← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ولو نظرنا إلى الصلة بين الحديث وسياق الآية لما وجدنا بينهما ارتباطأ؛ لأن قول أبي بكر: أخرجوا نبيهم إنا للَّه وإنا إليه راجعون ليهلكن، ليس بينه وبين سياق الآية أدنى اشتراك. وإذا أضفت إلى هذا وذاك أن الحديث مرسل كان هذا مما يضعف دلالة الحديث على السببية. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية لعدم وجود الدليل على ذلك من سياق الآية أو من سند الحديث، أو من أقوال المفسرين واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 667

سورة المؤمنون

стр. 668

سورة المؤمنون ١٢٢ - قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أنشدك اللَّه والرحم، فقد أكلنا العِلهِز - يعني الوبر والدم - فأنزل اللَّه : (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد هذا الحديث الطبري وابن كثير.

стр. 669

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا وشخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لأمره ونهيه وينيبوا إلى طاعته (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) يقول: وما يتذللون له. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشًا بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ ) اهـ. وذكر البغوي وابن عطية والقرطبي الحديث بلفظ مقارب. قال البغوي: (وذلك أن النبي ﷺ دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف فأصابهم القحط فجاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ وقال: أنشدك الله والرحم، ألستَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم فأنزل اللَّه هذه الآية (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ) أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم) اهـ. وقال ابن عطية: (هذا إخبار من اللَّه تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع هذا قول روي عن ابن عبَّاسٍ وابن جريج أن العذاب هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها) اهـ. وقال السعدي: (قال المفسرون: المراد بذلك الجوع الذي أصابهم سبع سنين وأن اللَّه ابتلاهم بذلك ليرجعوا إليه بالذل والاستسلام، فلم ينجع فيهم ولا نجح منهم أحد، فما خضعوا وذلوا بل مر عليهم ذلك ثم زال كأنه لم يصبهم لم يزالوا في غيهم وكفرهم) اهـ بتصرف يسير. وقال الشنقيطي: (ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أخذ الكفار بالعذاب والظاهر أنه هنا العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب

стр. 670

والأمراض والشدائد فما خضعوا له ولا ذلوا (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين له، ليكشف عنهم ذلك العذاب لشدة قسوة قلوبهم وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب اللَّه لهم) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الآية لم تنزل بسبب قول أبي سفيان، بل نزلت تتحدث عن حال المشركين، مع دعوة النبي ﷺ وتكذيبهم بها وإصرارهم على ذلك حتى وإن أصابتهم الضراء كما قال تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). ولعل مما يؤيد أن الحديث ليس سببًا للنزول أن قول أبي سفيان للنبي ﷺ : أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز، لا يشكل حدثًا أو علةً للنزول، وإن كان قوله يوافق قول اللَّه: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ). غاية ما فيه إن صح أن الآية نزلت بعد قوله، أن يكون هذا من باب التصديق لشكواه كما يأتي في بعض الأحاديث فأنزل اللَّه تصديق ذلك. ومما يدل على انتفاء السببية ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت: (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف). وجه الدلالة من الحديث: أن الدعاء كان بالمدينة بدليل دعائه بنجاة المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا في مكة. وفي الحديث أنه قال: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وهذا الدعاء هو سبب العقوبة. وسورة المؤمنون مكية بالاتفاق.

стр. 671

وإذا كان الأمر كذلك فكيف تنزل الآية في شأن القحط في مكة؟ مع أن سبب القحط وهو الدعاء كان بالمدينة. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببب نزول الآية؛ لأن الآية نزلت قبل القحط بزمن بل قبل الهجرة، كما أن ما أصابهم لا يشكل حدثًا أو علةً للنزول، وإنما الآية تتحدث عن الكافرين وحالهم مع سنن اللَّه فيهم والله أعلم. * * * * *

стр. 672

سورة النور

стр. 673

سورة النور ١٢ ٣ - قال اللَّه تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رجل يُقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلاً يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغيٌ بمكة يُقال لها عناق، وكانت صديقة له، وأنه كان وعد رجلاً من أَسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إليَّ عرفت، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحباً وأهلاً هَلُمَّ فبت عندنا الليلة. قال: قلت: يا عناقُ حرم اللَّه الزنا، قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أُسراءَكم، قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فظل بولهم على رأسي، وعماهم اللَّه عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلاً ثقيلاً حتى انتهيت إلى الإذخر،

стр. 674

ففككتُ عنه أكبُلَه فجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه أنكح عناقاً؟ مرتين، فأمسك رسول اللَّه ﷺ فلم يردَّ عليَّ شيئاً حتى نزلت: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) فقال رسول اللَّه ﷺ : (يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانيةً أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك فلا تنكحها). ٢ - وأخرج النَّسَائِي وأحمد عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ قال: كانت امرأة يُقال لها أم مهزول، وكانت بجيادٍ وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب النبي ﷺ أن يتزوجها، فأنزل اللَّه : (وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).

стр. 675

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد بعض المفسرين هذين الحديثين ومعهما غيرهما عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في بعض من استأذن رسول اللَّه ﷺ في نكاح نسوة كن معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكن أصحاب رايات يكرين أنفسهن فأنزل اللَّه تحريمهن على المؤمنين) اهـ. وذهب ابن عاشور إلى أن الآية نزلت بسبب مرثد الغنوي فقال: (وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود والترمذي وحسنه أنه كان رجل يقال له مرثد ابن أبي مرثد الغنوي من المسلمين فذكر الحديث بكماله ... حتى قال: فتبين أن هذه الآية نزلت جوابًا عن سؤال مرثد ابن أبي مرثد هل يتزوج عناق) اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أنه يمكن أن تكون كنية عناق أمَّ مهزول وحينئذٍ يكون المراد من الحديثين امرأة واحدة. فإن لم يكن الأمر كذلك فلا مانع أن تكون الآية نازلةً جواباً لسؤال أحد

стр. 676

المؤمنين رسول الله ﷺ واستئذانه إياه في نكاح إحدى المرأتين، فإن هذا القدر قد اتفق عليه المفسرون، وكلامهم يدور في فلكه والله أعلم. * النتيجة: أن الآية نزلت فيمن استأذن النبي ﷺ في نكاح من كن معروفات بالزنى، وذلك لدلالة لفظ الآية، وأقوال المفسرين والأحاديث المروية على ذلك والله أعلم. * * * * *

стр. 677

١٢٤ - قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - (أ) أخرج البخاري وأحمد والدارمي ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي وابن ماجه عن سهل بن سعد ﵁ أن عويمراً العجلانيَّ جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن ذلك رسول اللَّه ﷺ فسأل عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ فكره رسول اللَّه ﷺ المسائل وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول اللَّه ﷺ فلما رجع عاصمٌ إلى أهله، جاءه عويمر فقال: يا عاصم، ماذا قال لك رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عاصم: لم تأتني بخير، قد كره رسول اللَّه ﷺ المسألة التي سألته عنها، قال عويمر: واللَّه لا أَنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول اللَّه ﷺ وسط الناس، فقال: يا رسول اللَّه أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك فاذهب فَأُتِ بها) قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول اللَّه ﷺ فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ .

стр. 678

قال ابن شهاب: فكانت تلك سنةَ المتلاعنين. (ب) وفي لفظ للبخاري: فقال عويمر: واللَّه لآتينَّ النبي ﷺ فجاء وقد أنزل الله تعالى القرآن خلف عاصم، فقال له: (قد أنزل الله فيكم قرآناً). ٢ - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه قال: ذُكر التلاعن عند النبي ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً، ثم انصرف فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه قد وجد مع امرأته رجلاً، فقال عاصم: مما ابتليتُ بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرًّا، قليل اللحم، سَبْطَ الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خَدْلاً آدم كثير اللحم، فقال النبي ﷺ : (اللهم بيِّن) فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي ﷺ بينهما. قال رجل لابن عبَّاسٍ في المجلس: هي التي قال النبي ﷺ : (لو رجمتُ أحدًا بغير بينة رجمتُ هذه) فقال: لا تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء.

стр. 679

٣ - (أ) أخرج مسلم وأحمد والدارمي والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه سئل عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ قال: سبحان اللَّه. نعم إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول اللَّه أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليتُ به. فأنزل اللَّه هؤلاء الآيات في سورة النور: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فتلاهن عليه ووعظه وذكَّره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبتُ عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. (ب) وفي رواية للبخاري ومسلم عنه ﵁ قال: فرّق النبي ﷺ بين أخويْ بني العجلان وقال: (اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) فأبيا، فقال: (اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب). فأبيا فقال: (اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) فأبيا، ففرق بينهما. ٤ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن عبد اللَّه بحن مسعود ﵁ قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد. إذ جاء رجل من الأنصار

стр. 680

فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله ﷺ فلما كان من الغد أتى رسول الله ﷺ فسأله. فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ. فقال: (اللهم افتح) وجعل يدعو. فنزلت آية اللعان: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) هذه الآيات - فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس - فجاء هو وامرأته إلى رسول الله ﷺ فتلاعنا فشهد الرجل أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فذهبت لتلعن. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : (مه) فأبت فلعنت. فلما أدبرا قال: (لعلها أن تجيء به أسود جعداً) فجاءت به أسود جعداً. ٥ - أخرج مسلم والنَّسَائِي عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن هلال بن أُمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه. وكان أول رجل لاعن في الإسلام. قال: فلاعنها فقال رسول اللَّه ﷺ : (أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين فهو لهلال بن أُمية وإن جاءت به أكحل جعداً حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء) قال: فأُنبئتُ

стр. 681

أنها جاءت به أكحل، جعداً، حمش الساقين. ولفظ النَّسَائِي: إذ نزلت عليه آية اللعان: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ). ٦ - أخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أن هلال بن أُمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك) فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فقرأ حتى بلغ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: (إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة.

стр. 682

قال ابن عبَّاسٍ: فتلكأت ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ : (أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء) فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : (لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن).

стр. 683

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث أو بعضها على اختلاف بينهم منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية، والقرطبي وابن كثير، وابن عاشور. قال ابن عطية: (والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله ﷺ عاصم بن عدي) اهـ. قال القرطبي: (قال الطبري: يستنكر قوله في الحديث هلال بن أُمية وإنما القاذف عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني رماها بشريك بن السحماء والسحماء أمه، قيل لها ذلك لسوادها وهو ابن عبدة بن الجد بن العجلاني، كذلك كان يقول أهل الأخبار ... وذكر كلامًا إلى أن قال: قال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكًا عويمر العجلاني لكثرة ما روي أن النبي ﷺ لاعنَ بين العجلاني وامرأته، واتفقوا على أن هذا الزاني هو شريك بن عبدة وأمه السحماء، وكان عويمر وخولة بنت قيس وشريك بني عم عاصم) اهـ. وقال ابن عاشور: لما ذكر قصة عويمر: (فكانت هذه الآية مبدأ شرع الحكم في رمي الأزواج نساءهم بالزنى. واختلط صاحب القصة على بعض الرواة فسموه هلال ابن أُمية الواقفي. وزيدَ في القصة: أن النبي ﷺ قال له: (البينة وإلا حد في ظهرك) والصواب أن سبب نزول الآية قصة عويمر العجلاني وكانت هذه الحادثة في شعبان سنة تسع عقب القفول من غزوة تبوك، والتحقيق أنهما قصتان حدثتا في وقت واحد أو متقارب) اهـ. وبعد نقل أقوال بعض المفسرين سأنقل ما وقفت عليه من أقوال المحدثين:

стр. 684

قال ابن بطال: (قال أْبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجته عويمر وهلال بن أمية خطأ. وقد روى القاسم عن ابن عبَّاسٍ أن العجلاني قذف امرأته، كما روى ابن عمر وسهل بن سعد وأظنه غلط من هشام بن حسان. ومما يدل على أنها قصة واحدة توقف النبي ﷺ فيها حتى أنزل اللَّه فيها الآية، ولو أنهما قضيتان لم يتوقف عن الحكم فيها، ولحكم في الثانية بما أنزل اللَّه في الأولى) اهـ وقد نقل البيهقي بإسناده إلى الشافعي أنه قال: (وقد قذف العجلاني امرأته بابن عمه، وابن عمه شريك بن السحماء). ثم قال: هكذا ذكره الشافعي في الإملاء أن القاذف كان العجلاني وهو عويمر العجلاني المذكور في حديث سهل بن سعد الساعدي، والذي رُمي به شريك بن السحماء وهو المذكور في حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ وفي حديث أنس بن مالك وبمعناه نقل المزني في المختصر، فذهب بعض مشايخنا إلى أن هذا غلط، فإن القاذف بشريك بن سحماء هو هلال بن أُمية، وكذلك رواه عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، أما عويمر العجلاني فإنه لم يسم من رمى امرأته به. كذلك رواه سهل بن سعد الساعدي وعبد اللَّه بن عمر دون اسم المرمي به غير أن في رواية سهل ما دلّ على أنه رماها برجل بعينه لأنه قال في حديثه عن النبي ﷺ : إن جاءت به لنعت كذا فلا أراه إلا قد صدق عليها، فلولا أنه كان مسمى بعينه لما جعل شبه الولد به علاقة لصدقه إلا أنه لم ينقله سهل. وهذا الذي ذهب إليه هذا القائل محتمل غير أن الشافعي ﵀ لم ينفرد بهذا القول وتبع فيما قال من رواية من رواه كذلك وهي رواية المغيرة بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ لاعنَ بين العجلاني وامرأته وكانت حاملاً وكان الذي رميت به ابن السحماء. ثم فكر كلامًا حتى قال: والذي يغلب على ظني أن الذي رواه ابن عبَّاسٍ وابن عمر وسهل بن

стр. 685

سعد وأنس بن مالك وغيرهم في حديث المتلاعين خبر عن قصة واحدة لاتفاق من فكر منهم نزول الآية، على أن الآية نزلت نميما رواه من قصة المتلاعنين، ونزولها يكون مرة واحدة لاتفاقهم على أنه رماها وهي حامل، وأن النبي ﷺ قال: إن جاءت به على نعت كذا فهو كذا، وقلَّ ما يتفق جميع ذلك في قصتين مختلفتين إلا أن عكرمة خالف القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ ثم سهلاً وابن عمر في تسميته القاذف بهلال بن أُمية. وخالف هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس سهلاً وابن عمر، ثم رواية القاسم عن ابن عبَّاسٍ فيها. وإذا صرنا إلى الترجيح فرواة حديث ابن عمر وسهل بن سعد أحفظ وأوثق ومع روايتهم روايةُ القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ التي جمع فيها بين تسميته الرامي والمرمي به فالاعتماد على روايتهم في اسم القاذف. وعلى رواية عكرمة وهشام بن حسان في اسم المرمي به. ثم على رواية القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ في اسمهما جميعًا، وقول الشافعي في الإملاء صحيح على ما ذكرناه واللَّه أعلم) اهـ بتصرف. وقال ابن العربي: (السابعة وهو عويمر وقد روى ما قدمنا هلال بن أمية قال الناس هو وهم من هشام بن حسان، وعليه دار الحديث لابن عبَّاسٍ بذلك وحديث أنس وقد رواه القاسم عن ابن عبَّاسٍ كما رواه الناس فيهن فيه الصواب) اهـ. وقال القاضي عياض: (جاء في هذه الأحاديث هلال بن أمية وهو خطأ، والصحيح أنه عويمر) اهـ. وقال القرطبي: ((قوله: أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) هو - والله أعلم - عويمر العجلاني المتقدم الذكر) اهـ وقال في موضع آخر: (وقوله في هلال بن أُمية إنه كان أول من لاعنَ في

стр. 686

الإسلام، هذا يقتضي أن آية اللعان نزلت بسبب هلال بن أُمية، وكذلك ذكره البخاري، وهو مخالف لما تقدم: أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني. وهذا يحتمل أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان فنزلت بسببهما معاً. ويحتمل أن تكون الآية أُنزلت على النبي ﷺ مرتين. أي كرر نزولها عليه - وهذه الاحتمالات - وإن بعدت - فهي أولى من أن يطرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفاظ) اهـ باختصار يسير. وقال النووي: (واختلف العلماء في نزول آية اللعات هل هو بسبب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية فقال بعضهم. بسبب عويمر العجلاني واستدل بقوله ﷺ قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك، وقال جمهور العلماء: سبب نزولها قصة هلال بن أُمية واستدلوا بالحديث الذي ذكره مسلم في قصة هلال قال وكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال الماوردي من أصحابنا في كتابه الحاوي: قال الأكثرون قصة هلال بن أمية أسبق من قصة العجلاني قال والنقل فيهما مشتبه ومختلف وقال ابن الصباغ من أصحابنا في كتابه الشامل: قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولاً قال وأما قوله ﷺ لعويمر إن اللَّه قد أنزل فيك وفي صاحبتك فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس. قلت: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعاً فلعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما وسبق هلال باللعان فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك وأن هلالاً أول من لاعنَ واللَّه أعلم) اهـ وقد تكرر كلام ابن حجر في عدة مواضع فقال مرة: (ولا مانع أن تتعدد القصص ويتحد النزول). وقال أيضاً: (ويحتمل أن النزول سبق بسب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال (فنزل جبريل) وفي قصة عويمر (قد أنزل اللَّه فيك) فيؤول قوله قد أنزل اللَّه فيك أي وفيمن كان مثلك).

стр. 687

وقال مرة: (ولا مانع أن يروي ابن عاس القصتين معًا، ويؤيد التعدد اختلاف السياقين وخلو أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين القصتين من المغايرة) اهـ. وقال أيضاً: (وقد قدمت اختلاف أهل العلم في الراجح من ذلك وبينت كيفية الجمع بينهما بأن يكون هلال سأل أولاً، ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معا، وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول ثم جاء هلال بعده فنزلت عند سؤاله فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: (إن الذي سألك عنه قد ابتليت به) فوجد الآية نزلت في شأن هلال فأعلمه ﷺ بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك لأن ذلك لا يختص بهلال) اهـ. وقال أيضاً: (ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معاً) اهـ وبعد استقراء أقوال المفسرين والمحدثين في المسألة تبين اقتصارها على أربعة أقوال: الأول: أن الآية نزلت بسبب عويمر العجلاني، واختار هذا الكلبي والشافعي والطبري وأبو عبد اللَّه بن أبي صفرة وابن بطال والبيهقي وابن العربي والقاضي عياض وأبو العباس القرطبي، والنووي احتمالاً، وكذا ابن عاشور. وحجتهم ما يلي: ١ - كثرة ما روي أن رسول اللَّه ﷺ لاعنَ بين العجلاني وامرأته وهو ما يصدق على عويمر دون هلال بن آمية. ٢ - توقف النبي ﷺ عن الحكم فيها حتى أنزل الله فيها الآية ولو أنهما قضيتان لم يتوقف عن الحكم فيها، ولحكم في الثانية بما أنزل اللَّه في الأولى. ٣ - أن الأحاديث خبر عن قصة واحدة لاتفاقهم على ذكر نزول الآية، والنزول يكون مرة واحدة واتفاقهم على أنه رماها وهي حامل وأن

стр. 688

النبي ﷺ قال: إن جاءت به على نعت كذا فهو كذا وقلَّ أن يتفق جميع ذلك في قصتين مختلفتين. ٤ - أن حديث سهل وإن لم يُسمِّ فيه المقذوف فإنه كان معروفاً بعينه ولهذا ذكر أوصافه. ٥ - أن النبي ﷺ قال لعويمر: (قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك). ٦ - أنه قد روى المغيرة بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ قال: لاعنَ بين العجلاني وامرأته وكان الذي رميت به ابن السحماء. ٧ - أن عكرمة وهشاماً قد خالفا القاسم بن محمد وسهلاً وابن عمر في تسميتهما القاذف بهلال بن أُمية، ثم إن رواة حديث ابن عمر وسهل بن سعد أحفظ وأوثق ومع روايتهم رواية القاسم عن ابن عبَّاسٍ. ٨ - أن هشام بن حسان قد غلط في الحديث ووهم. ٩ - أن أهل الأخبار كانوا يقولون: إن القضية في عويمر العجلاني. القول الثاني: أن الآية نزلت بسبب هلال بن أمية واختار هذا الماوردي وعزاه إلى الأكثرين وابن الصباغ، ونسبه النووي إلى جمهور العلماء ومال إليه بعض الشافعية وذكره ابن حجر احتمالاً. وحجتهم ما يلي: ١ - لما روى البخاري عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ، ومسلم عن هشام عن ابن سيرين عن أنس. ٢ - أن المقذوف في قصة هلال قد سمي بخلاف قصة عويمر. ٣ - لما روي مسلم في قصة هلال (وكان أول رجل لاعنَ في الإسلام). ٤ - أنه جاء في قصة هلال (فنزل جبريل). القول الثالث: أن تكون القصتان وقعتا في وقت واحد أو متقارب فسألا فنزلت الآية فيهما معاً، واختاره ابن حجر وابن عاشور، وذكره القرطبي والنووي احتمالاً. والحجة فيه: اختلاف السياقين وخلو أحدهما مما وقع في الآخر، وما وقع بين القصتين من المغايرة.

стр. 689

القول الرابع: أن تكون الآية أُنزلت على النبي ﷺ مرتين. وذكر هذا أبو العباس القرطبي احتمالاً. وليس لهذا القول حجة إلا الخوف من توهيم الرواة. وهذان القولان الثالث والرابع متلازمان يؤولان إلى تعدد الواقعة لأن تكرر النزول نتيجة لتكرر الحدث. وقبل مناقشة هذه الأقوال يحسن عقد مقارنة بين صفات القاذفين وأخرى بين صفات المقذوفين فلعل نتيجة المقارنة تجيب على الكثير من الأسئلة التي تدور في الذهن. ثم المقارنة بين صفات القاذف والمقذوف. وقد قمت بجمع الأوصاف الخِلقية من مصادر السنة التي روت القصة برواياتها المختلفة، وسأشرح الألفاظ الغريبة منها وإن كان قد تقدم شرحها لما في ذلك من الإيضاح والبيان. دلت الروايات على أن صفة القاذف في قصة عويمر العجلاني ما يلي: ١ - عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : وإن جاءت به أحمر قصيراً كأنه وَحَرَة فلا أُراها إلا قد صدقت وكذب عليها. ب - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: وكان ذلك الرجل مصفرًا، قليل

стр. 690

اللحم، سبط الشعر. جـ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: وكان زوجها حمش الساقين والذراعين، أصهب الشعرة. فاجتمع من هذه الأحاديث الأوصاف التالية: أحمر، قصيراً، وَحَرَة، مصفراً، قليل اللحم، سبط الشعر، حمش الساقين والذراعين، أصهب الشعرة. دلت الروايات على أن صفة القاذف في قصة هلال بن أُمية ما يلي: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين فهو لهلال بن أمية. ب - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن جاءت به أُصيهب، أُريصح، أُثيبج، حمش الساقين فهو لهلال.

стр. 691

فاجتمع من هذين الحديثين الأوصاف التالية: أبيض، سبْطاً، قضيء العينين، أُصيهب، أُريصح، أُثيبج، حمش الساقين. وهنا يحسن أيضاً النظر في صفات القاذفين ليتبين هل بينها توافق أو تعارض؟. ١ - أما اللون: فقد جاء فيه أبيض، أحمر، مصفراً. ٢ - أما حال الشعر: فإنه سبط. ٣ - أما لون الشعر: فأشقر. ٤ - أما العينان: فإنه قضيء العينين. ٥ - أما الإليتان: فإنه أُريصح. ٦ - أما الساقان: فإنه حمش الساقين. ٧ - أما القامة: فإنه قصير. ٨ - أما اللحم: فإنه قليل اللحم. ٩ - أما حال ما بين الكتفين والكاهل فإنه أُثيبج. ١٠ - أما الحجم: فإنه كالوحرة صغير الحجم. ولونه الأبيض لا يعارض الأحمر لأن الأحمر يراد به الأبيض أحياناً، والصفرة لا تعارض البياض، ومن المشاهد أن لون الإنسان يتبدل ويتشكل بحسب ما يعتريه من العوارض الحياتية كالمرض، والهزال، والحزن، ونحو ذلك. ويمكن أن يُقال أيضاً إن وصفه بالصفرة ليس وصفاً نبوياً سالماً من الخطأ بل هو وصف ابن عبَّاسٍ ﵄ حيث قال: وكان ذلك الرجل مصفرّاً. وربما رآه ابن عبَّاسٍ كذلك بعدما نزلت به تلك المصيبة فيكون الاصفرار عارضاً بسبب الحزن، وحينئذٍ يلغى الوصف إن كان يعارض وصف النبي ﷺ ويظل وصف النبي ﷺ إياه بالحمرة والبياض أصلاً. أما سائر الأوصاف فليس فيها اختلاف أو تناقض بل هي مكملة لبعضها. واللَّه أعلم. دلت الروايات على أن صفة المقذوف في قصة عويمر العجلاني ما يلي:

стр. 692

(أ) عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الإليتين، خدلج الساقين فلا أحسب عويمراً إلا قد صدق عليها) فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول اللَّه ﷺ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه. (ب) عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (وإن جاءت به أسود أعين، ذا إليتين فلا أُراه إلا قد صدق عليها) فجاءت به على المكروه من ذلك. (جـ) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: وكان الدي وجد عند أهله آدم، خدلاً، كثير اللحم، جعداً، قططاً. فقال رسول اللَّه ﷺ : (اللهم بيِّن) فوضعت شبيهاً بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها. (د) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: فولدت غلامًا أسود، أجلى،

стр. 693

جعداً، عبل الذراعين. دلت الروايات على أن صفة المقذوف في قصة هلال بن أمية ما يلي: (أ) - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أبصروهها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء) فجاءت به كذلك. (ب) - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإن جاءت به أكحل جعداً، حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء) فأُنبئت أنها جاءت به أكحل جعداً، حمش الساقين. (جـ) - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (فإن جاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الإليتين فهو للذي رميت به فجاءت به أورق، جعداً، جماليا، خدلج الساقين سابغ الإليتين) والقاذف هنا هلال فيكون المقذوف شريكاً.

стр. 694

د - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وإن جاءت به آدم، جعدا، ربعاً، حمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء) فجاءت به آدم، جعداً. هـ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعلها أن تجيء به أسود، جعداً) فجاءت به أسود، جعدًا. وهنا يحسن النظر في صفات المقذوفين ليتبين ما بينها من التوافق والتعارض. ١ - أما اللون: فقد جاء فيه أسحم، أسود، آدم، أورق. ٢ - أما حال الشعر: فقد جاء فيه جعدًا، قططاً. ٣ - أما العينان: فإنه أكحل العينين، أدعج العينين، أعين. ٤ - أما الذراعان: فإنه عبْل الذراعين. ٥ - أما الإليتان: عظيم الإليتين، ذا إليتين، سابغ الإليتين. ٦ - أما الساقان: فإنه خدلج الساقين، خدل، حمش الساقين. ٧ - أما الطول: فإنه ربْع. ٨ - أما اللحم: فإنه كثير اللحم. ٩ - أما الحجم: فإنه جماليٌّ. ١٠ - أما كثافة الشعر: فإنه أجلى. وبناءً على تلك الأوصاف المتقدمة فلونه الأسود والأسحم معناهما واحد، والآدم والأورق معناهما السمرة، والسمرة لا تنافي السواد لأنها سواد خفيف. وقد وصف كل واحد منهما بأنه آدم وأسود.

стр. 695

أما الشعر: فالجعودة لا تنافي القطط لأنه أشد الجعودة أو أحسنها. وقد وصف كل واحد منهما بأنه جعد الشعر. أما العينان: فالأدعج لا ينافي الأكحل فهما دائران على سواب في العين وغيرها كالجفن. والأعين، وإن كان ليس بمعناهما، لكنه لا يخالفهما بل يجتمع معهما. أما الساقان: فقد تقدم أن وصفهما بالحموشة وهم، ولعل مما يؤكد هذا أن الحموشة لا تتفق مع كثرة اللحم، وعظم الإليتين، وضخامة الأعضاء لأن العادة أن السمن والضخامة يشمل البدن كله، كما أن النحافة والنحول كذلك. أما بقية الأوصاف فليس بينها تعارض بل هي مكملة لبعضها. واللَّه أعلم. وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين خلاصة أوصاف القاذف والمقذوف تبين الآتي: * * * [القاذف] * * * * * * * [المقذوف] ١ - أبيض اللون - * * * * * أسود ٢ - سبط الشعر - * * * * * جعد قطط ٣ - قضيء العينين * * * * * أدعج العينين ٤ - خفيف لحم الإليتين * * عظيمهما ٥ - حمش الساقين * * * * خدلج الساقين ٦ - قصير القامة * * * * * ربْع في طوله ٧ - قليل اللحم * * * * * كثير اللحم ٨ - صغير الحجم كالوحرة * * * كبير الحجم كالجمل وقبل الوصول إلى نتيجة بحث التعدد سأذكر بعض الاحتمالات في المقذوف والقاذف فأقول: الأوصاف المذكورة في المقذوف متفقة ومتطابقة تماما وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من حالين اثنين لا ثالث لهما:

стр. 696

الأولى: أن تكون هذه الأوصاف لموصوفين اثنين، يحمل كل واحد منهما نفس الأوصاف التي يحملها الآخر، ثم يقع أحد الرجلين على امرأة عويمر والآخر على امرأة هلال في زمن متقارب جداً، ثم تحملان ثم تضعان ذكرين، وهذان الذكران يشبهان هذين المقذوفين الشبه الذي ذكرنا، والوصف الذي سردنا، ونتيجة هذا أربعةٌ متشابهون. وهذا الاحتمال بعيد جداً، حتى إن مجرد تصوره كافٍ في اطراحه. الثانية: أن تكون هذه الأوصاف لموصوف واحد وعلى هذا يرد احتمالان: الأول: أن يقع الفعل منه بالمرأتين جميعاً في زمن متقارب ثم يذهب الزوجان إلى رسول الله ﷺ ليخبراه الخبر، ثم يقع لعان المرأتين ثم تلدان ذكرين، كلٌّ منهما يشبه المقذوف هذا من البعيد أيضاً وإن كان أقرب من الأول. ومن العجيب أن الحافظ ابن حجر قال: (ولا يمتنع أن يتهم شريك بن سحماء بالمرأتين معاً). ونتيجة ذلك ثلاثة يتطابقون في الشبه. الثاني: أن يقع الفعل منه بامرأة واحدة فتحمل منه وتنجب ذكراً يشبهه وهذا ممكن وواقع وليس بغريب ولا بعيد. وإذا كان المقذوف واحداً فمن يكون؟ فالجواب: أنه شريك بن سحماء لأمرين: الأول: أن كل الروايات التي تسمي لا تذكر إلا شريك بن سحماء باسمه. الثاني: أن كل الروايات التي لم تُسمِّ المقذوف ذكرت أوصافاً تطابق أوصاف شريك بن سحماء. بقي سؤال أخير هنا وهو هل وقع الفعل من شريك بامرأة واحدة أو اثنتين؟

стр. 697

والجواب: يحدد هذا حال القاذف هل هو واحد أو متعدد؟ وسيأتي إن شاء اللَّه. أما القاذف فالأوصاف المذكورة فيه متفقة ومتكاملة وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من حالين اثنين لا ثالث لهما: الأولى: أن تكون هذه الأوصاف لموصوفين اثنين وعلى هذا يرد احتمالان: الأول: أن يحمل كل واحد منهما نفس الصفات التي يحملها الآخر، ثم يقع الفعل من زوجتيهما في زمن متقارب جداً ثم تحملان ثم تضعان ذكرين وهذان الذكران يشبهان المقذوف وهذا الاحتمال بعيد ومتكلف. الثاني: أن يحمل كل واحد من القاذفين بعض الصفات الواردة، ثم يقع الفعل من زوجتيهما في زمن متقارب جداً ثم تحملان وتضعان ذكرين يشبهان المقذوف وهذا لا يمكن لسببين: ١ - إنه من البعيد أن تكون صفات القاذفين بمجموعهما تقابل صفات المقذوف تماماً، كما هو حاصل معنا حيث تقابلت الصفات تماماً. ب - أن المقابلة بين القاذف والمقذوف كما أرادها النبي ﷺ لا تتحقق من كل وجه، لأن القاذف ناقص الصفات، والمقذوف كامل الصفات فالناقص لا يقابل الكامل إلا في بعضها. الثانية: أن تكون هذه الأوصاف لموصوف واحد قذف أهله بفاحشة الزنى، وهذا هو الصحيح لا ريب أنه ليس ثمَّ إلا قاذف واحد. وبناءً على ما تقدم يتبين جواب السؤال السابق هل وقع الفعل من شريك بامرأة واحدة أو اثنتين؟ فيقال: بل بامرأة واحدة فقط. وحينئذٍ يرد السؤال الأخير من هو القاذف؟ والجواب: أنه قد تبين فيما تقدم من دراسة حديثي أنس بن مالك وابن عبَّاسٍ ﵄ والنظر في طرقهما أن ذكر هلال بن أمية وامرأته ﵄ خطأ، وأن الصواب في قضية اللعان التي وقعت في عهد رسول اللَّه ﷺ أن

стр. 698

القاذف فيها عويمر العجلاني وأن المقذوف فيها شريك ابن سحماء العجلاني وأنه لم يقع معها قضية أخرى، وتفصيل ذلك في موضعه من الحاشية. ولعل مناقشة الأقوال الأربعة تكشف المزيد من الأدلة لهذه النتيجة. وسأبدأ بالقول الرابع: وهو أن الآية أُنزلت على النبي ﷺ مرتين. وهذا القول ضعيف إذ قد تبين مما تقدم أن القصة واحدة فلماذا تنزل الآية مرتين، وإذا كان قائله قد جعله احتمالاً بعيداً ألجأه إليه الخوف من توهيم الرواة فكيف يقبله غيره؟. أما القول الثالث: وهو أن تكون القصتان وقعتا في وقت واحد أو متقارب فسألا فنزلت الآية فيهما، واحتجاجهم باختلاف السياقين. فالجواب: أنه قد تقرر أن القصة واحدة لم تتكرر، واختلاف السياقين ليس دليلاً على اختلاف القصة. وإذا كان قد وقع من الرواة خطأً إقحامُ هلال وزوجه في قضية ليس لهما فيها ناقة ولا جمل مع عِظَم ذلك فوقوع الأقل من باب أولى. أما القول الثاني: وهو أن الآية نزلت بسبب هلال بن أمية فالجواب عن أدلتهم بما يلي: ١ - حديث ابن عبَّاسٍ عند البخاري، وأنس عند مسلم قد تقدم جوابه. ٢ - أن المقذوف في قصة هلال قد سمي بخلاف قصة عويمر فهذا حق، لكن المقذوف في قصة عويمر قد وُصِف وصفاً يعرف به بعينه، وربما كان الوصف أبلغ؛ لأن الاشتراك في الأسماء أكثر من الاشتراك في الأوصاف، ولهذا لما اشتركا في الأوصاف قلنا هي لرجل واحد. ٣ - أن قول أنس: (وكان أول رجل لاعنَ في الإسلام) لا حجة فيه لأنه مقابل بغيره وذلك في حديث ابن عمر: (إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) وجاء في حديثه (فرق رسول اللَّه ﷺ بين أخوي بني العجلان) وهو ما يصدق على عويمر دون هلال لأنه واقفي وليس عجلانياً. ٤ - أنه جاء في قصة هلال: (فنزل جبريل) وهذا لا حجة فيه لأنه مقابلٌ بمثله وأكثر منه ومن ذلك: (قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبتك) وفيه (قد أنزل اللَّه فيكم قرآناً) وفي حديث ابن عمر: (فأنزل الله هؤلاء الآيات في

стр. 699

سورة النور (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) وهذه الألفاظ ليس لأحد أن يحتج بها لأن بعضها من أقوال الصحابة، والمنسوب إلى النبي ﷺ من هذا واحد لا يتعدد. أما القول الأول: فقد ذكروا عددًا من الحجج على قولهم إنها في عويمر وأعتقد أن جميع ما ذكر هو الصحيح باستثناء قولهم: إن أهل الأخبار كانوا يقولون إن القضية في عويمر العجلاني فإني لم أجد من قال هذا من الأخباريين. أما قولهم: إنه قد روى المغيرة بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد عن أبي الزناد عن القاسم بن محمد عن ابن عبَّاسٍ فسأذكر هذا الحديث لأهميته إذ اجتمع فيه ذكر القاذف والمقذوف تصريحاً. فعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ لاعنَ بين العجلاني وامرأته، قال: وكانت حبلى، فقال: والله ما قربتُها منذ عَفَرْنا. - قال: والعَفْرُ: أن يُسقى النخل بعد أن يترك من السقي، بعد الإبَار بشهرين - قال: وكان زوجها حمش الساقين والذراعين، أصهب الشعرة، وكان الذي رميت به ابن السحماء، قال: فولدت غلامًا أسود، أجلى، جعداً، عبل الذراعين، قال: فقال ابن شداد بن الهاد لابن عبَّاسٍ: أهي المرأة التي قال رسول اللَّه ﷺ : (لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها)؟ قال: لا تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام. وبهذا يتبين أن أصح الأقوال وأسعدها بصحيح المنقول وصريح المعقول هو القول الأول وأن القصة نزلت بسبب عويمر العجلانى حين قذف امرأته بالزنى مع شريك بن سحماء العجلاني. * النتيجة: أن سبب نزول آيات اللعان أن عويمراً العجلاني قذف امرأته بشريك بن سحماء وذلك لصحة الأحاديث في ذلك وخلوها من معارض راجح والله أعلم.

стр. 700

١٢٥ - قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه ﷺ بعدما نزل الحجاب فأنا أُحمل في هودجي وأُنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جَزْع ظَفَار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه،

стр. 701

وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها دلّ ولا مجيب، فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُنِي في وجعي أني لا أعرف من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل عليَّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: (كيف تيكم). ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني ولا أشعر، حتى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أم مسطح قبل

стр. 702

المناصع، وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً. قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول اللَّه ﷺ تعني - سلم ثم قال: (كيف تيكم). فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول اللَّه ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك، فواللَّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة، عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان اللَّه، ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود. فقال: يا رسول اللَّه، أهلك وما نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول اللَّه لم يضيق اللَّه عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللَّه ﷺ بريرة فقال: (أي بريرة،

стр. 703

هل رأيت من شيء يريبك؟). قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله ﷺ فاستغدر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي). فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى همو أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا

стр. 704

يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس، ثم قال: (أما بعد، يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى اللَّه تاب اللَّه عليه). قالت: (فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحسن منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول اللَّه ﷺ فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه ﷺ قالت: ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ : قالت: فقلت، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني واللَّه لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، واللَّه يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، واللَّه يعلم أني منه بريئة لتصدقني، واللَّه ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذٍ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه مبرئي ببراءتي، ولكن واللَّه ما كنت أظن أن اللَّه منزل في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها. قالت: فواللَّه ما رام رسول اللَّه ﷺ ، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول اللَّه ﷺ سري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: (يا عائشة، أما اللَّه فقد برأك). فقالت أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ، وأنزل اللَّه:

стр. 705

(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ) العشر الآيات كلها. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سببًا لنزول الآيات الكريمات كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال ابن عطية: (هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أُنزلت في عائشة أم المؤمنين ﵂ وما اتصل بذلك من أمر الإفك). اهـ. وقال القرطبي: (وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة - رضوان اللَّه عليها - وهو خبر صحيح مشهور أغنى اشتهاره عن ذكره). اهـ. وقال ابن كثير: (هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار اللَّه لها ولنبيه - صلوات اللَّه وسلامه عليه - فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ ) اهـ. وقال السعدي: (وهذه الآيات نزلت في قصة الإفك المشهورة الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد). اهـ.
следующие страницы →