← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فإن قال قائل: قول ابن عبَّاسٍ: ثم أمر بالهجرة فنزلت. ما تقول فيه؟ فالجواب: على فرض صحة الحديث فلا يدل على النزول، غاية ما فيه أن الله أراد تهيئته للهجرة فأمره بهذا الدعاء، وأما سبب النزول فلا بد من واقعة أو سؤال تنزل الآية معالجةً لها أو مجيبةً عليه. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبب نزولها لضعف سنده، وعدم دلالته على النزول وإعراض العلماء عن القول بالسببية، واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 632

١١٣ - قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حرث بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يُوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي .. ). ٢ - أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالت قريش لليهود، أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) قالوا: أُوتينا علماً كثيراً أُوتينا التوراة، ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً قال: فأنزل اللَّه : (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ).

стр. 633

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد أكثر المفسرين حديث ابن مسعود ﵁ وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي، وابن عطية، والقرطبي. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ويسألك الكفار باللَّه من أهل الكتاب عن الروح ما هي؟ قل لهم: الروح من أمر ربي، وما أُوتيتم أنتم وجميع الناس من العلم إلا قليلاً، وذُكر أن الذين سألوا رسول اللَّه ﷺ عن الروح، فنزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها كانوا قوماً من اليهود) اهـ. وقال ابن عطية: (الضمير في يسألونك قيل هو لليهود وأن الآية مدنية ... ثم ساق الحديث وقيل: الآية مكية والضمير لقريش) اهـ. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية مكية: قال ابن كثير لما ساق حديث ابن مسعود: (وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلها مكية، وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه

стр. 634

يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه وهي هذه الآية (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد حدثنا ... ) اهـ. وقال ابن عاشور: (وقع هذه الآية بين الآي التي معها يقتضي نظمه أن مرجع ضمير (يَسْأَلُونَكَ) هو مرجع الضمائر المتقدمة فالسائلون عن الروح هم قريش .. ثم ذكر الحديث. ثم قال: والجمهور على أن الجميع نزل بمكة. وأما ما روي في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: ثم ساق الحديث ... فالجمع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ المتقدم: أن اليهود لما سألوا النبي ﷺ قد ظن النبي أنهم أقرب من قريش إلى فهم معنى الروح فانتظر أن ينزل عليه الوحي بما يجيبهم به أبين مما أجاب به قريشاً، فكرر اللَّه تعالى إنزال الآية التي نزلت بمكة، أو أمره أن يتلوها عليهم ليعلم أنهم وقريشاً سواء في العجز عن إدراك هذه الحقيقة أو أن الجواب لا يتغير). اهـ بتصرف. وقال الحافظ ابن حجر في شرح حديث ابن مسعود: (وهذا يدل على أن نزول الآية وقع بالمدينة لكن روى الترمذي ... ثم ساق حديث ابن عبَّاسٍ ... ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح) اهـ. وخلاصة ما احتج به القائلون بأن سبب نزولها حديث ابن عبَّاسٍ ما يلي: ١ - أن السورة كلها مكية، يعني أنها نزلت قبل سؤال اليهود. ٢ - أن سياق الضمائر في الآيات كانت في قريش، وهذا منها في قوله: (يَسْأَلُونَكَ). وأجابوا عن حديث ابن مسعود بما يلي: ١ - أن الآية نزلت عليه في المدينة مرة ثانية. ٢ - أو نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه.

стр. 635

وسأجيب مستعيناً باللَّه عما أوردوه من حجج فأقول: قولهم: إن السورة كلها مكية قول لا يملكون لإثباته دليلاً صحيحاً صريحاً ألبتة ومن الخطأ عند بعض العلماء ﵏ أنه يدع أحاديث صحيحة صريحة قطعية الثبوت إلى أقوال ظنية لبعض العلماء منشأها ومردها الاستنباط المحض والاجتهاد الخاص الخالي من الدليل مما قادهم وقاد من تابعهم على أقوالهم إلى اختلاف كثير في علوم القرآن عموماً وفي أسباب النزول، والمكي والمدني خصوصًا. وما نحن فيه هو من هذا الباب، فترى بعضهم يقول: إن هذه الآية مدنية، وآخر يقول: والجمهور على أن الجميع نزل بمكة. وإذا أردت أن تعرف اختلافهم في تحديد ذلك فارجع لمقدمة ابن عاشور عند بداية سورة الإسراء لترى المزيد. والمزعج في الموضوع أن هذه الاختلافات المجردة عن الدليل عادت بالإبطال والرد على الأحاديث الصحيحة، فأصبح دفعها ممكناً ولأدنى سبب حتى من بعض المحققين الثقات. إذا تبين لك هذا فاعلم أنه لا يستطيع أحد مهما جلَّ قدره وعلا في العلم شأنه أن يقيم دليلاً على أن آيات السورة كلها مدنية أو مكية، نعم القول في بعضها ممكن لوجود القرائن والدلائل عليه، أما الجميع فلا. وحينئذٍ فقد تم الانفكاك من حجتهم الأولى. أما الثانية: وهي قوله: إن مرجع ضمير (يَسْأَلُونَكَ) هو مرجع الضمائر المتقدمة أي أنها في قريش. فالجواب أن يقال: إن أقرب ضمير يعود على قريش قبل هذه الآية بينه وبينها ثمانِ آيات وهو قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ). ثم لو سلمنا بهذا: ألا يمكن أن يتنوع عود الضمائر بسبب تنوع القرائن كما هو كثير معروف عند العلماء حتى في الآية الواحدة فما بالك بآيات منفصلات؟

стр. 636

بل لو قال قائل: إن الناظر المتأمل في الآية يجد أنه لا صلة لها بالسابق واللاحق لم يكن قوله بعيداً من الصواب. وسأذكر بعض الأحاديث عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ ثم أقوم بالمقارنة بين حديثي ابن عبَّاسٍ وابن مسعود ﵄. قال عبد الرحمن بن يزيد سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ قال: في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العِتَاقِ الأُول، وهنّ من تِلادي. وقال شقيق بن سلمة: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: واللَّه لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعاً وسبعين سورة، واللَّه لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب اللَّه، وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعتُ رادّا يقول غير ذلك. وقال مسروق: قال عبد الله ﵁: واللَّه الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورة من كتاب اللَّه، إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب اللَّه، إلا أنا أعلم فيما أُنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبتُ إليه. وقد دلت هذه الأحاديث على أمور: ١ - أن سورة الإسراء من أوائل ما حفظ ابن مسعود ﵁ وعادة المرء

стр. 637

إتقان ما حفظ قديماً إتقاناً يفوق الحديث، أفكان يخفى على ابن مسعود بعد هذا قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... ) أنها نزلت بسبب سؤال قريش. مع أن ابن عبَّاسٍ في ذلك الوقت لم يولد بعد لأن عمره حين وفاة النبي ﷺ كان ثلاثة عشر عاماً. ٢ - أن ابن مسعود تلقف من الفم الشريف بضعاً وسبعين سورة أي ما يجاوز ثلثي سور القرآن. إذا أضفت هذا إلى قوله: ولقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله. فاجتمع العلم والحفظ والتميز والصحبة في حقه ﵁ أفيمكن أن يقدم قول غيره على قوله مع كل هذا؟ ٣ - أنه يقسم وهو صادق بارٌّ بدون قسم أنه ما أُنزلت سورة من كتاب اللَّه إلا وهو يعلم أين نزلت؟ أي هل هي في مكة أو في المدينة؟ هل هي قبل الهجرة أم بعد الهجرة؟ ويقسم أنه يعلم فيما أُنزلت؟ في جواب المشركين أو اليهود أو النصارى؟ ويؤكد هذا كله بأنه لو يعلم أحداً أعلم بكتاب اللَّه منه تبلغه الإبل لركب إليه. فهذه العبارات القوية، والجمل الصادقة الواثقة منه ﵁ تنادي أهل التفسير خصوصًا والمشتغلين بالقرآن عموماً أن لكم مراجع علميةً فلا تتجاوزوها وحدوداً فلا تعتدوها. وإذا أردنا المقارنة بين الحديثين تبين ما يلي: ١ - أن حديث ابن مسعود ﵁ صحيح الإسناد لا مطعن فيه بوجه من الوجوه قد روي في أصح كتابين بعد كتاب اللَّه ، وليس الأمر كذلك في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ فكيف إذا كان حديث ابن عبَّاسٍ قد اختلف في وصله وإرساله. ٢ - أن ابن مسعود كان بصحبة رسول الله ﷺ زمن القصة، وليس الأمر كذلك بالنسبة لابن عبَّاسٍ، وقد قيل: ليس الشاهد كالغائب. ٣ - أن حديث ابن مسعود تضمن تفصيلاً خلا منه حديث ابن عبَّاسٍ وفيه: فقام ساعة ينظر فعرفت أنه يُوحى إليه فتأخرت عنه حتى صعد الوحى، والتفصيل دليل على الضبط والإتقان، والعلم التام بما حدث.

стр. 638

٤ - أن الآية لو نزلت بسبب حديث ابن عبَّاسٍ، فلماذا يعيد اليهود السؤال عن ذلك بالمدينة مرة ثانية، لا سيما أن اليهود قد علموا جواب اللَّه للمشركين في مكة حسبما يدل عليه حديث ابن عبَّاسٍ ولهذا قالوا بعد نزول الآية: أُوتينا علماً كثيراً، أُوتينا التوراة. وبهذا يظهر ويتبين أن سبب نزول الآية الكريمة هو حديث ابن مسعود لما تقدم. بقي أن أجيب عن أدلتهم في الجمع بين السببين وخلاصتها: أن الآية نزلت عليه في المدينة مرة ثانية، وهذا غريب، إذ ما الفائدة؟ وما هي الحكمة أن تنزل عليه الآية مرة ثانية، وهي محفوظة في صدره،؟ مع أنه لا يوجد دليل يدل على تكرر النزول، والأصل عدمه. ولو كانت الآية قد نزلت قبل ذلك لأجابهم بها حين سألوه عن الروح، ولم ينزل الوحي لذلك. الثانية: أنه نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وأضاف ابن عاشور: (أن النبي ظن أنهم أقرب من قريش إلى فهم معنى الروح) وهذا أغرب من سابقه والأمر لا يخلو من حالين: الأولى: أن النبي ﷺ يعلم أن قريشاً أخذوا السؤال من اليهود كما دلّ عليه حديث ابن عبَّاسٍ وحينئذٍ فالجواب للفريقين، وعلى هذا ينتفي تعليل ابن عاشور. الثانية: أن النبي ﷺ لا يعلم أن قريشًا أخذوا السؤال من اليهود وهذا بعيد لأن رسول اللَّه ﷺ يعرف ما عند قومه من العلم، وما عند غيرهم من أهل الكتاب، ويعلم الصلات بين الطرفين حق العلم، وإذا كان كذلك فلماذا لم يتلو الآية على اليهود حين سألوه، واضطر لانتظار الوحي؟ وإذا كنا نقول بأن سبب النزول حديث ابن مسعود فإنه ينتفي الاحتمال ويرتفع الإشكال ويندفع الحالان. * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة حديث ابن مسعود لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج أكثر المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 639

١١٤ - قال اللَّه تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) قال: نزلت ورسول اللَّه ﷺ مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) بِهَا عن أصحابك فلا تسمعهم (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا). ٢ - أخرِج البخاري ومالك ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا). أُنزلت في الدعاء. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين

стр. 640

هذين الحديثين عند ذكرهم لسبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ما ذكرنا عن ابن عباس ... ثم ذكر كلامًا حتى قال: فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: قل ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن، أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك ودعائك فيها ربك ومسألتك إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك المشركون، ولا تخافت بها فلا يسمعها أصحابك (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) ولكن التمس بين الجهر والمخافتة طريقًا إلى أن تسمع أصحابك، ولا يسمعه المشركون فيؤذونك) اهـ. وقال السعدي: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ) أي قراءتك (وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) فإن في كل من الأمرين محذورًا، أما الجهر فإن المشركين المكذبين به إذا سمعوه سبوه وسبوا من جاء به. وأما المخافتة فإنه لا يحصل المقصود لمن أراد استماعه مع الإخفاء، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ) أي اتخذ بين الجهر والإخفات (سَبِيلًا) أي تتوسط فيما بينهما) اهـ. وقال النووي بعد ذكر الحديثين: الكن المختار الأظهر ما قاله ابن عباس ﵄) اهـ. وقال ابن حجر: (يحتمل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الصحيح في سبب نزولها حديث ابن عباس ﵁ وذلك لموافقته سياق القرآن وبيان ذلك:

стр. 641

أن اللَّه تعالى نهى عن الجهر والمخافتة، ولو كان المراد بالصلاة الدعاء لما نهى عن المخافتة به لأن هذا هو المشروع فيه لقوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥). قال السعدي: (وَخُفْيَةً) أي: لا جهر أو علانية، يخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصاً للَّه تعالى. ثم ذكر كلامًا حتى قال: أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه) اهـ. فهذه دلالة السياق على أن الدعاء ليس مراداً هنا. ويقال أيضاً: إن إطلاق الصلاة على الدعاء إطلاق لغوي، بينما إطلاق الصلاة على العبادة المعروفة إطلاق شرعي، والمتكلم بالقرآن هو المشرّع ﷺ وإذا دار كلام الشارع بين أن يحمل على الاصطلاح الشرعي، أو الاصطلاح اللغوي وجب حمله على الشرعي لأن المتكلم به هو الشارع الحكيم. فإن قال قائل: ما تقول في قوله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣). أليس المراد بالصلاة هنا الدعاء بنص القرآن؟ فالجواب: بلى، لكن لوجود القرينة، وهي أنه لا يمكن أن يراد بالصلاة هنا الصلاة المعهودة. فلم يبق إلا الدعاء. ولهذا كان من هدي النبي ﷺ الدعاء لصاحب الصدقة، لما روي الشيخان عن عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صلِّ على آلِ فلان) فأتاه أبي بصدقته فقال: (اللهم صلِّ على آلِ أبي أوفى). فإن قال قائل: هل تطلق الصلاة ويراد بها القراءة؟

стр. 642

فالجواب: نعم فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : قال اللَّه تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد للَّه رب العالمين. قال اللَّه تعالى حمدني عبدي ... الحديث. قال ابن العربي: (عبر اللَّه هاهنا بالصلاة عن القراءة، كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)؛ لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر، الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود، فهي من جملة أجزائها فيعبر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن الجزء) اهـ. فإن قيل: بماذا تجيب عن قول عائشة ﵂ أنزلت في الدعاء؟ فالجواب: أني لا أدري ما وجه هذا القول إلا إن كانت تعني بقولها قولَ الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فهذا بيِّن أنه في الدعاء. أما قول ابن حجر: (الجمع بأنها نزلت في الدعاء داخل الصلاة). فالجواب عن ذلك من وجهين: أولاً: أن مقتضى هذا إلغاء دلالة حديث ابن عبَّاسٍ على أن السبب هو القراءة فلم يتحقق الجمع. ثانياً: أن رفع الصوت بالدعاء داخل الصلاة لم يكن معروفاً ولا معهودًا ولا دليل عليه. * النتيجة: أن حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ هو سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 643

سورة الكهف

стр. 644

سورة الكهف ١١٥ - قال اللَّه تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) سبب النزول: أخرج ابن ماجه عن خباب في قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ... ) إلى قوله: (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللَّه ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب. قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العربُ فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد. فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك. فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال: (نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً. قال: فدعا بصحيفة. ودعا عليًا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل ﵇ فقال: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢). ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣). ثم قال: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول اللَّه ﷺ يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام

стр. 645

وتركنا. فأنزل الله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) ولا تجالس الأشراف (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) يعني عيينة والأقرع (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (قال: هلاكاً) قال: أمر عيينة والأقرع ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد ذهب جمهور المفسرين إلى المعنى الذي دلَّ عليه الحديث، على اختلاف بينهم وتفاوت في الأحاديث التي ذكروها. منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : لا تعد عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر، وذلك أن رسول الله ﷺ أتاه فيما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم: بل من عظماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام فرأوه جالساً مع خباب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا قالوا: فهمَّ رسول الله ﷺ فأنزل اللَّه عليه: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ثم كان يقوم إذا أراد القيام، ويتركهم قعوداً فأنزل اللَّه عليه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) اهـ موضع الشاهد.

стр. 646

وقال البغوي: (نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي ﷺ قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان وعليه شمله قد عرق فيها وبيده خوصة يشقها ثم ينسجها فقال عيينة للنبي ﷺ : أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً فأنزل اللَّه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ). اهـ. وقال ابن عطية: (سبب هذه الآية: أن عظماء الكفار قيل من أهل مكة وقيل عيينة بن حصن وأصحابه والأول أصوب لأن السورة مكية قالوا لرسول اللَّه ﷺ لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك يريدون عمار بن ياسر وصهيب بن سنان وسلمان الفارسي وابن مسعود وغيرهم من الفقراء كبلال ونحوه وقالوا: إن ريح جباتهم تؤذينا فنزلت الآية بسبب ذلك). اهـ. وقال الشنقيطي: (وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار، وصهيب، وبلال وابن مسعود ونحوهم لما أراد صناديد الكفار من النبي ﷺ أن يطردهم عنه ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين، وقد قدمنا في سورة الأنعام أن اللَّه كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنه إذا رآهم يسلم عليهم وذلك في قوله: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) - إلى قوله - (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ). اهـ. وقال ابن عاشور: (وتقدم في سوره الأنعام عند قوله تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أن سادة المشركين كانوا زعموا أنه لولا أن من المؤمنين ناساً أهل خصاصة في الدنيا وأرقاء لا يدانوهم ولا يستأهلون الجلوس معهم لأتوا إلى مجالسة النبي ﷺ واستمعوا القرآن فاقترحوا عليه أن يطردهم من حوله إذا غشيه سادة قريش، فرد اللَّه عليهم بما في سورة الأنعام وما في هذه السورة) اهـ. هذه أقوال المفسرين في شأن الآية وقد أطبقت على أن سبب نزولها هو استكبار الكافرين عن الجلوس مع النبي ﷺ بحضرة هؤلاء الضعفاء، وقد

стр. 647

تباينت أقوال المفسرين في تحديد هؤلاء الكافرين، وأصح الأقوال في ذلك - واللَّه أعلم - أنهم كفار قريش لأن سورة الكهف مكية متقدمة النزول. بقي أن يقال: إن حديث خباب ﵁ ضعيف السند فكيف يحتج به؟ فالجواب: أن يقال: هذا الكلام صحيح، ولعل مما يجبر الضعف إجماع المفسرين على المعنى الذي دلَّ عليه الحديث. وكذلك سياق القرآن فإن السياق يطابق كلام المفسرين تماماً، ويدل عليه. وإذا كان الفقهاء يلتزمون أحكاماً بالحلال والحرام مبنيةً على أحاديث ضعيفة لأن قواعد الشريعة تشهد لها، والأمة تلقتها بالقبول، أو كانت تعتضد بالمتابعات والشواهد فلعل هذا مما يشفع لنا هنا لأن الحديث قد أجمع على معناه المفسرون، وسياق القرآن يشهد له. واللَّه أعلم. * النتيجة: أن سبب النزول المذكور وإن كان ضعيفاً لكن يعتضد بإجماع المفسرين على معناه وبسياق الآيات القرآني ويكون سبب نزولها والله أعلم. * * * * *

стр. 648

١١٦ - قال الله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)، قالوا: أُوتينا علماً كثيراً، أُوتينا التوراة ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً قال فأنزل اللَّه : (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة، وقد أورد البغوي والقرطبي وابن عاشور هذا الحديث لسبب نزولها. وقال ابن عطية: (روي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي ﷺ كيف، تزعم أنك نبي الأمم كلها، ومبعوث إليها، وأنك أُعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، وأنت مقصر قد سئلت في الروح ولم تجب فيه، ونحو هذا من القول فنزلت الآية معلمةً باتساع معلومات اللَّه، وأنها غير متناهية) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية وإن كان إسناده صحيحاً لأمرين:

стр. 649

الأول: أنه ليس بين الحديث المذكور وسياق الآية أيُّ ارتباط مما يجعل القول بأنه سبب نزولها بعيداً، إذ لا بد أن يكون بين السبب والآية قدر مشترك ولو كان يسيراً. الثاني: إعراض كثير من المفسرين عن ذكر الحديث والاحتجاج به على السببية مما يوجب الشك والتردد. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية لعدم موافقته لسياق القرآن، وإعراض كثير من المفسرين عن ذكره - والله أعلم -. * * * * *

стр. 650

سورة مريم

стр. 651

سورة مريم ١١٧ - قال الله تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (يا جبريل، ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا) فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا) إلى آخر الآية، قال: كان هذا الجوابَ لمحمد ﷺ . * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد المفسرون هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل استبطاء رسول الله ﷺ -

стр. 652

جبرائيل بالوحي، وقد ذكرت بعض الرواية، ونذكر إن شاء اللَّه باقي ما حضرنا ذكره مما لم نذكر قبل ... ثم ساق الروايات في ذلك حتى قال: فتأويل الكلام إذن: فلا تستبطئنا يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نتنزل من السماء إلى الأرض إلا بأمر ربك لنا بالنزول إليها، للَّه ما هو حادث من أمور الآخرة التي لم تأت وهي آتية، وما قد مضى فخلفناه من أمر الدنيا، وما بين وقتنا هذا إلى قيام الساعة بيده ذلك كله، وهو مالكه ومصرفه لا يملك ذلك غيره، فليس لنا أن نحدث في سلطانه أمراً إلا بأمره إيانا به، ولم يكن ربك ذا نسيان فيتأخر نزولي إليك بنسيانه إياك بل هو الذي لا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض ... ) اهـ محل الشاهد. قال السعدي: (استبطأ النبي ﷺ جبريل ﵇ مرة في نزوله إليه فقال له: (لو تأتينا أكثر مما تأتينا) شوقاً إليه، وتوحشاً لفراقه، وليطمئن قلبه بنزوله. فأنزل الله على لسان جبريل (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) أي ليس لنا من الأمر شيء، إن أمرنا ابتدرنا أمره ولم نعص له أمراً كما قال اللَّه عنهم: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، فنحن عبيد مأمورون. ثم ذكر كلامًا حتى قال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) أي لم يكن لينساك ويهملك كما قال تعالى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) بل لم يزل معتنياً بأمورك، مجرياً لك على أحسن عوائده الجميلة وتدابيره الجليلة. فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا يحزنك ذلك ولا يهمك، واعلم أن الله هو الذي أراد ذلك لماله من الحكمة فيه) اهـ بتصرف يسير. وقال ابن عاشور: (وهو أصح ما روي في سبب نزولها وأليقه بموقعها هنا ولا يلتفت إلى غيره من الأقوال في سبب نزولها) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين على القول به. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 653

١١٨ - قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن خباب ﵁ قال: كنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيتُه أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: قلت: لن أكفر به حتى تموتَ ثم تبعث قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مالٍ وولد، قال: فنزلت: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد اتفق جمهور المفسرين على

стр. 654

أن هذا سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي والشنقيطي وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ أفرأيت يا محمد الذي كفر بحججنا فلم يصدق بها، وأنكر وعيدنا من أهل الكفر وقال وهو باللَّه كافر وبرسوله لأوتينَّ في الآخرة مالاً وولدًا، وذكر أن هذه الآيات أُنزلت في العاص بن وائل السهمي) اهـ ثم ساق الروايات في ذلك. وقال ابن عطية: (الذي كفر يعني به العاصي بن وائل السهمي قاله جمهور المفسرين) اهـ. وقال السعدي: (أفلا تعجب من حال هذا الكافر، الذي جمع بين كفره بآيات الله، ودعواه الكبيرة، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدًا أي: يكون من أهل الجنة وهذا من أعجب الأمور فلو كان مؤمناً باللَّه وادعى هذه الدعوى لسهل الأمر. وهذه الآية وإن كانت نازلةً في كافر معين فإنها تشمل كل كافر زعم أنه على الحق وأنه من أهل الجنة. قال اللَّه توبيخاً له وتكذيبًا (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) أي أحاط علمه بالغيب حتى علم ما يكون وأن من جملة ما يكون أنه يؤتى يوم القيامة مالاً وولداً؟. (أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) أنه نائل ما قاله، أي: لم يكن شيء من ذلك فعلم أنه متقول، قائل ما لا علم له به، وهذا التقسيم والترديد في غاية ما يكون من الإلزام وإقامة الحجة، فإن الذي يزعم أنه حاصل له خير عند اللَّه في الآخرة لا يخلو: إما أن يكون قوله صادراً عن علم بالغيوب المستقبلة، وقد علم أن هذا للَّه وحده فلا أحد يعلم شيئًا من المستقبلات الغيبية إلا من أطلعه الله عليه من رسله.

стр. 655

وإما أن يكون متخذاً عهداً عند الله بالإيمان به واتباع رسله الذين عهد اللَّه لأهله وأوزع أنهم أهل الآخرة والناجون الفائزون. فإذا انتفى هذان الأمران، علم بذلك بطلان الدعوى ولهذا قال تعالى: (كلا) أي: ليس الأمر كما زعم، فليس للقائل اطلاع على الغيب لأنه كافر ليس عنده من علم الرسل شيء ولا اتخذ عند الرحمن عهدًا لكفره وعدم إيمانه) اهـ. وقال الشنقيطي: (والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث، وبذلك يتم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه: أنه يؤتى يوم القيامة مالاً وولدًا. أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول: قولك إنك تؤتى مالاً وولدًا يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء: الأول: أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ. والثاني: أن يكون الله أعطاك عهداً بهذا، فإنه إن أعطاك عهدًا لن يخلفه. والثالث: أن تكون قلت هذا افتراءً على اللَّه من غير عهد ولا اطلاع غيب. وقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله: (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) مبطلاً لهما بأداة الإنكار، ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا فتعين القسم الثالث) اهـ. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا هو سبب نزول الآيات الكريمة لصحة سنده وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين عليه. والله أعلم. * * * * *

стр. 656

سورة الحج

стр. 657

سورة الحج ١١ ٩ - قال اللَّه تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدتِ امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد أورد هذا الحديث الطبري والبغوي وابن عطية وابن كثير وابن عاشور وجعلوا الحديث سبب نزولها. وأورده القرطبي ومعه غيره لكن بدون ترجيح. قال الطبري: (يعني جل ذكره بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ)

стр. 658

أعراباً كانوا يقدمون على رسول اللَّه ﷺ مهاجرين من باديتهم، فإن نالوا رخاءً من عيش بعد الهجرة، والدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام وإلا ارتدوا على أعقابهم فقال الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ) على شك (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ) وهو السعة من العيش وما يشبهه مبن أسباب الدنيا اطمأن به. يقول: استقر بالإسلام وثبت عليه، (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ) وهو الضيق بالعيش وما يشبهه من أسباب الدنيا (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) يقول: ارتد فانقلب على وجهه الذي كان عليه من الكفر باللَّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) اهـ. ثم ساق الحديث. وقال البغوي: (نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته ذكراً وكثر ماله قال: هذا دين حسن وقد أصبت خيراً واطمأن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأُجهضت فرسه وقل ماله قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شراً فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة فأنزل الله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) اهـ. وقال ابن عطية: (هذه الآية نزلت في أعراب وقوم لا يقين لهم كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقات حسان من نمو ماله وولد ذكر يرزقه وغير ذلك قال: هذا دين جيد وتمسك به لهذه المعاني وإن كان الأمر بخلاف ذلك تشاءم به وارتد كما صنع العرنيون وغيرهم، قال هذا المعنى ابن عبَّاسٍ ومجاهد وقتادة وغيرهم) اهـ. وقال ابن كثير بعد ذكر السبب: (وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية) اهـ. وقال ابن عاشور: (والظاهر أن هذه الآية نزلت بالمدينة. ثم ساق الحديث إلى أن قال: وفي رواية الحسن أنها نزلت في المنافقين مثل عبد اللَّه بن أبي ابن سلول وهذا بعيد لأن أولئك كانوا مبطنين الكفر فلا ينطبق عليهم قوله: (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ) وممن يصلح مثالاً لهذا الفريق العرنيون). اهـ بتصرف يسير. وقال السعدي: (ومن الناس من هو ضعيف الإيمان لم يدخل الإيمان

стр. 659

قلبه ولم تخالطه بشاشته بل دخل فيه إما خوفًا، وإما عادةً على وجه لا يثبت عند المحن. (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ) إن استمر رزقه رغدًا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير لا إيمانه، فهذا ربما أن اللَّه يعافيه ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه. (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ) من حصول مكروه، أو زوال محبوب (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أي ارتد عن دينه) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية، لصحة سنده، وموافقته للسياق القرآني واتفاق المفسرين على معناه. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 660

١٢٠ - قال الله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي وابن ماجه عن أبي ذر ﵁ أنه كان يقسم قَسَماً: إن هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ). نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزةَ وعلي وعبيدةَ بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وأخرجه البخاري والنَّسَائِي عن علي ﵁ قال: فينا نزلت هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).

стр. 661

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد اختلفت أنظار المفسرين في الحديث. فمنهم من ذهب إلى أنه سبب نزولها كالقرطبي والشنقيطي. قال القرطبي بعد أن ذكر الأقوال: (والقول الأول أصح) اهـ يعني حديث أبي ذر وعلي ﵄. وقال الشنقيطي: (نزل في المبارزين يوم بدر) اهـ. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية تتناول المؤمنين والكافرين عموماً وإن كانت صورة السبب تدخل في العموم دخولاً أوليًا، واختار هذا الطبري وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري بعد ذكر الأقوال: (وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب وأشبهها بتأويل الآية قول من قال: عنى بالخصمين جميع الكفار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع المؤمنين وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لأنه تعالى ذكره، ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر: أهل معصية له قد حق عليه العذاب. فذكر كلامًا حتى قال: فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن أبي ذر في قوله: (إن ذلك نزل في الذين بارزوا يوم بدر؟) قيل: ذلك إن شاء اللَّه كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه من تلك) اهـ. وقال ابن كثير: (وقول مجاهد وعطاء أن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين اللَّه والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن) اهـ. وقال ابن عاشور: (فالمراد من هذه الآية ما يعم جميع المؤمنين، وجميع مخالفيهم في الدين. ثم ذكر حديث أبي ذر فقال: والأظهر أن أبا ذر عنى

стр. 662

بنزول الآية في هؤلاء أن أولئك النفر الستة هم أبرز مثال وأشهر فرد في هذا العموم فعبر بالنزول وهو يريد أنهم ممن يقصد من معنى الآية، ومثل هذا كثير في كلام المتقدمين) اهـ. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية في المؤمنين والكافرين عموماً، واختار هذا ابن عطية والسعدي. قال ابن عطية: (وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن ابن أبي الحسن وعاصم والكلبي الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، وهذا قول تعضده الآية وذلك أنه تقدم قوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) المعنى: هم مؤمنون ساجدون، ثم قال: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) ثم أشار إلى هذين الصنفين بقوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ) اهـ. وقال السعدي: (يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض من الذين أُوتوا الكتاب من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس ومن المشركين أن اللَّه سيجمعهم جميعهم ليوم القيامة ويفصل بينهم بحكمه العدل ثم ذكر كلامًا إلى أن قال: ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) كل يدَّعي أنه المحق) اهـ. والفرق بين هذا القول وسابقه أن الأولين وإن كانوا يرون العموم إلا أنهم أشاروا إلى حديث أبي ذر وعلي ﵄ بخلاف ابن عطية والسعدي فلم يشيرا إليه والله أعلم. أما البغوي فقد ساق عدداً من الأقوال بداية بحديث أبي ذر، لكنه لم يتعقبها بشيءٍ. وقبل تحرير الكلام في المسألة أود أن أبين أن البحث في أمرين: الأول: هل للآية سبب نزول. الثاني: فيمن نزلت هذه الآية. أما الأول: فالظاهر - والله أعلم - أن الآية تتحدث عن الخصومة بين عسكرين: إيمان، وكفر: أيًّا كان حال هذين العسكرين، وتُبين ما أعد الله لهما

стр. 663

من الثواب والعقاب: ولم تنزل لتعالج قضية حاضرة تنتظر الجواب لحلها، مما يجعل القول بأن الآية نزلت بسبب كذا بعيد. وإنما مراد من أشار إلى النزول أن الآية تتناول بعمومها هؤلاء المذكورين وغيرهم ممن يماثلهم. أما الثاني: فإن الناظر في سياق الآيات يلحظ حديثها العام بين الإيمان والكفر وبيان ذلك ما يلى: أولاً: أن اللَّه ذكر المؤمنين واليهود والصابئين والنصارى والمجوس والمشركين، وهذه طوائف الكفر مع الإيمان، وعقب هذا بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ). ثانياً: أن اللَّه ذكر السجود له وأن كثيراً من الناس يسجد له، وكثيرًا حق عليه العذاب. ثالثاً: أن اللَّه ذكر ما أعد لكلا الطائفتين من النعيم والعذاب المقيم. وإذا نظرت إلى قول أبي ذر وأنه كان يقسم أن هذه الآية نزلت في المذكورين يوم بدر وقول علي ﵁: (أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة). قلت: إن الآية تتحدث عن هؤلاء المبارزين يوم بدر فقط. وعندي - واللَّه أعلم - أن الآية تعم المؤمنين ومن خالفهم في الدين، وهؤلاء الستة هم أبرز مثال وأشهر فرد في هذا العموم، وهذا اختيار الطبري وابن كثير وابن عاشور، وبهذا تتحقق الموازنة بين سياق الآيات، والأحاديث الواردة في ذلك. * النتيجة: أن الآية نزلت تتحدث عن الخصومة بين المؤمنين والكافرين، وليس لها سبب معلوم، كالمصطلح عليه، وذلك لدلالة السياق على ذلك، واختيار أكثر المفسرين له. واللَّه أعلم.

стр. 664

١٢١ - قال الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما أُخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوِا نبيَّهم إنا للَّه وإنا إليه راجعون، لَيَهْلِكُنَّ. فنزلت: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال: فعرف أنه سيكون قتال. قال ابن عبَّاسٍ: هي أول آية نزلت في القتال.

стр. 665

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد الطبري وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير هذا الحديث عند تفسيرها ومعه غيره من الأقوال. وقال البغوي: (قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فيقول لهم: اصبروا فإني لم أُومر بالقتال حتى هاجر رسول اللَّه ﷺ فأنزل الله هذه الآية) اهـ. وقال السعدي: (كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة وأُوذوا وحصل لهم منعة وقوة أذن لهم بالقتال كما قال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين فأذن اللَّه لهم بقتال الذين يقاتلونهم) اهـ. وقال ابن عاشور: (وذلك أن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة أذى شديداً فذكر كلامًا حتى قال: فلما هاجر نزلت هذه الآية بعد بيعة العقبة إذنًا لهم بالتهيؤ للدفاع عن أنفسهم ولم يكن قتال قبل ذلك كما يؤذن به قوله تعالى عقب هذا: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) اهـ. وبما تقدم من أقوال العلماء لم يتبين لي أن الحديث سبب لنزول الآية الكريمة، حتى من الذين ذكروا الحديث. وإنما مرادهم أن الآية نزلت بالإذن لرسول اللَّه ﷺ وأصحابه بقتال من ظلمهم، بصدهم عن دينهم، وإخراجهم من ديارهم.

стр. 666

ولو نظرنا إلى الصلة بين الحديث وسياق الآية لما وجدنا بينهما ارتباطأ؛ لأن قول أبي بكر: أخرجوا نبيهم إنا للَّه وإنا إليه راجعون ليهلكن، ليس بينه وبين سياق الآية أدنى اشتراك. وإذا أضفت إلى هذا وذاك أن الحديث مرسل كان هذا مما يضعف دلالة الحديث على السببية. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية لعدم وجود الدليل على ذلك من سياق الآية أو من سند الحديث، أو من أقوال المفسرين واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 667

سورة المؤمنون

стр. 668

سورة المؤمنون ١٢٢ - قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أنشدك اللَّه والرحم، فقد أكلنا العِلهِز - يعني الوبر والدم - فأنزل اللَّه : (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد هذا الحديث الطبري وابن كثير.

стр. 669

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا وشخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه وينيبوا إلى طاعته (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) يقول: وما يتذللون له. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشًا بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ ) اهـ. وذكر البغوي وابن عطية والقرطبي الحديث بلفظ مقارب. قال البغوي: (وذلك أن النبي ﷺ دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم القحط فجاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ وقال: أنشدك الله والرحم، ألستَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم فأنزل اللَّه هذه الآية (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم) اهـ. وقال ابن عطية: (هذا إخبار من اللَّه تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع هذا قول روي عن ابن عبَّاسٍ وابن جريج أن العذاب هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها) اهـ. وقال السعدي: (قال المفسرون: المراد بذلك الجوع الذي أصابهم سبع سنين وأن اللَّه ابتلاهم بذلك ليرجعوا إليه بالذل والاستسلام، فلم ينجع فيهم ولا نجح منهم أحد، فما خضعوا وذلوا بل مر عليهم ذلك ثم زال كأنه لم يصبهم لم يزالوا في غيهم وكفرهم) اهـ بتصرف يسير. وقال الشنقيطي: (ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخذ الكفار بالعذاب والظاهر أنه هنا العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب

стр. 670

والأمراض والشدائد فما خضعوا له ولا ذلوا (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين له، ليكشف عنهم ذلك العذاب لشدة قسوة قلوبهم وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب اللَّه لهم) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الآية لم تنزل بسبب قول أبي سفيان، بل نزلت تتحدث عن حال المشركين، مع دعوة النبي ﷺ وتكذيبهم بها وإصرارهم على ذلك حتى وإن أصابتهم الضراء كما قال تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). ولعل مما يؤيد أن الحديث ليس سببًا للنزول أن قول أبي سفيان للنبي ﷺ : أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز، لا يشكل حدثًا أو علةً للنزول، وإن كان قوله يوافق قول اللَّه: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ). غاية ما فيه إن صح أن الآية نزلت بعد قوله، أن يكون هذا من باب التصديق لشكواه كما يأتي في بعض الأحاديث فأنزل اللَّه تصديق ذلك. ومما يدل على انتفاء السببية ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف). وجه الدلالة من الحديث: أن الدعاء كان بالمدينة بدليل دعائه بنجاة المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا في مكة. وفي الحديث أنه قال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وهذا الدعاء هو سبب العقوبة. وسورة المؤمنون مكية بالاتفاق.
следующие страницы →