الأسرى من الأموال) اهـ. وقال في موضع آخر: (والذي أقول في هذا أن العتب لأصحاب النبي ﷺ بقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ ... ) إلى قوله: (عَظِيمٌ) إنما هو على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبةً في أخذ المال منهم) اهـ. فتأمل قوله: (إلى قوله (عَظِيمٌ) إنما هو على استبقاء الرجال رغبة في أخذ المال منهم، فإن هذا عين ما وقع فيه الإشكال. الثاني: ماذا أفاد قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ... )؟ فالجواب: أنه لما وقع التوبيخ عليهم لأخذهم الفداء تحرجوا حتى من الغنيمة فأمسكوا عنها فبين اللَّه لهم حلها بقوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا). فأمرهم بالأكل وأحله وطيَّبه. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يكون اللَّه قد أَحل الغنائم بهذه الآية؟ فالجواب: هذا لا يقال فقد تقدم حديث ابن عبَّاسٍ عند نزول قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) فقد اختلف المشيخة والفتيان في المغنم حتى أنزل اللَّه الآية، والقصة متقدمة لأن الذي نزل عليها أول السورة. بل ذهب بعض أهل العلم إلى أن حِل الغنائم قد تقدم قصة بدر، قال ابن العربي: (وقد كانوا غنموا أول غنيمة في الإسلام حين أرسل النبي ﷺ عبد اللَّه بن جحش في رجب مَقْفله من بدر الأولى، إلى أن قال ... وعزل عبد اللَّه لرسول اللَّه ﷺ خمس الغنيمة، وقسم سائرها بين أصحابه) اهـ. قال ابن عطية مؤيدًا: (وكذلك ذكروا في هذه الآيات تحليل المغانم لهذه الأمة ولا أقول ذلك لأن حكم الله تعالى بتحليل المغنم لهذه الأمة قد كان تقدم قبل بدر وذلك في السرية التي قُتل فيها عمرو بن الحضرمي) اهـ.

стр. 551

قال ابن القيم عن تلك السرية: (ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام) اهـ. الثالث: قال اللَّه تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) من المقصود بهذا؟ فالجواب: قال ابن القيم: (وأما بكاء النبي ﷺ فإنما كان رحمةً لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرض الدنيا، ولم يُرد ذلك رسول اللَّه ﷺ ولا أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعم، ولا تصيب من أراد ذلك خاصة، كما هزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: (لن نغلب اليوم من قلة) وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهزم الجيش بذلك فتنة ومحنة ثم استقر الأمر على النصر والظفر) اهـ. * النتيجة: أن نزول قوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ) إلى قوله: (عَظِيمٌ) كان بشأن أخذ الفداء واستبقاء الأسرى وهو ما دلّ عليه حديث ابن عبَّاسٍ - ربما -. وأن قوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ... ) نزلت رافعةً للحرج الناشئ عن توبيخهم على أخذ الفداء وسبب هذا: النظر في سياق الآيات والوقائع المتعلقة بتاريخ القصة مع صحة الأحاديث، وتصريحها بالنزول واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 552

سورة التوبة

стр. 553

سورة التوبة ٩٤ - قال اِلة تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد عن النعمان بن بشير ﵁ قال: كنتُ عند منبر رسول اللَّه ﷺ فقال رجل: ما أُبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أَسقي الحاج. وقال آخر: ما أُبالي أن لا أَعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل اللَّه أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة. ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل اللَّه : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وغيره معه عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي، وابن عاشور.

стр. 554

قال الطبري: (أجعلتم أيها القوم سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن باللَّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون هؤلاء وأولئك، ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن اللَّه تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملاً، (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي لا يوفق لصالح الأعمال من كان به كافراً ولتوحيده جاحداً. إلى أن قال: الذين آمنوا باللَّه: صدقوا بتوحيده من المشركين وهاجروا دور قومهم وجاهدوا المشركين في دين الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأرفع منزلة عنده، من سقاة الحاج، وعمار المسجد الحرام وهم باللَّه مشركون) اهـ. وقال السعدي: الما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين في تفضيل عمارة المسجد الحرام بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج على الإيمان باللَّه والجهاد في سبيله أخبر الله تعالى بالتفاوت بينهما فذكر كلامًا إلى أن قال: فالجهاد والإيمان باللَّه، أفضل من سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة لأن الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال. وأما الجهاد في سبيل اللَّه فهو ذروة سنام الدين، وبه يحفظ الدين الإسلامي ويتسع وينصر الحق ويخذل الباطل. وأما عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج فهي وإن كانت أعمالاً صالحةً فهي متوقفة على الإيمان، وليس فيها من المصالح ما في الإيمان والجهاد نلذلك قال: (لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) اهـ محل الشاهد. وقال ابن عاشور: (وأحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري والواحدي عن النعمان بن بشير ... ثم ساق الحديث الذي معنا) اهـ. وقد قال القرطبي المحدث: (أما حديث النعمان هذا فمشكل على مساق الآية فإنه يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال، وحينئذٍ لا يصلح أن يكون قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ... ) إلى قوله: (لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ) نزل جواباً لذلك، فإن أولئك المسلمين لم

стр. 555

يختلفوا في أن الإيمان مع الجهاد أفضل من مجرد السقاية والعمارة وإنما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام وقد نصّوا على ذلك في الحديث وأيضاً: فلا يليق أن يقال لهم في هذا الذي اختلفوا فيه (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وأيضاً: فإن الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ .. ) تدل على أن الخطاب مع المشركين فتعين الإشكال، فلينظر في التخلص منه، ويمكن أن يتخلص منه بأن يقال: إن بعض الرواة تسامح في قوله: فأنزل اللَّه الآية وإِنَّمَا قرأ النبي ﷺ على عمر الآية حين سأله فظن الراوي أنها نزلت حينئذٍ وإِنَّمَا استدل بها النبي ﷺ على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر فاستفتى لهم فتلا عليه ما كان قد أُنزل عليه في المشركين لا أنها نزلت في هؤلاء) اهـ. وقد نقل القرطبي المفسر عنه الحجة الأولى وجوابه الذي ذكره، وقد سبقهما إلى هذا الطبري كما يفهم من كلامه، لكنه لم يذكر حجةً وسأتناول حجج القرطبي بالمناقشة: أما حجته الأولى: فخلاصتها أن المسلمين اختلفوا في الأفضل بعد الإسلام، أما الآية فلا تتفق مع اختلافهم على حد قوله؛ لأنها جردت السقاية والعمارة من الإيمان وقرنت الجهاد بالإيمان، إذن فالإشكال والجواب مختلفان. والجواب: أن الجهاد لا يُتصور بدون الإيمان، فكيف يجاهد من لم يؤمن، وأما العمارة والسقاية فتقعان بدون الإيمان والدليل وجودهما في الواقع على عهده ﷺ وعدم ذكر الإيمان مع السقاية والعمارة في الآية ليس ذكرًا للعدم، وإِنَّمَا حكايةً للواقع والممكن. أما حجته الثانية: فلأن الله ختم الآية بقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وهذا لا يناسب المتحدثين. فالجواب: وما يدريك فلعل الله اطلع على قلوب أولئك فعلم من بعضهم ميلاً إلى السقاية والعمارة مع الرغبة في الدعة والسلامة لا أنه كان يخفى عليهم

стр. 556

جميعاً شأن الجهاد وقد قال اللَّه تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤). وهذه الآية لم يفصل بينها وبين الآيات التي معنا إلا آيةً واحدة ليست منها بل هي منفصلة. أَوَليس بعض الصحابة قد هموا بالإقامة على الأموال وإصلاحها وترك الجهاد مع رسول الله ﷺ حتى نُهوا أن يُلقوا بأيديهم إلى التهلكة؟ ثم أليس من الخطأ التسويةُ بين مجاهد يبذل نفسه ومهجته وماله لِلَّهِ لا يدري هل يرجع من ذلك بشيء، وبين مقيم بين أهله يعمر ويسقي لا يخاف شيئاً من ذلك؟ أما حجته الثالثة: فقال إن سياق الآيات في المشركين. والجواب: أن سياق الآيات كلها في المؤمنين باستثناء قوله: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ)، فكيف يقال إن السياق في المشركين. ثم إن سورة التوبة من آخر القرآن نزولاً في المدينة فكيف اختلفوا مع المسلمين؟ وأين كان هذا؟ وأيضاً فإن الله قال: (أَجَعَلْتُمْ) فهل يعهد في القرآن أن يخاطب اللَّه المشركين على هذا النحو لأن الأمر حسبما ذكره المفسرون أن المشركين هم الذين افتخروا بالسقاية والعمارة، والمؤمنين بالإيمان والجهاد، فمقتضى هذا أن يتوجه الخطاب للمشركين. ثم هل للمشركين قدر أو قيمة يستحقون بها العناية الإلهية ببيان الفاضل من المفضول لهم؟ وأيضاً قول الله : (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)، ألا يدل أفعل التفضيل على وجود مفضل ومفضل عليه، فالمفضل المؤمن المجاهد، والمفضل عليه المؤمن الذي يعمر ويسقي، ولو كان المفضل عليه مشركاً لم يكن فيه أدنى فضل.

стр. 557

وليس إشكالنا مع القرطبي أن بعض الرواة قد وهم فبدلاً من أن يقول: فقرأ قال: فأنزل، فهذا أمر ممكن وقد سلكتُ هذا المسلك في البحث أحياناً لكن عند وجود القرائن والدلائل عليه. ثم هنا لنا أن نسأل ونقول أين إسنادكم على ما ذكرتم، وإن كان فهل ينهض ويقارب إسناد مسلم أو يماثله؟ * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة الحديث الذي رواه النعمان بن بشير لصحة إسناده وتصريحه بالنزول، واتفاقه مع لفظ الآية وسياق القرآن، والنظر الصحيح واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 558

٩٥ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذر ﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال: معاوية نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذاك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت، فكنت قريبًا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حبشياً لسمعت وأطعت.

стр. 559

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية الكريمة ولم أرَ من العلماء من صرّح بأن للآية قصةَ نزلت بسببها، لكن أورد المفسرون هذا الحديث عند تفسيرهم للآية الكريمة منهم الطبري وابن العربي، وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور) اهـ. أما شأن الصواب بين أبي ذر ومعاوية ﵁ فلم أرَ أحداً قصر الآية على أهل الكتاب كما فعل معاوية، وأكثر العلماء على عمومها في أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين. قال ابن العربي: (المدرك الثاني - أن الآية عامة في أهل الكتاب وغيرهم) اهـ. وقال القرطبي: (وقال أبو ذر وغيره المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين، وهو الصحيح لِأنه لو أراد أهل الكتاب خاصةَ لقال: ويكنزون، بغير والذين. فلما قال (الَّذِينَ) فقد استأنف معنَى آخر يبين أنه عطف جملة على جملة) اهـ. وقال السعدي: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) أي يمسكونها ولا ينفقونها في سبيل اللَّه، أي: طرق الخير الموصلة إلى اللَّه، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة كأن يمنع منها الزكاة، أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل اللَّه إذا وجبت) اهـ. وقال الشنقيطي: (وقال بعض العلماء هي في خصوص أهل الكتاب بدليل اقترانها مع قوله: (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ). فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي الزكاة، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة) اهـ.

стр. 560

وذهب ابن عاشور إلى أن الآية عنت جيش العسرة في غزوة تبوك حتى قال: (وقد ورد في السيرة أن رسول اللَّه ﷺ حض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل اللَّه، وقد أنفق عثمان بن عفان ألف دينار ذهباً على جيش غزوة تبوك، وحمل كثيرٌ من أهل الغنى، فالذين انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية ب (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ولا شك أنهم من المنافقين) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لعدم وجود ما يدل على ذلك من نصه أو من سياق الآيات، فقوله: نزلت فينا وفيهم، مراده أن الآية بسياقها تناولت هؤلاء وهؤلاء، لا أنها نزلت بسبب حدث من أحد الفريقين. والله أعلم. * * * * *

стр. 561

٩٦ - قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد والنَّسَائِي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي ﷺ يقسم، جاء عبد اللَّه بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول اللَّه، فقال: (ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل) قال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه قال: (دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِئة، ينظر في قُذَذِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَصْلِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصَافِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نَضِيّهِ فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم، آيَتُهم رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه،

стр. 562

مثل ثدي المرأة، أو قال مثل البضعة تدَرْدَرُ، يخرجون على حين فرقة من الناس). قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ قال فنزلت فيه: وَمِنهُم (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال البغوي: (نزلت في ذي الخويصرة التميمي واسمه حرقوص بن زهير، أصل الخوارج) اهـ. * فائدة: سبب قول الرجل ما قال أنه لم يُعط من تلك القسمة فغضب من ذلك قال السعدي: (ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك في قسمة الصدقات، وينتقد عليك فيها وليس انتقادهم فيها وعيبهم، لقصد صحيح، ولا لرأي رجيح، وإنما مقصودهم أن يعطوا منها: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) اهـ.

стр. 563

وقال ابن عاشور: (عرف المنافقون بالشح، ومن شحهم أنهم يودون أن الصدقات توزع عليهم، فإذا رأوها توزع على غيرهم، طعنوا في إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم ويظهرون أنهم يغارون على مستحقيها، ويشمئزون من صرفها في غير أهلها، وإنما يرومون بذلك أن تقصر عليهم). اهـ بتصرف يسير. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة إسناده، وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 564

٩٧ - قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: لما أُمرنا بالصدقة كنا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن اللَّه لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاءً فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ .. ) الآية. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد الحديث الطبري والقرطبي وابن كثير في سبب نزولها وذكروا معه غيره. وساق البغوي وابن عطية وابن عاشور أحاديث مشابهة. قال الطبري: (يقول اللَّه تعالى ذكره: الذين يلمزون المطوعين في الصدقة

стр. 565

على أهل المسكنة والحاجة، بما لم يوجبه اللَّه عليهم في أموالهم، ويطعنون فيها عليهم بقولهم: إنما تصدقوا به رياءً وسمعة، ولم يريدوا وجه اللَّه، ويلمزون الذين لا يجدون ما يتصدقون به إلا جهدهم وذلك طاقتهم، فينتقصونهم ويقولون: لقد كان اللَّه عن صدقة هؤلاء غنيًا، سخرية منهم بهم ... إلى أن قال: وذكر أن المعنيّ بقوله: (الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي الأنصاري، وأن المعني بقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف) اهـ. قال ابن كثير: (وهذا أيضاً من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا إن اللَّه لغني عن صدقة هذا كما روى البخاري ... ثم ساق الحديث) اهـ. وقال البغوي: (قال أهل التفسير: حث رسول اللَّه ﷺ على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول اللَّه مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل اللَّه، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول اللَّه ﷺ : (بارك اللَّه لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ) فبارك اللَّه في ماله حتى أنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم، وتصدق يومئذٍ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحبحاب بصاعٍ من تمر، وقال: يا رسول اللَّه بتُّ ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلتُ صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول اللَّه ﷺ أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياءً، وإن كان الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكنه أراد أن يذكر فيمن أعطى الصدقة فأنزل اللَّه : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) اهـ. قال ابن عطية: (وأما المتصدق بكثير الذي كان سببًا للآية فأكثر الروايات أنه عبد الرحمن بن عوف ثم ساق الحديث إلى أن قال: وأما المتصدق بقليل فهو أبو عقيل حبحاب الأراشي فذكر الحديث إلى آخره) اهـ. وقال ابن عاشور: (نزلت بسبب حادث حدث في مدة نزول السورة:
следующие страницы →