← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وافقت اللَّه في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت امهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللَّه آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن اللَّه رسوله خيراً منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول اللَّه ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ). ٣ - أخرج البخاري وأحمد عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلاً إلى ليلٍ قِبَل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفناك يا سودة حرصاً على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل اللَّه آية الحجاب. وفي لفظ للبخاري ومسلم عنها ﵂ قالت: فأوحى اللَّه إليه ثم رفع عنه وإن العَرْق في يده ما وضعه، فقال: (إنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).

стр. 772

٤ - أخرج البخاري والنَّسَائِي عن أنس ﵁ قال: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذٍ خبزاً ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء. ٥ - أخرج النَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حيساً في قعب فمر عمر، فدعاه فأكل فأصابت أصُبعه أُصبعي فقال: حسِّ أو (أوه) لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين فنزل الحجاب.

стр. 773

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد ذكر جمهور المفسرين هذه الأحاديث أو بعضها على اختلاف بينهم. فأما الطبري فقد ساق الأحاديث ولم يتعقبها بشيء لكنه بدأ بذكر حديث أنس في قصة زينب بنت جحش ﵂. وأما الباقون كالبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور فقد ذكروا أنها في قصة زينب بنت جحش ﵂. قال الطبري: (واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله ﷺ في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منزل رسول اللَّه ﷺ وبرسول اللَّه ﷺ إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله) اهـ. وقال البغوي: (قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول اللَّه ﷺ ) اهـ. وقال أبو بكر بن العربي لما ذكر ستة أسباب لنزول الآية: (هذه الروايات ضعيفة إلا الأولى - يعني بها قصة زينب - والسادسة - يعني بها حديث أنس عن عمر في موافقته للَّه) اهـ. وهذا منه يقتضي أنه يضعِّف حديث عائشة في قصة سودة مع عمر ﵁. وقال ابن عطية: (فالجمهور من المفسرين على أن سببها أن رسول اللَّه ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها) اهـ. وقال ابن كثير: (وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش التي تولى اللَّه تعالى تزويجها بنفسه وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما). وقال عن حديث عائشة في قصة سودة مع عمر ﵁ والذي وضع له رقم (٣): (هكذا وقع في هذه الرواية والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، ثم ساق حديث عائشة ﵂ وفيه: قالت: خرجت سودة بعدما ضُرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمةً لا تخفى على من يعرفها ...

стр. 774

فذكرت الحديث وفيه: قالت: فأوحى الله إليه ثم رُفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: (إنه قد أُذن لكنَّ أن تخرجن لحاجتكن)) اهـ. وقال ابن عاشور: (لما بيَّن الله في الآيات السابقة آداب النبي ﷺ مع أزواجه قفّاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن، وصدره بالإشارة إلى قصة هي سبب نزول هذه الآية ثم ذكر حديث أنس في قصة زينب). ثم جمع بين حديث أنس في قصة زينب، وحديث أنس في قصة عمر: (وافقت الله في ثلاث) فقال: (وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية بإثرها) اهـ. وبعد ذكر أقوال المفسرين في سبب النزول سأذكر الراجح من هذه الأقوال مستعيناً باللَّه فأقول: أما حديث عائشة ﵂ في قصة أكلها مع عمر، وإصابة أصبعه أُصبعها فلا يصح سبباً للنزول لضعف سنده، وغرابة متنه. وأما حديث أنس ﵁ في قصة زينب بنت جحش ﵂ فلا ريب أنه سبب نزولها لأن سياق القرآن يطابق الحديث تماماً. وأما حديث أنس عن عمر ﵁ (وافقت ربي في ثلاث وفيه: قلت: يا رسول اللَّه يدخل عليك البر والفاجر فلو أَمرت أُمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب) فهذا لا يعارض حديث أنس؛ لأن عمر يشير على رسول اللَّه ﷺ بما يرى، لكن النزول كان في قصة زينب، والأمر كما قال ابن عاشور: (جائز أن يكون قول عمر قبل البناء بزينب بقليل فنزلت الآية بإثرها). وأقول: جائز أن يكون قوله قبل البناء بكثير لكنَّ حكمة أحكم الحاكمين اقتضت أن يتأخر نزول الحجاب إلى قصة زينب. وأما حديث عائشة - في قصة عمر مع سودة وقولها: فأنزل اللَّه آية الحجاب. فمعارض بأمور: الأول: أن لفظ البخاري ومسلم عنها ﵂ بدون نزول آية الحجاب بل اقتصر على الإذن لهن بالخروج عند الحاجة، وما رواه الشيخان مقدم على ما انفرد به أحدهما.

стр. 775

الثاني: أن حديث أنس نصٌّ في أن الآية نزلت في وليمة زينب، وليست في الإذن لسودة ﵂. الثالث: أن ابن كثير ذكر أن المشهور في قصة سودة أنها كانت بعد نزول الحجاب: وهذا مروي في البخاري، وحينئذٍ كيف تكون القصة سبب نزول الآية ولم تقع إلا بعدها؟ الرابع: أن حديث عائشة في قصة سودة ﵂ غير محفوظ ففي لفظ: فقال: عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب، وفي لفظ: خرجت سودةُ بعد ما ضُرب الحجاب لحاجتها. وهذا اختلاف ظاهر يمتنع الاحتجاج به. * النتيجة: أن سبب نزول الآية المذكورة حديث أنس في قصة زينب ﵂ ووليمتها لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته سياق القرآن، واحتجاج المفسرين به، وخلوه من معارض راجح والله أعلم. * * * * *

стр. 776

١٤٧ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن موسى كان رجلاً حييًا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص وإما أُدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لنَدَبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا) فذلك قوله:؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا).

стр. 777

ولفظ مسلم ونزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها ولم يذكروا أن الحديث سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي اللَّه ﷺ يا أيها الذين آمنوا باللَّه ورسوله لا تؤذوا رسول اللَّه بقول يكرهه منكم ولا بفعل لا يحبه منكم، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبي الله فرموه بعيب كذباً وباطلاً فبرأه الله مما قالوا فيه من الكذب والزور بما أظهر من البرهان على كذبهم) اهـ. وقال القرطبي: (لما ذكر اللَّه تعالى المنافقين والكفار الذين آذوا رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين حذر المؤمنين من التعرض للإيذاء ونهاهم عن التشبه ببني إسرائيل في أذيتهم نبيهم موسى) اهـ. وقال السعدي: (يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم محمد ﷺ لئلا يقابلوه بضد ما يجب له من الإكرام والاحترام وأن لا يتشبهوا

стр. 778

بحال الذين آذوا موسى بن عمران كليم الرحمن فبرأه الله مما قالوا من الأذية أي أظهر اللَّه لهم براءته) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية الكريمة؛ لأن التصريح بالنزول شاذ غير محفوظ كما أنه غير ممكن أن تكون قصة موسى سبباً للنزول لأنها لم تحدث وقت نزول القرآن ولهذا لم يذكر هذا أحد من المفسرين واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 779

سورة يس

стр. 780

سورة يس (١٤٨) - قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النُقلَةَ إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسول الله ﷺ : (إن آثاركم تكتب فلا تنتقلوا).

стр. 781

وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ بلفظ: كانت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) قال: فثبتوا.

стр. 782

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر بعض المفسرين هذه الأحاديث ولم يتعقبها بشيء كالطبري والبغوي والقرطبي. قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول اللَّه ﷺ ليقرب عليهم) اهـ ذكر من قال ذلك ثم ساق الروايات. وذكر بعض المفسرين هذه الأحاديث وأبوا أن تكون سبب نزول الآية كابن عطية وابن كثير وابن عاشور. قال ابن عطية: (هذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت إن قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال لهم: دياركم تكتب آثاركم وكره رسول اللَّه ﷺ أن تعروا المدينة وعلى هذا فالآية مدنية وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية بمكة، ولكنه احتج بها عليهم في المدينة ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى فمن هنا قال من قال أنها نزلت في بني سلمة) اهـ. وقال ابن كثير بعد ذكر حديث أبي سعيد: (وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكمالها مكية فاللَّه أعلم) اهـ.

стр. 783

وقال ابن عاشور: (وتوهم راوي الحديث عن الترمذي أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسياق الآية يخالفه، ومكيتها تنافيه) اهـ. وخلاصة ما تقدم أن الأحاديث المذكورة ليست سبباً للنزول للأسباب التالية: ١ - أن أسانيد هذه الأحاديث وطرقها ضعيفة. ٢ - أن الآية مكية والقصة مدنية. ٣ - أن سياق الآية يخالف الحديث لأن حديث الآية عن الموتى بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) بينما الحديث في الأحياء فكيف تنزل الآية بسببه. ولعل سبب الخطأ ما ذكره ابن عطية بقوله: (ووافقها - أي الآية - قول النبي ﷺ في المعنى فمن هنا قال من قال إنها نزلت في بني سلمة). والمراد بقوله ﵊: (دياركم تكتب آثاركم). * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبب نزول الآية لضعف سنده، ومخالفته لسياق القرآن، ووقوعه بعد نزول الآية والله أعلم. * * * * *

стр. 784

سورة (ص)

стр. 785

سورة (ص) ١ ٤٩ - قال الله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: مرض أبو طالب، فأتته قريش، وأتاه رسول الله ﷺ يعوده، وعند رأسه مقعد رجلٍ، فقام أبو جهل، فقعد فيه، فقالوا: إن ابن أخيك يقع في آلهتنا. وقال: ما شأنُ قومك يشكونك؟ قال: (يا عم، أُريدهم على كلمة واحدة تدينُ لهم بها العرب، وتؤدي العجم إليهم الجزية) قال: ما هي؟ قال: (لا إله إلا الله) فقاموا فقالوا: أَجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ قال: ونزل (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) فقرأ حتى بلغ: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) ولفظ الترمذي إلى قوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ).

стр. 786

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآيات الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وكان سبب قيل هؤلاء المشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه من ذلك أن رسول الله ﷺ قال لهم: أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين لكم بها العرب وتعطيكم بها الخراج العجم فقالوا: وما هي؟ فقال: تقولون لا إله إلا الله، فعند ذلك قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) تعجبًا منهم من ذلك) اهـ. ثم ساق الحديث برواياته. وقال ابن عاشور بعد ذكر الحديث عن أغراضها: (أصلها ما علمت من حديث الترمذي في سبب نزولها، وما اتصل به من توبيخ المشركين على تكذيبهم الرسول ﷺ وتكبرهم عن قبول ما أرسل به، وتهديدهم بمثل ما حل بالأمم المكذبة قبلهم وأنهم إنما كذبوه لأنه جاء بتوحيد الله تعالى ولأنه اختص بالرسالة من دونهم). اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور وإن كان معتلاً سبب لنزول الآيات لما بينه وبين سياق الآيات من المطابقة التامة مع ما يؤيد هذا من أقوال المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين.

стр. 787

* النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآيات الكريمة لما بينه وبين سياق الآيات من الموافقة مع تصريحه بالنزول واحتجاج المفسرين به وتعويلهم عليه والله أعلم. * * * * *

стр. 788

سورة الزمر

стр. 789

سورة الزمر ١٥٠ - قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) ونزل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين نزول هذه الآية عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 790

قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية فقال بعضهم: عُني بها قوم من أهل الشرك قالوا لما دعوا إلى الإيمان باللَّه كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا وقتلنا النفس التي حرم اللَّه، والله يعد فاعل ذلك النار فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان فنزلت هذه الآية ثم ساق الأحاديث) اهـ. قال ابن عاشور بعد سياق الحديث: (وقد رويت أحاديث عدةً في سبب نزول هذه الآية غير حديث البخاري وهي بين ضعيف ومجهول ويستخلص من مجموعها أنها جزئيات لعموم الآية وأن الآية عامة لخطاب جميع المشركين) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة؛ لأن سياق الحديث في المشركين، وكذلك سياق الآيات في المشركين لقوله تعالى: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩). مع ما جاء في أول سياق الآيات من ذكر الإسراف على النفس، وعدم القنوط من رحمة الله. وهذا يتفق مع أفعال المشركين في الحديث حيث جمعوا بين الشرك والقتل والزنا ففي الشرك فساد الأديان، وفي القتل إزهاق الأرواح وإراقة الدماء، وفي الزنا إفساد الأعراض وهذه أصول الذنوب والمعاصي. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به والله أعلم. * * * * *

стр. 791

١٥١ - قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج أحمد والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس، قال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذِه وأشار بالسبابة، والأرض على ذِه، والجبال على ذِه، وسائر الخلق على ذِه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، قال: فأنزل الله (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ). ٢ - أخرج أحمد والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أَبَلَغَك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل الله : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).

стр. 792

وفي لفظ: ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد ذكر جمع من المفسرين هذه الأحاديث لكن منهم من اقتصر على سياقها كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير ولم يتعقبها بشيء. ومنهم من بيّن أن الأحاديث ليست سبباً لنزول الآية كابن عطية وابن عاشور. قال ابن عطية: (فرسول اللَّه ﷺ تمثل بالآية وقد كانت نزلت) اهـ. وقال ابن عاشور: (ومعنى قوله: ثم قرأ هذه الآية، نزلت قبل ذلك لأنها مما نزل بمكة، والحبر من أحبار يهود المدينة ... ثم ذكر كلامًا حتى قال: وفي بعض روايات الحديث فنزل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وهو وهم من بعض رواته وكيف وهذه مكية وقصة الحبر مدنية).

стр. 793

وعندي - والله أعلم - أن الآية لم تنزل بسبب تلك القصة لسببين: الأول: أن السورة كلها مكية عند جمهور العلماء، والحدث مع اليهود في المدينة وبناءً عليه فلا يمكن أن تكون القصة سبباً لها. الثاني: أنه قد تبين من طرق الأحاديث أن التصريح بالنزول شاذ غير محفوظ وأن المحفوظ من ذلك الذي تتابعت عليه الروايات ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) فالنبي ﷺ استدل بالآية على قدرة اللَّه التي أشار إليها الحبر، والله أعلم. * النتيجة: أن الآية نزلت ابتداءً وليس بسبب القصة المذكورة لأن السورة كلها مكية والقصة مدنية، ومع هذا فإن التصريح بالنزول ليس محفوظاً بل هو شاذ واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 794

سورة فصلت

стр. 795

سورة فصلت ١٥٢ - قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري، وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحمُ بطونهم، قليلة فِقهُ قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن اللَّه يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا فأنزل الله (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ) الآية. وفي رواية لأحمد إلى قوله: (فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ).

стр. 796

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمع من المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل نفر تدارؤوا بينهم في علم الله بما يقولونه ويتكلمون سرًّا) اهـ. وقال ابن عاشور بعد ذكر الحديث: (وهذا بظاهره يقتضي أن المخاطب به نفر معين في قضية خاصة مع الصلاحية لشمول من عسى أن يكون صدر منهم مثل هذا للتساوي في التفكير، ويجعل موقعها بين الآيات التي قبلها وبعدها غريباً، فيجوز أن يكون نزولها صادف الوقت الموالي لنزول التي قبلها، ويجوز أن تكون نزلت في وقت آخر وأن رسول الله ﷺ أمر بوضعها في موضعها هذا لمناسبة ما في الآية التي قبلها من شهادة سمعهم وأبصارهم) اهـ. وذهب ابن عطية إلى أن القصة ليست سبباً للنزول فقال: (ويشبه أن يكون هذا بعد فتح مكة فالآية مدنية ويشبه أن رسول الله ﷺ قرأ الآية متمثلاً بها عند إخبار عبد اللَّه إياه والله أعلم) اهـ. والغريب حقاً أن ينتصر ابن عاشور لآخر كلام ابن عطية فيقول (وأحسن ما في كلام ابن عطية طرفه الثاني وهو أن النبي ﷺ قرأ الآية متمثلاً بها فإن ذلك يؤول قول ابن مسعود فأنزل الله تعالى، ويبين وجه قراءة النبي ﷺ إياها عندما أخبره ابن مسعود بأنه قرأها تحقيقاً لمثال من صور معنى الآية وهو أن مثل هذا النفي ممن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم) اهـ. وعندي - والله أعلم - أن ما ذكره ابن عطية وانتصر لبعضه ابن عاشور خطأ لأنه لا يوجد ما يدل عليه وليس له ما يبرره.

стр. 797

وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أنه قد اجتمع في الحديث الذي معنا ما يوجب الإذعان والتسليم ومن ذلك: ١ - أن الحديث صحيح السند لا مطعن فيه، وقد أخرج في أصح كتابين بعد كتاب اللَّه. ٢ - التصريح بالنزول، ومن المعلوم اعتبار صيغة النزول عند العلماء. ٣ - موافقة القصة لسياق القرآن وهذا يدل على وجود ارتباط بينهما. ٤ - أن القصة والسورة مكيتان فما الذي يمنع أن تكون الأولى سبب نزول الأخرى. ٥ - احتجاج جمع من المفسرين بالحديث على نزول الآيات. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده وموافقته لسياق القرآن واحتجاج جمع من المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 798

سورة الشورى

стр. 799

سورة الشورى ١٥٣ - قال الله تعالى: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن طاووس قال: سأل رجل ابن عبَّاسٍ المعنى، عن قوله : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فقال سعيد بن جبير: قرابة محمد ﷺ قال ابن عبَّاسٍ: عجلتَ إن رسول الله ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا لرسول اللَّه ﷺ فيهم قرابة، فنزلت: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) إلا أن تصلوا قرابةَ ما بيني وبينكم. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر الحديث بهذا اللفظ الطبري ثم قال: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد للذين يمارونك في الساعة من مشركي قومك، لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به، والنصيحة التي أنصحكم ثواباً وجزاءً وعوضاً من أموالكم تعطوننيه (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) اهـ. أما سائر المفسرين كالبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن

стр. 800

عاشور فقد ذكروا ألفاظًا قريبة من هذا لكنها خالية من ذكر النزول. قال ابن كثير: (قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاع والنصح لكم مالاً تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن التصريح بنزول الآية لهذا السبب لا يصح لأمور: ١ - أنه لا يعرف حدث بعينه نزلت عليه الآية، ومن المعلوم أن السبب المصطلح عليه لا بد أن يقترن به حدث أو سؤال، وهذا لا دليل عليه هنا. ٢ - أن المفسرين لا يذكرون أن هذا سبب نزولها باستثناء الطبري، الذي ذكر هذا الحديث ضمن رواياته، وإعراض المفسرين عنه قرينة تدل على عدم ثبوته عندهم. ٣ - أنه قد جاء عند البخاري في إحدى روايات الحديث: (فقال ابن عبَّاسٍ: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: (إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة). ولم يذكر الآية هنا. وفي رواية أخرى: (فنزلت عليه: إلا أن تصلوا قرابةً بيني وبينكم). قال ابن حجر في شرحه للرواية الثانية: (كذا وقع هنا من رواية يحيى وهو القطان عن شعبة، ووقع في التفسير (يعني الرواية التي قبلها) من رواية محمد بن جعفر وهو غندر عن شعبة بلفظ: (إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) وهذه الرواية واضحة، والأولى مشكلة لأنها

стр. 801

توهم أن المذكور بعد قوله: (فنزلت) من القرآن وليس كذلك، وقد مشى بعض الشراح على ظاهره فقال: كان هذا قرآناً فنسخ، وقال غيره يحتمل أن هذا الكلام معنى الآية فندسب إلى النزول مجازاً. قلت: والذي يظهر لي أن الضمير في قوله فنزلت، للآية المسؤول عنها وهي قوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) وقوله: (إلا أن تصلوا) كلام ابن عبَّاسٍ تفسير لقوله تعالى: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فعرف بهذا أن المراد ذكر بعض الآية بالمعنى على جهة التفسير) اهـ. وقد أطنب ابن حجر في الحديث عن سبب نزولها. وبهذا يتبين أن الحديث عن سبب النزول غير محفوظ، وإنما نزلت الآية ابتداءً لغرض كف أذى المشركين عن رسول اللَّه ﷺ إن لم يكن بسبب النبوة فبسبب القربى. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لعدم الدليل على ذلك من لفظ الحديث أو سياقه مع الآيات والله أعلم. * * * * *

стр. 802

سورة الزخرف

стр. 803

سورة الزخرف ١٥٤ - قال اللَّه تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الإمام أحمد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال لقريش: (يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير) وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد الله صالحًا، فلئن كنتَ صادقًا فإن آلهتهم لكَما تقولون قال: فأنزل اللَّه (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) قال: قلت: ما يصدون؟ قال: يضجون، (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة.

стр. 804

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذا الحديث القرطبي وابن كثير، وذكرا معه غيره. أما الطبري والبغوي وابن عطية والشنقيطي وابن عاشور فلم يذكروا هذا الحديث وقد تباينت أقوالهم واختلفت آراؤهم فيما يذكرون من سبب نزولها وتفسيرها. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ولما شبه الله عيسى في إحداثه وإنشائه إياه من غير فحل بآدم، فمثله به بأنه خلقه من تراب من غير فحل، إذا قومك يا محمد من ذلك يضجون ويقولون: ما يريد محمد منا إلا أن نتخذه إلهًا نعبده كما عبد النصارى المسيح ... ثم ذكر الروايات) اهـ.

стр. 805

وقال البغوي: (قال ابن عبَّاسٍ وأكثر المفسرين إن الآية نزلت في مجادلة عبد اللَّه بن الزِبعرى مع النبي ﷺ في شأن عيسى ﵇ لما نزل قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) اهـ. وقال ابن كثير: (وكأن السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله ﷺ فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة ... فذكر قصة عبد الله بن الزبعرى) اهـ. وقال الشنقيطي: (قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزِبْعَري السهمي قبل إسلامه أي: ولما ضَرَبَ ابنُ الزبعرى المذكور عيسى ابن مريم مثلاً فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك فرحاً منهم وزعماً أن ابن الزبعرى خصمك أو فاجأك صدودهم عن الإيمان بسبب ذلك المثل. وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلاً أن اللَّه لما أنزل قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ): قال ابن الزبعرى: إن محمداً ﷺ يقول: إن كل معبود من دون الله في النار وأننا وأصنامنا جميعاً في النار، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون اللَّه فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه. وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة لأن عزيراً عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب. فاتضح أن ضربه عيسى مثلاً يعني أنه على ما يزعم أن محمداً ﷺ قاله من أن كل معبود وعابده في النار، يقتضي أن يكون عيسى مثلاً لأصنامهم في كون الجميع في النار، مع أن النبي ﷺ يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فزعم ابن الزبعرى أن كلام النبي ﷺ لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه ﷺ يعترف بأن عيسى رسول الله وأنه ليس في النار دلّ ذلك على بطلان كلامه عنده، وعند ذلك أنزل اللَّه: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) وأنزل الله أيضاً قوله تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ... ) الآية.

стр. 806

وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي ما ضربوا عيسى مثلاً إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل. قال جماعة من العلماء: والدليل أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل لا تدل ألبتَّة على ما زعموا وهم أهل اللسان ولا تخفى عليهم معاني الكلمات. والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة (ما) التي هي في الوضع العربي لغير العقلاء لأنه قال: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) ولم يقل: (ومَن تعبدون) وذلك صريح في أن المراد الأصنام، وأنه لا يتناول عيسى ولا عزيرًا ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلاً إلا لأجل الجدل والخصومة بالباطل. وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) هو عامة قريش. والذين قالوا إن كفار قريش لما سمعوا النبي ﷺ يذكر عيسى وسمعوا قول اللَّه تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)، قالوا للنبي ﷺ ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى. وعلى هذا القول فمعنى قوله: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه. اهـ بتصرف. والظاهر - والله أعلم - أن المعنى الأول أصح وهو اختيار أكثر المفسرين، ويدل عليه سياق القرآن، بخلاف القول الثاني الذي اختاره الطبري فإنه لا دليل على أن المشركين كانوا يعتقدون أن رسول الله ﷺ يريد منهم أن يعبدوه كما عبد النصارى عيسى ابن مريم. وسياق الآيات يدل على أن ضارب المثل بعيسى بعض المشركين لأن الله قال: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) إلى قوله: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) ولو كان المثل هنا هو المذكور في قوله تعالى:

стр. 807

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) ما حسن أن يقول: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا). ثم إن سورة الزخرف مكية، وآل عمران مدنية، فكيف يُفسر المثل المذكور في سورة الزخرف مع تقدم نزولها، بالمثل المذكور في سورة آل عمران مع تأخر نزولها؟ وإذا تحققنا ضعف القول الثاني الذي اختاره الطبري، فلننظر في موافقة القول الأول لسبب النزول. وأقول: إن سياق السبب الذي معنا لا يخالف ما ذكره المفسرون وخصوصًا الشنقيطي ففي سياق الحديث أن النبي ﷺ قال: (يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير) هذا يتفق مع قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) لأنه لو كان فيهم خير ما كانوا حصب جهنم. وقوله في الحديث: فقالوا يا محمد ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد الله صالحًا، لا يمنع أن يكون القائل بحسب قول المفسرين ابنَ الزِبعرى. قال الشنقيطي: (ووجه التعبير بصيغة الجمع في قوله: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعرى يرجع إلى أمرين: أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة. والأمر الثاني: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلاً وفرحوا بذلك ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه) اهـ بتصرف. وبهذا يتبين موافقة الحديث لسياق القرآن، ودلالته على نزولها واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا وإن كان موقوفًا على ابن عبَّاسٍ ﵄ إلا أنه سبب نزول الآية لموافقته لسياق القرآن وتصريحه بالنزول واتفاق أكثر المفسرين على معناه واللَّه أعلم.

стр. 808

سورة الدخان

стр. 809

سورة الدخان ١٥٥ - قال اللَّه تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنَّسَائِي عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه يفسر هذه الآية (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللَّه أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: اللَّه أعلم، إنما كان هذا أن قريشاً لما استعصت على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصابهم قحط وجهد. حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. وحتى أكلوا العظام فأتى النبي ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله استغفر اللَّه لِمُضَرَ فإنهم قد هلكوا فقال: (لمضر إنك لجريء) قال: فدعا اللَّه لهم، فأنزل الله : (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) قال: فمطروا، فلما أصابتهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه. قال فأنزل الله : (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) قال: يعني يوم بدر.

стр. 810

وفي لفظ للبخاري: فذلك قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) - إلى قوله جل ذكره - (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ). وفي لفظ له أيضاً: (ثم قرأ: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) حتى بلغ (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ). قال عبد الله: أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين
следующие страницы →